← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17791

شرح المصابيح لابن الملك

ابن الملك

Полный текст (3 421 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.

стр. 2101

"سِلْماً"؛ أي: أُسَرَاء. "فاسْتَحْيَاهم" أي: تركهم أحياء ولم يقتلهم. "ويروى: فأعتقهم، فأنزل الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ ". * * * ٣٠١٦ - عن أبي طلحةَ: أن نبيَّ الله ﷺ أمرَ يومَ بدرٍ بأربعةٍ وعشرينَ رَجُلاً من صَنَادِيدِ قُرَيشٍ، فَقُذِفُوا في طَوِيٍّ من أطواءِ بدرٍ خَبيثٍ مُخْبثٍ، وكانَ إذا ظهرَ على قومٍ أقامَ بالعَرْصَةِ ثلاثَ ليالٍ، فلمَّا كانَ ببدرٍ اليومَ الثالثَ أمرَ براحِلَتِهِ فَشُدَّ عليها رَحْلُها ثم مَشَى، واتَّبَعَهُ أصحابُهُ، حتى قامَ على شَفَةِ الرَّكِيِّ، فجعلَ يُنادِيهِم بأسمائِهم وأسماءِ آبائهم: "يا فُلانُ بن فلانٍ، ويا فُلَانُ بن فلانٍ، أَيَسرُّكم أنكم أطَعْتُم الله ورسولَهُ؟ فإنَّا قد وَجَدْنَا ما وَعَدَنَا ربنا حَقًّا، فهل وجدْتُم ما وَعَدَ ربُّكم حقاً؟ قالَ عمرُ: يا رسولَ الله! ما تُكَلِّمُ مِن أجسادٍ لا أَرْوَاحَ لها؟ قال النبيُّ ﷺ : والذي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بيدِه، ما أنتُم بأسمَعَ لِمَا أقولُ منهم". وفي روايةٍ: "ما أنتُمْ بأسمعَ منهم، ولكنْ لا يُجيبونَ". "عن أبي طلحة - رضي الله تعالى عنه -: أن النبي ﷺ أَمَرَ يومَ بَدْرٍ بأربعة وعشرين رجلاً من صَنَاديد قريش" جمع صِنْدِيد، وهو كل عظيم غالب، وقال الجوهري: السَّيد الشُّجاع، والمراد هنا: أكابر كفار مكة. "فَقُذفوا": أي: أُلقوا. "في طَوِيٍّ"، وهي البئر المطوية بالحجارة؛ أي: المحكمة بها. "من أطواء بدر خبيث": صفة بئر، وصفها به لإلقاء الجيف فيها. "مُخْبث"؛ أي: ذي خَبَث، أو أصحابه خبثاء، أو خبيث ماؤها؛ أي:

стр. 2102

كريه الطعم، و (مخبث): فيها أشياء خبيثة كخرق الحيض وغيرها. "كان"؛ أي: النبي ﷺ . "إذا ظهر" أي: غلب. "على قوم أقام بالعَرْصَة" أي: عرصتهم وأرضهم، والعَرْصَة أيضًا: كل موضع واسع لا بناء فيه، والمراد هنا: المعترك. "ثلاث ليال"؛ ليطهر تلك الناحية من الكفرة. "فلما كان ببدر اليوم الثالث أمر براحلته فَشُدَّ عليها رَحْلُها ثم مشى"؛ أي: النبي ﷺ . "واتَّبعه أصحابه حتى قام"؛ أي: وقف. "على شَفَةِ الرَّكِيِّ"؛ أي: على طرف البئر التي أُلقِيَ فيها أولئك الصَّناديد. "فجعل"؛ أي: طفق. "يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: يا فلان بن فلان، ويا فلان بن فلان، أيسرُّكم أنكم أطعتم الله ورسوله"؛ يعني: تتمنون أن تكونوا مسلمين بعد ما كُشِفَ عنكم الغطاء، ورأيتم من عذاب الله. "فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً" من أن يجعلنا غالبين عليكم ويقوى ديننا بالنصرة عليكم ﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا﴾ من العذاب كذلك. "فقال عمر - رضي الله تعالى عنه: - يا رسول الله! ما تكلِّم"، (ما) مبتدأ بمعنى الذي "من أجسادٍ" بيان (ما) "لا أرواح لها" خبره؛ يعني: ما تكلم معهم يا نبي الله أجساد لا أرواح لها فكيف يجيبونك، وقيل: (ما) استفهامية و (من) زائدة. "قال رسول الله ﷺ : والذي نفس محمد بيده، ما أنتم بأسمع لما أقول

стр. 2103

منهم" متعلق بـ (أسمع)، قال قتادة: أحياهم الله حتى أسمعهم قوله ﷺ توبيخاً وحسرة وندامة. "وفي رواية: ما أنتم بأسمع منهم، ولكن لا يجيبون"؛ لعدم قدرتهم عليه. * * * ٣٠١٧ - عن مروانَ، والمِسْوَرِ بن مَخْرَمَة: أنَّ رسولَ الله ﷺ قالَ حينَ جاءَهُ وفدُ هَوازِنَ مسلمينَ فسألُوهُ أَنْ يَرُدَّ إليهم أموالَهم وسَبْيَهم، قال: "فاختارُوا إحدى الطَّائفَتينِ: إمَّا السَّبْيَ، وإمَّا المالَ"، قالوا: فإنَّا نختارُ سَبْيَنَا، فقامَ رسولُ الله ﷺ فَأَثْنَى على الله بما هوَ أهلُهُ ثم قالَ: "أمَّا بعدُ فإنَّ إخوانَكم قد جَاؤوا تائبينَ، وإني قد رأيتُ أنْ أَرُدَّ إليهم سَبْيَهم، فَمَنْ أَحَبَّ منكم أنْ يُطَيبَ ذلكَ فَلْيَفْعَلْ، ومَن أحبَّ منكُمْ أنْ يكونَ على حظِّهِ حتى نُعطِيَهِ إيَّاهُ مِن أوَّلِ ما يُفِيءُ الله علينا فليَفْعَلْ"، فقالَ الناسُ: قد طَيَّبنا ذلكَ يا رسولَ الله! فقالَ رسولُ الله ﷺ : "إنا لا نَدري مَن أذِنَ منكم ممن لَمْ يأذنْ، فارجِعُوا حتى يرفعَ إلينا عُرَفاؤُكم أَمْرَكُم"، فرجعَ النَّاسُ فكلَّمَهم عُرَفاؤُهم، ثم رَجَعُوا إلى رسولِ الله ﷺ فأخبروهُ أنهم قد طَيَّبُوا وأَذِنُوا. "عن مروان والمِسْوَر بن مَخْرَمَةَ: أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال حين جاءه وفد هَوَازِن مسلمين" بعد ما أغار ﷺ على قبيلتهم، وأخذ أموالهم، وسبى ذريتهم. "فسألوه أن يردَّ إليهم أموالهم وسَبْيَهُم، قال": بدل من (قال) الأول. "فاختاروا إحدى الطائفتين"، يريد به: أحد الأمرين. "إما السَّبْي وإما المال، قالوا: فإنا نختار سَبْيَنَا، فقام رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: أما بعد، فإن إخوانكم قد جاؤوا تائبين"؛ أي: مسلمين.

стр. 2104

"وإني قد رأيْتُ أن أَرُدَّ إليهم سَبْيَهم"؛ أي: مسبيَّهم. "فمَنْ أحبَّ منكم أن يُطَيب ذلك" بتشديد الياء؛ أي: يردَّ ما في يده بطِيب قلبه "فليفعل"، وإنما استأذنهم ﷺ في ذلك لصيرورته مُلْكاً للمجاهدين، فلا يجوز استردادها منهم إلا بطِيب قلوبهم. "ومن أحبَّ منكم أن يكون على حظّه"؛ أي: يكون له نصيب عوض ما رده. "حتى نعطيه" أي: ذلك الحظ. "إيَّاه من أول ما يفيء الله تعالى علينا"؛ أي: يعطينا فيئاً، وهو ما حصل من أموال الكفار من غير قتال. "فليفعل" أي: ليرده. "فقال الناس: قد طَيَّبنا ذلك يا رسول الله! فقال رسول الله ﷺ : إنا لا ندري مَنْ أَذِنَ" أي: مَنْ رَضي "منكم" في ردِّ السَّبي. "ممن لم يأذن، فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم": جمع العريف، وهو القيم بالأمور؛ أي: يخبرنا رضاءكم في غيبتي. "فرجع الناس، فكلمهم عرفاؤهم، ثم رجعوا إلى رسول الله ﷺ ، فأخبروه أنهم طَيَّبوا وأَذِنُوا". * * * ٣٠١٨ - عن عِمرانَ بن حُصَيْنٍ قال: كان ثَقِيفٌ حليفاً لبنِي عُقَيْلٍ، فأسَرَتْ ثَقيفٌ رجلينِ من أصحابِ رسولِ الله ﷺ ، وأَسَرَ أصحابُ رسولِ الله ﷺ رجلاً من بني عُقَيْلٍ، فأَوْثَقوهُ فطَرَحُوه في الحَرَّةِ، فمرَّ به النبيُّ ﷺ فَنَادَاهُ: يا مُحمدُ! يا محمدُ! فيمَ أُخِذْتُ؟ قال: "بجريرةِ حُلفائِكم ثَقيفٍ"، فتركَهُ ومضى، فنادَاهُ: يا محمدُ! يا محمدُ! فَرَحِمَهُ رسولُ الله ﷺ فرجَعَ فقال:

стр. 2105

"ما شأنُكَ؟ "، فقال: إنِّي مُسلِمٌ، فقال: "لو قُلْتَها وأنتَ تملِكُ أمرَكَ أفلحْتَ كلَّ الفَلَاحِ"، قال: فَفَدَاهُ رسولُ الله ﷺ بالرَّجُلَينِ اللَّذَيْنِ أَسَرَتْهُما ثقيفٌ. "عن عِمْرَان بن حُصَيْن قال: كان ثَقِيْفٌ حليفاً" أي: محالفاً. "لبني عُقَيل" بالتصغير: قبيلة، وكان بينه ﷺ وبين ثَقِيْفُ عهداً: أن لا يتعرضوا لأحد من المسلمين. "فأسَرَتْ ثَقِيْفُ رجلين من أصحاب النبي ﷺ ، وأَسَرَ أصحاب رسول الله"؛ أي: أخذوا. "رجلاً من بني عُقَيْل" عوضاً عن الرجلين الذين أخذهما ثَقِيْف، وكان عادة العرب أن يأخذوا الحليف بجرم حليفه، ففعل ﷺ هذا الصَّنيع على عادتهم. "فأوثقوه" أي: شدُّوه بالوثاق. "وطَرَحُوه" أي: ألقوه. "في الحرَّة" وهي الأرض الكثيرة الحجارة السُود بين جبلين بظاهر المدينة. "فمرَّ به رسول الله، فناداه: يا محمد! فِيْمَ أُخِذْتُ؟ " استفهام عن السبب الموجِب للأخذ. "قال بِجَرِيْرَة حلفائكم ثَقِيْف"؛ أي: بجنايتكم، وهذا يحمل على ابتداء الإسلام ثم نسخ. "فتركه" أي: النبي ﷺ ذلك الرجل. "فمضى، فناداه: يا محمد! يا محمد! فرحمه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فرجع فقال: ما شأنك؟ فقال: إني مسلم، فقال: لو قلتها" أي: كلمة الشهادة.

стр. 2106

"وأنت تملِكُ أمرَكَ" أي: في حال اختيارك وقبل كونك أسيراً. "أفلحْتَ كلَّ الفلاح" أي: نجوت في الدنيا بالخلاص من الرقِّ، وفي العقبى بالنجاة من النار، وفيه دلالة على أن الكافر إذا وقع في الأسر فادَّعى أنه كان قد أسلم قبله لم يقبل إلا ببينة، وإن أسلم بعده حرم قتله، وجاز استرقاقه، وإن قَبلَ الجزية بعده، ففي حرمة قتله خلاف. "قال: ففداه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بالرجلين اللذين أسرهما ثقيف" فيه دلالة على جواز الفدية. قيل: الظاهر أنه مسلم لأن معنى قوله: (أفلحت كلَّ الفلاح) أفلحت بإسلامك، ولكن لم يحصل لك كل الخلاص به؛ لذِكْرِك إيَّاه بعد الأسر، ولو ذَكَرْتَه قبله تخلصْتَ كلَّ الخَلَاص، وأما رده وأخذه الرجلين بدله، فلا ينافي إسلامه لجواز أن يكون الرد شرطاً بينهم في العهد الجاري بينه ﷺ وبينهم. * * * مِنَ الحِسَان: ٣٠١٩ - عن عائشةَ قالت: لمَّا بعثَ أهلُ مكَّةَ في فداءَ أُسرَائِهم، بعثَتْ زينبُ في فداءَ أبي العاص بمالٍ، وبعثَتْ فيهِ بقِلادةٍ لها كانَتْ عندَ خديجةَ أدخلَتْها بها على أبي العاصِ، فلمَّا رَآها رسولُ الله ﷺ رَقَّ لها رِقَّةً شديدةً، وقال: "إنْ رأيتُم أَنْ تُطْلِقُوا لها أَسيرَها، وتردُّوا عليها الذي لها؟ "، فقالوا: نعم، وكانَ النبيُّ ﷺ أخذَ عليه أنْ يُخلِّيَ سبيلَ زينبَ إليه، وبعثَ رسولُ الله ﷺ زيدَ بن حارثةَ ورَجُلاً من الأنصارِ فقال: "كُونَا ببطنِ يَأْجِجٍ حتى تَمُرَّ بِكُمَا زينبُ فتصْحَبَاها حتى تَأْتِيا بها". "من الحسان": " عن عائشة ﵂ [قالت:] لما بَعَثَ أهل مكَّة في فداء

стр. 2107

أُسَرَائهم" حين غلب النبي ﷺ يوم بدر عليهم، فقتل بعضهم وأَسَرَ بعضهم، وطلب منهم الفداء. "بعثَتْ زينب" بنت النبي ﷺ من خديجة. "في فِدَاء" زوجها. "أبي العاص" بن الربيع، عبد الشمس القرشي. "قال (١) "، وهو كان من جملة أُسَرَاء بدر، وكان تزويج الكافر بالمسلم جائز، فنسخ بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢١]، وقيل: زوجها منه قبل المبعث. "وبعثَتْ فيه"؛ أي: في فِدَائه. "بقِلادة لها كانت"؛ أي: تلك القلادة. "عند خديجة أدخلَتْها بها"؛ أي: خديجة القلادة بزينب؛ أي: معها. "على أبي العاص"؛ يعني: دفعتها إليها حين دخل عليها أبو العاص وزُفَّتْ إليه. "فلما رآها" أي: تلك القلادة. "رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم رَقَّ لها" أي: لزينب. "رِقَّةً شديدة" لوجدتها، وتذكَّر عهد خديجة وصحبتها؛ فإن القلادة كانت لها وفي عنقها. "وقال" أي: النبي ﷺ للصحابة: "إن رأيتم أن تطلقوا أسيرها وتردُّوا عليها الذي لها" وثاني مفعولي (رأيتم) وجواب الشرط محذوفان؛ أي: إن رأيتم

стр. 2108

الإطلاق والرد حسناً فافعلوا (١). "فقالوا: نعم"، وفيه: جواز المَنِّ على الأسير بلا فداء. "وكان النبي ﷺ أخذ عليه"؛ أي: على أبي العاص عهداً عند إطلاقه. "أن يُخلي سبيل زينب" ويرسلها. "إليه"؛ أي: إلى النبي ﷺ ، ويأذن لها بالهجرة إلى أبيها بالمدينة. "وبعث رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم زيد بن حارثة ورجلاً من الأنصار فقال: كونا ببطن ناجح" بالنون والجيم والحاء المهملة بعد الجيم، وفي بعض النسخ: بالياء حرف العلة والجيمين: موضعٌ بمكة، وهو من بطون الأودية التي حول الحرم، وقيل: موضع أمام مسجد عائشة. "حتى تمرَّ بكما زينب، فتصحباها حتى تأتيا بها"، وفيه: أن للإمام الأعظم إرسال رجلين فصاعداً مع أجنبية في طريق إن أمن الفتنة. * * * ٣٠٢٠ - ورُوِيَ: أن رسولَ الله ﷺ لمَّا أسرَ أهلَ بدرٍ قتلَ عُقْبَةَ بن أبي مُعَيْطٍ والنضرَ بن الحارثِ، ومَنَّ على أبي عزَّة الجُمَحِي. "وروي أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لما أَسَرَ أهل بدر قتل عُقْبَةَ بن أبي مُعَيْط والنَّضر بن الحارث، ومنَّ على أبي عَزَّة الجُمَحي"؛ أي: خلَّى سبيله، وهذا يدل على جواز قتل الأسارى، وجواز المنَّ. * * * ٣٠٢١ - ورُوِيَ عن ابن مسعودٍ ﵁: أن رسولَ الله ﷺ لمَّا أرادَ قتلَ عُقْبَةَ

стр. 2109

ابن أبي مُعَيْطٍ قال: مَن للصِّبْيَةِ؟ قال: "النارُ". "وروي عن ابن مسعود: أن رسول الله ﷺ لما أراد قتل عُقْبَة بن أبي مُعَيْطٍ قال" أي: عقبة: "مَن للصِبْيَة"؛ أي: من يحفظ أطفالي ويتكفل أمورهم. "قال: النار" فيه دليل على أن ذراري المشركين مع (١) آبائهم، ويحتمل أن يكون الجواب من الأسلوب الحكيم، يعني: اهتمَّ بشأن نفسك، وما هُيئَ لك من النار، ودَعْ الصبية فإن كافلهم هو الله. * * * ٣٠٢٢ - عن عُبَيْدَةَ عن عليٍّ، عن رسولِ الله ﷺ : أن جبريلَ هبطَ عليهِ فقالَ لهُ: "خَيرْهُم - يعنى: أصحابَكَ - في أُسارَى بدرٍ: القتلَ، أو الفِداءَ على أنْ يُقتَلَ منهم قابلاً مثلُهم"، قالوا: الفِداءُ ويُقْتَلُ مِنَّا. غريب. "عن عُبَيْدَةَ عن عليٍّ ﵄ عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: أن جبرائيل هبط" أي: نزل. "عليه فقال له: خَيرهم، يعني: أصحابَكَ"؛ أي: قل لهم: أنتم مخيرون. "في أُسَارى بدر: القتل أو الفداء"؛ أي: بين أن يقتلوا أُسَرَاء بدر ولا يلحقكم ضرر، وبين أن تأخذوا منهم الفداء وتطلقونهم. "على أن يُقتل منهم"؛ أي: من الصحابة. "قابلاً"؛ أي: في السنة القابلة. "مثلهم"؛ أي: بعدد مَنْ يُطْلِقُون منهم؛ لكون الظَّفر للكفار فيها. "قالوا"؛ إي: الصحابة.

стр. 2110

"الفداء"؛ أي: اخترنا الفداء. "ويُقْتَلَ منَّا" نصب بإضمار (أن) بعد الواو العاطفة على (الفداء)؛ أي: وأن يقتل منا في العام القابل مثلهم، قيل: قُتِلَ من المسلمين يوم أحد مثل ما قَتَلَ المسلمون منهم يوم بدر، وإنما اختاروا ذلك رغبةً في إسلام أسارى بدر، وقتلهم للشهادة ورِقَّة منهم على الأسارى لمكان قرابتهم منهم. "غريب". * * * ٣٠٢٣ - عن عَطِيَّةَ القُرَظِيِّ قالَ: كنتُ مِنْ سَبْي قُرَيظةَ، عُرِضْنا على النبيَّ ﷺ ، فكانوا ينظرونَ، فَمَنْ أَنْبَتَ الشَّعرَ قُتِلَ، ومَن لم يُنْبتْ لم يُقْتَل، فكَشَفُوا عانتِي فوجدُوهَا لم تُنْبتْ، فجعَلوني في السَّبْي. "عن عَطِيَّةَ القُرَظِي قال: كلنت من سَبْي قُرَيظة، عُرِضْنا على النبي ﷺ ، فكانوا ينظرون، فمَنْ أنْبَتَ الشَّعر قُتِلَ، ومن لم يُنْبتْ لم يُقْتَل"، وإنما نظروا إلى عانتهم ولم يسألوا عن بلوغهم؛ لأنهم كانوا لم يتحدثوا بالصِّدق لما رأوا فيه الهلاك. "فكشَفُوا عانتي فوجدوها لم تنبت، فجعلوني في السَّبي". ٣٠٢٤ - عن عليِّ بن أبي طالبٍ ﵁ قال: خرجَ عبْدَانٌ إلى رسولِ الله ﷺ ، يعني يومَ الحُدَيْبيَةِ قبلَ الصُّلح، فكتبَ موالِيهِم قالوا: يا محمدُ! والله ما خَرَجُوا إليكَ رَغبةً في دينِكَ، وإنَّما خَرجُوا هَرَباً مِنَ الرِّقِّ، فقال ناسٌ: صَدَقُوا يا رسولَ الله! رُدَّهُم إليهم، فغضبَ رسولُ الله ﷺ وقال: "ما أُراكُم تَنْتَهونَ يا معشَرَ قريشٍ! حتى يبعثَ الله عليكم مَن يَضْرِبُ رِقابَكم على هذا، وأَبَى أنْ يَرُدَّهُم وقال: هُمْ عُتَقَاءُ الله".

стр. 2111

"عن علي - رضي لله تعالى عنه - قال: خرج عبدان" بكسر العين المهملة وضمها وسكون الباء فيهما وبكسرتين وتشديد الدال أيضاً: جمع عبد؛ يعني: خرجوا من مكة هاربين مِنْ مواليهم وجاؤوا. "إلى رسول الله" ﷺ مسلمين. "يعني: يوم الحديبية قَبْلَ الصلح، فكتب مواليهم فقالوا: يا محمد! والله ما خرجوا إليك رغبةً في دينك، وإنما خرجوا هرباً من الرِّق، فقال ناس: صدقوا يا رسول الله! رُدَّهُمْ إليهم، فغضب النبي ﷺ وقال: ما أُراكم تنتهون": (ما) نافية؛ يعني: لا تنتهون. "يا معشر قريش" مِنْ تَعَصُّبٍ لأهل مكة. "حتى يبعث الله عليكم مَنْ يَضْرِبُ رقابَكم على هذا"؛ أي: على هذا الحكم، وإنما غضب ﷺ عليهم لمعارضتهم حكم الشرع فيهم بالظنِّ والتَّخمين، وصدقوا المشركين فيما ادعوه، فكان معاونتهم لملَّاكهم تعاوناً على العدوان. "وأبى أن يردهم وقال: هم عتقاء الله". * * * ٧ - باب الأمانِ (باب الأمان) مِنَ الصِّحَاحِ: ٣٠٢٥ - عن أُمِّ هانئٍ بنتِ أبي طالبٍ قالت: ذهبتُ إلى رسولِ الله ﷺ عامَ الفتح فوجدتُهُ يغتسلُ، وفاطمةُ ابنتُهُ تَستُرُه بثوبٍ، فَسَلَّمْتُ فقال: "مَن هذهِ؟ "، فقلتُ: أنا أمُّ هانئٍ بنتُ أبي طالبٍ، فقالَ: "مرحباً بأمِّ هانئٍ"، فلمَّا

стр. 2112

فرغَ مِن غُسْلِهِ قامَ فصلَّى ثمانيَ ركَعاتٍ مُلْتَحِفاً في ثوبٍ ثم انصرفَ، فقلتُ: يا رسولَ الله! زَعَمَ ابن أُمي عليٌّ أنهُ قاتِلٌ رجلاً أَجَرْتُه فلانُ بن هُبَيرةَ، فقال رسولُ الله ﷺ : "قد أَجَرْنَا من أَجَرْتِ يا أمَّ هانئٍ! "، وذلك ضُحَى. ورُوِيَ عن أمِّ هانئٍ قالت: أجرْتُ رَجُلَينِ من أحمائي، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "قد أَمَّنَا مَن أَمَّنْتِ". "من الصحاح": " عن أمِّ هانئ"، اسمها فاختة. "بنت أبي طالب قالت: ذهبْتُ إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عام الفتح، فوجدته يغتسل، وفاطمة ابنته تستره بثوب، فسَلَّمْتُ، فقال: مَنْ هذه؟ فقلْتُ: أنا أم هانئ بنت أبي طالب فقال: مرحباً بأمِّ هانئ" أي: لقيت رحباً وسَعَة. "فلما فرغ من غُسْله، قام فصلَّى ثماني ركعات مُلْتَحِفاً"؛ أي: ملفوفاً. "في ثوب، ثم انصرف فقلت: يا رسول الله! زعم ابن أمي"؛ أي: أخي "عليٌّ" قالت هذا غضباً عليه. "أنه قاتِلٌ رجلاً أَجَرْتُهُ" بفتح الهمزة وقصرها: صفة رجلاً؛ أي: يريد أن يقتل رجلاً أمَّنْتُه، من الإجارة بمعنى الأمن، أصله أجورته فنقلت حركة الواو إلى الجيم فانقلبت ألفاً، ثم حُذفت للساكنين. "فلان بن هبيرة" بدل من (رجلًا) أو بيان له. "فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: قد أجرنا من أجرْتِ يا أم هانئ، وذلك ضحى"؛ أي: المذكور من القصة في وقت الضحى، فتكون تلك الصلاة صلاة الضحى.

стр. 2113

"وروي عن أم هانئ قالت: أجرْتُ رجلين من أحمائي" أي: من أقارب زوجي. "فقال النبي ﷺ : قد أمَّنَّا مَنْ أمَّنْتِ". * * * مِنَ الحِسَان: ٣٠٢٦ - قال رسولُ الله ﷺ : "المسلمونَ تَتكافَأُ دماؤُهم ويَسْعَى بذِمَّتِهم أَدْناهُم". "من الحسان": " قال عليٌّ - رضي الله تعالى عنه -: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: المسلمون تتكافأ دماؤهم" أي: تتماثل وتتساوى في الديات والقصاص. "ويسعى بذمتهم أدناهم" منزِلَة، قد مرَّ شرحه في (حسان كتاب القصاص)، وقد ذكر ثَمَّ؛ لما فيه من الدلالة على أن الشريف يُقَاد بالوضيع، وهاهنا؛ لما فيه أن الأمان يصح من الأدنى حتى المرأة والعبد. * * * ٣٠٢٧ - وعن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ قال: "إنَّ المرأةَ لتأخُذُ للقَومِ"، يعني: تُجيرُ على المسلمينَ. "وعن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال: إن المرأة لتأخذ" أي: جاز أن تأخذ المرأة المسلمة الأمان. "للقوم؛ يعني: تجير على المسلمين".

стр. 2114

٣٠٢٨ - عن عمرِو بن الحَمِقِ قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "مَن آمنَ رجلاً على نفسِه فقتلَه، أُعطيَ لواءَ الغَدْرِ يومَ القيامةِ". "عن عمرو بن الحَمِق" بفتح الحاء المهملة وكسر الميم. "قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من أَمَّن رجلاً على نفسه فقتله، أعطي لواء الغدر يوم القيامة". * * * ٣٠٢٩ - وعن سُلَيْمٍ بن عامرٍ قال: كانَ بينَ معاويةَ وبينَ الرُّومِ عَهْدٌ، فكانَ يسيرُ نحوَ بلادِهم حتى إذا انقضَى العهدُ أغارَ عليهم، فجاءَ رجلٌ على فرسٍ أو بِرْذَوْنٍ وهو يقولُ: الله أكبرُ، الله أكبرُ، وفاءٌ لا غَدْرٌ، فنَظَروا فإذا هو عمرُو بن عَبَسَةَ، فسألَهُ معاويةُ عن ذلكَ، فقالَ: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "مَن كانَ بينَهُ وبينَ قومٍ عَهْدٌ فلا يُحِلَّنَ عَهْداً ولا يَشُدَّنه حتى يَمضيَ أمدُه أو يَنْبذَ إليهم على سواءٍ"، قال: فرجعَ معاويةُ بالناسِ. "وعن سُليم بن عامر قال: كان بين معاوية وبين الروم عهدٌ، وكان يسير" أي: يذهب معاوية. "نحو بلادهم" قبل انقضاء مدة العهد؛ ليقرب من بلادهم حين انقضاء العهد. "حتى إذا انقضى العهد، أغار عليهم" على غفلةٍ منهم. "فجاء رجل على فرس"، أراد به: الفرس العربي. "أو بِرْذَونٍ" بكسر الباء الموحدة وفتح الذال المعجمة ثم السكون: هو الفرس التركي. "وهو يقول: الله أكبر، الله أكبر، وفاءٌ لا غدر" أي: الواجب علينا وفاء؛ يعني: ليكن بينكم وفاء بالعهد، لا نقض عهد.

стр. 2115

"فنظروا فإذا هو عمرو بن عَبْسة، فسأله معاوية عن ذلك؟ فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من كان بينه وبين قوم عهدٌ، فلا يُحِلنَّ عهداً" أي: فلا يجوز نقض العهد. "ولا يشدنه"؛ أي: ولا يجوز الزيادة على تلك المدة، بل يتركه. "حتى يمضي أمده"؛ أي: غاية مدته. "أو ينبذ إليهم على سواء"؛ أي: يخبر بأنه نقض العهد؛ ليكون خصمه مساوياً في النقض؛ كيلا يكون ذلك غدراً منه. "قال: فرجع معاوية بالناس" من مغزاه؛ لعلمه بالخطأ، وفيه تعريضٌ بالنهي عن الغدر، وأن العهد بيننا وبينهم ليس بعقد لازم، لكن لا يجوز أن يقاتلهم إلا بعد الإعلام والمنابذة. * * * ٣٠٣٠ - عن أبي رافعٍ قال: بَعَثتنِي قُرَيشٌ إلى رسولِ الله ﷺ ، فلمَّا رأيتُ رسولَ الله ﷺ أُلقيَ في قلبي الإسلامُ، فقلتُ: يا رسولَ الله! إنِّي والله لا أَرجِعُ إليهم أبداً، قال: "إنِّي لا أَخِيسُ بالعهدِ ولا أحبسُ البُرُدَ، ولكنْ ارجعْ فإنْ كانَ في نفسِكَ الذي في نفسِكَ الآنَ فارجِعْ"، قال: فذهبتُ ثم أَتيتُ النبيَّ ﷺ فأَسلمتُ. "عن أبي رافع قال: بعثتني قريشٌ رسولاً إلى رسول الله ﷺ ، فلما رأيت رسول الله ألقي في قلبي الإسلام، فقلت: يا رسول الله! إني والله لا أرجع إليهم أبداً، قال"؛ أي: النبي ﷺ . "إني لا أخيسُ"؛ أي: لا أغدر. "بالعهد، ولا أنقضه"، وفيه بيان أن العهد يُراعى مع الكفار، كما يُراعى مع المسلمين.

стр. 2116

"ولا أحبس البُرُد" بضمتين، وقيل: بسكون الحشو؛ جمع بريد، وهو الرسول، وإنما لم يحبسه ﷺ لاقتضاء الرسالة جواباً، فالمرسَلُ أولى به. "ولكن ارجع": استدراك عن مقدر؛ أي: لا تقم هاهنا، ولا تظهر الإسلام، ولكن ارجع. "فإن كان في نفسك الذي في نفسك"؛ يعني: إن كان في قلبك الإسلام في المستقبل، كما كان في قلبك "الآن، فارجع"؛ أي: من بين الكفار إلينا، ثم أسلم؛ لأني لو قبلت منك الإسلام الآن، وما أردك إليهم لغدرت. "قال"؛ أي: أبو رافع: "فذهبت، ثم أتيت النبي ﷺ فأسلمت". * * * ٣٠٣١ - عن نُعَيْمِ بن مَسعودٍ: أن رسولَ الله ﷺ قالَ لرجُلَينِ جاءَا مِن عندِ مُسَيْلِمةَ: "أَما والله لَوْلا أن الرُّسُلَ لا تُقتَلُ لضربتُ أعناقَكما". "عن نعيم بن مسعود رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال لرجلين جاءا من عند مسيلمة" الكذاب، أحدهما عبد الله بن النوَّاحة (١): "أما والله لولا أن الرسل لا تقتل، لضربت أعناقكما"، إنما قال لهما ذلك؛ لأنهما قالا بحضرته: نشهد أن مسيلمة رسول الله، قيل: عدم قتل الرسل مستفادٌ من قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ﴾ [التوبة: ٦]، والوافد في حكم المستجير.

стр. 2117

٣٠٣٢ - عن عمرو بن شُعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه: أن رسولَ الله ﷺ قالَ في خُطبتِهِ: "أَوْفُوا بحِلْفِ الجاهليةِ فإنه لا يزيدُه - يعني: الإسلامَ - إلا شِدَّة، ولا تُحْدِثُوا حِلْفاً في الإسلامِ". "عن عمرو بن شُعيب، عن أبيه، عن جده رضي الله تعالى عنهم: أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال في خطبته: أوفوا بحلف الجاهلية"؛ يعني: إن كنتم حلفتم في الجاهلية بأن يعين بعضكم بعضاً، فإذا أسلمتم فأوفوا بذلك الحلف. "فإنه لا يزيده؛ يعني: الإسلام" لا يزيد الحلف "إلا شدة، ولا تُحدِثوا حِلْفاً في الإسلام": مخالفاً لحكم الإسلام بأن يرث بعضكم من بعض، وأن يفتنوا بين القبائل، فإن الإسلام أقوى من الحلف، فمن استمسك بالعاصم القوي استغنى عن العاصم الضعيف. * * * ٨ - باب قِسْمَةِ الغنائمِ والغُلولِ فيها " باب قسمة الغنائم": جمع الغنيمة، وهي: ما أخذ من الكفار الحربية قهراً. "والغلول فيها"! أي: الخيانة في الغنيمة. مِنَ الصِّحَاحِ: ٣٠٣٣ - عن أبي هريرةَ، عن رسولِ الله ﷺ قال: "فلم تَحِلَّ الغنائمُ لأحدٍ من قبلِنا، ذلكَ بأنَّ الله رَأَى ضَعْفَنا وعَجْزَنا فَطَيَّبَها لنا".

стр. 2118

"من الصحاح": " عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: لم تحل الغنائم لأحد من قبلنا"، قيل: كانت الأمم الماضية إذا غزوا وغنموا، كانوا يجمعونها، فإن نزلت نارٌ من السماء وأحرقتها، علموا أن غزوتهم مقبولة. "ذلك": إشارة إلى تحليل الغنائم لنا. "بأن الله رأى ضعفنا وعجزنا فطيَّبها"؛ أي: أحلها "لنا". * * * ٣٠٣٤ - عن أبي قَتادةَ قال: خَرَجْنا معَ النبيِّ ﷺ عامَ حُنَيْنٍ، فلمَّا التقيْنا كانَتْ للمُسلمينَ جَوْلَةٌ، فرأيتُ رجلاً مِن المشركينَ قد عَلا رجلاً مِن المسلمينَ، فضربتُ مِن وَرائه على حَبْلِ عاتقِهِ بالسَّيفِ، فقَطَعْتُ الدِّرْعَ، وأقبلَ عليَّ فضَمَّني ضَمَّةً وجدتُ منها ريحَ الموتِ، ثم أَدْركَهُ الموتُ فأَرسلَني، فلَحِقْتُ عمرَ فقلتُ: ما بالُ النَّاسِ؟ قال: أمرُ الله، ثم رجعُوا وجَلَسَ النبيُّ ﷺ فقالَ: "مَن قتلَ قتيلاً لهُ عليهِ بَينةٌ فلهُ سَلَبُه"، فقلتُ: مَن يشهدُ لي؟ ثم جلستُ، فقال النبيُّ مثلَه، فقمتُ فقالَ: "ما لَكَ يا أَبا قَتادةَ؟ "، فأَخبرتُهُ، فقالَ رجلٌ: صَدَقَ، وسلَبُهُ عندي فأرْضهِ مِنِّي، فقالَ أبو بكرٍ: لاها الله، إذاً لا يَعمِدُ إلى أَسَدٍ مِن أُسْدِ الله يقاتلُ عن الله ورسولهِ فيُعطيكَ سلَبَه! فقالَ النبيُّ ﷺ : "صَدَقَ فأَعْطِهِ"، فأعطانِيهِ، فابتَعْتُ به مَخْرَفاً في بني سَلَمةَ، فإنه لأَوَّلُ مالٍ تَأَثَّلُتُه في الإِسلامِ. "عن أبي قتادة قال: خرجنا مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عام حُنين، فلما التقينا"؛ أي: المشركين. "كانت للمسلمين جَوْلةٌ" - بفتح الجيم وسكون الواو - من الجولان،

стр. 2119

يقال: جال في الحرب جولة؛ أي: دار، وقد فُسِّرت في الحديث بالهزيمة، عبر عنها بالجولة؛ لاشتراكهما في الاضطراب وعدم الاستقرار. "فرأيت رجلاً من المشركين قد علا" أي: غلب. "رجلاً من المسلمين، فضربت من ورائه على حبل عاتقِهِ": وهو موضع الرداء من العنق، وقيل: ما بين العنق والمنكب، وقيل: عرق أو عصب هناك. "بالسيف، فقطعت الدرع، فأقبل عليَّ، فضمني"؛ أي: ضغطني وعصرني. "ضمة وجدْتُ منها ريحَ الموت، ثم أدركه الموتُ، فأرسلني" أي: أطلقني. "فلحقت عمر، فقال: ما بال الناس"؛ أي: ما حالهم ينهزمون؟ "قال: أمر الله"؛ أي: كائن، أو ما تراه أمر الله. "ثم رجعوا"؛ أي: المسلمون. "وجلس النبي ﷺ فقال: من قتل قتيلاً"، سماه قتيلاً باعتبار ما يؤول إليه. "له عليه"؛ أي: على قتله "بينةٌ، فله سلبه": وهو ما على القتيل ومعه من ثياب وسلِاح ومركب. "فقلت: من يشهد لي؟ " بأني قتلت رجلاً من المشركين؛ ليكون سلبه لي. "ثم جلست، فقال النبي ﷺ مثله"؛ أي: مثل قوله: " من قتل قتيلاً. . . " إلخ. "فقلت: من يشهد لي؟ ثم جلست، فقال النبي ﷺ مثله، فقمت، فقال: ما بالك يا أبا قتادة؟ فأخبرته فقال رجلٌ: صادق"؛ أي: أبو قتادة أنه قتل كافراً.

стр. 2120

"وسلبُهُ عندي، فأرضهِ"؛ أي: أبا قتادة. "عنه"؛ أي: عن السلب. "مني"؛ أي: أعطه قدر ما يرضيه عني، وأسهمني معه، وقيل: معناه أعطه عوضاً عنه؛ ليكون ذلك لي. "فقال أبو بكر: لاها الله إذاً"، كذا رُوِي، حمله بعض النحاة على الغلط من بعض الرواة، والصواب: لاها الله ذا، فـ (ها) بدلٌ من واو القسم، والجملة مقسم عليها؛ يعني: لا يفعل الرسول ﷺ ما يقول، والله. "لا يعمدُ" تفسير للمقسم عليها؛ أي: لا يقصد النبي ﷺ . "إلى أسد من أسد الله، يقاتل عن الله ورسوله، فيعطيك سلبه"؛ يعني: لا يقصد إبطالَ حقه، وإعطاءَ سلبه إياك. "فقال النبي ﷺ : صدق"؛ أي: أبو بكر فيما قاله. "فأعطه"، وهذا يدل على جواز إفتاء المفضول بحضرة الفاضل إذا كان بينهما زيادة انبساط. "فأعطانيه"، فيه دليل على أن كل مسلم قتل مشركاً في القتال استحقَّ سلبه من بين سائر الغانمين، وأنه لا يخمَّسُ، سواء كان القتل مبارزة أو لا. وشرط الشافعي كون المقتول مقبلاً على القتال، فلو انهزم قبل القتال، أو جرح وعجز عن القتال، لم يستحق سلبه، إلا أن يكون القاتل (١) هزمه أو جرحه بحيث أعجزه. "فابتعت به"؛ أي: اشتريت بذلك السلب. "مَخْرَفاً" بفتحتين وسكون الحشو؛ أي: بستاناً، يريد به: حائط نخل

стр. 2121

يُختَرف؛ أي: يجتنى منه الثمر. "في بني سَلِمة" بكسر اللام؛ أي: في محلتهم. "فإنه"؛ أي: ذلك المخرف. "لأول مال تأثَّلته"؛ أي: تملكته، وجمعته، وجعلته أصل مال "في الإسلام". * * * ٣٠٣٥ - عن ابن عمرَ: أن رسولَ الله ﷺ أَسْهَمَ للرَّجلِ ولفرسِهِ ثلاثةَ أَسْهُم: سهمًا له وسهمَينِ لفرسِهِ. "عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما -: أن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - أسهم للرجل ولفرسه"؛ أي: أعطى. "ثلاثة أسهم: سهمًا له"، واللام فيه للتمليك. "وسهمين لفرسه" وهذه اللام للتسبيب؛ أي: لأجل فرسه لعنائه في الحرب؛ إذ مؤنة فرسه تُضاعَف على مؤنة صاحبه، وهذا قول الأكثر، وقيل: للفارس سهمان، وعليه أبو حنيفة. * * * ٣٠٣٦ - عن يزيدَ بن هُرْمزَ قال: كتبَ نَجْدَةُ الحَرُورِيُّ إلى ابن عبَّاسٍ يسألُه عن العبدِ والمرأةِ يحضُرانِ المَغْنَمَ، هل يُقسَمُ لهما؟ فقالَ ليزيدَ: اكتبْ إليهِ أنه ليسَ لهُما سَهْمٌ إلا أنْ يُحْذَيا. وفي روايةٍ: كتبَ إليه ابن عباسٍ: إِنكَ كتبتَ تَسألُني: هل كانَ رسولُ الله ﷺ يغزُو بالنِّساءِ, وهل كانَ يَضْرِبُ لهنَّ بسهمٍ؟ قد كانَ يغزُو بهِنَّ يُداوينَ المرضَى،

стр. 2122

ويُحْذَيْنَ مِن الغنيمةِ، وأمَّا السَّهمُ فلم يَضْرِبْ لهنَّ بسهمٍ. "عن يزيد بن هُرْمز قال: كتب نجدةُ الحروري إلى ابن عباس يسأله عن العبد والمرأة يحضران المغنم: هل يُقسَم لهما؛ فقال" أي: ابن عباس "ليزيد: أكتب إليه"؛ أي: إلى نجدة. "أنه ليس لهما سهم إلا أن يُحذَيا"؛ أي: يُعطيا شيئًا أقل من سهم ذكر حر. "وفي رواية: كتب إليه ابن عباس: أنك كتبت تسألني: هل كان رسول الله ﷺ يغزو بالنساء؟ وهل كان يضرب"؛ أي: يقسم. "لهن بسهم؟ قد كان يغزو بهن، يداوين المرضى، ويُحذَين"؛ أي: يعطين شيئًا. "من الغنيمة، وأما السهمُ فلم يضرب"؛ أي: لم يقسم. "لهن بسهم" تام. ٣٠٣٧ - وعن سلمةَ بن الأكْوَعِ قال: بَعَثَ رسولُ الله ﷺ بظهرِهِ معَ رباحٍ كلامِ رسولِ الله ﷺ ، وأنا معه، فلمَّا أصبحْنا إذا عبدُ الرَّحمنِ الفَزارِيُّ قد أغارَ على ظهرِ رسولِ الله ، فقُمْتُ على أكَمَةٍ فاستقبلتُ المدينةَ فناديْتُ ثلاثًا: يا صَباحاهُ، ثم خرجتُ في آثارِ القومِ أَرميهِم بالنبلِ، وأرتجزُ أقولُ: أنا ابن الأكْوَعِ ... واليومُ يومُ الرُّضَّعِ فمازلتُ أَرميهِم وأعقِرُ بهم، حتى ما خلَقَ الله مِن بعير من ظهرِ رسولِ الله ﷺ إلا خَلَّفتُه وراءَ ظَهْري، ثم اتَّبعْتُهم أَرميهِم، حتى ألقَوا أكثرَ من ثلاثينَ بُردةً وثلاثينَ رُمحًا يَستخِفُونَ، ولا يَطرَحُونَ شيئًا إلَّا جعلتُ عليهِ آرامًا مِن الحجارةِ يعرفُها رسولُ الله ﷺ ، وأصحابُهُ، حتى رأيتُ فوارِسَ

стр. 2123

رسولِ الله ﷺ ولحِقَ أبو قتادةَ فارسُ رسولِ الله ﷺ بعبدِ الرَّحمنِ فقتلَهُ، فقال رسولُ الله ﷺ : "خيرُ فُرْساننا اليومَ أبو قتادةَ، وخيرُ رجَّالتِنا سَلَمةُ"، قال: ثم أَعطاني رسولُ الله ﷺ سهمَينِ، سهمَ الفارسِ وسهمَ الرَّاجِلِ، فجمَعُهما في جميعًا، ثم أَرْدَفَني رسولُ الله ﷺ وراءَهُ على العَضْباء, راجعينَ إلى المدينةِ. "وعن سلمة بن الأكوع قال: بعث رسول الله ﷺ بظهره"؛ أي: بدوابه. "مع رباحٍ" بالفتح "غلامِ رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - "؛ ليرعاها، ويسرحها في الصحراء. "وأنا معه فلما أصبحنا إذا عبد الرحمن الفزاري": بالفاء والزاي المعجمة قبل المهملة، وروي بقاف مضمومة؛ كافرٌ "قد أغار على ظهر رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -، فقمت على أَكَمةٍ"؛ أي: على تل. "فاستقبلت المدينةَ، فناديت ثلاثًا: يا صباحاه" كلمة استغاثة عن الغارة؛ لكثرتها صباحًا. "ثم خرجت في آثار القوم"؛ أي: الذين أغاروا [على] الدواب. "أرميهم بالنبل، وأرتجز" أي: أقول الشعر رجزًا. "وأقول"، وفي بعض: (وأرتجز أقول)؛ أي: أرتجز قائلًا: "إني أنا ابن الأكوع ... واليوم يوم الرضع" جمع الراضع، وهو: اللئيم، يريد به: يوم هلاك اللئام؛ يعني: يوم تهلكون أيها الكفار بأيدينا. "فما زلت أرميهم، وأعقرهم"؛ أي: قتلت مركوبهم، وأجعلهم راجلًا، عقر الناقة بالسيف: ضرب قوائمها. "حتى ما خلق الله من بعير من ظهر رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -

стр. 2124

إلا خلَّفته" أي: تركته "وراء ظهري، ثم اتبعتهم أرميهم حتى ألقوا أكثر من ثلاثين بُردةً": وهي شملة مخططة، أو كساء أسود مربع صغير يلبسه الأعراب. "وثلاثين رمحًا، يستخفُّون"؛ أي: يطلبون التحفة بإلقائها في الفرار. "ولا يطرحون شيئًا، إلا جعلت عليه آراماً"؛ أي: أعلامًا. "من الحجارة"؛ يعني: وضعت عليه حجارة؛ ليكون علمًا أن أحدًا أخذه من الكفار. "يعرفها رسول الله وأصحابه"، وكان من عادة الجاهلية: أنهم إذا وجدوا شيئًا لم يمكنهم استصحابه، تركوا عليه حجارة يعرفونه بها، حتى إذا عادوا أخذوه، أو ليعلم من يأتي أن أحدًا أخذ من الكفار شيئًا، فيلحقه ويعينه. "حتى رأيت فوارسَ رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -، ولحق أبو قتادة فارسُ رسول الله بعبد الرحمن فقتله، قال رسول الله ﷺ : خير فرساننا" جمع فارس. "اليوم أبو قتادة، وخير رَجَّالتنا" بفتح الراء وتشديد الجيم: جمع راجل خلاف الفارس. "سلمة بن الأكوع، قال"؛ أي: سلمة: "ثم أعطاني رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - سهمين: سهم الفارس، وسهم الراجل"، وإنما أعطاه ﷺ سهم فارس مع سهم راجل؛ لأن معظم أخذ تلك الغنيمة كان بسبب سلمة، ويجوز للإمام أن يعطي من كثر سعيه في الجهاد شيئًا زائدًا على نصيبه؛ لترغيب الناس، وإنما لم يعطه ﷺ الجميع؛ لأن من حضر الحربَ قبل انقضائها بنية الحرب، فهو شريكٌ في الغنيمة. "فجمعهما"؛ أي: النبي ﷺ السهمين "لي جميعًا، ثم أردفني رسول الله وراءه"؛ أي: أركبني خلفه.

стр. 2125

"على العضباء": وهي ناقة رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -. "راجعين إلى المدينة": وتسمى هذه الغزوة غزوة ذي قرد، وكانت في السادسة من الهجرة، وذو قرد: موضع قريب من المدينة. * * * ٣٠٣٩ - عن ابن عمرَ: أن رسولَ الله ﷺ كانَ يُنفِّلُ بعضَ مَن يبعثُ مِن السَّرايا لأنفسِهم خاصَّةً، سِوَى قِسْمةِ عامَّةِ الجيشِ. "عن ابن عمر ﵄: أن رسول الله كان يُنفِّلُ بعضَ من يبعث من السرايا لأنفسهم خاصة"؛ يعني: يعطيهم من الغنيمة زائدًا، ويخصهم بشيء. "سوى قسمة عامة الجيش". * * * ٣٠٣٨ - عن ابن عمرَ قال: نفَّلَنا رسولُ الله ﷺ نفلاً سِوى نصيبنا مِن الخُمُسِ فأصابني شارِفٌ، والشارِفُ المُسِنُّ الكبيرُ. "وعن ابن عمر ﵄ قال: نفَّلنا رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - نفَلاً"؛ أي: أعطانا من الغنيمة زائدًا. "سوى نصيبنا من الخمس"، والنفل بفتحتين: اسم لزيادة يعطيها الإمام بعضَ الجيش على القدر المستحق. " فأصابني شارف. والشارف: المسن الكبير" من النوق. * * * ٣٠٤٠ - وعن ابن عمرَ قال: ذهبتْ فرسٌ لهُ فأخذَها العَدُوُّ، فظهرَ عليهمُ المسلمونَ فرُدَّ عليهِ في زمنِ رسولِ الله ﷺ ، وأَبَقَ عبدٌ لهُ فلَحِقَ بالرُّومِ، فظهرَ عليهمُ المسلمونَ فردَّهُ عليهِ خالدُ بن الوليدِ بعدَ النبيِّ ﷺ .

стр. 2126

"وعن ابن عمر قال: ذهبت فرسٌ له"؛ أي: نفرت وذهبت إلى جهة الكفار. "فأخذها العدو، فظهر" أي: غلب "عليهم المسلمون"، وأغاروا عليهم، وكانت تلك الفرس فيما أغاروا. "فرُدَّ عليه في زمن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - "، وهذا يدل على أن الكفار إذا استولوا على مال مسلم لا يتملكونه، ويُردُّ على مالكه بعد استنقاذه من أيديهم، سواء كان قبل القسمة أو بعدها، وبه قال الشافعي خلافًا لمن خالف بعد القسمة. "وأبق عبدٌ له"؛ أي: لابن عمر - رضي الله تعالى عنهما -. "فلحق بالروم، فظهر عليهم المسلمون، فرد [هـ] عليه خالدُ بن الوليد بعد النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - "، وهذا يدل على أنهم لا يملكون العبد الآبق، فإذا أخذه المسلمون وجب رده إلى صاحبه قبل القسمة وبعدها، وبه قلنا. * * * ٣٠٤١ - عن جُبَيْرِ بن مُطعِمٍ قال: مشيتُ أنا وعثمانُ بن عفَّانَ إلى النبيِّ ﷺ فقلنا: أعطيتَ بني المطَّلِبِ مِن خُمُسِ خيبرَ وتركتنا، ونحنُ بمنزلةٍ واحدةٍ منكَ، فقال: إنَّما بنو هاشم وبنو المطَّلبِ شيءٌ واحدٌ، قال جُبَيرٌ: ولم يَقْسِم النبيُّ ﷺ لِبني عبدِ شمسٍ وبني نوفلٍ شيئًا. "عن جُبيرِ بن مُطعِم قال: مشيت أنا وعثمان إلى رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - فقلنا: أعطيت بني المطلب من خمس خيبر وتركتنا، ونحن وهم بمنزلة واحدة منك، فقال: إنما بنو هاشم وبنو عبد المطلب شيء واحد"؛ أي: كالشيء الواحد، بأن كانوا متوافقين متحابين متعاونين، فلم يكن بينهم

стр. 2127

مخالفة في الجاهلية والإسلام. "قال جبير: ولم يقسم النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - لبني عبد الشمس وبني نوفل شيئًا"؛ لأنه لم يكن بينهم وبين أولاد بني هاشم موافقة، بل كانوا متخالفين. أعلم أن هاشمًا والمطلب ونوفلاً وعبدَ شمس هم أبناء عبد مناف، وعبد مناف، هو الجد الرابع للرسول ﷺ ، وجبير بن مطعم من بني نوفل، وعثمان بن عفان من بني عبد شمس، والنبي ﷺ من بني هاشم. * * * ٣٠٤٢ - وقال رسولُ الله ﷺ : "أيُّما قَرْيَةٍ أَتيتُمُوها وأقمتُم فيها فسهمُكم فيها، وأيُّما قَرْيَةٍ عَصَتِ الله ورسولَهُ فإنَّ خُمُسَها للهِ ورسولهِ، ثمَّ هي لكم ". "وعن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -: أيُّما قرية أتيتموها، وأقمتم فيها"؛ يعني: إذا أتيتم قرية من قرى الكفار، وما أوجفتم عليهم بخيل ومحاربة، بل صالحتم أهلها على مال. "فسهمكم فيها"؛ يعني: ما أخذتم منهم يكون فيئًا مصرفه جميع المسلمين. "وأيما قرية عصت الله ورسوله"، فأخذتم منهم مالًا بإيجافِ خيل ومحاربة. "فإن خمسَها لله ولرسوله، ثم هي لكم"؛ يعني: ذلك المال يكون غنيمة، يؤخذ خمسها لله ولرسوله، ويقسم الباقي منها بينكم، والحديث يدل على أن مال الفيء لا يخمَّس، وقال الشافعي: إنه يخمَّس كمال الغنيمة، والحديثُ يكون حجة عليه. * * *

стр. 2128

٣٠٤٣ - عن أبي هريرةَ: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "ما أُعطِيكُم ولا أمنعُكم، أنا قاسِمٌ أضعُ حيثُ أُمِرْتُ". "عن أبي هريرة: أن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - قال: ما أعطيكم، ولا أمنعكم، أنا قاسمٌ أضعُ حيث أمرتُ" تقدم بيانه في (باب رزق الولاة). * * * ٣٠٤٤ - عن خَوْلةَ الأنصاريَّةَ قالت: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "إنَّ رِجالًا يتخوَّضُون في مالِ الله بغيرِ حقٍّ، فلَهُم النارُ يومَ القيامةِ". "عن خولة الأنصارية قالت: سمعت رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - يقول: إن رجالًا يتخوَّضون في مال الله"؛ أي: يتصرفون في الفيء والغنيمة والزكاة. "بغير حق"؛ أي: بغير أمر الله ورسوله. "فلهم النار يوم القيامة". * * * ٣٠٤٥ - عن أبي هريرةَ ﵁ قال: قامَ فينا رسولُ الله ﷺ ذاتَ يومٍ فذَكرَ الغُلولَ، فعَظَّمَهُ وعظَّمَ أمرَهُ ثم قال: "لا أُلفِيَنَّ أحدكم يَجيءُ يومَ القيامةِ على رقبَتِهِ بعيرٌ لهُ رُغاءٌ، يقولُ: يا رسولَ الله أَغِثْني! فأقولُ: لا أملِكُ لكَ شيئًا قد أبلغتُكَ، لا أُلفِينَّ أحدَكم يَجيءُ يومَ القيامةِ على رقبَتِهِ فرسٌ لهُ حَمْحَمَةٌ فيقولُ: يا رسولَ الله أغِثني! فأقولُ: لا أملكُ لكَ شيئًا قد أبلغتُكَ، لا أُلفِينَّ أحدكم يجيءُ يومَ القِيامَةِ على رقبَتِهِ شاةٌ لها ثُغاءٌ يقول: يا رسولَ الله أغِثني! فأقولُ: لا أملكُ لكَ شيئًا قد أبلغتُكَ، لا أُلفِينَّ أحدَكم يجيءُ يومَ القِيامَةِ على رقبَتِهِ نفسٌ لها صياحٌ فيقول: يا رسولَ الله أغِثني! فأقولُ: لا أملكُ لكَ شيئًا قد

стр. 2129

أبلغتُكَ، لا أُلفِينَّ أحدَكم يجيءُ يومَ القيامةِ على رقبَتِهِ رِقاعٌ تَخفِقُ فيقول: يا رسولَ الله أغِثني! فأقولُ: لا أملِكُ لكَ شيئًا قد أبلغتُكَ، لا أُلفينَّ أحدَكم يجيءُ يومَ القيامةِ على رقبتِهِ صامِتٌ فيقولُ: يا رسولَ الله أغثني! فأقولُ: لا أملكُ لكَ شيئًا قد أبلغتُكَ". "عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: قام فينا رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - ذات يوم، فذكر الغُلولَ"؛ أي: الخيانة في الغنيمة. "فعظَّمه، وعظَّم أمره، ثم قال: لا ألُفين"؛ أي: لا أجدنَّ. "أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته بعير له رُغاء": وهو صوت البعير. "يقول: يا رسول الله! أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئًا"؛ أي: لا أقدر أن أدفع عنك من عذاب الله شيئًا؛ لأني لم أشفع إلا لمن أذن الله. "قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته فرسٌ له حَمْحَمةٌ" بفتح الحاءين المهملتين وسكون الميم الأولى وفتح الثانية: صوت الفرس دون الصهيل. "فيقول: يا رسول الله! أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئاً، قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته شاة لها ثُغاء" بضم الثاء: صوت الشاة. "يقول: يا رسول الله! أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئًا، قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته نفسٌ لها صياحٌ" أراد بالنفس: الرقيق الذي غلَّه من السبي، أو قتل بغير حق. "فيقول: يا رسول الله! أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئًا، قد أبلغتك، لا ألفينَّ أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته رِقاعٌ" بكسر الراء: جمع رقعة، وهي قطعة من الثوب أو القرطاس، ويحتمل أن يراد بها: ما عليه من الحقوق المكتوبة في الرقاع.

стр. 2130

"تخفق"؛ أي: تضطرب على رقابهم، وتشبه أن يكون حال الخياطين السرَّاقين كذلك. "فيقول: يا رسول الله! أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئًا، قد أبلغتك، لا ألفينَّ أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته صامتٌ": وهو الذهب والفضة، خلاف الناطق، وهو الحيوان. "فيقول: يا رسول الله! أغثني، فأقول: لا أملك لك شيئًا، قد أبلغتك"، نهى رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - نفسه عن إلفاءِ الغلول بمثل المذكورات، والمراد: نهي المخاطبين عن إتيانهم بمثل ذلك الفعل الشنيع الذي عظَّم الله أمره في كتابه بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١]، وأوعدهم بإفضاحهم على رؤوس الملأ. * * * ٣٠٤٦ - عن أبي هريرةَ قال: أهدى رَجُلٌ لرسولِ الله ﷺ غُلامًا يقالُ له: مِدْعَمٌ، فبينَما مِدْعَمٌ يَحُطُّ رَحْلًا لرسولِ الله ﷺ إذا سهمٌ عائِرٌ فقتلَهُ، فقالَ النَّاسُ: هنيئًا له الجَّنَةُ، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "كلا! والذي نفسي بيدهِ إنَّ الشَّمْلَةَ التي أخذَها يومَ خيبرَ مِن المغانِم لم تُصِبْها المَقاسِمُ لتشْتَعِلُ عليهِ نارًا"، فلمَّا سمعَ ذلكَ الناسُ جاءَ رجلٌ بشِراك أو شِراكَينِ إلى النبيِّ ﷺ ، فقال: "شِراكٌ مِن نارٍ، أو شِراكانِ مِن نارٍ". "عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: أهدى رجل لرسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - غلامًا يقال له: مِدْعَم": بكسر الميم وسكون الدال وفتح العين المهملتين "فبينما مِدْعَم يحط رحلاً"؛ أي: ظهر المركوب.

стр. 2131

"لرسول الله ﷺ إذا" أصابه "سهم عائر": وهو السهم الذي لا يُدَرى من أين رمي؟ "فقتله، فقال الناس: هنيئًا له الجنة"؛ لأنه مات في خدمته ﷺ . "فقال رسول الله: كلا"؛ أي: ليس الأمرُ كما تظنون. "والذي نفسي بيده إن الشملة": وهي الكساء المشتمل به الرجل. "التي أخذها يوم خيبر من المغانم لم تصبها المقاسم": حال من الضمير المنصوب في (أخذها)؛ أي: غير مقسومة؛ أي: أخذها قبل القسمة، فكان غلولاً؛ لأنها كانت مشتركة بين الغانمين. "لتشتعل عليه نارًا"؛ أي: تَجعَلُ تلك الشملةُ عليه نارًا لتحرقه. "فلما سمع ذلك الناس جاء رجل بشِراكٍ": وهو أحد سيور النعل التي على وجهها. "أو شراكين إلى النبي ﷺ ، فقال: شراك من نار، أو شراكان من نار"؛ أي: يجعل شراك من المغنم شراكًا من نار على رجله يوم القيامة، وإنما قال في الشراك هذا القول بعد إتيانه به إليه؛ لأنه قد تعذَّرت قسمته بين الغانمين، فلم يُفِدِ الردُّ شيئًا. * * * ٣٠٤٧ - عن عبدِ الله بن عَمْرٍو قال: كانَ على ثَقَلِ النبي ﷺ رجلٌ يقالُ لهُ كَرْكَرْةُ، فماتَ فقالَ رسولُ الله ﷺ : "هوَ في النَّارِ"، فذَهبوا ينظرونَ، فوجدُوا عباءَةً قد غلَّها. "عن عبد الله بن عمرو قال: كان على ثَقَلِ رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - بكسر الثاء (١) وفتح القاف: وهو متاع المسافر، وقيل: المتاع

стр. 2132

المحمول على الدابة. "رجل يقال له: كركرة" بكسر الكافين: اسم ذلك الرجل، كان يحفظ أمتعة الرسول ﷺ ، وينقلها من منزل إلى منزل. "فمات، فقال النبي ﷺ : هو في النار، فذهبوا" إلى رحل ذلك الرجل "ينظرون، فوجدوا" في رحله "عباءة"، فهو ضرب من الكساء. "قد غلها". * * * ٣٠٤٨ - قال ابن عمرَ: كنَّا نُصيبُ في مَغازينا العَسَلَ والعِنَبَ فنأكلُهُ ولا نرفعُه. "وقال ابن عمر: كنا نصيبُ في مغازينا": جمع المغزى، وهو مصدر ميمي، أو مكان من (غزا يغزو). "العسل والعنب، فنأكله، ولا نرفعه"؛ أي: إلى رسول الله ﷺ لأجل القسمة، واتفقوا على جواز أكل الغزاة طعام الغنيمة قبل القسمة على قدر الحاجة ما داموا في دار الحرب، سواء فيه الخبز واللحم وغيرها. قال الشافعي: إن أكل فوق الحاجة أدَّى ثمنه في المغنم، ورخَّص الأكثر في علف الدواب للحاجة إليه. * * * ٣٠٤٩ - عن عبدِ الله بن مُغَفَّلٍ قال: أَصبْتُ جِرابًا من شحمٍ يومَ خيبرَ فالتزمتُهُ فقلتُ: لا أُعطي اليومَ أَحَدًا مِن هذا شيئًا، فالتَفَتُّ فإذا رسولُ الله ﷺ يبتسِمُ إليَّ. "عن عبد الله بن مغفل قال: أصبت" أي: لقيت.

стр. 2133

"جرابًا من شحم يوم خيبر، فالتزمته"؛ أي: عانقته وضممته إلى نفسي. "فقلت: لا أعطي اليوم أحدًا من هذا شيئًا، فالتفتُّ فإذا رسولُ الله يتبسم إلي"، وهذا دليل على جواز أخذ المجاهدين من طعام الغنيمة قدر ما يحتاجون إليه. * * * مِنَ الحِسَان: ٣٠٥٠ - عن أبي أُمامةَ ﵁، عن النبي ﷺ قال: "إنَّ الله فضَّلَني على الأنبياءِ"، أو قالَ: "فضَّلَ أُمَّتي على الأمم، وأَحَلَّ لنا الغنائمَ". "من الحسان": " عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ قال: إن الله فضَّلني على الأنبياء، أو قال" شك من الراوي "فضل أمتي على الأمم، وأَحَلَّ لنا الغنائم"، ولم يكن ذلك للأمم الماضية. * * * ٣٠٥١ - عن أنسٍ قال: قال رسولُ الله ﷺ يومئذٍ، يعني يومَ حُنَينٍ: "مَن قتَلَ كَافِرًا فلهُ سَلَبُه"، فقتلَ أبو طلحةَ يومئذٍ عشرينَ رجلًا وأخذَ أَسْلابَهم. "عن أنس - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يومئذ - يعني: يوم حُنين -: من قتل كافرًا، فله سلبه. فقتل أبو طلحة يومئذ عشرين رجلًا، وأخذ أسلابهم"، وهذا يدل على أن السلب للقاتل يستوي فيه من له سهم من الغنيمة أو لا، وسواء قتله مقبلاً أو مدبرًا، وفي الصف أو خارج الصف. * * *

стр. 2134

٣٠٥٢ - عن عوفِ بن مالكٍ الأَشْجَعِي وخالدِ بن الوليدِ: أن رسولَ الله ﷺ قَضَى في السَّلَبِ للقاتلِ، ولم يُخَمِّس السَّلَبَ. "عن عوف بن مالك الأشجعي وخالد بن الوليد: أن رسول الله - صلى الله تعالى - عليه وسلم قضى في السلب للقاتل، ولم يخمِّس السلب". * * * ٣٠٥٣ - عن عبدِ الله بن مَسعودٍ قال: نَفَّلني رسولُ الله ﷺ يومَ بدرٍ سيفَ أبي جهلٍ، وكانَ قَتَلَهُ. "عن عبد الله بن مسعود قال: نفَّلني رسولُ الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - يوم بدر سيفَ أبي جهل"؛ أي: أعطانيه زائدًا من نصيبي من الخمس. "وكان قتله "؛ أي: ابن مسعود - وقيل: أي: النبي ﷺ أبا جهل. * * * ٣٠٥٤ - عن عُمَيْرٍ مَوْلى آبي اللَّحم قال: شهدتُ خيبرَ مع سادَتي، فكلَّمُوا فِيَّ رسولَ الله ﷺ ، فكلَّمُوه أني مملوكٌ، فأَمَرَني فقُلِّدْتُ سيفًا فإذا أَنا أجرُّه، فأمرَ لي بشيء من خُرْثيِّ المتاعِ، وعرضتُ عليهِ رُقْيَةً كنتُ أرْقي بها المجانينَ، فأمرني بطَرْحِ بعضها وحَبْسِ بعضها. "عن عمير": بصيغة التصغير. "مولى أبي اللحم": اسمه الحويرث بن عبد الله وكان لا يأكل اللحمَ. " قال: شهدت"؛ أي: حضرت. "خيبر مع ساداتي"؛ أي؛ مع كبار أهلي. "فكلموا في"؛ أي: في حقي.

стр. 2135

"رسولَ الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -" أن يأخذني للغزو. "وكلَّموه أني مملوك، فأمرني" بأن أحمل السلاح، وأكون مع المجاهدين؛ لأتعلم المحاربة. "فقُلِّدتُ سيفاً"؛ أي: علق سيفي بمنكبي. "فإذا أنا أجره"؛ أي: كنت أجرُّ السيف على الأرض لصغري وقصر قامتي. "فأمر لي بشيء من خُرْثِيِّ المتاع" بضم الخاء المعجمة وسكون الراء المهملة وكسر الثاء المثلثة وتشديد الياء: شيء حقير من متاع البيت، وهو ما يستعمل في البيت كالقدر وغيرها؛ أي: أمر بدفع شيء منها إلي. "وعرضْتُ عليه رقيةً كنت أرقي بها المجانين، فأمرني بطرح بعضها"؛ أي: بعض الرقية. "وحبس بعضها"؛ يعني: كان بعضها حسنًا، وبعضها كلمات قبيحة، فأمرني أن أترك قراءة ما هو القبيح منها، وأقرأ ما هو الحسن منها. * * * ٣٠٥٥ - عن مُجمِّعِ بن جاريةً قال: قُسِمَتْ خيبر على أهلِ الحُدَيْبيةِ، قسمَها رسولُ الله ﷺ ثمانيةَ عَشرَ سهمًا، وكانَ الجيشُ ألفًا وخمسَ مئةٍ، قال الشيخُ ﵁: فيهم ثلاثُ مئةِ فارس! وهذا وَهْمٌ، إنَّما كانوا مئتي فارس". "عن مُجمِّع": على صيغة اسم الفاعل. "ابن جارية": بالجيم والياء حرف العلة. "قال: قُسِمَتْ خيبر"؛ أي: قسم ﷺ نصف أراضي خيبر، وجميع منقولات غنائمها.

стр. 2136

"على أهل الحديبية"؛ أي: الذي كانوا مع رسول الله ﷺ في الحديبية، وحفظ نصف أراضيها لنفسه يهيئ من غلتها أسباب أهله وأضيافه. "قسمها رسول الله ﷺ ثمانية عشر سهمًا، وكان الجيش ألفًا وخمس مئة، فيهم ثلاث مئة فارس"، وهذا مستقيم على قول من قال: لكل فارس سهمان؛ لأن الرجالة على هذه الرواية تكون ألفًا ومئتين، ولهم اثني عشر سهمًا، لكل مئة سهم، وللفرسان ستة أسهم، لكل مئة سهمان، فالمجموعُ ثمانية عشر، وأما على قول من قال: للفارس ثلاثة أسهم، فمشكل؛ لأن سهام الفرسان تسعة، وسهام الرجالة اثنا عشر، فالمجموع أحد وعشرون. "وهذا وهم"؛ أي: خطأ من الراوي من أنه قال: فيهم ثلاث مئة فارس. "إنما كانوا مئتي فارس"، فعلى هذا كان نصيبهم ستة، ونصيب الرجالة ثلاثة عشر؛ لما ذكر من أن الجيش ألف وخمس مئة، يصير المجموع تسعة عشر، لا ثمانية عشر، فإذن هذه القسمة تحتاج إلى تأويل؛ فقيل: كان فيهم مئة عبد، ولم يقسم لهم سهم؛ إذ لا سهمَ للعبد، بل يُعطى رضخًا. * * * ٣٠٥٦ - عن حبيبِ بن مَسْلَمةَ الفِهريِّ قال: شهدتُ النبيَّ ﷺ نفَّلَ الرُّبُعَ في البَدْأَةِ، والثُّلُثَ في الرَّجْعَةِ. "عن حبيب بن مَسلمة": بفتح الميم واللام. "الفهري": بكسر الفاء وسكون الهاء. "قال: شهدت النبي ﷺ نفَّلَ الربعَ في البَدْأة"؛ أي: في ابتداء الغزو؛ يعني: إذا نهضت طائفة من العسكر، فإن وقعت بطائفة من العدو قبل وصول الجيش، كان لهم الربع مما غنموا؛ لنهوضهم من بين سائرهم ويشركهم سائر

стр. 2137

العسكر في ثلاثة أرباعه. "والثلث"؛ أي: نفل الثلث. "في الرجعة"؛ يعني: إن رجعوا من الغزو، ثم رجع طائفة من العسكر، فوقعوا بالعدو ثانية، كان لهم الثلث مما غنموا؛ لزيادة مشقتهم وخطرهم، وشركهم سائرهم في الثلثين، وذلك لأن وجهة السريةِ والجيشِ في البدأة واحدة، فيصلُ مددهم إلى أهل البدأة من خلفهم، بخلاف الرجعة فإن السرية فيها راجعة إلى دار الحرب، والجيشُ راجعٌ عنها، فلا يكون خلفها من تأمن به، فتكون جراءة الكفار على أهل الرجعة (١) أكثر منها على أهل البدأة. * * * ٣٠٥٧ - وعن حبيبِ بن مَسْلَمَة الفِهْريِّ: أن رسولَ الله ﷺ كانَ يُنفِّلُ الرُّبُعَ بعدَ الخُمُسِ، والثُّلُثَ بعدَ الخُمُسِ إذا قَفَلَ. "وعنه: أن النبي ﷺ كان ينفل الربع بعد الخمس"؛ أي: بعد إخراج الخمس. "والثلثَ بعد الخمس إذا قفل"؛ أي: رجع من الغزو، وهذا (٢) الحديث كالذي قبله غير أنه لم يبين في الذي قبله أنَّ إعطاءه ذلك كان قبل إخراج الخمس أو بعده، وبيَّن هنا أنه كان يخرج أولاً الخمس من المغنم، ويصرفه إلى أهله، ثم بعد ذلك يعطي ربع ما بقي أو ثلثه لأهل البدأة والرجعة. * * *

стр. 2138

٣٠٥٨ - عن أبي الجُويريةِ الجَرْميِّ قال: أصبتُ بأرضِ الرُّومِ جَرَّةً حمراءَ فيها دنانيرُ في إمْرَةِ مُعاويةَ، وعلينا رجلٌ مِنْ أصحابِ رسُولَ الله ﷺ يُقالُ لهُ: مَعْنُ بن يزيدَ، فأتَيْتُه بها فقَسَمها بينَ المُسلمينَ وأعطاني منها مِثلَ ما أعطَى رجُلاً منهم، ثمَّ قال: لولا أنِّي سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "لا نَفْلَ إلَّا بعدَ الخُمُسِ"، لأَعطَيْتُكَ. "عن أبي الجويرية": تصغير الجارية. "الجرمي": بفتح الجيم وسكون الراء. "قال: أصبت بأرض الروم جرة حمراء فيها دنانير في إمرة معاوية"؛ أي: في زمان إمارته. "وعلينا"؛ أي: أُمِّر علينا في ذلك الجيش. "رجلٌ من أصحاب النبي ﷺ يقال له: معن بن يزيد، فأتيته بها، فقسمها بين المسلمين، وأعطاني منها مثل ما أعطى رجلًا منهم، ثم قال: لولا أني سمعت رسول الله يقول: لا نفل إلا بعد الخمس، لأعطيتك"؛ أي: النفل، قيل: يشبه أن يكون هنا سهو من الراوي في الاستثناء، وأن الصواب: لا ينفل بعد الخمس؛ أي: بعد وجوب الخمس في الغنيمة. * * * ٣٠٥٩ - عن أبي موسى الأشعريِّ قال: قَدِمْنا فوافَقْنا رسولَ الله ﷺ حينَ افتتحَ خَيْبَرَ فأسهمَ لنا - أو قال: فأعطانا منها - وما قسمَ لأحَدٍ غَابَ عنْ فتح خَيْبَرَ منها شيئًا إلاّ لمنْ شَهِدَ معهُ إلَّا أصحابَ سفينَتِنا جَعْفَرًا وأصحابَهُ، أسهمَ لهمْ معهم. "عن أبي موسى الأشعري قال: قدمنا، فوافقنا رسولَ الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - "؛ أي: صادفنا.

стр. 2139

"حين افتتح خيبر، فأسهم لنا، أو قال: فأعطانا منها، وما قسم لأحد غاب عن فتح خيبر منها"؛ أي: ما أعطى له من غنيمة خيبر. "شيئًا إلا لمن شهد معه"؛ أي: حضر مع النبي ﷺ ". "إلا أصحاب سفينتنا؛ جعفرًا" نصب على أنه عطف بيان من المستثنى. "وأصحابه، أسهم لهم"؛ أي: النبي ﷺ لأصحاب سفينتنا الغُيَّبِ عن فتح خيبر. "معهم"؛ أي: مع الشاهدين لفتحها. قصة هذا: أن جعفر بن أبي طالب مع جماعة من أصحاب النبي ﷺ خرجوا من مكة إلى حبشة حين كان النبي ﷺ بمكة، فلما سمعوا بمهاجرة النبي ﷺ إلى المدينة، وقوة دينه، هاجروا من حبشة إلى المدينة، وكانوا راكبين في السفينة، فوافق ذلك فتح خيبر، ففرح ﷺ بقدومهم، وأعطاهم من غنيمة خيبرَ سهامهم. * * * ٣٠٦٠ - عن زيدِ بن خالدٍ: أنَّ رجُلًا مِنْ أصحابِ النبيِّ ﷺ تُوفِّيَ يومَ خيبرَ فذكرُوا لرسولِ الله ﷺ ، فقال: "صَلُّوا على صاحِبكُمْ". فتغيَّرَتْ وُجوهُ النَّاسِ لذلك، فقال: "إنَّ صاحِبَكُمْ غَلَّ في سبيلِ الله". ففتَّشْنا متاعَهُ فوجَدْنا خَرَزًا مَنْ خَرَزِ اليَهودِ لا يُساوي دِرهَمَيْنِ. "عن زيد بن خالد - رضي الله تعالى عنه -: أن رجلًا من أصحاب النبي ﷺ توفي يوم خيبر، فذُكِرَ لرسول الله ﷺ فقال: صلوا على صاحبكم، فتغيَّرت وجوهُ الناس لذلك"؛ أي: لأمره ﷺ بالصلاة عليه دون مباشرته إياها بنفسه الكريمة. "فقال: إن صاحبكم غَلَّ"؛ أي: سرق.

стр. 2140

"في سبيل الله، ففتشنا متاعه"؛ أي: فطلبنا من بين متاعه. "فوجدنا خَرَزًا من خرزِ يهود، لا يساوي درهمين". * * * ٣٠٦١ - عن عبدِ الله بن عَمروٍ قال: كانَ رسولُ الله ﷺ إذا أصابَ غنيمةً أمرَ بلالاً فنادَى في الناسِ، فيَجيئُون بغنائِمِهِمْ، فيُخمِّسُهُ ويقْسِمُهُ، فجاءَ رجلٌ بعدَ ذلكَ بزِمامٍ مِنْ شَعْرٍ فقال: هذا فيما كُنَّا أصبناهُ مِنَ الغَنيمَةِ، فقال: "أسمِعْتَ بلالاً يُنادِي ثلاثًا؟ " قال: نعم، قال: "فما مَنَعَكَ أنْ تجيءَ بهِ؟ " فاعتذَرَ، قال: "كُنْ أنتَ تجيءُ بهِ يومَ القِيامةِ، فلنْ أقبلَهُ عنك". "عن عبد الله بن عمرو - رضي الله تعالى عنهما - قال: كان رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - إذا أصاب غنيمة، أمر بلالًا فنادى في الناس، فيجيؤون بغنائمهم، فيخمسه"؛ أي: يخرج من مال الغنيمة الخمس. "ويقسمه، فجاء رجل بعد ذلك"؛ أي: بعد التخميس. "بزمام من شعر، فقال: هذا فيما كنا أصبناه من الغنيمة، قال: أسمعت بلالاً نادى ثلاثًا؟ قال: نعم [قال]: فما منعك أن تجيء به؟ فاعتذر"؛ أي: أظهر عذرًا في التأخير. "قال: كنْ أنت تجيء به يوم القيامة، فلن أقبله عنك" وإنما لم يقبله لأنه كان لجميع الغانمين فيه شركةٌ، وقد تفرقوا، ولم يمكن إيصال نصيب كلِّ واحد منهم، فتركه يزيده؛ ليكون إثمه عليه؛ لأنه هو الغاصب. * * * ٣٠٦٢ - عن عمرِو بن شُعَيْبٍ، عن أبيه، عن جدِّه: أنَّ رسولَ الله ﷺ وأبا بكرٍ وعمرَ حَرَّقُوا متاعَ الغالِّ وضربُوه.
следующие страницы →