"وقال: يا عائشةُ! بيتٌ لا تمرَ فيه جِياعٌ أهلُه"، جمع جائع؛ لأن من عادتهم ألَّا يشبَعُوا بالخبز دون التمر.
"قالها مرتين أو ثلاثًا".
٣٢١٩ - وقال: "من تصبَّحَ بسبعِ تَمَراتٍ عَجْوَةً لمْ يضُرَّهُ في ذلكَ اليومِ سُمٌّ ولا سِحْرٌ".
"وعن سعدِ بن أبي وقَّاص قال: قال رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم: مَن تصبَّحَ بسبع تمراتٍ"؛ أي: أَكلَها صباحًا.
"عَجْوةً"، نصب على التمييز، وهو نوعٌ جيدٌ من التمر.
"لم يَضُرَّه ذلك اليومَ سمٌّ ولا سِحْر"، تخصيص هذا النوع بالذِّكْر؛ لثبوت خاصية فيه لدفع السمِّ والسحر، عرفَها النبي ﷺ ، أو لدعائه ﷺ بأن يكون شفاءً لذلك الداء.
٣٢٢٠ - وقال: "إنَّ في عَجْوَةِ العالِيَة شِفاءً، أو إنَّها تِرْيَاقٌ أوَّلَ البُكْرَةِ".
"وعن عائشةَ - رضي الله تعالى عنها - قالت: قال رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إنَّ في عجوةِ العَالِيَة"، وهي موضع قريب من المدينة.
وفي "المغرب": هي ما فوقَ نَجْدٍ إلى تِهَامة.
"شِفاءً، وإنها تِرْيَاقٌ"؛ أي: تُفيد فائدةَ التِّرْياق.
"أَوَّلَ البُكْرَة"، منصوبٌ على الظرفية؛ يعني: وقت الصبح.
стр. 2242
٣٢٢١ - عن عائِشَةَ ﵂ قالت: كانَ يأتي علينا الشَّهرُ ما نُوقدُ فيهِ نارًا، إنّما هو التَّمرُ والماءُ، إلا أنْ نُؤتَى باللُّحَيْم.
"عن عائشةَ - رضيَ الله تعالى عنها - قالت: كان يأتي علينا الشهرُ ما نوقِدُ فيه نارًا"؛ أي: لا نَطْبُخُ شيئاً.
"إنما هو التَّمْرُ والماء"، الضمير للطعام وإن لم يُذْكَر.
"إلا أن نُؤْتَى باللُّحَيْم" تصغير لحم؛ أي: إلا أنْ يرسَلَ إلينا قطعةُ لحم، فحينئذ نوقِد نارًا، والتصغير للإشعار بأنَّ ما يؤتَى به إلى أمهات المؤمنين لم يكن كَثيرًا، أو للمحبة والاشتهاء؛ لكونه سيدَ الإِدَام، أو تصغيرُ تَعظيم.
٣٢٢٢ - وقالت: ما شَبعَ آلُ محمَّدٍ يَومَيْنِ مِنْ خُبْزِ بُرٍّ إلا وأحدُهُما تَمرٌ.
"وقالت: ما شبعَ آلُ محمدٍ يومين من خبزِ بُرٍّ إلا وأحدُهما"؛ أي: أحدُ اليومين.
"تمرٌ"؛ أي: كنَّا نأكلُ يومًا خبزًا ويومًا تمرًا، ولا نأكلُ يومين متتابعَين خبزًا.
٣٢٢٣ - وقالت: ما شَبعَ آلُ محمِّدٍ مِنْ خُبزِ الشَّعير يَومينِ مُتَتابعينِ حتَّى قُبضَ رسولُ الله ﷺ .
"وقالت: ما شبعَ آلُ محمد من خبزِ الشعير يومين متتابعين، حتى قُبضَ رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم"، وتجويعُهم هذا كان عن اختيار؛ لأنهم تركُوا الدنيا ولذتها، وقنِعُوا بأدنى قُوتٍ ولباس مختصر من غاية التنزُّه عنها،
стр. 2243
وكانوا يُطْعِمُون الطعامَ على حُبه مسكينًا ويتيمًا وأسيرًا.
٣٢٢٤ - وقالت: تُوفِّيَ رسولُ الله ﷺ وما شَبعْنا مِنَ الأَسْوَدَيْنِ.
"وقالت: توفِّي رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم وما شَبعْنا من الأَسْوَدين" التمرِ والماءِ، وإنما السَّوادُ التمر دون الماء، فُنعتا بنعتٍ واحد؛ لأن العربَ يسميانهما باسم الأشهرِ منهما.
٣٢٢٥ - وقالَ أبو هريرةَ ﵁: خرجَ رسولُ الله ﷺ مِنَ الدُّنيا ولم يَشْبَعْ من خُبْزِ الشَّعيرِ.
"وقال أبو هريرة - رضي الله تعالى عنه -: خرجَ النبيُّ ﷺ من الدنيا ولم يشبَعْ من خبزِ الشعير".
٣٢٢٦ - وقال النُّعمانُ بن بشيرٍ: ألَسْتُمْ في طعامٍ وشرابٍ ما شِئتم؟ لقد رأيتُ نبيَّكُمْ رسول الله ﷺ وما يَجدُ مِنَ الدَّقَلِ ما يملأَ بطنَهُ.
"وقال النعمان بن بَشِير ﵁: ألسْتُم في طعامٍ وشرابٍ ما شئتم؟ "؛ أي: ألستم متنعِّمين مقدارَ ما شئتُم في الوُسْعةِ؟ (ما) موصولةٌ، ويجوز أن تكون مصدريَّة، وفيه توبيخ.
"لقد رأيتُ نبيَّكم وما يجدُ من الدَّقَل"، بفتح الدال: رديء التمر ويابسُه، (ما) هذه نافية.
"ما يملأ بطنَه"، والجملةُ المنفيةُ تكون حالاً إن كان (رأيت) بمعنى النظر،
стр. 2244
وإن كان بمعنى العلم يكون مفعولاً ثانيًا.
٣٢٢٧ - عن أبي أيوبَ ﵁ قال: كانَ النبيُّ ﷺ إذا أُتيَ بطعامٍ أكلَ منهُ وبعثَ بفضلِهِ إليَّ، وإنَّهُ بعثَ إليَّ يومًا بشيءٍ لمْ يأْكُلْ منهُ لأنَّ فيهِ ثُومًا، فسألتُهُ أحرامٌ هو؟ قال: "لا، ولكنِّي أكرهُ ريحهُ". قال: قلتُ: فإنِّي أكرهُ ما كَرِهْتَ.
"عن أبي أيوبَ - رضي الله تعالى عنه - قال: كان النبيُّ ﷺ إذا أُتِيَ بطعامٍ أكلَ منه وبعثَ بفضْلهِ إليَّ، وإنه بعثَ إليَّ يومًا بشيءٍ لم يأكُلْ منه؛ لأن فيه ثومًا، فسألتهُ أحرامٌ هو؟ قال: لا، ولكنِّي أكرَهُ ريحَه، قلت: فإني أكرَه ما كرهتَ".
٣٢٢٨ - وعن جابرٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "مَنْ أكلَ ثُومًا أو بَصَلًا فلْيَعْتزِلْنا" - أو قال: "فلْيعتزِلْ مسجدَنا"، أوَ "ليقعُدْ في بيتِه: - وأنَّ النَّبيَّ ﷺ أُتيَ بقِدْرٍ فيها خَضراتٌ منْ بُقولٍ، فوجدَ لها ريحًا فقال: قرِّبوها - إلى بعضِ أصحابه، قال: "كُلْ فإنِّي أُناجِي مَنْ لا تُناجي".
"وعن جابرٍ - رضي الله تعالى عنه -: أن النبيَّ صلى الله تعالى عليه وسلم قال: مَن أكلَ ثومًا أَو بصلًا فليعتزلْنا"؛ أي: ليبعُدْ منا.
"أو قال: فليعتزْل مسجدَنا، أو ليقعُدْ في بيتهِ".
"وأنَّ النبيَّ ﷺ أُتي بقِدْرٍ"، رواه البخاري بالقاف في كتابه، وقيل: الصواب: (ببدر) بالباء الموحدة مكان القاف، وهو طبقٌ يُتَّخذُ من الخُوص، سُمِّيَ بذلك؛ لاستدارتهِ استدارةَ البَدْر.
стр. 2245
"فيه خَضرَاتٌ" بفتح الخاء وكسر الضاد المعجمتين: جمع خضر، ويروى: بضم الخاء وفتح الضاد واحدها خضرات.
"مِن بُقُولٍ، فوجدَ لها ريحًا، فقال: قَرِّبوها، إلى بعض أصحابه، وقال: كلْ فإني أناجِي مَن لا تُنَاجي"، أراد به جبريل ﵇؛ يعني: فإني أُكلِّمَ جبريلَ ﵇ وأنتَ لا تكلِّمُه.
٣٢٢٩ - عن المِقدامِ بن مَعْد يَكرِبَ، عن النبيِّ ﷺ قال: "كِيلُوا طَعامَكم يُبارَكْ لكُمْ فيهِ".
"عن المقدام بن معدي كرب - رضي الله تعالى عنه -، عن النبيِّ صلى الله تعالى عليه وسلم قال: كِيلُوا طعامَكم يبارَكْ لكم فيه"، والغرض من كيل الطعام معرفةُ ما يصرِفُ إلى العِيال حتى لا يكونَ تَقْتِيرًا ولا إسرافًا، ومعرفةُ المستقرض والمَبيع والمشتري، ففي ذلك أغراضٌ صحيحة.
٣٢٣٠ - عن أبي أُمامة ﵁: أنَّ النبيَّ ﷺ كانَ إذا رَفَع مائِدَتَه قال: "الحمدُ لله كثيرًا طَيبًا مُباركًا فيه، غيرَ مَكْفيٍّ ولا مُوَدَّعٍ ولا مُسْتَغْنىً عنهُ ربنا".
"عن أبي أُمامةَ: أن النبيَّ ﷺ كان إذا رفعَ مائدتَه قال: الحمدُ لله حمدًا كثيرًا"، صفة حمدًا، وكذا "طَيبًا مباركًا فيه"، متعلق بـ (مباركًا).
"غيرَ مَكْفِيٍّ"، مفعول من الكفاية؛ أي: غيرَ مَكْفِيِّ الزيادةِ عليه، فإنَّ كلَّ حَمْدٍ يَحْمَدك به الحامدون فإنهم يقصِّرون في ذلك.
"ولا مودَّع" بفتح الدال المشددة؛ أي: غير متروكِ الطلَّبِ إليه والرغبةِ فيما عندَه.
стр. 2246
"ولا مستغنًى عنه، ربنا": بالرفع؛ معناه: غير متروك فلا يُدْعى ولا يُطلَب، فإنَّ كلَّ مَن استغنى عن الشيء تركَه.
قيل: (ربنا) مبتدأ، و (غيرُ مَكْفِيٍّ) خبر مقدم، وكذا ما عُطِفَ عليه، فالكلام راجعٌ إلى الله تعالى، ويُروَى: بنصب (غير) على الصفة بعد الصفة، وكذا (ربنا) نصب على حذف حرف النداء، فيكون معنى (غير مكفي): غير كاف؛ أي: نحمَدُك حمدًا لا نكتفي به، بلَ نعود فيه كَرَّةً بعد أخرى، ولا نستغني عنه، فالكلام على هذا راجعٌ إلى الحمد.
٣٢٣١ - وعن أنسٍ ﵁ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "إنَّ الله لَيَرْضَى عن العبدِ أنْ يأْكُلَ الأكْلةَ فيحمدَهُ علَيها، أو يشربَ الشَّرْبَةَ فيحمدَهُ عليها".
"وعن أنسٍ - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إن الله ليَرْضَى عن العبدِ أن يأكلَ الأَكْلَةَ" بفتح الهمزة: المَرَّةُ من الأكل حتى يَشْبَع وبالضم: اللُّقْمة.
"فيحمَدُه عليها، أو يشرَبُ الشَّرْبَة فيحمَدُه عليها"، ثم من السنة ألَّا يرفَعَ صوتَه بالحمد عند الفراغ من الأكل إذا لم يفرغ جلساؤه كي لا يكونَ منعًا لهم.
مِنَ الحِسَان:
٣٢٣٢ - عن أبي أيُّوبَ ﵁ قال: كُنَّا عندَ النَّبيِّ ﷺ فقُرِّبَ طعامٌ، فلمْ أَرَ طعامًا كانَ أعظمَ بركةً منهُ أوَّلَ ما أَكَلْنا، ولا أقلَّ بركةً في آخِرِه، قلنا: يا رسولَ الله! كيفَ هذا؟ قال: "إنَّا ذَكَرْنا اسمَ الله حِينَ أَكَلْنَا، ثمَّ قعدَ منْ أكَلَ ولمْ يُسمِّ الله فأكَلَ معهُ الشَّيطانُ".
стр. 2247
"من الحسان":
" عن أبي أيوبَ - رضي الله تعالى عنه - قال: كنا عندَ النبيِّ ﷺ فُقرِّبَ طعامٌ، فلم أرَ طعامًا كان أعظمَ بركةً منه أولَ ما أكَلْنا، ولا أقلَّ بركةً في آخره، قلنا: يا رسولَ الله كيف هذا؟ قال: إنَّا ذكَرْنا اسمَ الله تعالى حين أكَلْنا، ثم قعدَ مَن أكلَ ولم يُسَمِّ الله، فأكلَ معه الشيطان"، هذا محمولٌ على حقيقته، أو على ذهابِ البركةِ كما مرَّ، فكأنه أكلَ معه.
٣٢٣٣ - عن عائشةَ ﵂ قالت: قال رسولُ الله ﷺ : "إذا أكلَ أحدُكُم فنَسيَ أنْ يذكرَ اسمَ الله عَلَى طعامِهِ فليَقُلْ: بسم الله أوّلَهُ وآخرَهم".
"عن عائشةَ - رضي الله تعالى عنها - قالت: قال رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إذا أكلَ أحدُكم فنَسِيَ أن يذكرَ الله على طعامهِ فليقُلْ: بسم الله أولَه وآخرَه"، منصوبان على الظرفية، فإذا قال ذلك فقد تداركَ ما فاته من التقصير بترك اسم الله تعالى.
٣٢٣٤ - عن أُميةَ بن مَخْشِيٍّ قال: كانَ رجلٌ يأكلُ فلم يُسمِّ حتَّى لمْ يبقَ منْ طعامِهِ إلا لُقمَةٌ، فلمَّا رفَعها إلى فيهِ قال: بسم الله أوَّلَهُ وآخرَهُ، فضَحِكَ النَّبيّ ﷺ ثمّ قال: "ما زالَ الشَّيطانُ يأكُلُ معهُ، فلمَّا ذكرَ اسمَ الله اسْتَقَاءَ ما في بطنِهِ".
"عن أمية بن مَخْشِيٍّ"، بفتح الميم وكسر الشين المعجمة وتشديد الياء.
"قال: كان رجلٌ يأكُلُ، فلم يسمِّ الله حتى لم يبقَ من طعامِه إلا لقمةٌ، فلمَّا رفعَها إلى فيه قال: بسم الله أولَه وآخرَه، فضحكَ النبيُّ ﷺ ، ثم قال:
стр. 2248
ما زالَ الشيطانُ يأكُلُ معه فلمَّا ذكرَ اسمَ الله تعالى استقاءَ ما في بطنه"؛ أي: استفرغَ، استفعال مِن القيء، وهو محمولٌ على الحقيقة، أو المراد رَدُّ البركةِ الذاهبةِ بتركِ التسميةِ، كأنها كانت في جوف الشيطان، فلمَّا سَمَّى رَجَعت إلى الطعام؛ أي: صارَ ما كان حظًا له من الطعام قبلَ التسميةِ مستردًّا.
٣٢٣٥ - عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ ﵁ أنَّه قال: كانَ رسولُ الله ﷺ إذا فَرَغَ مِنْ طعامِهِ قال: "الحمدُ لله الذي أطعَمَنا وسقانا وجعلَنا مُسلمين".
"عن أبي سعيد الخُدْري - رضي الله تعالى عنه - قال: كانَ رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم إذا فرغَ مِن طعامه قال: الحمدُ لله الذي أطعمَنا وسقانا وجعلَنا مسلِمين".
٣٢٣٦ - عن أبي هريرةَ ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "الطَّاعِمُ الشَّاكِرُ كالصَّائِم الصَّابرِ".
"عن أبي هريرةَ قال: قال رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم: الطاعِمُ"؛ أي: الآكلُ.
"الشاكِرُ"، قيل: شُكْرُه أن يسمّيَ إذا أكلَ، ويحمَدَ إذا فَرَغَ.
"كالصائم الصابر"؛ أي: في الثواب.
٣٢٣٧ - عن أبي أيُّوبَ قال: كانَ رسولُ الله ﷺ إذا أكلَ وشربَ قال: "الحمدُ لله الذي أطعمَ وسقَى وسوَّغَهُ وجعلَ لهُ مَخْرجًا".
стр. 2249
"عن أبي أيوبَ - رضي الله تعالى عنه - قال: كانَ رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم إذا أكلَ أو شَرِبَ قال: الحمدُ لله الذي أطعمَ وسقى وسَوَّغه"؛ أي: سهَّل دخولَ الطعام والشرابِ في الحَلْق.
"وجعلَ له مَخْرَجًا"؛ أي: السَّوْأَتين؛ ليُخرِجَ منهما الفَضْلَة، فإنه تعالى جعل للطعام مقامًا في المعدة زمانًا كي تنقسمَ مضارُّه ومنافعُه، ليبقى ما يتعلَّقُ بالقوة واللَّحْم والدم والشَّحْم، وتندفع الفَضْلَة، وذلك من عجائب فضلِ الله تعالى ولطفهِ بمخلوقاته، فتبارك الله أحسنُ الخالِقين.
٣٢٣٨ - عن سلمانَ قال: قرأتُ في التَّوراةِ أنَّ بَركةَ الطعامِ الوُضوءُ بعدَهُ، فذكرتُ للنَّبيِّ ﷺ ، فقال رسولُ الله ﷺ : "بَركةُ الطَّعامِ الوُضوءُ قبلَهُ والوُضوءُ بعدَهُ".
"عن سلمان - رضي الله تعالى عنه - قال: قرأتُ في التوراة: أنَّ بركةَ الطعامِ الوضوءُ بعدَه"، المراد من الوضوء هنا: غسلُ اليدين والفمِ من الزُّهومة إطلاقًا للكل على الجزء.
"فذكرتُ للنبي ﷺ فقال: بركةُ الطعامِ الوضوءُ قبلَه والوضوءُ بعدَه"، أمَّا الوضوءُ قبلَه؛ فلأنه تعظيمٌ لنعمة الله تعالى، فيبارَكُ له فيه، أو لأن الأكلَ مع غَسْلِ اليدين أهنَأُ وأمرَأُ، وأما بعدَه فلأنه لو لم يغسِل يديه لا يأمَن المَسَّ.
٣٢٣٩ - عن ابن عبَّاسٍ ﵄: أنَّ رسولَ الله ﷺ خرجَ مِنَ الخَلاءَ فقُدِّمَ إليهِ طعامٌ فقالوا: ألا نأتِيكَ بوَضُوءٍ؟ قال: "إنَّما أُمِرْتُ بالوُضوءَ إذا قُمتُ إلى الصَّلاةِ".
стр. 2250
"عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنه -: أن النبيَّ ﷺ خرجَ من الخَلَاء فقُدِّم إليه طعامٌ، فقالوا: ألا نأتيك بوَضوء؟ " بفتح الواو.
"قال: إنما أُمرت بالوضوء إذا قمتُ إلى الصلاة"، وهذا بناء على الأعمِّ الأغَلبِ، وإلا فيجبُ الوضوءُ عند السجدة ومَسِّ المصحف.
٣٢٤٠ - عن ابن عبَّاسٍ ﵄، عن النبيِّ ﷺ : أنَّه أُتيَ بِقَصْعَةٍ مِنْ ثريدٍ فقال: "كُلوا من جَوانِبها، ولا تأْكُلوا مِنْ وسطِها، فإن البَركةَ تنزِلُ في وسَطِها".
وفي روايةٍ: "إذا أكلَ أحدُكُمْ طعامًا فلا يأْكُلْ منْ أعلَى، ولكنْ يأكُلُ مِنْ أسفَلِها، فإنَّ البَركةَ تنزِلُ مِنْ أعلاها".
"عن ابن عباسٍ - رضي الله تعالى عنهما -: أنَّ النبيَّ ﷺ أُتِيَ بقَصْعَةٍ من ثَرِيد فقال: كلُوا من جَوانبها ولا تأكلُوا من وَسَطِها فإنَّ البركةَ تنزِلُ في وسطها"، والوسَطُ أَعْدَلُ المواضع، وكان أحقَّ بنزول البركةِ فيه.
"صحيح".
"وفي رواية: إذا أكَل أحدُكم طعامًا فلا يأكلْ مِن أعلَى الصَّحْفَة"؛ أي: من وسط القَصْعَة.
"ولكنْ يأكلُ مِن أسفلِها"؛ أي: من جانبها الذي يليه.
"فإنَّ البركةَ تَنزِلُ من أعلاها".
٣٢٤١ - عن عبدِ الله بن عمرٍو ﵄: أنَّه قال: ما رُئي رسولُ الله ﷺ يأكلُ
стр. 2251
متَّكِئًا قطُّ، ولا يطأُ عَقِبَهُ رجُلان.
"عن عبدِ الله بن عمرو - رضي الله تعالى عنه - قال: ما رُؤِيَ رسولُ الله تعالى عليه وسلم يأكلُ مُتَّكِئًا قط، ولا يَطَأُ عَقِبَه"؛ أي: لا يمشي خلفه.
"رجلان"؛ يعني كان يمشي منفردًا أو معه رجلٌ واحدٌ دون جمع؛ لأنه فعل المتكبرِّين، وقيل: أي: ما كان يمشي قُدَّام الجَمْع، بل في وسطهم أو آخرِهم تواضعًا.
٣٢٤٢ - عن عبدِ الله بن الحارثِ بن جَزْءٍ ﵁: أنَّه قال: أُتيَ رسولُ الله ﷺ بخُبْزٍ ولَحْمٍ وهو في المسجدِ، فأكلَ وأكلنا مَعَهَ، ثمّ قام فصلَّى وصلَّيْنا معهُ، ولم نَزِدْ على أنْ مَسَحْنا أيْدِيَنا بالحَصْباءَ.
"عن عبد الله بن الحارث بن جَزْء"، بفتح الجيم وسكون الزاي المعجمة.
"قال: أُتِيَ رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم بخبز ولحمٍ وهو في المسجد فأكلَ وأكَلْنا معه"، من الأدب: أنَّ مَن أُهْدِيَ إليه طعام وهو في جمعٍ شارَكُوه.
"ثم قام فصَلَّى وصلَّينا معه ولم نَزِدْ على أن مَسَحْنا أيدينا بالحَصْبَاء"، وهي الحجارةُ الصغيرةُ؛ يعني لم نَغْسِل أيدينا.
٣٢٤٣ - عن أبي هريرةَ ﵁ قال: أُتِيَ النَّبيّ ﷺ بلَحْمٍ فرُفِعَ إليهِ الذِّراعُ، وكانتْ تُعجبُهُ فنَهَسَ منها.
"عن أبي هريرةَ - رضي الله تعالى عنه - قال: أُتِيَ النبيُّ ﷺ بلحمٍ، فرُفع
стр. 2252
إليه الذِّراعُ"؛ أي: دُفِعَ إليه ليأكلَ منها.
"وكانَتْ"؛ أي: الذراع "تُعْجِبُه"؛ أي: النبي ﷺ ، يريد: أنه ﷺ كان يحبُّها من الشاة المشوية.
"فنهسَ منها"، بالسين المهملة؛ أي: أخذَ من الذراع ما عليها من اللَّحْم بأطراف مُقَدَّم الأسنان، وبالمعجمة: أَخْذُه بالأضراس، واستحبَّ النِّهْسَ للتواضعِ وتَرْكِ التكبر.
٣٢٤٤ - ورُوِيَ عن عائِشَةَ ﵂ قالت: قالَ رسولُ الله ﷺ : "لا تَقْطَعُوا اللَّحْمَ بالسِّكّينِ فإنَّهُ منْ صُنْعِ الأعاجِمِ، وانهَشُوهُ فإنَّهُ أهنأُ وأمرأُ"، غريب.
"وروي عن عائشةَ - رضي الله تعالى عنها - قالت: قال رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم: لا تقطَعُوا اللَّحْمَ بالسِّكِّين، فإنه مِن صَنِيع الأعاجم"؛ أي: المتكبرين الذين لا يتلَقُّون نعمةَ الله بالتعظيم.
"وانهسُوه"؛ أي: كُلُوه بالأسنان.
"فإنه أَهْنَأُ وأَمْرَأُ"، وهما أَفْعَلا تفضيل مِن: هَنأَ الطعام وَمَرأ إذا كان سائغًا بلا تَنغِيص، وقيل: الهنيء ما يَلَذُّه الآكِلُ، والمَرِيء: ما يَحَمدُ عاقبتَه، وقيل: ما ينساغُ في مَجْرَاه.
"غريب".
٣٢٤٥ - عن أمِّ المُنْذِرِ قالت: دخلَ على رسولُ الله ﷺ ومعهُ عليٌّ ولنا
стр. 2253
دوالٍ مُعلَّقةٌ، فجعلَ رسولُ الله ﷺ يأكُلُ وعليٌّ معهُ، فقالَ رسولُ الله ﷺ لعليٍّ: "مَهْ يا عليُّ! فإنَّكَ ناقِهٌ". قالت: فجعلتُ لهمْ سِلْقًا وشَعيرًا، فقالَ النَّبيّ ﷺ : "يا عليُّ منْ هذا فأصِبْ فإنَّهُ أَوْفَقُ لكَ".
"عن أم المنذر ﵂ قالت: دخلَ عليَّ رسولُ الله ﷺ ومعه عليٌّ، ولنا دوالٍ معلَّقة"، جمع دالية وهي عنقودُ الُبْسر المحمرَّة، كانوا يعلِّقونها في البيوت، فيأكلون إذا أَرْطَب.
"فجعل": شرع "رسولُ الله ﷺ يأكلُ وعليٌّ معه، فقال رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم لَعِليٍّ: مَهْ"، اسم فعل بمعنى: اكفف في "يا عليُّ"، أي: عن الأكل.
"فإنك ناقِهٌ" بكسر القاف، هو الذي قامَ مِن الضعف، من: نقِهَ من المرض - بالفتح والكسر - إذا بَرِئَ منه وفاقَ، وكان قريبَ العهد بالمرض، ولم تكمل صحتُه وقوتُه؛ يعني: يضرُّك أَكْلُ البُسْر والتَّمْر.
"قالت: فجعلتُ لهم سِلْقًا وشعيرًا، فقال ﷺ : يا عليُّ، مِن هذا فأصِبْ"؛ أي: تناولْ من السِّلْق والشعير، والفاء زائدة، أو معطوف على مقدر.
"فإنه أَوْفَقُ" وأنفع.
٣٢٤٦ - عن أنسٍ ﵁ قال: كانَ رسولُ الله ﷺ يُعجبُهُ الثُّفْلُ.
"عن أنسٍ - رضي الله تعالى عنه - قال: كان النبي ﷺ يعجبُه الثُّفْل"، بضم الثاء، وهو أفصحُ من الكسر، وهو ما رُسِبَ من الطعام في أسفل القَصْعَة، وقيل: ما بقيَ في أسفلِ القِدْر والتصقَ فيها، وقيل: هو الثَّرِيد، وقيل: هو الدقيق والسَّوِيق ونحوهما.
стр. 2254
٣٢٤٧ - عن نبُيْشَةَ، عن رسولِ الله ﷺ قال: "مَنْ أكلَ في قَصْعَةٍ فلَحَسَها استغفرَتْ لهُ القَصْعَةُ"، غريب.
"عن نُبيشة" بضم النون وفتح الباء الموحدة: اسم رجلٍ من هُذَيل.
"عن رسولِ الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال: مَن أكلَ في قَصْعةٍ فلَحِسَها"؛ أي: لَعقَ ما فيها من الطعام.
"استغفرتْ له القَصْعَة"، استغفارُ القصعة عبارةٌ عن براءةِ صاحبها من التكبُّر موصوفًا بالتواضُع، وهما سببُ المغفِرَة بواسطةِ القَصْعَة.
"غريب".
٣٢٤٨ - عن أبي هُريرةَ ﵁ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "مَنْ باتَ وفي يدِهِ غَمَرٌ لمْ يَغْسِلْهُ فأصابَهُ شيءٌ فلا يَلُومَنَّ إلَّا نفسَه".
"عن أبي هريرةَ - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم: مَن باتَ وفي يده غَمَرٌ" بفتح الغين المعجمة والميم: دَسَمُ اللَّحْم وزهُومَته.
"لم يغسِلْه، فأصابه شيء"؛ أي: من إيذاء الهَوامِّ؛ لأنه ربما يقصِدُه نائمًا لرائحة الطعام في يده فيؤذيه، وقيل: من البَرَص ونحوِه؛ لأن اليدَ حينئدٍ إذا وصلتْ إلى شيء من بدنه بعد عرقه فربما أورث ذلك.
"فلا يلومَنَّ إلا نفسَه".
٣٢٤٩ - عن ابن عبَّاسٍ ﵁ قال: كانَ أحبَّ الطَّعامِ إلى رسُولِ الله ﷺ -
стр. 2255
الثَّريدُ مِنَ الخُبزِ، والثَّريدُ مِنَ الحَيْسِ.
"عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - قال: كان أحبَّ الطعام إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الثَّرِيدُ من الخبز، والثَّرِيدُ من الحيس"، وهو تمرٌ يُخلَطُ بسمن وأَقِط، وأصل الحَيْس: الخَلْطُ.
٣٢٥٠ - عن أبي أَسِيدٍ الأنصارِيِّ: أنَّه قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "كُلُوا الزَّيْتَ وادَّهِنُوا بهِ فإنَّهُ مِنْ شَجرةٍ مُباركةٍ".
"عن أبي أُسيَد الأنصاري قال: قال رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم: كلُوا الزيتَ وادَّهِنُوا به، فإنه من شجرةٍ مباركة".
٣٢٥١ - عن أُمِّ هانئٍ قالت: دخلَ عليَّ النَّبيّ ﷺ فقال: "أعِندَكِ شيءٌ؟ " قلتُ: لا، إلا خُبْزٌ يابسٌ وخَلٌّ، فقال: "هاتي، ما أفْقَرَ بيتٌ مِنْ أُدُمٍ فيهِ خَلٌّ"، غريب.
"عن أم هانئٍ - رضي الله تعالى عنها - قالت: دخلَ عليَّ النبيُّ ﷺ فقال: أعندَكِ شيء؟ قلت: لا، إلا خبز يابس وخَلٌّ، فقال: هاتي، ما أَفْقَرَ بيتٌ"؛ أي: ما خَلِيَ "من أُدُمٍ فيه خَلٌّ"، وهذا يدلُّ على أن الخَلَّ إدامٌ.
"غريب".
٣٢٥٢ - عن يُوسُفَ بن عبدِ الله بن سَلامٍ قال: رأيتُ النَّبيَّ ﷺ أخذَ كِسْرةً مِنْ خُبْزِ الشَّعيرِ فوضعَ عليها تَمْرةً، فقال: هذهِ إدامُ هذِه، وأكَلَ".
стр. 2256
"عن يوسفَ بن عبد الله بن سُلَام - رضي الله تعالى عنهم - قال: رأيتُ النبيَّ ﷺ أخذَ كِسْرةً من خبزِ الشعير، فوضعَ عليها تمرةً، فقال: هذه إدامُ هذه وأكل"، وفيه دليلٌ على أن التمر إدام.
٣٢٥٣ - عن سعدٍ قال: مرضْتُ مَرَضًا فأتاني النَّبيّ ﷺ يعُودُني، فوضعَ يدَهُ بينَ ثَدْيَيَّ حتَّى وجَدْتُ بردَها على فُؤادي، وقال: "إنَّكَ رجل مَفْؤودٌ، وائتِ الحارثَ بن كَلَدَةَ أخا ثَقِيفٍ فإنَّهُ رجلٌ يتطبَّبُ فلْيَأْخُذْ سبعَ تَمَراتٍ مِنْ عَجْوةِ المدينةِ فلْيَجَأهُنَّ بنواهُنَّ ثمَّ ليَلُدَّكَ بهِنَّ".
"عن سعدٍ - رضي الله تعالى عنه - قال: مرضتُ مرضًا، فأتاني النبيُّ ﷺ يعودُني، فوضعَ يدَه بين ثدييَّ حتى وجدتُ بَرْدَها على فؤادي"؛ أي: في قلبي.
"فقال: إنك رجلٌ مفؤودٌ"، وهو الذي أصابهَ داءٌ في فؤاده.
"وائتِ الحارثَ بن كَلَدَةَ"، بفتح الكاف واللام.
"أخا ثقيفٍ، فإنه رجلٌ يتطبَّبُ"، وفيه إشارةٌ إلى استصغار طِبه، وأنَّ الطبيبَ هو الله.
"فليأخُذْ"؛ أي: المتطبب المذكور.
"سبعَ تمرات من عَجْوةِ المدينة"، تخصيصُها بالذكر للبركة المجعولة فيها بدعائه ﷺ ، أو لأنها أوفقُ لمزاجِ سَعْدٍ لتعوُّذهِ بها في المدينة.
"فَلَيَجْأهُنَّ"؛ أي: فليَدُقَّهُنَّ.
"بنواهنَّ ثم ليُلدَّكَ": أي: ليَسْقِك "بهن"، واللُّدود - بفتح -: هو من الأدوية ما يُسقَى المريض في أحد شِقَّي الفم، فإنه ﷺ رأى أن تناولَ هذا النوع أيسرُ وأنفعُ وأليقُ بمرضه، وإنما وصفَ العلاجَ بعد حوالَيه على المتطبب إعلامًا
стр. 2257
بأن رأيهَ ﷺ يوافِقُ رأيَه، فأحبَّ ﷺ أن يصدق المتطبب، ويشهدَ له ﷺ بالإصابة، أو ليطمئنَّ قلب المريض، أو لأجل حِذاقَتهِ في اتخاذ الدواء، وكيفيةِ استعمالهِ، والحارث بن كَلَدَة الثقفي مات في أول الإسلام، ولم يصحَّ له إسلام، ويُستدُّل بهذا على جواز مشاوَرةِ الطبيبِ الكافر.
٣٢٥٤ - وعن عائشةَ ﵂: أنَّ النبيُّ ﷺ كانَ يأكُلُ البطيخَ بالرُّطَبِ، ويقولُ: "يُكسرُ حَرُّ هذا ببردِ هذا، وبردُ هذا بحرِّ هذا"، غريب.
"عن عائشةَ - رضي الله تعالى عنها -: أن النبي ﷺ كان يأكل الطبيخ": وهو مقلوب البطِّيخ، وهو لغة فيه عند أهل الحجاز، وهو الهنديُّ؛ يعني: يأكل البطِّيخ.
"بالرُّطَب، ويقول: يُكْسَرُ حَرُّ هذا ببْردِ هذا، وبردُ هذا بَحرِّ هذا"، لعله أراد ﷺ بالبطّيخ هنا قبلَ أن ينضجَ ويصيرَ حُلْوًا باردًا، وأما بعدَ نُضْجهِ فهو حارٌّ.
"غريب".
٣٢٥٥ - عن أنسٍ ﵁ قال: أُتيَ النَّبيُّ ﷺ بتمرٍ عتِيقٍ فجعلَ يُفتِّشُهُ ويُخرِجُ السُّوسَ منهُ.
"عن أنسٍ - رضي الله تعالى عنه - قال: أُتِيَ النبيُّ ﷺ بتمر عَتِيقٍ"؛ أي: قديمٍ وقعَ فيه السُّوسُ من غاية قِدَمهِ.
"فجعل" ﷺ "يفتِّشُه ويُخرِج السُّوسَ منه"، ويطرحُه ويأكلُ التمرَ، والسُّوسُ: دودٌ يقعُ في الصوفِ والطعام، وفيه دليلٌ بأن الطعام لا ينجُسُ بوقوع
стр. 2258
السُّوسِ فيه ولا يَحْرُم.
٣٢٥٦ - عن ابن عمرَ ﵄ قال: أُتيَ النَّبيّ ﷺ بجُبنةٍ في تَبُوكَ فدعا بالسِّكِّين فسمَّى وقطَعَ.
"عن ابن عمرَ ﵄ قال: أُتيَ النَّبيّ ﷺ بجُبنةٍ" - بضمتين وتشديد النون -: الجبن الذي يؤكَل، يقالُ. جُبن وجُبنة والجُبنة أخص منها.
"في تبوك فدعا بالسِّكِين، فسمَّى الله وقطعَ" الجبنة، وهذا يدلُّ على طهارة الأُنْفحة.
٣٢٥٧ - وعن سلمانَ قال: سُئِلَ رسُولُ الله ﷺ عن السَّمْنِ والجُبن والفِراءِ؟ قال: "الحَلالُ ما أحلَّ الله في كتابهِ، والحَرامُ ما حرَّمَ الله في كتابهِ" وما سكتَ عنهُ فهوَ ممَّا عفا عنهُ"، غريب وموقوفٌ على الأصَحِّ.
"عن سلمانَ - رضي الله تعالى عنه - قال: سُئِلَ رسول الله ﷺ عن السَّمْن والجبن والفِرَاء" بكسر الفاء ممدودًا، قيل: جمع الفَرَءَ بفتح الفاء والهمزة والقصر، وهو الحمارُ الوحشي، وقيل: إنه جمع الفَرْو الذي يُلْبَس، وإنما سألُوا عنها حَذَرًا من صُنع أهلِ الكفر في اتخاذهم الفِراءَ من جلود الميتة من غير دباغ.
"فقال: الحلالُ ما أحلَّ الله"؛ أي: ما بيَّنَ تحليلَه "في كتابه، والحرام ما حَرَّم الله"؛ أي: بيَّنَ تحريمَه "في كتابه، وما سكتَ عنه"؛ أي: الكتاب عن بيانه.
"فهو مما عُفي عنه"؛ أي: أبيحَ وهذا يدلُّ على أن الأصلَ في الأشياء الإباحةُ.
стр. 2259
"غريب وموقوف على الأصح".
٣٢٥٨ - ورُوِيَ عن ابن عمرَ ﵄ أنَّه قال: قال رسولُ الله ﷺ : "وَدِدتُ أنَّ عِندي خُبْزةً بيضاءَ مِنْ بُرَّةٍ سَمْراءَ مُلَبَّقَةً بِسمنٍ ولَبن". فقامَ رجلٌ مِنَ القومِ فاتَّخذَهُ فجاءَ بهِ، فقال: "في أيِّ شيءٍ كانَ هذا؟ " قال: في عُكَّةِ ضَبٍّ قال: "اِرفَعْهُ".
"عن ابن عمَر - رضي الله تعالى عنهما - قال: قال رسولُ الله ﷺ : وَدِدْتُ"؛ أي: تمنيتُ "أن عندي خبزةً بيضاءَ من بُرَّةٍ سمراءَ"، نوع من الحنطة فيها سوادٌ خَفِيٌّ، وهو أحمر الأنواع عندهم.
"ملبَّقة": وبتشديد الباء؛ أي: مخلوطة.
"بسمنٍ ولبن": خلطًا شديدًا.
"فقام رجلٌ من القوم فاتخذَه، فجاءَ به": رسولَ الله صلى الله تعالى عليه وسلم.
فقال ﷺ "في أي شيء"؛ أي: في أي ظرف.
"كان هذا السمن؟ قال: في عُكَّة": وهو - بضم العين وتشديد الكاف - آنيةُ السمن، وقيل: هي وعاءٌ من جلود مستديرة مختص بالسمن والعسل وبالسمن أخصُّ؛ أي: في وعاءٍ من جِلْدِ "ضَبِّ، قال: ارفعه"، وإنما أمرَ ﷺ برْفعهِ؛ لأنه يَعَافُ الضَّبَّ؛ لأنه لم يكن بأرض قومهِ، لا لنجاسَةِ جِلْده.
٣٢٥٩ - رُوِيَ عن عليٍّ قال: نهى رسولُ الله ﷺ عنْ أكلِ الثّومِ إلَّا مَطْبوخًا.
стр. 2260
"وروي عن عليِّ - رضي الله تعالى عنه - قال: نهى رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم عن أَكْلِ الثوم إلا مطبوخًا"، وهذا مع الحديثِ الثاني يدلَّان على أن المراد بالنهي ما لم يكن مطبوخًا.
٣٢٦٠ - ورُوِيَ عن عائشةَ ﵂: أنَّها سُئِلتْ عَنِ البَصَلِ فقالت: إنَّ آخِرَ طَعامٍ أكلَهُ رسُولُ الله ﷺ طَعامٌ فيهِ بَصَلٌ.
"وروي عن عائشةَ - رضي الله تعالى عنها - أنها سُئلت عن البصل، فقالت: إنَّ آخرَ طعامٍ أكلَه رسولُ الله طعامٌ فيه بَصَلٌ"، قيل: إنما أكلَ النبيُّ ﷺ ذلك في آخر عمره؛ ليعلمَ أن النهيَ للتنزيه لا للتحريم.
٣٢٦١ - عن ابني بُسْرٍ السُّلَمِيَّين قالا: دخلَ عَلَيْنا رسولُ الله ﷺ فقَدَّمْنا زُبْدًا وتَمرًا، وكانَ يُحِبُّ الزُّبدَ والتَّمرَ.
"عن ابني بُسْرٍ": بضم الباء ثم السكون.
"السُّلَمِيَّين"، بضم السين وفتح اللام المخففة وكسر الميم وفتح الياء الأولى المشددة وسكون الثاني، هما عبد الله وعطية.
"قالا: دخلَ علينا رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقدَّمْنا زُبدًا وتَمرًا، وكان يحبُّ الزُّبْد والتَّمْر".
٣٢٦٢ - عن عِكْراشِ بن ذُؤَيْبٍ أنَّه قال: أُتِينا بجَفْنَةٍ كثيرةِ الثَّريدِ والوَذْرِ، فَخَبطْتُ بيدِي في نَواحِيها، فقال النَّبيُّ ﷺ : "كُلْ مِنْ مَوْضعٍ واحِدٍ، فإنَّهُ طعامٌ
стр. 2261
واحِدٌ"، ثُمَّ أُتِينا بطَبَقٍ فيهِ ألوانُ التمرِ، فجعلتُ آكُلُ منْ بينِ يدَيَّ، وجالَتْ يدُ رسُولِ الله ﷺ في الطَّبَقِ، فقال النَّبيّ ﷺ : "يا عِكْراشُ كُلْ مِنْ حيثُ شِئْتَ فإنه غيرُ لَونٍ"، غريب.
"عن عِكْراش" بكسر العين ثم السكون.
"ابن ذُؤَيب" بضم الذال المعجمة وفتح الواو ثم السكون.
"قال: أُتِينا بجَفْنَة كثيرةٍ الثَّرِيد والوَذْر" بفتح الواو وسكون الذال المعجمة: جمع وَذْرَة، وهي القطعة من اللحم الذي لا عظم فيه.
"فخبطتُ بيدي"؛ أي: أَدَرْتُها، "في نواحيها"، مِن: خبطَ البعيرُ بيده إذا ضربَ بها.
"فقال النبي ﷺ كلْ مِن موضعٍ واحدٌ؛ فإنه طعامٌ واحدِ، ثم أُتِينا بطبقٍ فيه ألوانُ التمر"؛ أي: أنواعه.
"فجعلتُ آكْلُ مِن بينِ يديَّ، وجالتْ يدُ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم"، أي: دارَتْ "في الطبق، فقالَ يا عِكْرَاش: كلْ من حيثُ شئتَ فإنه غيرُ لَوْنٍ"، وفيه تنبيهٌ على أن الفاكهةَ إذا كانت لونًا واحدًا لا يجوزُ أن يَخْبطَ بيده كالطعام، وعلى أن الطعامَ إذا كان ذا ألوان يجوزُ أن يخبطَ ويأكلَ في أي نوع يريد.
٣٢٦٣ - وعن عائشةَ ﵂ قالت: كانَ رسولُ الله ﷺ إذا أخذَ أهلَهُ الوَعَكُ أمرَ بالحِساءَ فصُنِعَ، ثُمَّ أَمَرهُمْ فحَسَوْا منهُ، وكانَ يقولُ: "إنَّه لَيَرْتُو فُؤادَ الحزينِ وَيَسْرُو عنْ فُؤادِ السَّقيمِ كما تَسْرُو إحْداكُنَّ الوَسَخَ بالماء عنْ وجهِها"، صحيح.
стр. 2262
"عن عائشةَ ﵂ قالت: كان رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم إذا أخذَ أهلَه الوَعكُ"؛ أي: الحُمَّى.
"أمر بالحِسَاء" بالفتح والمد: طعامٌ معروفٌ، وهو الحَريرَة.
"فصنعَ، ثم أمرَهم فحَسَوا منه، وكان يقول: إنه لَيَرْتُو"؛ أيَ: يقوِّي.
"فؤادَ الحزَين ويَسْرُو عن فؤاد السقيم"؛ أي: يكشِفُ عن فؤاده الضيْقَ والتعبَ والسَّقَم.
"كما تَسْرُو إحداكنَّ الوسخَ بالماء عن وجهِها".
"صحيح".
٣٢٦٤ - عن أبي هريرةَ ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "العَجْوَةُ مِنَ الجَنَّةِ فيها شِفاءٌ مِنَ السَّمِّ، والكَمْأَةُ مِنَ المَنِّ وماؤُها شِفاءٌ للعينِ".
"عن أبي هريرةَ - رضيَ الله تعالى عنه - قال: قال رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم: العَجْوة مِن الجَنة"؛ أي: من جِنْسِ نَخْلِ الجنة.
"وفيها شفاءٌ من السمِّ"، أو لأنها لغزارةِ نفعِها ولطافته لمَا فيها من اللذة والشفاء من السم والسحر، كأنها من ثمار الجنة؛ لأن ثمارَها تُزِيلُ الأذى والتعب.
"والكَمْأَة من المَنِّ، وماؤُها شفاءٌ للعين"، تقدَّمَ بيانُه في "صحاح" هذا الباب.
стр. 2263
٢ - باب الضيافَةِ
(باب الضيافة)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٣٢٦٥ - عن أبي هريرةَ ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "مَنْ كانَ يُؤمِنُ بالله واليوم الآخِرِ فلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ، ومَنْ كَانَ يُؤمِنُ بالله واليومِ الآخِرِ فلا يُؤْذِ جارَهُ، ومَنْ كانَ يُؤمِنُ بالله واليومِ الآخِرِ فلْيَقُلْ خَيْرًا أو ليَصْمُتْ".
وفي روايةٍ: بدلَ الجارِ: "مَنْ كانَ يُؤمِنُ بالله واليومِ الآخِرِ فلْيَصِلْ رَحِمَه".
"من الصحاح":
" عن أبي هريرةَ - رضي الله تعالى عنه - قال قال رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم: مَن كان يؤمِنُ بالله واليومِ الآخِر فليُكْرِمْ ضيفَه"، قيل: إكرامُه بشاشةُ الوجْه له، وتعجيل قِرَاهُ وقيامه في خدمته بنفسه، ذهب الفقهاء إلى أن الأمر فيه للندب.
"ومن كان يؤمن بالله واليومِ الآخر فلا يؤذِ جارَه، ومَن كان يؤمنُ بالله واليوم الآخر فليقُلْ خيرًا"؛ أي: قولاً يثابُ عليه.
"أو ليصمِتْ"؛ أي: ليسكُتْ.
"وفي رواية: بدل الجار: من كان يؤمِنُ بالله واليوم الآخر فليصِلْ رحمه": وفيه إشارة إلى أن القاطعَ عنها كأنه لم يؤمنْ بالله واليومِ الآخرِ؛ لعدمِ خوفهِ من شدةِ العقوبةِ المترتِّبةِ على القَطِيعة.
стр. 2264
٣٢٦٦ - عن أبي شُرَيْحٍ الكَعْبيِّ ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "مَنْ كانَ يُؤمِنُ بالله واليومِ الآخِرِ فليُكْرِمْ ضَيْفَهُ، جَائِزَتُهُ يومٌ وليلة، والضيافَة ثلاثةُ؛ أيَّامٍ، فما بعدَ ذلكَ فهو صَدَقةٌ، ولا يَحِلُّ لهُ أنْ يَثْوِيَ عندَهُ حتَّى يُحْرِجَه".
"وعن أبي شُرَيح الكعبي - رضي الله تعالى عنه -: أن النبيَّ ﷺ قال: مَن يؤمنُ بالله واليوم الآخرِ فليُكْرِمْ ضيفَه جائزتُه يومٌ وليلة"؛ أي: إكرامُه بتقديم طعامٍ حَسَنِ إليه سُنَّة مؤكدة في اليوم الأول وليلته، وفي اليوم الثاني والثالث يقدَّمُ إليه ما كان حاضرًا عنده بلا زيادة على عادته.
"والضيافة ثلاثةُ أيام، فما بعد ذلك فهو صدقة" ومعروف، إن شاء فعل وإلا فلا.
"ولا يَحِلُّ له"؛ أي: للضيف.
"أن يَثْوِيَ عندَه"؛ أي: يُقيمَ عند مضيفه بعد الثلاث بلا استدعائه.
"حتى يُحْرِجَه"؛ أي: يضيق صدرَه فتكون الصدقة على وجه المَنِّ والأذى، فإن حبَسَه عذرٌ من مرض ونحوهِ أنفقَ من مال نفسه.
٣٢٦٧ - وقال: "إنْ نزَلْتُمْ بقَوْمٍ فأَمَرُوا لكمْ بما يَنبغي للضَّيْفِ فاقْبَلُوا، فإنْ لمْ يفعلُوا فخُذُوا منهمْ حقَّ الضَّيْفِ الذي يَنْبغي له".
"وعن عقبةَ بن عامرٍ - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسولُ الله ﷺ : إذا نزلتُم بقومٍ فأَمَرُوا لكم بما ينبغي للضيف فاقبلُوا، فإن لم يَفْعَلُوا فُخُذوا منهم حقَّ الضيفِ الذي يَنبغي له"، يحتمل أن يكونَ الخِطابُ للمسلمين الذين يمرُّون على أهل الذِّمَّة، وقد شرطَ الإمامُ عليهم ضيافةَ مَن يمرُّ بهم من المسلمين، أو يكونُ المرادُ بهم المضطرين في المَخْمَصَة، وإلا فلا يحِلُّ أخذُ مالٍ الغير بدون
стр. 2265
رضاه، وعند هذا أوجبَ قومٌ ضمانَ القِيمة، وهو قياسُ مذهبِ الشافعي.
وقال جمعٌ من أهل الحديث: لا ضمانَ فيه، وهو الظاهر.
٣٢٦٨ - عن أبي مسعودٍ الأنصاريُّ ﵁ قال: كانَ رجلٌ مِنَ الأنصارِ يُكنَّى: أبا شُعَيْبٍ، وكانَ لهُ غُلامٌ لحَّامٌ، فقال: اصنع طعامًا يَكفي خَمسةً لَعلِّي أدعُو النَّبيَّ ﷺ خامِسَ خمسةٍ، فصنعَ طُعَيمًا ثمَّ أتاهُ فدعاهُ فتبعَهُمْ رجلٌ، فقال النَّبيّ ﷺ : "يا أبا شُعيبٍ إنَّ رجُلًا تَبعَنا فإنْ شِئْتَ أذِنتَ لهُ وإنْ شِئْتَ تركتَهُ". قال: لا بلْ أذِنتُ لهُ.
"عن أبي مسعودٍ الأنصاري - رضي الله تعالى عنه - قال: كان رجلٌ من الأنصار يُكْنَى أبا شُعيب، وكان له غلامٌ لحامٌ"؛ أي: بائع اللحم.
"فقال: اصنع طعامًا يَكْفِي خمسةً لعلِّي أَدْعُو النبيَّ ﷺ خامَس خَمْسة"، حال من النبي ﷺ أي: أحد الخمسة.
"فصنَع طُعَيمًا ثم أتاه فدعاه، فتبعهم رجلٌ، فقال النبي ﷺ : يا أبا شُعيب! إن رجلًا تَبعَنا فإن شئتَ أذنتَ له وإن شئتَ تركتَه، قال: لا بل أذنتُ له"، فيه بيانُ أنه لا يجوز لأحدٍ أن يدخلَ في ضيافة قومٍ بغير دعوةِ صاحبها، ولا للضيف أن يتبعَ غيرَه بغيرِ إذن المضيف.
٣٢٦٩ - عن أبي هريرةَ ﵁ قال: خرجَ رسولُ الله ﷺ ذاتَ يومٍ أو ليلةٍ، فإذا هو بأبي بكرٍ وعُمرَ، فقال: "ما أخْرجَكُما مِنْ بُيُوتكُما هذ السَّاعَةَ؟ " قالا: الجُوعُ. قال: "أنا والذي نفسي بِيدِهِ لأخرَجَني الذي أخرجَكُما، قُومُوا".
стр. 2266
فقامُوا معَهُ، فأتَى رجُلًا مِنَ الأنصارِ، فإذا هو ليسَ في بيتِهِ فلمَّا رأتْهُ المرأَةُ قالتْ: مَرْحبًا وأهلًا، فقالَ لها رسُولُ الله ﷺ : "أينَ فُلانٌ؟ " قالت: ذهبَ يَسْتَعذِبُ لنا مِنَ الماءِ، إذْ جاءَ الأنصارِيُّ فنظرَ إلى رسُولِ الله ﷺ وصاحِبَيْهِ، ثمَّ قال: "الحمدُ لله، ما أَحَدٌ اليومَ أكرمَ أَضْيافًا مِنِّي". قال: فانطلقَ فجاءَهُمْ بعِذْقٍ فيهِ بُسْرٌ وتَمرٌ ورُطَبٌ، فقال: كُلوا مِنْ هذهِ. وأخذَ المُدْيَةَ، فقالَ لهُ رسولُ الله ﷺ : "إيَّاكَ والحَلُوبَ". فذبحَ لهمْ، فأكَلُوا مِنَ الشَّاةِ ومِنْ ذلكَ العِذْقِ وشَرِبُوا، فلمَّا أَنْ شَبعُوا ورَوُوا قالَ رسُولُ الله ﷺ لأبي بَكْرٍ وعُمرَ: "والذي نفسي بيدِه لتُسْأَلُنَّ عنْ هذا النَّعيمِ يومَ القيامَةِ، أخرجَكُمْ مِنْ بُيُوتكُمْ الجُوعُ ثمَّ لمْ تَرجِعُوا حتَّى أصابَكُمْ هذا النَّعيمُ".
"عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: خرجَ رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم ذاتُ يومٍ أو ليلةٍ، فإذا هو بأبي بكرٍ وعمَر"؛ أي: اتفقَ خروجُهم من بيوتهم قاصِدين ضيافةً.
"فقال: ما أخرجَكما من بيوتكما هذه الساعة؟ قالا: الجوع، قال: أنا والذي نفسي بيده لأخرجني الذي أخرجَكما"، فيه جوازُ ذِكْر الإنسان ما ينالُه من ألمٍ ونحوهِ لا على التشكِّي وعدم الرضا، بل للتسلية والتَّصْبيرِ؛ لفعله ﷺ هنا فهذا ليس بمذموم.
"قومُوا، فقامُوا معه، فأتى رجلًا من الأنصار، يقال له أبو الهيثم بن تيهان الأنصاري الخزرجي.
"فإذا هو ليس في بيته فلمَّا رأته المرأة قالت: مرحبًا وأهلًا، فقال لها رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: أين فلان؟ قالت: ذهبَ يستعذِبُ لنا من الماء"؛ أي: يطلب لنا الماء العذب، وذلك لأن أكثرَ مياه المدينة كانت مالحة.
"إذ جاء الأنصاريُّ فنظرَ إلى رسولِ الله صلى الله تعالى عليه وسلم
стр. 2267
وصاحِبَيه، ثم قال: الحمدُ لله، ما أحدٌ اليومَ أكرمُ أضيافًا مني، قال"؛ أي: الراوي:
"فانطلقَ"؛ أي: خرج الأنصاري من بيته.
"فجاءَهم بعِذْقٍ"، وهو - بكسر العين المهملة وسكون الذال المعجمة -: العُرْجُون بما فيه من الشَّمارِيخ.
"فيه بُسْرٌ وتمر ورُطَب، فقال: كلُوا من هذه، وأخذَ المُدْية"؛ أي: السِّكِّين ليذبحَ لهم ذبيحة.
"فقال له رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إياك والحَلُوبَ"؛ أي: لا تذبح الشاةَ الحَلُوب.
"فذبحَ لهم شاةً فأكلُوا من الشاة ومن ذلك العِذْق وشربُوا" من الماء.
"فلما أن شبعوا": أن هذه زائدة.
"ورَوَوا، قال رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم لأبي بكر وعمر: والذي نفسي بيده لتُسْأَلُنَّ عن هذا النعيم يوم القيامة"، قيل: المراد به السؤال عن القيام بحقِّ الشكر والتقريع، وقيل: سؤالُ تعداد النِّعمَ والامتنان لا سؤالُ تقريع.
"أخرَجكم الجوعُ من بيوتكم، ثم لم ترجِعُوا حتى أصابكم هذا النعيم".
مِنَ الحِسَان: * * *
٣٢٧٠ - عن المِقْدام بن مَعْدِ يَكرِبَ ﵁: أنه سمعَ النبيَّ ﷺ يقول: "أيُّما مُسلمٍ ضافَ قومًا فأصبحَ الضَّيفُ مَحرومًا كانَ حقًّا على كُلِّ مُسلمٍ نصَرُهُ حتَّى يأْخُذَ لهُ بقِراهُ مِنْ مالِهِ وزَرْعِهِ".
стр. 2268
وفي روايةٍ: "أيُّما رجُلٍ أضافَ قومًا فلمْ يَقْرُوهُ كانَ لهُ أنْ يُعقِبَهُمْ بمثلِ قِراهُ".
"من الحسان":
" عن المقدام بن معدي كرب - رضي الله تعالى عنه -: سمعَ رسولُ الله ﷺ يقول: أيُّما مسلمٍ ضافَ قومًا"؛ أي: نزلَ عندَهم ضيفًا.
"فأصبَح الضيفُ مَحْرومًا كان حقًا على كل مسلمٍ نصرُه حتى يأخَذ له بقِرَاه"؛ أي: بضيافته؛ يعني بقَدْر شِبَعِه.
"من مالهِ وَزْرعِه"، فالمضطرُّ النازلُ بأحدٍ يجبُ عليه ضيافتُه بما يحفَظُ عليه رمقَه، ويجوزُ له أَخْذُ ذلك منه سرًا وعلانية.
"وفي رواية: أيُّما رجلٍ ضافَ قومًا فلم يُقْرُوه كان له أن يُعْقِبَهم"؛ أي: يَجْزِيَهم.
"بمثلِ قِراه"، بأن يأخذَ من مالهم عَقِيبَ صنيعهِم قَدْرَ قِراه عادةً.
* * *
٣٢٧١ - عن أبي الأحُوَصِ الجُشَميِّ، عن أبيه قال: قلتُ يا رسُولَ الله! أرأيتَ إنْ مررتُ برجلٍ فلمْ يَقْرِني ولمْ يُضفْني؟ ثمّ مرَّ بي بعدَ ذلكَ أَقْرِيه أمْ أجْزِيه؟ قال: "بلِ اقْره".
"عن أبي الأحوص الجُشَمي عن أبيه - رضي الله تعالى عنهم - قال: قلتُ: يا رسولَ الله أرأيتَ"؛ أي: أخبرْني "إن مررتُ برجلٍ فلم يُقرِني ولم يُضفْني، ثم مرَّ"؛ أي: ذلك الرجل "بي بعدَ ذلك أقريه"؛ أي: أُضيفه "أم أَجْزِيه؟ "؛ أي: أكافِئُه بمنع الطعام كما فعل بي.
"قال: بل اقْرِه".
* * *
стр. 2269
٣٢٧٢ - عن أنسٍ ﵁، أو غيرِه: أنَّ رسولَ الله ﷺ استأْذَنَ على سعدِ بن عُبادَةَ فقال: "السَّلامُ عليكُمْ ورحمةُ الله وبركاتُهُ"، فقال سَعدٌ: وعليكُمُ السَّلامُ ورحمةُ الله وبركاتُهُ، ولم يُسمعِ النَّبيَّ ﷺ ، حتَّى سلَّمَ ثلاثًا وردَّ عليهِ سَعدٌ ثلاثًا ولمْ يُسمِعْهُ، فرجَعَ النَّبيّ ﷺ ، فاتَّبَعَهُ سَعدٌ فقال: يا رسُولَ الله! بأبي أنتَ وأُمِّي ما سلَّمْتَ تسليمَةً إلاّ هيَ بأُذُني، ولقدْ ردَدْتُ عليكَ ولمْ أُسْمِعْكَ، أحببتُ أنْ أَستَكثِرَ منْ سلامِكَ ومنَ البَرَكَةِ. ثمَّ دخلُوا البيتَ فقرَّبَ لهُ زَبيبًا، فأكلَ منهُ نبيُّ الله ﷺ ، فلمَّا فَرَغَ قال: "أكلَ طعامَكُمُ الأبرارُ وصلَّتْ عليكُمُ المَلائِكةُ، وأفطَرَ عِندَكُمُ الصائِمُون".
"عن أنس - رضي الله تعالى عنه - أو غيره: أن رسولَ الله ﷺ استأذنَ على سعدِ بن عُبَادة"؛ أي: طلبَ الإذنَ أن يدخُلَ.
"فقال النبي ﷺ : السلامُ عليكم ورحمةُ الله وبركاتُه، فقال سعدٌ: وعليكم السلام ورحمةُ الله، فلم يُسمِع النبيَّ ﷺ "، من الإسماع.
"حتى سلَّم ثلاثًا، وردَّ عليه سعدٌ ثلاثًا فلم يُسْمِعْه، فرجعَ النبيُّ ﷺ فاتَّبَعه سعدٌ فقال: يا رسول الله! بأبي أنت وأمي"؛ أي: فديت بهما.
"ما سلَّمْتَ تسليمةً إلا هي بأُذُني، ولقد رددْتُ عليكَ ولم أُسْمِعْك، أَحببْتُ أن أستكِثَر من سَلَامِك ومنَ البَرَكة"، وهذا يدلُّ على أنه ﷺ كان يُسَلِّمُ إلى: (وبركاته).
"ثم دخلُوا البيتَ، فقرَّبَ إليه زَبيبًا فأكلَ نبيُّ الله ﷺ ، فلمَّا فرغَ قال: أكلَ طعامَكم الأبرارُ، وصلَّت عليكم الملائكةُ، وأفطرَ عندكم الصائمون"، وهذا يجوزُ أن يكونَ دعاءً منه ﷺ للمُضيف وأهلِ بيتهِ، وأن يكونَ إخبارًا منه ﷺ بذلك.
* * *
стр. 2270
٣٢٧٣ - وعن أبي سعيدٍ ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: "مثلُ المؤمِنِ ومثلُ الإِيمانِ كمثلِ الفَرَسِ فِي آخِيَّتِهِ يجُولُ ثمَّ يرجِعُ إلى آخِيَّتِهِ، فإنَّ المؤمِنَ يَسْهُو ثمَّ يرجعُ إلى الإيمانِ، فأطعِمُوا طعامَكُم الأتقياءَ وأَوْلُوا مَعروفَكُم المؤمنِينَ".
"عن أبي سعيد - رضي الله تعالى عنه - عن النبيِّ ﷺ : مَثَلُ المؤمنِ ومَثَلُ الإيمانِ كمَثَلِ الفَرَسِ في آخِيَّتهِ". بفتح الهمزة الممدودة وكسر الخاء وفتح الياء المشددة: عروةُ حبلٍ في وَتِدٍ، وعُوَيْدٌ يدُفَن طرفاه في حائط أو أرض، فيصيرُ وسطُه كالعُرْوة ويُشَدُّ فيها الدابة في المَعْلَف.
"يجولُ، ثم يرجِعُ إلى آخِيَّتهِ"، والمعنى: أن المؤمنَ يبعدُ عن ربه بالذُّنوب، وأصلُ إيمانه ثابتٌ، ثم يعودُ ويقرب بالآخرة إليه بالندم والتوبة، ويتلَافى ما فَرَّطَ فيه وهو المراد بقوله: "وإنَّ المؤمن يسهو، ثم يرجِعُ إلى الإيمان"، أو المرادُ بالإيمان شُعَبُه كالصلاة والزكاة وغيرهما، فكما أن الفرسَ يَبعُدُ عن آخِيَّتهِ ثم يعودُ إليها، فكذا المؤمن قد يتركُ بعضَ شُعَب الإيمان، ثم يتدارك ما فاته ويندَمُ على ما فعلَ من التقصير.
"فأطعِمُوا طعامَكم الأتقياءَ وأَولُوا معروفَكم"؛ أي: أعطُوا إحسانكَم وعطيَّتَكم "المؤمنين".
* * *
٣٢٧٤ - عن عبدِ الله بن بُسْرٍ قال: كانَ للنبيِّ ﷺ قَصْعة يحمِلُها أربعةُ رجالٍ، يقال لها الغَرَّاءُ، فلمَّا أضْحَوْا وسجَدُوا الضُّحَى أُتيَ بتلكَ القَصْعَةِ - يعني وقد ثُرِدَ فيها - فالتفُّوا عليها، فلمَّا كَثُروا جثَا رسُولُ الله ﷺ ، فقال أعرابيٌّ: ما هذه الجِلْسَةُ؟ فقال النبيُّ ﷺ : "إنَّ الله جَعَلَني عبدًا كريمًا، ولم يجعَلْني جبَّارًا
стр. 2271
عنيدًا"، ثمَّ قال: "كُلُوا مِنْ جوانِبها ودَعُوا ذِرْوَتها يُبارَكْ لكُمْ فيها".
"عن عبد الله بن بُسْر - رضي الله تعالى عنه -: كان للنبيِّ ﷺ قصعةٌ يحمِلُها أربعةُ رجالٍ يقال لها: الغَرَّاءُ": تأنيث الأغرِّ، كأنه فيه غُرَّة.
"فلما أَضْحَوا"؛ أي: دخلُوا في الضحى.
"وسجدُوا الضُّحَى"؛ أي: صلَّوا صلاةَ الضُّحَى.
"أتي بتلك القَصْعةِ؛ يعني: وقد ثُرِدَ فيها، فالتُّفوا عليها"؛ أي: اجتمعُوا حولهَا.
"فلما كثُروا جثا رسولُ الله ﷺ "؛ أي: جلسَ على ركبتيه مِن ضيقِ المكان.
"فقال أعرابيٌّ: ما هذه الجِلْسة" - بكسر الجيم - يا رسول الله؟.
"فقال النبي ﷺ إن الله قد جعلني عبدًا كريمًا"؛ أي: متواضعًا فهذه الجلسة أقرب إلى التواضع وأنا عبد، والتواضع أليق بالعبد.
"ولم يجعلْني جَبَّارًا عنيدًا"؛ أي: مائلًا عن الحق.
"ثم قال: كُلُوا من جوانبها ودَعُوا ذِروَتَها"؛ أي: اتركوا أعلاها؛ يعني: وسطَها.
"يبارَكْ لكم فيها".
* * *
٣٢٧٥ - وعن وَحْشِيِّ بن حَرْبٍ، عن أبيهِ، عن جدِّه: أنَّ أصحابَ النَّبيِّ ﷺ قالوا: يا رسولَ الله! إنَّا نأكلُ ولا نَشبعُ، قال: "فلعلَّكُمْ تَفْترِقُون؟ " قالوا: نعم، قال: "فاجتمِعُوا عَلَى طعامِكُمْ، واذكُرُوا اسمَ الله يُبارَكْ لكُمْ فيهِ".
"عن وحشيِّ بن حَرْب، عن أبيه، عن جده: أن أصحابَ النبيِّ ﷺ قالوا: يا رسولَ الله! إنا نأكلُ ولا نشبَعُ، قال: فلَّعلكم تَفْترقون؟ قالوا: نعم، قال:
стр. 2272
فاجتمعوا على طعامكم واذكرُوا اسمَ الله يبارَكْ لكم فيه".
* * *
فصل
(فصل)
مِنَ الحِسَان:
٣٢٧٦ - عن الفُجَيع العامِريِّ: أنّهُ أَتَى النَّبيَّ ﷺ فقال: ما يحلُّ لنا مِنَ المَيْتَة؟ فقال: "ما طعامُكُمْ؟ " قلنا: نَغْتَبقُ ونَصْطَبحُ، قال: "ذلكَ - وأبي - الجُوعُ". فأحلَّ لهم المَيْتَةَ عَلَى هذا الحالِ. فسَّرُوا قولَهُ: نَغْتَبقُ ونَصْطَبحُ: أي قَدَحٌ غُدوةً وقَدَحٌ عَشِيَّةً.
"من الحسان":
" عن الفُجَيع": بالضم ثم الفتح ثم بكسر الياء المشددة.
"العامريِّ أنه أتى النبي ﷺ فقال: ما يحلُّ لنا من الميتة": استفهامٌ وسؤالٌ عن القَدْر الذي يُباح لهم عند المَخْمَصة، فيكون (١) القوم مضطرين إلى تناول الميتة.
"قال: ما طعامكم؟ " سؤالٌ منه ﷺ عن قَدْر طعامهم (٢).
"قلنا: نغتبقُ ونصطبحُ"؛ أي: طعامَ غَبوق وصَبوحٍ من لبن، والاغتباقُ والاصطباحُ في الأصل شُرْبُ الشراب عَشيةً وغُدْوةً، فاسُتعير هنا لتناولِ اللبن فيهما لمكان الشراب.
стр. 2273
"قال: ذاك"، مبتدأ.
"وأبي": كلمةٌ تستعملها العربُ كثيرًا في خطابها توكيدًا، ونهى ﷺ عن الحَلِف بالآباء، فلعل هذا قبلَ النهي، أو جرى على عادتهم في ذلك وهو معترِضٌ بين المبتدأ وخبره، وهو "الجوع"؛ يعني: ذلك الشراب الذي تقولون قليلٌ تجوعون معه.
"فأحلَّ لهم الميتةَ"؛ أي: أباحَ لهم أكلَ الميتة.
"على هذه الحال"، قال المصنف: "فسَّرُوا"؛ أي: العلماء، "قولَه"؛ أي: قول الفُجَيع:
"نغتبقْ ونَصْطَبح؛ أي: قدحٌ غدوةً وقدحٌ عشيةً"، وبهذا قال مالكٌ والشافعي في أحد قوليه: إنَّ المضطرَّ لو وجدَ طعامًا مباحًا يمسِكُ رمقَه دون شبعهِ فله تناولُ الميتةِ أيضًا حتى تشبع؛ لأن قَدَحًا عشية يُمسِكُ الَّرمَق.
* * *
٣٢٧٧ - عن أبي واقِدٍ اللَّيْثيِّ: أنَّ رجُلًا قال: يا رسُولَ الله! إنَّا نكُونُ بالأرضِ فتُصيبنا بها المَخْمَصَةُ، فمتَى تحلُّ لنا المَيْتةُ؟ قال: "ما لَمْ تصْطَبحُوا أو تَغْتَبقُوا أو تَحْتفِئُوا بها بَقْلًا فشأنُكُمْ بها" معناه: إذا لم تجدوا صَبُوحًا ولا غَبُوقًا ولم تجدوا بَقْلةً تأكلونها حلَّتْ لكم المَيْتَةُ".
"وعن أبي واقد اللَّيثي - رضي الله تعالى عنه -: أن رجلًا قال: يا رسولَ الله! إنا نكونُ بالأرضِ فتُصِيبنا بها المَخْمَصَة"؛ أي: الجوع.
"فمتى يحِلُّ لنا الميتةُ، قال: ما لم تَصْطَبحوا أو تَغْتَبقُوا"؛ أي: ما لم تَجِدُوا صَبُوحًا ولا غَبوقًا.
"أو تَحْتَفُّوا" بالحاء المهملة، وأكثر الرواة يروونه بالهمزة من الحفاء، وهو
стр. 2274
أصل البَرْدِيِّ الأبيضِ الرَّطْبِ، وهو يؤكَل فاستُعيَر هنا لاقتلاع البقل؛ أي: ما لم يْقَتلِعُوا.
"بها"؛ أي: بالأرض.
"بقلًا" فتأكلوه.
"فشأنَكم"، منصوب بفعل محذوف تقديره: الزموا شأنكم.
"بها"؛ أي: بالميتة.
"معناه: إذا لم تجدوا صَبوحًا أو غَبوقًا ولم تجِدُوا بقلةً تأكلونها حَلَّتْ لكم الميتةُ"، وبهذا قال أبو حنيفة: لا يجوزُ تناولُ الميتةِ ما دام يجدُ مباحًا يمسِكُ رمقَه، وإذا لم يَجِد لم يَجُزْ أن يتجاوزَ ما يسدُّ الرمقَ، وهو القولُ الآخر للشافعي.
والتوفيق بين هذا الحديث وحديثِ العامريِّ المتقدِّم: أن الاغتباقَ بقدَحٍ والاصطباحَ بآخرَ كان على سبيل الاشتراكِ بينَ القومِ كلِّهم، بدليل قولِ السائل: (ما يحلَّ لنا)، إذ لم يسأل عن خاصَّةِ نَفْسِه، وقوله ﷺ : (ما طعامكم؟) بصيغة الجمع فيهما، فلم يكن مُغْنيًا لسَدِّ رَمَقِهم.
* * *
٣ - باب الأشرِبةِ
(باب الأشربة)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٣٢٧٨ - عن أنسٍ ﵁ قال: كانَ رسُولُ الله ﷺ يتنفَّسُ في الشَّرابِ ثلاثًا، ويقولُ: إنَّهُ أرْوَأُ وأبْرَأُ وأمْرَأُ.
стр. 2275
"من الصحاح": " عن أنس - رضي الله تعالى عنه - قال: كان رسول صلى الله تعالى عليه وسلم يتنفَّسُ في الشراب ثلاثًا"؛ أي: يشربُ بثلاثِ مراتٍ، يُبين الإناءَ عن فمه كل مرة.
"ويقول: إنه أَرْوَى"؛ أي: أشدُّ رواء وأَدْفَعُ للعطش.
"وأبَرأُ": من البُرْء؛ أي: أكثرُ براءَ؛ أي: صحةً للبَدَن.
"وأَمْرَأُ"؛ أي: أَكْثَرَ مَراءةً.
* * *
٣٢٧٩ - عن بن عباس ﵄ قال: "نَهَى النَّبيّ ﷺ عَنِ الشُّربِ مِنْ فِيِّ السِّقاءِ".
"عن ابن عباسٍ - رضي الله تعالى عنهما - قال: نهى النبيُّ ﷺ عن الشربِ مِن في السِّقَاء"؛ أي: من فم القِرْبة، وإنما نهى عن ذلك لِلَّعبِ المذموم، فإِنَّ جريان الماء وانصبابَه في الحَلْق دفعةً مُضرٌّ بالمعدة، وقد أمرَ ﷺ بمصِّ الماء عند شُرْبه، ولا يمكنُ ذلك، ولا يمسكُ مِن فم السقاء، أو نهى عنه كي لا يدخلَ في جوفه شيءٌ مُؤْذٍ يكونُ في القِرْبَة وهو لا يعلَم به؛ لِمَا رُوِيَ عن أَيُّوب: أن رجلًا شربَ من فم قِربةٍ فدخلتْ جوفهَ حيةٌ.
* * *
٣٢٨٠ - وعن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ ﵁ قال: نَهَى النَّبيّ ﷺ عنِ اخْتِناثِ الأسْقِيَةِ، يعني أنْ تُكسَرَ أفواهُها فيُشرَبَ منها.
"عن أبي سَعيد الخدريِّ - رضي الله تعالى عنه - قال: نهى النبيُّ ﷺ عن
стр. 2276
اختناثِ الأَسْقِيَة"، وهو التكسَّر والتثنِّي، ومنه المخنث، وقيل: خَنَثْتُ السِّقَاء: ثنيتُ فمَه إلى خارجٍ، ثم شربتُ.
"يعني أنْ تُكسَرَ أفواهُها فَيُشْرَبَ منها"، وإنما نهى عنه؛ لئلا ينصبُّ عليه الماءُ لسعةِ فَمِها، أو لأنه إذا أدامَ الشربَ مثها أنتنت وتغيَّرتْ رائحتُها، وقد جاء في حديثٍ آخرَ الإباحةُ، فلعلَّ النهيَ خاصٌّ بالسِّقَاء الكبيرِ دون الإداوة.
* * *
٣٢٨١ - عن أنسٍ ﵁، عن النبيِّ ﷺ : أنَّهُ نَهَى أنْ يشرب الرَّجُلُ قائمًا.
"عن أنس - رضي الله تعالى عنه - عن النبي ﷺ أنه نهى أن يشربَ الرجلُ قائمًا "، وهذا نهيُ تنزيهٍ وتَأْدِيبٍ؛ ليكونَ تناولُه عن طمأنينة فيبعدَ أن يكونَ منه ضررٌ.
* * *
٣٢٨٢ - عن أبي هُريرةَ ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "لا يَشرَبن أحدٌ منكُمْ قائمًا فمنْ نَسيَ فلْيَسْتقِئْ".
"عن أبي هريرةَ - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم: لا يشربن أحدُكم قائمًا، فمن نسيَ فليَسْتَقِئْ"، والاستقاءُ: التكلُّفُ لدفْع ما في الجوف، وهذا مبالغةٌ في الزجر والتهديد؛ لأنه لا ينبغي للمُتَقَيئين أن يصلَ طعامٌ أو شرابٌ إلى جوفِهم على وجهٍ مخالفٍ لأمر الشَّرْع.
* * *
٣٢٨٣ - عن ابن عبَّاسٍ ﵄ قال: أتيتُ النبيَّ ﷺ بدَلوٍ مِنْ ماءِ زمزمَ فشرِبَ وهو قائِمٌ.
стр. 2277
"عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - قال: أتيتُ النبيَّ ﷺ بدلْوٍ من ماء زمزمَ فشربَ وهو قائم"، قد يدلُّ هذا على أنه لم يجد موضعًا للقُعود؛ لازدحامِ الناسِ على ماء زمزمَ وابتلالِ المكان، فُيْعلَمُ مِن هذا جوازهُ لعُذْرٍ مع احتمال النسخ؛ لمَا رُوي عن جابر ﵁ أنه لمَّا سمع روايةَ مَن روى أنه يشربُ قائمًا قد رأيتهُ صنعَ ذلك، ثم سمعتُه بعد ذلك يَنْهَى عنه.
* * *
٣٢٨٤ - وعن عليٍّ ﵁: أنَّهُ صلَّى الظُّهرَ ثمَّ قعدَ في حَوائِجِ النَّاسِ في رَحبةِ الكُوفةِ حتَّى حَضَرَتْ صلاةُ العصرِ، ثمَّ أُتيَ بماءٍ فشرِبَ وغسلَ وجهَهُ ويدَيْهِ، وذكرَ رأسَهُ ورِجلَيْه، ثمَّ قامَ فشرِبَ فضلَهُ وهو قائمٌ، ثمَّ قال: إنَّ ناسًا يكرَهونَ الشُّرْبَ قائمًا، وإنَّ النَّبيَّ ﷺ صنعَ مثلَ ما صنعتُ.
"عن عليٍّ - رضي الله تعالى عنه - أنه صلَّى الظهرَ، ثم قعدَ في حوائجِ الناسِ"؛ أي: في القضاءِ وفَصْلِ الخصومات.
"في رَحْبةِ الكُوفَةِ"؛ أي: في موضع ذي فضَاءٍ وفُسْحَةٍ بالكوفة.
"حتى حَضَرَتْ صلاةُ العَصْر، ثم أُتِيَ بماءٍ فشَرِبَ وغسلَ وجهَه ويديه وذكَر"؛ أي: الراوي.
"رأسَه": قيل: مَسَحَه، وقيل: غَسلَه.
"ورجليه، ثم قامَ فشربَ فَضْلَه وهو قائم، ثم قال: إن ناسًا يَكْرَهُون الشُّرْب قائمًا، وإنَّ النبيَّ ﷺ صنعَ مثل ما صنعت"، فإن قلتَ: ما ذكرَ عليٌّ - رضي الله تعالى عنه - يدلُّ على أن الشربَ قائمًا لم يُنسَخ.
قلت: يجوزُ خفاءُ النهيِ على عليِّ ﵁، والأَولى أن يُقال: المنهيُّ عنه: الشربُ الذي يَتخذُه الناسُ عادةً.
* * *
стр. 2278
٣٢٨٥ - عن جابرٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ دخلَ على رجُلٍ مِنَ الأنصارِ ومعَهُ صاحِبٌ لهُ، فسلَّمَ، فردَّ الرجُلُ، وهو يُحوِّلُ الماءَ في حائطٍ، فقالَ النَّبيّ ﷺ : "إنْ كانَ عِندَكَ ماءٌ باتَ في شَنَّةٍ وإلَاّ كَرَعْنا". فقال: عِندِي ماءٌ باتَ في شَنٍّ. فانطلقَ إلى العَريشِ فسكبَ في قَدَحٍ ماءً، ثمَّ حَلَبَ عليهِ مِنْ داجِنٍ، فشرِبَ النَّبيّ ﷺ ، ثمّ أعاد فشرِبَ الرجُلُ الذي جاءَ مَعَهُ.
"عن جابرٍ - رضي الله تعالى عنه -: أن النبيَّ ﷺ دخلَ على رجلٍ من الأنصار ومعه صاحبٌ له فسلَّم"؛ أي: النبيُّ ﷺ .
"فردَّ الرجلُ وهو يحوِّلُ الماءَ"؛ أي: ينقلُه من عمقِ البئرِ إلى ظاهرِها، وقيلَ: مِن جانبٍ إلى آخرَ.
"في حائط"؛ أي: في بستانٍ.
"فقالَ النبيُّ ﷺ : إن كان عندك ماءٌ باتَ في شَنَّةٍ"، بفتح الشين المعجمة وفتح النون المشددة هي القِرْبَة العتيقة، وهي أشد تبريدًا للماء من الجديدة.
"وإلا"؛ أي: وإن لم يكن عندَك ماءٌ بات في شَنَّة.
"كَرَعْنا"؛ أي: شَرْبنا من الساقية، يقال: كَرَعَ في الماء يكرَعُ كُروعًا: إذا تناولَه من النهر ونحوه بلا كَفٍّ ولا إناءٍ، كشُرْب البهائم لإدخالهِا أكارِعَها؛ أي: قوائمَها فيه.
"فقال: عندي ماءٌ بات في شَنٍّ، فانطلقَ"؛ أي: ذهب الرجلُ "إلى العَرِيش"، وهو المسقف من البستان بالأغصان، وأَكْثُره بالكروم.
"فسكَبَ"؛ أي: صبَّ "في قدحِ ماءٍ، ثم حلبَ عليه مِن داجِنٍ"، وهي الشاةُ الحَلُوب التي تعلِفُ في المنازل، يقال: شاةٌ داجِنٌ، ودَجنَت تَدجُن دُجُونًا إذا أَلِفَتِ البيوتَ واستأنسَتْ.
стр. 2279
"فشربَ النبيُّ ﷺ ، ثم أعادَ فشرِبَ الرجلُ الذي جاء معَه".
* * *
٣٢٨٦ - وعن أُمّ سَلمةَ: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "الذي يشْرَبُ في إناءِ الفِضَّةِ إنَّما يُجَرْجِرُ في بطنِهِ نارَ جهنَّمَ".
وفي روايةٍ: "إنَّ الذي يأكُلُ ويشرَبُ في آنِيَةِ الفِضَّةِ والذَّهبِ".
"وعن أم سَلَمة - رضي الله تعالى عنها -: أن رسولَ الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال: الذي يشرَبُ في إناءِ الفِضَّة إنما يُجَرْجِرُ"، الجَرْجَرَة: صوتُ البعيرِ في حنجرته، والمرادُ به هنا صوتٌ يُسْمَع في حَلْق الإنسانِ عند تجرُّعه الماء.
" في جوفه نارَ جهنَّم "، إنما جعلَ المشروبَ منه نارًا مبالغةٌ؛ لكونه سببًا لها، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ [النساء: ١٠].
"وفي رواية: إن الذي يأكلُ ويشرَبُ في آنيةِ الفِضَّة والذهب"، وهذا يدلُّ على حُرمة استعمال آنيتهِما.
* * *
٣٢٨٧ - وعن حذيفةَ ﵁ قال: سَمِعْتُ رسول الله ﷺ يقولُ: "لا تلبَسُوا الحريرَ ولا الدِّيباجَ، ولا تشرَبُوا في آنِيَةِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ ولا تأْكُلوا في صِحافِها فإنَّها لهمْ في الدُّنيا وهي لكُمْ في الآخِرةِ".
"وعن حُذَيفة - رضي الله تعالى عنه - قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: لا تلبَسُوا الحريرَ ولا الدِّيباج"، بفتح الدال وكسرها: نوعٌ من الحرير أَعْجَمي معرَّبٌ، والإستبرقُ ما غَلُظَ منه.
стр. 2280
"ولا تشرَبُوا في آنيةِ الذهبِ والفِضَّة ولا تأكلُوا في صحائفِها"، جمع صَحْفة وهي دون القَصْعَة.
"فإنها"؛ أي: صِحَافَ الذهب والفضة.
"لهم"؛ أي: للكفار " في الدنيا، وهي لكم في الآخرة".
* * *
٣٢٨٨ - عن أَنَسٍ ﵁ قال: حُلِبَتْ لرسُولِ الله ﷺ شاةٌ داجِنٌ، وشِيبَ لبنها بماءٍ مِنَ البئرِ التي في دارِ أنَسٍ، فأُعْطِي رسُولُ الله ﷺ القَدَحَ فشربَ، وعلى يَسارِهِ أبو بكرٍ وعنْ يمينِهِ أعرابيٌّ، فقال عمرُ: أعطِ أبا بكرٍ يا رسولَ الله، فأعطَى الأعرابيَّ الذي على يمينِهِ ثمّ قال: "الأَيمنُ فالأَيمنُ".
وفي روايةٍ: "الأَيْمَنونَ الأَيْمَنونَ، ألا فيَمِّنوا".
"عن أنس - رضيَ الله تعالى عنه - قال: حُلِبَتْ لرسولِ الله ﷺ شاةٌ داجنٌ وشيبَ"؛ أي: خُلِطَ "لبنها بماء من البئر التي في دارِ أنسٍ، فأُعْطِيَ النبيُّ ﷺ القدَحَ فشَربَ وعلى يسارِه أبو بكر وعن يمينه أعرابيٌّ، فقال عمر: أعطِ أبا بكر يا رسول الله، فأعطى الأعرابيَّ الذي على يمينه، ثم قال: الأيمنَ فالأيمنَ"، يروى - نصبًا - على أنه مفعول لفعل محذوف؛ أي: ناوِل، أو قَدَّم أو اسقِ، ونحو ذلك، ويروى رفعًا على أنه مبتدأٌ خبرُه محذوف؛ أي؛ الأيمن أَولى أو مقدَّم.
وفي رواية: "الأيمنون الأيمنون، أَلا فيمِّنوا"؛ أي: ابتدؤوا بالأَيمن.
* * *
٣٢٨٩ - عن سَهْلِ بن سَعدٍ قال: أُتيَ النَّبيُّ ﷺ بقَدَحٍ فشَرِبَ منهُ، وعنْ يمينِهِ غُلامٌ أصغرُ القومِ، والأشياخُ عن يَسارِهِ، فقال: "يا غُلامُ أتأْذَنُ لي أنْ