← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17791

شرح المصابيح لابن الملك

ابن الملك

Полный текст (3 421 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.

стр. 2521

وإن من القول عيالاً" بكسر العين؛ أي: وبالاً وثقلاً؛ يعني: قد يكون من أقوال الرجل ما يكون عليه منه إثم؛ لكونه من مناهي الشرع. ١٠ - باب حِفْظِ اللِّسانِ والغِيْبةِ والشَّتمِ (باب حفظ اللسان من الغيبة (١) والشتم) مِنَ الصِّحَاحِ: ٣٧٤٠ - قَالَ النَّبيُّ ﷺ : "مَن كَانَ يُؤْمِنُ باللهِ واليَومِ الآخِرِ فلْيقُلْ خَيْراً، أو لِيَسْكُتْ". "من الصحاح": " عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليسكت"؛ يعني: إن تكلَّمَ فليتكلَّم بما له ثواب وإلا فليسكت؛ لأن السكوت خيرٌ من كلام فيه إثم. ٣٧٤١ - وقَال ﷺ : "مَنْ يَضْمَنْ لِي مَا بَيْنَ لَحْيَيْهِ ومَا بينَ رِجْلَيْهِ أَضْمَنْ لَهُ الجَنَّةَ". "وعن سهل قال: قال رسول الله ﷺ : من يضمن لي"؛ أي: يكفل بمحافظة "ما بين لحييه" وهو الفم من أكل الحرام وقبح الكلام. "وما بين رجليه" وهو الفرج من الزنا.

стр. 2522

"أضمن له الجنة" كونه ﷺ مكفولاً له باعتبارِ أنه طالبٌ لهذه المحافظة، ونفعُها عائد إليه؛ لأنه ﷺ هو الهادي، واهتداء المولى المدلول نافع له. ٣٧٤٢ - وَقَال ﷺ : "إنَّ العَبْدَ لَيتكلَّمُ بالكَلِمةِ مِن رِضْوانِ الله لا يُلْقي لَها بَالاً يَرْفعُهُ الله بِها دَرَجَاتٍ، وإنَّ العَبْدَ لَيتكلَّمُ بالكَلِمةِ مِن سَخَطِ الله لا يُلْقِي لَها بالاً يَهوي بِها في جَهنَّم". ويُروى: "يَهْوِي بِهَا في النَّارِ أَبْعدَ مَا بَيْنَ المَشرقِ والمَغربِ". "عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : إن العبد" اللام فيه للجنس. "ليتكلم بالكلمة"؛ أي: بالكلام. "من رضوان الله"؛ أي: حالَ كونها مما يَرضَى الله بها. "لا يلقي لها بالاً" بضم ياء المضارعة وكسر القاف؛ أي: لا يُحضر لها قلبه ولا يلتفت عاقبتها، حالٌ من ضمير (يتكلم). "يرفعه الله بها درجات" هذا استئناف جواب عمن قال: ماذا يستحق المتكلّم بها؟. "وإن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً يهوي بها"؛ أي: يسقط بتلك الكلمة "في جهنم"؛ والمعنى: إنه ليتكلم بكلمة الحق يظنها قليلة وهي عند الله جليلةٌ، فيحصل له بها رضوانه، وقد يتكلم بسوء ولا يعلم أنها كذلك وهو عند الله ذنبٌ عظيم، فيحصل له السخط من الله تعالى، وفيه حث على التدبُّر والتفكُّر عند المتكلم. "ويروى: يهوي بها في النار أبعد" صفته مصدر محذوف؛ أي: هوى أبعدَ.

стр. 2523

"ما بين المشرق والمغرب"، (ما) موصولة والظرفُ صلته؛ يعني: أبعد قعراً من البعد الذي بين المشرق والمغرب. ٣٧٤٣ - وقَالَ: "سِبَابُ المُسْلِم فُسُوقٌ وقِتَالُه كُفْرٌ". "وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ سِباب" بكسر السين؛ أي: شتم "المسلم فسوق"؛ لأن شتمه بغير حق حرام. "وقتاله"؛ أي: مجادلته ومحاربته بالباطل "كفر" والحديث محمول على التغليظ والتهديد. ٣٧٤٤ - وقَالَ ﷺ : "أَيُّمَا رَجُل قَالَ لأِخِيهِ: كَافرٌ، فَقَد باءَ بِها أَحَدُهُمَا". "وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: أيما رجل قال لأخيه كافر فقد باء بها"، أي: رجع بتلك الكلمة "أحدهما"، وفي بعض النسخ: (به)، أي: بالكفر، وهو أولى. وإنما رجع بالكفر أحدهما؛ لأنه إما أن يَصْدُقَ عليه أو يكذب، فإن صدق فهو كافر، وإن كذب عاد الكفر إليه لتكفيره أخاه المسلم بسبب ذنبٍ صدر عنه (١) واعتقد فيه كونه كافراً بذلك، قيل: هذا فيمن كفَّر مسلماً بلا تأويل، وأما المتأوِّل فخارجٌ عنه.

стр. 2524

٣٧٤٥ - وقَالَ ﷺ : "لا يَرْمِي رَجُل رَجُلاً بالفُسُوقِ، ولا يَرْمِيْهِ بالكُفْرِ، إِلَاّ ارتَدَّتْ عَلَيْه إنْ لَمْ يَكُنْ صَاحِبُهُ كذَلَك". "وعن أبي ذر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : لا يرمي رجل رجلاً بالفسوق ولا يرميه بالكفر إلا ارتدَّت عليه"؛ أي: على الرجل الرامي؛ يعني: رجعت تلك الكلمة إلى قائلها "إن لم يكن صاحبه كذلك". ٣٧٤٦ - وقَالَ ﷺ : "مَنْ دَعَا رَجُلاً بالكفُرِ، أو قَالَ: عَدُواً للهِ، ولَيْسَ كَذَلك، إِلَّا حَارَ عَلَيْهِ". "وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : من دعا رجلاً بالكفر، أو قال: عدو الله، وليس كذلك إلا حار"؛ أي: رجع ذلك "عليه". ٣٧٤٧ - وقَالَ: "المُسْتَبَّانِ مَا قَالا، فعلى البَادِئَ مَا لَمْ يَعتَدِ المَظْلُومُ". "وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : المستبَّان"؛ أي: اللذان سبَّ كلٌّ منهما الآخر؛ أي: شتمه. "ما قالا"؛ أي: إثم ما قالا من السباب "فعلى البادئ ما لم يعتد المظلوم"؛ أي: لم يتجاوز المسبوبُ في السبِّ عن حدِّه، فإذا تجاوز لا يكون الإثم على البادئ فقط بل يكون الآخرَ آثما أيضاً باعتدائه. ٣٧٤٨ - وقَالَ: "لَا ينبَغِي لِصدِّيقٍ أنْ يَكُونَ لعَّاناً".

стр. 2525

"وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : لا ينبغي لصِدِّيقٍ أن يكون لعَّاناً" وهو الذي يكثر اللعن على لسانه. ٣٧٤٩ - وقَالَ: "إنَّ اللَّعَّانِينَ لَا يَكُونُونَ شُهدَاءَ ولَا شُفَعَاءَ يومَ القِيَامةِ". "وعن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : إن اللعانين لا يكونون شهداء"؛ أي: على الأمم السالفة بأنَّ رسلهم بلَّغوا الرسالة إليهم، فيحرمون من هذه الرتبة الشريفة المختصة بهذه الأمة. "ولا شفعاء،" أي: لا يكونون أيضًا شفعاء في إخوانهم العاصين. "يوم القيامة" قيل: في ذكر اللعانين بصيغة التكثير إشارةٌ إلى أن هذا الذمِّ إنما هو لمن أكثر منه اللعن لا لمن يصدر منه مرة أو مرتين. ٣٧٥٠ - وقَالَ: "إِذَا قَالَ الرَّجُلُ: هلَكَ النَّاسُ، فَهُوَ أَهْلَكُهُم". "وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : إذا قال الرجل: هلك الناس"؛ أي: استوجبوا النار بسوء أعمالهم. "فهو أهلكَهم" بفتح الكاف فعلاً ماضيا؛ أي: أوقَعَهم في الهلاك لأنه حملهم على ترك الطاعات والتلئس بالمعاصي يأساً منهم، أو هو الذي أوجب لهم الهلاك لا الله تعالى. ويروى بالضم أفعلَ تفضيلٍ؛ أي: هو أشدُّهم هلاكاً وأسوؤهم حالاً؛ لأنه يُولع بعيبهم ويذهب بنفسه عجباً. قيل: لو قاله تحزُّنا عليهم لمَا يرى فيهم من أمر دينهم فلا بأس به.

стр. 2526

٣٧٥١ - وقَالَ: "تَجدُوْنَ شَرِّ النَّاسِ يَوْمَ القِيَامةِ ذَا الوَجْهيْنِ، الَّذي يأتِي هؤُلاءِ بِوَجهٍ وهؤلاء بوجهٍ". "وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : تجدون شر الناس يوم القيامة ذا الوجهين الذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه" هذا إذا لم يكن للإصلاح، فلو كان لأجله جاز. ٣٧٥٢ - وقال ﷺ : "لا يَدخُلُ الجُنَّةَ قَتَّاتٌ". ويروى: "لا يَدخُلُ الجَنَّةَ نمَّامٌ". "وعن حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : لا يدخل الجنة قتَّات" بفتح القاف وتشديد التاء الأولى؛ أي: نمَّام، والنميمة: نقلُ الكلام على وجه الإفساد. "ويروى: لا يدخل الجنة نمام" فرَّق بعضٌ بينهما: بأن النمام هو الذي يتحدث مع القوم فينم، والقتات هو الذي يتسمَّع على القوم وهم لا يعلمون ثم يَنُمُّ. ٣٧٥٣ - وقَالَ ﷺ : "عَلَيْكُم بالصدقِ، فإنَّ الصِّدقَ يَهدِي إلَى البرِّ، وإنَّ البرَّ يَهْدِي إلَى الجَنَّةِ، ومَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصدُقُ ويَتَحَرَّى الصِّدقَ حتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ الله صِدِّيقاً، وإيَّاكُم والكَذِبَ، فإنَّ الكَذِبَ يَهْدِي إلَى الفُجُورِ، وإنَّ الفُجُورَ يَهْدِي إلَى النَّارِ، ومَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَكْذِبُ ويتحَرَّى الكَذِبَ حتَّى يُكْتَبَ عِندَ الله كَذَاباً". وفي رِوَايَةٍ: "إنَّ الصِّدقَ بِرٌّ، وإنَّ البرَّ يَهْدِي إلى الجَنَّةِ، وإنَّ الكَذِبَ فُجُورٌ، وإنَّ الفُجُورَ يَهْدِي إلى النَّارِ".

стр. 2527

"وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : عليكم بالصدق"؛ أي: الزموا الصدقَ، وهو الإخبار على وفاقِ ما في الواقع. "فإن الصدق يهدي"؛ أي: يوصل صاحبه. "إلى البر" وهو اكتساب الحسنات والاجتنابُ عن السيئات. "وإن البر يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يَصْدُقُ ويتحرى الصدق"؛ أي: يجتهد في طلب الصدق. "حتى يكتب عند الله صدِّيقاً" بكسر الصاد وتشديد الدال للمبالغة. "وإياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور وإن الفجور يهدي إلى النار، وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله تعالى كذاباً". "وفي رواية: إن الصدق بر، وإن البر يهدي إلى الجنة، وإن الكذب فجورٌ، وإن الفجور يهدي إلى النار". ٣٧٥٤ - وقَالَ: "لَيْسَ الكَذَّابُ الَّذي يُصلِحُ بَيْنَ النَّاسِ، ويَقُولُ خَيْراً، وَينْمِي خَيْراً". "وعن أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط قالت: قال رسول الله ﷺ : ليس الكذاب" فيه نفي المبالغة في الكذب. "الذي يصلح بين الناس"؛ يعني: مَن كذب ليصلح بين الناس لم يكن عليه إثم ذلك الكذب، بل يثبت له أجرٌ. "ويقول خيراً وينمي"؛ أي: يبلِّغ "خيراً" ويقال: نَمَى يَنْمِي نَميْاً: إذا بلَّغ أحداً حديثَ أحد على وجه الإصلاح وطلبِ الخير، بأن يقول مثلاً للإصلاح بين

стр. 2528

زيد وعمرو: يسلِّم عليك زيدٌ، ويمدحك، ويقول: أنا أحبه، وكذلك يجيء إلى زيد ويبلِّغه من عمرو السلامَ مثل ذلك. ٣٧٥٥ - وقَالَ: "إِذَا رَأيْتُم المَدَّاحينَ فاحثُوا في وُجُوهِهِمُ التُّرابَ". "عن مقداد بن الأسود قال: قال رسول الله ﷺ : إذا رأيتم المداحين" وهم الذين اتخذوا مدح الناس عادةً وبضاعة يستأكلون به الممدوح ويفتنونه. "فاحثوا في وجوههم التراب" كنى به عن الحرمان؛ أي: فلا تعطوهم شيئاً. وقيل: يؤخذ التراب ويُحثى؛ أي: يرمي به في وجه المادح عملاً بالظاهر. وقيل: معناه الأمر بدفع المال إليهم، إذ المال شيء حقير كالتراب؛ أي: أعطوهم إياه واقطعوا به ألسنتهم؛ لئلا يهجوكم ويذمُّوكم. أما إذا مدح رجلاً على فعلٍ حسن ترغيبًا له على أمثاله وحثاً للناس على الاقتداء به في أشباهه، فغير مدَّاح. ٣٧٥٦ - وعَنْ أَبي بَكْرَةَ ﵁ قَال: أثنى رَجُلٍ على رَجُلٍ عِنْدَ النَّبيِّ ﷺ فَقَال: "ويلَكَ! قَطَعتَ عُنُقَ أَخِيْكَ -ثَلاثاً- مَن كَانَ مِنْكُم مَادِحًا لا مَحالَةَ فليقُلْ: أَحْسِبُ فُلاناً والله حَسِيبه، إنْ كَانَ يَرَى أنَّه كَذَلِكَ، ولَا يُزكِّي على الله أَحَداً". "وعن أبي بكرة ﵁ أنه قال: أثنى رجل على رجل عند النبي ﷺ ، فقال: ويلك قطعت عنق أخيك! ثلاثاً" إنما كره ذلك لئلا يغترَّ المقولُ له فيستشعر

стр. 2529

الكبر والعجب، وذلك خيانةٌ عليه، فيصير كأنه قطع عنقه فأهلكه. "من كان منكم مادحاً لا محالة" بالفتح؛ أي: في حالة لا بدَّ من مدحه. "فليقل: أحسب فلاناً"، كذا وكذا، وهو من الحسبان بمعنى الظن. "والله حسيبه"؛ أي: مُجازيه على أعماله، وهو العالم بحقيقة حاله. "إن كان يرى"؛ أي: يظن. "أنه كذلك"؛ أي: الممدوح كما مدحه. "ولا يزكي" عطف على (يرى)، وهو الصواب؛ أي: وكان لا يزكي. "على الله أحداً"؛ أي: لا يقطع بتقوى أحد ولا بزكاته عند الله، فإن ذلك غيبٌ عنا، عدَّاه بـ (على) لتضمنه معنى الغلبة؛ لأن مَن جزم على تزكية أحد عند اللُّه فكأنه غَلَبَ عليه في معرفته. ٣٧٥٧ - عن أَبي هُريْرَةَ ﵁: أنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "أتدرُوْنَ مَا الغِيْبةُ؟ " قَالُوا: الله ورَسَولهُ أَعلَمُ، قَال: "ذِكْرُكَ أَخَاكَ بَما يَكْرَه"، قِيْل: أفرَأَيْتَ إنْ كَانَ في أَخِيْ مَا أقولُ؟ قَال: إنْ كَانَ فيهِ مَا تَقُولُ فَقَدْ اغتبْتَهُ، وإنْ لَمْ يَكُنْ فيهِ فَقَد بهتَّهُ". ويُروَى: "إذَا قُلْتَ لأِخيْكَ مَا فيهِ فَقْد اغْتبْتَهُ، وإذَا قُلْتَ مَا لَيْسَ فيهِ فَقدْ بَهتَّهُ". "عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : أتدرون ما الغيبة؟ "؛ أي: أتدرون جواب هذا السؤال؟. "قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: ذكرك أخاك بما يكره"؛ يعني: الغيبة أن تصف أخاك حال كونه غائباً بوصفٍ يكرهه إذا سمعه.

стр. 2530

"قيل: أفرأيت"؛ أي: أخبرني يا رسول الله "إن كان في أخي ما أقول؟ "؛ أي: إن كان أخي موصوفاً بما وصفتُه هل يكون غيبة؟. "قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن فيه فقد بهتَّه"؛ أي: قلت فيه بهتاناً؛ أي: كذبًا عظيماً، والبهتان هو الباطل الذي يُتحيَّر من بطلانه وشدة فكره. "ويروى: أذا قلت لأخيك ما فيه فقد اغتبته، وإذا قلت ما ليس فيه فقد بهتَّه". ٣٧٥٨ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أنَّ رَجُلاً اسْتأذَنَ على النَّبيِّ ﷺ فَقَال: "ائْذَنُوا لَهُ، فبئسَ أَخُو العَشِيرَةِ هُوَ"، فَلَمَّا جَلَسَ تَطَلَّقَ النَّبيّ ﷺ في وَجْهِهِ، وانْبَسَطَ إليْه، فلمَّا انْطَلَقَ الرَّجُلُ قَالَت عَائِشَةُ ﵂: يَا رَسُولَ الله! قُلْتَ لهُ: كَذا وكَذا، ثُمَّ تَطلَّقتَ في وجْهِهِ، وانبسَطْتَ إليه! فقالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَتَى عَهدتِنِي فَحَّاشاً؟ إنَّ شَرَّ النَّاس عِنَدَ الله مَنْزلةً يَومَ القِيامةِ مَن تَرَكهُ النَّاس اتقَاءَ شَرِّه". ويُرْوَى: "اتّقاءَ فُحشِهِ". "وعن عائشة ﵁ أن رجلاً" قيل: هو عيينة بن حصن. "استأذن على النبي ﷺ "؛ أي: طلب الإذن في الدخول عليه. "فقال: ائذنوا له فبئس أخو العشيرة" هو؛ أي: بئس هو في قومه، وهذا تعريف له بسوء الفعل وخبث النفس، وكذلك يدل على جواز ذكر مساوئ الخبيث ليُحترز منه ويُتوقَّى شره. "فلما جلس تطلَّق رسول الله ﷺ "؛ أي: أظهر الطلاقة والبشاشة "في

стр. 2531

وجهه وانبسط إليه"؛ يعني جعله قريبًا من نفسه وتبسم في وجهه. "فلما انطلق الرجل"؛ أي: ذهب "قالت عائشة: يا رسول الله! قلت له كذا وكذا، ثم تطلَّقت في وجهه وانبسطت إليه؟! فقال رسول الله: متى عاهدتني"؛ أي: وجدتني "فحاشاً؟ " أصل الفحش: زيادة الشيء على مقداره، وهذا إنكارٌ على عائشة قولها: إنك خالفت بين الغيبة والحضور. "إن شر الناس" استئنافٌ كالتعليل لقوله: (متى عاهدتني فحاشًا). "عند الله منزلةً يوم القيامة من تركه الناس"؛ أي: تركوا التعرُّض له "اتقاء شره" كيلا يؤذيه بلسانه، وفيه رخصةُ التواضع لدفع الضرر. "ويروى: اتقاء فحشه" وهو مجاوزة الحد قولًا وفعلاً، قيل: ذلك الرجل ظهر كما وصفه النبي ﷺ ، ارتدَّ بعده مع المرتدين وجيء به أسيراً إلى أبي بكر ﵁. ٣٧٥٩ - عَنْ أَبي هُريرَة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ "كُلُّ أُمَّتِي مُعَافَى إلَّا المُجاهِرِينَ، فإنَّ مِن المُجَاهرةِ: أنْ يَعمَلَ الرَّجُلُ باللَّيلِ عَمَلاً ثُمَّ يُصبحُ وقد سَتَرَهُ الله فَيقولَ: يَا فُلانُ! عَمِلْتُ البَارِحَةَ كذا وكذا، وقد بَاتَ يسْترُه ربُّه، ويُصْبحُ يكشِفُ سِتْرَ الله عَنْهُ". "عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله: كلَّ أمتي معافًى" مفعول من عافاه الله، قيل: أي: أعطاه العافية وهي السلامة من المكروه. "إلا المجاهرون" مستثنى من (معافى)؛ لأنه في معنى النفي؛ أي: كل أمتي لا ذنب عليهم إلا المجاهرون بالمعاصي. "وإن من المجانة": يقال: مَجَنَ يَمجنُ مُجوناً ومَجَانة فهو ماجِنُ؛ أي: لم يبال بما صنع ولا بما قيل له من غيبته ومذمتِه، ونسبتِه إلى فاحشة.

стр. 2532

"أن يعمل الرجل بالليل عملاً ثم يصبح وقد ستره الله، فيقول: يا فلان! عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه ويصبح يكشف ستر الله عنه"؛ يعني: مَن أظهر ذنبه بين الناس فهو الذي لا يبالي بأن يغتابه الناس ويذمونه، وهذا غير مرضيٍّ عند الله وعند الناس. مِنَ الحِسَان: ٣٧٦٠ - قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَن تَرَكَ الكَذِبَ وهُوَ بَاطِلٌ بنيَ لَهُ في رَبَض الجَنَّةِ، ومَن تَرَكَ المِراءَ وهُوَ مُحِقٌّ بنيَ لَهُ في وَسَطِ الجنةِ، ومَن حَسَّنَ خُلُقَه بنيَ لَهُ في أَعلَاها". "من الحسان": " عن أبي أمامة وأنس قالا: قال رسول الله ﷺ : من ترك الكذب وهو باطل" جملة اعتراضيةٌ إخبارٌ عن الواقع؛ أي: الكذبُ باطلٌ في الواقع، أو حاليةٌ؛ أي: وحالُ ذلك أنه باطل لا مصلحة فيه أصلاً، قيد به لأنه إن لم يكن باطلاً بأنْ كان لإصلاح ذات البين فالإتيانُ به يوجب الأجر فلا يستحبُّ تركه. "بني له في ربض الجنة"، و (الربض) بالضم: وسط الشيء، وبالتحريك: نواحيه؛ أي: حوالي الجنة من داخلها لا من خارجها. "ومن ترك المراء"؛ أي: الجدال. "وهو مُحِقٌّ"؛ أي: والحالُ أن التارك محق؛ أي: صادقٌ في تكلُّمه بالحق. "بني له في وسط الجنة" نيلُه وسطَها بترك المراء مع أنه محق؛ لتركه كسر قلب مَن يجادله، ورفعة نفسه وإظهار فضله.

стр. 2533

"ومَن حَسُنَ خلقُه بني له في أعلاها". "غريب". ٣٧٦١ - وقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أتدرُوْنَ مَا أكثرُ مَا يُدخِلُ النَّاسَ الجَنَّة؟ تَقْوَى الله وحُسنُ الخُلُقِ، أترُوْنَ مَا أكثرُ مَا يُدخِلُ الناسَ النَّار؟ الأَجْوَفانِ: الفَمُ والفَرجُ". "وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : أتدرون ما أكثر ما يدخل الناس الجنة" (ما) الأولى استفهامية والثانية موصولة أو موصوفة؛ أي: أيُّ شيء أكثرُ إدخالاً للناس الجنة؛ يعني: أتدرون جواب هذا القول؟. "تقوى الله وحسن الخلق أتدرون ما أكثر ما يدخل الناس النار؟ الأجوفان الفم والفرج" فإنهما يوقعان الناس في الإثم؛ لأن الرجل ربما لا يقنع بقليل من الحلال ويطلب الكثير من الحرام، وكذلك الفرج، فيدخل بسببه النار. ٣٧٦٢ - وقَالَ: "إِنَّ الرَّجُلَ لَيتكَلَّمُ بالكَلِمةِ مِن الخَيْر مَا يعلمُ مَبْلَغَها، يَكْتُبُ الله لَهُ بِها رِضْوانَه إلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ، وإنَّ الرَّجُلَ لَيتكَلَّمُ بالكَلِمةِ مِن الشرِّ مَا يَعلَمُ مبلَغَها، يَكْتُبُ الله بِها عَلَيْهِ سَخَطَه إِلَى يَوْمِ يَلْقَاه". "عن بلال بن الحارث قال: قال رسول الله ﷺ : إن الرجل ليتكلَّم بالكلمة من الخير ما يعلم مبلغها"؛ أي: قَدرَ تلك الكلمة عند الله؛ إذ ربما يظن أنها يسير وهي عند الله عظيمة. "يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه" بالإضافة؛ أي: إلى يوم القيامة.

стр. 2534

"وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من الشر ما يعلم مبلغها، يكتب الله بها عليه سخطه إلى يوم يلقاه". ٣٧٦٣ - وقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "وْيلٌ لِمَنْ يُحَدِّثُ فَيَكْذِبُ لِيُضحِكَ بهِ القَوْمَ، ويلٌ لَهُ، ويلٌ له". "وعن معاوية بن حَيْدةَ القشيري قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: ويل لمن يحدث فيكذب ليضحك به القوم، ويل له ويل له" والويل: الهلاك، وقيل: وادٍ في جهنم، وهذا يدل على أن من يحدِّث فيَصدُق في المزاح فيضحك منه الحاضرون فلا بأس به. ٣٧٦٤ - وقَالَ: "إنَّ العَبْدَ لَيقُولُ الكَلِمَةَ لَا يَقْولُها إلَّا ليُضحِكَ بِها النَّاسَ يَهْوِي بِها أَبْعَدَ مَمَّا بَيْنَ السَّماءِ والأرضِ، وإنَّه لَيزِلُّ عَنْ لِسَانِهِ أَشَدَّ مِمَّا يَزِلُّ عَنْ قدمِهِ". "وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : إن العبد ليقول الكلمة لا يقولها إلا ليُضْحِك بها الناس يهوي بها"؛ أي: يسقط بسبب تلك الكلمة الكاذبة إلى جهنم سقوطاً "أبعدَ مما بين السماء والأرض". وقيل: معناه: يبعد بها عن الخير والرحمة بعداً أبعد مما بينهما. "وإنه ليزل"؛ أي: يسقط "عن لسانه أشد مما يزل عن قدمه" يريد أن صدور الكذب عن لسانه أضرُّ عليه من سقوطه عن رجله على وجهه. ٣٧٦٥ - وقَالَ: "كَفَى بالْمَرءِ كذِبًا أنْ يُحَدِّثَ بِكُلِّ ما سَمِعَ".

стр. 2535

"وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ كفى بالمرء كذباً أن يحدث بكل ما سمع" تقدم بيانه في (باب الاعتصام بالكتاب والسنة). ٣٧٦٦ - وقَالَ: "مَن صَمَتَ نَجَا". "عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من صمت"؛ أي: سكت عن الشر "نجا"؛ أي: خلص من عذاب الدارين. ٣٧٦٧ - وقَالَ عُقْبةُ بن عَامِر: لَقِيْتُ رَسُولَ الله ﷺ فَقُلْتُ: مَا النَّجَاةُ؟ قَالَ: "املِكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ، ولْيَسَعكَ بيتُكَ، وابْكِ عَلَى خَطِيْئَتِكَ". "وقال عقبة بن عامر: لقيت رسول الله ﷺ فقلت: ما النجاة؟ فقال: املك" بكسر الهمزة: أَمرٌ مِنْ مَلَكَ يملك؛ أي: احفظ "عليك لسانك"؛ أي: ولا تتكلم إلا بما يكون لك لا عليك. "وليسعك بيتك"؛ أي: اسكن في بيتك ولا تخرج منه إلا للضرورة، ولا تضجر من الجلوس في مسكنك والاشتغالِ بشأنك، ودع ما لا يعنيك ومخالطةَ من يشغلك عن دينك. "وابك على خطيئتك" أمر من الندم والتوبة. وهذا أسلوب الحكيم؛ لأنه سأل عن النجاة فأجاب ﷺ بسببها. ٣٧٦٨ - عَنْ أَبي سَعِيْدٍ رَفَعَهُ، قَالَ: "إِذَا أَصبَحَ ابن آدَمَ فَإِنَّ الأَعضَاءَ كُلَّها تُكَفِّرُ اللّسانَ فتَقُولُ: اتَّقِ الله فيْنَا، فإنَّما نَحْنُ بِكَ، فإنْ استَقمتَ استَقَمنا،

стр. 2536

وإنْ اعْوَجَجْتَ اعوجَجْنَا". "عن أبي سعيد الخدري ﵁ يرفعه قال: إذا أصبح ابن آدم فإن الأعضاء كلها تكفر اللسان"؛ أي: تَذِلُّ وتخضع، والتكفير هو أن يطاطئ رأسه وينحني قريباً من الركوع عند تعظيم صاحبه. "فتقول"؛ أي: الأعضاء للِّسان: "اتق الله فينا"؛ أي: في حفظ حقوقنا. "فإنما نحن بك"؛ أي: نستقيم بك ونعوجُّ بك. "فإن استقمت استقمنا وإن اعوَجَجْتَ اعوَجَجْنا". ٣٧٦٩ - وقَالَ ﷺ : "مِنْ حُسْنِ إسْلام المرَءَ تَركُه مَا لا يَعْنيهِ". "وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : مِن حُسْن إسلام المرء تركُه ما لا يعنيه"؛ أي: لا يهمُّه؛ يعني: إسلامُ الرجل إنما يَحسُنُ ويكمُلُ إذا ترك من الأقوال والأفعال ما لا ضرورة فيه ولا منفعةَ له منه. ٣٧٧٠ - عَنْ أَنسٍ ﵁ قَال: تُوفِّيَ رَجُل مِنَ الصَّحَابةِ فَقَال رَجُل: أبشِرْ بالجنَّةِ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أَوَلا تدرِي، فلعَلَّه تكلَّمَ فيْمَا لا يَعنِيهِ، أو بَخِلَ بَمِا لا يُنقِصُهُ". "عن أنس ﷺ أن قال: توفِّي رجل من الصحابة، فقال رجل: أبشر بالجنة"؛ أي: افرح بحصول الجنة لك بأن صحبت النبيَّ ﷺ . "فقال رسول الله ﷺ : أوَلا تدري" يروى بفتح الواو عاطفةً على مقدَّر؛ أي: أتقول هكذا ولا تدري ما تقول؟ أو للحال؛ أي: والحال أنك لا تدري،

стр. 2537

ويروى بسكونها عاطفةً على مقدَّر أيضًا؛ أي: أتدري أنه من أهلها أو لا تدري؟ أي: بأيِّ شيء علمت ذلك؟. "فلعله تكلم بما لا يعنيه أو بخل بما لا ينقصه" من التكلُّم بكلام الخير والتأديب والتعليم وغير ذلك، فإن ذلك لا ينقص شيئًا من لسانه، وقيل: معناه: بخل بالزكاة التي لا تنقص المال، فالضمير المنصوب عائد إلى الرجل والمرفوع إلى (ما)، أو هو عام في جميع ما لا ينقص بالبذل من المال والمسائل العلمية التي لا يحتاج الناس إليها. ٣٧٧١ - عَنْ سُفيَانَ بن عَبْدِ الله الثَّقَفي قَالَ: قُلتُ: يا رسولَ الله! مَا أَخْوَفُ مَا تَخَافُ عَلَيَّ؟ قَالَ: فأخَذَ بِلِسَانِ نَفْسِهِ وقَالَ: "هذا"، صحيح. "عن سفيان بن عبد الله الثقفي أنه قال: قلت: يا رسول الله! ما أخوف" (ما) استفهامية مبتدأ خبره (أخوف)، وهو أفعل التفضيل للمفعول. "ما تخاف"، (ما) هذه موصولة، والعائد محذوفٌ تقديره: أيّ شيء أخوفُ أشياء تخاف منها "عليَّ؟ قال: فأخذ بلسان نفسه وقال: هذا" إشارة إلى لسانه؛ يعني: "أكثر خوفي عليك منه. "صحيح". ٣٧٧٢ - وقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إذَا كَذَبَ العَبْدُ تَبَاعَدَ عَنْهُ المَلَكُ مِيْلاً مِن نتنِ مَا جَاءَ بهِ". "عن ابن عمر ﵄ قال: قال النبي ﷺ : إذا كذب العبد تباعَدَ عنه الملك"، لعله الحفظة. "ميلاً" وهو ثلث الفرسخ، أو قطعة من الأرض، أو مدَّ البصر.

стр. 2538

"من نتن ما جاء به" من الكذب الذي تكلم به. ٣٧٧٣ - وقَالَ: "كبُرَتْ خِيَانةً أنْ تُحدِّثَ أَخَاكَ حَدِيْثاً، هُوَ لَكَ بهِ مُصَدِّقٌ، وأَنْتَ بهِ كَاذبٌ". "عن سفيان بن أسيد قال: قال رسول الله ﷺ : كبرت خيانة" نصبٌ على التميز، و (كبرت) مسند إلى (أن تحدِّث)، والتأنيث على تأويل الخصلة أو الفعلة، وقيل: تقديره: كبرت الخيانةُ خيانةً. "أن تحدِّث أخاك حديثاً هو لك به مصدِّق وأنت به كاذب"؛ يعني: هذا الفعل خيانةٌ عظيمة عند الله. ٣٧٧٤ - وقَالَ: "مَن كَانَ ذا وَجْهينِ في الدُّنيا، كَانَ لَهُ يَومَ القِيامةِ لِسَانَانِ مِن نَارٍ". "عن عمار بن ياسر ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: من كان ذا وجهين في الدنيا" المراد به مَن يرى نفسه عند شخص أنه من جملة محبيه وناصحيه وهو يحدِّثُ بمساوئه في غيبته. "كان له يومَ القيامة لسانان من نار". ٣٧٧٥ - وقَالَ: "لَيْسَ المُؤْمِنُ بالطَّعَّانِ، ولا باللَّعَّانِ، ولا الفَاحِشِ، ولا البَذِيء"، غريب. "وعن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ليس المؤمن

стр. 2539

بالطعان"؛ أي: ليس المؤمن الكاملُ طعاناً، طَعَنَ عليه يطعنُ فتحاً وضماً؛ أي: عابه، ومنه الطعن في النسب. "ولا باللعان" واللعن منهيٌّ عنه أن يلعن رجلاً بعينه مواجهةً براً كان أو فاجراً؛ لأن عليه توقيرَ البر ورَحْمَ الفاجر بالاستغفار له، وأما لعنُ الكافر والفاجر على العموم فغير مني عنه. "ولا الفاحش" وهو الذي يشتم الناس. "ولا البذيء": وهو الذي لا حياء له. "غريب". ٣٧٧٦ - وقَالَ: "لا يَكُونُ المُؤْمِنُ لَعَّاناً". وفي رِوَاية: "لا يَنْبَغِي للمُؤْمنِ أنْ يَكُونَ لعَّاناً". "وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : لا يكون المؤمن لعاناً"؛ أي: ليس من صفة المؤمن الكامل أن يلعن أحداً. "وفي رواية: لا ينبغي للمؤمن أن يكون لعاناً". ٣٧٧٧ - وقَالَ: "لا تَلَاعَنُوا بِلَعنَةِ الله، ولا بِغَضَبِ الله، ولا بِجَهنَّم". وفي رِوَايَةً: "ولا بالنَّارِ". "وعن سمرة بن جندب قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: لا تلاعنوا" بحذف إحدى التائين للتخفيف، وفي بعض: (لا تلعنوا). "بلعنة الله"؛ أي: لا تقولوا لمسلم: عليك لعنة الله.

стр. 2540

"ولا بغضب الله" بأن تقولوا: عليك غضب الله. "ولا بجهنم" بأن تقولوا: لك جهنم. "وفي رواية: ولا بالنار" بأن تقولوا: أدخلك الله النار، وما أشبه ذلك. ٣٧٧٨ - وقَالَ: "إنَّ العَبْدَ إِذَا لَعَنَ شَيْئاً صَعِدَتْ اللَّعنةُ إلى السَّماءِ، فتُغلَقُ أبْوَابُ السَّماءِ دُوْنها، ثُم تَهْبطُ إلى الأَرضِ فتغْلَقُ أبوابُها دونها، ثُمَّ تأخُذُ يَمينًا وشِمَالاً فإذا لَمْ تَجد مَساغاً رَجَعَتْ إلى الَّذي لُعِنَ، فإنْ كَانَ لِذَلكَ أَهلاً، وإلَّا رَجَعَتْ إلى قائِلِها". "وعن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : إن العبد إذا لعن شيئاً صعدت اللعنة إلى السماء فتغلق أبواب السماء دونها، ثم تهبط إلى الأرض فتغلق أبوابها دونها، ثم تأخذ يميناً وشمالاً" صعود اللعنة وهبوطها وضربُها يميناً وشمالاً تجوُّزٌ وتصوير أن فعله هذا كالضالِّ المتردّد الذي لا يجد سبيلًا. "فإذا لم يجد مساغاً" بفتح الميم؛ أي: مدخلاً وطريقاً، ساغ الشراب في الحلق يسوغ؛ أي: دخل سهلاً. "دخلت"؛ أي اللعنة "إلى الذي لُعِنَ" على صيغة المجهول. "إن كان لذلك" اللعن "أهلاً، وإلا"؛ أي: كان لم يكن لذلك أهلاً بأن كان مظلوماً "رجعت إلى قائلها". ٣٧٧٩ - عَنِ ابن عبَّاسٍ ﵄: أنَّ رَجُلاً نَازَعَتْهُ الرِّيحُ رِدَاءَهُ فلَعَنَها، فَقَال النَّبيُّ ﷺ : "لا تَلْعَنْها فَإِنَّها مَأمُورَةٌ، وإِنَّه مَنْ لَعَنَ شَيْئاً لَيْسَ لهُ بأهْلٍ رَجعتْ اللَّعنةُ عَلَيهِ".

стр. 2541

"عن ابن عباس ﵄: أن رجلاً نازعته الريح بردائه"؛ أي: جاذبته. "فلعنها، فقال رسول الله ﷺ : لا تلعنها فإنها مأمورةٌ، وإنه من لعن شيئاً ليس له بأهل رجعت اللعنة عليه". ٣٧٨٠ - وقَالَ: "لا يُبَلِّغْنِي أَحَدٌ مِنْ أَصحَابي عَنْ أَحَدٍ شَيئاً فإنِّي أُحِبُّ أَنْ أَخْرُجَ إليْكُم وأَنَا سَليمُ الصَّدرِ". "وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : لا يبلِّغني أحدٌ من أصحابي عن أحد شيئاً" بأن شتم أحداً، أو آذاه، أو فيه خصلة سوء، كيلا أغضب عليه. "فإني أحب أن أخرج إليكم وأنا سليم الصدر" ليس فيه غضب ولا حقد لأحد، وهذا تعليم للأمة. ٣٧٨١ - وعن عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قلتُ للنَّبيِّ ﷺ : حَسبُكَ مِن صفِيَّة كَذَا وكَذَا، تَعِني: قَصِيْرةً، فَقَال: "لَقَد قُلْتِ كَلِمَةً لَوْ مُزِجَ بِها البَحرُ لَمَزَجَتهُ"، صحيح. "وقالت عائشة ﵂ للنبي ﷺ : حسبك من صفية كذا وكذا، تعني"؛ أي: تريد "قصيرة". "فقال: لقد قلت كلمة لو مُزج بها البحر"؛ أي: بالكلمة التي اغتبت بها أختك المؤمنة. "لمزجته"؛ أي: لغلبته بالمزج، وصار البحر مغلوباً بها، وهو مبالغةٌ في عظم تلك الكلمة؛ يعني: إن هذه الكلمة لو كانت مما يمزج بالبحر لغيرته عن

стр. 2542

حاله مع كثرته من غاية قبحها. ٣٧٨٢ - وقَالَ: "مَا كانَ الفُحْشُ في شَيْءٍ إلَّا شَانَهُ، ومَا كانَ الحَيَاءُ في شَيْءٍ إِلَاّ زَانَهُ". "وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ما كان الفحش في شيء إلا شانه"؛ أي: عابه. "وما كان الحياء في شيء إلا زانه"؛ أي: زيَّنه. ٣٧٨٣ - وقَالَ: "مَن عيَّرَ أَخَاهُ بِذَنْبٍ لَمْ يَمُتْ حَتَّى يعمَلَهُ"، منقطع. "وعن خالد بن معدان، عن معاذ قال: قال رسول الله ﷺ : من عيَّر أخاه"؛ أي: عابه ولامه "بذنب" قد تاب عنه "لم يمت حتى يعمله". "منقطع". ٣٧٨٤ - وقَالَ: "لا تُظْهِرِ الشَّمَاتَةَ لأِخيكَ، فَيَرْحَمُهُ الله ويَبْتلِيْكَ"، غريب. "وعن واثلة بن الأسقع قال: قال رسول الله ﷺ : لا تظهر الشماتة لأخيك"؛ أي: لا تفرح بذنبٍ صدر من عدوك، أو بنكبةٍ وردت إليه، فلعلك تقع في مثل ذلك. "فيرحمه" في بعض: (فيعافيه) "الله ويبتليك". "غريب".

стр. 2543

٣٧٨٥ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: قَالَ النَّبيُّ ﷺ : "مَا أُحِبُّ أَنِّي حَكَيْتُ أَحَداً وأَنَّ لِيْ كذا وكذا"، صَحِيْح. "عن عائشة قالت: قال النبي ﷺ : ما أحب أني حكيت أحداً"؛ أي: فعلت مثل فعله، يقال: حكاه؛ أي: شابهه، وأكثر ما تستعمل المحاكاة في القبيح، وقيل: معناه: ما أحبُّ أن أتحدث بعيب أحد. "وأن لي" -الواو للحال-"كذا وكذا" من الدنيا بسبب ذلك الحديث. "صحيح". ٣٧٨٦ - عَنْ جُنْدُبٍ قَالَ: جَاءَ أَعرَابيٌّ فأنَاخَ رَاحِلَتَهُ، ثُمَّ عَقَلَها، ثُمَّ دَخَلَ المَسْجدَ فصَلَّى خَلْفَ رَسُولِ الله ﷺ ، فلَمَّا سَلَّم أتى راحِلَتَهُ فأَطْلَقَها، ثُمَّ رَكِبَ، ثُمَّ نَادَى: اللهمَّ! ارحَمني ومُحَمَّداً، ولا تُشْرِكْ في رَحمَتِنا أَحداً، فقال رسولُ الله ﷺ : "أتقُولُونَ: هُوَ أَضَلُّ أَمْ بَعِيْرُه؟ ألم تَسْمَعُوا إِلَى مَا قَالَ؟! قَالُوا: بَلَى". "عن جندب: أنه جاء أعرابي فأناخ راحلته ثم عقلها، ثم دخل المسجد فصلى خلف رسول الله ﷺ ، فلما سلَّم أتى راحلته فأطلقها" من وثاقها، والإطلاقُ ضدُّ القيد. "ثم ركب، ثم نادى: اللهم ارحمني ومحمداً ولا تشرك في رحمتنا أحداً، فقال رسول الله: أتقولون"؛ أي: أتظنون "هو أضل"؛ أي: أجهلُ أو أَهْلَكُ "أم بعيره، ألم تسمعوا إلى ما قال؟ قالوا: بلى".

стр. 2544

١١ - باب الوعد (باب الوعد) مِنَ الصِّحَاحِ: ٣٧٨٧ - عَنْ جَابرٍ ﷺ قَالَ: لَمَّا مَاتَ رَسُولُ الله ﷺ ، وجَاءَ أَبا بَكْرٍ مَالٌ مِنْ قِبَلِ العَلاءَ بن الحَضْرَميِّ، فقَالَ أبَو بَكْر: مِنْ كَانَ لهُ عَلَى النَّبيِّ ﷺ دين أَوْ كَانَتْ لَهُ قِبَلَهُ عِدَةٌ فَلْيَأتِنَا، قَالَ جَابرٌ ﵁: فَقُلْتُ: وَعَدَني رَسُولُ الله ﷺ أَنْ يُعطِينيَ هكَذَا وهكَذَا وهكَذَا، فَبَسَطَ يَدَيْهِ ثَلاثَ مرَّاتٍ، قَالَ جَابرُ ﵁: فَحَثا لِي حَثْيَةً فَعَددتُها فإِذَا هي خَمس مئةٍ، قَالَ: خُذْ مِثْلَيْها. "من الصحاح": " عن جابر ﵁ أنه قال: لما مات رسول الله ﷺ وجاء أبا بكر مالٌ من قبل العلاء بن الحضرمي"؛ أي: من عنده أو جهته، وهو كان عاملَ رسول الله ﷺ . "قال أبو بكر: مَن كان له على رسول الله ﷺ دينٌ، أو كانت له قِبلَه عِدَةٌ"؛ أي: وعد. "فليأتنا" وكان أبو بكر خليفة رسول الله ﷺ يقضي دينه ويفي بما ومحمد أحداً أن يعطيه شيئاً. "قال جابر: فقلت: وعدني رسول الله ﷺ أن يعطيني هكذا وهكذا وهكذا، فبسط يديه ثلاث مرات، قال جابر: فحثا لي حثيةً"؛ أي: ملأ كفيه دراهم وصبها في ذيلي. "فعددتها فإذا هي خمسمئة فقال: خذ مثليها" والحديث يدلُّ على استحباب

стр. 2545

قضاء دين الميت وإنجازِ وعده لمن يخلفه بعده، أجنبيًّا كان أو وارثاً. مِنَ الحِسَان: ٣٧٨٨ - عَنْ أَبي جُحَيْفَةَ ﵁ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ أَبْيَضَ قَدْ شَابَ، وكَانَ الحَسَنُ بن عَلِيٍّ ﵁؛ يُشْبهُهُ، وأَمَرَ لَنَا بثلاثةَ عَشَرَ قَلُوْصاً، فذَهبنا نَقْبضُها فَأَتَانا مَوْتُهُ، فَلَمَّا قَامَ أبو بَكْرٍ قَالَ: مَنْ كانَتْ لهُ عِنْدَ رَسُولِ الله ﷺ عِدة فَلْيَجئْ، فَقُمتُ إلَيْهِ فأَخْبَرْتُهُ، فَأَمَرَ لَنَا بِها. "من الحسان": " عن أبي جحيفة أنه قال: رأيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أبيض"؛ أي: وقع في لحيته بياض. "قد شاب، وكان الحسن بن علي يشبهه" جملة معترضة. "وأمر له"؛ أي: لأبي جحيفة. "بثلاثة عشر قلوصاً" بفتح القاف: الناقة الشابة. "فذهبنا نقبضها فأتانا موته"؛ أي: خبر موت النبي ﷺ . "فلما قام أبو بكر قال: من كان له عند رسول الله عِدَةٌ فليجئْ، فقمت إليه"؛ أي: توجَّهت إليه. "فأخبرته فأمر لنا بها"؛ أي: أبو بكر بالقلوص. ٣٧٨٩ - عَنْ عَبدِ الله بن أَبي الحَسْمَاءِ أَنَّهُ قَالَ: بايَعتُ النَّبيَّ ﷺ قَبْلَ أَنْ

стр. 2546

يُبْعَثَ، وبقِيَتْ لَهُ بقِيَّةٌ، فَوَعَدتُهُ أنْ آتيَهُ بها في مَكَانِهِ فَنَسِيتُ، فذَكَرتُ بَعدَ ثَلاثٍ، فإذَا هُوَ في مَكَانِهِ، فَقَالَ: "لَقد شَقَقْتَ عَلَيَّ، أَنَا هاهُنا مُنْذُ ثَلاثٍ أَنتظِرُكَ". "عن عبد الله بن أبي الحمساء أنه قال: بايعتُ النبي ﷺ "؛ أي: اشتريت منه شيئًا. "قبل أن يُبعث" للرسالة. "وبقيت له بقية" من ثمن ذلك المبيع. "فوعدته أن آتيه بها"؛ أي: بتلك البقية. "في مكانه"؛ أي: في موضعه المعيَّن. "فنسيت"؛ أي: ذلك الوعد. "فذكرت بعد ثلاث"؛ أي: ثلاث ليال، فجئت ذلك المكان "فإذا هو في مكانه"، أي: النبي ﷺ ينتظرني بذلك المكان وفاءً بما وعد من لزوم المكان حتى أجيئه بما بقي من الثمن. "فقال: لقد شققت علي"، أي: أوصلت المشقة إلي. "أنا هاهنا منذ ثلاث أنتظرك" وهذا يرشد إلى استحباب تصديق الوعد والوفاء بالقول. ٣٧٩٠ - عَنْ زيدِ بن أَرقَمَ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قال: "إذا وَعَدَ الرَّجُلُ أَخَاهُ، ومِنْ نِيَّتِهِ أنْ يَفيَ، فَلَم يَفِ وَلَم يَجيءْ للمِيعادِ فَلا إثْمَ عَلَيْه". "عن زيد بن أرقم ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: إذا وعد الرجل أخاه ومن

стр. 2547

نيته أن يفي فلم يف ولم يجئ للميعاد" لاعتراضه مانعٌ يمنعه عن الوفاء بما وعد. "فلا إثم عليه" وهذا يدل على أن النية الصالحة يثاب الرجل عليها وإن تخلَّف المَنْوِيُّ عنها. ٣٧٩١ - عَنْ عَبْدِ الله بن عَامرٍ قَالَ: دَعَتْني أُمِّي يَوْماً ورَسُولُ الله ﷺ قاعِدٌ في بَيْتِنا فقالَتْ: تَعَالَ أُعْطِيْكَ، فقالَ لَها رَسُوْلُ الله ﷺ : "أَمَا إنَّكِ لَوْ لَمْ تُعطِيْهِ شَيْئاً كُتِبَتْ عَلَيْكِ كِذْبَةٌ". "عن عبد الله بن عامر أنه قال: دعتني أمي يوماً وَرسول الله قاعد في بيتنا، فقالت: تعال أعطيك، فقال لها رسول الله ﷺ : أما" بالتخفيف "إنك لو لم تعطيه شيئاً كتبت"؛ أي: هذه الكلمة "عليك كذبة" بكسر الكاف ثم السكون، وبفتحها مع كسر الذال، والتاءُ للوحدة، وهذا يدل على استحباب إنجاز العِدَة مع مَن كانت. ١٢ - باب المُزَاحِ (باب المزاح) مِنَ الصِّحَاحِ: ٣٧٩٢ - عَنْ أَنسٍ ﵁ قَالَ: إِنْ كَانَ النَّبي ﷺ لَيُخالِطُنَا حتَّى يَقُولَ لأِخٍ لِي صَغير: "يَا أَبَا عُمَيْر! ما فَعَلَ النُّغَيْرُ؟ "، كَانَ لَهُ نُغَيرٌ يَلْعَبُ بهِ فَمَاتَ.

стр. 2548

وهو- بالضم- مصدر مزحته، -وبالكسر- مصدر مازحته. "من الصحاح": " قال أنس ﵁: إن كان النبي ﷺ "، (إن) هنا مخففة من المثقَّلة؛ أي: إنه ﷺ "ليخالطنا"؛ أي: يجالسنا ويمزح بنا. "حتى يقول لأخ لي صغير: يا أبا عمير! ما فعل النغير؟ " تصغير نُغُر، وهو فرخ العصفور، وقيل: طائر كالعصفور أحمر المنقار واحدتُها نغرة. "كان له نغير يلعب به"؛ أي: يتلهَّى بحبسه وإمساكه. "فمات" وهذا يدلُّ على إباحة طير المدينة، وأنه لا بأس بإعطاء الصبي الطير ليلعب به بلا تعذيبه، وعلى إباحة السجع وتصغير الأسماء، والممازحة ما لم يكن إثماً، وجوازِ تكنِّي الصبي. مِنَ الحِسَان: ٣٧٩٣ - عَنْ أَبيْ هُرَيْرة ﵁ قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ الله! إِنَّكَ تُداعِبنا. قال: "إنِّي لَا أقَوُلُ إلَّا حَقًّا". "من الحسان": " عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قالوا: يا رسول الله! إنك تداعبنا"؛ أي: تمازحنا، والدعابة: المزاح. "قال: إني لا أقول إلا حقاً". ٣٧٩٤ - وعَنْ أَنسٍ ﵁: أَنَّ رَجُلاً استَحمَلَ رَسُولَ الله ﷺ ، فَقَالَ: "إنِّي

стр. 2549

حَامِلُكَ على وَلَدِ نَاقةٍ"، فَقَالَ: مَا أصنَعُ بِوَلَدِ النَّاقَةِ؟ فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "وهلْ تَلِدُ الإبلَ إلَّا النُّوقُ؟ ". "وعن أنس ﵁: أن رجلاً استحمل رسول الله ﷺ "؛ أي: طلب منه ﷺ أن يحمله على دابة. "فقال: إني حاملك على ولد ناقة، فقال"؛ أي: الرجل: "ما أصنع بولد الناقه؟ " زعماً منه أنه ﷺ يريد فصيلاً لا يطيق حمله. "فقال النبي" ﷺ في جوابه: "وهل تلد الإبل إلا النوق"؛ يعني: جميع الإبل تلد النوق، جمع ناقة؛ يعني: أريد به ولداً كبيراً يطيق حملك، وهذا من جملة مزاحه. ٣٧٩٥ - وعَنْ أَنسٍ ﵁: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ لَهُ: "يا ذَا الأُذُنينِ! ". "وعن أنس ﵁ قال له: يا ذا الأذنين" قيل: هذا كناية عن مدحه بذكائه وحسنِ استماعه مع كونه خارجاً مخرج انبساطه منه ﷺ ومزاح معه. ٣٧٩٦ - ورُوِيَ: أن النَّبيَّ ﷺ قَالَ لِعَجوز: "إِنَّ الجنَّةَ لا يَنخُلها العُجَّزُ"، فَوَلَّتْ تَبْكِي. قَالَ: "أَخْبرُوها أنَّها لا تَدخُلُها وهِيَ عَجُوزٌ، إنَّ الله تَعَالَى يَقُولُ: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (٣٥) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا﴾. "وروي: أنه ﷺ قال لعجوز: إن الجنة لا يدخلها العُجُز" بضمتين: جمع عجوز. "فولَّت"؛ أي: أعرضت العجوز "تبكي، قال: أخبروها أنها لا تدخلها

стр. 2550

وهي عجوز"؛ أي: في حال كونها عجوزاً، بل يصيرها الله شابة بكرًا، وكذلك جميع الإنسان يكونون على سنِّ مَن له ثلاثون سنة. "إن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً﴾؛ أي: خلقنا وصيرنا النساء يوم القيامة شواباً ﴿فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا﴾ ". ٣٧٩٧ - وعَنْ أَنسٍ ﵁: أنَّ رَجُلاً مِنَ البَادِيَةِ اسْمُهُ: زاهِرُ بن حَرَامٍ كان يَهدِي للنَّبي ﷺ مِنَ البَاديَةِ فيُجَهِّزُهُ رَسُولُ الله ﷺ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ، فقالَ النَّبيُّ ﷺ : "إنَّ زاهراً بادِيتُنا، ونَحْنُ حَاضروُه"، وكَانَ النَّبي ﷺ يُحِبُّهُ، وكَانَ دَميْماً، فَأَتَى النَّبيّ ﷺ يَوْماً وهُوَ يَبيعُ مَتاعَهُ، فَاحْتَضَنَهُ مِنْ خَلْفِهِ وَهُوَ لا يُبْصِرُهُ، فقال: أَرسِلْنِي، مَنْ هذَا؟ فالْتَفَتَ فَعَرَفَ النَّبيَّ ﷺ ، فَجَعَلَ لا يَأْلُو مَا ألزَقَ ظَهْرَهُ بِصدرِ النَّبيِّ ﷺ حِينَ عَرَفَهُ، وجَعَلَ النَّبيّ ﷺ يَقولُ: "مَنْ يَشْتَري العَبْدَ؟ "، فقالَ: يا رسولَ الله! إذاً والله تَجدُني كَاسِداً، فَقَالَ النَّبيّ ﷺ : "لَكِنْ عِنْدَ الله لَسْتَ بِكَاسِدٍ". "عن أنس ﵁: أن رجلاً من أهل البادية اسمه زاهر بن حرام كان يهدي للنبي ﷺ من البادية"؛ أي: يهدي له متاع البادية من الرياحين والأدوية. "فيجهزه رسول الله ﷺ "؛ أي: يهيئ له ﷺ أسباباً من أمتعة البلد. "إذا أراد أن يخرج، فقال النبي ﷺ : إن زاهراً باديتنا"؛ أي: من أهل باديتنا [يزوِّدنا] من أمتعة البادية بما يزيد، وقيل: معناه صديقنا من البادية. "ونحن حاضروه"؛ أي: نهيئ له ما يريد من أمتعة البلد، أو معناه: نحن صديقه من الحضر. "وكان النبي ﷺ يحبه، وكان دميماً"؛ أي: كريه اللقاء.

стр. 2551

"فأتى النبيُّ ﷺ يوماً وهو يبيع متاعه فاحتضنه"؛ أي: أخذ من حضنه. "من خلفه وهو لا يبصره، فقال"؛ أي: زاهر: "أرسِلْني"؛ أي: اتركني "مَن هذا؟ فالتفت فعرف النبي ﷺ ، فجعل"؛ أي: طفق زاهر "لا يألو ما ألزق ظهره"، (ما) مصدرية، وقيل: زائدة؛ أي: لا يقصِّر في إلصاق ظهره "بصدر النبي ﷺ حين عرفه، وجعل النبي ﷺ يقول: من يشتري العبد؟ فقال: يا رسول الله! إذاً والله تجدني كاسداً، فقال النبي ﷺ : لكن عند الله تعالى لست بكاسد". ٣٧٩٨ - عَنْ عَوفِ بن مالِكٍ الأَشْجَعِيِّ قَالَ: أتيْتُ رَسُولَ الله ﷺ في غزْوَةِ تبوكَ وهُوَ في قُبَّةٍ مِنْ أَدَمٍ، فَسَلَّمتُ فَرَدَّ عَلَيَّ وقَالَ: "ادخُلْ"، فَقُلْتُ: أكُلِّي يا رسولَ الله؟ قالَ: "كُلُّك"، فَدَخَلْتُ قِيْل: إِنَّمَا قَالَ: أَدخُلُ كُلِّي؟ مِنْ صِغَرِ القُبَّةِ. "عن عوف بن مالك الأشجعي أنه قال: أتيت النبي ﷺ في غزوة تبوك وهو في قبة من أدم فسلمت فردَّ علي فقال: ادخل، فقلت: أكلِّي يا رسول الله؟ قال: كلك، فدخلت" قيل: إنما قال: أدخل كلي، من صغر القبة. ٣٧٩٩ - عَنِ النُّعمَانِ بن بشيْرٍ أَنه قَالَ: اسْتَأذَنَ أبُو بَكرٍ ﵁ عَلَى النَّبيِّ ﷺ ، فَسَمعَ صَوْتَ عَائِشةَ ﵂ عالِياً، فَلَمَّا دَخَلَ تَناوَلَها لِيَلْطِمَها، وقَالَ: لَا أَراكِ تَرْفَعينَ صَوْتَكِ على رَسُولِ الله ﷺ ، فَجَعَلَ رَسُولُ الله ﷺ يَحْجزُهُ، وَخَرَجَ أَبو بَكْرٍ مُغْضَباً، فَقَالَ النَّبي ﷺ حِينَ خَرَجَ أبَو بَكْرٍ: "كَيْفَ رأَيتني أَنْقَذْتُكِ مِنَ الرَّجُلِ؟ "، قَالَتْ: فمكَثَ أبَو بكْرٍ أياماً، ثُمَّ اسْتَأذَنَ فَوَجَدَهُمَا قَدْ اضْطَجَعَا، فَقَالَ لَهُما: أَدخِلَانِي في سلْمِكُمَا كَمَا أَدخَلْتُمَانِي في حَربكُمَا، فَقَالَ

стр. 2552

النَّبيُّ ﷺ : قَدْ فَعَلْنَا، قد فَعَلْنا". "عن النعمان بن بشير أنه قال: استأذن أبو بكر على النبي ﷺ فسمع صوت عائشة عالياً، فلما دخل تناولها"؛ أي: أخذها "ليلطمها"؛ أي: ليضربها. "وقال: لا أراك" همزة الاستفهام مقدَّرة على سبيل الإنكار. "ترفعين صوتك على رسول الله ﷺ ؟ فجعل النبي ﷺ "؛ أي: طفق. "يحجزه"؛ أي: يمنع أبا بكر عن ضربها. "وخرج أبو بكر مغضباً" -بفتح الضاد- أغضبه رفع صوتها. "فقال النبي ﷺ حين خرج أبو بكر: كيف رأيتني أنقذتك من الرجل"؛ يعني: خلصتك من أبيك. "قال: فمكث أبو بكر أياماً، ثم استأذن فدخل فوجدهما قد اضطجعا، فقالمالهما: أدخلاني في سِلْمِكما"؛ أي: صُلْحكما "كما أدخلتماني في حربكما" والمراد به رفع صوت عائشة للنبي ﷺ . "فقال النبي ﷺ : قد فعلنا قد فعلنا"؛ أي: أدخلناك في صلحنا. ٣٨٠٠ - عَنِ ابن عبَّاسٍ ﵁ النَّبيِّ ﷺ قَال: "لا تُمارِ أَخاكَ، ولا تُمازِحهُ، ولا تَعِدْهُ مَوْعِداً فتخْلِفَهُ". "عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: لا تُمار"؛ أي: لا تخاصم "أخاك ولا تمازحه" بما يتأذى منه. "ولا تَعده موعداً فتُخْلِفَه". "غريب".

стр. 2553

١٣ - باب المُفاخَرَةِ والعَصَبيَّةِ (باب المفاخرة والعصبية) مِنَ الصِّحَاحِ: ٣٨٠١ - عَنْ أبي هُريْرَة ﵁ قَالَ: سُئِلَ رَسُولُ الله ﷺ : أَيُّ النَّاسِ أكرَمُ؟ قالَ: "أكْرَمُهُم عِنْدَ الله أتقاهُم"، قالوا: لَيْسَ عَنْ هذَا نسألكَ، قالَ: "فأكرَمُ النَّاسِ يُوسُفُ نَبِيُّ الله، ابن نَبِيِّ الله، ابن نَبِيِّ الله، ابن خَليلِ الله"، قَالُوا: لَيْسَ عَنْ هذَا نسألكَ، قالَ: "فَعَنْ مَعَادِنِ العَرَبِ تَسْألُوني؟ "، قَالُوا: نعم، قالَ: "فَخِيارُكم في الجَاهِلِيَّةِ خِيَارُكُم في الإسْلامِ إذا فَقُهُوا". "من الصحاح": " عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: سئل رسول الله ﷺ : أيُّ الناس أكرم؟ قال: أكرمهم عند الله أتقاهم، قالوا: ليس عن هذا نسألك، قال: فأكرم الناس يوسف نبي الله" سمي كريماً لأنه اجتمع له شرف النبوة والعلم وكرم الأخلاق والعدل ورئاسة الدنيا والدين. "ابن نبي الله ابن نبي الله ابن خليل الله، قالوا: ليس عن هذا نسألك، قال: فعن معادن العرب"؛ أي: أصولها التي ينسبون إليها ويتفاخرون بها "تسألوني؟ قالوا: نعم، قال: فخياركم في الجاهلية" بالمآثرة والشرف "خياركم في الإسلام إذا فقهوا" بضم القاف؛ أي: علموا آداب الشريعة وأحكام الإسلام، ومن لم يُسلم فقد هدم شرفه وضيَّعه. ٣٨٠٢ - وقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "الكَريم، ابن الكَريم، ابن الكَريْم، ابن

стр. 2554

الكَريْم: يُوسُفُ بن يَعْقُوبَ بن إسْحَاقَ بن إبْراهِيْمَ صلَّى الله عليْهِم". "وعن ابن عمر ﵄: قال رسول الله ﷺ : الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم"، (الكريم) اسم جامع لكل ما يحمد به، فإنه مع الشرف والفضائل المذكورة ابن ثلاثة أنبياء مرسلين، فأيُّ رجل أكرمُ من هذا؟. ٣٨٠٣ - عَنِ البَرَاء بن عَازِبٍ: أَنَّه قَالَ في يَوْمِ حُنَيْنٍ: كَانَ أبو سُفْيانَ بن الحَارِثِ آخِذاً بِعِنَانِ بَغْلَتِهِ -يَعْنِي: بَغْلَةَ رَسُولِ الله ﷺ فلمَّا غَشِيه المُشْرِكونَ نزَلَ فَجَعَلَ يَقُولُ: "أَنَا النَّبيُّ لا كَذِبْ ... أَنَا ابن عبدِ المُطَّلِبْ" قَالَ: فَمَا رئيَ مِنَ النَّاسِ يَوْمَئِذٍ أَشَدُّ مِنْهُ. "عن البراء بن عازب أنه قال: في يوم حنين كان أبو سفيان بن الحارث آخذاً بعنان بغلته -يعني: بغلة رسول الله ﷺ فلما غشيه المشركون"؛ أي: غلبوه وأتوه من كل جانب "نزل" ﷺ عن بغلته. "فجعل يقول: أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب" قيل: انتسب ﷺ إلى عبد المطلب للتعريف دون المفاخَرة، وذلك أن عبد الله كان قد رأى في المنام أن شجرة عظيمة خرجت من صلبه وانتشرت، وبلغت أغصانُها في المغرب والمشرق، وارتفعت فروعها إلى السماء، فقص الرؤيا على المعبرين فعبروها بأنه نبي آخر الزمان يخرج من صلبك، وكانت هذه القصة مشهورةً فيما بين العرب، فأشار ﷺ بهذا إلى أنه هو الولد الذي رآه في المنام، وهذا وأمثاله مقولٌ على سبيل الشكر والتحدُّث بالنعمة، قال الله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ

стр. 2555

فَحَدِّثْ﴾، فاللام في (أنا النّبي) حينئذ للعهد. وقيل: انتسابه للمفاخرة، والافتخارُ المنهيُّ ما كان في غير جهاد الكفار، وقد رخَّص الخيلاء في الحرب مع نهيه عنها في غيرها. "قال"؛ أي: الراوي: "فما رؤي من الناس يومئذ أشد منه"؛ أي: أقوى وأشجع من النبي ﷺ . ٣٨٠٤ - عَنْ أَنسٍ ﵁ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبيِّ ﷺ فَقَالَ: يا خَيْرَ البَرِيَّةِ! فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "ذاكَ إبراهِيمُ". "وعن أنس ﵁ أنه قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا خير البرية! فقال رسول الله ﷺ : ذاك إبراهيم ﵇" يحمل على أنه ﷺ قاله على جهة التواضع؛ ليوافق الأحاديث الدالة على فضله ﷺ على سائر البشر، أو يحمل على أن إبراهيم كان يُدعَى بهذا النعت حتى صار عَلَماً له كالخليل، فيكون معنى (خير البرية) على هذا في إبراهيم راجعًا إلى مَن خُلق دون مَن لم يُخلق بعد. ٣٨٠٥ - وقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لَا تُطْرُوني كما أَطْرَتْ النَّصَارَى ابن مَرْيَمَ، فإنَّما أنَا عَبْدُهُ، فَقُولُوا: عَبْدُ الله ورَسُولُهُ". "وعن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : لا تُطروني"، أي: لا تُجاوِزوا عن الحد في مدحي. "كما أطرت النصارى ابن مريم"؛ أي: كما بالغوا في مدحه حتى ضلُّوا وجعلوه ولداً لله وإلهًا، تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيراً.

стр. 2556

"فإنما أنا عبده فقولوا" في حقي: "عبد الله ورسولُه". ٣٨٠٦ - عَنْ عِياضِ بن حِمارِ المُجاشِعيِّ ﵁: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "إنَّ اللهَ أَوْحىَ إِلَيَّ أَنْ تَواضَعُوا حَتَّى لا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلى أَحَدٍ، ولا يَبْغِي أَحدٌ على أَحَدٍ". "عن عياض بن حمار" المجاشعي "أن النبي ﷺ قال: إن الله أوحى إليَّ أن تواضعوا"، (أن) هذه مفسِّرة، والتواضعُ تفاعُل من الضَّعَة وهي الذلُّ والهوان. "حتى لا يفخر أحد على أحد" والفخر ادعاءُ العظم والكبر والشرف. "ولا يبغي"؛ أي: لا يظلم "أحد على أحد". مِنَ الحِسَان: ٣٨٠٧ - عَنْ أَبيْ هُريْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "لَينتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ يَفْتَخِرُونَ بِآبائِهم الَّذينَ مَاتُوا، إِنَّما هُم فَحمٌ مِنْ جَهنَّمَ، أَوْ لَيَكُونُنَّ أَهْوَنَ عَلَى اللهِ من الجُعَلِ الَّذي يُدَهْدِهُ الخُرْءَ بأَنْفِهِ، إنَّ الله قَدْ أَذهبَ عَنْكُم عُبيَّةَ الجَاهِلِيةِ وفَخْرَها بِالآباءَ، إِنَّما هُوَ مُؤْمِن تَقيٌّ، أَوْ فاجِرٌ شَقيٌّ، النَّاسُ كُلُّهُم بنو آدمَ، وآدَمُ مِنْ تُرابٍ". "من الحسان": " عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: لينتهين أقوام يفتخرون بآبائهم الذين ماتوا، إنما هم فحم جهنم، أو ليكونُنَّ"؛ أي: القوم. "أهون على الله"؛ أي: أذلُّ.

стр. 2557

"من الجعل" بضم الجيم وفتح العين: هي الدُّوَيبَّةَ السوداء. "الذي يدهده الخرء"؛ أي: يدحرج العَذِرة والرَّوث. "بأنفه" شبَّه ﷺ المفتخرين بآبائهم الذين ماتوا في الجاهلية بالجعل، وآباءَهم المُفْتخَرَ بهم بالعذرة، ونفسَ افتخارهم بهم بالدهدهة بالأنف، و (أو) في (ليكونن) لأحد الأمرين من الانتهاء عن الافتخار بآبائهم ومن كونهم أذلَّ عند الله من الجعل الموصوف، والتخيير ثابتٌ في وصفهم بأيهما أريد، وجاز جَعلُ (أو) بمعنى (إلا) الاستثنائية، والمعنى: لينتهين الأقوام المذكورون، وإلا؛ أي: وإن لم ينتهوا عن الافتخار بالآباء فوالله ليكونن كذا. "إن الله قد أذهب عنكم عبية الجاهلية" بضم العين وكسرها وفتح الباء ثم الياء المشددة؛ أي: فخرَها وتكبُّرها. "وفخرها بالآباء، إنما هو"؛ أي: المفتخر المتكبر بالآباء "مؤمن تقي" فإذن لا ينبغي له أن يتكبر على أحد، "أو فاجر شقي" فهو ذليل عند الله، والذليل لا يستحق التكبر، فالتكبر منفيٌّ بكل حال. "الناس كلهم بنو آدم وادم من تراب"؛ أي: خُلق منه فلا يليق بمن أصلُه التراب أن يفتخر. ٣٨١٦ - وعن مُطَرِّفٍ قَالَ: انطَلَقْتُ في وَفْدِ بنىْ عَامِرٍ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ فَقُلْنَا: أنتَ سَيدناُ، فَقَال: "السَّيدُ الله"، فَقُلْنَا: وأَفْضَلُنَا فَضْلاً، وأَعْظَمُنَا طَوْلاً، فَقَال: "قُولُوا قَوْلَكُم، أَوْ بَعض قَولكُم، ولا يَسْتَجْرِيَنَّكُم الشَّيْطَان". "وعن مطرف بن عبد الله [بن] الشخير أنه قال: قال أبي: انطلقت في وفد بني عامر إلى رسول الله ﷺ فقلنا: أنت سيدنا"، سلك القوم فيه على عادتهم في الخطاب مع رؤسائهم، فكرهه ﷺ لأنه كان من حقه أن يخاطبوه بالنبي ﷺ -

стр. 2558

والرسول، فإنها المنزلة التي لا منزلة وراءها لأحد من البشر، وحوَّل الأمر فيه إلى الحقيقة. "فقال: السيد هو الله؛ أي: الذي يملك أمور الخلق ويسوسهم هو الله تعالى، وأما العبد فسيادته قاصرة، قيل: إنما منعهم أن يدعوه سيداً مع أنه ﷺ قال: "أنا سيد ولد آدم"؛ لأنهم قوم حديثُـ[ـوا] عهد بالإسلام، فحسبوا أن السيادة بالنبوة كهي بأسباب الدنيا. "فقلت: أنت أفضلنا فضلًا وأعظمنا طَوْلاً"؛ أي: عطاء. "فقال: قولوا قولكم"؛ أي: قولوا مجموع ما قلتم من قولكم: (أفضلنا فضلاً وأعظمنا طولاً). "أو بعض قولكم" بأن تقتصروا على إحدى الكلمتين من غير حاجة إلى المبالغة بهما. أو معناه: قولوا قولَ أهل ملَّتكم، فخاطبوني بما يخاطبونني: بالنبي والرسول، ودعوا التكلُّف في الثناء. "ولا يَسْتجرينَّكم الشيطان"؛ أي: لا يتَّخذنكم جَرِيَّه؛ أي: وكيله، وهو من الجريِّ: الوكيل؛ لأنه يجري مجرى موكِّله، يريد: تكلموا بما حضركم من القول ولا تتكلفوه كأنكم وكلاء الشيطان تنطقون عنه في الإضلال والكفر والبدع، أو من الجرأة -بالهمزة- وهو الشجاعة، فالمعنى: لا يجعلنكم ذوي شجاعة على التكلُّم بما لا يجوز. ٣٨٠٨ - عَنِ الحَسَنِ بن سَمُرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "الحَسَبُ المَالُ، والكَرَمُ التَّقْوَى".

стр. 2559

"عن الحسن بن سمرة ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: الحسب" بفتح الحاء والسين المهملتين، وهو ما يفتخر به الرجل من خصال حميدة توجد فيه وفي آبائه؛ يعني: الشيء الذي يكون الرجل به عظيمَ القَدر عند الناس: "المال، والكرم، وهو ضد اللوم؛ يعني: الشيء الذي يكون الرجل به عظيم القَنر عند الله: "التقوى"، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] والافتخار بالآباء ليس بشيء منهما. ٣٨٠٩ - وعَنْ أُبَيِّ بن كَعبٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يقول: "مَنْ تَعَزَّى بِعَزاءِ الجَاهِلِيَّةِ فأَعِضُّوْهُ بِهنِ أَبيْهِ ولا تَكْنُوا". "وعن أبي بن كعب أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: مَن تعزَّى"؛ أي: انتسب "بعزاء الجاهلية"؛ أي: بنسبها؛ يعني: مَن افتخر بآبائه وقبائله الكفارِ على العادة الأولى. "فأَعِضُّوه بِهَنِ أبيه"؛ أي: قولوا له: اعضض بأير أبيك. "ولا تكنوا" عن الأير بالهنِ؛ تنكيلاً له عفا تباهى به، والعضُّ: أخذ الشيء بالأسنان. قال [أبو] عبيد الهروي: الهنُ: القبيح من الفعل والقول؛ يعني: قولوا له: اذكر قبائح آبائك من عبادة الأصنام والزنا وشرب الخمر وغيرها، ويجوز أن يكون معناه: عُدُّوا أنتم يا مسلمون قبائح ابائه ولا تكنوا؛ أي: لا تذكروا قبائح آبائه بطريق الكناية بل بالمجاهرة والتصريح، فلعله يستحي من الافتخار بآبائه.

стр. 2560

٣٨١٠ - عَنْ عَبْدِ الرّحمَنِ بن أَبي عُقَبةَ، عْن أَبي عُقْبةَ ﵄، وكانَ مَوْلَى مِنْ أَهْلِ فارِسٍ، قَالَ: شَهِدتُ معَ رَسُولِ الله ﷺ أحُداً، فَضَرَبتُ رَجُلًا مِنَ المُشْرِكينَ، فَقُلْتُ: خُذْها مِنِّي وأَنا الغُلامُ الفارِسيُّ، فالْتَفَتَ إلَيَّ فقالَ: "هَلَّا قُلْتَ: خُذْها مِنِّي وأَنا الغُلامُ الأَنْصارِيُّ؟ ". "عن عبد الرحمن بن أبي عقبة، عن أبي عقبة وكان مولًى"؛ أي: معتقاً "من أهل فارس أنَّه قال: شهدت"؛ أي: حضرت "مع رسول الله ﷺ أُحدًا، فضربتُ رجلًا من المشركين فقلت: خذها"؛ أي: الضربة أو الطعنة مني. "وأنا الغلام الفارسي، فالتفت"؛ أي: الرسول ﷺ "إليَّ فقال: هلَّا قلت: خذها مني وأنا الغلام الأنصاري"؛ أي: هلَّا افتخرت بشرف النسبة؛ يعني: إذا افتخرت عند الضراب فانتسب إلى الأنصار الذين هاجرتُ إليهم ونصروني، وكان عادة المحاربين إذا خرج واحد منهم للمبارزة أن يخبره باسمه وقبيلته إظهارًا لشجاعته، وكان أهل فارس في ذلك الزمان كفارًا، فكره ﷺ الانتسابَ إليهم لذلك وأمره بالانتساب إلى الأنصار. * * * ٣٨١١ - عنِ ابن مَسْعُودٍ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قال: "مَنْ نَصَرَ قَوْمَهُ عَلَى غَيْرِ الحَقِّ فَهُوَ كالبَعيْرِ الَّذي ترَدَّى، فَهُوَ يُنْزَعُ بِذَنبَهِ". "عن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: من نصر قومه على غير الحق فهو كالبعير الذي تردَّى"؛ أي: سقط في البئر وهلك. "فهو يُنزع بذنبه" شبَّه القوم بالبعير الهالك؛ لأنَّ من كان على غير الحق فهو هالكٌ، وشبَّه ناصرهم بذَنَب هذا البعير الهالك؛ لأنه يُنزع بذَنبَه منها فلا يقدر على خلاصة وإن جهد كل الجهد بنزعه إياه بالذّنَب، فكما أن نزعه بذَنبَه
следующие страницы →