ويَكْرَهُ التَّثَاؤُبَ، فَإذَا عَطَسَ أَحَدُكُم وَحَمِدَ الله كَانَ حَقاً علَى كُلِّ مُسلْمٍ سَمِعَه أَنْ يَقُولَ لَهُ: يَرْحَمُكَ الله، فَأَمَّا التَّثَاؤُبُ فإنَّما هُوَ مِن الشَّيطَانِ، فَإِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَرُدَّهُ مَا اسْتَطَاعَ، فإنَّ أحَدُكُم إِذَا تَثَاءَبَ ضَحِكَ مِنْهُ الشَّيطَانُ".
وفي رِوَايةٍ: "فَإنَّ أَحَدُكُمْ إذا قَالَ: هَا، ضَحِكَ الشَّيطانُ".
"من الصحاح": "عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: إن الله يحب العطاس"؛ يعني سببه، وهو انفتاح المسامِّ وخفةُ الدماغ، إذ به تندفع الأبخرة المنخنقة فيُعين صاحبَه على الطاعة.
"ويكره التثاؤب"؛ يعني: سببه، وهو ثقل البدن وكثرةُ الغذاء وميلُه إلى الكسل، فيمنع صاحبه عن الطاعة، فالمحبةُ والكراهية تنصرف إلى الأسباب الجالبة لهما.
"فإذا عطس أحدكم وحمد الله كان حقاً على كل مسلم" وفيه إشارة إلى أن التسمية فرضُ عينٍ، وإليه ذهب بعضٌ، والأكثرون على أنه فرض كفاية كرد السلام.
وقال الشافعي: إنه سنة، وحمل الحديث على الندب كما في قوله ﷺ : "حقٌّ على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام".
"سمعه"؛ أي: سمع تحميده، وفيه إشعار بأن العاطس إذا لم يجهر بالتحميد ولم يُسمع من عنده لا يستحقُّ التشميت.
"أن يقول: يرحمك الله، فأما التثاؤب فإنما هو من الشيطان وإنما أضيف إليه لأنه هو الذي يزين للنفس شهوتها.
"فإذا تثاءب أحدكم فليردَّه ما استطاع، فإن أحدكم إذا تثاءب ضحك منه
стр. 2487
الشيطان" فرحًا بذلك.
"وفي رواية: فإن أحدكم إذا قال: ها" حكاية صوت المتثاءب؛ يعني: إذا بالغ في التثاؤب وفتح فاه وخرج منه هذا الصوت "ضحك الشيطان" لأنه يكون من غلبة النوم وامتلاءِ المعدة، وذلك مما يُفرح الشيطان.
* * *
٣٦٧٢ - وقال: "إذا عَطَسَ أحدُكُم فلْيَقُلْ: الحَمْدُ للهِ، وليقُلْ لَهُ أَخُوْهُ أَوْ صَاحِبُه: يَرْحَمُكَ الله، فَإِذَا قَالَ لَهُ: يَرْحَمُكَ الله، فَلْيَقُلْ: يَهْدِيْكُم الله ويُصْلِحُ بالَكَم".
"وعنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله" عدَّه الشارع نعمةً فسنَّ عقيبه الحمد لله.
"وليقل له أخوه أو صاحبه: يرحمك الله" وإنما شُرع الترحُّم من جانب المشمِّت؛ لأنه كان من أهل الرحمة حيث عظَّم ربَّه بالحمد على نعمته وعرف قَدْرَها.
"فإذا قال له: يرحمك الله، فليقل"؛ أي: العاطس في جوابه: "يهديكم الله ويصلح بالكم"؛ أي: حالكم؛ لأنه إذا دعا له بالرحمة شرع في حقه دعاء الخير له تأليفًا للقلوب، ولفظُ العموم خرج على الغالب؛ لأن العاطس قلَّما يخلو عند عطاسه عن أصحابه، أو هو إشارة إلى تعظيمه واحترامه في الدعاء، أو إلى أمة محمد كلهم.
* * *
٣٦٧٣ - عَنْ أَنسٍ ﵁ قَالَ: "عَطَسَ رَجُلانِ عَنْدَ النَّبيِّ ﷺ فَشَمَّتَ أَحَدَهُمَا ولَمْ يُشَمّتِ الآخرَ، فَقَالَ الرَّجُلُ: يَا رَسُولَ الله! شَمَّتَّ هَذَا ولَمْ
стр. 2488
تُشَمِّتْنِي، قَالَ: إنَّ هَذَا حَمِدَ الله، وَلَمْ تَحْمَدِ الله".
"وعن أنس ﵁ أنه قال: عطس رجلان عند النبي ﷺ فشمَّت"؛ أي: النبي ﷺ "أحدهما"؛ أي: قال: يرحمك الله، وهو بالشين المعجمة على ما قاله أبو عبيد، وبالسين المهملة على ما اختار ثعلب.
"ولم يشمت الآخر، فقال الرجل: يا رسول الله! شمتَّ هذا ولم تشمتني؟ فقال"؛ أي: النبي ﷺ : "إن هذا حمد الله تعالى ولم تحمد الله تعالى".
* * *
٣٦٧٤ - وَعَنْ أَبي مُوسَى ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُوْلَ الله ﷺ يَقُولُ: "إذَا عَطَسَ أَحَدُكُم فَحَمِدَ الله فَشَمِّتُوهُ، وإِنْ لَمْ يَحْمَدِ الله فَلَا تُشَمِّتُوهُ".
"عن أبي موسى ﵁ أنه قال: سمعت رسول الله يقول: إذا عطس أحدكم فحمد الله فشمتوه، وإن لم يحمد الله فلا تشمتوه، وهذا يدل على أنه لا يستحق التشميت إذا لم يحمد الله.
* * *
٣٦٧٥ - عَنْ سَلَمَةَ بن الأَكوَعِ ﵁: أنَّه سَمعَ النَّبيَّ ﷺ وعَطَسَ رَجُلٌ عِنْدَه فَقَالَ لَهُ: "يَرْحَمُكَ الله"، ثُمَّ عَطَسَ أُخْرَى فَقَالَ: "الرَّجُلُ مَزْكُومٌ".
وَيُروَى أَنَّه قَالَ في الثَّالِثة: "إنَّه مَزْكُومُ".
"عن سلمة بن الأكوع أنه سمع النبي ﷺ وعطس رجل عنده فقال له: يرحمك الله، ثم عطس أخرى فقال"؛ أي: النبي ﷺ : "الرجل مزكوم "؛ أي: أصابه زكام.
стр. 2489
"ويروى أنه قال في الثالثة: إنه مزكوم).
* * *
٣٦٧٦ - وعَنْ أَبيْ سَعِيْدٍ الخُدْرِيِّ ﵁: أنَّ رَسُوَلَ الله ﷺ قَالَ: "إِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فليُمْسِك بِيَدِهِ عَلَى فِمَهِ، فَإنَّ الشَّيطَانَ يَدخُلُ".
"عن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال: إذا تثاءب أحدكم فليمسك بيده على فمه فإن الشيطان يدخل"، أي: يجد سبيلًا إليه بالتثقيل.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٣٦٧٧ - عَنْ أَبي هُريْرَةَ ﵁: أَن النَّبيَّ ﷺ كَانَ إِذَا عَطَسَ غَطَّى وَجْهَهُ بِيَدهِ، أَوْ بثوبهِ، وغَضَّ بِهَا صَوْتَه. صحيح.
"من الحسان":
" عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ كان إذا عطس غطى"؛ أي: ستر "وجهه بيده أو بثوبه، كيلا يترشَّش من لعابه أو مخاطه إلى أحد.
"وغض بها"؛ أي: نقص بيده؛ يعني: بوضعها على فمه.
"صوته" كيلا يرتفع، قال الله تعالى: ﴿وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ﴾ [لقمان: ١٩].
قيل: هذا نوع من الأدب بين يدي الجلساء؛ لأنه لا يأمن مما يكرهه الناس من فضلات الدماغ.
"صحيح".
* * *
стр. 2490
٣٦٧٨ - عَنْ أَبي أَيْوبٍ ﵁: أنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "إِذَا عَطَسَ أَحَدُكُم فَلْيَقُلْ: الحَمْدُ للهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ، ولْيَقُلِ الَّذِيْ يَرُدُّ عَلَيْهِ: يَرْحَمُكَ الله، وليَقُلْ هُوَ: يَهْدِيْكُمُ الله ويُصلِحُ بَالَكمُ".
"عن أبي أيوب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله على كل حال، وليقل الذي يردُّ عليه: يرحمك الله، وليقل هو: يهديكم الله ويصلح بالكم".
* * *
٣٦٧٩ - عَنْ أَبي موسى ﵁، أنَّه قَالَ: كَانَ اليَهُوْدُ يتَعَاطَسُونَ عِنْدَ النَّبيِّ ﷺ يَرْجُونَ أَنْ يَقُولَ لَهُم: يَرْحَمُكُمُ الله، فَيَقُولُ: "يَهْدِيكُمُ الله ويُصلِحُ بالَكُمْ".
"عن أبي موسى ﵁ أنه قال: كان اليهود يتعاطسون"؛ أي: يطلبون العطسة من أنفسهم "عند النبي ﷺ يرجون أن يقول لهم: يرحمكم الله، فيقول: يهديكم الله ويصلح بالكم" الفاء بمعنى أو، لعل هؤلاء اليهود هم الذين عرفوه حق معرفته لكنْ منعهم عن الإسلام إما التقليد، وإما حبُّ الرئاسة، وعرفوا أن ذلك مذمومٌ، فيتحرَّوا طلب أن يهديهم الله تعالى ويزيل عنهم ذلك ببركة دعائه ﷺ ".
* * *
٣٦٨٠ - عَنْ هِلَالِ بن يَسَافٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ سَالِمٍ بن عُبَيْدٍ، فَعَطَسَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ فَقَالَ: السَّلامُ عَلَيْكُمْ، فقَالَ سَالِمٌ: عَلَيْكَ وعَلَى أُمِّكَ، فَكَانَّ الرَّجُلَ وَجَدَ في نفْسِه، فَقَالَ: أَمَا إنِّي لَمْ أقلْ إلَّا مَا قَالَ النَّبيُّ ﷺ ، عَطَسَ رَجُلٌ عِنَدَ النَّبيِّ ﷺ فَقَال: السَّلامُ عَلَيْكُم، فَقَال النَّبيُّ ﷺ : "عَلَيْكَ وعَلَى أُمِّكَ، إذَا عَطَسَ أَحَدُكُم فليَقُل: الحَمْدُ للهِ رَبِّ العالمينَ، ولْيَقُلْ لَهُ مَن يَرُدُّ عَلَيْهِ: يَرْحَمُكَ الله،
стр. 2491
وليَقُلْ: يَغْفِرُ الله لِيْ ولَكُم".
"عن هلال بن يساف أنه قال: كنا مع سالم بن عبيد فعطس رجل من القوم فقال: السلام عليكم" ظن العاطس أنه يجوز أن يقول ذلك بدل: الحمد لله.
"فقال سالم: عليك وعلى أمك" نبه بهذا على حماقتهما حيث سرى فيه من صفاتها فافتقر إلى الدعاء لهما بالسلامة من الآفات، وقيل: إنما قاله زجرًا على ترك قول: الحمد لله.
"فكأنَّ الرجل وجد في نفسه"؛ أي: الكراهة والاستخجال والحزن والغضب لما قاله سالم.
"فقال أما" -بالتخفيف- "إني لم أقل إلا ما قال النبي ﷺ ، عطس رجل عند النبي ﷺ فقال: السلام عليكم، فقال النبي ﷺ : عليك وعلى أمك، إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله رب العالمين، وليقل له من يردُّ عليه: يرحمك الله، وليقل هو: يغفر الله لي ولكم".
* * *
٣٦٨١ - عَنْ عَمْرِو بن إسْحَاقَ بن أَبيْ طلْحةَ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ أَبيْهَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "شَمَّتِ العَاطِسَ ثَلَاثًا، فَإنْ زَادَ فَإِنْ شِئْتَ فشَمِّتْهُ وإنْ شِئْتَ فَلَا"، غريب.
"عن عمر بن إسحاق بن أبي طلحة، عن أمه، عن أبيها" أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: شمّت العاطس ثلاثًا، فإن زاد فإن شئت فشمته وإن شئت فلا".
"غريب".
* * *
стр. 2492
٣٦٨٢ - عَنْ أَبي هُرَيرةَ ﵁، عَنِ النَّبيِّ ﷺ أنَّهُ قَالَ: "شَمِّتْ أَخَاكَ ثَلَاثاً فَمَا زَادَ فَهُوَ زُكَامٌ"، وَوَقَفَهُ بَعْضُهُم.
"عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: شمِّت أخاك ثلاثاً فما زاد فهو زكام".
"ووقفه بعضهم" على أبي هريرة ﵁؛ أي: هو من كلامه لا من كلام الرسول ﷺ .
* * *
٧ - باب الضَّحِكِ
(باب الضحك)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٣٦٨٣ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: مَا رَأَيْتُ النَّبيِّ ﷺ مُسْتَجمِعاً ضَاحِكاً حَتَّى أَرَى مِنْهُ لَهَواتِه، إنَّما كَانَ يَتَبسَّمُ.
"من الصحاح":
" عن عائشة أنها قالت: ما رأيت النبي ﷺ مستجمعاً ضاحكاً"؛ أي: مستجمعًا لضحكه في حال ضحكه؛ يعني: لم أره يضحك تامًّا مقبلًا بكلَّه على الضحك وضاحكًا بجميع فيه.
"حتى أرى منه لَهَواته، بفتح اللام والهاء: جمع لُهاة بالضم، وهي لحمة مشرفة على الحلق في أقصى الفم.
"إنما كان يتبسَّم".
* * *
стр. 2493
٣٦٨٤ - عَنْ جَرِيرٍ ﵁ قَالَ: مَا حَجَبني النَّبيُّ ﷺ مُذْ أَسْلَمْتُ ولَا رَآنِي إلَّا تَبَسَّمَ.
"وعن جرير أنه قال: ما حجبني النبي ﷺ ؛ أي: ما منعني من الدخول عليه.
"منذ أسلمت"؛ يعني: ما جئت إليه إلا أذن لي في الدخول عليه.
"ولا رآني إلا تبسم" لمكارم أخلاقه.
* * *
٣٦٨٥ - عَنْ جَابرِ بن سَمُرَةَ ﵁ أنَّهُ قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ لا يَقُومُ مِنْ مُصَلَّاهُ الذِي يَصلِّي فيْهِ الصُّبحَ حَتَّى تطلُعَ الشَّمسُ، فإذَا طَلعَتِ الشَّمسُ قَامَ، وكَانُوا يَتَحَدَّثُونَ فَيَأخُذُونَ في أمرِ الجَاهِلِيَّةِ فيضحَكُونَ ويتبسَّمُ.
ويروى: "يَتَنَاشَدُوْنَ الشِّعرَ.
"عن جابر بن سمرة أنه قال: كان رسول الله ﷺ لا يقوم من مصلَاّه الذي يصلي فيه الصبح حتى تطلع الشمس، فإذا طلعت الشمس قام، وكانوا يتحدثون فيأخذون في أمر الجاهلية فيضحكون ويتبسم، ويروى: ويتناشدون"؛ أي: يقرؤون "الشعر" وهي جائزة إذا لم يكن فيها من المناهي شيء.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٣٦٨٦ - عَنْ عَبْدِ الله بن الحَارِثِ بن جَزْءٍ ﵁ قَالَ: "مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَكثرَ تَبَسُّماً مِن رَسُولِ الله ﷺ ".
"من الحسان":
" عن عبد الله بن الحارث بن جَزْء ﵁ -بفتح الجيم وسكون الزاي-
стр. 2494
بعدهما همزة - "أنه قال: ما رأيت أحداً أكثر تبسُّما من رسول الله ﷺ ".
* * *
٨ - باب الأَسَامِي
(باب الأسامي)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٣٦٨٧ - عَنْ أَنسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبيّ ﷺ في السُّوقِ، فَقَالَ رَجُل: يَا أَبَا القَاسِم! فالْتفَتَ إِلَيْهِ النَّبيّ ﷺ ، فَقَال: إِنَّمَا دَعَوْتُ هَذَا، فَقَالَ النَّبيّ ﷺ : "سَمُّوا بِاسمي، ولا تَكَنَّوْا بِكُنَيتي".
"من الصحاح":
" عن أنس ﵁ أنه قال: كان النبي ﷺ في السوق فقال رجل: يا أبا القاسم! " وكانت كنية ابنه: أبا القاسم.
"فالتفت إليه النبي ﷺ ، فقال"؛ أي: الرجل: "إنما دعوت هذا"؛ يعني ابنه.
"فقال"؛ أي: النبي ﷺ :
"سمُّوا باسمي ولا تَكَنُّوا بكنيتي" قال الشافعي: لا يجوز لأحد أن يكني ابنه أبا القاسم سواءٌ كان اسمه محمداً أو لا، وجوَّز جمع التكني إذا لم يكن الاسم محمداً أو أحمد.
* * *
٣٦٨٨ - عَنْ جَابرٍ ﵁: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ: "سَمُّوْا باسْمِي، ولا تَكَتَنُوا
стр. 2495
بكُنيَتِي، فإنِّي إنما جُعِلْتُ قَاسِمًا أَقْسِمُ بَيْنَكُم".
"وعن جابر قال: قال رسول الله ﷺ : سموا باسمي ولا تكنُّوا بكنيتي فإني إنما جُعلت قاسمًا"؛ أي: كُنيت بأبي القاسم لأني "أَقْسِم بينكم"؛ أي: البشارة للصالح والإنذار للطالح، وكان يتولَّى القسمة من قِبَلِ الله تعالى في العلم الذي يُوْحَى إليه، وإنزال الناس منازلهم في الفضيلة، وإعطائه المالَ إياهم على قَدْر غناهم وحَسَبِ حاجتهم، ولما لم يكن أحد يشاركه في هذا المعنى منع أن يكتني به غيره بهذا المعنى.
* * *
٣٦٨٩ - عَنْ ابن عُمَرَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إنَّ أَحَبَّ أَسْمَائِكُم إلَى الله: عَبْدُ الله وعَبْدُ الرَّحْمَنِ".
"عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : إن أحب أسمائكم إلى الله عبد الله وعبد الرحمن" وإنما صار هذان الاسمان أحبَّ إليه تعالى؛ لأن أحدهما إضافة إلى أعلى أسماء الله الذي خصَّ التوحيد به في كلمة الشهادة، والآخر إضافة إلى اسمه الرحمن الدال على كمال رحمته العامة بكلِّ خليقته.
* * *
٣٦٩٠ - وقَالَ: "لا تُسَمِّيَنَّ غُلَامَكَ يَسَاراً، ولَا رَباحاً، ولَا نجِيحًا، ولَا أَفْلحَ، فَإِنَّكَ تقولُ: أثَمَّ هُوَ؟ فَلا يَكُونُ، فَيَقُولُ: لا".
وفي رِوَايَةٍ: "لَا تُسَمِّ غُلامَك رَبَاحًا، ولَا يَسَاراً، ولَا أفلحَ، ولَا نَافِعاً".
"عن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: لا تُسمِّينَّ غلامك يساراً، وهو من اليسر ضد العسر.
"ولا رباحًا" - بفتح الراء - من الربح.
стр. 2496
"ولا نجيحاً" من النجح وهو الظفر.
"ولا أفلح" من الفلاح وهو الفوز؛ لأن الناس يقصدون بهذه الأسماء التفاؤل بحسن ألفاظها ومعانيها، وربما انقلب ما قصدوه إلى الضد.
"فإنك تقول أثمَّ هو؟ " الهمزة فيه للاستفهام، و (ثَمَّ) - بفتح الثاء المثلثة - إشارة إلى مكان.
"فلا يكون"؛ أي: لا يوجد ذلك المسؤول عنه في ذلك المكان.
"فيقول: لا" فلا يحسن هذا في التفاؤل.
"وفي رواية: لا تسم غلامك رباحاً ولا أفلح ولا نافعاً".
* * *
٣٦٩١ - وعَنْ جَابرٍ ﵁ أنَّه قَالَ: أَرَادَ النَّبيُّ ﷺ أَنْ يَنهَى عَنْ أنْ يُسَمَّى: بيَعْلَى، وببَرَكَةَ، وبِأَفْلَحَ، وبيَسارٍ، وبنافِعٍ، وبنحْوِ ذَلِكَ، ثُمَّ رَأَيتُهُ سَكَتَ بَعْدُ عَنْهَا، ثُمَّ قُبضَ ﷺ ولَمْ يَنْهَ عَنْ ذَلِكَ.
"وعن جابر ﵁ أنه قال أراد النبي ﷺ أن ينهى عن أن يسمى بـ: يَعلى" مضارع علا في الشرف.
"وببركة وبأفلح وبيسار وبنافع وبنحو ذلك، ثم رأيته سكت عنها بعدُ، ثم قُبض ولم ينه عن ذلك" لعله نهاه في الابتداء، ثم سكت عن ذلك لمَا رأى من تعوُّد القوم بهذه الأسماء فسحةً لهم، أو خاف عليهم داخل الطيرة.
* * *
٣٦٩٢ - وَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أَخْنَى الأَسْمَاءِ يَوْمَ القِيَامَةِ عِنْدَ الله رَجُلٌ تَسمَّى: مَلِكَ الأَمْلَاكِ".
стр. 2497
"وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: أخنى الأسماء"؛ أي: أقبحها وأكثرها مذلَّةً "يوم القيامة عند الله رجل"؛ أي اسم رجل "تسمَّى" - بفتح التاء وتشديد الميم - "ملك الأملاك" وكذا ما في معناه.
* * *
٣٦٩٣ - وقَالَ: "أَغْيَظُ رَجُلٍ عَلَى الله يَوْمَ القِيَامَةِ وَأَخْبَثُهُ رَجُلٌ كَانَ يُسمَّى: مَلِكَ الأَمْلَاكِ، لَا مَلِكَ إلَّا الله".
"وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : أغيظ رجل على الله" أفعل تفضيل من الغيظ، مجاز عن عقوبته للمسمَّى بهذا الاسم؛ أي: أشد أصحاب هذه الأسماء عقوبةً عند الله "يوم القيامة وأخبثه رجل تسمَّى ملك الأملاك، لا ملك إلا الله" استئناف لبيان تعليل تحريم التسمية، فبيَّن أن المالك الحقيقي ليس إلا هو، ومالكيةُ غيره مستعارةٌ، فمَن تسمى بهذا الاسم نازع الله في رداء كبريائه واستنكف أن يكون عبداً لله، فيكون له الخزي.
* * *
٣٦٩٤ - وَعَنْ زينَبَ بنتِ أَبيْ سَلَمَة قَالَتْ: سُمِّيتُ: بَرَّة، فَقَالَ رَسُولُ الله: لَا تُزكُّوا أَنْفُسَكم، الله أَعْلَمُ بِأَهْلِ البرِّ مِنْكُم، سَمُّوهَا: زينَبَ".
"عن زينب بنت أبي سلمة" زوجة النبي ﷺ .
"قالت: سُمِّيتُ" على بناء المجهول للمتكلم؛ أي: كان اسمي "برة، فقال رسول الله ﷺ : لا تزكوا أنفسكم" تزكية الرجل نفسَه ثناؤه عليها.
"الله أعلم بأهل البر منكم" وهو اسمٌ لكلِّ فعلٍ مَرْضي.
"سموها زينب" وفيه دلالة على استحباب تغيير الاسم الذي فيه التمدُّح.
* * *
стр. 2498
٣٦٩٥ - عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَتْ جُوَيرِيَةُ اسْمُهَا: بَرَّةُ، فَحَوَّلَ رَسُوْلُ الله ﷺ اسْمَهَا: جُوَيرِيَةَ، وَكَانَ يَكْرَهُ أنْ يُقالَ: خَرَجَ مِنْ عِنْدِ بَرَّةَ.
"عن ابن عباس أنه قال: كانت جويرية اسمها برة" زوجة النبي ﷺ .
"فحوَّل رسول الله ﷺ اسمها جويرية، وكان يكره أن يقال: خرج من عند برة" فإن ذلك لا يحسن في التفاؤل.
* * *
٣٦٩٦ - وَعَنِ ابن عُمَرَ: أَنَّ بنتاً لِعُمَرَ يُقَالُ لَهَا: عَاصِيةُ، فَسَمَّاهَا رَسُولُ الله ﷺ : جَمِيْلة.
"عن ابن عمر: أن بنتاً كانت لعمر يقال لها: عاصية، فسماها رسول الله جميلة" وفيه دليل على جواز تغيير الاسم المكروه إلى اسم حسن.
* * *
٣٦٩٧ - وعَنْ سَهْلِ بن سَعْدٍ قَالَ: أُتِيَ بالمُنْذِرِ بن أَبيْ أُسَيْدٍ إلَى النَّبيِّ ﷺ حِيْنَ وُلِدَ، فَوَضَعَهُ على فَخِذِه فَقَالَ: "مَا اسْمُه؟ " قَالَ: فُلان، قَالَ: "لكِنْ اسْمِهِ: المُنْذِرَ".
"عن سهل بن سعد أنه قال: أتي بالمنذر بن [أبي] أسيد إلى النبي ﷺ حين ولد، فوضعه على فخذه فقال: ما اسمه؟ قالوا: فلان، قال: ليكن اسمه المنذر".
* * *
٣٦٩٨ - وقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لَا يَقُوْلَنَّ أَحَدُكُمْ: عَبْدِيْ، وأَمَتِي؛ كُلُّكُم عَبيْدُ الله، وكلُّ نِسَائِكُم إمَاءُ الله، وَلَكنْ لِيَقُلْ: غُلَامِي، وجَارِيَتي، وفتَايَ،
стр. 2499
وفَتاتِي، ولَا يَقُلِ العَبْدُ: رَبي، ولَكِنْ لِيَقُل: سَيدِي".
ويُروَى: "لِيَقُلْ: سَيدِي، ومَوْلَايَ".
وَيُروَى: "لَا يَقُلْ العَبْدُ لِسَيدِه: مَوْلَايَ؛ فإنَّ مَوْلَاكم الله".
"عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : لا يقولن أحدكم عبدي وأمتي، كلكم عبيد الله وكلُّ نساءكم إماء الله، ولكن ليقل: غلامي وجاريتي، وفتاي وفتاتي" قيل: إنما كره ذلك إذا قال على طريق التطاول على الرقيق والتحقير لشأنه، وإلا فقد جاء القرآن به، قال الله تعالى: ﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ [النور: ٣٢].
"ولا يقل العبد: ربي" وذلك لأن الإنسان مربوبٌ متعبَّدٌ بإخلاص التوحيد، فكره المضاهاة بالاسم لئلا يدخل في معنى الشرك.
"ولكن ليقل: سيدي" لأن مرجع السادة إلى معنى الرئاسة له وحسنِ التدبير لأمره.
"ويروى: ليقل: سيدي ومولاي، ويروى: ولا يقل العبد لسيده: مولاي، فإن مولاكم الله".
* * *
٣٦٩٩ - وَقَالَ: "لَا تَقُوْلُوا: الكَرْمُ؛ فإنَّ الكَرمَ قَلْبُ المُؤْمِنِ".
ويُروَى: "لَا تَقُولُوا: الكَرْمُ، ولَكِنْ قُولُوا: العِنَبُ، والحَبَلَةُ".
"وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : لا تقولوا: الكَرْم، فإن الكَرْمَ قلب المؤمن" لطيبه وزكائه؛ لأنه معدن التقوى والإيمان.
"ويروى: لا تقولوا: الكرم، ولكن قولوا: العنب والحَبَلة" بفتحتين، أصله شجرة العنب، أو قضيبها، سمي الحبلة العنب إطلاقًا لاسم الشجر على ثمره، وسبب النهي أن العرب كانوا يسمون العنب وشجرته كرمًا، لأن الخمر
стр. 2500
المتخذ منه يحمل شاربها على الكرم، فكره النبي ﷺ هذه التسمية؛ لئلا يتذكروا به الخمر ويدعوهم حسنُ الاسم إلى شربها.
* * *
٣٧٠٠ - وَقَالَ: "لَا تُسَمُّوا العِنَبَ: الكَرْمَ، ولَا تَقُوْلُوا: خَيْبَةَ الدَّهرِ؛ فإنَّ الله هُوَ الدَّهرُ".
"وعنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: لا تُسموا العنب الكرم، ولا تقولوا: خيبة الدهر" والخيبة: الحرمان، كانت العرب إذا أصابتهم مصيبة أو نالهم حرمان في سفر أو حرب قالوا: يا خيبة الدهر، يريدون: يا دهر صرتَ خائبًا - على طريق الدعاء عليه - كما صيَّرتني كذلك، يريدون سبَّه فنهاهم عنه.
"فإن الله هو الدهر"؛ أي: مقلِّبه والمتصرِّف فيه على حذف المضاف.
* * *
٣٧٠١ - وقال: "لا يَسُبُّ أَحَدُكُم الدَّهرَ؛ فإنَّ الله هُوَ الدَّهرُ".
"وعنْه قال: قال رسول الله: لا يسب أحدكم الدهر فإن الله هو الدهر".
* * *
٣٧٠٢ - وقَالَ: "قَالَ الله تَعَالَى: يُؤْذِيْنِي ابن آدمَ، يَسُبُّ الدَّهرَ، وأَنَا الدَّهرُ، بِيَدِي الأَمْرُ، أُقلِّبُ اللَّيلَ والنَّهارَ".
"وعنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: قال الله تعالى: يؤذيني ابن آدم، يسبُّ الدهر وأنا الدهر بيدي الأمر أقلِّب الليل والنهار" تقدَّم البيان فيه في (كتاب الإيمان).
стр. 2501
٣٧٠٣ - وَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لَا يقُولَنَّ أَحَدُكُم: خَبُثَتْ نَفْسِي، ولَكِنْ لِيَقُلْ: لَقِسَتْ نَفْسِي".
"وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: لا يقولن أحدكم: خبثت نفسي، ولكن ليقل: لقست نفسي" يقال: (خبُثت) بضم الباء، و (لقَست) بفتح القاف بمعنى: غَثَى قلبي، وإنما كره ﷺ لفظ (خبثت) لئلا يضيف المؤمن الخباثة إلى نفسه التي هي صفة الكفار، قال الله تعالى: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾ [النور: ٢٦].
وأما قوله ﷺ : "فأصبح خبيث النفس كسلان" فواردٌ مورد الوعيد في حق من ثبَّطه الشيطان عن قيام الليل.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٣٧١٧ - عَنِ المِقْدِامِ بن شُرَيحٍ، عَنْ أَبيْهِ شُرَيْحٍ، عَنْ أَبيْهِ هَانِئٍ: أنَّه وَفَدَ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ مَعَ قَوْمِهِ، سَمِعَهُم يُكَنُّونهَ بِأبي الحَكَم، فقالَ رَسُولُ الله ﷺ : "الله هُوَ الحَكمُ، وَإِلَيْهِ الْحُكْمُ"، فَقَالَ: كَانَ قَوْمِي إذَا اخَتَلفُوا في شَيء أتوْنِي فَحَكَمْتُ بَيْنَهُم فَرَضيَ الفَرِيَقْانِ، فَقَالَ النَّبيّ ﷺ : "مَا أَحْسَنَ هَذا! فَمَا لَكَ مِنَ الوَلَدِ؟ " قَالَ: شُرَيْحٌ، ومُسْلِمٌ، وعَبْدُ الله، قَالَ: "فمَنْ أكبرُهُم؟ " قُلْتُ: شُرَيْحٌ، قَالَ: "فَأَنْتَ: "لَو شُريْحٍ".
(من الحسان):
" عن المقدام بن شريح، عن أبيه شريح، عن أبيه هانئ قال: إنه وفد إلى رسول الله ﷺ مع قومه سمعهم يكنونه" الضمير المنصوب فيه إلى هانئ.
"بأبي الحكم، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إن الله تعالى
стр. 2502
هو الحكم" وهو الحاكم الذي إذا حكم لا يردُّ حكمه.
"وإليه الحكم" وذلك لا يليق بغيره تعالى.
"فقال"؛ أي: هانئ: "كان قومي إذا اختلفوا في شيء أتوني فحكمت بينهم، فرضي به الفريقان، فقال النبي ﷺ : ما أحسن هذا! "؛ أي: الحكم بين الناس، (ما) للتعجب.
"فما لك من الولد؟ قال: شريح ومسلم وعبد الله، قال: فمن أكبرهم؟ قلت: شريح، قال: أنت أبو شريح" قصد به تسميته بذلك، والحديث يدل على أن الأولى أن يُكنى الرجل والمرأة بأكبر بنيهما، فإن لم يكن ابنهما فبأكبر بناتهما.
* * *
٣٧١٨ - عَنْ مَسْروُقٍ قَالَ: لَقِيْتُ عُمَرَ ﵁ فَقَالَ: مَنْ أَنْتَ؟ قُلْتُ: مَسْرُوقُ بن الأجْدَعِ، قَالَ عُمَرُ: سَمِعْتُ رَسُوَلَ الله ﷺ يَقُوْلُ: "الأجْدَعِ شَيْطَان".
"وعن مسروق أنه قال: لقيت عمر فقال: من أنت؟ قلت: مسروق بن الأجدع، قال عمر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: الأجدع شيطان".
* * *
مِنَ الحِسَان:
٣٧٠٤ - عَنْ أَبيْ الدَّرْداء ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُوْلُ الله ﷺ : "تُدْعَونَ يَوْمَ القِيَامَةِ بِأَسْمَائِكُم وأَسْمَاءِ آبَائِكُم، فَأَحْسِنُوا أَسَمَاءَكُم".
"عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : تُدعون يوم القيامة بأسمائكم
стр. 2503
وأسماء آبائكم فأحسنوا أسماءكم".
* * *
٣٧٠٥ - عَنْ أَبيْ هُرِيْرةَ ﵁: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ نهَى أَنْ يَجْمَعَ أَحْدٌ بَيْنَ اسْمِهِ وكُنيتَهِ ويُسَمَّى: مُحَمَّداً أَبَا القَاسِم.
"وعن أبي هريرة ﵁ أنه ﵊ نهى أن يجمع أحدٌ بين اسمه وكنيته ويسمِّي محمداً أبا القاسم" لوقوع اللبس إذا نودي الغير بحضرته، فيكون مقيَّدًا بحياته.
* * *
٣٧٠٦ - وَعَنْ جَابرٍ ﵁: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "إِذَا سَمَّيْتُم باسْمِي فَلَا تَكْتَنُوا بكُنْيتي"، غريب.
وفي رِوايَةٍ: "مَنْ تَسَمَّى باسْمِي فَلَا يَكتَنِ بِكُنْيتِي، ومَنْ اكتَنَى بِكُنيَتي فَلَا يَسَمَّ باسِمْي".
"وعن جابر: أن النبي ﷺ قال: إذا سميتم باسمي فلا تكتنوا بكنيتي".
"غريب ".
"وفي رواية: من تسمى باسمي فلا يَكْتَنِ بكنيتي، ومن اكتنى بكنيتي فلا يتسمَّ باسمي، وهذا يدل على أن الإفراد جائز فإنه أقلُّ كراهة من الجمع؛ لأن في الإفراد يمكن رفع اللبس بخلاف الجمع فإنه لا يمكن الرفع فيه إلا بكلفة؛ لكثرة الاشتراك سواءٌ في زمنه ﷺ أو بعده.
* * *
٣٧١٦ - عَنْ عَائِشَةَ: قَالَتْ امرَأةٌ: يَا رَسُوَلَ الله! إنِّي وَلَدْتُ غُلَاماً
стр. 2504
فَسَمَّيتُهُ: مُحمَّداً وكنَّيتُهُ: أَبَا القاسِم، فذُكِرَ لِيْ أنَّكَ تَكْرَهُ ذَلَكَ، قَالَ: "مَا الَّذِي أَحَلَّ اسْمِي وَحَرَّمَ كُنْيَتِي؟ "، أَوْ: "مَا الَّذِي حَرَّمَ كُنيتَي وأَحَلَّ اسْمِي؟ "، غريب.
"عن عائشة ﵂ أنها قالت: قالت امرأة: يا رسول الله! إني ولدت غلامًا فسميته محمدًا وكنيته أبا القاسم، فذُكر لي أنك تكره ذلك؟ قال: ما الذي أحل اسمي وحرم كنيتي، أو: ما الذي حرم كنيتي وأحل اسمي" وهذه شك من الراوي؛ يعني: لا فرق بين التسمية باسمي والتكنية بكنيتي بل كلاهما جائز، وهذا منسوخ عند مَن لم يجوّز الجمع بينهما.
* * *
٣٧٠٧ - عَنْ مُحَمَّدِ بن الحَنَفيَّةِ، عَنْ عليٍّ أنِّه قَالَ: يَا رسَوُلَ الله! أَرَأَيْتَ إنْ وُلِدَ لِيْ بَعْدَك وَلَدٌ، أُسَمِّيهِ: مُحمَّداً وأُكَنِّيهِ بكُنيَتِكَ؟ قَالَ: "نعَم"، وكانَتْ رُخْصَةً لِيْ.
"عن محمد بن الحنفية عن علي أنه قال: يا رسول الله! أرأيت"؛ أي: أخبرني.
"إن ولد لي بعدك ولد أسميه محمداً وأكنيه بكنيتك؟ قال: نعم، وكانت رخصة لي" علم منه أن النهي مقصورٌ على زمانه ﷺ ، فيجوز الجمع بينهما بعده لرفع الالتباس، وبه قال مالك.
* * *
٣٧٠٨ - وَقَالَ أَنسٌ ﵁: كَنَّانِي رَسُولُ الله ﷺ أَبَا حَمْزَةَ ببقْلَةٍ كُنْتُ أَجتِنيْها.
صحيح.
"وقال أنس ﵁: كناني رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أبا حمزة ببقلة كنت أجتنيها"؛ أي: أقلعها؛ يعني: كنت أقلع حمزة، وهو بقلة حِرِّيفة،
стр. 2505
وقيل: في طعمها حموضة، فكناني أبا حمزة.
"صحيح".
* * *
٣٧٠٩ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: إِنَّ النَّبيَّ ﷺ كَانَ يُغيرُ الاسْمَ القَبيْحَ.
"عن عائشة أنها قالت: إن النبي ﷺ كان يغير الاسم القبيح".
* * *
٣٧١٠ - ورُوِيَ: أَنَّ رَجُلاً يُقالُ لَهُ؛ أَصْرَمُ، قَالَ لَهُ رَسُولُ الله ﷺ : "مَا اسْمُكَ؟ " قَالَ: أَصْرمُ، قَالَ: "بَلْ أَنْتَ: زُرْعَةُ".
"وروى أسامة بن أخدري أن رجلاً يقال له: أصرم" من الصَّرْم وهو القطع، وذلك غير مستحسن في التفاؤل.
"قال له رسول الله ﷺ : ما اسمك؟ قال: أصرم، قال" كراهة لهذا الاسم: "بل أنت زُرعة" بضم الزاي وسكون الراء المهملة: فُعْلة من الزرع، وهي قطعة منه، والزرع مستحسن فلهذا غيَّر أصرم إليه.
* * *
٣٧١١ - ورُوِيَ: أنَّه ﷺ غيَّرَ اسْمَ: العَاص، وعَزيْزٍ، وعَتَلَةَ، وشيطان، والحَكَم، وغُرَابٍ، وحُبَابٍ، وشِهابٍ.
"وروي أنه ﷺ غيَّر اسم العاص" كراهةً لمعنى العصيان؛ لأن شعار المؤمن الطاعة والاستسلام.
стр. 2506
"وعزيز" لأنه من أسماء الله تعالى، والعبد موصوفٌ بالذل والخشوع والاستكانة.
"وغَتَلة" بالفتحات؛ لأن معناه: الغلظة والشدة، ومن صفة المؤمن اللين والسهولة وخَفْضُ الجناح.
"وشيطان" لأن اشتقاقه من الشطن، وهو البعد من الخير، وهو اسم المارد والخبيث من الجن والإنس.
"والحكم" لما قلنا: إنه هو الحاكم الذي إذا حكم لا يردُّ حكمه، وهذه الصفة لا تليق بغير الله تعالى.
"وغراب" لأن معناه البعد.
"وحُبَاب" بضم الحاء المهملة؛ لأنه نوعٌ من الحيات، وقيل: هو اسم شيطان.
"وشهاب" بكسر الشين؛ لأنه شعلة نار ساطعة، أي: مرتفعة، والنار عقاب الله، ولأنه يُرجم به الشيطان.
* * *
٣٧١٢ - وعَنْ أَبيْ مَسْعُودٍ الأَنْصَاريِّ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبيَّ ﷺ يَقُولُ في: زعموا: "بئسَ مَطيَّةُ الرَّجُل! ".
"عن أبي مسعود الأنصاري ﵁ قال: سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول في زعموا"؛ أي: في حق لفظ (زعموا)، والزعم؛ الادعاء، والمراد به: التكلُّمُ بكلام سمعه من غيره ولم يعلم صحته؛ لأن استعمالها (١)
стр. 2507
غالبًا في حديثٍ لا سند له ولا تثبت فيه بل تحُكى على الألسن.
"بئس مطيةُ الرجل"؛ أي: مركوبُه، والمخصوص بالذم محذوفٌ للعلم به، شبَّه ﷺ ما يقدِّمه الرجل أمام كلامه توصُّلاً به إلى حاجته من قول: (زعموا) بالمطية المتوصَّل بها إلى المقصد، فأمر ﷺ بالتثبُّت في المحكي والاحتياط في المروي، فلا يروي حديثًا إلا عن ثقة، فقد روي أنه ﷺ قال: "كفى بالمرء كذبًا أن يحدِّث بكل ما سمع".
* * *
٣٧١٣ - وعَنْ حُذيْفَةَ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "لَا تَقَوُلُوا: مَا شَاءَ الله وشَاءَ فُلَانٌ، وَقُولُوا: مَا شَاءَ الله ثُمَّ شَاءَ فُلَانٌ".
"عن حذيفة عن النبي ﷺ قال: لا تقولوا ما شاء الله" فيه حذف، أي: فهو كائن، أو: كان ونحوه.
"وشاء فلان" بالعطف عليه؛ لأنه يلزم منه الاشتراكُ والتسويةُ بين الله وبين العباد في المشيئة؛ لأن الواو للجمع والاشتراك.
"وقولوا: ما شاء الله ثم شاء فلان" لأن (ثم) للتراخي.
* * *
٣٧١٤ - وَيُروَى: "لَا تَقُوْلُوا: مَا شَاءَ الله وشَاءَ مُحَمَّد، وَقُولُوا: مَا شَاءَ الله وَحْدَهُ"، منقطع.
"ويروى: لا تقولوا: ما شاء الله وشاء محمد، وقولوا: ما شاء الله وحده"، "منقطع".
* * *
стр. 2508
٣٧١٥ - وَقَالَ: "وَلَا تَقُولُوا للمُنَافِقِ: سيدٌ، فإنَّه إِنْ يَكُ سَيداً فَقَدْ أَسْخَطُتُم ربَّكُم".
"عن بريدة الأسلمي قال: قال رسول الله ﷺ : لا تقولوا للمنافق سيدنا، فإنه إن يك سيداً"؛ أي: صاحبَ عبيدٍ وإماءٍ وأموال.
"فقد أسخطتم"؛ أي: أغضبتم "ربكم" لأنكم عظَّمتم مَن لا يستحقُّ التعظيم، وإن لم يكن كذلك فقد كذبتم.
* * *
٩ - باب البَيانِ والشِّعرِ
(باب البيان والشعر)
و (البيان): إظهار المقصود بأفصح لفظ وأبلغه، وأصله: الكشف والظهور.
مِنَ الصِّحَاحِ:
٣٧١٩ - عَنِ ابن عُمرَ قَال: قَدِمَ رَجُلانِ مِنَ المَشْرقِ فخطَبا فعَجبَ النَّاسُ لِبيَانِهِما، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إنَّ مِنَ البَيانِ لَسِحْراً".
"من الصحاح":
" عن ابن عمر قال: قدم رجلان من المشرق فخطبا" ببلاغة ومحسنات ألفاظ.
"فعجب الناس لبيانهما، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إن من البيان لسحراً": يعني: إن بعض البيان بمثابة السحر في ميلان القلوب أو في العجز عن الإتيان بمثله، وهذا النوعُ ممدوحٌ إذا صُرف إلى الحق، ومذمومٌ إذا
стр. 2509
صرف إلى الباطل.
* * *
٣٧٢٠ - وقَالَ: "إنَّ مِنَ الشِّعرِ حِكْمَةً".
"وعن أبي بن كعب قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إن من الشعر لحكمة"؛ أي: كلامًا نافعًا يمنع عن الجهل والسفه، وهو ما نَظَمه الشعراء من المواعظ والأمثال المنتفِع بها الناسُ، والثناءِ على الله ورسوله، والنصيحةِ للمسلمين، وما أشبه ذلك، وهذا النوع من الشعر محمودٌ وممدوحٌ، والشعر المذمومُ ما فيه كلام قبيح.
* * *
٣٧٢١ - وقَالَ: "هَلَكَ المُتَنَطِّعُونَ"، قَالَهَا ثَلاثاً.
"وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: ألا هلك المتنطعون" وهم المتعمِّقون في الكلام الغالُون في خوضهم فيما لا يعنيهم منه، وقيل: المتكلِّفون في الفصاحة، وقيل: أراد بهم المصوِّتين من قعر حلوقهم والمردِّدين لكلامهم في أفواههم رعونةً في القول وفصاحة.
"قالها"؛ أي: هذه الكلمة.
"ثلاثاً" تهويلًا لشأن هذا الأمر وتحريضًا على التيقُّظ لمَا فيه من الغائلة العظيمة.
* * *
٣٧٢٢ - وقَالَ: "أَصْدَقُ كَلِمَةٍ قالَها الشَّاعِرُ كَلِمَةُ لَبيدٍ:
أَلا كُلُّ شَيءٍ مَا خَلا الله باطِلٌ"
стр. 2510
"عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أصدق كلمة"؛ أي: كلام.
"قالها الشاعر كلمة لبيد بن ربيعة: ألا كل شيء ما خلا الله باطل"؛ أي: فانٍ في حد ذاته، وهو الممكن، و (خلا) بمعنى سِوى، وإنما كان هذا القولُ أصدق لأن النقل والعقل شاهدان عليه.
روي: أن لبيداً لما أنشد هذا المِصرَاع قال ﷺ له: "صدقت"، ولمَّا قال: وكلُّ نعيم لا محالةَ زائلُ، قال ﷺ : "كذبتَ فإن نعيم الجنة لا يزول".
٣٧٢٣ - وعَن عَمرِو بن الشَّريدِ، عَنْ أبيهِ، قال: رَدِفْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَوْماً فَقَالَ: "هلْ مَعَكَ مِن شِعرِ أُمَيَّةَ بن أبي الصَّلتِ شَيء؟ " قُلتُ: نعم، قَال: "هِيْهِ"، فأَنشدْتُه بَيْتاً، فَقَال: "هيهِ"، ثُمَّ أنشدتُهُ بيتاً، فَقَالَ: "هِيْهِ"، حتى أَنشدتُه مئةَ بيْتٍ.
"وعن عمرو بن الشريد، عن أبيه أنه قال: ردفتُ رسول الله ﷺ يوماً فقال: هل معك من شعر أمية بن أبي الصلت شيء؟ قلت: نعم، قال: هيه" بمعنى إيهِ -بكسر الهمزة- هو اسم فعل معناه الأمر؛ أي: تكلَّم، وقد تنوَّن فتحاً وكسراً للتنكير نحو: إيهٍ وإيهاً؛ أي: حدّث حديثاً.
"فأنشدته بيتاً، فقال: هيه، ثم أنشدته بيتاً فقال: هيه، حتى أنشدته مئة بيت".
وأمية ثقفيٌّ من شعراء الجاهلية، وكان مترهِّباً وحريصًا على استعلام أخبار النبي ﷺ مصدِّقا لخروجه، راجيًا كونَه من قومه ثقيف، فلما أُخبر أنه من قريش أيس منه ومنعه الحسدُ عن الإيمان به، ولم يلبث أن مات.
стр. 2511
يروى أنه قال عند وفاته:
إن تغفر اللهم فاغفر جماً. . . وأيُّ عبدٍ لك لا ألمَّا
وقال:
وكلُّ عيشٍ كان تطاول دهراً. . . صائرٌ مدةً إلى أنْ يزولا
ليتني كنت قبل ما بدا لي. . . في قلال الجبال أرعى الوعولا
ولذلك قال ﷺ في بعض طرق الحديث: "أسلم شعرُه وكفر قلبُه".
وقال ﷺ لأخته لمَّا قدمت عليه بعد فتح الطائف: "كان مَثَلُ أخيك كمَثَلِ الذي أعطاه الله آياتِ فانسلخ منها فكان من الغاوين"، وهذا يدل على استحباب قراءة الشعر إذا كان فيه حكمة وموعظة.
٣٧٢٤ - وعَنْ جُنْدَبٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ كَانَ في بَعضِ المَشَاهدِ وقَد دَمِيَتْ إصبَعُه فَقَال:
"هلْ أنتِ إلَاّ إصبَعٌ دَمِيتِ. . . وفي سَبيْلِ الله ما لَقِيتِ"
"وعن جندب بن سفيان البجلي: أن النبي ﷺ كان في بعض المشاهد"؛ أي: الغزوات.
"وقد دميت إصبعه" والواو للحال.
"فقال هل أنت إلا إصبع دميت" بكسر التاء: خطابٌ للإصبع؛ أي: جُرحت.
"وفي سبيل الله ما لقيت"؛ أي: الذي لقيته في سبيل الله لا في سبيل غيره، والحبيب إذا لقي في سبيل حبيبه سوءاً لا يشتكي منه، لم يقصد ﷺ بتكلُّمه بهذا
стр. 2512
وأشباهه الشعر، ولكن خرج من غاية فصاحته على نظم الشعر من غير قصده إياه.
٣٧٢٥ - وعَنِ البَراءِ بن عَازِبٍ ﵁ قَال: قال رسولُ الله ﷺ يومَ قُرَيْظَةَ لِحَسَّانَ بن ثابتٍ: "اهْجُ المُشْرِكِينَ، فإن جِبْرِيلَ مَعَك".
"وعن البراء بن عازب قال: قال رسول الله ﷺ يوم قريظة لحسان بن ثابت: اهجُ المشركين"؛ أي: اذكر عيوبهم وقلةَ عقولهم في عبادة الأصنام.
"فإن جبريل معك".
٣٧٢٦ - وكَانَ رَسُولُ الله ﷺ يقُولُ لِحَسَّانَ: "أَجِبْ عنِّي، اللهمَّ! أَيدهُ بِرُوحِ القُدُسِ".
"وكان رسول الله ﷺ يقول لحسان: أجب عني"؛ أي: اهجُهم فإني لا أُحسن الشعر حتى أهجوهم.
"اللهم أيده"؛ أي: قوِّه، يعني حسان.
"بروح القدس"؛ أي: بجبريل، سمي به لأنه كان يأتي الأنبياء بما فيه حياة القلوب، و (القُدُس) بمعنى المقدَّس وهو الله، فإضافة الروح للتشريف، أو (القدس) صفة للروح وإنما أضيف إليه تنبيهاً على زيادة الاختصاص، وتأييدُه إمداده بالجواب وإلهامه بالصواب.
٣٧٢٧ - وعَنْ عَائِشةَ ﵂: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "اهْجُوا قُرَيْشاً، فإنَّه أَشَدُّ عَليْهِم مِن رَشْقِ النَّبلِ".
стр. 2513
وقَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقولُ لِحَسَّانَ: "إن رُوحَ القُدُسِ لا يَزالُ يُؤَيدُكَ ما نافَحْتَ عَنِ الله ورَسُوله".
وقالتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقولُ: "هجاهُم حَسَّانُ فَشَفَى واشْتَفَى".
"عن عائشة- ﵂: أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال: اهجوا قريشاً، فإنه"؛ أي: الهجو "أشدُّ عليهم من رشق النبل" بفتح الراء وسكون الشين؛ أي: من رمي السهم.
"وقالت: سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول لحسان: إن روح القدس لا يزال يؤيدك" يجوز أن يكون هذا دعاءً أو إخباراً.
"ما نافحت"؛ أي: خاصمت.
"عن الله"؛ أي: مدةَ دفعك عن عباد الله.
"ورسوله" وتقويتهم على المشركين.
روي عن عائشة: أن النبي ﷺ كان يضع لحسان منبراً فيقوم عليه يهجو من كان يهجو رسول الله.
"وقالت: سمعت رسول الله يقول: هجاهم حسان فشفى"؛ أي: غيره من المؤمنين؛ يعني: وجدوا بذلك شفاءً لما في قلوبهم من الغيظ.
"واستشفى" هو بنفسه.
٣٧٢٨ - عَنِ البَراءِ قَال: كانَ رَسُولُ الله ﷺ ينقُلُ التُّرابَ يومَ الخَنْدقِ حتَّى اغبَرَّ بطْنُهُ ويَقُولُ:
"والله لَوْلا الله ما اهتَدَيْنَا. . . ولا تَصَدَّقْنَا ولا صَلَّينَا
стр. 2514
فأنْزِلَنْ سَكِيَنة عَلَيْنَا. . . وَثَبت الأَقْدَامَ إنْ لَاقَيْنَا
إنَّ الألَى قَدْ بَغَوْا عَلَيْنَا. . . إذَا أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا
يَرفَعُ بِها صَوْتَه: أَبَينا، أَبَيْنا".
"عن البراء أنه قال: كان رسول الله ﷺ ينقل التراب يوم الخندق": وهو يوم اتفق قبائل العرب على محاربة النبي ﷺ ، فاجتمعوا وجاؤوا حتى نزلوا حول المدينة، فقيل للنبي ﷺ : طريق دفعهم أن يحفر حولها خندقاً كيلا يقدروا أن يتجاوزوا الخندق فإنهم أكثر من أن نقدر على مقاومتهم، فاشتغل ﷺ هو وأصحابه بحفر الخندق.
"حتى اغبر بطنه"؛ أي: صار ذا غبار.
"ويقول: والله لولا الله"؛ أي: لولا هدايةُ الله، أو فضلُه علينا بأن هدانا إلى الإسلام.
"ما اهتدينا" مصداقه قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ﴾ [الأعراف: ٤٣].
"ولا تصدَّقنا ولا صلينا، فأنزلن سكينة علينا"ـ؛ أي: وقاراً وأمنًا من العدو.
"وثبت الأقدام"؛ أي: أقدامنا على محاربة العدو.
"إن لاقينا"؛ أي: العدو.
"وإن القريش قد بغوا علينا"؛ أي: ظلمونا بإخراجنا من مكة.
"إذا أرادوا فتنة" أراد بها الرد إلى الكفر.
"أبينا"؛ أي: امتنعنا.
"يرفع"؛ أي: النبي ﷺ "بها صوته" ويكرر: "أبينا أبينا".
стр. 2515
٣٧٢٩ - عَنْ أَنسٍ ﵁ قَال: جَعَلَ المُهاجِرُونَ والأنْصَارُ يَحْفِرُون الخَنْدقَ وينقُلُونَ التُّرابَ وهُم يَقُولُونَ:
نَحْنُ الَّذِينَ بايَعُوا مُحَمَّداً. . . على الجهادِ ما بَقِيْنا أَبَدًا
ويَقُولُ النَّبيُّ ﷺ وهوَ يُجيبُهُم:
"اللهمَّ! لا عَيْشَ إلا عَيْشُ الآخِرهْ. . . فاغْفِر للأَنْصَارِ والمُهاجِره"
"عن أنس ﵁ أنه قال: جعل المهاجرون والأنصار"؛ أي: شرعوا "يحفرون الخندق وينقلون التراب وهم يقولون: نحن الذين بايعوا محمداً على الجهاد ما بقينا أبداً، ويقول النبي ﷺ وهو يجيبهم: اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة" التاء فيها للجمع، يريد المهاجرين.
٣٧٣٥ - وقَال رَسُول الله ﷺ : "لأنْ يَمْتَلِئَ جَوْفُ رَجُلٍ قَيْحاً يَرِيْهِ خَيْرٌ مِن أَنْ يَمتَلِئَ شِعراً".
"عن سعد بن أبي وقاص ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ : لأَنْ يمتلئ جوف رجل قيحاً حتى يَرِيَه" الضمير للجوف، معناه: يفسد رئته، من قولهم: وَرَى القيحُ جوفَه؛ أي: أكله.
"خير من أن يمتلئ شعراً" والمراد به: كلُّ شعر شاغل عن ذكر الله والعلم.
стр. 2516
مِنَ الحِسَان:
٣٧٣١ - عَنْ كعبِ بن مَالكٍ ﵁: أنَّه قَال للنَّبيِّ ﷺ : إنَّ الله تعالى قَدْ أَنْزلَ في الشِّعرِ مَا أَنْزلَ، فَقَال النَّبي ﷺ : "إنَّ المُؤْمنَ يُجاهِدُ بسيفِه ولِسانِه، والذي نفسي بيدِه، لَكَأنَّما ترمُونهم بِهِ نضحُ النَّبلِ".
"من الحسان":
" عن كعب بن مالك أنه قال للنبي ﷺ : إن الله قد أنزل في الشعر ما أنزل" وهو ذم الشعراء بقوله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ [الشعراء: ٢٢٤]، فهل يجوز لنا أن نقول الشعر في هجو الكفار؟.
"فقال النبي ﷺ : إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه" تنبيهاً على أن هذا ليس من الغواية بل هو مجاهدةٌ في سبيل الله.
"والذي نفسي بيده لكأنَّ ما ترمونهم به"؛ أي: بالشعر واللسان.
"نضحُ النبل"؛ أي: نضحاً مثل نضح النبل، أي: رمياً مثل رمي السهم، يعني: تأثيره في نفوسهم كتأثير السهام بل أشد.
٣٧٣٢ - عن أَبي أُمامَةَ ﵁، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "الحَيَاءُ والعِيُّ شُعبَتانِ مِن الإِيْمانِ، والبَذاءُ والبَيَانُ شُعبَتانِ مِن النِّفاقِ".
"عن أبي أمامة عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: الحياء والعِيُّ" بكسر العين المهملة هو التحيّر في الكلام والعجزُ، والمراد هنا: السكوت عما فيه إثم من الكلام.
"شعبتان من الإيمان" وذلك لمناسبتهما له في منعهما من المعاصي والاجتراء على الله بِعَثْرةِ اللسان وتبيعة القول كما يمنع الإيمان من ذلك.
стр. 2517
"والبذاء" بفتح الباء: هو الفحش من القول.
"والبيان" أراد به ما فيه إثم من الفصاحة، كهجو أحد، أو مدحه (١) بما لا يليق بالبشر.
"شعبتان من النفاق" يريد أن منشاهما النفاق.
٣٧٣٣ - عَنْ أَبي ثَعلبةَ الخُشَنيِّ ﵁: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَال: "إنَّ أَحَبَّكم إِليَّ وأَقْرَبَكم مِنِّي يَوْمَ القِيَامةِ أحاسِنُكُم أَخَلَاقاً، وإِنَّ أَبْغضَكُم إليَّ وأَبْعَدَكم مِنِّي مَسَاوِئُكم أخلَاقاً، الثَّرثَارُونَ المُتشدِّقُونَ المُتَفَيْهِقُونَ".
"عن أبي ثعلبة الخشني: أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال: إن أحبكم إلي وأقربكم مني يوم القيامة أحاسنكم" -جمع الأحسن- "أخلاقاً".
"وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني مساوئكم" - بفتح الميم: جمع السوء، وهو ضد الحسن- "أخلاقاً".
"الثرثارون" وهم الذين يكثرون الكلام تكلُّفًا وخروجاً عن الحق.
"المتشدقون"؛ أي: المتمخصون، وقيل: المستهزئون بالناس.
"المتفيهقون"؛ أي: المتوسعون في الكلام، وفي هذا شيء من التكبُّر والرعونة.
٣٧٣٤ - عَنْ سَعْدِ بن أبي وَقَّاص قَال: قَال رَسُولُ الله ﷺ : "لا تَقُومُ السَّاعةُ حتَّى يخرُجَ قَوْمٌ يأكُلُونَ بألسِنَتِهِم كَمَا تأكُلُ البقَرُ بأَلِسنَتِها".
стр. 2518
"عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : لا تقوم الساعة حتى يخرج قوم يأكلون بألسنتهم كما تأكل البقر بألسنتها"؛ يعني: كما أن البقر تأكل الحشيش من كل نوع ولا تميز بين النافع والضار، فكذلك هؤلاء لا يبالون بما يقولون من كلامهم.
وقيل: إن البقرة كما لا تهتدي إلى الكلأ، ولا تتمكن من الاحتشاش إلا بلسانها، فكذلك هؤلاء لا يهتدون إلى المآكل إلا بذلك، لا يميزون بين الحق والباطل، وبين الحلال والحرام، سمَّاعون للكذب أكَّالون للسحت، فوقع ضربُ المثل بالبقر عن هذين المعنيين.
٣٧٣٥ - عَنْ عَبدِ الله بن عَمرٍو: أنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَال: "إنَّ الله يُبغِضُ البَليغَ مِن الرَّجالِ، الَّذي يتَخَلَّلُ بلِسَانِهِ كَمَا تتَخَلَّلُ البَاقِرَةُ بِلِسانِها"، غريب.
"عن عبد الله بن عمرو: أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال: إن الله تعالى يبغض البليغ"؛ أي: الفصيح، وهو المبالغ في الكلام.
"من الرجال الذي يتخلَّل"؛ أي: يأكل "بلسانه"؛ يعني يدير اللسان حول الأسنان في التكلم تفاصحاً.
"كما تتخلل الباقرة" بمعنى البقرة.
"بلسانها" ومعناه كمعنى الحديث الأول، فالمرضيُّ من الكلام أن يكون قَدْرَ الحاجة غيرَ زائد عليها، يوافق ظاهرُه باطنَه.
"غريب".
٣٧٣٦ - عَنْ أنسٍ ﵁ قَال: قَال رَسُولُ الله ﷺ : "مَرَرْتُ لَيْلةَ أُسرِيَ بي بِقَومٍ تُقْرَضُ شِفاهُهم بمقارِيض مِنَ النَّارِ، فَقُلْتُ: يا جبريلُ! مَن هؤُلاءَ؟ قَال:
стр. 2519
هؤُلاءَ خُطباءُ أُمَّتِكَ الَّذينَ يقولونَ ما لا يعلَمونَ"، غريب.
"عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: مررتُ ليلةَ أسري بي" بناء (ليلة) على الفتح؛ لإضافتها إلى الجملة.
"بقوم تقرض"؛ أي: تقطع.
"شفاههم" بكسر الشين: جمع شَفة بالفتح.
"بمقاريض": جمع مقراض.
"من النار، فقلت: يا جبريل! من هؤلاء؟ قال: هؤلاء خطباء أمتك"؛ أي: علماؤهم.
"الذين يقولون ما لا يعلمون".
"غريب".
٣٧٣٧ - عَنْ أبي هُريْرَة ﵁ قَال: قَال رَسُول الله ﷺ : "مَن تَعَلَّم صَرْفَ الكَلامِ ليَسبيَ به قُلوبَ الرِّجَالِ -أَوِ: النَّاس- لَمْ يقبلِ الله مَنْهُ يومَ القِيامةِ صَرفاً ولا عَدلاً".
"عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : من تعلَّم صرف الكلام" يريد به فضله وزيادته؛ يعني: مَن تعلَّم الفصاحة وأنواعَ البلاغة من الشعر وغيره من العلوم لا لله تعالى بل "ليسبي به قلوب الرجال أو الناس"؛ أي: ليجعل قلوبهم إليه مائلةً.
"لم يقبل الله منه يوم القيامة صرفاً"؛ أي: حيلةً، أو توبة، أو فريضة.
"ولا عدلاً"؛ أي: فداء، أو نافلةً، أو قُربةً.
стр. 2520
٣٧٣٨ - عَنْ عَمرِو بن العَاصِ: أنَّه قَال يَوْماً -وقَامَ رجل فأكثرَ القَولَ- قَالَ عمرٌو: لو قَصَدَ في قويهِ لَكَانَ خَيْراً لهُ، سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُولُ: "لَقْد رَأَيتُ -أو: أُمِرتُ- أنْ أتجوَّزَ في القَولِ، فإنَّ الجَوازَ هُوَ خيرٌ".
"عن عمرو بن العاص أنه قال يوماً"؛ أي: قولاً.
"وقام رجل فأكثر القول، قال عمرو: لو قصد في قوله" والقصد في القول هو ما بين الإفراط والتفريط قِصَراً وطولاً.
"لكان خيراً له، سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول: لقد رأيت" بمعنى علمت.
"أو أمرت أن أتجوَّز"؛ أي: أقتصر.
"في القول، فإن الجواز"؛ أي: الاقتصار فيه "هو خير".
٣٧٣٩ - عن صَخْرِ بن عبدِ الله بن بُرَيْدَةَ، عَنْ أبيْهِ، عَنْ جَدِّه ﵁، قَال: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَقُول: "إن مِن البَيانِ سحراً، وإنَّ مِن العِلْم جَهْلاً، وإنَّ مِن الشِّعرِ حُكْمًا، وإنَّ مِنَ القَولِ عِيَالاً".
"عن صخر بن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، عن جده أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول: إن من البيان لسحراً وإن من العلم جهلاً"؛ يعني: قد يكون من العلوم ما يكون كالجهل بل الجهلُ خيرٌ منه؛ لكونه عِلْماً مذمومًا، وقيل: معناه: إن بعضًا من العلوم لا يُحتاج إليه كعلوم القدماء، فالاشتغال به يمنعه عن تعلم ما يحتاج إليه في دينه فيكون جهلاً.
"وإن من الشعر حكمًا" قيل: المراد به الحكمة، كقوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ [مريم: ١٢]؛ أي: الحكمة، وقوله تعالى: ﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا﴾ [الشعراء: ٢١]؛ أي: حكمة، وأصل الحكمة المنع.
стр. 2521
وإن من القول عيالاً" بكسر العين؛ أي: وبالاً وثقلاً؛ يعني: قد يكون من أقوال الرجل ما يكون عليه منه إثم؛ لكونه من مناهي الشرع.
١٠ - باب
حِفْظِ اللِّسانِ والغِيْبةِ والشَّتمِ
(باب حفظ اللسان من الغيبة (١) والشتم)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٣٧٤٠ - قَالَ النَّبيُّ ﷺ : "مَن كَانَ يُؤْمِنُ باللهِ واليَومِ الآخِرِ فلْيقُلْ خَيْراً، أو لِيَسْكُتْ".
"من الصحاح":
" عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليسكت"؛ يعني: إن تكلَّمَ فليتكلَّم بما له ثواب وإلا فليسكت؛ لأن السكوت خيرٌ من كلام فيه إثم.
٣٧٤١ - وقَال ﷺ : "مَنْ يَضْمَنْ لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ ومَا بينَ رِجْلَيْهِ أَضْمَنْ لَهُ الجَنَّةَ".
"وعن سهل قال: قال رسول الله ﷺ : من يضمن لي"؛ أي: يكفل بمحافظة "ما بين لحييه" وهو الفم من أكل الحرام وقبح الكلام.
"وما بين رجليه" وهو الفرج من الزنا.
стр. 2522
"أضمن له الجنة" كونه ﷺ مكفولاً له باعتبارِ أنه طالبٌ لهذه المحافظة، ونفعُها عائد إليه؛ لأنه ﷺ هو الهادي، واهتداء المولى المدلول نافع له.
٣٧٤٢ - وَقَال ﷺ : "إنَّ العَبْدَ لَيتكلَّمُ بالكَلِمةِ مِن رِضْوانِ الله لا يُلْقي لَها بَالاً يَرْفعُهُ الله بِها دَرَجَاتٍ، وإنَّ العَبْدَ لَيتكلَّمُ بالكَلِمةِ مِن سَخَطِ الله لا يُلْقِي لَها بالاً يَهوي بِها في جَهنَّم".
ويُروى: "يَهْوِي بِهَا في النَّارِ أَبْعدَ مَا بَيْنَ المَشرقِ والمَغربِ".
"عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : إن العبد" اللام فيه للجنس.
"ليتكلم بالكلمة"؛ أي: بالكلام.
"من رضوان الله"؛ أي: حالَ كونها مما يَرضَى الله بها.
"لا يلقي لها بالاً" بضم ياء المضارعة وكسر القاف؛ أي: لا يُحضر لها قلبه ولا يلتفت عاقبتها، حالٌ من ضمير (يتكلم).
"يرفعه الله بها درجات" هذا استئناف جواب عمن قال: ماذا يستحق المتكلّم بها؟.
"وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً يهوي بها"؛ أي: يسقط بتلك الكلمة "في جهنم"؛ والمعنى: إنه ليتكلم بكلمة الحق يظنها قليلة وهي عند الله جليلةٌ، فيحصل له بها رضوانه، وقد يتكلم بسوء ولا يعلم أنها كذلك وهو عند الله ذنبٌ عظيم، فيحصل له السخط من الله تعالى، وفيه حث على التدبُّر والتفكُّر عند المتكلم.
"ويروى: يهوي بها في النار أبعد" صفته مصدر محذوف؛ أي: هوى أبعدَ.
стр. 2523
"ما بين المشرق والمغرب"، (ما) موصولة والظرفُ صلته؛ يعني: أبعد قعراً من البعد الذي بين المشرق والمغرب.
٣٧٤٣ - وقَالَ: "سِبَابُ المُسْلِم فُسُوقٌ وقِتَالُه كُفْرٌ".
"وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ سِباب" بكسر السين؛ أي: شتم "المسلم فسوق"؛ لأن شتمه بغير حق حرام.
"وقتاله"؛ أي: مجادلته ومحاربته بالباطل "كفر" والحديث محمول على التغليظ والتهديد.
٣٧٤٤ - وقَالَ ﷺ : "أَيُّمَا رَجُل قَالَ لأِخِيهِ: كَافرٌ، فَقَد باءَ بِها أَحَدُهُمَا".
"وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: أيما رجل قال لأخيه كافر فقد باء بها"، أي: رجع بتلك الكلمة "أحدهما"، وفي بعض النسخ: (به)، أي: بالكفر، وهو أولى.
وإنما رجع بالكفر أحدهما؛ لأنه إما أن يَصْدُقَ عليه أو يكذب، فإن صدق فهو كافر، وإن كذب عاد الكفر إليه لتكفيره أخاه المسلم بسبب ذنبٍ صدر عنه (١) واعتقد فيه كونه كافراً بذلك، قيل: هذا فيمن كفَّر مسلماً بلا تأويل، وأما المتأوِّل فخارجٌ عنه.
стр. 2524
٣٧٤٥ - وقَالَ ﷺ : "لا يَرْمِي رَجُل رَجُلاً بالفُسُوقِ، ولا يَرْمِيْهِ بالكُفْرِ، إِلَاّ ارتَدَّتْ عَلَيْه إنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبُهُ كذَلَك".
"وعن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : لا يرمي رجل رجلاً بالفسوق ولا يرميه بالكفر إلا ارتدَّت عليه"؛ أي: على الرجل الرامي؛ يعني: رجعت تلك الكلمة إلى قائلها "إن لم يكن صاحبه كذلك".
٣٧٤٦ - وقَالَ ﷺ : "مَنْ دَعَا رَجُلاً بالكفُرِ، أو قَالَ: عَدُواً للهِ، ولَيْسَ كَذَلك، إِلَّا حَارَ عَلَيْهِ".
"وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : من دعا رجلاً بالكفر، أو قال: عدو الله، وليس كذلك إلا حار"؛ أي: رجع ذلك "عليه".
٣٧٤٧ - وقَالَ: "المُسْتَبَّانِ مَا قَالا، فعلى البَادِئَ مَا لَمْ يَعتَدِ المَظْلُومُ".
"وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : المستبَّان"؛ أي: اللذان سبَّ كلٌّ منهما الآخر؛ أي: شتمه.
"ما قالا"؛ أي: إثم ما قالا من السباب "فعلى البادئ ما لم يعتد المظلوم"؛ أي: لم يتجاوز المسبوبُ في السبِّ عن حدِّه، فإذا تجاوز لا يكون الإثم على البادئ فقط بل يكون الآخرَ آثما أيضاً باعتدائه.
٣٧٤٨ - وقَالَ: "لَا ينبَغِي لِصدِّيقٍ أنْ يَكُونَ لعَّاناً".
стр. 2525
"وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : لا ينبغي لصِدِّيقٍ أن يكون لعَّاناً" وهو الذي يكثر اللعن على لسانه.
٣٧٤٩ - وقَالَ: "إنَّ اللَّعَّانِينَ لَا يَكُونُونَ شُهدَاءَ ولَا شُفَعَاءَ يومَ القِيَامةِ".
"وعن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : إن اللعانين لا يكونون شهداء"؛ أي: على الأمم السالفة بأنَّ رسلهم بلَّغوا الرسالة إليهم، فيحرمون من هذه الرتبة الشريفة المختصة بهذه الأمة.
"ولا شفعاء،" أي: لا يكونون أيضًا شفعاء في إخوانهم العاصين.
"يوم القيامة" قيل: في ذكر اللعانين بصيغة التكثير إشارةٌ إلى أن هذا الذمِّ إنما هو لمن أكثر منه اللعن لا لمن يصدر منه مرة أو مرتين.
٣٧٥٠ - وقَالَ: "إِذَا قَالَ الرَّجُلُ: هلَكَ النَّاسُ، فَهُوَ أَهْلَكُهُم".
"وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : إذا قال الرجل: هلك الناس"؛ أي: استوجبوا النار بسوء أعمالهم.
"فهو أهلكَهم" بفتح الكاف فعلاً ماضيا؛ أي: أوقَعَهم في الهلاك لأنه حملهم على ترك الطاعات والتلئس بالمعاصي يأساً منهم، أو هو الذي أوجب لهم الهلاك لا الله تعالى.
ويروى بالضم أفعلَ تفضيلٍ؛ أي: هو أشدُّهم هلاكاً وأسوؤهم حالاً؛ لأنه يُولع بعيبهم ويذهب بنفسه عجباً.
قيل: لو قاله تحزُّنا عليهم لمَا يرى فيهم من أمر دينهم فلا بأس به.