لا تَقُلْ، عليك السلامُ، عليك السلامُ تحيةُ الموتى"، لم يرِدْ به أنَّ هذا تحيتُهم لا غير، بل يريدُ به أن هذا مخصوصٌ بهم لمَا رُوِيَ: أنه ﷺ يسلِّم عليهم: "السلامُ عليكم ديارَ قومٍ مؤمنين"، وقيل: أراد بالموتى أهلَ الجاهلية.
* * *
٣٥٩٦ - وعَنْ جَرِيرٍ ﵁: أنَّ النَّبي ﷺ مرَّ على نِسْوةٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِن.
"عن جريرٍ: أن النَّبيّ ﷺ مرَّ على نسوةٍ فسلَّم عليهنّ"، هذا مختصٌّ بالنَّبيِّ ﷺ لأمنهِ عن الوقوعِ في الفِتْنَة، وأمَّا غيرُه فيَكْرَه أن يسلِّمَ الرجلُ على المرأةِ الأجنبيةِ، أو العكسِ إلَّا أن تكونَ عجوزةَ بعيدةَ عن مَظِنَّة الفِتْنة.
قيل: وكثيرٌ من العلماء لم يَكْرَهُوا تسليمَ كلِّ من الرجلِ والمرأةِ الأجنبيةِ على الآخر.
* * *
٣٥٩٧ - وعَنْ عَليِّ بن أبي طَالِبٍ ﵁، رَفَعَه: "يُجزِئُ عن الجَمَاعةِ إذا مرُّوا أنْ يُسلِّم أحَدُهُم، ويُجزئُ عن الجُلوْسِ أنْ يَرُدَّ أَحَدُهم".
"عن عليِّ بن أبي طالب ﵁ رفعَه قال: يُجْزِئُ"؛ أي: يَكْفِي "عن الجماعة إذا مَرُّوا أن يُسَلِّمَ أحدُهم، ويُجْزِئُ عن الجُلُوس" - جمع جالس - "أنَّ يُردَّ أحدُهم".
* * *
٣٥٩٨ - عَنْ عَمْرِو بن شُعَيْبٍ، عن أَبيْهِ عن جَدِّهِ: أنَّ رَسُوَلَ الله ﷺ قَالَ: "لَيْسَ مِنَّا مَن تَشبَّه بِغَيْرِنَا، لا تَشبَّهوا باليَهُودِ ولا بالنَّصَارَى، فإنَّ تسليمَ اليَهُودِ الإشارةُ بالأَصَابعِ، وتَسْلِيْمَ النَّصَارَى الإِشارَةُ بالأكُفِّ"، ضعيف.
стр. 2452
"عن عمرو بن شُعَيبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: ليسَ مِنَّا مَنْ تَشَبَّهَ بغيرِنا، لا تَشَبَّهوا"، بحذف إحدى التائين.
"باليهودِ ولا بالنَّصارَى في الإشارة بالكفِّ أو الأُصْبُع عند التسليم، فإنَّ تسليمَ اليهودِ الإشارةُ بالأصابع، وتسليم النصارى الإشارة بالكَفِّ"، ضعيف.
* * *
٣٥٩٩ - عَنْ أبي هُريْرَةَ ﵁، عَن النَّبيِّ ﷺ قال: "إذا لَقِيَ أَحَدُكُم أَخَاهُ فلْيُسلِّمْ عليه، فِإنْ حَالَتْ بَيْنَهُما شَجَرَةٌ أو جِدَارٌ أو حَجَر ثُمَّ لَقِيَه فلْيُسلِّمْ عَلَيْهِ".
"وعن أبي هريرةَ ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : إذا لَقِيَ أحدكم أخاه فلْيُسَلِّمْ عليه، فإنَّ حالتْ بينهما" بعد أن يُسلِّمَ عليه.
"شجرةٌ أو جِدارٌ أو صَخْرَةٌ، ثم لَقِيهَ" ثانياً "فلْيُسَلِّم عليه ثانيًا".
* * *
٣٦٠٠ - عَنْ قتادَةَ قَالَ: قَالَ النَّبيُّ ﷺ : "إذا دَخلْتُم بَيْتاً فَسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِه، وإذَا خَرَجْتُم فأَوْدِعُوا أَهْلَهُ بالسَّلَامِ"، مُرسل.
"عن قَتادةَ ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : إذا دخلْتُم بيتاً فسلِّمُوا على أهلهِ"، فإنَّ لم يكنْ في البيتِ أحد يُستحبُّ أن يقول: السلامُ علينا وعلي عباد الله الصالحين.
"وإن خرجْتُم فأَوْدِعُوا أهلَه بالسلام"، وجوبُ سلامِ الوَدَاع مستحَبٌّ.
"مرسل".
* * *
٣٦٠١ - عَنْ أَنسٍ ﵁: أنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَال: "يابنيَّ! إذا دَخَلْتَ على
стр. 2453
أَهْلِكَ فَسَلِّمْ، يكونُ بَرَكَةً عَلَيْكَ وعلى أَهْلِ بَيْتِكَ".
"عن أنسٍ عن أن رسولَ الله ﷺ قال: يا بنيَّ"؛ بصيغة التصغير.
"إذا دخلتَ على أهلِكَ فسَلِّم، يكونُ بركةً عليك وعلي أهلِ بَيْتِك".
* * *
٣٦٠٢ - ويُرْوَى عَنْ جَابرٍ ﵁، عَنِ النَّبيِّ ﷺ أنَّه قَال: "السَّلامُ قَبْلَ الكَلامِ"، وهذا مُنكر.
"ويُروَى عن جابرٍ، عن النبيِّ ﷺ أنه قال: السلامُ قبلَ الكَلَام"؛ يعني إذا أتى رجلٌ إلى رجلِ فلْيُسَلِّمْ عليه قبلَ أن يتكلَّم معه بكلام.
"وهذا مُنْكَر"، مدارُه على عَنْبسَةَ بن عبد الرحمن، وهو ضعيفٌ جداً، ثم إنه يَروي عن محمدِ بن زادان وهو منكَرُ الحديث، وهذا مِن جُمَلةِ ما زعمَ المؤلِّفُ أنه أعرضَ عنه ولم يُعْرِضْ عنه، قيل: يحتملُ أن يكونَ الإلحاقُ في "المصابيح" من غيرِ المؤلِّف.
* * *
٣٦٠٣ - عَنْ عِمْرَانَ بن حُصَيْنٍ أنَّه قَالَ: كُنَّا في الجَاهِلِيَّةِ نقولُ: أَنْعَمَ الله بِكَ عَيْناً، وأَنْعِمْ صَبَاحًا، فلمَّا كانَ الإسْلَامُ نُهيْنَا عَنْ ذَلِكَ.
"عن عمران بن حُصَين أنه قال: كُنَّا في الجاهليةِ نقولُ: أنعمَ الله بك عيناً"، والباء في (بك) زائدةٌ للاكتفاء بالهمزة في التعدية؛ بمعنى: أقرَّ الله عينَك بما تحبُّه من النعمة، ويجوزُ أن يكونَ مِن: أنعمَ الرجلُ: إذا دخلَ في النعيم، فالباء حينئذ للتعدية، و (عيناً) نصب على التمييز، قيل: عن (الكاف) في (بك)، والصوابُ عن التشبُّه.
"وأنعم بك صباحاً"، من النعومة، نَعِمَ نعومةَ إذا صار ناعِماً ليناً؛ أي:
стр. 2454
طابَ عيشُك في الصباح.
"فلمَّا كان الإسلامُ نُهِينا عن ذلك".
* * *
٣٦٠٤ - ورُويَ: أنَّ رَجُلاً قال لِرَسُولِ الله ﷺ : إنَّ أَبي يُقرِئُكَ السَّلامَ، فَقَالَ:، عَلَيْكَ وعَلَى أَبيْكَ السَّلامُ".
"وروي أن رجلًا قال لرسول الله صَلَّى الله تعالى عليه وسلم: إنَّ أبي يُقْرِئُك السلامَ، فقال: وعليكَ وعلي أبيك السَّلَامُ"، يُفْهَم من هذا أنَّ مَن جاء بالتحيةِ مِنْ شخصٍ ينبغي للمُجِيبِ أن يَرُدَّ التحيةَ على الجائي بها ومَرسِلِها.
* * *
٣٦٠٥ - عَن ابن العَلَاءِ الحَضْرَميِّ: أنَّ العَلَاءَ الحَضْرَمِيَّ كَانَ عَامِلَ النَّبيِّ ﷺ ، وكان إذا كتَبَ إلَيْهِ بَدَأَ بنفْسِهِ.
"عن ابن العلاء الحضرمي: أنَّ العلاءَ الحضرميَّ كان عاملَ رسولِ الله ﷺ ، فكان إذا كتبَ إليه"؛ أي: إلى الرسول ﷺ .
"بدأ بنفسِه" بأنَّ كتبَ هذا من العلاءِ الحَضْرَميّ إلى رسولِ الله ﷺ .
* * *
٣٦٠٦ - ورُوِيَ عَنْ جَابرٍ ﵁: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "إذا كتَبَ أَحَدُكُم كِتاباً فَلْيُتَرِّبْهُ، فإنَّه أَنْجَحُ لِلْحَاجَةِ"، هذا مُنكَر.
"ورويَ عن جابر: أنَّ النبيَّ ﷺ قال: إذا كتبَ أحدكم كتاباً فْليُتَرِّبْه"، والتَّتْرِيبُ: ذَرُّ الترابِ على المكتوب، وقيل: المرادُ المبالغةُ في التواضُعِ في الخطاب.
стр. 2455
"فإنَّه أَنْجَحُ"؛ أي: أَيْسُرُ "للحاجة، هذا مُنْكَر".
* * *
٣٦٠٧ - عَنْ زيدِ بن ثَابتٍ ﵁ قَال: دَخَلْتُ عَلَى النَّبيِّ ﷺ وبَيْنَ يَدَيْهِ كَاتِبٌ، فسَمِعْتُه يَقُولُ: "ضَع القَلَمَ على أُذُنِكَ، فإنَّه أَذْكَرُ لِلْمُمْلِي"، ضعيف.
"عن زيد بن ثابتٍ أنه قال: دخلتُ على النبيِّ ﷺ وبين يديه كاتبٌ، فسمعتُه يقول: ضعِ القلمَ على أُذنيكَ فإنَّه أَذْكَرُ للحال"؛ أي: العاقبةُ، يعني أنه أسرَعُ تَذَكُّراً فيما يُراد من إنشاءِ العبارة في المعنى المُقْصُود.
وفي نسخة: "فإنَّه أَذْكَرُ للمُمْلِي"، وذلك لاجتماع خاطِرهِ، وأَمْنهِ من أنْ يكتُبَ شيئًا بغيرِ إملائهِ، وأمَّا لو كان القلمُ على وجهِ الكاغِد فإنَّه يُشَوِّشُ ذِهْنَه، ولا يَأْمَنُ مِن أن يكتبَ شيئًا ليس من إملائه.
* * *
٣٦٠٨ - عن زيدِ بن ثَابتٍ ﵁ أنّه قَال: أَمَرني رسولُ الله ﷺ أنْ أتعلَّمَ السُّرْيانِيَّةَ - ويَرْوَى: - أنَّه أَمَرني أنْ أتعَلَّمَ كِتَابَ يَهُودَ وقال: "إنِّي ما آمَنُ يَهُودَ على كِتَابٍ"، قال: فَمَا مرَّ بِي نِصْفُ شَهْرٍ حتَّى تعلَّمْتُ، فَكَان إذا كتَبَ إلى يَهُوَدَ كتَبْتُ، وإذا كتبوا إِلَيْهِ قَرَأْتُ لَهُ كِتَابَهُم".
"عن زيدِ بن ثابتٍ أنه قال: أمرَني رسولُ الله ﷺ أن أتعلَّمَ السُّريَانِيَّةَ، ويُرْوَى أنه أَمَرني أن أتعلَّمَ كتابَ اليهودِ، وقال: إنِّي ما آمنُ يهودَ على كتابٍ"؛ يعني: لا آمن إن أمرتُ يهودياً بأنَّ يكتبَ عني إلى قومٍ من بني إسرائيل، أو يقرأَ كتاباً يأتِيني منهم أن يزيدَ، أو ينقصَ.
"قال"؛ أي: زيدُ بن ثابت.
стр. 2456
"فما مرَّ بي نِصْفُ شهرٍ حتَّى تعلَّمْتُ، وكان إذا كتبَ"؛ أي: أرادَ النبيُّ ﷺ أن يكتبَ "إلى يهودَ كتبتُ"؟ أي: أنا أكتبُ.
"وإذا اكتبوا إليه قرأتُ له كتابهَم".
* * *
٣٦٠٩ - عَنْ أَبيْ هُرَيْرةَ ﵁، عنِ النَّبيِّ ﷺ قال: "إذا انتهَى أَحَدُكم إلَى مَجْلِسٍ فَليُسلِّمْ، فإنْ بَدا لَهُ أنْ يَجْلِسَ فَلْيجلِسْ، ثُمَّ إذا قَامَ فليُسَلِّمْ، فَلَيْسَتِ الأُولَى بأَحَقَّ مِنَ الآخِرَةِ".
"عن أبي هريرةَ ﵁ عن النبيِّ ﷺ قال: إذا انتهى أحدُكم إلى مجلِسٍ فليُسَلِّمْ، فإنَّ بدا له أن يَجْلِسَ فلْيَجْلِسْ، ثم إذا قامَ فلْيُسَلِّمْ، فليست الأُولى"؛ أي: التسليمةُ الأولى "بأحقّ من الآخرة"؛ أي: من التسليمة الآخرة، بل كِلْتاهما حقٌّ وسُنَّة.
* * *
٣٦١٠ - وقال: "لَا خيرَ في جُلُوس في الطُّرُقَاتِ إلَّا لِمَن هَدَى السَّبيْلَ، وَرَدَّ التَّحيةَ، وغَضَّ البَصَرَ، وأَعَانَ على الحَمُولَةِ".
"وقال: لا خيرَ في جلوسٍ في الطرقات إلَّا لمن هَدَى السبيلَ، وردَّ التحيةَ، وغَضَّ البَصَر، وأعانَ على الحُمُولة"؛ بفتح الحاء المهملة: الدابة، وبضمها: ما يُحمَلُ عليها، جمع حِمْل بالكسر، أرادَ إعانةَ مَن يرفعَ حمِلَه على ظهرِ دابَّة، أو ظهرِه، أو رأسِه، ونحو ذلك.
* * *
стр. 2457
٢ - باب الاسْتِئْذَانِ
(باب الاستئذان)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٣٦١١ - عَنْ أَبي سَعِيْدٍ الخُدريِّ ﵁ أنَّه قال: أتانَا أبو مُوْسَى، قال: إنَّ عُمَرَ أَرْسَلَ إِليَّ أَنْ آتِيَهُ، فأتيتُ بَابَه، فسَلَّمْتُ ثَلاثاً فَلَمْ يَرُدَّ عليَّ فَرَجعْتُ، فقال: ما مَنَعَكَ أنْ تأتِيَنا؟ فَقُلتُ: إنِّي أَتيْتُ، فسَلَّمْتُ على بابكَ ثَلَاثاً فلَمْ تَرُدُّوا عَليَّ فَرَجَعْتُ، وقَدْ قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِذَا اسْتَأذَنَ أَحَدُكُم ثَلَاثاً فلم يُؤذَنْ له فلْيرجِعْ" فقَالَ عُمرُ: أَقِمْ عَلَيْهِ البَينَةَ، قال أبو سَعيْدٍ: فقُمتُ مَعَه فَذَهَبْتُ إلى عُمرَ فشهِدْتُ.
"من الصحاح":
" عن أبي سعيدٍ الخُدْري ﵁ أنه قال: أتانا أبو موسى فقال: إنَّ عمَر أرسلَ إليَّ أنْ آتِيَه فأتيتُ بابَه، فسلَّمْتُ ثلاثًا، فلم يَرْدُّوا عليَّ، فرجعت، فقال: ما منعَك أن تأتيَنا، فقلتُ: إنِّي أتيتُ فسلَّمْتُ على بابك ثلاثًا فلم تَرُدُّوا عليَّ، فرجَعْتُ، وقد قال رسولُ الله ﷺ إذا استأذنَ أحدكم ثلاثًا فلم يؤذَنْ له فليرجِعْ، فقال عمر: أقمْ عليه البَينَة"؛ أي: على الحديث الذي رويتَه عنه ﷺ أَمْرَه بذلك ليزدادَ أمرُ الحديث الذي رواه وضوحاً عنده.
"قال أبو سعيد: فقمتُ معه"؛ أي: مع أبي موسى.
"فذهبتُ إلى عمَر فشهدتُ".
* * *
٣٦١٢ - وقال عبدُ الله بن مَسْعُودٍ ﵁: قَالَ لِي النَّبيُّ ﷺ "إذْنُكَ عليَّ أنْ
стр. 2458
تَرْفَعَ الحِجَابَ وإنْ تَسْمَعَ سِوَادِي حتَّى أَنْهَاكَ".
"قال عبدُ الله بن مسعود: قال لي النبيُّ ﷺ : إذْنُكَ عليَّ أن ترفَعَ الحِجابَ"؛ أي: المقصودُ من الاستئذان رفعُ الحجاب.
"وأن تسمَع سِوادِي": - بكسر السِّين -؛ أي: سِرِّي وكلامي الخَفِيَّ، فقد آذنتُك أن تدخُلَ عليَّ بلا استئذان.
"حتَّى أنهاك" وأمنعَك من الدخول إن كان عندي مَن يحتجِبُ منك، وهذا دليل على تشريفِ ابن مسعودِ وانبساطِه إلى رسول الله ﷺ .
* * *
٣٦١٣ - وقال جَابرٌ: أتيْتُ النَّبيَّ ﷺ في دينٍ كَانَ عَلى أَبيْ، فدَقَقْتُ البَابَ فقال: "مَنْ ذَا؟ " فقُلْتُ: أَنَا، فَقَال: "أَنَا، أَنَا! "، كأنَّه كَرِهَها.
"وقال جابر: أتيتُ النبيَّ ﷺ في دَيْنٍ كان على أبي، فدقَقْتُ البابَ فقال: مَن ذا؟ فقلت: أنا، فقال: أنا، أنا، كأنه"؛ أي: كأنَّ النَّبيّ ﷺ "كَرِهَها"؛ أي: كلمة (أنا) يحتملُ أنَّ كراهتَه لتركه الاستئذانَ بالسَّلام، أو لأنَّ قولَه: (مَن ذا) استكشاف للإبهام، وقوله: (أنا) لم يُزلْ به الإشكالَ والإبْهامَ؛ لأنَّه بيانٌ عند المشاهدةِ لا عندَ المغايَبَةِ، فكانَ وجْهُ الجوابِ أن يقولَ: أنا جابرٌ؛ ليقعَ التعريف، ويحتملُ أن يكونَ وجهُ كراهتهِ ﷺ أنَّ هذا اللفظَ يُشْعِرُ بالإخبارِ عن نفسِه على وجهِ التعظيمِ، وهو لا يَليقُ في حَضْرَة النبيِّ ﷺ .
* * *
٣٦١٤ - وقَالَ أبُو هُرْيرَةَ: دَخَلْتُ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ فوجَدَ لَبناً في قَدَحٍ فقالَ: "أَبَا هِرٍّ! الْحَقْ بِأَهْلِ الصُّفَّةِ فادْعُهُم إليَّ"، فأَتيتُهُم فدَعَوتُهُم فأَقْبَلُوا، فاسْتَأذَنوُا فأُذِنَ لَهُم فَدَخَلُوا.
стр. 2459
"وقال أبو هريرةَ: دخلتُ مع رسولِ الله ﷺ فوجدَ لبناً في قَدَحٍ، فقال: أبا هِرٍّ! "؛ أي: يا أبا هريرة! بحذف حرف النداء.
"الحَقْ بأهلِ الصُّفَة فادعُهم إليَّ، فأتيتُهم فدعوتهُم فأقبَلُوا فاستأذنُوا، فأَذِنَ لهم فدَخَلُوا"، والتوفيقُ بين هذا وبين قولهِ ﷺ في "الحسان": "إذا دُعِيَ أحدُكم فجاء مع الرسول فإنَّ ذلك إذن له" أنَّ أهل الصُّفَّة جاؤوا بعدَ الدَّاعِي فاحتاجُوا إلى إذنِ جديد.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٣٦١٥ - قَالَ أَنسٌ: أتى رَسُولُ الله ﷺ على سَعْدِ بن عُبَادةَ فَقَال: "السَّلَامُ عَلَيْكُم ورَحْمَةُ الله" فَقَال سَعْدٌ: وعَلَيْكُمُ السَّلامُ ورَحْمَةُ الله، ولَم يُسْمع النبيَّ ﷺ ، حتَّى سَلَّمَ ثَلَاثاً ورَدَّ عليه سَعْدٌ ثَلَاثاً، ولَمْ يُسْمِعْه، فَرَجَعَ النَّبيّ ﷺ فاتَّبعَهُ سعدٌ.
"من الحسان":
" قال أنسٌ ﵁: أتى رسولُ الله ﷺ على سَعْدِ بن عُبَادة فقال: السلامُ عليكم ورحمةُ الله" وهذا يدلُّ على أن الاستئذان يكون بالسلام.
"فقال سعدٌ: وعليك السلامُ ورحمةُ الله، ولم يُسْمعِ النبيَّ ﷺ "، من الإسماع؛ أي: لم يُسْمِعْه ﷺ سعدٌ ردَّ السلام، وإنَّما لم يُسْمِعْه ليسلِّمَ النبيُّ ﷺ مرةً أُخرى ليزدادَ إليه وإلى أهل بيتهِ بركُة سَلامِه.
"حتَّى يسلِّمَ ثلاثًا، وردَّ عليه سعدٌ ثلاثًا ولم يُسْمِعْه، فرجَعَ النبيُّ ﷺ فاتَّبعَه سعدٌ" واعتذر إليه بذلك.
* * *
стр. 2460
٣٦١٦ - وعَنْ كَلَدَةَ بْنِ حَنْبَلٍ: أَنَّ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ بَعَثَ بِلَبَن وَجَدَايَةٍ وَضَغَابِيسَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، وَالنَّبِيُّ بِأَعْلَى الوَادِي، قَالَ: فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ وَلَمْ أُسَلِّمْ وَلَمْ أَسْتَأْذِنْ، فَقَالَ النَّبِيِّ ﷺ : "ارْجِعْ فَقُلْ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، أَأَدْخُلُ؟ ".
"عن كَلَدَةَ بن حنبلٍ أنَّ صَفْوانَ بن أميةَ بعثَ بلَبن وجَدَايةٍ"، بفتح الجيم وكسرها: من أولادِ الظِّباءِ ما بلغَ سِتَّةَ أَشْهُر أو سبعةً، بمنزلة الجَدْيِ مِن المَعْز.
"وَضَغابيسَ": جمع ضَغْبُوس بفتح الضاد وسكون الغين المعجمتين؛ وهو صغيرُ القِثَّاء.
"إلى النبيِّ ﷺ بأعْلَى الوادي، قال: فدخلتُ عليه ولم أسلِّمْ ولم أستأذِنْ، فقال النبيُّ: ارجِعْ فقل: السلامُ عليكم، أأدخل؟ "، وهذا يدلُّ على أن السنةَ تقديمُ السلامِ على الاستئذان.
فإن قيلَ: قوله تعالى: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾ [النور: ٢٧] معناه: حتى تستأذِنُوا يدلُّ على تقديمِ الاستئذان.
أُجيبَ: بأنَّ في الآيةِ تقديمًا وتأخيراً، والفائدةُ في تقديم الاهتمامِ بالاستئذان عندَ الدخولِ، فإنه أهمُّ من السلام حتى لا يجوزَ لك أن تدخلَ بغير استئذان، ويجوزُ لك تركُ السلام.
وقيل: إنْ وقعَ بصرُه على إنسانٍ قدَّمَ السَّلام وإلا قَدَّم الاستئذان.
* * *
٣٦١٧ - ورُوِيَ عن أَبيْ هُريْرَةَ ﵁: أنَّ رَسُولَ الله ﷺ قال: "إذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ فَجَاءَ مَعَ الرَّسُولِ، فَإِنَّ ذَلِكَ إذْنٌ".
وفي رِوَايةٍ: قال رَسُولُ الله ﷺ : "رَسُولُ الرَّجُلِ إلى الرَّجُلِ إذْنُه".
"ورويَ عن أبي هريرَة أنَّ رسولَ الله صلى الله تعالى عليه وسلم قالَ: إذا
стр. 2461
دُعِيَ أحدُكم فجاءَ مع الرسول"؛ أي: معَ الرسولِ الذي أرسلَه المُرْسِلُ.
"فإنَّ ذلك إذْنٌ، وفي رواية: قال رسولُ الله ﷺ : رسولُ الرجل إلى الرَّجُلِ إذنُه".
* * *
٣٦١٨ - عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُسْرٍ ﵁، قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَتَى بَابَ قَوْمٍ لَمْ يَسْتَقْبِلِ الْبَابَ مِنْ تِلْقَاءِ وَجْهِهِ، وَلَكِنْ مِنْ رُكْنِهِ الْأَيْمَنِ، أَوِ الْأَيْسَرِ، فَيَقُولُ: "السَّلَامُ عَلَيْكُمْ، السَّلَامُ عَلَيْكُمْ"، وَذَلِكَ أَنَّ الدُّورَ يَوْمَئِذٍ لَمْ تَكُنْ عَلَيْهَا سُتُورٌ.
"عن عبد الله بن بُسْرٍ أنه قال: كانَ رسولُ الله ﷺ إذا أتى بابَ قومٍ لم يستقبلِ الباب من تِلْقَاء وَجْهِه"؛ أي: مقابلة وجهه؛ لئلَّا يقعَ بصرُه على داخلِ البيت.
"ولكن من ركنه"؛ أي: من جانبه "الأيمن أو الأيسر، فيقول: السلام عليكم السلام عليكم، وذلك أن الدُّور لم يكن يومئذ عليها ستور": جمع ستر.
* * *
٣ - باب المُصافَحَةِ والمُعانَقَةِ
(باب المصافحة والمعانقة)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٣٦١٩ - عَن قتَادَة قَالَ: قُلْتُ لأَنسٍ ﵁: أكانت المُصافَحَةُ في أَصْحَابِ النَّبي ﷺ ؟ قَالَ: نعَم.
" من الصّحاح":
" عن قتادة ﵁ أنه قال: قلت لأنس: أكانت المصافحة في أصحاب
стр. 2462
النبي ﷺ ؟ قال: نعم" وهذا يدل على جواز المصافحة عند التلقِّي.
قال النووي: ما اعتاده الناس من المصافحة بعد صلاة الصبح والعصر لا أصل له في الشرع، ولكن لا بأس به.
* * *
٣٦٢٠ - عَنْ أَبِيْ هُريْرَةَ ﵁ قال: خَرَجْتُ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ حَتَّى أتى خِبَاءَ فَاطِمَةَ فَقَالَ: "أثمَّ لُكَعُ؟ " -يَعْنِيْ حَسَنًا-، فَلَمْ يَلْبَثْ أنْ جَاءَ يَسْعَى حتَّى اعتَنَقَ كُلُّ واحِدٍ مِنْهُما صَاحِبَه.
"عن أبي هريرة أنه قال: خرجت مع النبي ﷺ حتى أتى جناب فاطمة" بفتح الجيم؛ أي: فِناءَ دارها.
"فقال: أثمَّ لكع؟ " بضم اللام وفتح الكاف، وهو الصغير قَدْراً أو جثةً، والثاني هو المراد هنا.
"يعني: حسنًا، فلم يلبث أن جاء يسعى حتى اعتنق كل واحد منهما صاحبه": وهذا يدل على جواز المعانقة.
* * *
٣٦٢١ - وقَالَتْ أُمِّ هَانِئٍ: ذَهَبْتُ إلى رَسُولِ الله ﷺ عَامَ الفَتْح فقال: "مَرْحَباً بأُمِّ هَانِئٍ".
"وقالت أم هانئ: ذهبت إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم عام الفتح فقال: مرحباً بأم هانئ، يدل على أن الترحيب سنَّة للقادم.
* * *
٣٦٢٢ - عَنْ أَبيْ هُريْرَةَ ﵁ قَالَ: قبَّلَ رَسُولُ الله ﷺ الحَسَنَ بن عليٍّ
стр. 2463
وعِنْدَه الأَقْرَعُ بن حَابسٍ، فَقَال الأقْرَعُ: إن لِيْ عَشَرَةً مِنَ الوَلَدِ مَا قبَّلتُ مِنْهُم أَحَداً، فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ الله ﷺ ثُمَّ قَالَ: "مَنْ لا يَرْحَمُ لَا يُرْحَمُ".
"وعن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قبَّل رسول الله ﷺ الحسن بن علي وعنده الأقرع بن حابس، فقال الأقرع: إن لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحدًا! فنظر إليه رسول الله ﷺ ، ثم قال: من لا يَرحم لا يُرحم" كلاهما بالجزم، يدلُّ على جواز تقبيل الولد رحمةً وشفقة.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٣٦٢٣ - عَنِ البَراءِ بن عَازِبٍ ﵁ أنَّه قَالَ: قَالَ النَّبي ﷺ : "ما مِنْ مُسْلِمَيْن يَلْتَقِيَانِ فيتَصَافَحَانِ إِلَاّ غُفِرَ لَهُما قبلَ أن يتفَرَّقَا".
وفي رِوَايَةٍ: "إِذَا التَقَى المُسْلِمَانِ، فتَصَافَحَا وحَمِدَا الله واسْتَغفَراه، غُفِرَ لَهُمَا".
"من الحسان":
" عن البراء بن عازب قال: قال رسول الله ﷺ : ما من مسلمين يلتقيان فيتصافحان إلا غفر لهما قبل أن يتفرقا" وفي رواية: (أنزل الله تعالى عليهما مئة رحمة، تسعون منها للذي بدأ بالمصافحة وعشرٌ للذي صوفح).
"وفي رواية: إذا التقى المسلمان فتصافحا وحمدا الله واستغفراه"؛ أي: طلبا الغفران من الله تعالى.
"غفر لهما".
* * *
стр. 2464
٣٦٢٤ - وعَنْ أَنسٍ ﵁ قَال: قَالَ رَجُلٌ: يا رسولَ الله! الرَّجُلُ مِنَّا يَلْقَى أَخَاهُ أو صَدِيقَهُ، أَيَنْحَنِي لَهُ؟ قَالَ: "لا"، قَالَ: أفَيلْتزَمُه ويُقَبله؟ قَالَ: "لا"، قال: أفيَأْخُذُ بِيَدِه ويُصَافِحُهُ؟ قال: "نعم".
"عن أنس ﵁ قال: قال رجل: يا رسول الله! الرجل منا يَلْقَى أخاه، أو صديقه، أينحني له" والانحناء إمالة الرأس والظهر تواضعًا ورحمة.
"قال: لا، قال أفيلتزمها"؛ أي: أفيعانقه "ويقبله، قال: لا" استَدَل بهذا مَن كره المعانقة والتقبيل، قيل: المكروه ما كان على وجه التملُّق والتعظيم في الحضر، وأما المأذون فيه فعند التوديع، والقدومِ من السفر، وطولِ العهد بالصاحب، وشدة الحب في الله تعالى، مع أمن النفس، ومَن قبَّل فلا يقبل الفم بل اليد والجبهة والرأس، وقيل: لا يكره التقبيل لزهدٍ وعلم وكبر سنٍّ.
"قال: أفيأخذ بيده ويصافحه؟ قال: نعم".
* * *
٣٦٢٥ - عَنْ أَبيْ أُمَامَةَ ﵁: أنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "تَمَامُ عِيَادَةِ المَرِيْضِ أنْ يَضَعَ أحدُكُم يَدَه على جبهَتِهِ، أَو عَلَى يَدِه، فَيَسْأَلهُ: كيفَ هو؟ وتَمَامُ تَحِيَّاتِكُمْ بيْنَكم المُصَافَحَةُ"، ضعيف.
"عن أبي أمامة: أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال: تمام عبادة المريض أن يضع أحدكم يده على جبهته أو على يده فيسأله: كيف هو؟ وتمام تحياتكم بينكم المصافحة": "ضعيف".
* * *
٣٦٢٦ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَت: قَدِمَ زيدُ بن حَارِثَةَ ﵁ المَدِيْنَةَ ورَسُولُ الله ﷺ في بَيْتي، فأَتَاهُ فقَرَعَ البَابَ، فقامَ إلَيْهِ رَسُولُ الله ﷺ عُرْياناً يَجُرُّ
стр. 2465
ثَوْبَه، والله مَا رَأَيتُه عُرْيانًا قَبْلَهُ ولا بَعْدَه، فاعتْنَقَه وقبَّلَه.
"عن عائشة ﵂ أنها قالت: قدم زيد بن حارثة المدينة ورسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في بيتي، فأتاه فقرع الباب، فقام إليه رسول الله ﷺ عرياناً يجر ثوبه" يريد به أنه ﷺ كان ساتراً ما بين سرَّته وركبته، ولكن سقط رداؤه عن عاتقه فكان ما فوق سرته عرياناً.
"والله ما رأيته قبله ولا بعده" لعلها أرادت: عريانًا استقبل رجلًا واعتنقه، فاختصرت الكلام لدلالة الحال، إذ من الممتنع عادةً أنها لا تراه عرياناً قبل ذلك مع طول الصحبة وكثرة الاجتماع في لحاف واحد.
"فاعتنقه وقبله".
* * *
٣٦٢٧ - وسُئِلَ أَبُو ذَرٍّ ﵁: هَلْ كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يُصَافِحُكُم إذا لَقِيتُمُوهُ؟ قال: مَا لَقِيتُه قَطُّ إِلَاّ صَافَحَني، وبَعَثَ إِليَّ ذاتَ يومٍ ولَم أكُنْ في أَهْلِي، فلمَّا جِئْتُ أُخْبرْتُ، فَأتَيْتُه وهُوَ عَلَى سَرِيْرٍ فالتَزَمَني، فكَانَتْ تِلْكَ أَجْوَدَ وأَجْوَدَ.
"وسئل أبو ذر: هل كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يصافحكم إذا لقيتموه؟ قال ما لقيته قط إلا صافحني، وبعث إلي ذات يوم ولم أكن في أهلي، فلما جئت أُخبرت فأتيته وهو على سريرًا قد يعبر بالسرير عن الملك والنعمة، فالسرير هنا يجوز أن يكون ملك النبوة ونعمتها، وقيل: هو سريرٌ من جريد النخل يتخذه كلُّ أحد من أهل المدينة وأهل مصر للنوم فيه توفِّيًا عن الهوام.
"فالتزمني"؛ أي: اعتنقني.
стр. 2466
"وكانت تلك"، أي: تلك الالتزامة "أجود" من المصافحة "وأجود".
"ضعيف".
* * *
٣٦٢٨ - عَنْ مُصْعبِ بن سَعْدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ بن أَبي جَهْلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ يَومَ جِئتهُ: "مَرْحَباً بالرَّاكِبِ المُهَاجِرِ".
"عن مصعب بن سعد، عن عكرمة بن أبي جهل، قال: قال رسول الله ﷺ يوم جئته: مرحباً بالراكب المهاجر".
* * *
٣٦٢٩ - عَنْ أُسَيْدِ بن حُضَيْرٍ رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ قال: بَيْنَما هُوَ يُحَدِّثُ القَومَ وكَانَ فيْهِ مُزاحٌ، بَيْنَما يُضْحِكُهم فَطَعَنَهُ النَّبي ﷺ في خَاصِرَتِه بِعُودٍ، فَقَال: أَصْبرْني، فَقَال: "اصْطَبر"، قَالَ: إنَّ عَلَيْكَ قَمِيْصًا ولَيْسَ عليَّ قَمِيْصٌ، فَرَفَعَ النَّبيّ ﷺ عَنْ قَمِيصِهِ، فاحْتَضَنَهُ وجَعَلَ يُقَبلُ كَشْحَهُ، قال: إنَّما أَرَدْتُ هَذَا يا رَسُولَ الله".
"عن أسيد بن حضير" بصيغة التصغير فيهما: "رجلٌ من الأنصار" المراد بالرجل على ما في "جامع الأصول" غيرُ أسيد بن حضير، فـ (رجل) يرفع ابتداءً نكرة مخصوصة خبره: "قال".
وعلى ما في "شرح السنة": أنه أسيد، فـ (رجل) مرفوعٌ (١) بدلاً من (أسيد)، و (قال) قولُ الراوي هو عبد الرحمن [بن أبي ليلى]، وتنزيل الحديث على هذه الرواية أسهل وأبعد من التكلف من تلك الرواية.
стр. 2467
"بينما هو"؛ أي: أسيد "يحدث القوم، وكان فيه مزاح" هذه الجملة جملة حالية من ضمير (يحدث)، و (المزاح) بالضم: الاسم، وبالكسر؛ مصدر مازَحَ.
"بينا يضحكهم" ظرف لقوله: "فطعنه النبي ﷺ في خاصرته بعودٍ، فقال: أصبرني" بفتح الهمزة؛ أي: أَقْدِني من القود.
"قال: اصطَبر"؛ أي: استقدِ.
"قال: إن عليك قميصاً وليس عليَّ قميص، فرفع النبي ﷺ عن قميصه" عدَّاه بـ "عن" لتضمُّنه معنى كشف؛ أي: كشف عمَّا ستره قميصُه فرفعه عنه.
"فاحتضنه"؛ أي: اعتنقه وأخذه في حضنه، وهو ما دون الإبط إلى الكشح.
"وجعل يقبل كشحه" وهو ما بين الخاصرة إلى الضلع الأقصر من أضلاع الجنب.
"قال: إنما أردتُ هذا يا رسول الله".
* * *
٣٦٣٠ - وعن البَيَاضيِّ: "أَنَّ النَّبيَّ ﷺ تَلَقَّى جَعْفَرَ بن أَبي طَالِب فالتَزَمَه وقبَّلَ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ".
"عن عبد الله بن جابر البياضي قال: إنَّ النبي ﷺ تلقَّى"؛ أي: استقبل.
"جعفر بن أبي طالب" حين قدومه من السفر.
"فالتزمه"؛ أي: اعتنقه "وقبَّل ما بين عينيه".
* * *
٣٦٣١ - وعَنْ جَعْفرِ بن أَبي طَالِبٍ ﵁ في قِصَّةِ رُجوعِه مِنْ أَرْضِ الحَبَشَةِ قَال: فخرجْنَا حتَّى أتيْنا المَدِينةَ، فتَلقَّانِي رَسُولُ الله ﷺ فاعتَنَقَني ثُمَّ
стр. 2468
قَالَ: "ما أَدْرِي أَنا بِفَتْح خَيْبَرَ أَفْرحُ، أَمْ بِقُدُومِ جَعَفَرٍ؟ "، ووَافقَ ذلكَ فتحَ خَيبَرَ.
"وعن جعفر بن أبي طالب في قصة رجوعه من أرض الحبشة قال: فخرجنا حتى أتينا المدينة، فتلقاني رسول الله ﷺ فاعتنقني، ثم قال: ما أدري أنا بفتح خيبر أفرحُ أم بقدوم جعفر، ووافق ذلك"؛ أي: قدومه "فتح خيبر".
* * *
٣٦٣٢ - وقَال زَارعٌ - وكَانَ في وَفْدِ عَبْدِ القَيْسِ - فَجعَلْنا نتَبَادَرُ مِن رَوَاحِلِنا فنُقَبلُ يَدَ رَسُولِ الله ﷺ ورِجْلَهُ.
"وقال: زارع وكان في وفد عبد القيس: فجعلنا نتبادر من رواحلنا فنقبل يد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ورجله".
* * *
٣٦٣٣ - وعَنْ عَائِشَةَ ﵂ أنَّها قَالَت: مَا رَأَيْتُ أَحَداً كانَ أَشْبَهَ سَمْتاً وهَدْيًا ودَلاًّ - وفي رِوَايةٍ - حَدِيْثاً وكَلامًا بِرَسُوْلِ الله ﷺ مِنْ فَاطِمَةَ، كَانَتْ إِذَا دَخَلتْ عَلَيْهِ قَامَ إِليْهَا فأَخَذَ بِيَدِهَا فقبَّلَهَا وأَجْلَسَهَا في مَجلِسِه، وكَانَ إِذَا دَخَلَ عَلَيْها قَامَتْ إِليْهِ فأَخَذَتْ بِيَدِه فَقَبَّلَتْهَا وأَجْلَسَتْهُ في مجلِسِها.
"وعن عائشة ﵂ أنها قالت: ما رأيت أحداً كان أشبه سمتاً" وهو عبارةٌ عن الهيئة التي يكون عليها الإنسان من السكينة والوقار وحسن السيرة.
"وهدياً"؛ أي: سيرة وطريقة في أفعاله.
"ودَلاً" وهو الهيئة في الصورة والقيام والقعود.
وقيل: الإشارة بالسمت إلى ما يُرى على الإنسان من الخشوع والتواضع،
стр. 2469
وبالهدي إلى ما يتحلى به من السكينة والوقار، وبالدلِّ: إلى لين الخلق وحسن الحديث.
"وفي رواية: حديثاً وكلاماً برسول الله ﷺ من فاطمة، كانت إذا دخلت عليه قام إليها"؛ أي: النبي ﷺ إلى فاطمة تعظيمًا لله تعالى، فإنه ﷺ عرف قَدْرَها عند الله تعالى.
"فأخذ بيدها وقبلها وأجلسها في مجلسه، وكان إذا دخل عليها قامت إليه فأخذت بيده فقبلته وأجلسته في مجلسها".
* * *
٣٦٣٤ - ودَخَلَ أبَو بَكْرٍ ﵁ على عَائِشةَ وهي مُضْطَجعَة قَدْ أصابَتْها حُمَّى فَقَال: كَيْفَ أَنْتِ يا بنيَّة؟ وقبَّلَ خدَّهَا.
"ودخل أبو بكر على عائشة وهي مضطجعة قد أصابها حمى" بضم الحاء وتشديد الميم المفتوحة.
"فقال: كيف أنت يا بنية؟ وقبَّل خدها".
* * *
٣٦٣٥ - وعَنْ عَائِشَةَ ﵂: أنَّ النَّبيَّ ﷺ أُتِيَ بِصَبيٍّ فَقَبَّلَهُ فَقَال: "أَمَا إِنهم مَبْخَلَةٌ مَجْبنة مَحْزَنة، وإنَّهم لَمِنْ ريحَانِ الله تَعَالَى".
"عن عائشة ﵂: أن النبي ﷺ ، أتي بصبي فقبله فقال: أَمَا" بفتح الهمزة وتخفيف الميم: للتنبيه.
"إنهم"؛ أي: الأولاد.
"مبخلة" بفتح الميم وسكون الباء الموحدة؛ أي: يحمل أبويه على البخل اتّقاءً على ماله.
стр. 2470
"مَجْبنةٌ" بفتح الميم وسكون الجيم وفتح الباء الموحدة قبل النون المفتوحة؛ أي: يَحمل على الجبن، وهو الخوف في الحرب من القتل فيضيع ولده بعده.
"وإنهم لمن ريحان الله تعالى"؛ أي: مِن رزقه تعالى، ومنه قولهم: سبحان الله وريحانه؛ أي: أسبحه وأسترزقه، والريحان: المشموم، وأطلق عليهم الريحان لأنهم يُشمُّون ويقبَّلون.
* * *
٤ - باب القِيَام
(باب القيام)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٣٦٣٦ - عَنْ أَبي سَعْيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ أنَّه قَالَ: لمَّا نزَلَتْ بنو قُرَيْظَةَ على حُكْمِ سعدٍ بَعَثَ إليهِ رَسُولُ الله ﷺ وكَانَ قَرِيباً مَنْهُ، فَجَاءَ على حِمَارٍ فَلَمَّا دَنَا مِنَ المَسْجدِ قَالَ رَسُولُ الله ﷺ للأنْصَارِ: "قُومُوا إلى سَيدِكُم".
"من الصحاح":
" عن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه قال: لما نزلت بنو قريظة على حكم سعد بعث رسول الله ﷺ إلى سعد وكان قريبًا منه"؛ أي: كان سعدٌ نازلًا في موضع قريب من النبي ﷺ .
"فجاء على حمار، فلما دنا"؛ أي: قَرُبَ "من المسجد"؛ أي: المصلى.
"قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم للأنصار: قوموا إلى
стр. 2471
سيدكم"؛ أي: إلى أفضلكم رجلًا، قيل: المراد به القيام للتوقير والتعظيم؛ لاقترانه بلفظ: (سيدكم)، فيدل على أن التعظيم بالقيام جائز لمن يستحق الإكرام كالعلماء والصلحاء.
يؤيده ما روي أنه ﷺ قام لعكرمة بن أبي جهل عند قدومه عليه، وكذلك لعدي بن حاتم، فالقيام لا يتعدى عن الترخيص فيه بحسب ما يقتضيه الحال، وذلك لأن عديًا كان سيدَ بني طيئ، فقصد بذلك استجلابَ قلبه، وكذلك عكرمة كان من رؤساء قريش.
* * *
٣٦٣٧ - وعَنْ ابن عُمَرَ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "لا يُقيْمُ الرَّجُلُ الرَّجُلَ مِنْ مجلِسِه ثُمَّ يَجْلِسُ فِيْهِ، ولَكنْ تَفَسَّحُوا وتَوَسَّعُوا".
"عن ابن عمر عن النبي ﷺ أنه قال: لا يُقِيم الرجلُ الرجلَ من مجلسه، ثم يجلس فيه" وهذا يعمُّ المساجد وغيرها.
"ولكن: تفسحوا"؛ أي: ليقل: تفسَّحوا "أو توسعوا"؛ أي: ليقرب بعضهم من بعض ليتسع المجلس، قال الله تعالى: ﴿فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المجادلة: ١١].
قال النووي: أصحابنا استثنوا من هذا الحكم ما أُلف من المسجد موضعًا للتدريس أو الإفتاء، فهو أحق به، فإذا قعد فيه غيره فله أن يقيمه.
* * *
٣٦٣٨ - وعَنْ أَبى هُريْرَةَ ﵁ أنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "مَنْ قَامَ مِنْ مَجْلِسِهِ ثُمَّ رَجَعَ إلَيْهِ فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ".
"عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: من قام من مجلسه"؛ يعني: من
стр. 2472
كان جالسًا في مجلس فقام منه ليتوضأَ أو ليقضيَ شغلاً يسيراً سواء ترك في موضعه خُمرةً ونحوها.
"ثم رجع إليه فهو أحق به" فإذا وَجد فيه قاعداً فله أن يُقيمه؛ لأنه لم يَبْطُل اختصاصُه به.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٣٦٣٩ - عَنْ أَنسٍ ﵁ قال: لَمْ يَكُنْ شَخْصٌ أَحَبَّ إِليْهِم مِنْ رَسُولِ الله ﷺ ، وكَانوُا إِذَا رَأَوْهُ لَمْ يَقُومُوا، لِمَا يَعْلَمُوْنَ مِنْ كَراهِيَّتِهِ لِذَلِكَ. صحيح.
"من الحسان":
" عن أنس أنه قال: لم يكن شخص أحبَّ إليهم من رسول الله ﷺ ، وكانوا إذا رأوه لم يقوموا؛ لِمَا علموا من كراهته ذلك" القيام، إنما كره ﷺ أن يقام له للتواضع.
"صحيح ".
* * *
٣٦٤٠ - وقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ سَرَّهُ أنْ يتَمَثَّلَ لَهُ الرِّجَالُ قِياماً فَلْيَتَبَوَّأ مَقْعَدَه مِنَ النَّارِ".
"وعن معاوية قال: قال رسول الله ﷺ : مَن سرَّه أن يتمثل له الرجال"؛ أي: أن يقوموا له.
"قياماً" وهو جالس.
"فليتبوأ مقعده من النار" لفظه الأمر ومعناه الخبر، وهذا الوعيد فيمن
стр. 2473
سلك فيه طريق المتكبرين؛ لقرينةِ السرور للمثول، وأما إذا لم يطلب ذلك وقاموا من تلقاء أنفسهم طلباً للثواب والتواضع فلا بأس به؛ لما ثبت: أن مغيرة ابن شعبة قام على رأس النبي ﷺ وبيده سيف يوم الحديبية، وكان يزجر مَن يَصْدُر عنه سوءُ الأدب عند النبي ﷺ ممن جاء بالرسالة من مكة.
* * *
٣٦٤١ - عَنْ أَبي أُمَامَةَ ﵁ قَالَ: خَرَجَ رَسُولُ الله ﷺ مُتَوَكِّئاً عَلَى عَصَاهُ، فقُمْنَا له، فَقَالَ: "لا تَقُومُوا كمَا تَقُوْمُ الأَعَاجِمُ يُعظِّمُ بَعْضُهُم بَعْضاً".
"عن أبي أمامة أنه قال: خرج رسول الله ﷺ متوكئاً"؛ أي: متكئًا.
"على عصى" لمرض كان به.
"فقمنا له فقال: لا تقوموا كما تقوم الأعاجم يعظِّم بعضُهم بعضاً" لماله ومنصبه، وإنما ينبغي التعظيم للعلم والصلاح.
* * *
٣٦٤٢ - عَنْ سَعِيْدِ بن أَبي الحَسَنِ قَالَ: جَاءَنَا أَبُو بَكْرَةَ فِيْ شَهادَةٍ، فَقَامَ لَهُ رَجُلٌ مِن مجلِسهِ فأَبَى أنْ يَجْلِسَ فَيْهِ وقَالَ: إِنَّ النَّبيَّ ﷺ نهى عَنْ ذَا، ونهى النَّبيّ ﷺ أَنْ يَمْسَحَ الرَّجُلُ يَدَهُ بِثَوبِ مَنْ لَمْ يَكْسُهُ.
"عن سعيد بن أبي الحسن أنه قال: جاءنا أبو بكرة في شهادة"؛ أي: لأداء شهادة كانت عنده.
"فقام له رجل من مجلسه فأبى" أبو بكرة "أن يجلس فيه"؛ أي: في ذلك المجلس.
"وقال: إن النبي ﷺ نهى عن ذا"؛ أي: عن أن يُقيم أحد أحداً ويجلس مجلسه.
стр. 2474
"ونهى النبي ﷺ أن يمسح الرجل يده" إذا كانت ملوَّثة بطعام مثلاً.
"بثوبِ مَن لم يكسه"؛ أي: لم يلبسه، فيُعلم منه أنه إذا مسح يده بثوبِ مَن أكساه كغلامه وخادمه جاز، وقيل: هو نهيٌ عن التصرف في مال الغير والتحكُّم على من ليس له عليه ولاية، وقيل: معناه نهي عن أن يمنَّ الرجل على مَن لم يُحسن إليه.
* * *
٣٦٤٣ - عَنْ أَبي الدَّرْدَاءِ ﵁ أنَّه قَالَ: "كانَ رَسُولُ الله ﷺ إذا جَلَسَ وجَلَسْنَا حَوْلَه، فَقَامَ فَأرَادَ الرُّجُوْعَ نزَعَ نعْلَهُ أَوْ بَعْضَ مَا يَكُوْنُ عَلَيْهِ، فَيَعْرِفُ ذَلِكَ أَصَحَابُهُ فَيثْبُتُونَ".
"عن أبي الدرداء أنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا جلس وجلسنا حوله، فقام فأراد الرجوع نزع نعليه أو بعضَ ما يكون عليه، فيعرف ذلك أصحابه"؛ أي: يعرفون أنه يريد الرجوع إليهم "فيثبُتون" مكانهم ولا يتفرقون عنه.
* * *
٣٦٤٤ - عَنْ عَبْدِ الله بن عَمْرٍو عَنْ رَسُولِ الله ﷺ قَالَ: "لا يَحِلُّ لرَجُل أَنْ يُفَرِّقَ بَيْن اثْنَيْنِ إلاّ بإذْنِهِمَا".
"عن عبد الله بن عمرو عن رسول الله ﷺ قال: لا يحل لرجل أن يفرق بين اثنين" بأن يجلس بينهما.
"إلا بإذنهما" لأنه قد يكون بينهما محبةٌ وجريانُ سر فيشُقُّ عليهما التفرُّق.
* * *
٣٦٤٥ - وعَنْ عَمْرِو بن شُعَيْبٍ، عَنْ أَبيْه، عَنْ جَدِّهِ: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ -
стр. 2475
قَالَ: "لَا تَجلِسْ بَيْن رَجُلَيْنِ إلَّا بِإِذنِهِمَا".
"عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن رسول الله ﷺ قال: لا تجلس بين رجلين إلا بإذنهما".
* * *
٥ - باب الجُلوُسِ والنَّومِ والمَشْيِ
(باب الجلوس والنوم والمشي)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٣٦٤٦ - عَنْ ابن عُمَرَ قَالَ: "رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ بفِنَاءَ الكَعْبَةِ مُحتَبياً بِيَدِهِ".
"من الصحاح":
" عن ابن عمر أنه قال: رأيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بفناء الكعبة" وهو الموضع المتَّسع المحاذي لباب الدار، وقيل: ما امتد من جوانب البيت.
"محتبيًا بيديه"؛ أي: جالسًا بحيث تكون ركبتاه منصوبتين وبطن قدميه على الأرض، ويداه موضوعتين على ساقيه، والمراد به سنِّيةُ الاحتباء في الجلوس.
* * *
٣٦٤٧ - عَنْ عَبَّادِ بن تميمٍ، عَن عمِّهِ أَنَّهُ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ في المَسْجدِ، مُسْتَلْقِياً واضعاً إحْدَى قَدَمَيْهِ عَلَى الأُخْرَى.
стр. 2476
"وعن عَبَّاد بن تميم، عن عمه أنه قال: رأيت رسول الله ﷺ في المسجد مستلقياً"؛ أي: مضطجعاً على الظهر.
"واضعاً إحدى قدميه على الأخرى".
* * *
٣٦٤٨ - وعَنْ جَابرٍ ﵁ قَالَ: نهى رَسُولُ الله ﷺ أَنْ يَرْفَعَ الرَّجُلُ إِحْدَى رِجْلَيْه عَلَى الأخْرَى، وهُوَ مُسْتَلْقٍ عَلَى ظَهْرِهِ.
"وعن جابر ﵁ أنه قال: نهى رسول الله أن يرفع الرجل إحدى رجليه على الأخرى وهو مستلق على ظهره".
* * *
٣٦٤٩ - وعَنْهُ أنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ: "لَا يَسْتَلْقِيَنَّ أَحَدُكُم ثُمَّ يَضَعُ إِحْدَى رِجْلَيْهِ عَلَى الأُخْرَى".
"وعنه أن النبي ﷺ قال: لا يستلقينَّ أحدكم ثم يضعَ إحدى رجليه على الأخرى" وجه التوفيق بين النهي وفِعْلِ النبي ﷺ : أن النهي لخوفِ انكشاف العورة خصوصًا مع ضيق الإزار، مع أن الغالب عليهم ذلك، فأما إذا كان الإزار واسعًا، أو كان الشخص متسروِلًا، فلا بأس به إن لم يكن للتكبُّر.
* * *
٣٦٥٠ - عَنْ أَبي هُريرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : "بَيْنَمَا رَجُل يَتَبَخْتَرُ فِي بُرْدينِ وَقَدْ أَعْجَبَتْهُ نَفْسُه، خُسِفَ بِهِ الأَرْضُ، فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ فِيْهَا إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ".
"عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم:
стр. 2477
بينما رجل يتبختر في بُردين"؛ أي: يفتخر ويتكبَّر في لبس بردين.
"وقد أعجبته نفسه خُسِفَ، على صيغة المجهول.
"به" قائم مقام الفاعل.
"الأرضَ" بالنصب.
"فهو يتجلجل فيها"؛ أي: يغوص (١) ويذهب في الأرض من حين خسف "إلى يوم القيامة".
* * *
مِنَ الحِسَان:
٣٦٥١ - عَنْ جَابرٍ بن سَمُرَةَ ﵁ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُوْلَ الله ﷺ مُتَّكِئًا عَلَى وِسَادَة عَلَى يَسَار.
"من الحسان":
" عن جابر بن سمرة ﵁ أنه قال: رأيت رسول الله ﷺ متكئاً على وسادة على يساره" وهذا يدل على سنِّية الاتكاء ووضعِ الوسادة على الجانب الأيسر.
* * *
٣٦٥٢ - وعَن أَبي سَعْيدٍ الخُدرِيِّ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُوْلُ الله ﷺ إِذَا جَلَسَ فِي المَجْلِسِ احْتَبَى بِيَدَيْهِ.
"عن أبي سعيد الخدري أنه قال: كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إذا جلس في المجلس احتبى بيديه" تقدَّم بيانُ سنِّية الاحتباء بهما.
* * *
стр. 2478
٣٦٥٣ - وعَنْ قَيْلَةَ بنتِ مَخرَمَة: أَنَّها رَأَتْ رَسُولَ الله ﷺ في المَسْجدِ وهُوَ قَاعِدٌ القُرْفُصَاءَ، قَالَت: فَلَمَّا رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ المتَخَشِّعَ أُرْعِدْتُ مِنَ الفَرَقِ.
"عن قيلة بنت مخرمة: أنها رأت رسول الله ﷺ في المسجد وهو قاعد القرفصاء" بضم القاف وسكون الراء المهملة وضم الفاء، والفتحُ أفصح، يمدُّ ويقصر، قيل: هو أن يجلس على إليتيه ويلصق بطنه فخذيه ويحتبي بيديه يضعهما على ساقيه، وقيل: أن يجلس على ركبتيه متكئا ويلصق بطنه بفخذيه ويتأبط كفيه، وهو جلسة الأعراب.
"قالت: فلما رأيت النبي ﷺ المتخشع في الجلسة" بمعنى الخاشع والمتواضع، مفعولٌ ثان لـ (رأيت)، وهو أخصُّ من الخاشع؛ لأنه يدل على زيادة الخشوع.
"أُرعدت" على بناء المجهول؛ أي: أخذتني الرعدة.
"من الفَرَق" بفتحتين؛ أي: من الخوف والفزع، وهذا غاية المهابة؛ لأنه أمر سماوي لا يتصنع، فقال: عليك السكينةُ يا مسكينة.
* * *
٣٦٥٤ - وعَن جَابرِ بن سَمُرَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبيّ ﷺ إذَا صَلَّى الفَجْرَ، تَرَبَّع في مَجْلِسِهِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ حَسْنَاءَ.
"عن جابر بن سمرة ﵁ أنه قال: كان النبي ﷺ إذا صلى الفجر تربع في مجلسه"؛ أي: جلس مربعًا.
"حتى تطلع الشمس حسناء" فعلاء، حالٌ من (الشمس)؛ أي: حتى ترتفع كاملة.
стр. 2479
قال التورِبشْتي: هو خطأ والصواب: "حسن" مصدرًا؛ أي: طلوعًا حسنًا، أو حالًا؛ أي: نقيةً بيضاء زائلةً عنها الصفرة المتخيَّلة دونها على الأفق.
* * *
٣٦٥٥ - عَنْ أَبيْ قتادَةَ ﵁: أن النَّبيَّ ﷺ كَانَ إِذَا عَرَّسَ بِلَيْلٍ اضْطَجَع عَلَى شِقِّهِ الأَيْمن، وإذَا عَرَّسَ قُبَيْلَ الصُّبْح نَصَبَ ذِراعَهُ، وَوَضَعَ رَأْسَهُ عَلَى كَفِّهِ.
"عن أبي قتادة - رضي الله تعالى عنه -: أن النبي ﷺ كان إذا عرَّس بليل": والتعريس: نزول المسافر بالليل للاستراحة، وهنا بمعنى نام فيها.
"اضطجع على شقه الأيمن، وإذا عرَّس قبيل الصبح نصب ذراعيه ووضع رأسه على كفه" كيلا يطول نومه فتفوت صلاة الصبح عن وقتها.
* * *
٣٦٥٦ - عَنْ بَعْضِ آلِ أُمِّ سَلَمَةَ أنَّه قَالَ: كَانَ فِرَاشُ رَسُوْلِ الله ﷺ نَحْواً مِمَّا يُوضَعُ في قَبْرِهِ، وكَانَ المَسْجدُ عِنْدَ رَأْسِهِ.
"عن بعض آل أم سلمة أنه قال: كان فراش رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم نحواً مما يوضع في قبره"؛ أي: كان ما يستفرشه للنوم قريبًا [مما] وضع في قبره؛ يعني: كان شيئًا خفيفًا.
"وكان المسجد"؛ أي: مصلاه "عند رأسه".
* * *
٣٦٥٧ - وعَنْ أَبي هُرَيْرةَ ﵁ قَالَ: رَأَى رَسُوْلُ الله ﷺ رَجُلاً مُضطجعاً عَلَى بَطْنِه فَقَال: "إنَّ هَذِهِ ضجْعَةٌ لا يُحِبُّهَا الله".
стр. 2480
"عن أبي هريرة ﵁ أنه [قال]: رأى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم رجلاً مضطجعاً على بطنه فقال: إن هذه ضجعة" بالكسر للنوع.
"لا يحبها الله تعالى" لأن وضع الصدر والوجه اللذان من أشرف الأعضاء على الأرض إذلالٌ في غير السجود.
* * *
٣٦٥٨ - وعَنْ يَعِيْشَ بن طِخْفَةَ بن قَيسٍ الغِفَارِيِّ، عَنْ أَبيْهِ، وكَانَ مِنْ أَصْحَابِ الصُّفَّةِ أَنَّهُ قَالَ: بَيْنَمَا أَنَا مُضْطَجعٌ مِنَ السَّحَر عَلَى بَطْنِي إِذَا رَجُل يُحرِّكُنِيْ بِرِجْلِهِ فَقَالَ: "إنَّ هَذِهِ ضجْعَة يُبغِضُهَا الله"، فَنَظَرْتُ فَإِذَا هُوَ رَسُوْلُ الله ﷺ .
"عن يعيش بن طخفة" - بكسر الطاء المهملة وسكون الخاء المعجمة وبالفاء المفتوحة - "ابن قيس الغفاري عن أبيه، وكان"؛ أي: أبوه "من أصحاب الصفة، قال: بينما أنا مضطجع من السَّحَر" وهو - بفتحتين - وجع الرئة.
"على بطني، إذا رجل يحركني برجله وقال: إن هذه ضجعةٌ يبغضها الله تعالى، فنظرت فإذا هو رسول الله ﷺ ".
* * *
٣٦٥٩ - عَنْ عَلِيِّ بن شَيْبَانَ قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ الله ﷺ : "مَنْ بَاتَ عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ لَيْسَ عَلَيْهِ حِجَاب فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ".
"عن علي بن شيبان قال: قال رسول الله ﷺ : من بات على ظهر بيت ليس عليه حجًى (١) " يروى بكسر الحاء المهملة وفتحها، والمراد منه: الستر والحجاب،
стр. 2481
ومَن كَسَرَ الحاء شبَّهه بالحِجَى الذي بمعنى العقل، وذلك أن العقل يمنع الإنسان من التعرض للهلاك، فكذلك الستر على السطح يمنع عوراته عن عيون الناس والتردِّي، ومَن فتح الحاء ذهب إلى الطَّرف، وأحجاءُ الشيء نواحيه.
"فقد برئت منه الذمة"؛ أي: لم يبق بيننا وبينه عهدٌ وذمة بالحفظ والعصمة، وقيل: معناه: فقد تصدى للهلاك وإزالة العصمة عن نفسه، وصار كالمهدَر الذي لا دية له، فلعله ينقلب من نومه فيسقط ويموت مُهْدَراً.
* * *
٣٦٦٠ - عَنْ جَابَرٍ ﵁ قَالَ: نهى رَسُوْلُ الله ﷺ أَنْ يَنَامَ الرَّجلُ عَلَى سَطْح لَيْسَ بِمْحجُوْبٍ عَلَيْهِ.
"عن جابر ﵁ أنه قال: نهى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أن ينام الرجل على سطح ليس بمحجور عليه" والحجر: المنع؛ يعني: ليس حوله جدار.
* * *
٣٦٦١ - عَنْ عَبْدِ الله بن عَمْرٍو: أَنَّ رَسُوْلَ الله ﷺ قَالَ: "لَا يَحِلُّ لأِحَدٍ أَنْ يُفرِّق بَيْنَ اثنَيْنِ إِلَاّ بإذنِهمَا".
"عن عبد الله بن عمرو - رضي الله تعالى عنهما -: أن رسول الله ﷺ قال: لا يحلُّ لأحد أن يفرِّق بين اثنين إلا بإذنهما".
* * *
٣٦٦٢ - عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁ قَالَ: مَلْعُوْن عَلَى لِسَانِ مُحمَّدٍ ﷺ مَن قَعَد وَسْطَ الحَلْقةِ.
стр. 2482
"عن حذيفة أنه قال: ملعون على لسان محمد من قعد وسط الحلقة" وهو أن يأتي حلقةً فيتخطى الرقاب ويقعد وسطها، ولا يقعد حيث ينتهي به المجلس، أو يقعد وسطها حائلًا بين وجوه المتحلقين فيحجب بعضهم عن بعض.
وقيل: المراد به الماجن المقيم نفسَه وسطها للسخرية والضحكة، وإنما لُعن لأنهم يلعنونه ويذمونه، وإنما قيَّد بلسان محمد قيل: لجواز أن يكون ملعونًا عند الله تعالى، والظاهر أنه أراد به شدة الوعيد؛ لأن اللعن على لسان النبي ﷺ أعظم.
* * *
٣٦٦٤ - وعَنْ أَبيْ سَعِيْدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ أنَّهُ قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ الله ﷺ : "خيرُ المَجَالِسِ أَوْسَعُهَا".
"عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: خير المجالس أوسعها".
* * *
٣٦٦٣ - عَنْ جَابرِ بن سَمُرَةَ ﵁ قَالَ: جَاءَ رَسُوْلُ الله ﷺ وَأَصْحَابُهُ جُلوْسٌ فقال: "مَا لِيْ أَرَاكُم عِزِيْنَ؟ ".
"عن جابر بن سمرة أنه قال: جاء رسولُ الله ﵁ وأصحابه جلوس، فقال: ما لي أراكم عزين؟ "؛ أي: متفرِّقين لا يجمعكم مجلس واحد، والمفرد: عِزَّة، وهي الفِرقة المجتمعة من الناس، وأصلها: عزوة، حُذفت الواو وجُمعت جمعَ السلامة على غير القياس؛ يعني: لمَ جلستم متفرِّقين؟ وهلا جلستم متحلِّقين جمع؛ أي: اجلسوا في الحلقة أو في الصف، أمرهم بذلك
стр. 2483
كيلا يدبر بعضُهم بعضًا.
* * *
٣٦٦٥ - وعَنْ أَبيْ هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: "إِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ في الفَيْءَ فَقَلَصَ عَنْهُ، فَصَارَ بَعْضُهُ في الشَّمْسِ فَلْيَقُمُ، فِإنَّه مَجْلِسُ الشَّيطَانِ"، ويُروَى مَرْفُوعاً.
"عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: إذا كان أحدكم في الفيء"؛ أي: في الظل.
"فقَلَصَ"؛ أي: ارتفع الفيء "عنه فصار بعضه في الشمس" وبعضه في الفيء.
"فليقم" من ذلك الموضع؛ لأنه مضرٌّ بالمزاج؛ لاختلاف حال البدن لمَا يحلُّ به من المؤثّرَيْنِ المتضادَّيْنِ.
"فإنه"؛ أي: ذلك المجلس.
"مجلس الشيطان" أضافه إلى الشيطان؛ لأنه الباعث عليه والآمر به ليصيبه السوء.
وقد روي هذا الحديث موقوفًا على أبي هريرة، "ويروى مرفوعًا" إلى النبي ﷺ ، وهو الظاهر؛ لأن الصحابي لا يُقْدِم على التحدث بالأمور الغيبية من تلقاء نفسه.
* * *
٣٦٦٦ - وعَنْ عليٍّ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُوْلُ الله ﷺ إِذَا مَشَىَ تَكَفَّأَ تكَفُّؤاً كَأنَّما يَنْحَطُّ مِنْ صَبَبٍ.
ويُرْوَى: كَانَ إذَا مَشَى تَقَلَّعَ.
"وعن علي ﵁ أنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا مشى تكفَّأ"؛ أي: تمايل إلى قدَّام.
стр. 2484
"تكفاً كأنما ينحط"؛ أي: ينزل.
"من صبب"؛ أي: موضع منحدر، سمي به لأن المشي ينصبُّ عنه.
"ويروى: كان إذا مشى تقلَّع"؛ أي: يرفع رجليه من الأرض رفعا بائنًا بقوة كأهل الجلادة، لا كمن يمشي اختيالًا وتكبراً.
* * *
٣٦٦٧ - وعَنْ أَبيْ هُرَيْرَةَ قَالَ: مَا رَأَيْتُ أَحَداً أَسْرعَ فِيْ مَشْيهِ مِنْ رَسُوْلِ الله ﷺ ، كَأنَّما الأَرْضُ تُطْوَى لَهْ، إنَّا لنجْهِدُ أنفُسَنَا وَإنَّه لَغيْرَ مُكْتَرِثٍ.
"عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: ما رأيت أحداً أسرع في مَشيهِ من رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كأنما الأرض تطوى له، إنا لنجهد"؛ أي: لنتعِبُ.
"أنفسنا" بالمشي، يقال؛ جهدتُ الدابة وأجهدتُها: إذا حملت عليها في السير فوق طاقتها.
"وإنه لغير مكترث"؛ أي: غير مبالٍ بمشينا وغير مسرعٍ بحيث يلحقه مشقةٌ.
* * *
٣٦٦٨ - عَنْ أَبيْ أُسَيْدٍ الأَنْصَارِي ﵁: أَنَّه سَمِعَ رَسُوَلَ الله ﷺ يَقُوْلُ وَهُوَ خَارِجٌ مِنَ المَسجدِ، فاخْتَلَطَ الرِّجَالُ مَعَ النِّساءَ في الطَرِيْقِ، فَقَالَ للنساءِ: "اسْتَأخِرْنَ، فإنَّه لَيْسَ لَكُنَّ أَنْ تَحقُقْنَ الطَّرِيْقَ، عَلَيْكُن بِحَافَّاتِ الطَريقِ"، فَكَانَتْ المَرْأةُ تَلْصَقُ بالجدارِ حَتَّى إِن ثَوْبَها لَيعْلَقُ بالجدَارِ.
"عن أبي أسيد" بفتح الهمزة والضم "الأنصاري أنه سمع رسول الله ﷺ يقول وهو خارج من المسجد فاختلط الرجال مع النساء في الطريق، فقال للنساء: استأخرن"؛ أي: ابعدن عن وسط الطريق إلى جانبه، استأخر وتأخَّر بمعنى.
стр. 2485
"فإنه ليس لكنَّ أن تَحْقُقْنَ الطريق"؛ أي: تمشين في حاقِّها وهو وسطُها.
"عليكن بحافات الطريق" جمع حافة، بتخفيف الفاء، وهي الناحية والطرف.
"فكانت المرأة تلصق بالجدار حتى إن ثوبها ليتعلق بالجدار".
* * *
٣٦٦٩ - وعَنِ ابن عُمَرَ: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ نهى أَنْ يَمْشِيَ -يَعْنِي: الرَّجُلَ- بَيْنَ المَرْأتَيْنِ.
"عن ابن عمر: أن النبي ﷺ نهى أن يمشي - يعني الرجل - بين المرأتين".
* * *
٣٦٧٠ - عَنْ جَابرِ بن سَمُرَةَ ﵁ قَالَ: كُنَّا إذَا أتيْنَا النَّبيَّ ﷺ جَلَسَ أَحَدُنَا حَيْثُ يَنتهِيْ.
"عن جابر بن سمرة ﵁ أنه قال: كنا إذا أتينا النبي ﷺ جلس أحدنا حيث ينتهي"؛ أي: في المجلس، ولا يقصد المنصب.
* * *
٦ - باب العُطَاسِ والتَّثَاؤُبِ
(باب العطاس والتثاؤب)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٣٦٧١ - عَنْ أَبيْ هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ الله يُحِبُّ العُطَاسَ
стр. 2486
ويَكْرَهُ التَّثَاؤُبَ، فَإذَا عَطَسَ أَحَدُكُم وَحَمِدَ الله كَانَ حَقاً علَى كُلِّ مُسلْمٍ سَمِعَه أَنْ يَقُولَ لَهُ: يَرْحَمُكَ الله، فَأَمَّا التَّثَاؤُبُ فإنَّما هُوَ مِن الشَّيطَانِ، فَإِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَرُدَّهُ مَا اسْتَطَاعَ، فإنَّ أحَدُكُم إِذَا تَثَاءَبَ ضَحِكَ مِنْهُ الشَّيطَانُ".
وفي رِوَايةٍ: "فَإنَّ أَحَدُكُمْ إذا قَالَ: هَا، ضَحِكَ الشَّيطانُ".
"من الصحاح": "عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: إن الله يحب العطاس"؛ يعني سببه، وهو انفتاح المسامِّ وخفةُ الدماغ، إذ به تندفع الأبخرة المنخنقة فيُعين صاحبَه على الطاعة.
"ويكره التثاؤب"؛ يعني: سببه، وهو ثقل البدن وكثرةُ الغذاء وميلُه إلى الكسل، فيمنع صاحبه عن الطاعة، فالمحبةُ والكراهية تنصرف إلى الأسباب الجالبة لهما.
"فإذا عطس أحدكم وحمد الله كان حقاً على كل مسلم" وفيه إشارة إلى أن التسمية فرضُ عينٍ، وإليه ذهب بعضٌ، والأكثرون على أنه فرض كفاية كرد السلام.
وقال الشافعي: إنه سنة، وحمل الحديث على الندب كما في قوله ﷺ : "حقٌّ على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام".
"سمعه"؛ أي: سمع تحميده، وفيه إشعار بأن العاطس إذا لم يجهر بالتحميد ولم يُسمع من عنده لا يستحقُّ التشميت.
"أن يقول: يرحمك الله، فأما التثاؤب فإنما هو من الشيطان وإنما أضيف إليه لأنه هو الذي يزين للنفس شهوتها.
"فإذا تثاءب أحدكم فليردَّه ما استطاع، فإن أحدكم إذا تثاءب ضحك منه
стр. 2487
الشيطان" فرحًا بذلك.
"وفي رواية: فإن أحدكم إذا قال: ها" حكاية صوت المتثاءب؛ يعني: إذا بالغ في التثاؤب وفتح فاه وخرج منه هذا الصوت "ضحك الشيطان" لأنه يكون من غلبة النوم وامتلاءِ المعدة، وذلك مما يُفرح الشيطان.
* * *
٣٦٧٢ - وقال: "إذا عَطَسَ أحدُكُم فلْيَقُلْ: الحَمْدُ للهِ، وليقُلْ لَهُ أَخُوْهُ أَوْ صَاحِبُه: يَرْحَمُكَ الله، فَإِذَا قَالَ لَهُ: يَرْحَمُكَ الله، فَلْيَقُلْ: يَهْدِيْكُم الله ويُصْلِحُ بالَكَم".
"وعنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله" عدَّه الشارع نعمةً فسنَّ عقيبه الحمد لله.
"وليقل له أخوه أو صاحبه: يرحمك الله" وإنما شُرع الترحُّم من جانب المشمِّت؛ لأنه كان من أهل الرحمة حيث عظَّم ربَّه بالحمد على نعمته وعرف قَدْرَها.
"فإذا قال له: يرحمك الله، فليقل"؛ أي: العاطس في جوابه: "يهديكم الله ويصلح بالكم"؛ أي: حالكم؛ لأنه إذا دعا له بالرحمة شرع في حقه دعاء الخير له تأليفًا للقلوب، ولفظُ العموم خرج على الغالب؛ لأن العاطس قلَّما يخلو عند عطاسه عن أصحابه، أو هو إشارة إلى تعظيمه واحترامه في الدعاء، أو إلى أمة محمد كلهم.
* * *
٣٦٧٣ - عَنْ أَنسٍ ﵁ قَالَ: "عَطَسَ رَجُلانِ عَنْدَ النَّبيِّ ﷺ فَشَمَّتَ أَحَدَهُمَا ولَمْ يُشَمّتِ الآخرَ، فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ الله! شَمَّتَّ هَذَا ولَمْ
стр. 2488
تُشَمِّتْنِي، قَالَ: إنَّ هَذَا حَمِدَ الله، وَلَمْ تَحْمَدِ الله".
"وعن أنس ﵁ أنه قال: عطس رجلان عند النبي ﷺ فشمَّت"؛ أي: النبي ﷺ "أحدهما"؛ أي: قال: يرحمك الله، وهو بالشين المعجمة على ما قاله أبو عبيد، وبالسين المهملة على ما اختار ثعلب.
"ولم يشمت الآخر، فقال الرجل: يا رسول الله! شمتَّ هذا ولم تشمتني؟ فقال"؛ أي: النبي ﷺ : "إن هذا حمد الله تعالى ولم تحمد الله تعالى".
* * *
٣٦٧٤ - وَعَنْ أَبي مُوسَى ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُوْلَ الله ﷺ يَقُولُ: "إذَا عَطَسَ أَحَدُكُم فَحَمِدَ الله فَشَمِّتُوهُ، وإِنْ لَمْ يَحْمَدِ الله فَلَا تُشَمِّتُوهُ".
"عن أبي موسى ﵁ أنه قال: سمعت رسول الله يقول: إذا عطس أحدكم فحمد الله فشمتوه، وإن لم يحمد الله فلا تشمتوه، وهذا يدل على أنه لا يستحق التشميت إذا لم يحمد الله.
* * *
٣٦٧٥ - عَنْ سَلَمَةَ بن الأَكوَعِ ﵁: أنَّه سَمعَ النَّبيَّ ﷺ وعَطَسَ رَجُلٌ عِنْدَه فَقَالَ لَهُ: "يَرْحَمُكَ الله"، ثُمَّ عَطَسَ أُخْرَى فَقَالَ: "الرَّجُلُ مَزْكُومٌ".
وَيُروَى أَنَّه قَالَ في الثَّالِثة: "إنَّه مَزْكُومُ".
"عن سلمة بن الأكوع أنه سمع النبي ﷺ وعطس رجل عنده فقال له: يرحمك الله، ثم عطس أخرى فقال"؛ أي: النبي ﷺ : "الرجل مزكوم "؛ أي: أصابه زكام.
стр. 2489
"ويروى أنه قال في الثالثة: إنه مزكوم).
* * *
٣٦٧٦ - وعَنْ أَبيْ سَعِيْدٍ الخُدْرِيِّ ﵁: أنَّ رَسُوَلَ الله ﷺ قَالَ: "إِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فليُمْسِك بِيَدِهِ عَلَى فِمَهِ، فَإنَّ الشَّيطَانَ يَدخُلُ".
"عن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال: إذا تثاءب أحدكم فليمسك بيده على فمه فإن الشيطان يدخل"، أي: يجد سبيلًا إليه بالتثقيل.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٣٦٧٧ - عَنْ أَبي هُريْرَةَ ﵁: أَن النَّبيَّ ﷺ كَانَ إِذَا عَطَسَ غَطَّى وَجْهَهُ بِيَدهِ، أَوْ بثوبهِ، وغَضَّ بِهَا صَوْتَه. صحيح.
"من الحسان":
" عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ كان إذا عطس غطى"؛ أي: ستر "وجهه بيده أو بثوبه، كيلا يترشَّش من لعابه أو مخاطه إلى أحد.
"وغض بها"؛ أي: نقص بيده؛ يعني: بوضعها على فمه.
"صوته" كيلا يرتفع، قال الله تعالى: ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾ [لقمان: ١٩].
قيل: هذا نوع من الأدب بين يدي الجلساء؛ لأنه لا يأمن مما يكرهه الناس من فضلات الدماغ.
"صحيح".
* * *
стр. 2490
٣٦٧٨ - عَنْ أَبي أَيْوبٍ ﵁: أنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُم فَلْيَقُلْ: الحَمْدُ للهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، ولْيَقُلِ الَّذِيْ يَرُدُّ عَلَيْهِ: يَرْحَمُكَ الله، وليَقُلْ هُوَ: يَهْدِيْكُمُ الله ويُصلِحُ بَالَكمُ".
"عن أبي أيوب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله على كل حال، وليقل الذي يردُّ عليه: يرحمك الله، وليقل هو: يهديكم الله ويصلح بالكم".
* * *
٣٦٧٩ - عَنْ أَبي موسى ﵁، أنَّه قَالَ: كَانَ اليَهُوْدُ يتَعَاطَسُونَ عِنْدَ النَّبيِّ ﷺ يَرْجُونَ أَنْ يَقُولَ لَهُم: يَرْحَمُكُمُ الله، فَيَقُولُ: "يَهْدِيكُمُ الله ويُصلِحُ بالَكُمْ".
"عن أبي موسى ﵁ أنه قال: كان اليهود يتعاطسون"؛ أي: يطلبون العطسة من أنفسهم "عند النبي ﷺ يرجون أن يقول لهم: يرحمكم الله، فيقول: يهديكم الله ويصلح بالكم" الفاء بمعنى أو، لعل هؤلاء اليهود هم الذين عرفوه حق معرفته لكنْ منعهم عن الإسلام إما التقليد، وإما حبُّ الرئاسة، وعرفوا أن ذلك مذمومٌ، فيتحرَّوا طلب أن يهديهم الله تعالى ويزيل عنهم ذلك ببركة دعائه ﷺ ".
* * *
٣٦٨٠ - عَنْ هِلَالِ بن يَسَافٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ سَالِمٍ بن عُبَيْدٍ، فَعَطَسَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ فَقَالَ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ، فقَالَ سَالِمٌ: عَلَيْكَ وعَلَى أُمِّكَ، فَكَانَّ الرَّجُلَ وَجَدَ في نفْسِه، فَقَالَ: أَمَا إنِّي لَمْ أقلْ إلَّا مَا قَالَ النَّبيُّ ﷺ ، عَطَسَ رَجُلٌ عِنَدَ النَّبيِّ ﷺ فَقَال: السَّلامُ عَلَيْكُم، فَقَال النَّبيُّ ﷺ : "عَلَيْكَ وعَلَى أُمِّكَ، إذَا عَطَسَ أَحَدُكُم فليَقُل: الحَمْدُ للهِ رَبِّ العالمينَ، ولْيَقُلْ لَهُ مَن يَرُدُّ عَلَيْهِ: يَرْحَمُكَ الله،