← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17791

شرح المصابيح لابن الملك

ابن الملك

Полный текст (3 421 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.

стр. 2136

"على أهل الحديبية"؛ أي: الذي كانوا مع رسول الله ﷺ في الحديبية، وحفظ نصف أراضيها لنفسه يهيئ من غلتها أسباب أهله وأضيافه. "قسمها رسول الله ﷺ ثمانية عشر سهمًا، وكان الجيش ألفًا وخمس مئة، فيهم ثلاث مئة فارس"، وهذا مستقيم على قول من قال: لكل فارس سهمان؛ لأن الرجالة على هذه الرواية تكون ألفًا ومئتين، ولهم اثني عشر سهمًا، لكل مئة سهم، وللفرسان ستة أسهم، لكل مئة سهمان، فالمجموعُ ثمانية عشر، وأما على قول من قال: للفارس ثلاثة أسهم، فمشكل؛ لأن سهام الفرسان تسعة، وسهام الرجالة اثنا عشر، فالمجموع أحد وعشرون. "وهذا وهم"؛ أي: خطأ من الراوي من أنه قال: فيهم ثلاث مئة فارس. "إنما كانوا مئتي فارس"، فعلى هذا كان نصيبهم ستة، ونصيب الرجالة ثلاثة عشر؛ لما ذكر من أن الجيش ألف وخمس مئة، يصير المجموع تسعة عشر، لا ثمانية عشر، فإذن هذه القسمة تحتاج إلى تأويل؛ فقيل: كان فيهم مئة عبد، ولم يقسم لهم سهم؛ إذ لا سهمَ للعبد، بل يُعطى رضخًا. * * * ٣٠٥٦ - عن حبيبِ بن مَسْلَمةَ الفِهريِّ قال: شهدتُ النبيَّ ﷺ نفَّلَ الرُّبُعَ في البَدْأَةِ، والثُّلُثَ في الرَّجْعَةِ. "عن حبيب بن مَسلمة": بفتح الميم واللام. "الفهري": بكسر الفاء وسكون الهاء. "قال: شهدت النبي ﷺ نفَّلَ الربعَ في البَدْأة"؛ أي: في ابتداء الغزو؛ يعني: إذا نهضت طائفة من العسكر، فإن وقعت بطائفة من العدو قبل وصول الجيش، كان لهم الربع مما غنموا؛ لنهوضهم من بين سائرهم ويشركهم سائر

стр. 2137

العسكر في ثلاثة أرباعه. "والثلث"؛ أي: نفل الثلث. "في الرجعة"؛ يعني: إن رجعوا من الغزو، ثم رجع طائفة من العسكر، فوقعوا بالعدو ثانية، كان لهم الثلث مما غنموا؛ لزيادة مشقتهم وخطرهم، وشركهم سائرهم في الثلثين، وذلك لأن وجهة السريةِ والجيشِ في البدأة واحدة، فيصلُ مددهم إلى أهل البدأة من خلفهم، بخلاف الرجعة فإن السرية فيها راجعة إلى دار الحرب، والجيشُ راجعٌ عنها، فلا يكون خلفها من تأمن به، فتكون جراءة الكفار على أهل الرجعة (١) أكثر منها على أهل البدأة. * * * ٣٠٥٧ - وعن حبيبِ بن مَسْلَمَة الفِهْريِّ: أن رسولَ الله ﷺ كانَ يُنفِّلُ الرُّبُعَ بعدَ الخُمُسِ، والثُّلُثَ بعدَ الخُمُسِ إذا قَفَلَ. "وعنه: أن النبي ﷺ كان ينفل الربع بعد الخمس"؛ أي: بعد إخراج الخمس. "والثلثَ بعد الخمس إذا قفل"؛ أي: رجع من الغزو، وهذا (٢) الحديث كالذي قبله غير أنه لم يبين في الذي قبله أنَّ إعطاءه ذلك كان قبل إخراج الخمس أو بعده، وبيَّن هنا أنه كان يخرج أولاً الخمس من المغنم، ويصرفه إلى أهله، ثم بعد ذلك يعطي ربع ما بقي أو ثلثه لأهل البدأة والرجعة. * * *

стр. 2138

٣٠٥٨ - عن أبي الجُويريةِ الجَرْميِّ قال: أصبتُ بأرضِ الرُّومِ جَرَّةً حمراءَ فيها دنانيرُ في إمْرَةِ مُعاويةَ، وعلينا رجلٌ مِنْ أصحابِ رسُولَ الله ﷺ يُقالُ لهُ: مَعْنُ بن يزيدَ، فأتَيْتُه بها فقَسَمها بينَ المُسلمينَ وأعطاني منها مِثلَ ما أعطَى رجُلاً منهم، ثمَّ قال: لولا أنِّي سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "لا نَفْلَ إلَّا بعدَ الخُمُسِ"، لأَعطَيْتُكَ. "عن أبي الجويرية": تصغير الجارية. "الجرمي": بفتح الجيم وسكون الراء. "قال: أصبت بأرض الروم جرة حمراء فيها دنانير في إمرة معاوية"؛ أي: في زمان إمارته. "وعلينا"؛ أي: أُمِّر علينا في ذلك الجيش. "رجلٌ من أصحاب النبي ﷺ يقال له: معن بن يزيد، فأتيته بها، فقسمها بين المسلمين، وأعطاني منها مثل ما أعطى رجلًا منهم، ثم قال: لولا أني سمعت رسول الله يقول: لا نفل إلا بعد الخمس، لأعطيتك"؛ أي: النفل، قيل: يشبه أن يكون هنا سهو من الراوي في الاستثناء، وأن الصواب: لا ينفل بعد الخمس؛ أي: بعد وجوب الخمس في الغنيمة. * * * ٣٠٥٩ - عن أبي موسى الأشعريِّ قال: قَدِمْنا فوافَقْنا رسولَ الله ﷺ حينَ افتتحَ خَيْبَرَ فأسهمَ لنا - أو قال: فأعطانا منها - وما قسمَ لأحَدٍ غَابَ عنْ فتح خَيْبَرَ منها شيئًا إلاّ لمنْ شَهِدَ معهُ إلَّا أصحابَ سفينَتِنا جَعْفَرًا وأصحابَهُ، أسهمَ لهمْ معهم. "عن أبي موسى الأشعري قال: قدمنا، فوافقنا رسولَ الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - "؛ أي: صادفنا.

стр. 2139

"حين افتتح خيبر، فأسهم لنا، أو قال: فأعطانا منها، وما قسم لأحد غاب عن فتح خيبر منها"؛ أي: ما أعطى له من غنيمة خيبر. "شيئًا إلا لمن شهد معه"؛ أي: حضر مع النبي ﷺ ". "إلا أصحاب سفينتنا؛ جعفرًا" نصب على أنه عطف بيان من المستثنى. "وأصحابه، أسهم لهم"؛ أي: النبي ﷺ لأصحاب سفينتنا الغُيَّبِ عن فتح خيبر. "معهم"؛ أي: مع الشاهدين لفتحها. قصة هذا: أن جعفر بن أبي طالب مع جماعة من أصحاب النبي ﷺ خرجوا من مكة إلى حبشة حين كان النبي ﷺ بمكة، فلما سمعوا بمهاجرة النبي ﷺ إلى المدينة، وقوة دينه، هاجروا من حبشة إلى المدينة، وكانوا راكبين في السفينة، فوافق ذلك فتح خيبر، ففرح ﷺ بقدومهم، وأعطاهم من غنيمة خيبرَ سهامهم. * * * ٣٠٦٠ - عن زيدِ بن خالدٍ: أنَّ رجُلًا مِنْ أصحابِ النبيِّ ﷺ تُوفِّيَ يومَ خيبرَ فذكرُوا لرسولِ الله ﷺ ، فقال: "صَلُّوا على صاحِبكُمْ". فتغيَّرَتْ وُجوهُ النَّاسِ لذلك، فقال: "إنَّ صاحِبَكُمْ غَلَّ في سبيلِ الله". ففتَّشْنا متاعَهُ فوجَدْنا خَرَزًا مَنْ خَرَزِ اليَهودِ لا يُساوي دِرهَمَيْنِ. "عن زيد بن خالد - رضي الله تعالى عنه -: أن رجلًا من أصحاب النبي ﷺ توفي يوم خيبر، فذُكِرَ لرسول الله ﷺ فقال: صلوا على صاحبكم، فتغيَّرت وجوهُ الناس لذلك"؛ أي: لأمره ﷺ بالصلاة عليه دون مباشرته إياها بنفسه الكريمة. "فقال: إن صاحبكم غَلَّ"؛ أي: سرق.

стр. 2140

"في سبيل الله، ففتشنا متاعه"؛ أي: فطلبنا من بين متاعه. "فوجدنا خَرَزًا من خرزِ يهود، لا يساوي درهمين". * * * ٣٠٦١ - عن عبدِ الله بن عَمروٍ قال: كانَ رسولُ الله ﷺ إذا أصابَ غنيمةً أمرَ بلالاً فنادَى في الناسِ، فيَجيئُون بغنائِمِهِمْ، فيُخمِّسُهُ ويقْسِمُهُ، فجاءَ رجلٌ بعدَ ذلكَ بزِمامٍ مِنْ شَعْرٍ فقال: هذا فيما كُنَّا أصبناهُ مِنَ الغَنيمَةِ، فقال: "أسمِعْتَ بلالاً يُنادِي ثلاثًا؟ " قال: نعم، قال: "فما مَنَعَكَ أنْ تجيءَ بهِ؟ " فاعتذَرَ، قال: "كُنْ أنتَ تجيءُ بهِ يومَ القِيامةِ، فلنْ أقبلَهُ عنك". "عن عبد الله بن عمرو - رضي الله تعالى عنهما - قال: كان رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - إذا أصاب غنيمة، أمر بلالًا فنادى في الناس، فيجيؤون بغنائمهم، فيخمسه"؛ أي: يخرج من مال الغنيمة الخمس. "ويقسمه، فجاء رجل بعد ذلك"؛ أي: بعد التخميس. "بزمام من شعر، فقال: هذا فيما كنا أصبناه من الغنيمة، قال: أسمعت بلالاً نادى ثلاثًا؟ قال: نعم [قال]: فما منعك أن تجيء به؟ فاعتذر"؛ أي: أظهر عذرًا في التأخير. "قال: كنْ أنت تجيء به يوم القيامة، فلن أقبله عنك" وإنما لم يقبله لأنه كان لجميع الغانمين فيه شركةٌ، وقد تفرقوا، ولم يمكن إيصال نصيب كلِّ واحد منهم، فتركه يزيده؛ ليكون إثمه عليه؛ لأنه هو الغاصب. * * * ٣٠٦٢ - عن عمرِو بن شُعَيْبٍ، عن أبيه، عن جدِّه: أنَّ رسولَ الله ﷺ وأبا بكرٍ وعمرَ حَرَّقُوا متاعَ الغالِّ وضربُوه.

стр. 2141

"عن عمرو بن شُعيب، عن أبيه، عن جده - رضي الله تعالى عنهم -: أن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - وأبا بكر وعمر حرَّقوا متاعَ الغالِّ، وضربوه "، أما عقوبة المال في نفسه تأديبًا له على سوء صنيعه؛ فلا خلاف فيه، وأما في ماله؛ فقال بعضٌ بظاهر الحديث، وقال أحمد: يحرق ماله غير حيوان ومصحف، ولا يحرق ما غل؛ لأنه حق الغانمين، يرد عليهم، فإن استهلكه غرم قيمته. وقال الأوزاعي: يحرق متاعه الذي غزا به وسرجه وإيكافه دون دابته ونفقته وسلاحه وثيابه الذي عليه. وعندنا والشافعي ومالك: لا يحرق شيء من متاعه، بل يعزَّر، وحملوا الحديث على الزجر والوعيد دون الإيجاب. * * * ٣٠٦٣ - عن سَمُرةَ بن جُندبٍ قال: كان رسول الله ﷺ يقول: "مَنْ يكْتُمْ غالًّا فإنَّهُ مثلُه". "عن سمرة بن جُندبٍ قال: كان رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - يقول: من يكتم غالاً"؛ أي: يستره، ولا يظهر [هـ] عند الأمير. "فهو مثله"؛ أي: الكاتم مثل الغالِّ في الإثم. * * * ٣٠٦٤ - عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ ﵁ قال: نهى رسُولُ الله ﷺ عنْ شِراءَ المغانِم حتَّى تُقْسَمَ. "عن أبي سعيد - رضي الله تعالى عنه - قال: نهى رسول الله - صلى الله

стр. 2142

تعالى عليه وسلم عن شَرْي المغانم حتى تُقسمَ". * * * ٣٠٦٥ - عن أبي أُمامةَ، عن النبيِّ ﷺ : أنّه نهى أنْ تُباعَ السّهامُ حتَّى تُقْسَمَ. "عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ : أنه نهى أن تباع السهام حتى تُقسمَ"؛ يعني: لو باع أحد نصيبه من الغنيمة قبل القسمة، لم يصحَّ؛ لعدم الملك عند من يوقف الملكَ على القسمة، [و] للجهل بعين المبيع وصفته عند الملك قبل القسمة. * * * ٣٠٦٦ - عن خَوْلَة بنتِ قَيْسِ قالت: سمعتُ رسُولَ الله ﷺ يقولُ: "إنَّ المالَ خَضرَةٌ حُلْوَةٌ، فمنْ أصابَهُ بحقِّهِ بُورِكَ له فيهِ، ورُبَّ مُتخَوِّضٍ فيما شاءتْ بهِ نفسُهُ مِنْ مالِ الله ورسُولهِ ليسَ لهُ يومَ القِيامَةِ إلَّا النَّارُ". "عن خولة بنت قيس قالت: سمعت رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - يقول: إن المال خضرة"؛ أي: حسنة "حلوة"، إنما وصفه بالخضرة؛ لأن العرب تسمي الشيء الناعم خضرًا، أو لتشبيهه بالخضروات في سرعة زواله. "فمن أصابه بحقه، بُورِك له فيه، ورُبَّ مُتَخِّوضٍ": وهو المتكلف للخوض، وهو: المشي في الماء وتحريكه، ثم استعمل في التلبيس بالأمر والتصرف؛ أي: رب متصرف. "فيما شاءت به نفسه من مال الله ورسوله" كالزكاة والغنيمة وغير ذلك. "ليس له يوم القيامة إلا النار". * * *

стр. 2143

٣٠٦٧ - عن ابن عبَّاسٍ: أنَّ النبيَّ ﷺ تنفَّلَ سَيْفَهُ ذا الفَقارِ يومَ بَدْرٍ، وهو الذي رأَى فيها الرُّؤْيا يومَ أُحُدٍ. "عن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ تنفل سيفه ذا الفقارِ"؛ أي: اصطفاه لنفسه "يوم بدر"، وجعله صفيةَ المغنمِ التي لا تحل لأحد دونه ﷺ ، وكان لمنبه ابن الحجاج، قتله ﷺ في غزوة بني المصطلق في السنة الثانية من الهجرة، فتنفله، وكان يشهد به الحروب دون سائر سيوفه. "وهو الذي رأى فيه الرؤيا يوم أحد"؛ يعني: أنه ﷺ رأى في منامه أنه هز ذا الفقار، فانقطع من وسطه، ثم هزَّ [هـ] هزة أخرى، فعاد أحسن مما كان. * * * ٣٠٦٨ - عن رُويفِعِ بن ثابتٍ: أنَّ النبيّ ﷺ قال: " مَنْ كانَ يُؤمِنُ بالله واليومِ الآخِرِ فلا يركبْ دابَّةً منْ فَيْءِ المُسلمينَ حتَّى إذا أعْجَفَها ردَّها فيهِ، ومنْ كانَ يُؤمنُ بالله واليومِ الآخِرِ فلا يلبَسْ ثوبًا منْ فَيْءِ المُسلمينَ حتَّى إذا أخْلَقَهُ رَدَّهُ فيهِ". "عن رُوَيفع بن ثابت: أن النبي ﷺ قال: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يركب دابة مِنْ فيءِ المسلمين، حتى إذا أعجفها"، من العجف: ضد السمن. "ردَّها فيه"؛ أي: الدابة في الفيء. "ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فلا يلبس ثوبًا من فيء المسلمين، حتى إذا أخلقه"؛ أي: أبلاه، "رده فيه". * * *

стр. 2144

٣٠٦٩ - وعن محمَّدِ بن أبي المُجالدِ، عن عبدِ الله بن أبي أوْفى قال: قلتُ: هلْ كنتمْ تُخَمِّسُونَ الطعامَ في عهدِ رسُولِ الله ﷺ ؟ فقال: أصَبنا طعامًا يومَ خَيْبَرَ، فكانَ الرجُلُ يَجيءُ فيأخُذُ منهُ مِقْدارَ ما يكفيهِ ثمَّ ينصرِفُ. "عن محمد بن أبي المجالِدِ، عن عبد الله بن أبي أوفى قال: قلت: هل كنتم تخمِّسون الطعام في عهد رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -؟ قال: أصبنا طعامًا يوم خيبر، فكان الرجل يجيء، فيأخذُ منه مقدارَ ما يكفيه، ثم ينصرف". * * * ٣٠٧٠ - عن ابن عمرَ: أنَّ جيشًا غَنِمُوا في زَمانِ رسُولِ الله ﷺ طعامًا وعَسَلاً، فلمْ يُؤخَذْ منهمُ الخُمُس". "عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنه -: أن جيشًا غنموا في زمان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم طعامًا وعسلًا، فلم يؤخذ منهم الخمس". * * * ٣٠٧١ - عن القاسم مَوْلى عبدِ الرَّحمنِ عن بعضِ أَصْحابِ النَّبيِّ ﷺ قال: كُنَّا نأكُلُ الجَزورَ في الغزْوِ ولا نقسِمُهُ، حتَّى إنْ كنَّا لنرجِعُ إلى رِحالِنا وأخْرِجَتُنا منهُ مَمْلوءٌ. "عن القاسم مولى عبد الرحمن، عن بعض أصحاب النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - قال: نأكل الجزور": جمع جزر. "في الغزو ولا نقسمه، حتى إن كنا لنرجُع إلى رحالنا، وأخْرِجَتُنا": جمع الخرج.

стр. 2145

"منه مملوءة"، وفي بعض: (مملاة) مبالغة في الامتلاء، من ملأت الشيء. * * * ٣٠٧٢ - عن عبادةَ بن الصَّامتِ: أنَّ النبيَّ ﷺ كان يقول: "أدُّوا الخِياطَ والمِخْيَطَ، وإيَّاكمْ والغُلُولَ فإنَّهُ عارٌ على أهلِهِ يومَ القِيامَةِ". "عن عبادة بن الصامت: أن النبي ﷺ قال: أدُّوا الخِياط" بكسر الخاء: جمع خيط. "والمِخْيَط" بكسر الميم وسكون الخاء: هو الإبرة. "وإياكم والغلول؛ فإنه عارُ على أهله يوم القيامة". * * * ٣٠٧٣ - عن عمرِو بن شُعَيْبٍ، عن أبيه، عن جدِّه قال: دَنا النبيُّ ﷺ منْ بعيرٍ فأخذَ وَبَرَةً منْ سَنامِهِ ثمَّ قال: يا أيُّها الناسُ! إنَّهُ ليسَ لي منْ هذا الفَيْءَ شيءٌ ولا هذا - ورفعَ أُصبعَهُ - إلا الخُمُسَ، والخُمُسُ مَردودٌ عليكُمْ، فأَدُّوا الخِياطَ والمِخْيَطَ"، فقامَ رجُلٌ في يدِهِ كُبَّةٌ منْ شَعرٍ فقال: أخذتُ هذهِ لأصلِحَ بها بَزذعَةً، فقال النبي ﷺ : "أمَّا ما كانَ لي ولبني عبدِ المطَّلِبِ فهوَ لَكَ". فقال: أمَّا إذْ بلَغَتْ ما أَرَى فلا أَرَبَ لي فيها، ونَبَذَها. "عن عمرو بن شُعيبٍ، عن أبيه، عن جده - رضي الله تعالى عنهم - قال: دنا النبي ﷺ من بعير، فأخذ وَبَرَةً" بفتحات ثلاثة؛ أي: صوفًا. "من سنامه، ثم قال: يا أيها الناس! إنه ليس في من هذا الفيء شيء، ولا هذا - ورفع أصبعيه - إلا الخمس، والخمس مردود عليكم" أي: مصروف في مصالحكم من السلاح والخيل وغيرهما.

стр. 2146

"فأدوا الخياط والمخيط، فقام رجل في يده كبةٌ من شعر"؛ أي: قطعة من غزل شعر. "فقال: أخذت هذه لأصلح بها برذعة": وهي الحلس الذي يلقى تحت الرجل. "فقال النبي ﷺ : أما ما كان لي ولبني المطلب فهو لك"؛ أي: ما كان نصيبي ونصيب بني المطلب أحللناه لك، وأما باقي أنصباء الغانمين؛ فاستحلاله ينبغي أن يكون منهم. "فقال"؛ أي: الرجل للنبي ﷺ : "أما إذا بلغت" أي: الكبة. "ما أرى" من التبعة والمضايقة فيها. "فلا أرب"؛ أي: فلا حاجةَ "لي فيها ونبذها"؛ أي: ألقاها من يده. * * * ٣٠٧٤ - عن عمرِو بن عَبَسةَ قال: صلَّى بنا رسُولُ الله ﷺ إلى بَعيرٍ منَ المغنمَ فلمَّا سلَّمَ أَخَذ وَبَرَةً مِنْ جَنْبِ البَعيرِ، ثمَّ قال: ولا يَحِلُّ لي منْ غنائِمِكُمْ مثلُ هذا إلَّا الخُمُس، والخُمُسُ مَردودٌ فيكُمْ". "عن عمرو بن عَبَسةَ قال: صلى بنا رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - إلى بعير"؛ أي: استقبل في صلاته إلى جهة بعير. "من المغنم"، وجعله سترة. "فلما سلَّم أخذ وبرة من جنب البعير، ثم قال: ولا يحلُّ لي من غنائمكم مثلُ هذا إلا الخمس، والخمسُ مردودٌ فيكم ". * * *

стр. 2147

٣٠٧٥ - عن جُبَيْرِ بن مُطْعِم قال: لمَّا قَسَمَ رسُولُ الله ﷺ سهْمَ ذَوي القُرْبَى بينَ بني هاشِمٍ وبني المُطَّلب أتيتُهُ أنا وعُثمانُ بن عفَّانَ، فقلنا: يا رسُولَ الله! هؤلاِءِ إخواننُا منْ بني هاشِم لا نُنْكِرُ فضلَهُمْ لمكانِكَ الذي وَضَعَكَ الله منهُم، أرأَيْتَ إخواننَا منْ بني المطَّلِبِ أعطيتَهُمْ وترَكْتَنا، وإنَّما قرابَتُنا وقَرابتُهم واحِدَةٌ فقالَ رسُولُ الله ﷺ : أمَّا بنو هاشِمٍ وبنو المطَّلِبِ فشيءٌ واحدٌ هكذا، وشبَّكَ بين أصابعِهِ". وفي روايةٍ: "أنا وبنو المطَّلِبِ لا نفتَرِقُ في جاهِليَّةٍ ولا إسلامٍ، وإنَّما نحنُ وهُمْ شيءٌ واحِدٌ، وشبَّكَ بينَ أصابعِهِ". "عن جُبير بن مُطعِمٍ قال: لما قسم رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - سهمَ ذوي القربى بين بني هاشم وبني المطلب، أتيته أنا وعثمان بن عفان، فقلنا: يا رسول الله! هؤلاء إخواننا من بني هاشم، لا ننكر فضلهم لمكانك الذي وضعك الله منهم"؛ أي: بنو هاشم أفضل منا؛ لأنهم أقرب إليك منا؛ لأن جدك وجدهم واحد، وهو هاشم. "أرأيت إخواننا من بني المطلب، أعطيتهم وتركتنا، وإنما قرابتنا وقرابتهم واحدة"؛ لأن أباهم أخو هاشم وأبانا كذلك أخو هاشم. "فقال رسول الله: أما بنو هاشم وبنو المطلب فشيء واحد هكذا، وشبَّك بين أصابعه"؛ أي: أدخل أصابع إحدى يديه بين أصابع يده اليسرى؛ يعني: كما أن هذه الأصابع داخلة في بعض، فكذلك بنو هاشم وبنو المطلب كانوا متوافقين مختلطين في الكفر والإسلام، وأما غيرهم من أقاربنا؛ فلم يكن موافقًا لبني هاشم، قيل: أراد به المخالفة التي كانت بين بني هاشم وبني المطلب في الجاهلية، وذلك أن قريشًا وبني كنانة حالفت على بني هاشم وبني المطلب أن لا يناكحوهم، ولا يبايعوهم، حتى يسلموا إليهم النبي ﷺ .

стр. 2148

"وفي رواية: إنا وبنو المطلب لا نفترق في جاهليةٍ ولا إسلام، وإنما نحن وهم شيء واحدٌ، وشبك بين أصابعه". * * * ٩ - باب الجزية (باب الجزية) وهي من (جَزَى عنه)؛ أي: قضى؛ لأنها تجزئ عن الذمي. مِنَ الصِّحَاحِ: ٣٠٧٦ - عن بُرَيْدةَ ﵁ قال؛ كانَ النَّبيُّ ﷺ إذا أَمَّرَ أميرًا على جَيشٍ أو سَريَّةٍ أوصاهُ، وقال: "إذا لقيتَ عدُوَّكَ فادْعُهُمْ إلى الإسلامِ، فإن أجابوكَ فاقبلْ منهُمْ، فإنْ أَبَوْا فسَلْهُمُ الجزْيَةَ، فإنْ أَبَوْا فاستَعِنْ بالله وقاتِلْهُمْ ". "من الصحاح": " عن بريدة - رضي الله تعالى عنه - قال: كان النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - إذا أمَّر أميرًا على جيش أو سرية، أوصاه وقال: إذا لقيت عدوك، فادْعُهم إلى الإسلام"، وهذا يدل على وجوب دعوة الكفار إلى الإسلام قبل القتال، لكن هذا إذا لم تبلغهم الدعوة، أما إذا بلغتهم فغير واجبة؛ لأنه صحَّ أن النبي ﷺ أغار [على] بني المصطلق وهم غافلون. "فإن أجابوك فاقبلْ منهم، فإن أبوا فسَلْهم الجزيةَ، فإن أبوا فاستعنْ بالله، وقاتلهم". * * *

стр. 2149

٣٠٧٧ - عن بَجالَةَ قال: كنتُ كاتِبًا لجَزْءِ بن مُعاويةَ عمَّ الأحنفِ، فأتانا كتابُ عُمرَ بن الخطَّابِ قبلَ موتهِ بسنَةٍ أنْ فَرِّقُوا بينَ كُلِّ ذِى مَحرمٍ مِنْ المَجُوسِ، ولَمْ يكُنْ عُمرُ أخذَ الجزْيَةَ مِنَ المَجوس حَتَّى شَهِدَ عبدُ الرحمنِ بن عَوْفٍ أنَّ رسُولَ الله ﷺ أخذَها منْ مَجوسِ هَجَرَ. "وعن بَجَالة": بفتح الباء وبالجيم: وهو بجالة بن عبدة. "قال: كنت كاتبًا لجَزْءِ": بفتح الجيم، هو الصحيح. "ابن معاوية عم الأحنف، فأتانا كتاب عمر بن الخطاب قبل موته بسنة: أنْ فرقوا" (أن) هذه مفسرة. "بين كل ذي محرم من المجوس"؛ أي: في النكاح. "ولم يكن عمر أخذ الجزية من المجوس حتى شهد عبد الرحمن بن عوف: أن رسولَ الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - أخذها"؛ أي: الجزية. "من مجوس هَجَر" بكسر الهاء وفتحها وبفتح الجيم: اسم بلد في اليمن، وقيل: اسم قرية بالمدينة. اتفقوا على أخذ الجزية من اليهود والنصارى إذا لم يكونوا عربًا، ولا تؤخذ من الوثني بحال، وأوجبها الشافعي على العربي منهم أيضًا؛ لأن الجزية على الأديان لا على الأنساب، واتفقوا على أخذها من المجوس، والأكثرُ على أنهم ليسوا من أهل الكتاب. * * * مِنَ الحِسَان: ٣٠٧٨ - عن مُعاذٍ ﵁ قال: بعثَني النَّبيّ ﷺ إلى اليَمنِ، فأمرَه أنْ يأخُذَ منْ كُلِّ حالِمٍ دينارًا أوْ عِدْلَهُ مَعَافِرَ.

стр. 2150

"من الحسان": " عن معاذ - رضي الله تعالى عنه - قال: بعثني النبي ﷺ إلى اليمن، فأمره أن يأخذَ من كل حالم"؛ أي: بالغ. "دينارًا، أو عَدْله" بفتح العين؛ أي: ما يساويه. "مَعَافِرَ": قيل: نوع من ثياب اليمن، وقيل: فيه مضاف محذوف؛ أي: ثياب معافر؛ حي من همدان، غير منصرف، تنسب إليهم الثياب المعافرية. وفيه دليل على أن الجزية على البالغ من الرجال دون النساء والصبيان والمجنون والعبد، استدل الشافعي بهذا على أن أقل الجزية دينار كل سنة سواء كان غنيًا أو فقيرًا أو متوسطًا؛ لعدم الفصل بينهم. * * * ٣٠٧٩ - عن ابن عبَّاسٍ قال: قال رسولُ الله ﷺ "لا تصلُحُ قِبلَتانِ في أرضٍ واحدةٍ، وليسَ على المُسلمِ جِزْيَةٌ". "عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم: لا تصلح قِبْلتان"؛ أي: أهل قبلتين؛ يعني: دينين. "في أرض واحدة"؛ أي: على جهة المظاهرة والغلبة؛ لما بينهما من التضاد، فإن ظهر الكفر واستعلى، فعلى المسلم المهاجرة، وإن ظهر الإسلام واستولى، غلب عليهم، فينبغي أن يُشارَع. وقيل: معناه راجع إلى إجلاء اليهود والنصارى من جزيرة العرب. "وليس على المسلم جزية"، قيل: المراد بها: الخراج الذي وضع على أراضي بلد فُتِحَ صلحًا على أن تكون أراضيه لأهلها بخراج مضروب عليهم، فإذا أسلموا سقط الخراج عن أراضيهم، وتسقط الجزية عن رؤوسهم حتى يجوز لهم

стр. 2151

بيعها، بخلاف ما لو صولحوا على أن تكون الأراضي لأهل الإسلام، وهم يسكنون بها بخراج وضع عليهم أجر الأراضي، أو فتح عنوة وأسكن أهل الذمة بخراج يؤدونه، فإنه لا يسقط بإسلامهم، ولا يبيعون أرضًا. والأكثرون على أن المراد منه: أن من أسلم من أهل الذمة بعد تمام الحول قبل أدائها سقطت عنه، وبه قلنا، وقال الشافعي: لا يسقط بالإسلام ولا بالموت؛ لأنه دَينٌ حلَّ عليه أجله كسائر الديون. * * * ٣٠٨٠ - عن أَنسٍ قال: بعثَ النبي ﷺ خالدَ بن الوليدِ إلى كُيْدِرِ دُومَةَ فأخذُوهُ فأتَوْهُ بهِ، فحقَنَ لهُ دمَهُ وصالَحَهُ على الجزْيَةَ. "عن أنس - رضي الله تعالى عنه - قال: بعث رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - خالدَ بن الوليد إلى كُيدرِ دومةَ" بضم الهمزة وفتح الكاف وسكون الياء وبالدال والراء المهملتين هو أكيدر بن عبد الملك الكندي، كان نصرانيًا صاحب دومة الجندل بضم الدال وقد تفتح، وهي من بلاد الشام قريب تبوك، بعث ﷺ إليه سرية من المهاجرين وأعراب المسلمين، وجعل أبا بكر على المهاجرين، وخالدًا على الأعراب، وقال لخالد: إنك ستجده يصيد البقرَ، فانتهت السرية إلى الحصن في ليلة مقمرة وهو على السطح مع امرأته، فجاءت البقرة وجعلت تحكُّ باب قصره بقرنيها، فقالت له امرأته: هل رأيت مثل هذا قط؟ قال: لا والله، قالت: أفتتركُ مثل هذه؟ فنزل، فأمر بفرسه فأسرج، وركب معه نفرٌ من أهل بيته معهم أخٌ له يقال له: حسان، فتلقاهم خيلُ رسول الله ﷺ . "فأخذوه"؛ أي: أكيدر، وقتلوا حسان، وكان ﷺ وصَّاهم أن يقتلوه. "فأتوه به، وحقن له"؛ أي: حفظ عليه "دمه" عن القتل.

стр. 2152

"وصالحه على الجزية"، وخلى سبيله، ثم إنه أسلم بعد ذلك، وحسن إسلامه. * * * ٣٠٨١ - وقالَ رسولُ الله ﷺ : "إنَّما العُشُورُ على اليَهُودِ والنَّصارَى وليسَ على المُسلمِينَ عُشُورٌ". "وعن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - قال: إنما العُشُورُ": جمع عشر، أراد به: عشر مال التجارة، لا عشر الصدقات. "على اليهود والنصارى، وليس على المسلم عُشُور"، قال الخطابي: الذي يلزم اليهود والنصارى من العشور هو ما صولحوا عليه وقت العقد، فإن لم يصالحوا على شيء، فلا يلزمهم إلا الجزية، وهذا مذهب الشافعي، وعندنا: إن أخذوا العشور منا إذا دخلنا بلادهم للتجارة، أخذنا منهم إذا دخلوا بلادنا لها، وإلا فلا. * * * ٣٠٨٢ - عن عُقْبةَ بن عامِرٍ قال: قلتُ يا رسُولَ الله! إنّما نمرُّ بقومٍ فلا هُمْ يُضَيفُوننا، ولا هُمْ يُؤَدُّونَ ما لنا عليهمْ مِنَ الحق، ولا نحنُ نأخُذُ منهمْ، فقالَ رسُولُ الله ﷺ : "إنْ أَبَوْا إلَّا أنْ تأخُذُوا كَرْهًا فخُذُوا". "عن عقبة بن عامر - رضي الله تعالى عنه - قال: قلت: يا رسول الله! إنما نمرُّ بقوم، فلا هم يضيفوننا، ولا هم يؤدُّون ما لنا عليهم من الحق"؛ أي: حق الضيافة، قيل: كان مرورهم على قوم من أهل الذمة، وقد كان شرط الإمام عليهم ضيافة من يمر بهم. "ولا نحن نأخذُ منهم، فقال ﷺ : إن أبَوا إلا أن تأخذوا منهم كرهًا،

стр. 2153

فخذوا"، وأما إذا لم يكن قد شُرِط عليهم، والنازلُ غير مضطر، فلا يجوز أخذ مال الغير بغير طيبة نفس منه. قال أبو عيسى: معنى الحديث: أنهم كانوا يخرجون في الغزو، فيمرون بقوم، ولا يجدون من الطعام ما يشترون بالثمن، فقال ﷺ : "إن أبوا أن يبيعوا إلا أن تأخذوا كرهًا فخذوا"، هكذا روي في بعض الحديث مفسَّرًا. * * * ١٠ - باب الصُّلحِ (باب الصلح) مِنَ الصِّحَاحِ: ٣٠٨٣ - عن المِسْوَر بن مَخْرَمَة ومَرْوانَ بن الحَكَم قالا: خَرَجَ النبيُّ ﷺ عامَ الحُدَيْبيةِ في بِضْعَ عَشْرَةَ مئةً منْ أصحابهِ، فلما أتى ذا الحُلَيْفةِ قلَّدَ الهَدْي وأَشْعَرَه وأحرمَ منها بعُمرةٍ، وسارَ حتَّى إذا كانَ بالثَّنيَّةِ التى يُهبَطُ عليهمْ مِنها بَرَكَتْ به راحلتُه، فقال النَّاسُ: حَلْ حَلْ خَلأَتِ القَصْواءُ خلأَتِ القَصْواءُ، فقال النبيُّ ﷺ : " ما خلأتِ القَصْواءُ وما ذاكَ لها بخُلُقٍ، ولكنْ حَبَسَها حابسُ الفيلِ"، ثم قال: " والذى نَفْسي بيدِهِ لا يَسْألوني خُطَّةً يُعَظِّمون فيها حُرُماتِ الله إلا أعْطَيْتُهم إيَّاها". ثمَّ زَجَرَها فوثَبتْ، فعَدَلَ عنهمْ حتَّى نزَلَ بأقصَى الحُدَيْبيةِ على ثَمَدٍ قليلِ الماءِ يتَبَرَّضه النَّاسُ تَبرُّضًا، فلم يُلَبثْهُ الناسُ حتَّى نزَحوهُ وشُكِيَ إلى رسولِ الله ﷺ العَطَشُ، فانتَزَعَ سَهْمًا من كِنانتِهِ ثمَّ أمرَهمْ أنْ يَجعلوهُ فِبهِ، فَوَالله ما زالَ يَجيشُ لهم بالرِّيِّ حتَّى صَدَروا عنهُ، فبَيْنما هُمْ كذلك إِذْ جاءَ بُدَيْلُ ابن وَرْقاءَ الخُزاعيُّ في نَفَرٍ مِنْ خُزاعةَ، ثم أتاه عُرْوةُ بن مسعودٍ وساقَ الحديثَ

стр. 2154

إلى أنْ قال: إذْ جاء سُهيلُ بن عَمْرٍو، فقال النبيُّ ﷺ : "اكتُبْ هذا ما قاضى عليهِ مُحمدٌ رسولُ الله ﷺ ". فقال سُهيل: والله لو كنَّا نَعلمُ أنَّكَ رسولُ الله ما صَدَدْناكَ عن البيتِ ولا قاتَلْناك، ولكن اكتُبْ محمدُ بن عبْدِ الله، فقال النبيُّ ﷺ : "والله إنِّي لَرسولُ الله وإنْ كذَّبتُموني، اكتُبْ محمدُ بن عبدِ الله ". فقال: سُهيل: وعلى أنْ لا يأْتِيكَ منَّا رجُل وإنْ كانَ على دينكَ إلَّا ردَدْتَهُ علينا. فلما فَرَغَ مِنْ قضيَّةِ الكِتابِ قال رسولُ الله ﷺ لأصْحابهِ: "قوموا فانحَرُوا ثمَّ احْلقُوا". ثم جاء نِسوةٌ مؤْمِناتٌ، فأنزلَ الله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ. . .﴾ [الممتحنة: ١٠] الآية. فنهاهُم الله أنْ يَردُّوهُنَّ وأَمَرهُم أَنْ يَرُدُّوا الصَّداقَ. ثم رَجَعَ إلى المدينةِ فجاءَهُ أبو بَصيرٍ رجلٌ منْ قُرَيْشٍ وهو مُسلمٌ فأرسَلوا في طَلَبهِ رَجُلَيْنِ، فدفعَهُ إلى الرَّجُلَين، فخَرجا بهِ حتَّى بَلَغا ذَا الحُلَيْفة نزلُوا يأكُلونَ منْ تمرٍ لهمْ، فقال أبو بَصيرٍ لأحدِ الرجُلَين: والله إنِّي لأَرى سَيفَكَ هذا يا فُلانُ جيدًا، فَأَرِنى أنظُرْ إليهِ، فأمْكَنَهُ منهُ، فضَرَبَهُ حتَّى بَرَدَ، وفرَّ الآخَرُ حتَّى أتى المدينةَ، فدخَلَ المَسجدَ يَعْدو، فقالَ النبيُّ ﷺ : "لقد رأَى هذا ذُعْرًا". فقالَ: قُتِلَ والله صاحِبي وإنّي لَمقتولٌ. فجاءَ أبو بَصيرٍ، فقال رسول الله ﷺ : "وَيلُ أُمِّهِ مِسْعَرَ حَربٍ لو كانَ لهُ أحدٌ". فلمَّا سمعَ ذلكَ عَرَفَ أنَّهُ سيَرُدُّهُ إليهمْ، فخَرَجَ حتَّى أتى سِيفَ البحرِ، قال: وتَفَلَّتَ أَبو جَنْدَلِ بن سُهيلٍ فلَحِقَ بأبي بَصيرٍ، فجعلَ لا يخرجُ من قُرَيشٍ رجل قد أَسْلَمَ إلَّا لَحِقَ بأَبى بَصيرٍ، حتَّى اجتمعَتْ منهُمْ عِصابة، فوالله ما يَسْمعونَ بعِيرٍ خَرَجَتْ لقُرَيْشٍ إلى الشّامِ إلَّا اعترَضُوا لها، فقَتَلُوهم وأَخَذوا أموالَهم، فأرسلَتْ قُريشٌ إلى النبيِّ ﷺ تُناشِدُهُ الله والرَّحِمَ لمَّا أرسلَ، فمنْ أتاهُ فهوَ آمِنٌ، فأرسلَ النبىُّ ﷺ إليهم. "من الصحاح": " عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم قالا: خرج النبي ﷺ عام

стр. 2155

الحديبية): بتخفيف الياء، وكثير من المحدثين يشددونها، وهي قرية قريبة من مكة خارجة من الحرم. "في بضع"؛ أي: مع بضع. "عشرة مئة من أصحابه" نصب (مئة) على التمييز. وروي عن كثير من الصحابة: أنهم كانوا ألفًا وأربع مئة رجل. "فلما أتى ذا الحُليفة": موضع على ميل من المدينة. "قلَّد الهدي"، تقليده: أن يعلق شيء على عنق البدنة؛ ليعلم أنها هدي. "وأشعر"، إشعار الهدي: أن يُطعَن في سنامه الأيمن حتى يسيلَ منه الدم؛ ليعلم أنه هدي. "فأحرم منها"؛ أي: من ذي الحليفة. "بعمرة، وسار حتى إذا كان بالثنية": وهي الجبل الذي عليه الطريق. "التي يهبط عليهم"؛ أي: ينزل على قريش؛ أعني: أهل مكة. "منها"؛ أي: من تلك الثنية. "بركت به راحلته"؛ أي: استناخت ناقته بالنبي ﷺ ، والباء للمصاحبة؛ أي: في الحالة التي كان النبي ﷺ على ظهر راحلته. "فقال الناس: حَلْ حَلْ" بالحاء المهملة المفتوحة واللام الخفيفة: كلمة زجر للبعير إذا حثثته على السير، والثانية تأكيد في الزجر، وتنون الأولى إذا وصلت بالأخرى، والمحدثون يسكِّنونها في الوصل. "خلأت القصواءُ"؛ أي: حَرَنَت وبركت من غير علة، والقصواء: الناقة المقطوع طرف أذنها. قال الجوهري: كان لرسول الله ﷺ ناقة تسمى قصواء، ولم تكن مقطوعة الأذن.

стр. 2156

"فقال النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم -: ما خَلأَت القصواءُ, وما ذاك لها بخلق" بضم الخاء واللام. "ولكن حبسها حابسُ الفيل"؛ أي: منعها من السير - كيلا تدخلَ مكة - مَنْ منع أصحاب اللَّيل من مكة، وهو الله؛ لئلا تقع محاربة وإراقة دم في الحرم قبل أوانه. "ثم قال: والذي نفس محمد بيده، لا يسألونني"؛ أي: لا تطلب أهل مكة مني "خُطَّة": وهي - بضم الخاء المعجمة - الأمر العظيم، أريد به: المصالحة. "يعظمون فيها حرمات الله": جمع حرمة، كـ (ظلمات)، أراد بها: حرمة الحرم والإحرام والشهر بالكفِّ فيها عن القتال. "إلا أعطيتهم إياها"؛ أي: تلك الخطة المسؤولة، عبَّر عن المستقبل بالماضي مبالغة. "ثم زجرها"؛ أي: النبي ﷺ تلك الناقة. "فوثبت"؛ أي: طفرت. "فعدل عنهم"؛ أي: انحرف ﷺ ومال عن أصحابه، وذهب أمامهم، وتوجَّه غير جهة أهل مكة. "حتى نزل بأقصى الحديبية على ثَمَدٍ" بفتح الثاء والدال المهملة؛ أي: على ماء قليل، وإنما وصفه بقوله: "قليل الماء"؛ إرادة للتأكيد، والمراد هنا: البئر. "يتبرَّضُه الناس تبرُّضًا"؛ أي: يأخذونه قليلًا قليلًا، أو يشربونه كذلك. "فلم يلبثه الناس"؛ أي: فلم يجعلوا لبثَ ذلك الماء طويلًا في تلك البئر. "حتى نزحوه"؛ أي: نزعوه، وأفرغوه منها عن قريب.

стр. 2157

"وشكوا إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم العطش، فانتزع سهمًا من كنانته": وهي التي يجعل فيها السهام. "ثم أمرهم أن يجعلوه فيه"؛ أي: ذلك السهم في البئر. "فو الله ما زال يجيشُ"؛ أي: يفور ويرتفع ويمتد. "لهم بالري" متعلق بـ (يجيش)؛ أي: بماء يرويهم. "حتى صدروا عنه"؛ أي: رجعوا عن ذلك الماء راضين، فما لهم حاجةٌ إلى الماء. "فبينما هم كذلك إذ جاء بُدَيل" - بصيغة التصغير والتخفيف - "ابن ورقاء الخزاعي": بضم الخاء المعجمة. "في نفر من خزاعة" بعثه أهل مكة بالرسالة إلى النبي ﷺ . "ثم أتاه عروة بن مسعود، وساق الحديث" من كلام المؤلف أو الراوي؛ أي: ساق الراوي هذا الحديث طويلًا. "إلى أن قال: إذ جاء سهيل بن عمرو، فقال النبي ﷺ : أكتب هذا ما قاضى عليه" من (المقاضاة)؛ لأن القضية كانت بينه وبين أهل مكة، من (قضى الحاكم): إذا فصل في الحكم؛ أي: هذا ما صالح عليه. "محمد رسول الله" مع أهل مكة. "فقال سهيل: والله لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت"؛ أي: ما منعناك عن زيارة الكعبة. "ولا قاتلناك، اكلتب: محمد بن عبد الله، فقال النبي ﷺ : والله إني لرسول الله وإن كذبتموني، اكتب: محمد بن عبد الله، فقال سهيل: وعلى أن لا يأتيك" معطوف على مقدر؛ أي: أكتب: على أن تأتينا من القابل، وعلى أن [لا] يأتيك.

стр. 2158

"منا رجل"، وروي: (واحد) مكان رجل. "وإن كان على دينك إلا رددته علينا، فلما فرغ من قضية الكتاب"؛ أي: من حكم كتبة كتاب الصلح. "قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - لأصحابه: قوموا فانحروا"؛ أي: اذبحوا. "ثم احلقوا"، وهذا يدل على أن مَنْ أحرم بحج أو عمرة، ثم منع عن إتمامهما، فإنه ينحر الهدي في مكانه الذي أُحصِر فيه، ويفرِّقُ اللحمَ على مساكين ذلك الموضع، ويحلق، ويتحلل من إحرامه، وإن لم يبلغ هديه الحرم. "ثم جاء"؛ أي: من جانب الكفار. "نسوة مؤمنات، فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ [الممتحنة: ١٠] الآية، فنهاهم الله تعالى أن يردوهن"، اختلفوا في دخولهن في شرطهم مع رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -: على أن لا يأتيك منا أحد؛ قيل: لم يدخلن في ذلك الشرط؛ لأن المراد: الرجال، فعلى هذا لا إشكال في عدم ردهن. وقيل: يدخلن في الشرط؛ لأن لفظ (أحد) يتناولهن، فتكون الآية ناسخةٌ لذلك. "وأمرهم أن يردوا الصداق"؛ أي: ما أعطاهن أزواجهن من الصداق إذا جاؤوا في طلبهن، إن كانوا قد سلَّموا الصداق إليهن، وإلا لا يُعطَون شيئًا. "ثم رجع"؛ أي: النبي ﷺ . "إلى المدينة، فجاءه أبو بَصير" - بفتح الباء - "رجل من قريش وهو مسلم، فأرسلوا"؛ أي: أهل مكة. "في طلبه رجلين، فدفعه"؛ أي: ردَّ النبي ﷺ أبا بصير" إلى الرجلين،

стр. 2159

فخرجا به حتى إذا بلغا ذا الحليفة، نزلوا يأكلون من تمر لهم، فقال أبو بصير لأحد الرجلين: والله إني لأرى سيفك هذا يا فلان جيداً، أرنى أنظرْ إليه، فأمكنه منه"؛ أي: رفع السيف إلى أبي بصير. "فضربه"؛ أي: أبو بصير ذلك الكافر. "حتى برد"؛ أي: مات، وسكنت منه حركة الحياة، وهذا من إطلاق اللازم على الملزوم. "وفرَّ الآخرُ حتى أتى المدينة، فدخل المسجدَ يعدو، فقال النبي ﷺ : لقد رأى هذا ذُعراً"؛ أي: خوفًا. "فقال: قتل والله صاحبي، وإني لمقتول"؛ يعني: لو لم أفرَّ دنوت أن أقتل. "فجاء أبو بصير، فقال النبي ﷺ : ويلَ أمه": بالنصب على المصدر، وبالرفع على الابتداء، والخبر محذوف، معناه في الأصل: الحزن والمشقة والهلاك، وقد يراد به التعجب، وهو المراد؛ فإنه ﷺ تعجَّب من حسن نهضته للحرب، وجودة معالجته لها. "مِسْعَرُ": بكسر الميم وسكون السين وفتح العين، خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هو مسعر "حرب": وهو الذي يحمي الحرب، ويهيج الشر، وسعرت النار والحرب؛ أي: أوقدتها، والمسعر والمسعار: ما تحرَّك به النار، يصفه بالمبالغة في الحرب والنجد [ة]. "لو كان له أحدٌ"؛ أي: لأبي بصير صاحبٌ ونصيرٌ ينصره، وقيل: معناه: لو كان له أحدٌ يعرفه أن لا يرجَع إليَّ حتى لا أرده إليهم، وهذا أنسبُ بسياق الحديث. "فلما سمع"؛ أي: أبو بصير "ذلك" القولَ من النبي ﷺ .

стр. 2160

"عرف أنه سيرده إليهم، فخرج حتى أتى سِيْفَ البحر" بكسر السين وسكون الياء؛ أي: ساحل البحر. "قال"؛ أي: الراوي. "وانفلت"؛ أي: ففرَّ. "أبو جندل بن سهل" من أيدي المشركين. "فلحق بأبي بصير، فجعل لا يخرج من قريش رجلٌ قد أسلم إلا لحق بأبي بصير، حتى اجتمعت منهم عِصابةٌ": بكسر العين؛ أي: جماعة. "فو الله ما يسمعون بعِيرٍ": وهي - بكسر العين المهملة وسكون الياء -: الإبل، وقيل: الحمير أيضًا بأحمالها، والمراد هنا: القافلة. "خرجت لقريش إلى الشام إلا اعترضوا لها"؛ أي: استقبلوا عليهم بالمحاربة. "فقتلوهم، وأخذوا أموالهم، فأرسلت قريشٌ إلى النبي ﷺ تناشده الله والرحمَ"؛ أي: يحلفونه بالله وبحق القرابة التي بينهم وبينه ﷺ . "لما أرسل ": بتشديد الميم بمعنى: ألا؛ أي: لا يعاملهم بشيء إلا بإرساله "إليهم"؛ أي: إلى أبي بصير وأتباعه أحدًا، وردهم إلى المدينة؛ كيلا يتعرضوا لهم في سبيلهم. "فمن أتاه"؛ أي: النبي ﷺ من المسلمين منهزمًا من أيدي الكفار. "فهو آمن": من طلبهم له، ومن عدم رده ﷺ إليهم. "فأرسل النبي ﷺ إليهم "، وردهم إلى المدينة. * * * ٣٠٨٤ - عن البراءَ بن عازِبٍ قال: صالحَ النَّبيُّ ﷺ المُشْرِكينَ يومَ

стр. 2161

الحُدَيْبيةِ على ثلاثةِ أشياءَ: على أَنَّ مَنْ أتاهُ مِنَ المُشركينَ ردَّهُ إليهِمْ، ومَنْ أتاهُمْ مِنَ المُسلمينَ لم يَرُدُّوه. وعلى أنْ يدخُلَها مِنْ قابلٍ ويُقيمَ بها ثلاثةَ أَيَّامٍ، ولا يدخُلَها إلَّا بجُلُبَّانِ السِّلاحِ: السَّيْفِ والقَوسِ ونحوه. فجاءَ أبو جَندَلٍ يَحْجُلُ فِى قُيودِهِ فردَّهُ إليهمِ. "عن البراء بن عازب قال: صالح النبي ﷺ المشركين يوم الحديبية على ثلاثة أشياء: على أن من أتاه من المشركين ردَّه إليهم، ومن أتاهم من المسلمين لم يردوه، وعلى أن يدخلها"؛ أي: النبي ﷺ مكة. "من قابلٍ"؛ أي: في السنة القابلة. "ويقيم بها"؛ أي: بمكة. "ثلاثة أيام، ولا يدخلها إلا بجُلبَّان السلاح" بضم الجيم واللام وتشديد الباء: وهو جراب من أديم يُوضَع فيه السيف مغمودًا، ويطرح فيه السوط والآلات، فيعلَّق من آخرة الرجل، ومن عادة العرب أن لا يفارقهم السلاح في السلم والحرب. "السيف": بدل من (السلاح). "والقوس ونحوه": والمراد: أنهم لا يدخلون مكة كاشفي سيوفهم متأهبين للحرب، وإنما شرطوه ليكون إمارةً للسلم، فلا يُظَنَّ أنهم دخلوها قهرًا، واشتراطُهُ ﷺ لهذه الشروط كان لضعف حال المسلمين وعجزهم عن مقاومة الكفار ظاهرًا. "فجاء أبو جندل"؛ بن سهل إلى النبي ﷺ بالمدينة متفلتًا منهم بعد أن أخذه أهل مكة، وقيَّده لإسلامه. "يَحْجُلُ" بفتح الياء وسكون الحاء قبل الجيم المضمومة: هو مشي المقيد.

стр. 2162

"في قيوده"؛ أي: يمشي كمشي الأعرج؛ لقيد رجله. "فرده إليهم": فإنه لما رده ﷺ وفاء بشرطه، انفلت كرة أخرى، فجاء سيف البحر، ولحق أبا بصير، كما ذكر. * * * ٣٠٨٥ - وعن أنسٍ: أنَّ قُرَيْشًا صالَحُوا النَّبيَّ ﷺ ، فاشْتَرَطُوا عَلَى النَّبىِّ ﷺ أَنَّ مَنْ جاءَنا منكُمْ لم نَرُدَّهُ عليكُمْ، ومَنْ جاءكمْ منَّا رَدَدْتُمُوهُ علينا، فقالوا يا رسُولَ الله! أَنَكْتُبُ هذا؟ قالَ: "نعَمْ، إنَّهُ مَنْ ذَهَبَ مِنَّا إليهمْ فَأَبْعَدَهُ الله، ومَنْ جاءَنا مِنْهُمْ سَيَجْعَلُ الله لهُ فَرَجًا ومَخْرَجًا". "وعن أنس - رضي الله تعالى عنه -: أن قريشًا صالحوا النبي ﷺ ، فاشترطوا على النبي ﷺ على أنَّ من جاءنا منكم لم نرده عليكم، ومن جاءكم منا رددتموه علينا، قالوا"؛ أي: الصحابة لرسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - استبعادًا لهذه الشرط. "يا رسول الله! أتكتب هذا؟ قال: نعم؛ إنه من ذهب منا إليهم"؛ أي: إلى الكفار واختار دينهم. "فأبعده الله"؛ لأنه مرتد. "ومن جاءنا منهم"؛ أي: من أهل مكة بعد أن أسلم، ثم رددناه وفاءً بالعهد. "سيجعل الله له فرجًا ومخرجًا"؛ أي: خروجًا؛ يعني: سوف يخلِّصه الله من أيديهم. * * *

стр. 2163

٣٠٨٦ - وقالت عائِشَةُ في بَيْعَةِ النِّساءِ: إنَّ رسُولَ الله ﷺ يَمتحِنُهُنَّ بهذِه الآية ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ ...﴾ [الممتحنة: ١٢] الآية، فمَنْ أَقَرَّتْ بهذا الشَّرْطِ منْهُنَّ قال لها: "قدْ بايَعْتُكِ" كلامًا" يُكَلِّمُها بهِ، والله ما مَسَّتْ يَدُهُ يَدَ امرأةٍ قطُّ في المُبايَعَة. "وقالت عائشة في بيعة النساء: إن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - كان يمتحنهنَّ بهذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ [الممتحنة: ١٢]، فمن أقرت بهذا الشرط منهن، قال لها: قد بايعتك كلامًا": نصب على أنه مصدر (قال) من غير لفظه. "يكلمها به"؛ أي: بعقد المبايعة، أو بذلك الكلام. "والله ما مسَّت يده يدَ امرأة قطُّ في المبايعة". * * * مِنَ الحِسَان: ٣٠٨٧ - عن المِسْوَرِ ومروانَ: أنَّهم اصْطَلَحُوا على وضْعِ الحَرْبِ عَشْرَ سنين يأمَنُ فيهِنَّ النَّاسُ، وعلى أنَّ بَيْننا عَيْبةً مَكفوفةً، وأنَّهُ لا إسْلالَ ولا إغلالَ. "من الحسان": " عن المسور ومروان أنهم"؛ أي: أهل مكة. "اصطلحوا"؛ أي: صالحوا مع رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -. "على وضع الحرب"؛ أي: على ترك المحاربة. "عشر سنين": قال الشافعي: أقصى المدة التي تُصالَح الكفارُ فيها عند الضعفِ عشرُ سنين، وقيل: إلى أربع سنين، وقيل: إلى ثلاث سنين، وقيل: لا حدَّ له معلوم، بل بحسب ما يراه الإمام.

стр. 2164

وأما في حال قوة الإسلام؛ فلا يصالحون سنة بلا جزية، ويجوز إلى أربعة أشهر، ولو صُـ[ـو] لحوا إلى مدة - على أنه لو بدا لنا النقضُ فعلنا - جاز. ولا يصالحهم الإمام عند ضعفنا على النساء خشيةَ إصابة المشركين إياها، وخشية ردتها إذا خُوِّفت أو أكرهت. لضعف قلبها، وقلة هدايتها إلى التورية بكلمة الكفر بخلاف الرجل. "يأمن فيهن الناس، وعلى أن بيننا عَيْبة": وهي - بفتح العين المهملة ثم السكون -: ما يجعل فيه الثياب. "مكفوفة"؛ أي: مشدودة؛ يعني: يُحفَظُ العهد والشرط ولا ننقضه، كما يُحفظ ما في العيبة بشد رأسها؛ يعني: لا تُذكَر العداوة التي كانت بيننا قبل هذا، ولا ينتقم بعضنا بعضًا، فكان بيننا صدر سليم وعقائد صحيحة في المحافظة على العهد الذي عقدناه بيننا. "وأنه لا إسلالَ"؛ أي: لا سرقة. "ولا إغلالَ"؛ أي: ولا خيانة؛ يعني: لا يأخذ بعضنا مال بعض؛ لا في السر، ولا في العلانية. وقيل: الإسلال: من سل السيوف، والإغلال: لبس الدروع؛ أي: لا يحارب بعضنا بعضًا، فلما مضى بعد هذا الصلح ثلاثُ سنين، نقضوا عهدهم بإعانتهم بني بكر على حرب خزاعة حلفاء الرسول ﷺ ، ومحاربُ حليف الشخص كمحارب ذلك الشخص. * * * ٣٠٨٨ - وقال رسولُ الله ﷺ : "ألا مَنْ ظَلَمَ مُعاهدًا أو انتقَصَهُ، أو كلَّفَهُ فوقَ طاقتِهِ، أو أخذَ منهُ شيئًا بغيرِ طيبِ نَفْسٍ، فأنا حَجيجُهُ يومَ القِيامَةِ".

стр. 2165

"وقال: ألا مَنْ ظلم معاهدًا أو انتقضه": بالضاد المعجمة؛ أي: نقض من الأجل المضروب لأمنه وأمانه، أو بالصاد المهملة؛ أي: انتقص حقه. "أو كلفه فوق طاقته": بأن أخذ جزيته أكثر مما يطيق أداءه إن كان ذميًا، وفوق عشر مال تجارته إن كان حربيًا جاء للتجارة، وجرى بيننا وبينه عهد. "أو أخذ منه شيئًا بغير طيبة نفس، فأنا حجيجُهُ يوم القيامة"؛ أي: محاججه؛ مبالغة في إظهار الحجة عليه، والحجة: الدليل. * * * ٣٠٨٩ - عن أُمَيْمةَ بنتِ رُقَيقةَ قالت: بايعتُ النبيَّ ﷺ في نِسْوَةٍ، فقال لنا: فيما اسْتَطَعْتُنَّ وأطَقْتُنَّ. قلتُ: الله ورسُولُهُ أرحَمُ بنا مِنَّا بأنفُسِنا، قلتُ: يا رسُولَ الله! بايعْنا، تعني: صافِحْنا، قال: "إنَّما قَوْلي لمئةِ امرأَةٍ كقَوْلي لامرأةٍ واحِدةً". "عن أُمَيمة بنت رُقَيقة قالت: بايعت النبيَّ ﷺ في نسوة"؛ أي: مع نسوة. "فقال لنا: فيما استطعتن": متعلق بمحذوف؛ أي: أبايعكن فيما استطعتن. "وأطقتن": كأنه ﷺ أشفق عليهن حيث قيَّد المبايعة في التكاليف بالاستطاعة. "قلت: الله ورسوله أرحمُ بنا منا بأنفسنا، قلت: يا رسول الله! بايعنا؛ تعني: صافحنا"؛ يعني: فرع يدك يزيد كل واحدة منا. "قال: إنما قولي لمئة امرأة كقولي لامرأة واحدة": فإن قلت: كيف طابق قوله: "إنما قولي" جوابًا عن قولها: صافحنا؛ لأنها طلبت المصافحة باليد، وأجابها بالقول؟ قلت: هذا ردٌّ لقولها: (صافحنا) بوجهين:

стр. 2166

أحدهما: أن المبايعة مقصورة على القول دون الفعل. وثانيهما: أن قولي لك هذا بمحضر من النساء كقولي لسائرهن. * * * ١١ - باب الجلاء: إخراجِ اليهودِ من جزيرةِ العَرَبِ (باب إخراج اليهود من جزيرة العرب) مِنَ الصِّحَاحِ: ٣٠٩٠ - عن أبي هريرةَ ﵁ قال: بَيْنا نحنُ في المسْجدِ، خَرَجَ النَّبيُّ ﷺ فقال: اِنطلِقُوا إلى يَهُودَ فَخَرَجْنا معهُ حتَّى جَئْنا بَيْتَ المدراسِ، فقامَ النَّبيُّ ﷺ فقالَ: "يا مَعْشَرَ يَهُودَ! أسْلِمُوا تَسْلَمُوا، واعْلَمُوا أن الأَرضَ للهِ ولرسُولِهِ، وإنَّي أُريدُ أَنْ أُجْلِيَكُم مِنْ هذه الأرْضِ، فَمَنْ وَجَدَ منكُمْ بمالِهِ شيئًا فلْيَبعْه". "من الصحاح": " عن أبي هريرة قال: بينا نحن في المسجد إذ خرج النبي ﷺ فقال: انطلقوا إلى يهود خيبر، فخرجنا معه حتى جئنا بيتَ المدراس" بكسر الميم: موضع الدرس والقراءة؛ أي: البيت الذي يجتمعون لدراسة التوراة ويقرءون فيه. قال أبو موسى: المدارس: صاحب دراسة كتبهم. "فقام النبي ﷺ فقال: يا معشر يهود! أسلموا"؛ أي: ادخلوا في دين الإسلام طائعين. "تسلموا"؛ أي: تنجوا حسن الذل في الدنيا، والعذاب في الآخرة.

стр. 2167

"اعلموا أن الأرض لله ولرسوله، وإني أريد أن أجليكم"؛ أي: أخرجكم. "من هذه الأرض"؛ أي: من جزيرة العرب، والخطابُ لمن بقي في المدينة وحواليها من يهود بني قينقاع وغيرهم بعد إخراج بني النضير، وقيل: بني قريظة. "فمن وجد منكم مسألة شيئًا"؛ أي: وجد شيئًا من ماله مما لا يتيسر له نقلُهُ كالأراضي والأشجار، "فليبعه". * * * ٣٠٩١ - عن ابن عمرَ قالَ: قامَ عمرُ خَطِيبًا فَقَالَ: إنَّ رسُولَ الله ﷺ كانَ عامَلَ يَهُودَ خَيْبَرَ على أموالِهم وقال: نُقِرُّكمْ على ما أقرَّكُمُ الله. وقد رأَيْتُ إجلاءَهُم، فلمَّا أَجْمَعَ عُمرُ على ذلِكَ أتاهُ أحدُ بني أبي الحُقَيقِ فقالَ: يا أميرَ المؤمنينَ! أتُخْرِجُنا وقد أقرَّنا محمدٌ وعامَلَنا على الأموالِ؟ فقالَ عمرُ: أَظَنَنْتَ أنِّي نسيتُ قولَ رسولِ الله ﷺ : كيفَ بكَ إذا أُخْرِجْتَ من خَيْبَرَ تَعْدُو بكَ قَلُوصُكَ ليْلةً بعدَ لَيْلةٍ. فقال: هذهِ كانتْ هُزَيْلةً من أبي القاسم. قالَ: كذبتَ يا عدوَّ الله. فأجلاهم عمرُ، وأَعْطاهم قِيمةَ ما كانَ لهمْ مِنَ الثمَرِ مالاً وإبلاً وعُروضًا من أقتابٍ وحِبالٍ وغيرِ ذلك. "عن ابن عمر قال: قام عمر خطيبًا فقال: إن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - كان عامل يهود خيبر على أموالهم"؛ أي: ساقاهم على الكروم والنخيل. "وقال: نقركم على ما أقركم الله"؛ أي: ما شاء الله بإعطائكم الجزية؛ أي: ما دمتم تعطونها، وقيل: معناه نترككم ما ترككم الله؛ أي: ما لم يأمرنا الله بإخراجكم من جزيرة العرب.

стр. 2168

"وقد رأيتُ إجلاءَهم": هذا كلام عمر؛ أي: قال: رأيتُ المصلحةَ في إجلاءهم. "فلما أجمع عمر"؛ أي: عزم. "على ذلك"؛ أي: إجلائهم. "أتاه أحدُ بني أبي الحقيق": بضم الحاء المهملة وفتح القاف وسكون الياء. "فقال: يا أمير المؤمنين! أتخرجنا وقد أقرَّنا محمد، وعاملنا على الأموال؟ "؛ أي: جعلنا عاملين على أرض خيبر بالمساقاة. " فقال عمر ﵁: أظننْتَ أني نسيتُ قول رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -: كيف بك"؛ أي: كيف يكون حالك "إذا أُخرِجتَ من خيبر تعدو"؛ أي: تسرع. "بك قَلوصُك": وهو - بفتح القاف -: المفتي من الإبل، وقيل: الأنثى منها. "ليلة بعد ليلة": وهذا مقول قول رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - لهذا اليهود [ي]. "فقال: هذه كانت هُزَيلةٌ": تصغير (هزلة): مرة من الهزل نقيض الجد؛ يعني: هذه الكلمة كانت على طريق المزاح. "من أبي القاسم، قال: كذبت يا عدو الله! فأجلاهم عمر، وأعطاهم قيمة ما كان لهم من الثمر": المراد: ما ينبت لهم باعتمال في النخيل بالسقي والتدبير والتأبير وغير ذلك من حصة التمر في سنتهم تلك. "مالًا وإبلاً وعروضًا من أقتاب": جمع قتب، وهو للجمل كالإكاف لغيره.

стр. 2169

"وحبال" بكسر الحاء: جمع حبل. "وغير ذلك": وهذا الإجلاء إنما يكون بعد فراغهم من العمل، وفيه دليلٌ على أن أراضيهم ونخيلهم أُخِذت منهم عنوة، لم يكن لهم فيها حقٌّ سوى ما شرطوا عليه بالاعتمال. * * * ٣٠٩٢ - عن ابن عبَّاسٍ: أنَّ رسولَ الله ﷺ أَوْصى بثَلاثةٍ قال: أخْرِجُوا المُشْرِكينَ مِنْ جَزيرَةِ العَرَبِ، وأَجِيزوا الوَفْدَ بنحْوِ ما كُنتُ أُجيزُهُم. قال ابن عبَّاسٍ: وسكتَ عَنِ الثَّالِثَةِ، أو قال: فأُنْسِيتُها. "عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما -: أن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - أوصى بثلاثة قال: أخرجوا المشركين": يريد بهم: اليهود والنصارى. "من جزيرة العرب": وهي [على] ما حكي عن مالك: مكة والمدينة واليمامة واليمن. "وأجيزوا الوفد"؛ أي: أعطوا الرسلَ من النفقة. "بنحو ما كنتُ أجيزهم"؛ أي: أعطيهم، وإنما خصَّ ذلك بالوصية لما فيه من المصلحة العظيمة؛ لأن الوافد إذا لم يُكرَمْ رجع إلى قومه بما يفتِّرُ رغبتهم في الإسلام، وفي إجازته ترغيبٌ لمن أرسلوا الوافد في الإسلام، فإنه سفيرهم، ففي ترغيبه ترغيبهم. "قال ابن عباس: وسكت عن الثالثة، أو قال: فأنسيتها": على صيغة المجهول. * * *

стр. 2170

٣٠٩٣ - عن جابرِ بن عبدِ الله قال: أخبرني عمرُ بن الخَطَّابِ ﵁ أنَّه سمعَ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "لأخْرِجَنَّ اليهودَ والنَّصارَى مِنْ جَزيرَةِ العَرَبِ حتَّى لا أدعَ فيها إلَّا مُسلِمًا". وفي روايةٍ: "لَئِنْ عِشْتُ إنْ شاءَ الله لأخرِجَنَّ اليهودَ والنَّصارَى منْ جَزِيرَةِ العَرَبِ". "عن جابر بن عبد الله قال: أخبرني عمر بن الخطاب - رضي الله تعالى عنهم -: أنه سمع رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - يقول: لئن بقيت لأخرجنَّ اليهودَ والنصارى من جزيرة العرب حتى لا أدعَ"؛ أي: لا أترك "فيها إلا مسلمًا، وفي رواية: لئن عشت إن شاء الله ": قيد للإخراج. " لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب". مِنَ الحِسَان: * * * ٣٠٩٤ - عن ابن عبَّاسٍ ﵁ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : " لا تكونُ قِبلتانِ في بلدٍ واحِدٍ". "من الحسان": " عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -: لا تكون قبلتان"؛ أي: لا يجوز أن يسكن المسلم وغير المسلم. "في بلدة واحدة": وهذا مختص بجزيرة العرب. * * *

стр. 2171

١٢ - باب الفَيْء (باب الفيء) وهو المال الحاصل للمسلمين من الكفار من غير جريان حرب. مِنَ الصِّحَاحِ: ٣٠٩٥ - عن مالِكِ بن أَوْسِ بن الحَدَثان قال: قال عمرُ ﵁: إنَّ الله قَدْ خَصَّ رسولَهُ في هذا الفَيءِ بشيءٍ لم يُعْطِهِ أَحَدًا غيْرَه، ثم قرأ ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ - إِلَى قَوْلهِ - ﴿قَدِيرٌ﴾، فكانَتْ هذهِ خالِصَةً لرسولِ الله ﷺ يُنْفِقُ على أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَتِهم مِنْ هذا المالِ، ثم يأْخُذُ ما بَقيَ فيَجْعَلُهُ مَجْعَلَ مالِ الله. "من الصحاح": " عن مالك بن أوس بن الحدثان قال: قال عمر: إن الله قد خصَّ رسوله في هذا الفيء بشيء لم يعطه"؛ أي: الله تعالى ذلك الشيء. "أحدًا غيره"؛ أي: غير رسوله. "ثم قرأ: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ "؛ أي: ما نفلَ (١) الله رسوله من أموال الكفار. "إلى قوله: ﴿قَدِيرٌ﴾ [الحشر: ٦]، فكانت هذه": إشارة إلى السهام المخصوصة به ﷺ ، وهو أحدٌ وعشرون سهمًا من خمسة وعشرين سهمًا. "خالصة لرسول الله ﷺ "؛ أي: مختصة به، وليس لأحد من الأئمة

стр. 2172

بعده ﷺ التصرف فها تصرفَهُ ﷺ ، وهذا يدل على أن أربعة أخماس الفيء كانت لرسول الله ﷺ خالصة (١). "ينفق على أهله نفقة سنتهم من هذا المال، ثم يأخذ ما بقي فيجعله مَجْعَلَ مالِ الله"؛ أي: فيصرفه في مصالح المسلمين، ويقسم الخمسَ منه على خمسة أسهم: سهم له ﷺ ، وسهم لأقربائه من بني هاشم وبني المطلب، وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لأبناء السبيل. * * * ٣٠٩٦ - عن مالِكِ بن أَوْسِ بن الحَدَثان، عن عُمَرَ قالَ: كانتْ أموالُ بني النَّضيرِ ممَّا أفاءَ الله على رسولهِ ممَّا لم يُوجِفِ المسلمونَ عليهِ بخَيْلٍ ولا رِكابٍ، فكانتْ لِرسُولِ الله ﷺ خاصَّةً، يُنْفِقُ على أهلِهِ منها نَفَقَةَ سَنَتِهِ، ثُمَّ يَجْعَلُ ما بقيَ في السّلاحِ والكُراعِ عُدَّةً في سَبيلِ الله ﷺ . "وعن مالك بن أوس بن الحَدَثان، عن عمر - رضي الله تعالى عنه - قال: كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله مما لم يُوجِفِ المسلمون عليه": خبر (كانت)؛ أي: مما لم يسرعوا إليه. "بخيل ولا رِكاب" بكسر الراء: هو الإبل التي يسار عليها، بل حصل من غير قتال معهم. "فكانت لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم خاصةً، ينفق على أهله منها نفقة سنتهم، ثم يجعل ما بقي في السلاح والكراع": وهو الدواب التي تصلح للحرب. "عدة في سبيل الله"؛ أي: أهبة وجهازًا للغزو، وأما الغنيمة فهو ما حصل

стр. 2173

منهم بالإيجاف بأن يعملوا خيلهم وركابهم في تحصيله. * * * مِنَ الحِسَان: ٣٠٩٧ - عن عَوْفِ بن مالكٍ أنَّ رسُولُ الله ﷺ كانَ إذا أتاهُ الفَيْءُ قَسَمَهُ في يومِهِ فأعطَى الآهِلَ حظَّيْنِ وأعطَى الأعزَبَ حظًّا، فدُعِيتُ فأعطاني حظَّيْنِ، وكانَ لي أهلٌ، ثمَّ دُعيَ بعدِي عمَّارُ بن ياسرٍ فأُعطيَ حظًّا واحِدًا. "عن عوف بن مالك رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله ﷺ كان إذا أتاه الفئ قسمه في يومه، فأعطى الآهِل": بالمد وكسر الهاء؛ أي: المتأهل. "حظين، وأعطى الأعزب"؛ أي: الذي لا زوجةَ له، وهي لغة ردية، والفصحى: عزب. "حظًا، فدُعِيت فأعطاني حظين، وكان لي أهل، ثم دُعِي بعدي عمار بن ياسر، فأعطاه حظًا واحدًا". * * * ٣٠٩٨ - وقال ابن عمرَ: رأيتُ رسُولَ الله ﷺ أوَّلَ ما جاءَهُ شيءٌ بدأَ بالمُحَرَّرينَ. "وقال ابن عمر: رأيتُ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أول ما جاءه شيء": من الفيء. "بدأ بالمحرَّرين"؛ أي: بإعطاء نصيب المكاتبين، وقيل: أي: المنفردين لطاعة الله خلوصًا. * * *

стр. 2174

٣٠٩٩ - وعن عائشةَ ﵂: "أن النَّبيَّ ﷺ أُتيَ بظَبْيةٍ فيها خَرَزٌ فقسَمها للحُرَّةِ والأمَةِ. وقالت عائشةُ: كانَ أبي يَقسِمُ للحُرّ والعَبْدِ. "وعن عائشة رضي الله تعالى عنها: أن النبي ﷺ أُتِي بظبية": بكسر الظاء: جراب صغير، وقيل: هي شبه الخريطة والكيس. "فيها خرزٌ، فقسمها للحرة والأمة، وقالت عائشة: كان أبي يقسم"؛ أي الفيء. "للحر والعبد"؛ أي: يعطي كل واحد من الحر والعبد بقدر حاجته. * * * ٣١٠٠ - عن مالِكِ بن أَوْسِ بن الحَدَثان قال: ذكرَ عمرُ بن الخطَّابِ يومًا الفَىْءَ فقال: ما أنا أحقُّ بهذا الْفَئِ منكمْ، وما أحدٌ مِنَّا باحقَّ بهِ منْ أحَدٍ، إلَّا أنا على منازِلنا منْ كتابِ الله ، وقَسْم رسُولِ الله ﷺ ، والرَّجُلُ وقِدَمُهُ، والرَّجُلُ وبلاؤُهُ، والرَّجُلُ وعِيالُهُ، والرَّجُلُ وحاجَتُهُ. "عن مالك بن أوس بن الحدثان قال: ذكر عمر بن خطاب - رضي الله تعالى عنه - يومًا الفيَء قال: ما أنا بأحق بهذا الفيء منكم": أشار به إلى أنه ليس أحقَّ به، كما كان النبي ﷺ . "ولا أحد منا بأحق به من أحد، إلا أنا على منازلنا من كتاب الله وقسم رسوله ﷺ : يريد بقوله: (من كتاب الله) قوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ [الحشر: ٨] إلى آخر الآيات الثلاث من سورة الحشر، وقوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ﴾ [التوبة: ١٠٠]، الآية الدالة على تفاوت منازل المسلمين، ويريد بقسم رسوله ﷺ : ما كان يسلكه ﷺ من مراعاة التمييز بين أهل بدر، وأصحاب بيعة الرضوان، وذوي المشاهد الذين شهدوا الحروب، ومن المعيل وغيره المشار إليه بقوله:

стр. 2175

"والرجلُ وقِدَمُهُ"؛ أي: سبقه في الإسلام، قيل: تقدير الكلام: الرجل يقسم له ويراعى قدمه في القسمة، أو الرجل وقدمه معتبران. "والرجل وبلاؤه"؛ أي: شجاعته وعناؤه الذي ابتلي به في سبيله تعالى من الحروب والمقامات المحمودة. "والرجل وعياله، والرجل وحاجته". * * * ٣١٠١ - وقالَ: قرأ عمرُ بن الخطَّابِ ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ حتَّى بلغَ ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ فقال: هذ لهؤلاءَ، ثمَّ قرأَ ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ حتَّى بلغَ ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾، ثم قال: هذهِ لهؤلاءِ، ثم قرأَ ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ حتَّى بلغَ ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾، ثم قرأَ ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ ثمّ قال: هذِهِ استَوْعَبَتِ المُسلمينَ عامَّةً، فلئِنْ عِشْتُ فلَيأْتيَنَّ الرَّاعي وهو بِسَرْوِ حِمْيَرَ نصيبُه منها، لمْ يَعْرَقْ فيها جَبينُهُ. "وقال: قرأ عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾ [التوبة: ٦٠] حتى بلغ ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ فقال: هذه"؛ أي: الزكاة. "لهؤلاء"؛ أي: لأهل الزكاة. "ثم قرأ: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ حتى بلغ: ﴿وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [الأنفال: ٤١]، ثم قال: هذه" أي: الخمس. "لهؤلاء"؛ أي: لأهل الخمس. "ثم قرأ: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [الحشر: ٧] حتى بلغ: ﴿لِلْفُقَرَاءِ﴾ [الحشر: ٨] ثم قرأ: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ [الحشر: ١٠]، ثم
следующие страницы →