"فإنما أنا عبده فقولوا" في حقي: "عبد الله ورسولُه".
٣٨٠٦ - عَنْ عِياضِ بن حِمارِ المُجاشِعيِّ ﵁: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "إنَّ اللهَ أَوْحىَ إِلَيَّ أَنْ تَواضَعُوا حَتَّى لا يَفْخَرَ أَحَدٌ عَلى أَحَدٍ، ولا يَبْغِي أَحدٌ على أَحَدٍ".
"عن عياض بن حمار" المجاشعي "أن النبي ﷺ قال: إن الله أوحى إليَّ أن تواضعوا"، (أن) هذه مفسِّرة، والتواضعُ تفاعُل من الضَّعَة وهي الذلُّ والهوان.
"حتى لا يفخر أحد على أحد" والفخر ادعاءُ العظم والكبر والشرف.
"ولا يبغي"؛ أي: لا يظلم "أحد على أحد".
مِنَ الحِسَان:
٣٨٠٧ - عَنْ أَبيْ هُريْرَةَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "لَينتَهِيَنَّ أَقْوَامٌ يَفْتَخِرُونَ بِآبائِهم الَّذينَ مَاتُوا، إِنَّما هُم فَحمٌ مِنْ جَهنَّمَ، أَوْ لَيَكُونُنَّ أَهْوَنَ عَلَى اللهِ من الجُعَلِ الَّذي يُدَهْدِهُ الخُرْءَ بأَنْفِهِ، إنَّ الله قَدْ أَذهبَ عَنْكُم عُبيَّةَ الجَاهِلِيةِ وفَخْرَها بِالآباءَ، إِنَّما هُوَ مُؤْمِن تَقيٌّ، أَوْ فاجِرٌ شَقيٌّ، النَّاسُ كُلُّهُم بنو آدمَ، وآدَمُ مِنْ تُرابٍ".
"من الحسان":
" عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: لينتهين أقوام يفتخرون بآبائهم الذين ماتوا، إنما هم فحم جهنم، أو ليكونُنَّ"؛ أي: القوم.
"أهون على الله"؛ أي: أذلُّ.
стр. 2557
"من الجعل" بضم الجيم وفتح العين: هي الدُّوَيبَّةَ السوداء.
"الذي يدهده الخرء"؛ أي: يدحرج العَذِرة والرَّوث.
"بأنفه" شبَّه ﷺ المفتخرين بآبائهم الذين ماتوا في الجاهلية بالجعل، وآباءَهم المُفْتخَرَ بهم بالعذرة، ونفسَ افتخارهم بهم بالدهدهة بالأنف، و (أو) في (ليكونن) لأحد الأمرين من الانتهاء عن الافتخار بآبائهم ومن كونهم أذلَّ عند الله من الجعل الموصوف، والتخيير ثابتٌ في وصفهم بأيهما أريد، وجاز جَعلُ (أو) بمعنى (إلا) الاستثنائية، والمعنى: لينتهين الأقوام المذكورون، وإلا؛ أي: وإن لم ينتهوا عن الافتخار بالآباء فوالله ليكونن كذا.
"إن الله قد أذهب عنكم عبية الجاهلية" بضم العين وكسرها وفتح الباء ثم الياء المشددة؛ أي: فخرَها وتكبُّرها.
"وفخرها بالآباء، إنما هو"؛ أي: المفتخر المتكبر بالآباء "مؤمن تقي" فإذن لا ينبغي له أن يتكبر على أحد، "أو فاجر شقي" فهو ذليل عند الله، والذليل لا يستحق التكبر، فالتكبر منفيٌّ بكل حال.
"الناس كلهم بنو آدم وادم من تراب"؛ أي: خُلق منه فلا يليق بمن أصلُه التراب أن يفتخر.
٣٨١٦ - وعن مُطَرِّفٍ قَالَ: انطَلَقْتُ في وَفْدِ بنىْ عَامِرٍ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ فَقُلْنَا: أنتَ سَيدناُ، فَقَال: "السَّيدُ الله"، فَقُلْنَا: وأَفْضَلُنَا فَضْلاً، وأَعْظَمُنَا طَوْلاً، فَقَال: "قُولُوا قَوْلَكُم، أَوْ بَعض قَولكُم، ولا يَسْتَجْرِيَنَّكُم الشَّيْطَان".
"وعن مطرف بن عبد الله [بن] الشخير أنه قال: قال أبي: انطلقت في وفد بني عامر إلى رسول الله ﷺ فقلنا: أنت سيدنا"، سلك القوم فيه على عادتهم في الخطاب مع رؤسائهم، فكرهه ﷺ لأنه كان من حقه أن يخاطبوه بالنبي ﷺ -
стр. 2558
والرسول، فإنها المنزلة التي لا منزلة وراءها لأحد من البشر، وحوَّل الأمر فيه إلى الحقيقة.
"فقال: السيد هو الله؛ أي: الذي يملك أمور الخلق ويسوسهم هو الله تعالى، وأما العبد فسيادته قاصرة، قيل: إنما منعهم أن يدعوه سيداً مع أنه ﷺ قال: "أنا سيد ولد آدم"؛ لأنهم قوم حديثُـ[ـوا] عهد بالإسلام، فحسبوا أن السيادة بالنبوة كهي بأسباب الدنيا.
"فقلت: أنت أفضلنا فضلًا وأعظمنا طَوْلاً"؛ أي: عطاء.
"فقال: قولوا قولكم"؛ أي: قولوا مجموع ما قلتم من قولكم: (أفضلنا فضلاً وأعظمنا طولاً).
"أو بعض قولكم" بأن تقتصروا على إحدى الكلمتين من غير حاجة إلى المبالغة بهما.
أو معناه: قولوا قولَ أهل ملَّتكم، فخاطبوني بما يخاطبونني: بالنبي والرسول، ودعوا التكلُّف في الثناء.
"ولا يَسْتجرينَّكم الشيطان"؛ أي: لا يتَّخذنكم جَرِيَّه؛ أي: وكيله، وهو من الجريِّ: الوكيل؛ لأنه يجري مجرى موكِّله، يريد: تكلموا بما حضركم من القول ولا تتكلفوه كأنكم وكلاء الشيطان تنطقون عنه في الإضلال والكفر والبدع، أو من الجرأة -بالهمزة- وهو الشجاعة، فالمعنى: لا يجعلنكم ذوي شجاعة على التكلُّم بما لا يجوز.
٣٨٠٨ - عَنِ الحَسَنِ بن سَمُرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "الحَسَبُ المَالُ، والكَرَمُ التَّقْوَى".
стр. 2559
"عن الحسن بن سمرة ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: الحسب" بفتح الحاء والسين المهملتين، وهو ما يفتخر به الرجل من خصال حميدة توجد فيه وفي آبائه؛ يعني: الشيء الذي يكون الرجل به عظيمَ القَدر عند الناس: "المال، والكرم، وهو ضد اللوم؛ يعني: الشيء الذي يكون الرجل به عظيم القَنر عند الله: "التقوى"، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣] والافتخار بالآباء ليس بشيء منهما.
٣٨٠٩ - وعَنْ أُبَيِّ بن كَعبٍ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ الله ﷺ يقول: "مَنْ تَعَزَّى بِعَزاءِ الجَاهِلِيَّةِ فأَعِضُّوْهُ بِهنِ أَبيْهِ ولا تَكْنُوا".
"وعن أبي بن كعب أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: مَن تعزَّى"؛ أي: انتسب "بعزاء الجاهلية"؛ أي: بنسبها؛ يعني: مَن افتخر بآبائه وقبائله الكفارِ على العادة الأولى.
"فأَعِضُّوه بِهَنِ أبيه"؛ أي: قولوا له: اعضض بأير أبيك.
"ولا تكنوا" عن الأير بالهنِ؛ تنكيلاً له عفا تباهى به، والعضُّ: أخذ الشيء بالأسنان.
قال [أبو] عبيد الهروي: الهنُ: القبيح من الفعل والقول؛ يعني: قولوا له: اذكر قبائح آبائك من عبادة الأصنام والزنا وشرب الخمر وغيرها، ويجوز أن يكون معناه: عُدُّوا أنتم يا مسلمون قبائح ابائه ولا تكنوا؛ أي: لا تذكروا قبائح آبائه بطريق الكناية بل بالمجاهرة والتصريح، فلعله يستحي من الافتخار بآبائه.
стр. 2560
٣٨١٠ - عَنْ عَبْدِ الرّحمَنِ بن أَبي عُقَبةَ، عْن أَبي عُقْبةَ ﵄، وكانَ مَوْلَى مِنْ أَهْلِ فارِسٍ، قَالَ: شَهِدتُ معَ رَسُولِ الله ﷺ أحُداً، فَضَرَبتُ رَجُلًا مِنَ المُشْرِكينَ، فَقُلْتُ: خُذْها مِنِّي وأَنا الغُلامُ الفارِسيُّ، فالْتَفَتَ إلَيَّ فقالَ: "هَلَّا قُلْتَ: خُذْها مِنِّي وأَنا الغُلامُ الأَنْصارِيُّ؟ ".
"عن عبد الرحمن بن أبي عقبة، عن أبي عقبة وكان مولًى"؛ أي: معتقاً "من أهل فارس أنَّه قال: شهدت"؛ أي: حضرت "مع رسول الله ﷺ أُحدًا، فضربتُ رجلًا من المشركين فقلت: خذها"؛ أي: الضربة أو الطعنة مني.
"وأنا الغلام الفارسي، فالتفت"؛ أي: الرسول ﷺ "إليَّ فقال: هلَّا قلت: خذها مني وأنا الغلام الأنصاري"؛ أي: هلَّا افتخرت بشرف النسبة؛ يعني: إذا افتخرت عند الضراب فانتسب إلى الأنصار الذين هاجرتُ إليهم ونصروني، وكان عادة المحاربين إذا خرج واحد منهم للمبارزة أن يخبره باسمه وقبيلته إظهارًا لشجاعته، وكان أهل فارس في ذلك الزمان كفارًا، فكره ﷺ الانتسابَ إليهم لذلك وأمره بالانتساب إلى الأنصار.
* * *
٣٨١١ - عنِ ابن مَسْعُودٍ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قال: "مَنْ نَصَرَ قَوْمَهُ عَلَى غَيْرِ الحَقِّ فَهُوَ كالبَعيْرِ الَّذي ترَدَّى، فَهُوَ يُنْزَعُ بِذَنبَهِ".
"عن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: من نصر قومه على غير الحق فهو كالبعير الذي تردَّى"؛ أي: سقط في البئر وهلك.
"فهو يُنزع بذنبه" شبَّه القوم بالبعير الهالك؛ لأنَّ من كان على غير الحق فهو هالكٌ، وشبَّه ناصرهم بذَنَب هذا البعير الهالك؛ لأنه يُنزع بذَنبَه منها فلا يقدر على خلاصة وإن جهد كل الجهد بنزعه إياه بالذّنَب، فكما أن نزعه بذَنبَه
стр. 2561
لا يخلِّصه من الهلكة، فكذلك الناصر على غير الحق وقع في الإثم والهلاك.
* * *
٣٨١٢ - عَنْ واثِلَةَ بن الأسْقَع قَالَ: قُلْتُ يا رَسُولَ الله! ما العَصَبيَّةُ"؟ قال: "أَنْ تُعِينَ قَوْمَكَ على الظُّلْم".
"وعن واثلة بن الأسقع أنَّه قال: قلت: يا رسول الله! ما العصبية؟ "؛ أي: التعصب.
"قال: أن تُعين قومك على الظلم".
* * *
٣٨١٣ - وعَنْ سُراقَةَ بن مالِكِ بن جُعْشُم قَالَ: خَطَبنا رَسُولُ الله ﷺ فَقالَ: "خَيْرُكُمْ المُدافعُ عَنْ عَشِيرَتِهِ ما لَمْ يَأثَمْ".
"عن سراقة بن مالك بن جُعْشُم أنَّه قال: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: خيركم المدافع"؛ أي: مَن يدفع الظلم "عن عشيرته"؛ أي: عن أقاربه.
"ما لم يأثم"؛ أي: ما لم يظلم؛ يعني: لو قدر في دفعه عنهم بكلام لم يَجز له الضربُ، ولو قدر بالضرب لم يجز له بالقتل.
* * *
٣٨١٤ - عَنْ جُبَيْرِ بن مُطْعِمٍ: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "لَيْسَ مِنّا مَنْ دَعا إِلَى عَصَبيَّةٍ، ولَيْسَ مِنَّا مَنْ قاتَلَ عَصَبيَّةً، ولَيْسَ مِنّا مَنْ ماتَ عَلَى عَصَبيَّةٍ".
"عن جبير بن مطعم: أن رسول الله ﷺ قال: ليس منا من دعا إلى عصبية"؛ أي: إلى معاونة ظالم.
"وليس منا من قاتل عصبيةً"؛ أي: بالباطل.
стр. 2562
"وليس منا من مات على عصبية"؛ أي: على الباطل.
* * *
٣٨١٥ - عَنْ أَبيْ الدَّرداءَ عَنِ النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "حُبُّكَ الشَّيءَ يُعْمِي وَيُصِمُّ".
"عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ أنَّه قال: حبك الشيء يُعمي"؛ أي: يجعلك أعمى عن رؤية معايبه بحيث لا تبصر فيه عيباً.
"ويصم"؛ أي: يجعلك أصمَّ عن سماع قبائحه بحيث لا تسمع منه كلاماً قبيحاً لاستيلاء سلطان المحبة على فؤادك، وعينُ المحبّ عمياءُ وأذنُه صمّاءُ.
* * *
١٤ - باب البر والصِّلَةِ
(باب البر والصلة)
يريد بالصلة: صلة الرحم وغيرها، والبر أعم منها.
مِنَ الصِّحَاحِ:
٣٨١٧ - عَنْ أَبي هُريْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَجُل: يا رَسُولَ الله! مَنْ أَحَقُّ بِحُسْنِ صَحابَتي؟ قال: "أُمُّكَ"، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: "أُمُّكَ"، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: "أُمُّك"، قَالَ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: "أبوك".
ويُروَى: مَنْ أَبَرُّ؟ قَالَ: "أمَّكَ، ثُمَّ أُمَّكَ، ثُمَّ أُمَّكَ، ثُمَّ أَباكَ، ثُمَّ أَدْناكَ أدناك".
"من الصحاح":
" عن أبي هريرة ﵁ أنَّه قال: قال رجل: يا رسول الله! من أحقُّ بحسن
стр. 2563
صحابتي؟ "؛ أي: مَن الأَوْلى بأن أُحسنَ إليه وأَحفظَ حقوقه.
"قال: أمك، قال: ثمَّ مَن؟ قال: أمك، قال: ثمَّ مَن؟ قال: أمك، قال: ثمَّ مَن؟ قال أبوك".
ويروى: من أبرُّ؟ قال: أمك، ثمَّ أمك، ثمَّ أمك، ثمَّ أباك، ثمَّ أدناك فأدناك"؛ أي: أقرباءك.
* * *
٣٨١٩ - وقالَ ﷺ : "رَغِمَ أَنْفُهُ، رَغِمَ أَنْفُهُ، رَغِمَ أَنْفُهُ"، قِيْلَ: مَنْ يا رسولَ الله! قَالَ: "مَنْ أَدرَكَ والِدَيْهِ عِنْدَ الكِبَرِ، أَحَدَهُما أَوْ كِلَيْهِما، ثمَّ لَمْ يَدخُلِ الجَنَّةَ".
"عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : رغم أنفه" معناه: لصق بالرَّغام وهو ترابٌ مختلطٌ بالرمل، والمراد منه الذل، إخبارٌ أو دعاءٌ عليه.
"رغم أنفه، رغم أنفه، قيل: مَن يا رسول الله؟ قال: من أدرك والديه عند الكبر أحدُهما" بالرفع فاعلٌ للظرف وهو: (عند)، "أو كلاهما" عطف عليه، وفي بعض النسخ بالنصب، فيكون بدلًا عن (والديه)، خص حال الكبر لأنه أحوجُ الأوقات إلى الخدمة والإحسان إليهما.
"ثمَّ لم يدخل الجنة"؛ يعني: بسبب عقوقهما والتقصيرِ في حقوقهما.
* * *
٣٨٢٠ - وعَنْ أَسماءَ بنتِ أَبي بَكْرٍ أَنَّها قالَت: قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي وَهيَ مُشْرِكَةٌ في عَهْدِ قُرَيْشٍ، فَقُلْتُ: يا رَسُولَ الله! إنَّ أُمِّي قَدِمَتْ عَلَيَّ وهيَ راغِبةٌ، أفأَصِلُها؟ قَالَ: "نعمْ، صِليْهَا".
стр. 2564
"عن أسماء بنت أبي بكر ﵂ أنها قالت: قدمتْ عليَّ أمي وهي مشركة في عهد قريش، فقلت: يا رسول الله! إن أمي قدمت علي وهي راغبة"؛ أي: في صلتي وطامعةٌ لعطائي، وقيل: راغبة في الإسلام، ويروى: (راغمة) بالميم، قيل: هو الصواب؛ أي: ذليلة محتاجة إلى عطائي، أو غاضبة لإسلامي وهجرتي.
"أفأَصِلُها؟ "؛ أي: أعطيها شيئًا.
"قال: نعم صليها"؛ أي: أعطيها، وفيه دليل بوجوب نفقة الأب والأم الكافرين على الولد المسلم، وأن الإحسان إلى الكفار جائز.
* * *
٣٨٢٠ / -م - وعَنْ عَمْرِو بن العاص قَالَ: سَمِعْتُ النَّبيَّ ﷺ يَقُولُ: "إنَّ آلَ أَبي فُلانٍ لَيْسوا لي بأَوْلِياءَ، إِنَّما وَلييَ الله وصالح المُؤْمِنينَ، ولكِنْ لَهُمْ رَحِمٌ أَبُلُّها ببَلالِها".
"عن عمرو بن العاص أنَّه قال: سمعت النبي ﷺ يقول: إن آل أبي فلان" قيل: هذه الكناية من بعض الرواة خوفاً من الفتنة، والمكنيُّ عنه هو أبو سفيان، وقيل: هو الحكم بن العاص.
"ليسوا لي بأولياء"؛ أي: لا أوالي أحدًا بالقرابة ولا أحبه.
"إنما ولييَ الله وصالح المؤمنين" قيل: المراد بهم الأنبياء، وقيل: أبو بكر وعمر ﵄، وقيل: علي كرم الله وجهه.
"ولكن لهم رحم أبلُّها ببلالها"، (البلال) بكسر الباء: كل ما يُبل به الحلق من الماء واللبن، والمراد به هنا: ما يوصَل به الرَّحِمُ من الإحسان؛ أي: أصِلُ تلك الرحم بصلتها والإحسان إليهم.
стр. 2565
٣٨٢١ - وقالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إِنَّ اللهَ حَرَّمَ عَلَيْكُم عُقُوقَ الأُمَّهاتِ، وَوَأْدَ البناتِ، ومَنْعًا وَهاتِ، وكَرِهَ لَكُم قِيلَ وقالَ، وكَثْرَةَ السُّؤالِ، وَإِضاعَةَ المالِ".
"عن المغيرة بن شعبة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : إن الله حرَّم عليكم عقوق الأمهات"؛ أي: عصيانها، خصَّ الأم لأنَّ لعقوقها مزيةً في القبح.
"ووأد البنات"؛ أي: دفنهن أحياء.
"ومنع" يروى علي بناء الماضي وعلى المصدر، "وهات" اسم فعل بمعنى أعطني؛ عبَّر بهما عن البخل والمسألة، وقيل: منع الواجب من الحقوق وأخذ ما لا يحلُّ من أموال الناس.
"وكره لكم قيل وقال"؛ أي: نهى عن فضول ما يتحدث به المجالسون من قولهم قيل كذا وقال كذا، وقيل: المراد بهما النهي عن القول بما لا يصح ولا تُعلم حقيقته، وقيل: أراد النهي عن كثرة الكلام مبتدئًا ومجيبًا؛ لأنَّ كثرته تورث قساوة القلب.
"وكثرة السؤال"؛ أي: من العلماء فيما لا حاجة فيه للمعاندة والمعارضة، أو هي مسألة الناس أموالَهم، أو السؤالُ عن أمورهم وكثرةُ البحث عنها.
"وإضاعة المال"؛ أي: إنفاقه في غير طاعة الله، وإيتاؤه صاحبَه وهو سفيه حقيقٌ بالحجر، وقيل: التبذير والإسراف وإن كان في حلالٍ مباحٍ، كمجاوزة الحد في النفقة والملبس والمفرش وتمويه الأواني والسقوف.
* * *
٣٨٢٢ - وقالَ: "مِنَ الكَبائِرِ شَتْمُ الرَّجُلِ والِدَيْهِ"، قالوا: يا رسولَ الله! وهَلْ يَشْتِمُ الرَّجُلُ والِدَيْهِ؟ قال: "نعمْ، يَسُبُّ أَبا الرَّجُلِ، فَيَسُبُّ أَباهُ، وَيسُبُّ أُمَّهُ، فَيَسُبُّ أُمَّهُ".
"وعن عبد الله بن عمرو ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : من الكبائر شتم
стр. 2566
الرجل والديه، قالوا: يا رسول الله! وهل يشتم الرجل والديه؟ قال: نعم، يسبّ أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه" فإن عقوق الوالدين من الكبائر، وارتكابُ ما يفضي إلى سب أحدهما مما يقرُب إلى العقوق، قيل: إنما يكون هذا من العقوق إذا كان المسابة بالزنا والكفر أو البهتان.
* * *
٣٨٢٣ - وقالَ: "إن مِنْ أَبَرِّ البرِّ صِلَةُ الرَّجُلِ أهْلَ وُدِّ أَبيهِ، بَعْدَ أَنْ يُوَلِّي الأَبُ".
"وعن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : إن من أبر البر صلة الرجل أهل ود أبيه" بضم الواو بمعنى المودة.
"بعد أن توفي"، في بعض: (بعد أن يولي)؛ أي: غاب، أعم من أن يكون بموتِ أو سفر، وفيه إشارةٌ إلى تأكيد حق الأب.
* * *
٣٨٢٤ - وقالَ: "مَنْ أَحَبَّ أَنْ يُبْسَطَ لَهُ في رِزْقِهِ، ويُنْسأَ لَهُ في أثَرِهِ، فَلْيَصِلْ رَحِمَهُ".
"وعن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له"؛ أي: يؤخَّر.
"في أثره" وهو ما بقي من رسم الشيء، والمراد هنا: ما بقي من العمر والأجل.
"فليصل رحمه" ويجوز أن يكون المعنى: إن الله يبقي أثر واصل الرحم مدة طويلة في الدنيا، وأنه لا يضمحل سريعاً.
стр. 2567
٣٨٢٥ - وقالَ: "خَلَقَ الله الخَلْقَ، فَلمَّا فَرَغَ مِنْهُ قامَتْ الرَّحِمُ فأَخَذَتْ بِحِقْوَي الرَّحمَنِ، فقالَ: مَهْ؟ قالَتْ: هَذا مَقامُ العائِذِ بِكَ مِنَ القَطيعَةِ، قَالَ: أَلا تَرضَيْنَ أَنْ أَصِلَ مَنْ وَصَلَكِ وَأَقْطَعَ مَنْ قَطَعَكِ؟ قالَتْ: بَلَى، يا رَبّ! قَالَ: فَذاكَ لَكِ".
"وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : خلق الله الخلق"؛ أي: قدَّر المخلوقات في علمه السابق على ما هم عليه وقت وجودهم.
"فلما فرغ منه"؛ أي: قضاه وأتمه؛ لأنَّ الفراغ الحقيقي بعد الشغل، وهو على الله ممتنع.
"قامت الرحم فأخذت بحقوِي الرحمن" والأصل في الحقو - بالفتح -: معقد الإزار، ثمَّ سمي به الإزار للمجاورة، قيل: المراد به كبرياء الله وعظمته، وهذا تمثيل واستعارة؛ يعني: التجأت الرحم وعاذت بعزة الله وعظمته من أن يقطع أحد الرحم.
"فقال: مه" بطريق الزجر للرحم؛ أي: اكْفُفي وامتنعي عن هذا الالتجاء، ويجوز أن يكون استفهاماً فقلبت الألف هاءً؛ يعني: ما لك؟ بأيِّ سبب عذت بي؟ فالمراد منه الأمر بإظهار الحاجة دون الاستعلام.
"قالت: هذا مقام العائذ بك من القطيعة" (هذا) صفةُ محذوفٍ؛ أي: مقامي هذا مقامُ المستعيذ بك من قطيعتي.
"قال: ألا ترضين أن أصل من وصلك وأقطع من قطعك؟ قالت: بلى يا رب، قال: فذاك"؛ أي: أفعل ما قلتُ مِن وصلي مَن وصلك وقطعي مَن قطعك.
стр. 2568
٣٨٢٧ - وقالَ: "الرَّحِمُ مُعَلَّقَةٌ بالعَرْشِ، تَقوْلُ: مَنْ وَصَلَني وَصَلَهُ الله، ومَنْ قَطَعَني قَطَعَه الله".
"وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : الرحم معلقة بالعرش"؛ أي: متمسكةٌ به تتعوَّذ بالله مِن قَطْع الرحم، وهذا من باب التمثيل أيضًا، وفيه تنبيهٌ على منزلتها عند الله حيث جعل الرحم متشبثةَّ بالعرش الذي هو أعظم خلق الله تعالى.
"تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله تعالى"؛ أي: قطع عنه كمال عنايته، وهذا إخبارٌ أو دعاء.
* * *
٣٨٢٦ - وقالَ: "الرحمُ شجْنَة مِنَ الرّحمَنِ، قَالَ الله تَعالَى: مَنْ وَصَلكِ وَصَلْتُهُ، ومَنْ قَطَعَكِ قَطَعْتُهُ".
"وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: الرحم شجنة" بضم الشين المعجمة وكسرها: عروقُ شجرٍ متداخلةٌ.
"من الرحمن"؛ يعني حروف الرحم موجودة في اسم الرحمن ومتداخلةٌ فيه كتداخل العروق؛ لكونهما من أصل واحد وهو الرحمة.
"فقال الله تعالى: من وصلك وصلْته"؛ أي: بالرحمة.
"ومن قطعك قطعته"؛ يعني: أعرضت عنه.
* * *
٣٨٢٨ - وقالَ: "لا يدخلُ الجَنَّةَ قاطِعُ رَحِمٍ".
"وعن جبير بن مطعم قال: قال رسول الله ﷺ : لا يدخل الجنة قاطع"؛
стр. 2569
أي: قاطع الرحم، وهذا محمولٌ على من اعتقد حِلَّ القطيعة.
* * *
٣٨٢٩ - وقالَ: "لَيْسَ الواصِلُ بالمُكافِئ، ولَكِنَّ الوَاصِلَ الَّذي إِذا قُطِعَتْ رَحِمُهُ وصلَها".
"وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ ليس الواصل" اللام فيه لتعريف الجنس؛ يعني: ليس حقيقةُ الواصل ومَن يعتدُّ به وصله.
"بالمكافئ"؛ أي: الذي إذا أنعم عليه صاحبه يجازيه بمثل ما فعله.
"ولكن الواصل"؛ أي: الذي يعتدُّ وصله.
"هو الذي إذا قطعت رحمه وصلها"؛ يعني: يصل قريبه الذي يقطع عنه.
* * *
٣٨٣٠ - وعَنْ أَبي هُريرَةَ ﵁: أنَّ رَجُلًا قَالَ: يا رَسُولَ الله! إِنَّ لي قَرابَة أصلُهُمْ وَيقْطَعُوني، وأُحسِنُ إلَيْهِمْ ويُسيؤونَ إلَيَّ، وأَحلُمُ عَنْهُمْ وَيَجْهَلُونَ عَلَيَّ، فقالَ: "لَئِنْ كنْتَ كَما قُلْتُ فَكأَنَّما تُسِفُّهُمُ المَلَّ، ولا يَزالُ مَعَكَ مِنَ الله ظَهِيرٌ عَلَيْهِمْ ما دُمْتَ عَلَى ذَلِك".
"وعن أبي هريرة ﵁: أن رجلًا قال: يا رسول الله! إن لي قرابة"؛ أي: ذوي قرابة.
"أصلهم ويقطعوني، وأُحسن إليهم ويسيئون إلي، وأَحلُم عنهم" بضم اللام من الحلم وهو الأناة.
"فيجهلون علي"؛ أن يسبون.
"فقال: لئن كنت كما قلت"؛ أي: إن كان مقولك ذلك كما قلت.
стр. 2570
"فكأنما تُسفُّهم الملَّ" (تُسِف) من باب الإفعال من السفوف، و (المَل) بفتح الميم، وهو الرماد الحار، معناه: كأنما تطعمهم الملَّ، شبَّه النبي ﷺ ما يلحقهم من الإثم بما يلحق آكل الرماد من الألم.
وقيل: معناه: إنك بالإحسان إليهم تُخزيهم وتحقرهم في أنفسهم، فصاروا كمن سفَّ المل.
وقيل: معناه: إحسانك إليهم كالمل تحرق أحشاءهم.
"ولا يزال معك من الله ظهير عليهم"؛ أي: معينٌ دافع عنك أذاهم.
"ما دمت على ذلك"؛ أي: على الإحسان إليهم.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٣٨٣١ - عَنْ ثَوبَانَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لا يَرُدُّ القَدَرَ إلَّا الدّعاءُ، ولا يَزيدُ في العُمُرِ إِلَّا البرّ، وإنَّ الرَّجُلَ لَيُحرَمُ الرِّزْقَ بالذَّنْبِ يُصِيبُهُ".
"من الحسان":
" عن ثوبان قال: قال رسول الله ﷺ : لا يردُّ القدر إلا الدعاء، ولا يزيد في العمر إلا البر" قيل: المراد من (القَدَر): الأمر الذي لولا الدعاءُ لكان مقدَّراً، ومن (العمر): العمر الذي لولا البر لكان قصيرًا، وهذا من القضاء المعلَّق، فيكون الدعاء والبر سببين من أسباب ذلك وهما مقدَّران كتقدير حسن الأعمال وسيئها اللذين هما من أسباب السعادة والشقاوة مع أنهما مقدَّران أيضًا.
"وإن الرجل ليحرم الرزق"؛ أي: يصير محروماً من الرزق.
"بالذنب يصيبه"؛ أي: بشؤم اكتسابه ذنباً، وقيل: معناه: الذنب إذا فكَّر في عاقبته كدَّر في صفاء الرزق فكأنه حُرِمَه بسبب ذنبه، وإلا فالكفار أكثر رزقاً،
стр. 2571
والفسّاقُ تراهم أكثر أموالاً وصحةً من الصُّلحاء.
وقيل: هذا الحديث خاص ببعض الناس، فإن الله تعالى إذا أراد أن يدخل مسلماً مذنباً الجنة بلا عذاب يَلْحقُه بذنبه في الآخرة عاقبه بذنبه في الدنيا بأن يصيبه عقيب ذنبٍ ارتكبه مثلًا من فقر، أو مرض، أو ضيق قلب، أو غير ذلك، ثمَّ يلهمه أن هذا بشؤم ذلك الذنب ليُتيبه ويتوبَ عليه.
* * *
٣٨٣٢ - وقالَتْ عائِشَةَ ﵂: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "دَخَلْتُ الجَنَّةَ فَسَمِعْتُ فيها قِراءَةَ، فَقُلتُ: مَنْ هذا؟ قالُوا: حارِثَةُ بن النُّعمانِ، كذلِكُمُ البرُّ، كَذلِكُمُ البرُّ -، وكانَ أَبَرَّ النَّاسِ بأُمِّهِ - ".
"وقالت عائشة ﵂ قال رسول الله ﷺ : دخلت الجنة فسمعت فيها قراءة، فقلت: من هذا؟ قالوا: حارثة بن النعمان كذلكم البر كذلكم البر" المشار إليه ما سبق، والمخاطبون الصحابة؛ يعني: مثلُ تلك الدرجةِ تُنال يسبب البر.
"وكان"؛ أي: حارثة "أبرَّ الناس بأمه" وهذا من كلام الراوي.
* * *
٣٨٣٣ - وقالَ رَسُولُ الله ﷺ : "رِضا الرَّبِّ في رِضا الوالِدِ، وسَخَطُ الرَّبِّ في سَخَطِ الوَالِدِ".
"وعن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله ﷺ : رضا الرب في رضا الوالد وسخط الرب في سخط الوالد"؛ يعني إذا رضي الوالد من الولد رضي الرب عنه، وكذلك السخط، وهكذا رضا الوالدة.
стр. 2572
٣٨٣٤ - عَنْ أَبيْ الدّرداءَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبيِّ ﷺ يَقُولُ: "الوالِدُ أَوْسَطُ أَبْوابِ الجَنَّةِ، فَإنْ شِئْتَ فَحافِظْ عَلَى البابِ أَوْ ضَيعْ".
"عن أبي الدرداء ﵁ أنَّه قال: سمعت النبي ﷺ يقول: الوالد أوسط أبواب الجنة"؛ أي: خير أبوابها وأفضلُها؛ يعني أن للجنة أبواباً وأحسنُها دخولًا أوسطُها، وأن سبب دخول ذلك الباب الأوسط هو محافظة حقوق الوالدين ورضاهم عنه.
"فإن شئت فحافظ على الباب أو ضيعْ".
* * *
٣٨٣٥ - وعَنْ بَهْزِ بن حَكِيْمٍ، عنْ أَبيْه، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قُلتُ: يا رَسُولَ الله! مَنْ أَبَرُّ؟ قَالَ: "أُمَّكَ"، قُلتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: "أُمَّكَ"، قُلتُ: ثمَّ مَنْ؟ قَالَ: أُمَّكَ، قلتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: "أَباكَ، ثُمَّ الأَقْرَبَ فالأَقْرَبَ".
"عن بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: قلت: يا رسول الله! مَن أَبَرُّ؟ " على صيغة المتكلم.
"قال: أمك، قلت: ثمَّ من؟ قال: أمك، قلت؛ ثمَّ من؟ قال: أمك، قلت: ثمَّ من؟ قال: أباك، ثمَّ الأقرب فالأقرب".
* * *
٣٨٣٦ - عن عبدِ الرَّحمنِ بن عَوْفٍ ﵁ قال: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "قَالَ الله ﵎: أنا الله، وأنا الرّحمنُ، خَلَقْتُ الرَّحِمَ، وشَقَقْتُ لها من اسمي، وَمَنْ وَصَلَها وَصَلْتُهُ، وَمَنْ قَطَعها بَتَتُّهُ".
"عن عبد الرحمن بن عوف قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: قال الله تعالى: أنا الله وأنا الرحمن خلقتُ الرحم وشققتُ لها من اسمي"؛ يعني:
стр. 2573
الرحم مشتقةٌ من الرحمن.
"فمن وصلها وصلْتُه، ومن قطعها بَتتُّه"؛ أي: قطعته من رحمتي.
* * *
٣٨٣٧ - وعن عبدِ الله بن أبي أَوْفَى ﵁ قال: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "لا تَنزِلُ الرّحمَةُ على قَوْمٍ فيهِمْ قاطِعُ رَحِمٍ".
"عن عبد الله بن أبي أوفى قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا تنزل الرحمة على قوم فيهم قاطع الرحم" والمراد بهم هم الذين يساعدونه على قطيعة الرحم ولا ينكرون عليه ذلك، أو المراد بالرحمة المطر؛ أي: يحبس المطر عنهم بشؤم قاطع الرحم.
* * *
٣٨٣٨ - وقال ﷺ : "ما مِنْ ذَنْبٍ أَحرَى أَنْ يُعَجِّلَ الله لِصاحِبهِ العُقوبَةَ في الدُّنْيا مَعَ ما يَدَّخِرُ لهُ في الآخِرَةِ مِنَ البَغْي وقَطيعَةِ الرَّحِم".
"وعن أبي بكرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ما من ذنب أحرى"؛ أي: أجدر وأقرب.
"أن يعجل الله تعالى لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدخر له في الآخرة"؛ أي: من العقوبة.
"من البغي" متعلق بـ (أحرى)؛ أي: من الظلم والتكبر "وقطيعة الرحم".
* * *
٣٨٣٩ - وقال: "لا يدخلُ الجَنَّةَ مَنّانٌ، ولا عاقٌّ، ولا مُدمِنُ خَمْرٍ".
"عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : لا يدخل الجنة منَّان": قيل:
стр. 2574
هو قاطع الرحم، من المن: القطع؛ يعني: لا يدخلها مع الفائزين، أو لا يدخلها حتى يعاقب بما اجترحه من الإثم، وقيل: هو الذي يمن على الناس بما يعطيهم.
"ولا عاق"؛ أي: الذي يعصي والديه.
"ولا مدمن خمر"؛ أي: الذي يداوم على شرب الخمر.
* * *
٣٨٤٠ - وقال: "تَعَلَّمُوا من أَنْسابكَمْ ما تَصِلُونَ بِهِ أَرحامَكُمْ، فإنَّ صِلَةَ الرَّحِم مَحَبَّةٌ في الأَهْلِ، مَثْراةٌ في المالِ، مَنْسأةٌ في الأثرِ"، غريب.
"وعن أبي هريرة ﵁ قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم"؛ يعني: تعلَّموا من أسماء آبائكم وأجدادكم وأعمامكم وأخوالكم وجميع أقاربكم لتعرفوا أقاربكم؛ ليمكنكم صلة الرحم، فإن معنى الصلة التقرُّبُ إليهم والشفقةُ عليهم.
"فإن صلة الرحم محبة في الأهل"؛ أي: سببٌ لها.
"ومثراة في المال"؛ أي: سببٌ لكثرة المال.
"ومنسأة في الأثر"؛ أي: سبب لتأخير الأجل وطول العمر.
"غريب".
* * *
٣٨٤١ - عن ابن عُمَرَ ﵄: أنَّ رَجُلًا أتى النَّبي ﷺ فقالَ: يا رسولَ الله! إنِّي أَصَبتُ ذَنبًا عَظيماً، فهل لي مِنْ تَوْبَةٍ؟ قَالَ: "هل لكَ مِنْ أُم"؟ قَالَ: لا، قَالَ: "وهَلْ لكَ مِنْ خالَةٍ"؟ قَالَ: نعَمْ، قَالَ: "فَبرَّها".
стр. 2575
"عن ابن عمر ﵁: أن رجلًا أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! إني أصبت ذنباً عظيماً فهل لي من توبة؟ قال: هل لك من أم؟ قال: لا، قال: وهل لك من خالة؟ قال: نعم، قال: فبَرَّها" بفتح الباء بصيغة الأمر، من (بَرِرتُه) بالكسر: إذا أحسنت إليه.
لعل ذلك الذنب من الصغائر عَلِمَ النبي ﷺ أن صلة الرحم تكون كفارةً له، فوصفُه بكونه عظيمًا على ظنه، فلا ينبغي للمؤمن أن يحتقر الذنب لأنه عصيان الباري تعالى، وإن كان من الكبائر كان مخصوصاً بذلك الرجل.
* * *
٣٨٤٢ - عن أبي أُسَيْدٍ السّاعدِيِّ قال: بينا نحنُ عندَ رسولِ الله ﷺ إذ جاءَه رَجُل مِن بني سَلَمَةَ فقالَ: يا رسولَ الله! هل بقيَ مِن برِّ أَبَوَيَّ شيءٌ أَبَرُّهُما بهِ بعدَ مَوْتِهِما؟ قال: "نعم، الصَّلاةُ عليهما، والاستِغْفارُ لهما، وإنفاذُ عَهْدِهِما مِن بَعدِهِما، وصِلَةُ الرَّحِم التي لا تُوصَلُ إلا بهما، وإكرامُ صَديقِهِما".
"عن أبي أسيد الساعدي أنَّه قال: بينما نحن عند رسول الله ﷺ إذ جاءه رجل من بني سلمة، فقال: يا رسول الله! هل بقي من أبوي شيء أبرهما به بعد موتهما؟ قال: نعم الصلاة عليهما"؛ أي: الدعاء لهما.
"والاستغفار لهما، وإنفاذُ عهدهما من بعدهما، وصلة الرحم التي لا تُوصل إلا بهما"؛ يعني صلة الأقارب التي تتعلّق بالأب والأم؛ يعني: الإحسان إلى أقاربهما.
"وإكرام صديقهما".
стр. 2576
٣٨٤٣ - عن أبي الطُّفَيْلِ ﵁ قال: "رأيتُ النَّبيَّ ﷺ يَقْسِمُ لَحمًا بالجعِرَّانةِ، إذ أقبلَتِ امرأةٌ حتى دَنَتْ إلى النَّبيِّ ﷺ ، فَبَسَطَ لها رِداءَهُ فجلسَتْ عليهِ، فقلتُ: مَن هي؟ فقالوا: هذه أُمُّهُ التي أَرضَعَتْهُ".
"عن أبي الطفيل قال: رأيت النبي ﷺ يقسم لحمًا بالجعْرانة": اسم موضع.
"إذ أقبلت امرأة حتى دنت"؛ أي: قربت "إلى النبي ﷺ ، فبسط لها رداءه فجلست عليه، فقلت: مَن هي؟ فقالوا: هذه أمُّه التي أرضعته".
* * *
١٥ - باب الشَّفَقَةِ والرَّحمَةِ على الخَلْقِ
(باب الشفقة والرحمة على الخلق)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٣٨٤٤ - عن جَريرِ بن عبدِ الله ﵁ قَالَ: قَالَ رسولُ الله ﷺ : "لا يَرحَمُ الله مَن لا يَرحَمُ النّاسَ".
"من الصحاح":
" عن جرير بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : لا يرحم الله من لا يرحم الناس" يكون نفي الرحمة عنه مؤوَّلًا بأن [لا] يكون مع الفائزين السابقين.
* * *
٣٨٤٥ - عن عائِشَةَ ﵂ قالت: جاءَ أعرابيٌّ إلى النَّبيِّ ﷺ -
стр. 2577
فقال: أتقَبلونَ الصّبيانَ؟ فما نُقبلهُم، فقال النَّبيّ ﷺ : "أَوَ أَمْلِكُ لكَ أنْ نزَعَ الله مِن قَلْبكَ الرّحْمَةَ؟ ".
"وعن عائشة ﵂ أنها قالت: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال"؛ أي: الأعرابي للنبي ﷺ وأصحابه: "أتقبلون الصبيان"؛ أي: أتقبلون أنتم صبيانكم.
"فما نقبلهم"، (ما) نافية.
"فقال النبي ﷺ : أوَأَمْلِكُ لك" - بفتح الواو - "أن نزع الله"، (أن) هذه مصدرية؛ أي: لا أملك نَزْعَ الله؛ أي: دَفَعَ نزعه "من قلبك الرحمة"، أو لا أقدر أن أضع في قلبك ما نزعه الله منه من الرحمة. أو شرطية؛ أي: إن نزعها من قلبك لا أملك لك دفعه ومنعه.
* * *
٣٨٤٦ - وعن عائِشَةَ قالت: جاءتني امرَأةٌ مَعَها ابنتانِ تَسألُني، فلم تَجدْ عندي غيرَ تمرةٍ واحدةٍ، فأعطيتُها، فقَسَمَتْها بينَ ابنتَيْها، ثُمَّ خَرَجَتْ، فدخلَ النبي ﷺ وحدَّثتُه، فقال: "مَن يَلي مِن هذه البناتِ شيئًا فأَحسَنَ إليهِنَّ كُنَّ له سِتْراً مِن النّارِ".
"وعن عائشة ﵂ قالت: جاءتني امرأة معها ابنتان تسألني، فلم تجد عندي غير تمرة واحدة، فأعطيتها فقسمتها بين ابنتيها ثمَّ خرجت، فدخل النبي ﷺ فحدثته، فقال: مَن بُليَ" البلاء: الامتحان.
"مِن هذه البنات بشيء"، (من) هذه بيانيةٌ [وهي] مع مجرورها حالٌ عن (شيء).
"فأحسن إليهن" قيل: بتزويجهن بالأكفاء، والأوجهُ أن يعم الإحسان.
стр. 2578
"كنَّ له سترًا من النار" لأنَّ احتياجهن إلى الإحسان كان أكثر حالَ الصغر والكبر، فمن سترهن بالإحسان يجازَى بالستر من النيران.
* * *
٣٨٤٧ - وعن أنسٍ ﵁ قال: قَالَ رسولُ الله ﷺ : "مَن عالَ جارِيَتَيْنِ حتَّى تَبْلُغا جاءَ يومَ القيامةِ أنا وهو هكذا"، وضَمَّ أصابعَهُ.
"وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : من عال جاريتين"؛ يعني: مَن ربَّى صغيرتين وقام برعاية مصالحهما من قوتٍ وكسوةٍ وغيرهما.
"حتى تبلغا"؛ أي: تصيرا بالغتين.
"جاء يوم القيامة أنا وهو هكذا"؛ أي: جاء مصاحبًا لي.
"وضم"؛ أي: النبي ﷺ "أصابعه" مشيراً إلى قُرب ذلك الرجل منه، وهذا من كلام الراوي.
* * *
٣٨٤٨ - وقال: "السَّاعي على الأَرْمَلَةِ والمِسْكينِ كالسَّاعي في سبيلِ الله"، وأحسِبُه قَالَ: "كالقائِم لا يَفْتُرُ، وكالصّائم لا يُفطِرُ".
"وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : الساعي على الأرملة" وهي بفتح الميم: مَن لا زوج لها، غنيةً كانت أو فقيرة، تزوَّجت قبل ذلك أم لا.
"والمسكين" أراد بالساعي الكاسب لتحصيل مؤونتها.
"كالساعي في سبيل الله"؛ يعني يكون ثوابه كثواب المغازي.
"وأحسبه"؛ أي: قال الراوي: أظنه؛ أي: النبي ﷺ "قال: كالقائم"؛ أي: في العبادة.
стр. 2579
"لا يَفْتُر"؛ أي: لا يضعف عنها.
"وكالصائم لا يفطر".
* * *
٣٨٤٩ - وقال: "أنا وكافِلُ اليتيم، لهُ ولغَيرِه، في الجَنَّةِ هكذا"، وأشارَ بالسَّبّابَةِ والوُسْطَى، وفرَّجَ بينَهما شيئًا.
"وعن سهل بن سعد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : أنا وكافل اليتيم"؛ أي: القائم بأمره المربي له سواءٌ كان اليتيم "له"؛ أي: لذلك الكافل كابن ابنه وإن سفل، أو ابن أخيه.
"أو لغيره" من الأجنبي.
"في الجنة هكذا، وأشار بالسبابة والوسطى وفرَّج بينهما شيئًا".
* * *
٣٨٥٠ - وقال: "تَرَى المُؤْمنينَ في تَراحُمِهِم وتَوادِّهم وتَعاطُفِهم كمثلِ الجَسَدِ، إذا اشتكَى عُضْوًا تداعَى لهُ سائِرُ الجَسَدِ بالسَّهَرِ والحُمَّى".
"وعن النعمان بن بشير قال: قال رسول الله ﷺ : مثل المؤمنين في تراحُمهم وتوادِّهم وتعاطُفهم كمثل الجسد إذا اشتكى عضوًا"؛ أي: تألَّم من جهة عضو.
"تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى" التداعي: أن يدعو بعضهم بعضًا ليتفقوا على فعل شيء؛ يعني: كما أن عند تألُّم بعض أعضاء الجسد يسري ذلك إلى كلِّه، فكذا المؤمنون كلُّهم كنفسٍ واحدة إذا أصاب واحداً منهم مصيبةٌ ينبغي أن يغتم بها جميعهم ويهتموا (١) بإزالتها عنه.
стр. 2580
٣٨٥١ - وقال: "المؤمنونَ كرجلٍ واحدٍ إن اشتكَى عينُه اشتكَى كلُّه، وإنْ اشتكَى رأسُه اشتكَى كلُّه".
"وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : المؤمنون كرجل واحد إذا اشتكى عينه اشتكى كله وإن اشتكى رأسه اشتكى كله".
* * *
٣٨٥٢ - وعن أبي مُوسى، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "المُؤْمِنُ للمُؤْمِنِ كالبنيانِ يَشُدُّ بَعْضُه بَعْضًا"، ثُمَّ شَبَّكَ بينَ أصابعِه.
"وعن أبي موسى ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: المؤمن للمؤمن كالبنيان" وهو الحائط.
"يشد بعضه بعضاً"؛ يعني: المؤمن لا يتقوَّى في أمر دينه ودنياه إلا بمعونة أخيه كما أن بعض البناء يَقْوَى ببعضه.
"ثمَّ شبك بين أصابعه"؛ أي: أدخل أصابع إحدى اليدين بين أصابع اليد الأخرى.
* * *
٣٨٥٣ - وعنه، عن النَّبيِّ ﷺ : أنَّه كانَ إذا أتاهُ السّائِلُ أو صاحِبُ الحاجَةِ قال: "اِشفَعُوا فَلْتُؤْجَرُوا، ويقضي الله على لسانِ رسولهِ ما شاءَ".
"وعنه عن النبي ﷺ أنه كان إذا أتاه السائل أو صاحب الحاجة قال: اشفعوا له"؛ أي: لصاحب الحاجة إليَّ وإلى غيري إن كان مضطراً.
"فلتؤجروا"؛ يعني: يحصل لكم بتلك الشفاعة أجرٌ قُبلت شفاعتكم أو لا.
стр. 2581
"ويقضي الله على لسان رسوله ما شاء" يريد به نفسَه؛ أي: إن قضيت حاجةَ مَن شفعتُم له فهو بتقدير الله، وإن لم أقضها فهو بتقدير الله.
* * *
٣٨٥٤ - وقال: "اُنصُرْ أخاكَ ظالمًا أو مَظْلومًا"، فقال رَجُلٌ: يا رسولَ الله! أَنصُرُه مَظْلومًا، فيكفَ أنصُرُه ظالِمًا؟ قال: "تمنعُه مِن الظُّلمِ، فذلك نصرُكَ إيّاهُ".
"وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا، فقال رجل: يا رسول الله! أنصره مظلوماً فكيف أنصره ظالمًا؟ قال: تمنعه من الظلم، فذلك"؛ أي: منعُك أخاك من أن يظلم أحدًا.
"نصرُك إياه" لأنه قد دفعته عن الإثم الذي هو سببُ دخول النار فكأنك دفعت النار عنه، وأيُّ نصرة أكملُ من دفع النار عن أخيك.
* * *
٣٨٥٥ - وقال: "المُسْلِمُ أخُو المُسْلِم، لا يَظلِمُه ولا يُسلِمُه، ومَن كانَ في حاجَةِ أخيهِ كانَ الله في حاجَتِهِ، ومَن فَرَّجَ عن مُسْلِم كُربَةً فرَّجَ الله عنه كُربةً مِن كُرُباتِ الآخِرَةِ، ومَن سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَه الله يَوْمَ القِيامَةِ".
"عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : المسلم أخو المسلم"؛ أي: في الدين.
"لا يظلمه ولا يُسلمه"؛ أي: لا يخذله عن النصرة ولا يتركه في أيدي الأعداء بل يخلصه عن أيديهم، والنفي هنا بمعنى النهي.
"ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرَّج عن مسلم كربةً
стр. 2582
فرج الله تعالى عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلمًا ستره الله يوم القيامة".
* * *
٣٨٥٦ - وقال: "المُسْلِمُ أخو المُسْلِم، لا يَظلِمُه، ولا يَخذُلُهُ، ولا يَحْقِرُه، التَّقْوَى ها هنا"، ويُشيرُ إلى صَدرِهِ ثلاثَ مرّاتٍ، "بِحَسبِ امرئٍ مِن الشَّرِّ أَنْ يحقِرَ أخاهُ المُسْلِم، كل المُسْلِم على المُسْلِم حَرامٌ، دمُه، ومالُه، وعِرضُه".
"وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره، التقوى ها هنا" هذه الجملة مبتدأ وخبر.
"ويشير"؛ أي: النبي ﷺ بقوله: (ها هنا).
"إلى صدره ثلاث مرات"؛ يعني: التقوى محلُّه القلب، فيكون أمراً مخفياً فلا ينبغي للمسلم أن يحقر شأن أخيه المسلم بأن يحكم بعدم التقوى، أو المعنى: مَن كان في قلبه شيء من التقوى فلا يَحقِرْ مسلماً لأن المتقي لا يحقرُ مسلماً.
"بحسب امرئ من الشر" الباء زائدة و (حسب) مبتدأ في موضع الرفع.
"أن يحقر أخاه المسلم" فاعلٌ ناب مناب الخبر؛ أي: يكفي المرءَ من الشر تحقيرُه مسلمًا؛ يعني: لو لم يكن له شرٌّ سوى تحقيرِه مسلماً لكفاه في استدخاله النار.
"كل المسلم على المسلم حرام دمُه ومالُه وعرضُه".
* * *
٣٨٥٧ - وقالَ: "أَهْلُ الجَنَّةِ ثلاثةٌ: ذو سُلْطانٍ مُقْسِطٌ مُتَصَدِّقٌ مُوَفَّقٌ، ورَجُلٌ
стр. 2583
رحيمٌ رقيقُ القَلْبِ لكلِّ ذي قُربَى ومُسْلِمٍ، وعَفيفٌ مُتَعَفِّفٌ ذو عيالٍ، وأهلُ النّارِ خَمْسةٌ: الضَّعيفُ الذي لا زَبْرَ لهُ، الذينَ هم فيكم تَبَعٌ، لا يبغُونَ أهلًا ولا مالًا، والخائِنُ الذي لا يَخْفَى له طَمَعٌ وإنْ دقَّ إلا خانهُ، ورَجُلٌ لا يُصبحُ ولا يُمسي إلا وهو يُخادِعُكَ عن أهلِكَ ومالِكَ"، وذكرَ البُخْلَ والكذِبَ، "والشِّنْظيرُ الفَحّاشُ".
"وعن عياض بن حمار قال: قال رسول الله ﷺ : أهل الجنة ثلاثة: ذو سلطان"؛ أي: ذو حُكْم وسلطنة، "مقسطٌ"؛ أي: عادل، "متصدقٌ"؛ أي: محسنٌ إلى الناس، "موفَّق" وهو مَن هيئ له أسبابُ الخير وفُتح له أبواب البر.
"ورجل رحيم رقيق القلب"؛ أي: في قلبه رقة وشفقة ورحمة "لكل ذي قربى".
"ومسلم عفيف"؛ أي: صالح، "متعفف"؛ أي: مانعٌ نفسَه عما لا يحلُّ ولا يليق.
"ذو عِيال" ولا يحمله حبُّ العيال على تحصيل المال الحرام.
ويحتمل أن يكون أشار بالعفيف إلى ما في نفسه من القوة المانعة عن الفواحش، وبالمتعفّف إلى إبراز ذلك بالفعل وإظهار العفة عن نفسه.
"وأهل النار خمسة: الضعيف الذي لا زَبْرَ له"؛ أي: لا تماسُك له عند مجيء الشهوات، فلا يرتدع عن فاحشةٍ ولا يتورَّع عن حرام، و (الذي) بمعنى الذين ولذا أُبدل منه.
"الذين هم فيكم تبع" قيل: هم أهل البطالات لا همم لهم في عمل الآخرة.
"لا يبغون"؛ أي: لا يطلبون.
"أهلًا" فأعرضوا عن التزوُّج وارتكبوا الفواحش.
стр. 2584
"ولا مالًا"؛ أي: لا يطلبون مالًا بكسب حلالٍ إذ لا رغبة لهم في عمل الدنيا.
وقيل: هم الذين يدورون حول الأمراء ويخدمونهم لا يبالون من أيِّ وجه يأكلون ويلبسون، أَمِنَ الحلال أم من الحرام؟ ليس لهم همةٌ إلى أهلٍ ولا إلى مالٍ، بل قَصَروا أنفسَهم على المأكل والمشرب، ومن هذا القبيل أيضًا الجماعة الجوالقية ونحوهم.
"والخائن الذي لا يَخْفَى له طمعٌ"؛ أي: لا يخفى طمعُه في شيء ما "وإن دق"؛ أي: قلَّ، "إلا خانه"؛ أي: إلا سعى فيه حتى يجده فيخونه، أو معناه: لا يتطلع إلى موضع خيانة إلا خان ما طمع فيه وإن كان المطموعُ فيه شيئاً يسيرًا، وهذا هو الثاني من الخمسة.
"ورجل لا يصبح ولا يمسي إلا وهو يخادعك"؛ أي: لا يفارق مخادعته إياك "عن أهلك ومالك" صباحَه ومساءه؛ أي: يخادعُك في أكثر أحواله، وهذا هو الثالث منها.
"وذكر"؛ أي: قال الراوي: ذكر النبي ﷺ في الخمسة: "البخل والكذب"؛ أي: البخيل والكذاب، فأقام المصدر مُقامَ اسم الفاعل؛ لأنَّ المذموم هو المصدر لا مَن يقوم به، وهذا هو الرابع منها.
"والشنظير" بكسر الشين والظاء المعجمتين يتخللهما السكون: هو السيئ الخلق.
"الفحاش" نعتٌ له؛ أي: هو مع سوء خلقه فحَّاشٌ في كلامه، وهذا هو الخامس منها.
стр. 2585
٣٨٥٨ - وقالَ: "والذي نفسي بيدِه، لا يؤمنُ عبدٌ حتَّى يُحِبَّ لأخيهِ ما يحب لَنْفسِه".
"وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : والذي نفسي بيده لا يؤمن عبد"؛ أي: لا يكمُل إيمانه "حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه".
* * *
٣٨٥٩ - وقالَ: "والله لا يُؤْمِنُ، والله لا يؤمنُ، والله لا يؤمنُ"، قيلَ: مَن، يا رسولَ الله؟ قال: "الذي لا يَأْمَنُ جارُه بَوائِقَه".
"وعن أبي شريح قال: قال رسول الله ﷺ : والله لا يؤمن والله لا يؤمن والله لا يؤمن، قيل: مَن يا رسول الله؟ قال: الذي لا يأمن جارُه بوائقه"؛ أي: غوائلَه وشرورَه، جمع بائقة وهي الداهية.
* * *
٣٨٦٠ - وقالَ: "لا يَدخُلُ الجَنَّةَ مَن لا يَأْمَنُ جارُه بَوائِقَه".
"وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه".
* * *
٣٨٦١ - وقالَ: "ما زالَ جِبْريلُ يوصيني بالجارِ حتَّى ظَنَنْتُ أنَّه سَيُوَرِّثُه".
"وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : ما زال جبريل يوصيني بالجار"؛ أي: يأمرني بحفظ حق الجار والإحسانِ إليه ودفعِ الضرر عنه.
стр. 2586
"حتى ظننتُ أنَّه سيورِّثُه"؛ أي: سيحكم بميراث أحد الجارين من الآخر.
* * *
٣٨٦٢ - وقالَ: "إذا كُنْتم ثلاثةً فلا يتَنَاجَى اثنانِ دونَ الآخرِ حتى يختلِطُوا بالنّاسِ مِن أجْلِ أنْ يُحزِنَه".
"عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : إذا كنتم"؛ أي: في المصاحبة "ثلاثة فلا يتناجى اثنان"؛ أي: لا يتكلمان بالسر.
"دون الآخر" لأنه ربما يتوهَّم أن نجواهما لأجلِ قَصدِهما له بشرِّ.
"حتى يختلطوا بالناس" وهذا يؤذِنُ بأن النهي خاصٌّ بموضعٍ لا يأمنُ الشخص فيه صاحبه على نفسه.
"من أجل أن يَحزُنَه"؛ أي: لا يحزنه، مفعول له، وضمير الفاعل للمتناجي وضمير المفعول للآخر، قيَّد بالثلاثة لأنهم إذا كانوا أربعة فتناجى اثنان فلا بأس به.
* * *
٣٨٦٣ - وعن تَميم الدّارِيِّ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "الدِّينُ النَّصيحَةُ"، ثلاثًا، قلنا: يا رسولَ الله! لِمَن؟ قال: اللهِ، ولكِتابه، ولرَسُوله، ولأئِمَّةِ المُسلِمينَ، وعامَّتِهم".
"وعن تميم الداري ﵁ أن النبي ﷺ قال: الدِّين"؛ أي: عماد الدين، أو أفضل أعماله "النصيحة" وهي إرادة الخير للمنصوح له بقولٍ أو فعل، وأصل النصح الخلوص.
"ثلاثًا"؛ أي: ذكرها ثلاث مرات.
стр. 2587
"قلنا: لمن يا رسول الله؟ قال لله" والنصيحة لله تعالى الإيمانُ به وإخلاصُ العمل فيما أَمر به.
"ولكتابه" نصيحته الاعتقادُ بأنّه كلام الله والعملُ بمحكمه التسليمُ بمتشابهه.
"ولرسوله" نصيحته تصديقه بكلِّ ما عُلم مجيئه، وإحياءُ طريقته، وفي الحقيقة هذه النصائح راجعة إلى العبد.
"ولأئمة المسلمين" نصيحتهم إطاعتهم في المعروف وتنبيههم عند الغفلة.
"وعامتهم" نصيحة عامة المسلمين دفعُ المضارّ عنهم وجلبُ المنافع إليهم بقدْر الوسع.
* * *
٣٨٦٤ - وعن جَريرٍ قال: "بايعتُ رسولَ الله ﷺ على إقامِ الصَّلاةِ، وإِيتاءِ الزَّكاةِ، والنُّصح لكُلِّ مُسْلِم".
"وعن جرير أنَّه قال: بايعت رسول الله ﷺ على إقام الصلاة وإيتاء الزكاة والنصح لكل مسلم".
* * *
مِنَ الحِسَان:
٣٨٦٥ - عن أبي هُرَيرَةَ ﵁ قال: سَمِعْتُ أبا القاسم الصّادقَ المصدوقَ ﷺ يقولُ: "لا تُنزَعُ الرَّحمَةُ إلا مِن شَقي".
"من الحسان":
" عن أبي هريرة ﵁ أنَّه قال: سمعت أبا القاسم"؛ يعني الرسول.
стр. 2588
"الصادق"؛ أي: في أقواله وأفعاله.
"المصدوق"؛ أي: المشهور بصدقه في كلامه، قال تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٣، ٤].
"يقول: لا تُنزع الرحمة إلا من شقي"؛ يعني: مَن ليس في قلبه شفقةٌ ورحمة فهو شقي.
* * *
٣٨٦٦ - وقالَ رسولُ الله ﷺ : "الرَّاحِمُونَ يَرحَمُهم الرَّحمنُ، اِرحَمُوا مَن في الأرضِ يَرحَمْكم مَن في السماءَ".
"وعن عبد الله بن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : الراحمون يرحمهم الرحمن، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء"؛ أي: مَنْ ملكُه وقدرته في السماء، وهو الله، أو المراد به الملائكة، وذلك حفظُهم عن الأعداء وسائر المؤذيات بأمره تعالى، واستغفارهم للراحمين في الأرض.
* * *
٣٨٦٧ - وقالَ رسولُ الله ﷺ : "ليسَ منا مَن لم يَرحَمْ صَغيرَنا، ويُوَقِّر كبيرَنا، ويَأمُر بالمَعْروفِ، ويَنْهَ عن المُنْكَرِ"، غريب.
"وعن عبد الله بن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : ليس منا"؛ أي: من متابعينا في هذا الفعل.
"من لم يرحم صغيرنا، ويوقر كبيرنا، ويأمر بالمعروف، وينه عن المنكر"، "غريب".
стр. 2589
٣٨٦٨ - وقال: "ما أكرمَ شابٌّ شَيْخًا مِن أجلِ سِنِّهِ إلا قَيَّضَ الله لهُ عندَ سِنِّهِ مَن يُكْرمُهِ".
"وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ما أكرم شابٌّ شيخاً من أجل سنه إلا قيض الله"؛ أي: قدَّر، أو وَّكل، أو سبَّب، أو سلَّط.
"له عند سنه"؛ أي: عند كبر سنه.
"من يكرمه" وفيه إشعارٌ ببلوغ ذلك الشاب سنَّ ذلك الشيخ المكرم.
* * *
٣٨٦٩ - وقالَ: "إنَّ مِن إِجْلالِ الله إكرامَ ذي الشَّيبةِ المُسْلِم، وحاملِ القُرآنِ غيرِ الغالي فيهِ والجافي عنه، وإكرامَ ذي السُّلْطانِ المُقْسِطِ".
"وقال: إن من إجلال الله"؛ أي: من تعظيمه، والمصدر مضافٌ إلى الفاعل، أو إلى المفعول.
"إكرامَ ذي الشيبة المسلم وحاملِ القرآن غيرِ الغالي فيه"؛ أي: المجاوِزِ فيه عن الحد لفظاً ومعنى، أو الخائنِ فيه بتحريفه أو في معناه بتأويله بباطل.
"والجافي عنه"؛ أي: المتباعد عنه، المُعْرِضِ عن تلاوته والعمل به.
"وإكرام ذي السلطان المُقْسِط".
* * *
٣٨٧٠ - وقالَ: "خيرُ بيتٍ في المُسلِمينَ بيتٌ فيهِ يتيمٌ يُحسَنُ إليه، وشرُّ بيتٍ في المُسْلِمينَ بيتٌ فيهِ يتيمٌ يُساءُ إليهِ".
"وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : خير بيت في المسلمين بيتٌ فيه يتيم يُحسَنُ إليه، وشر بيت في المسلمين بيتٌ فيه يتيم يساء إليه"؛ أي:
стр. 2590
يؤذى بالباطل، فإنَّ ضربه للتأديب وتعليم القرآن جائز.
* * *
٣٨٧١ - وقال: "مَن مَسَحَ رَأْسَ يتيم لم يَمْسَحهُ إلا للهِ، كانَ لهُ بِكُلِّ شَعْرةٍ تَمُرُّ عليها يدُه حَسَناتٌ، ومَن أحسَنَ إلى يتيمةٍ أو يَتيم عندَهُ كنتُ أنا وهوَ في الجَنَّةِ كهاتينِ، وقَرَنَ بينَ أصبُعَيْهِ"، غريب.
"وعن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : من مسح رأس يتيم"؛ أي: مسح يده على رأسه للتلطف به والرحمة إليه، أو ادَّهن رأسه، أو ستر رأسه.
"لم يمسحه إلا لله، كان له بكلِّ شعرة تمر عليها يدُه حسناتٍ، ومن أحسن إلى يتيمة أو يتيم عنده كنتُ أنا وهو في الجنة كهاتين، وقرن بين أصبعيه"، "غريب".
* * *
٣٨٧٢ - وقال: "مَن آوَى يتيمًا إلى طَعامِه وشَرابهِ أوجَبَ الله لهُ الجَنَّةَ البتَّةَ، إلا أنْ يَعْمَلَ ذنبًا لا يُغفَرُ، ومَن عالَ ثلاثَ بناتٍ أو مِثْلَهن مِن الأَخَواتِ، فأدَّبَهُنَّ وَرَحِمَهُنَّ حتى يُغنِيَهُنَّ الله، أَوْجَبَ الله له الجَنَّةَ"، فقالَ رجل: يا رسولَ الله! أو اثنتَينِ؟ قال: "أو اثنتينِ"، حتى لو قالُوا: أو واحدةً، لقالَ: واحِدَةً، "ومَن أَذْهَبَ الله كريمتَيْهِ وجبَتْ له الجنةُ"، فقيلَ: يا رسولَ الله! وما كريمَتاهُ؟ قال: "عيناهُ".
"عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : من آوى يتيمًا إلى طعامه وشرابه أوجب الله له الجنة البتة، إلا أن يعمل ذنبًا لا يغفر"، والذنب غيرُ المغفور: الشرك، قيل: ومظالمُ الخَلْق.
стр. 2591
"ومن عال ثلاث بنات"؛ أي: ربّاهن وقام برعاية مصالحهن.
"أو مثلهن من الأخوات، فأدَّبهن ورحمهن حتى يُغنيهن الله، أوجب الله له الجنة، فقال رجل: يا رسول الله! أو اثنتين؟ قال: أو اثنتين - حتى لو قالوا: أو واحدة؟ لقال: أو واحدة - ومَن أذهب الله كريمتيه وجبت له الجنة، قيل: يا رسول الله! وما كريمتاه؟ قال: عيناه".
* * *
٣٨٧٣ - عن جابرِ بن سَمُرَةَ قال: قَالَ رسولُ الله ﷺ : "لأَنْ يُؤَدِّبَ الرَّجُلُ ولدَهُ خيرٌ مِن أنْ يتصدَّقَ بصاعٍ"، غريب.
"وعن جابر بن سمرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : لأَن يؤدِّبُ الرجلُ ولده خيرٌ له من أن يتصدق بصاع"، "غريب".
* * *
٣٨٧٤ - ورُوِيَ: "ما نَحَلَ الوالِدُ وَلَدَهُ مِنْ نَحْلٍ أَفْضَلَ مِنْ أدَبٍ حَسَنٍ"، مرسل.
"ويروى: ما نَحَل الوالد"؛ أي: ما أعطى "ولده من نحل"؛ أي: عطية "أفضل من أدب حسن"، "مرسل".
* * *
٣٨٧٥ - عن عَوْفِ بن مالكٍ الأَشْجَعيِّ قال: قَالَ رسولُ الله ﷺ : "أنا وامرَأةٌ سَفْعاءُ الخَدَّيْنِ كهاتينِ يومَ القيامةِ - وأَوْمأَ الرّاوِي بالسَّبابةِ والوُسْطى - امرأةٌ آمَتْ مِن زَوْجِها ذاتُ مَنْصِبٍ وجَمالٍ، حَبَسَتْ نفسَها على يتامَاهَا حتى بانُوا أو مَاتُوا".
стр. 2592
"عن عوف بن مالك الأشجعي ﵁ قال: قال [رسول الله ﷺ ]: أنا وامرأة سفعاء الخدين"؛ أي: متغيرة الخدين من غاية الجهد والمشقة وترك الزينة والترفُّه إقامةَ على ولدها بعد وفاة زوجها.
"كهاتين يوم القيامة. وأومأ الراوي"؛ أي: أشار "بالسبابة والوسطى".
"امرأةٌ": عطف بيان لـ (امرأة سفعاء)، أو بدلٌ منها، أو خبرُ مبتدأ محذوف؛ أي: هي امرأة.
"آمَتْ"؛ أي: صارت أيماً "من زوجها ذاتُ منصبٍ وجمال حبست نفسها على يتاماها"؛ أي: تركت التزوُّج بزوج آخر واشتغلت بتعهد أطفالها.
"حتى بانوا"؛ أي: انقطعوا عنها بالكبر والبلوغ، واستقلوا بالقوة والعقل والرشد بحيث يقدر كلٌّ منهم بالقيام بأمور نفسه، فإن الولد ما لم يكبر فهو ملتزقٌ بأمه غيرُ بائن عنها، أو معناه: انتشروا، أو ظهروا.
"أو ماتوا".
* * *
٣٨٧٦ - وعن ابن عبّاسٍ قال: قَالَ رسولُ الله ﷺ : "مَن كانت لهُ أُنثَى فلم يَئِدها، ولم يُهِنْها، ولم يُؤْثر ولدَه عَلَيها - يعني الذُّكورَ - أَدْخَلَهُ الله الجَنَّةَ".
"وعن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : من كان له أنثى فلم يئدها"؛ أي: فلم يدفنها حية كما هو عادة الجاهلية فراراً من العار أو الفقر.
"ولم يُهنها"؛ أي: لم يُذِلَّها.
"ولم يُؤْثِر"؛ أي: لم يختر.
"ولده عليها، يعني الذكور" على الأنثى.
стр. 2593
"أدخله الله الجنة".
* * *
٣٨٧٧ - عن أنسٍ عن النَّبي ﷺ قَالَ: "مَن اغتيبَ عندَه أخوهُ المُسْلِمُ وهوَ يقدِرُ على نَصْرِه فنَصَرَهُ نصرَهْ الله في الدُّنْيا والآخِرَةِ، فإنْ لم يَنْصُره وهو يَقْدِرُ على نصرِه أدركَه الله بهِ في الدُّنيا والآخِرةِ".
"وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : من اغتيب" علي بناء المجهول من الغيبة.
"عنده أخوه المسلم وهو يقدر على نصره فنصره نصره الله في الدنيا والآخرة، فإن لم ينصره وهو يقدر على نصره أدرك الله به"؛ أي: انتقم منه بسبب ترك النصرة "في الدنيا والآخرة".
* * *
٣٨٧٨ - وقال: "مَن ذَبَّ عَن لَحْم أخيهِ بالمغيبَةِ كانَ حَقًّا على الله أنْ يُعتِقَه مِن النّارِ".
"وعن أسماء بنت يزيد ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : من ذبَّ عن لحم أخيه بالمغيبة"؛ أي: دفع مغتاباً عن غيبة أخيه المسلم.
"كان حقًا على الله أن يعتقه من النار".
* * *
٣٨٧٩ - وعن أبي الدَّرداءِ قال: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "ما مِن مُسْلِم يَرُدُّ عن عِرْضِ أخيهِ، إلَّا كان حَقًّا على الله أنْ يَرُدَّ عنهُ نارَ جَهَنَّمَ يومَ القيامةِ، ثمَّ تلا هذه الآيةَ: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ".
стр. 2594
"عن أبي الدرداء أنَّه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما من مسلم يردّ [عن] عرض أخيه"؛ أي: يمنع عن غيبة مسلم.
"إلا كان حقًا على الله أن يردَّ عنه نار جهنم يوم القيامة، ثمَّ تلا هذه الآية: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧] ".
* * *
٣٨٨٠ - عن جابرٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "ما مِن امرئٍ مُسْلِم يَخْذُلُ امرَأً مسلمًا في موضعٍ تُنْتَهَك فيه حُرمَتُهُ، ويُنتَقَصُ فيه مِن عِرضهِ، إلا خَذَلَهُ الله تعالى في مَوْطِنٍ يُحِبُّ فيهِ نصرتهُ، وما من امرئٍ مُسْلِم ينصُرُ مُسلِمًا في مَوْضعٍ يُنتَقَصُ مِن عِرضهِ، ويُنتَهكُ فيه مِن حُرمَتِه إلا نصَره الله في مَوْطِنٍ يُحِبّ نُصرَتَه".
"عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ما من امرئ مسلم يخذل امرأ مسلمًا"؛ أي: يترك نصره ولا يمنع من اغتيابه.
"في موضع يُنتهك فيه حرمته" وانتهاكُها تناولُها بما لا يَحلُّ.
"ويُنتقص فيه من عرضه، إلا خذله الله تعالى في موضع يحب فيه نصرته، وما من امرئ مسلم ينصر مسلمًا في موضع ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته إلا نصره الله في موطن يحب نصرته".
* * *
٣٨٨١ - وقال: "مَن رَأَى عَوْرَةً فستَرها كانَ كمَن أحيا مَوْؤُدَةً".
"وعن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ : من رأى عورة" وهي ما يكره الإنسان ظهوره؛ أي: من رأى عيبًا، أو أمرًا قبيحًا في مسلم.
стр. 2595
"فسترها كان كمن أحيا موؤدة"؛ أي: المدفونة حية بأن أخرجها من القبر كيلا تموت، وجه التشبيه: أن من اطُّلع على عيبه وقبيحه قد يختار الموت على اطِّلاع الغير عليه لما يلحقه من الخجالة؛ فإذا ستر عليه فقد دفع عنه تلك الخجالة التي هي عنده بمثابة الموت فكأنه أحياه.
"صحيح".
* * *
٣٨٨٦ - عن أبي هريرة قال: قَالَ رسولُ الله ﷺ : "إن أحدكم مِرآةُ أخيهِ، فإنْ رَأى به أَذى فَلْيُمِطْ عنه"، ضعيف.
وفي رِواية: "المُؤْمِنُ مِرآةُ المُؤمِنِ، والمُؤْمِن أخو المؤمنِ، يَكُفُّ عنهُ ضَيْعتَهُ، ويَحُوطُه مِن وَرائِهِ".
"عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : إن أحدكم مرآة أخيه فإن رأى به أذى فليُمِطْ"؛ أي: فليُبْعِد ذلك الأذى "عنه" وليشتغل بإصلاح حاله بأيِّ طريق أمكنه، وليعلم نفسه كنفسه.
"ضعيف".
"وفي رواية: المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن يكفُّ"؛ أي: يمنع "عنه ضيعته"؛ أي: تَلَفه وخسرانه؛ أي: ليدفع عنه ما فيه عليه ضرر.
وقيل: ضيعة الرجل ما يكون منه معاشه من حرفة أو تجارة أو غلة، والمعنى: يجمع عليه معيشته ويضمها إليه.
"ويحوطه"؛ أي: يحفظه "من ورائه"؛ أي: في غيبته نَفْساً ومالاً وعِرضاً بأن لا يسكت إذا اغتيب عنده.