"ومن عال ثلاث بنات"؛ أي: ربّاهن وقام برعاية مصالحهن.
"أو مثلهن من الأخوات، فأدَّبهن ورحمهن حتى يُغنيهن الله، أوجب الله له الجنة، فقال رجل: يا رسول الله! أو اثنتين؟ قال: أو اثنتين - حتى لو قالوا: أو واحدة؟ لقال: أو واحدة - ومَن أذهب الله كريمتيه وجبت له الجنة، قيل: يا رسول الله! وما كريمتاه؟ قال: عيناه".
* * *
٣٨٧٣ - عن جابرِ بن سَمُرَةَ قال: قَالَ رسولُ الله ﷺ : "لأَنْ يُؤَدِّبَ الرَّجُلُ ولدَهُ خيرٌ مِن أنْ يتصدَّقَ بصاعٍ"، غريب.
"وعن جابر بن سمرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : لأَن يؤدِّبُ الرجلُ ولده خيرٌ له من أن يتصدق بصاع"، "غريب".
* * *
٣٨٧٤ - ورُوِيَ: "ما نَحَلَ الوالِدُ وَلَدَهُ مِنْ نَحْلٍ أَفْضَلَ مِنْ أدَبٍ حَسَنٍ"، مرسل.
"ويروى: ما نَحَل الوالد"؛ أي: ما أعطى "ولده من نحل"؛ أي: عطية "أفضل من أدب حسن"، "مرسل".
* * *
٣٨٧٥ - عن عَوْفِ بن مالكٍ الأَشْجَعيِّ قال: قَالَ رسولُ الله ﷺ : "أنا وامرَأةٌ سَفْعاءُ الخَدَّيْنِ كهاتينِ يومَ القيامةِ - وأَوْمأَ الرّاوِي بالسَّبابةِ والوُسْطى - امرأةٌ آمَتْ مِن زَوْجِها ذاتُ مَنْصِبٍ وجَمالٍ، حَبَسَتْ نفسَها على يتامَاهَا حتى بانُوا أو مَاتُوا".
стр. 2592
"عن عوف بن مالك الأشجعي ﵁ قال: قال [رسول الله ﷺ ]: أنا وامرأة سفعاء الخدين"؛ أي: متغيرة الخدين من غاية الجهد والمشقة وترك الزينة والترفُّه إقامةَ على ولدها بعد وفاة زوجها.
"كهاتين يوم القيامة. وأومأ الراوي"؛ أي: أشار "بالسبابة والوسطى".
"امرأةٌ": عطف بيان لـ (امرأة سفعاء)، أو بدلٌ منها، أو خبرُ مبتدأ محذوف؛ أي: هي امرأة.
"آمَتْ"؛ أي: صارت أيماً "من زوجها ذاتُ منصبٍ وجمال حبست نفسها على يتاماها"؛ أي: تركت التزوُّج بزوج آخر واشتغلت بتعهد أطفالها.
"حتى بانوا"؛ أي: انقطعوا عنها بالكبر والبلوغ، واستقلوا بالقوة والعقل والرشد بحيث يقدر كلٌّ منهم بالقيام بأمور نفسه، فإن الولد ما لم يكبر فهو ملتزقٌ بأمه غيرُ بائن عنها، أو معناه: انتشروا، أو ظهروا.
"أو ماتوا".
* * *
٣٨٧٦ - وعن ابن عبّاسٍ قال: قَالَ رسولُ الله ﷺ : "مَن كانت لهُ أُنثَى فلم يَئِدها، ولم يُهِنْها، ولم يُؤْثر ولدَه عَلَيها - يعني الذُّكورَ - أَدْخَلَهُ الله الجَنَّةَ".
"وعن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : من كان له أنثى فلم يئدها"؛ أي: فلم يدفنها حية كما هو عادة الجاهلية فراراً من العار أو الفقر.
"ولم يُهنها"؛ أي: لم يُذِلَّها.
"ولم يُؤْثِر"؛ أي: لم يختر.
"ولده عليها، يعني الذكور" على الأنثى.
стр. 2593
"أدخله الله الجنة".
* * *
٣٨٧٧ - عن أنسٍ عن النَّبي ﷺ قَالَ: "مَن اغتيبَ عندَه أخوهُ المُسْلِمُ وهوَ يقدِرُ على نَصْرِه فنَصَرَهُ نصرَهْ الله في الدُّنْيا والآخِرَةِ، فإنْ لم يَنْصُره وهو يَقْدِرُ على نصرِه أدركَه الله بهِ في الدُّنيا والآخِرةِ".
"وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : من اغتيب" علي بناء المجهول من الغيبة.
"عنده أخوه المسلم وهو يقدر على نصره فنصره نصره الله في الدنيا والآخرة، فإن لم ينصره وهو يقدر على نصره أدرك الله به"؛ أي: انتقم منه بسبب ترك النصرة "في الدنيا والآخرة".
* * *
٣٨٧٨ - وقال: "مَن ذَبَّ عَن لَحْم أخيهِ بالمغيبَةِ كانَ حَقًّا على الله أنْ يُعتِقَه مِن النّارِ".
"وعن أسماء بنت يزيد ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : من ذبَّ عن لحم أخيه بالمغيبة"؛ أي: دفع مغتاباً عن غيبة أخيه المسلم.
"كان حقًا على الله أن يعتقه من النار".
* * *
٣٨٧٩ - وعن أبي الدَّرداءِ قال: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "ما مِن مُسْلِم يَرُدُّ عن عِرْضِ أخيهِ، إلَّا كان حَقًّا على الله أنْ يَرُدَّ عنهُ نارَ جَهَنَّمَ يومَ القيامةِ، ثمَّ تلا هذه الآيةَ: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ ".
стр. 2594
"عن أبي الدرداء أنَّه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ما من مسلم يردّ [عن] عرض أخيه"؛ أي: يمنع عن غيبة مسلم.
"إلا كان حقًا على الله أن يردَّ عنه نار جهنم يوم القيامة، ثمَّ تلا هذه الآية: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الروم: ٤٧] ".
* * *
٣٨٨٠ - عن جابرٍ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "ما مِن امرئٍ مُسْلِم يَخْذُلُ امرَأً مسلمًا في موضعٍ تُنْتَهَك فيه حُرمَتُهُ، ويُنتَقَصُ فيه مِن عِرضهِ، إلا خَذَلَهُ الله تعالى في مَوْطِنٍ يُحِبُّ فيهِ نصرتهُ، وما من امرئٍ مُسْلِم ينصُرُ مُسلِمًا في مَوْضعٍ يُنتَقَصُ مِن عِرضهِ، ويُنتَهكُ فيه مِن حُرمَتِه إلا نصَره الله في مَوْطِنٍ يُحِبّ نُصرَتَه".
"عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: ما من امرئ مسلم يخذل امرأ مسلمًا"؛ أي: يترك نصره ولا يمنع من اغتيابه.
"في موضع يُنتهك فيه حرمته" وانتهاكُها تناولُها بما لا يَحلُّ.
"ويُنتقص فيه من عرضه، إلا خذله الله تعالى في موضع يحب فيه نصرته، وما من امرئ مسلم ينصر مسلمًا في موضع ينتقص فيه من عرضه وينتهك فيه من حرمته إلا نصره الله في موطن يحب نصرته".
* * *
٣٨٨١ - وقال: "مَن رَأَى عَوْرَةً فستَرها كانَ كمَن أحيا مَوْؤُدَةً".
"وعن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله ﷺ : من رأى عورة" وهي ما يكره الإنسان ظهوره؛ أي: من رأى عيبًا، أو أمرًا قبيحًا في مسلم.
стр. 2595
"فسترها كان كمن أحيا موؤدة"؛ أي: المدفونة حية بأن أخرجها من القبر كيلا تموت، وجه التشبيه: أن من اطُّلع على عيبه وقبيحه قد يختار الموت على اطِّلاع الغير عليه لما يلحقه من الخجالة؛ فإذا ستر عليه فقد دفع عنه تلك الخجالة التي هي عنده بمثابة الموت فكأنه أحياه.
"صحيح".
* * *
٣٨٨٦ - عن أبي هريرة قال: قَالَ رسولُ الله ﷺ : "إن أحدكم مِرآةُ أخيهِ، فإنْ رَأى به أَذى فَلْيُمِطْ عنه"، ضعيف.
وفي رِواية: "المُؤْمِنُ مِرآةُ المُؤمِنِ، والمُؤْمِن أخو المؤمنِ، يَكُفُّ عنهُ ضَيْعتَهُ، ويَحُوطُه مِن وَرائِهِ".
"عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : إن أحدكم مرآة أخيه فإن رأى به أذى فليُمِطْ"؛ أي: فليُبْعِد ذلك الأذى "عنه" وليشتغل بإصلاح حاله بأيِّ طريق أمكنه، وليعلم نفسه كنفسه.
"ضعيف".
"وفي رواية: المؤمن مرآة المؤمن، والمؤمن أخو المؤمن يكفُّ"؛ أي: يمنع "عنه ضيعته"؛ أي: تَلَفه وخسرانه؛ أي: ليدفع عنه ما فيه عليه ضرر.
وقيل: ضيعة الرجل ما يكون منه معاشه من حرفة أو تجارة أو غلة، والمعنى: يجمع عليه معيشته ويضمها إليه.
"ويحوطه"؛ أي: يحفظه "من ورائه"؛ أي: في غيبته نَفْساً ومالاً وعِرضاً بأن لا يسكت إذا اغتيب عنده.
стр. 2596
٣٨٨٢ - وقال: "مَنْ حَمَى مُؤْمِنًا مِن مُنافِقٍ بعثَ الله لهُ مَلَكًا يحمي لَحْمَهُ يومَ القِيامةِ مِن نارِ جَهَنَّمَ، ومَن رمَى مُسْلِمًا بشَيءٍ يُريدُ شَيْنَه بهِ حَبَسَه الله على جِسْرِ جَهَنَّمَ حتى يخرُجَ ممَّا قَالَ".
"وعن معاذ وأنس ﵄ قالا: قال رسول الله ﷺ : من حمى مؤمنًا من منافق بعث الله ملكة يحمي لحمه يوم القيامة من نار جهنم، ومن رمى مسلمًا"؛ أي: قذفه "بشيء يريد شَيْنَه به حبسه الله على جسر جهنم"؛ أي: على الصراط.
"حتى يخرج مما قال"؛ أي: حتى ينقَّى من ذنبه ذلك بإرضاء خصمه، أو بتعذيبه بقَدْر ذنبه.
* * *
٣٨٨٣ - عن عائِشَةَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ: "أنزِلُوا النّاسَ مَنازِلَهم".
"عن عائشة ﵂: أن النبي ﷺ قال: أنزلوا الناس منازلهم"؛ أي: أكرموا كل شخص على حسب فضله وقَدْرِ عمله، ولا يجوز للإمام أن يسوِّي بين الخادم ومخدومه ولا بين سيد القوم وقومه.
٣٨٨٤ - وقالَ: "المَجالسُ بالأمانِة إلا ثلاثةَ مَجالسٍ: سَفْكُ دمٍ حَرامٍ، أو فَرجٌ حَرامٌ، أو اقتِطاعُ مالٍ بغيرِ حَقٍّ".
"قال: المجالس بالأمانة إلا ثلاثة مجالس: سفك دم حرام، أو فرج حرام، أو اقتطاع مال بغير حق".
* * *
٣٨٨٥ - وقال: "إنَّ مِن أَعظَم الأمانةِ عندَ الله يومَ القيامةِ: الرَّجُلَ يُفضي إلى امرأَتِه وتُفضي إليهِ ثُمَّ يَنشُرُ سِرَّها".
стр. 2597
"وقال: إن من أعظم الأمانة عند الله يوم القيامة الرجل يفضي إلى امرأته وتفضي إليه، ثمَّ ينشر سرها".
* * *
٣٨٨٧ - عن عبدِ الله بن عَمْرٍو قَالَ: قَالَ رسولُ الله ﷺ : "خَيْرُ الأصحابِ عندَ الله خيرُهم لصاحبهِ، وخيرُ الجيرانِ عندَ الله خيرُهم لجارِه، غريب.
"عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : خير الأصحاب عند الله خيرهم لصاحبه، وخير الجيران عند الله خيرهم لجاره".
"غريب".
* * *
٣٨٨٨ - عن ابن مَسْعودٍ قال: قال رَجُل للنَّبيِّ ﷺ : كيفَ لي أنْ أَعْلَمَ إذا أحسنتُ أو إذا أسَأتُ؟ فقالَ النَّبيُّ ﷺ : "إذا سَمِعتَ جيرانَك يقولونَ: قد أحسَنْتَ؛ فقد أحسَنْتَ، وإذا سَمِعتَهم يقولونَ: قد أسأتَ؛ فقد أَسَأتَ".
"عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رجل للنبي ﷺ : كيف لي أن أعلم إذا أحسنت وإذا أسأت؟ "؛ أي: كيف أعلم أني محسن أو مسيء؟.
"فقال النبي ﷺ : إذا سمعت جيرانك يقولون: قد أحسنت، فقد أحسنت، وإذا سمعتهم يقولون: قد أسأت، فقد أسأت" قيل: أراد بهذا أن المحسن مَن سَلِمَ الناسُ من يده ولسانه، والمسيء عكسه.
стр. 2598
١٦ - باب الحُبِّ في الله والبُغْضِ في الله
" باب الحب في الله"؛ أي: لأجل الله (ومن الله)؛ أي: الحبُّ بين الله والعبد.
مِنَ الصِّحَاحِ:
٣٨٨٩ - قَالَ رسولُ الله ﷺ : "الأَزواحُ جُنُودٌ مُجَنَّدَةٌ، فما تعارَفَ منها ائتلفَ، وما تناكرَ منها اخَتَلفَ".
"من الصحاح":
" عن أبي هريرة وعائشة ﵄ قالا: قال رسول الله ﷺ : الأرواح جنود مجنَّدة"؛ أي: جموعٌ مجموعة.
"فما تعارف منها"؛ أي: من الأرواح، والتعارف جريانُ المعرفة بين اثنين فصاعدًا.
"ائتلف"؛ أي: اجتمع في الدنيا.
"وما تناكر منها" والتناكر ضد التعارف.
"اختلف" قيل: هي إخبارٌ عن مبدأ كون الأرواح وتقدُّمها على الأجساد؛ أي: خُلقت في أول خلقها على قسمين من ائتلافب واختلاف؛ كالجنود المجموعة إذا تقابلت وتواجهت، ومعنى تقابُلِ الأرواح: ما جعلها الله عليه من السعادة والشقاوة والائتلافِ والاختلاف في مبدأ الخلقة، فتآلُفُ الأجساد في الدنيا وتخالُفُها على حسب ما خُلقت الأرواح عليه في عالم الملكوت، ولذا ترى الخير يميل إلى الأخيار، والشريرَ يميل إلى الأشرار.
وفي الحديث دليل على أن الأرواح ليست بأعراضٍ، وأنها قد كانت
стр. 2599
موجودة قبل الأجساد.
* * *
٣٨٩٠ - وقالَ: "إنَّ الله إذا أحَبَّ عَبْدًا دَعا جِبْريلَ فقال: إنِّي أُحِبُّ فلانًا فأَحِبَّهُ"، قَالَ: "فيُحِبُّه جِبْريلُ، ثُمَّ يُنادِي في السَّماء فيقولُ: إنَّ الله يُحِبُّ فلانًا فأَحبُّوه، فيُحِبُّه أهلُ السَّماء، ثم يُوضَعُ له القَبولُ في الأرضِ، وإذا أبغَضَ عَبْدًا دَعا جِبْريلَ فيقول: إنِّي أُبغِضُ فُلاناً فأَبْغِضْهُ"، قال: "فيُبْغِضُه جبريلُ، ثُمَّ ينادِي في أهلِ السَّماءِ: إن الله يُبغِضُ فلاناً فأبغِضُوه"، قال: "فيُبغِضُونَه، ثُمَّ تُوضَعُ لهُ البَغْضاءُ في الأرضِ".
"وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : إن الله إذا أحب عبدًا دعا جبريل فقال: إني أحب فلانًا فأحبه، قال: فيحبه جبريل" محبتُه يحتمل أن تكون ثناؤه ودعاؤه له، وأن تكون الميل له والاشتياق إلى لقائه.
"ثمَّ ينادي في السماء فيقول: إن الله يحب فلانًا فأحبوه، فيحبه أهل السماء، ثمَّ يوضع له القبول في الأرض" وهو المحبة والرضا بالشيء وميل النفس إليه؛ أي: توضع [له] المحبة في قلوب الناس.
"وإذا أبغض عبدًا دعا جبريل فيقول: إني أبغض فلانًا فأبغضه، قال: فيبغضه جبريل، ثمَّ ينادي في أهل السماء: إن الله يبغض فلانًا فأبغضوه، قال: فيبغضونه، ثمَّ يوضع له البغضاء في الأرض".
* * *
٣٨٩١ - وقالَ: "إنَّ الله يقولُ يومَ القِيامةِ: أينَ المُتَحابُّونَ بجلالي؟ اليَوْمَ أُظِلُّهم في ظِلِّي يومَ لا ظِلَّ إلا ظِلِّي".
стр. 2600
"وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : إن الله تعالى يقول يوم القيامة: أين المتحابون بجلالي؟ "؛ أي: بسبب عظمتي؛ يعني: الذين يكون التحابُّ بينهم لأجل رضائي لا للأغراض الدنيوية.
"اليوم" ظرف لمتعلق (أين).
"أظلهم في ظلي"؛ أي: أريحهم من حرارة الموقف راحةَ مَن استظلَّ.
"يوم لا ظل إلا ظلي" بدل من (اليوم).
* * *
٣٨٩٢ - عن أبي هُرَيْرةَ، عن النَّبيِّ ﷺ : "أنَّ رَجُلًا زارَ أخًا له في قَريةٍ أُخرَى، فأَرصدَ الله لهُ على مَدرَجتِهِ مَلَكاً قال: أينَ تريدُ؟ قال: أريدُ أخًا لي في هذه القَريةِ، قال: هل لكَ عليهِ مِن نِعْمَةٍ تَرُبُّها؟ قال: لا، غيرَ أنِّي أَحْبَبتُه في الله، قال: فإنّي رسولُ الله إليكَ بأنَّ الله قد أحَبَّكَ كما أحبَبْتَهُ فيه".
"وعنه عن النبي ﷺ : أن رجلًا زار أخًا له في قرية أخرى"؛ يعني: أراد زيارة أخيه، وهو أعم من أن يكون أخاً حقيقةً أو مجازًا.
"فأرصد الله على مدرجته"؛ أي: أعدَّ وهيأ على طريقته.
"ملكاً، قال: أين تريد؟ قال: أريد أخًا لي في هذه القرية، قال: هل لك عليه من نعمة" قيل: (نعمة) مبتدأ و (من) زائدة و (لك) خبره و (عليه) متعلق بحالٍ محذوف؛ أي: هل لك نعمةٌ داعيةٌ إلى زيارته.
"تربُّها؟ "؛ أي: تحفظها وتستزيدها بالقيام على شكرها.
"قال: لا، غير أني أحببته في الله" بنصب (غير) استثناءً؛ أي: ليس لي داعية إلى زيارته إلا محبتي إياه في طلب رضا الله.
стр. 2601
"قال: فإني رسول الله ﷺ إليك بأن الله قد أحبك كما أحببته فيه".
* * *
٣٨٩٣ - وعن ابن مَسْعودٍ: أنَّه قال: جاءَ رَجُلٌ إلى رَسولِ الله ﷺ فقال: يا رسولَ الله! كيفَ تقولُ في رَجُلٍ أَحَبَّ قَوْماً ولم يَلْحَقْ بهم؟ فقال: "المرْءُ معَ مَنْ أَحَبَّ".
"عن ابن مسعود ﵁ أنَّه قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله! كيف تقول في رجل أحب قومًا ولم يلحق بهم؟ "؛ أي: بالصحبة، أو بالعمل؛ يعني: لم يصاحبهم، أو لم يعمل بمثل ما عملوا، وقيل: لم يرهم.
"قال: المرء مع مَن أحبَّ".
* * *
٣٨٩٤ - عن أنسٍ: أنَّ رَجُلًا قال: يا رسولَ الله! متَى السَّاعةُ؟ قال: "ويلَكَ، وما أعدَدتَ لها؟ " قال: ما أعْدَدتُ لها إلا أنِّي أُحِبُّ الله ورسولَهُ، قال: "أنتَ معَ مَنْ أحبَبْتَ".
"وعن أنس ﵁: أن رجلًا قال: يا رسول الله! متى الساعة؟ " كان سؤاله عن وقت قيام الساعة إما على سبيل التعنُّت له ﷺ والتكذيبِ بها، وإما على سبيل التصديق بها والشفق منها.
"قال" امتحانًا له: "ويلك ما أعددت لها؟ "، (ما) هذه استفهامية.
"قال: ما أعددت لها"، (ما) هذه نافية.
"إلا أني أحب الله ورسوله" فلما علم ﷺ أنَّه يسأل تصديقاً بها "قال: أنت مع من أحببت" قال أنس: فما رأيت المسلمين فرحوا بشيء فرحهم به.
стр. 2602
٣٨٩٥ - وقالَ رسولُ الله ﷺ : "مَثَلُ الجليسِ الصّالح والسُّوءَ، كحامِلِ المسكِ ونافخ الكِيرِ، فحامِلُ المِسْكِ إمّا أنْ يُحذِيَكَ، وإمّا أنْ تَبْتاعَ منه، وإمَّا أنْ تَجدَ منهُ رِيحًا طيبةً، ونافخُ الكِيرِ إمَّا أنْ يَحرِقَ ثيابَكَ، وإمّا أنْ تجدَ منه رِيحًا خَبيثةً".
"وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : مثل الجليس الصالح والسوء كحامل المسك ونافخ الكبير، فحامل المسك إما أن يُحذيك"؛ أي: يعطيك، من الإحذاء: الإعطاء.
"وإما أن تبتاع"؛ أي: تشتري "منه، وإما أن تجد منه ريحًا طيبة، ونافخُ الكير إما أن يحرق ثيابك، وإما أن تجد ريحًا خبيثة".
* * *
مِنَ الحِسَان:
٣٨٩٦ - عن مُعاذِ بن جَبَلٍ ﵁ قال: سَمِعْتُ رَسولَ الله ﷺ يقولُ: "قَالَ الله تعالى: وَجَبَتْ مَحبَّتي للمُتحابينَ فِيَّ، والمُتَجالِسينَ فِيَّ، والمُتَزاوِرِينَ فِيَّ، والمُتَباذِلينَ فِيَّ".
وفي رِوايةٍ قال: "يقولُ الله تعالى: المُتَحابُّون في جلالي لهم منابرُ مِن نورٍ، يغبطُهم النَّبيُّونَ والشُّهداءُ".
"من الحسان":
" عن معاذ بن جبل أنَّه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: قال الله تعالى: وجبت محبتي للمتحابين فيَّ وللمتجالسين فيَّ والمتزاورين فيَّ"؛ أي: الذين يزور بعضُهم بعضاً لأجلي.
"والمتباذلين فيَّ"؛ أي: الذين يبذلون في رضائي.
стр. 2603
"وفي رواية: قال: يقول الله تعالى: المتحابون في جلالي لهم منابر من نور يغبطهم النبيون والشهداء"؛ أي: يتمنون مثل حالهم من غير إرادةِ زوالها عنهم، قيل: المراد بيان فضلهم وعلوِّ شأنهم لا إثباتُ الغبطة لهم على حالهم، ولا يلزم أن يكون للمغبوط مرتبة أعلى من مرتبة النبيين والشهداء، ويحتمل أن يقصد إثباتها لأنَّ كل ما يتعاطاه الإنسان من علم أو عمل يكون لفاعله عنده تعالى منزلةٌ لا يشاركه فيها غيره، وإن كان للغير ما هو أرفع فيغبطه ويتمنى أن يكون له مثلُ ذلك مضموماً إلى حاله.
* * *
٣٨٩٧ - عن أبي مالكٍ الأَشْعرِيِّ قال: كنتُ عندَ النَّبيِّ ﷺ إذ قَالَ: "إن لله عِبادًا لَيْسُوا بأنبياءَ ولا شُهَداءَ، يغبطُهم النَّبيُّونَ والشُّهداءُ بقُربهم ومَقعَدِهم مِن الله يومَ القِيامةِ"، فقال أَعْرابيٌّ: حدِّثْنا يا رسولَ الله! مَن هُم؟ فقال: "هُم عِبادٌ مِن عِبادِ الله مِن بُلدانٍ شَتَّى وقبائلَ شتَّى، لم يَكنْ بينَهم أَرحامٌ يَتَواصَلُون بها، ولا دُنيا يتباذَلُون بها، يتحابُّون برُوحِ الله، يَجْعَلُ الله وُجوهَهُم نورًا، وتُجْعَلُ لهم منابرُ مِن نورٍ قُدّامَ عَرشِ الرَّحمنِ، يَفْزَعُ النّاسُ ولا يَفْزَعُون، ويخافُ النّاسُ ولا يخافُونَ".
"عن أبي مالك الأشعري أنَّه قال: كنت عند النبي ﷺ إذ قال: إن لله عبادًا ليسوا بأنبياء ولا شهداء يغبطهم النبيون والشهداء بقربهم"؛ أي: بسبب قربهم.
"ومقعدهم من الله يوم القيامة، فقال أعرابي: حدثنا من هم يا رسول الله؟ فقال: هم عباد من عباد الله من بلدان": جمع بلد، "شتى"؛ أي: متفرقة، "وقبائل": جمع قبيلة، "شتى، لم يكن بينهم أرحام يتواصلون بها ولا دنيا يتباذلون بها، يتحابون برُوح الله" بضم الراء: ما يَحيَى به الخلقُ ويكون حياة
стр. 2604
لهم، وقيل: القرآن الذي به حياة القلوب، قال الله تعالى: ﴿وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة: ٢٢] أي: بالقرآن، فالمعنى: أن السبب الداعي إلى تحابهم الوحيُ المنزل الهادي إلى سواء السبيل. وقيل: المعنى: يتحابون بداعية الإِسلام ومتابعة القرآن فيما حثهم عليه من موالاة المسلمين ومصادقتهم.
"يجعل الله وجوههم نورًا، وتجعل لهم منابر من نور قدّام عرش الرحمن" وهذا عبارةٌ عن قرب المنزلة من الله تعالى.
"يفزع"؛ أي: يخاف "الناس ولا يفزعون، ويخاف الناس ولا يخافون" والفرق بين الفزع والخوف: أن الفزع أشد أنواع الخوف، وقيل: الفزع خوفٌ مع جبن، والخوف غمٌّ يلحق الإنسان بسبب أمر مكروه سيقع.
* * *
٣٨٩٨ - عن ابن عبّاسٍ قال: قال رَسولُ الله ﷺ لأبي ذرّ: "يا أبا ذرّ! أيُّ عُرا الإيمانِ أَوْثَقُ؟ " قال: الله ورَسولهُ أعْلَمُ! قال: "المُوالاةُ في الله، والحُبُّ في الله، والبُغْضُ في الله".
"وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ لأبي ذر: يا أبا ذر! أيُّ عرى الإيمان": جمع عروة، وهي ما يتمسك به، والمراد بها الأركان؛ أي: أيُّ أركانه "أوثق؟ "؛ أي: أحْكَم.
"قال: الله ورسوله أعلم، قال: الموالاة"؛ أي: الحبُّ من الطرفين "في الله، والحب في الله والبغض في الله".
* * *
٣٨٩٩ - عن أبي هُريرةَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "إذا عادَ المُسْلِمُ أخاهُ، أو زارَه،
стр. 2605
قال الله ﵎: طِبْتَ وطابَ مَمْشاكَ، وتَبَوأتَ مِن الجَنَّةِ منزِلاً"، غريب.
"وعن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: إذا عاد المسلم أخاه"؛ أي: في المرض.
"أو زاره"؛ أي: في الصحة.
"قال الله تعالى: طبت"؛ أي: حصل لك طيبُ المعاش (١) في الآخرة.
"وطاب ممشاك"؛ أي: صار مشيك سببَ طيبِ عيشك فيها.
"وتبوَّأت"؛ أي: هيَّأت "من الجنة منزلاً" غريب.
* * *
٣٩٠٠ - عن المِقْدامِ بن مَعْدِ يكرِبَ، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "إذا أحبَّ الرَّجُلُ أَخاهُ فليُخْبرهُ أنَّه يُحِبُّه".
"عن المقدام بن معدي كرب ﵁ عن النبي ﷺ قال: إذا أحب الرجل أخاه فليخبره أنه يحبه" وذلك ليعلم أنه يرشده وينصحه بصوابٍ، وإن كان عدوَّه أزال العداوة.
* * *
٣٩٠١ - عن أنسٍ قال: مرَّ رَجُل بالنَّبيِّ ﷺ وعندَه ناسٌ، فقالَ رَجُلٌ مِمَّن عندَه: إنِّي لأحِبُّ هذا للهِ، فقال النَّبيُّ ﷺ : "أَعْلَمْتَهُ؟ " قال: لا، قَالَ: "قُمْ إليه فأَعْلِمْهُ"، فقامَ إليه فأَعْلَمَه فقالَ: أحبَّكَ الذي أَحببتَني له، قال: ثُمَّ رَجَعَ، فسألَهُ النبي ﷺ فأخبَرَه بما قَالَ، فقالَ النبي ﷺ : "أنتَ مَع مَن أحبَبْتَ، ولكَ ما احتَسَبْتَ".
стр. 2606
وفي رِواية: "المرءُ معَ مَن أحبَّ، ولهُ ما اكتَسَبَ".
"وعن أنس ﵁ أنَّه قال: مر رجل بالنبي ﷺ وعنده أناس، فقال رجل ممن عنده: إني لأحب هذا لله، فقال النبي ﷺ : أَعْلَمْتَه؟ " بالاستفهام.
"قال: لا، قال: قم إليه فأَعْلِمْه، فقام إليه فأعلمه، فقال: أحبَّك الذي أحببتني له" يريد به الله، وهذا على طريق الدعاء له.
"قال"؛ أي: الراوي: "ثمَّ رجع"؛ أي: ذلك الرجل.
"فسأله النبي ﷺ ، فأخبره بما قال، فقال النبي ﷺ ، أنت مع من أحببت ولك ما احتسبت"؛ أي: ما أعددت به من أجر أو حسنة.
"وفي رواية: المرء مع من أحب وله ما اكتسب".
* * *
٣٩٠٢ - عن أبي سعيدٍ: أنَّه سَمعَ النَّبي ﷺ يقولُ: "لا تُصاحِبْ إلا مُؤْمِناً، ولا يأكُلْ طَعامَك إلا تَقِيٌّ".
"عن أبي سعيد الخدري أنَّه قال: سمعت النبي ﷺ يقول: لا تصاحب إلا مؤمنًا" يجوز أن يراد به المؤمن الخالص الذي يقابله الفاسق، كقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا﴾ [السجدة: ١٨].
"ولا يأكل طعامك إلا تقي" قال الخطابي: هذا في طعام الدعوة دون طعام الحاجة والصدقة، قال الله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ [الإنسان: ٨]، ومعلوم أن أَسراهم كفارٌ.
وإنما حذَّر عن صحبة غير المتقي وزَجَر عن مؤاكلته لأنَّ المطاعمة توقع الألفة والمودة في القلوب.
стр. 2607
٣٩٠٣ - عن أبي هُرَيرةَ قال: قَالَ رَسولُ الله ﷺ : "المرءُ على دينِ خليلِه، فلْيَنظرْ أحدُكم مَن يُخالِلْ" غريب.
"عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : المرء على دين خليله"؛ أي: صديقه، والخلة: الصداقة والمحبة.
"فلينظر أحدكم مَن يخالل" وضمير المفعول محذوف؛ أي: يخالله؛ يعني: إن اتخذ صالحاً خليلاً يكون هو صالحاً، وإن اتخذ فاسقاً يكون هو فاسقاً.
"غريب".
* * *
٣٩٠٤ - عن يزيدَ بن نعامَةَ أنَّه قال: قَالَ رَسولُ الله ﷺ : "إذا آخَى الرَّجُلُ الرَّجُلَ فلْيَسألهُ عن اسمِه واسم أبيهِ وممَن هوَ، فإنَّه أَوْصَلُ للمَوَدَّةِ".
"عن يزيد بن نعامةَ قال: قال رسول الله ﷺ : إذا آخى الرجل الرجل"؛ أي: اتخذه أخاً.
"فليسأله عن اسمه واسم أبيه وممن هو"؛ يعني: من أيَّ قبيلة؛ أي: من أيِّ قريةٍ وبلد هو.
"فإنه"؛ أي: السؤال عن ذلك، "أوصلُ"؛ أي: أكثر وصلة، "للمودة" بينهما.
* * *
١٧ - باب ما يُنهَى من التَّهاجُرِ والتَّقاطُعِ واتباعِ العَوْراتِ
" باب ما ينهى من التهاجُر والتقاطع"، الهجر: ضد الوصل، والتهاجُرُ
стр. 2608
أخصُّ من التقاطع، (واتباع العورات): جمع عورة، وهي ما في الرجل من عيب وخلل.
مِنَ الصِّحَاحِ:
٣٩٠٥ - قَالَ رَسولُ الله ﷺ : "لا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أنْ يَهْجُرَ أخاهُ فوقَ ثلاثِ ليالٍ، يلتقيانِ فيُعرِضُ هذا ويُعرِضُ هذا، وخَيْرُهما الذي يبدَأُ بالسَّلامِ".
* * *
"من الصحاح":
" عن أبي هريرة وأبي أيوب ﵄ قالا: قال رسول الله ﷺ : لا يحل لرجل أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، يلتقيان، جملة استئنافية بيانٌ لكيفية الهجران.
"فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام" هذه الجملة عطف على الاستئنافية من حيث المعنى؛ لما يفهم منها أن ذلك الفعل ليس بخير، ويجوز أن تكون الأولى حالًا من فاعل (يهجر) ومفعولِه معًا، فالثانية معطوفة على قوله: (لا يحل).
أما إباحة الهجرة في الثلاث فمفهومٌ من الحديث عند مَن يقول بمفهوم المخالفة، وإنما عُفي عنها في الثلاث؛ لأنَّ الآدمي مجبولٌ على سوء الخلق والغضب.
قيل: هذا إذا كان الهجر لأمر دنيوي، وأما إذا كان لتقبيح المعصية فالزيادةُ على الثلاث مشروعةٌ، كما هجر ﷺ الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك، وهم كعب بن مالك وهلال بن أمية ومرارة بن الربيع، وأمر الناس بهجرانهم خمسين يوماً.
стр. 2609
٣٩٠٦ - وقالَ: "إيَّاكم والظَّنَّ! فإنَّ الظَّن أَكْذَبُ الحَديثِ، ولا تَحَسَّسُوا، ولا تَجَسَّسُوا، ولا تَناجَشُوا، ولا تَحَاسدُوا، ولا تَباغضوا، ولا تَدابروا، وكونوا عبادَ الله إِخْوانًا".
ويُروَى: "ولا تَنافَسُوا".
"وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : إياكم والظنَّ"؛ أي: احذروا من أن تظنوا بأحدٍ ظنَّ سوء، قيل: المراد به ما يستقر عليه صاحبه دون ما يخطر في قلبه.
"فإن الظن أكذب الحديث"؛ أي: حديث النفس؛ لأنه يكون بإلقاء الشياطين، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ [الحجرات: ١٢] قيل: الظن الذي هو إثم أن يظن فيتكلم به.
"ولا تحسسوا" بالحاء المهملة؛ أي: لا تطلبوا التطلُّع على خير أحد، "ولا تجسسوا" بالجيم؛ أي: لا تطلبوا التطلُّع على شر أحد، وكلاهما منهيٌّ؛ لأنه لو اطَّلعت على خير أحد ربما يحصل لك حسدٌ بأن لا يكون فيك ذلك الخير، وإن اطَّلعت على شره تَعيبُه وتفضحه.
قيل: "التجسُّس" بالجيم: التفتيش عن بواطن الأمور بتلطُّفٍ.
وقيل: بالجيم تطلُّب البحث عن العورات، وبالحاء الاستماع؛ يعني استراق السمع.
وقيل: بالحاء: التعرُّف بالحواس، وبالجيم: تعرُّف الأمر، من الجَسِّ وهو اللمس.
"وعن أنس (١) ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : لا تناجشوا" قيل: المراد به
стр. 2610
تطلُّب الترفُّع والعلوِّ على الناس، وقيل: أن يُغرِيَ بعضٌ بعضًا على الشر، وقيل: هو الزيادة في الثمن بغير رغبة في السلعة ليخدع المشتري بالترغيب.
"ولا تحاسدوا ولا تباغضوا ولا تدابروا ولا تقاطعوا" وقيل: أي: لا تولُّوا ظهركم على أخيكم ولا تُعرضوا عنه.
"وكونوا عباد الله إخوانًا" خبر ثان لـ (كان).
"ويروى: ولا تنافسوا"؛ أي: لا تحاسدوا ولا تنازعوا.
* * *
٣٩٠٧ - وقالَ: "تُفتَحُ أبوابُ الجَنَّةِ يومَ الاثنينِ ويومَ الخَميسِ، فيُغفَرُ لكلِّ عَبْدٍ لا يُشْرِكُ بالله شيئًا، إلا رَجُلًا كانَتْ بينَهُ وبينَ أخيهِ شَحْناءُ فيقالُ: أَنْظِروا هذَينِ حتَّى يَصْطَلِحا".
"وعن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : تفتح أبواب الجنة يوم الإثنين ويوم الخميس، فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئًا إلا رجلًا كانت بينه وبين أخيه شحناء"؛ أي: العداوة والبغض.
"فيقال: أنظروا" أمرٌ من الإنظار والإمهال؛ أي: أمهِلوا في مغفرة "هذين حتى يصطلحا".
* * *
٣٩٠٨ - وقالَ: "تُعرَضُ أَعْمَالُ النَّاسِ في كلِّ جُمُعَةٍ مرَّتينِ، يومَ الاثنينِ ويومَ الخَميسِ، فيُغفَرُ لكُلِّ عبدٍ مؤمنٍ، إلا عَبْدًا بينَه وبينَ أخيهِ شَحْناءُ، فيقال: اُترُكُوا هذَينِ حتَّى يَفيئَا".
"وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : تُعرض أعمال الناس في
стр. 2611
كل جمعة"؛ أي: في كل أسبوع.
"مرتين" بيَّن ذلك بقوله: "يوم الاثنين ويوم الخميس، فيغفر لكل عبد مؤمن إلا عبدًا" - بالنصب - استثناء من كلام موجب، كذا في "كتاب مسلم" وهو الظاهر، وفي بعض النسخ بالرفع على أنه صفة لـ (كل عبد مؤمن)؛ لأن محله الرفع.
"بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: اتركوا هذين حتى يفيئا"؛ أي: يرجعا عما [هما] عليه من العداوة والغضب إلى الصلح.
* * *
٣٩٠٩ - وقالَ: "إنَّ الشَّيطانَ قد أَيسَ أنْ يَعبُدَه المُصَلُّونَ في جَزيرةِ العَرَبِ، ولكنْ في التَّحريشِ بينَهم".
"وعن جابر ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش"؛ أي: في الإغراء "بينهم": تقدم بيانه في (باب الكبائر).
* * *
٣٩١٠ - وعن أُمِّ كلثومَ بنتِ عُقبةَ بن أبي مُعَيطٍ قالت: سَمِعْتُ رَسولَ الله ﷺ يقولُ: "ليسَ الكذَّابُ الذي يُصلِحُ بينَ الناسِ ويقولُ خيرًا ويَنْمِي خيرًا"، قالت: ولَمْ أَسمَعْهُ - تَعني النَّبيَّ ﷺ يُرَخِّصُ في شَيءٍ مِمَّا يقولُ النَّاسُ كَذِبًا، إلا في ثلاثٍ: "الحَرْبُ، والإصلاحُ بينَ النَّاسِ، وحَديثُ الرَّجُلِ امرأتَه وحَديثُ المَرْأةِ زَوْجَها".
"عن أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط أنها قالت: سمعت رسول الله ﷺ -
стр. 2612
يقول: ليس الكذَّاب الذي يصلح بين الناس فيقول خيرًا وَينمي خيرًا" تقدم بيانه في (باب حفظ اللسان).
"قالت: ولم أسمعه - تعني النبي ﷺ يرخص في شيء مما يقول الناس كذبًا إلا في ثلاث: الحرب" والكذب في الحرب مثل أن يقول: في جيش المسلمين كثرةٌ، وقد أتاهم مدد (١) كثير، أو يقول: انظر إلى خلفك فإن فلانًا قد أتاك من خلفك ليضربك.
"والإصلاح بين الناس، وحديث الرجل امرأته" مثل أن يقول: لا أجد أحبَّ إليَّ منك.
"وحديث المرأة زوجها" مثل ذلك.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٣٩١١ - عن أسماءَ بنتِ يزيدَ قالت: قالَ رَسولُ الله ﷺ : "لا يَحِلُّ الكَذِبُ إلا في ثلاثٍ: كَذِبُ الرَّجُلِ امرأتَه ليُرضيَها، والكذِبُ في الحَرْبِ، والكذِبُ ليُصلِحَ بينَ النَّاسِ".
"من الحسان":
" عن أسماء بنت يزيد قالت: قال رسول الله ﷺ : لا يحل الكذب إلا في ثلاث: كذب الرجل امرأته ليرضيها، والكذب في الحرب، والكذب ليصلح بين الناس".
* * *
٣٩١٢ - عن عائِشَةَ ﵂: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "لا يكونُ
стр. 2613
لِمُسْلِمٍ أنْ يهجُرَ مُسْلِمًا فوقَ ثلاثةٍ، فإذا لقِيَهُ سَلَّمَ عليهِ ثلاثَ مَرَّاتٍ، كلُّ ذلكَ لا يَرُدُّ عليهِ فقد باءَ بإثمِهِ".
"عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ قال: لا يكون لمسلم أن يهجر مسلمًا فوق ثلاثة، فإذا لقيه سلَّم عليه" بدلٌ من (لقيه)، أو حال من فاعله.
"ثلاثَ مرار كلَّ ذلك" ظرف لقوله: "لا يرد عليه" أو صفة لـ (مرار) والعائد محذوف (١)؛ أي: لا يردُّ فيها؛ أي: في المرار.
"فقد باء"؛ أي: رجع "بإثمه" جواب (إذا)؛ يعني: خرج المسلِّم عن إثم الهجران، ورجع الإثم إلى الهاجر الذي لم يردَّ السلام.
* * *
٣٩١٣ - وعن أبي هريرة: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "لا يحِلُّ لِمُسلِمٍ أنْ يهجُرَ أخاهُ فوقَ ثلاثٍ، فمَن هَجَرَ فوقَ ثلاثٍ فماتَ دَخَلَ النَّارَ".
"وعن أبي هريرة - رضي لله عنه - قال: قال رسول الله ﷺ : لا يحلُّ لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث، فمن هجر فوق ثلاثٍ فمات دخل النار"؛ أي: استوجب دخولها بالإثم، فالواقع فيه كالواقع فيها.
* * *
٣٩١٤ - عن أبي خِراشٍ السُّلَمِيِّ: سَمعَ رَسولَ الله ﷺ يقولُ: "مَنْ هَجَرَ أخاهُ سَنَةً فهوَ كسَفْكِ دمِهِ".
стр. 2614
"عن أبي خراش السُّلَمي أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: من هجر أخاه سنة فهو كسفك دمه"؛ أي: الهاجر سنةً كالقاتل، وقيل: هو كالقاتل حرمةً إلا أن يكونا سواءً في قَدْر الإثم.
* * *
٣٩١٥ - عن أبي هُرَيرة قال: قالَ رَسولُ الله ﷺ : "لا يَحِلُّ لمؤمنٍ أنْ يَهْجُرَ أخاهُ فوقَ ثلاثٍ، فإنْ مَرَّتْ بهِ ثلاثةٌ فَلْيَلْقَهُ فليُسَلِّمْ عليهِ، فإنْ رَدَّ ﵇ فقد اشتركَا في الأَجْرِ، وإنْ لم يَرُدَّ عليهِ فقد باءَ بالإِثمِ، وخَرَجَ المُسَلِّمُ مِن الهِجْرَةِ".
"عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : لا يحل لمؤمن أن يهجر مؤمنًا فوق ثلاثٍ، فإن مرت به ثلاث فليَلْقه فليسلِّم عليه، فإن ردَّ عليه فقد اشتركا في الأجر، وإن لم يردَّ عليه فقد باء بالإثم وخرج المسلِّم من الهجر".
٣٩١٦ - عن أبي الدَّرْداءِ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "أَلَا أُخبرُكم بأفضلَ مِن دَرَجةِ الصِّيامِ والصَّدَقةِ والصَّلاةِ؟ " قال: قُلنا: بلى، قال: "إِصلاحُ ذاتِ البَيْنِ، وإِفْسادُ ذاتِ البَيْنِ هي الحالِقَةُ"، صحيح.
"عن أبي الدرداء قال: قال رسول الله ﷺ : ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصدقة والصلاة" قيل: المراد بهذه المذكورات نوافلُها دون فرائضها.
"قلنا: بلى، قال إصلاح ذات البين" أراد بذات البين: الخصال المفضية إلى البين من المهاجرة والمخاصمة بين اثنين بحيث يحصل بينهما الفُرقة.
"وإفساد ذات البين" - ويروى: (وفساد) - مبتدأ خبره "هي الحالقة"؛ أي: المهلكة للدين المستأصِلةُ للثواب استئصالَ الموسى.
"صحيح".
* * *
стр. 2615
٣٩١٧ - وقالَ: "دَبَّ إليكُم داءُ الأممِ قبلَكم: الحَسَدُ والبغضاءُ، هي الحالِقَةُ، لا أقولُ: تحلِقُ الشَّعرَ، ولكنْ تحلِقُ الدِّينَ".
"وعن الزبير ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : دبَّ"؛ أي: سرى "إليكم داء الأمم قبلكم: الحسد والبغضاء" بيان للداء وبدلٌ منه، سمِّيا داءٌ لأنهما داء القلب.
"هي الحالقة، لا أقول تحلق الشعر ولكن تحلق الدين" لأنها تمنع الإنسان من فعل الخيرات والحضور في الصلاة والمحبة الكاملة في الله؛ لأن الممتلئ صدرُه حسدًا أو بغضا لا تكمل محبته ولا يجد حلاوة الطاعة في قلبه ولا يرضى بقضاء الله تعالى.
* * *
٣٩١٨ - عن أبي هُرَيرةَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "إيَّاكُم والحَسَدَ! فإنَّ الحَسَدَ يأكلُ الحَسَناتِ كما تأكلُ النَّارُ الحَطَبَ".
"وعن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: إياكم والحسد فإن الحسد يأكل الحسنات"؛ أي: يمحوها.
"كما تأكل النار الحطب" يؤوَّل هذا بأن الحسد يفضي بصاحبه إلى وقوعه في عِرض المحسود وغيبته وسبه وثلبه، وربما أدى ذلك إلى تلف ماله، وكلُّ هذه مظالمُ يذهب في عوضها الحسنات كما جاء في حديث: "المفلس الذي يأتي يوم القيامة وقد ضَرب هذا وأخذ مال هذا وسفك دم هذا، فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته" إلى آخر الحديث.
أو المراد: الحسنات التي يشغلُه الحسد عن الاشتغال بها، أو بأن الحاسد غيرُ راضٍ بحكم الله فربما غلب عليه الحسدُ والحقد والعداوة إلى أن تفوَّه
стр. 2616
بكفرٍ مُبْطلٍ للحسنات.
* * *
٣٩١٩ - وعن أبي هُرَيرةَ، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "إيَّاكُم وسوءَ ذاتَ البَيْنِ! فإنَّها الحالِقَةُ".
"وعن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: إياكم وسوء ذات البين فإنها الحالقة".
* * *
٣٩٢٠ - عن أبي صِرْمَةَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "مَن ضَارَّ ضارَّ الله بهِ، ومَن شاقَّ شَقَّ الله عليهِ".
"وعن أبي صرمة: أن النبي ﷺ قال: من ضارَّ"؛ أي: أوصل ضررًا إلى أحد.
"ضارَّ الله به"؛ أي: أوصل الضرر إليه.
"ومن شاقَّ شاقَّ الله عليه" والضرر والمشقة متقاربان، لكن الضرر يستعمل في إتلاف المال، والمشقة في إيصال الأذية إلى البدن بتكليف عمل شاق.
"غريب".
* * *
٣٩٢١ - عن أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "مَلْعونٌ مَن ضَارَّ مُؤْمنًا أو مَكَرَ بهِ".
"عن أبي بكر الصديق - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله ﷺ :
стр. 2617
ملعون من ضارَّ مؤمنًا أو مكر به"، "غريب".
* * *
٣٩٢٢ - عن ابن عُمَرَ قال: صَعِدَ رسولُ الله ﷺ المِنْبرَ فنادَى بصَوتٍ رفيعٍ فقال: "يا مَعْشرَ مَن أَسْلَمَ بلِسانِه ولم يُفْضِ الإِيمانُ إلى قلبهِ! لا تُؤْذُوا المُسلمينَ ولا تُعَيروهم، ولا تَتَّبعُوا عَوْراتِهم، فإنَّه مَن يَتَّبعْ عَوْرَة أخيهِ المُسلمِ يتَّبعِ الله عَوْرتَه، ومَن يتبع الله عورتَهُ يفضَحْهُ ولو في جَوْفِ رَحْلِهِ".
"وعن ابن عمر وأبي برزة ﵃ أنهما قالا: صعد رسول الله ﷺ المنبر فنادى بصوت رفيع فقال: يا معشر مَن أسلم بلسانه ولم يفض الإيمان"؛ أي: لم يصل.
"إلى قلبه، لا تؤذوا المسلمين ولا تعيروهم"؛ أي: لا تعيبوهم.
"ولا تتبعوا عوراتهم، فإنه من يَتَّبعْ عورة أخيه المسلم" تقدم معنى العورة في أول الباب.
"يتبع الله عورته، ومن يتبع الله عورته يفضحه ولو في جوف رحله"؛ أي: ولو كان مخفيًا في وسط منزله عن الناس.
فإن قلت: ما النكتة في ذكر أخيه، فإن الكلام مع المنافقين وهم ليسوا بإخوة المسلمين؟.
قلت: معناه: ومن يتبع من المسلمين عورة أخيه المسلم يتبع الله عورته فكيف بالمنافق؟.
* * *
٣٩٢٣ - عن سعيدِ بن زَيدٍ، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "إنَّ مِن أربَى الرِّبَا الاستِطالةَ في عِرْضِ المُسلِم بغيرِ حَقٍّ".
стр. 2618
"عن سعيد بن زيد ﵁ عن النبي ﷺ قال: إن من أربى الربا"؛ أي: من أكثرها وبالًا "الاستطالة في عرض المسلم بغير حق"؛ أي: إطالة اللسان في غيبته أو قذفه أو شتمه؛ يعني: غيبةُ الناس وقذفُهم أشدُّ من أكل الربا؛ لأن نفس المسلم أشرف من ماله.
وفي قوله: (بغير حق) تنبيه على استباحة العرض في بعض الأحوال بحقٍّ، كقوله: صاحب الحق الذي لا يعطي حقه إنه ظالم وإنه متعدٍّ، وكقوله الجارحِ في عِرْضِ الشاهد، وكذا ذكر مساوئ الخاطب.
* * *
٣٩٢٤ - وعن أنسٍ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "لمَّا عَرَجَ بي ربي مرَرْتُ بقومٍ لهم أَظْفارٌ مِن نُحاسٍ يَخْمِشُونَ وجُوهَهم وصُدورَهم، فقلتُ: مَن هؤلاءِ يا جِبْريلُ؟ قال: هؤلاءَ الذينَ يأكلونَ لحومَ النَّاسِ ويَقَعُونَ في أَعْراضهم".
"عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : لما عرج بي ربي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون"؛ أي: يجرحون.
"وجوههم وصدورهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ فقال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس"؛ أي: يغتابونهم "ويقعون في أعراضهم".
* * *
٣٩٢٥ - وعن أنسٍ، عن النَّبيِّ ﷺ قالَ: "مَن حَمَى مُؤْمِنًا مِن مُنافِقٍ يعيبُه، بعثَ الله مَلَكًا يَحْمي لَحْمَهُ يومَ القيامةِ مِن نارِ جَهَنَّمَ، ومَن قَفا مُسْلِمًا بشيءٍ يريدُ شَيْنَهُ بهِ حَبَسَهُ الله على جِسْرِ جَهَنَّمَ حتى يَخْرُجَ ممَّا قالَ".
"وعن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: من حمى مؤمنًا من منافق بغيبة بعث الله ملكًا يحمي لحمه يوم القيامة من نار جهنم، ومن قفا مسلمًا بشيء"؛ أي:
стр. 2619
قذفه بما ليس فيه، أو من قَفَوْتُه: إذا تبعتَ أثره؛ يعني: من تجسَّس عن حال مسلم ليقف على عيبه.
"يريد شينه به، حبسه الله على جسر جهنم حتى يخرج مما قال" تقدم بيانه في (حِسان باب الشفقة).
* * *
٣٩٢٧ - عن المُستَوْرِدِ بن شدَّادٍ: أنَّ رَسولَ الله ﷺ قال: "مَن أَكَلَ برجُلٍ مُسْلِمٍ أَكْلَةً فإنَّ الله يُطعِمُه مِثلَها مِن جَهَنَّمَ، ومَن كُسِيَ ثَوْبًا برجُلٍ مُسلِمٍ فإنَّ الله يكسوهُ مثلَه مِن جَهَنَّمَ، ومَن قامَ برجُلٍ مَقامَ سُمعةٍ ورِياءٍ فإنَّ الله يُقيمُهُ مَقامَ سُمْعَةٍ ورِياءٍ يومَ القيامةِ".
"عن المستورد بن شداد: أن رسول الله ﷺ قال: من أكل برجلٍ مسلم"؛ أي: بسبب غيبته.
"أُكلة" وهي بالضم (١): اللقمة، وبالفتحة: المرة من الأكل؛ يعني: أنه يقع في عرض مسلم أو يتعرض له بالأذية عند مَن يبغضه حتى ينال بذلك ممن يعاديه ويريدُ هوانَه طُعمةً.
"فإن الله يطعمه مثلها من جهنم، ومَن كُسي ثوبًا برجلٍ مسلم فإن الله يكسوه مثله من جهنم، ومن قام برجل" الباء للتعدية؛ أي: من أقام رجلًا "مقام سمعة ورياء"؛ أي: نسبه إلى الصلاح والتقوى وشهره بالزهد في الدنيا، وجعله وسيلة إلى تحصيل غرضٍ نفسي وحطامٍ دنيوي، وعلم الذي شهره به أنه على خلاف ذلك.
"فإن الله تعالى يقوم به"؛ أي: يُقِيمُه "يوم القيامة مقام سمعة ورياء"
стр. 2620
فينادى عليه بين الملأ: إنه كان كذابًا قد شهر رجلًا بالصلاح والزهد في الدنيا وهو يعلم أنه كان على خلاف ذلك، ثم يعذبه عذاب الكذابين.
وقيل: الباء للسببية، وهذا أقوى وأنسب، فالمعنى: من قام بسبب رجلٍ - من أمير ونحوه - مقامًا يتظاهر فيه بصلاحٍ وزهد ليسمع به الناس فيعتقدوا فيه، ويجعل ذلك ذريعة إلى مطلب دنيوي من جاه ومال، أقامه الله يوم القيامة مثل مقامه ذلك، ويفضحه بأن ينادَى عليه على رؤوس الأشهاد ويقال: إنه كان مرائيًا، ثم يعذب عذاب المرائين.
* * *
٣٩٢٨ - وقال: "حُسْنُ الظَّنِّ مِن حُسْنِ العِبادةِ".
"وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : حسن الظن من حسن العبادة"؛ يعني: اعتقاد الخير والصلاح في حق المسلمين عبادةٌ.
* * *
٣٩٢٦ - عن عائِشَةَ ﵂ قالت: اعتَلَّ بعيرٌ لِصَفِيَّةَ وعندَ زينبَ فَضْلُ ظَهرٍ، فقالَ رسولُ الله ﷺ لزينبَ: "أَعْطيها بَعيرًا"، فقالت: أنا أُعطي تلكَ اليهوديةَ! فغضبَ رسولُ الله ﷺ ، فهَجَرَها ذا الحِجَّةِ والمُحَرَّمَ وبعضَ صَفَرَ.
"وعن عائشة ﵂ أنها قالت: اعتلَّ"؛ أي: مرض "بعيرٌ لصفية وعند زينب فضلُ ظهر"؛ أي: دابةٌ زائدةٌ على قَدْرِ حاجتها.
"فقال رسول الله ﷺ لزينب: أعطيها بعيرًا، فقالت: أنا أعطي تلك اليهودية؟ فغضب رسول الله ﷺ فهجرها ذا الحجة والمحرم وبعض صفر" وهذا يدل على جواز الهجران فوق الثلاث لفعلٍ قبيح.
* * *
стр. 2621
١٨ - باب الحذَرِ والتَّأَنِّي في الأُمورِ
" باب الحذر والتأني في الأمور"، وهو ضد العجلة.
مِنَ الصِّحَاحِ:
٣٩٢٩ - قال رسولُ الله ﷺ : "لا يُلْدَغُ المُؤمنُ مِن جُحْرٍ واحدٍ مرَّتينِ".
"من الصحاح":
" عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : لا يلدغ المؤمن" - بصيغة النفي - "من جحر واحد مرتين" معناه لا ينبغي للمؤمن الحازم المتيقِّظ أن يخدع مما تَضَرَّرَ به مرة بعد أخرى، قاله ﷺ لمَّا أَسر أبو غزة الشاعر يوم بدر فمنَّ النبي ﷺ وعاهده على أن لا يهجو المؤمنين، فأطلقه ثم رجع إلى الهجو والإيذاء، فلما أُسر يوم أحد طلب المنَّ مرة ثانية، فقال: (لا يلدغ المؤمن) الحديث، وأمر بضرب عنقه.
ويروى بصيغة النهي، معناه: لا يُخدعنَّ المؤمن ولا يُؤتينَّ من ناحية الغفلة فيقع في مكروه وشر؛ أي: لا يُفْعلْ به هذا الفعل مرتين.
* * *
٣٩٣٠ - وقال لأِشَجِّ عبدِ القَيْسِ: "إنَّ فيكَ لخَصْلَتينِ يُحِبُّهما الله: الحِلْمُ والأَناةُ".
"عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لأشج عبد القيس" بالإضافة، وكان رئيسَ عبد القيس وهي قبيلة، وفي بعض النسخ بفتح (أشج) على أنه غير منصرِفٍ، فيكون (عبد القيس) بدلًا منه على حذف المضاف؛ أي: رئيس عبد القيس.
"إن فيك لخلصتين يحبهما الله: الحلم" وهو بكسر الحاء: تأخير مكأفاة
стр. 2622
الظالم، والمراد به هنا عدمُ استعجاله وتراخيه حتى ينظر في مصالحه.
"والأناة" على وزن القناة، وهو التثبُّت والوقار، والمراد به جودةُ نظره في العواقب.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٣٩٣١ - عن سَهْلِ بن سَعْدٍ السَّاعديِّ ﵁: أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: "الأَناةُ مِن الله، والعَجَلَةُ من الشَّيطانِ"، غريب.
"من الحسان":
" عن سهل بن سعد الساعدي: أن النبي ﷺ قال: الأناةُ من الله تعالى والعجلةُ من الشيطان"، "غريب".
* * *
٣٩٣٢ - عن أبي سعيدٍ قال: قالَ رَسولُ الله ﷺ : "لا حليمَ إلا ذو عَثرةٍ، ولا حَكيمَ إلا ذو تَجربةٍ"، غريب.
"عن أبي سعيد قال: قال رسول الله ﷺ : لا حليم إلا ذو عثرة"؛ أي: زلةٍ؛ يعني: لا حليم كاملًا إلا مَن وقع في زلةٍ وحصل منه الخطأ والاستخجال [فعُفي عنه] (١) فيَعْرِفُ به رتبةَ العفو، فيحلم به عند عثرة غيره، لأنه عند ذلك يصير ثابت القدم.
"ولا حكيم إلا ذو تجربة"؛ أي: لا حكيم كاملًا إلا مَن جرَّب الأمور وعلم المصالح والمفاسد، فانه لا يفعل فعلًا إلا عن حكمة، إذ الحكمة: إحكام
стр. 2623
الشيء وإصلاحه من الخلل.
"غريب".
* * *
٣٩٣٣ - عن أنسٍ: أنَّ رَجُلًا قالَ للنبيِّ ﷺ : أَوْصِني، فقالَ: "خُذِ الأَمرَ بالتَّدبيرِ، فإنْ رأيتَ في عاقبتِه خَيْرًا فأَمْضهِ، وإنْ خِفْتَ غَيًّا فأَمْسِكْ".
"عن أنس: أن رجلًا قال للنبي ﷺ : أوصني، فقال: خذ الأمر بالتدبير"؛ أي: التفكُّر في مصالحه ومفاسده، والنظر في عاقبته.
"فإن رأيت في عاقبته خيرًا فأمضه"؛ أي: فافعله.
"وإن خفت غيًا"؛ أي: ضلالًا وخسارًا "فأمسك"؛ أي: فاتركه.
* * *
٣٩٣٤ - عن مُصْعَبِ بن سَعْدٍ، عن أبيهِ - قالَ الأَعْمَشُ: لا أعلَمُه إلا عن النبيِّ ﷺ قال: "التُّؤَدَةُ في كلِّ شَيءٍ خيرٌ إلا في عَمَلِ الآخِرةِ".
"عن مصعب بن سعد، عن أبيه، قال الأعمش: لا أعلمه إلا عن النبي ﷺ "؛ يعني: أنه مرفوع إليه ﷺ .
"قال: التؤدة" بضم التاء وفتح الهمزة؛ أي: التأني.
"في كل شيء خير إلا في عمل الآخرة" قال الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [آل عمران: ١٣٣].
* * *
٣٩٣٥ - عن عبدِ الله بن سَرْجَسَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: "السَّمْتُ الحَسَنُ
стр. 2624
والتؤَدَةُ والاقتصادُ، جزءٌ مِن أربعةٍ وعشرينَ جزأً مِن النبوةِ".
"عن عبد الله بن سَرْجِس أن النبي ﷺ قال: السمتُ الحسن"؛ أي: السيرةُ المَرْضيَّةُ وحسنُ الهيئة في الدين.
"والتؤدة والاقتصاد" وهو سلوك القصد؛ أي: الوسط الذي لا إفراط فيه ولا تفريط في الأمور، والدخول فيها برفق.
"جزء من أربع وعشرين جزءًا من النبوة"؛ يعني: إن هذه الخصال من خصال الأنبياء فاقتدوا بهم فيها.
* * *
٣٩٣٦ - وعن ابن عبَّاسٍ: أنَّ نبيَّ الله ﷺ قال: "إنَّ الهَدْيَ الصَّالحَ، والسَّمْتَ الصَّالحَ، والاقتِصادَ، جُزْءٌ مِن خَمْسةٍ وعِشرينَ جُزْءًا مِن النُّبوَّةِ".
"وعن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ قال: إن الهديَ الصالح" هديُ الرجل: حاله ومذهبه.
"والسمت الصالح والاقتصاد جزءٌ من خمس وعشرين جزءًا من النبوة" والتقدير بأربع وعشرين في الحديث الأول وبخمس وعشرين في الحديث الثاني مما لا يهتدى إليه إلا بنور النبوة، ومن حق (الأربع) و (الخمس) إلحاقُ تاء التأنيث بهما، ولعل التغيير وقع من بعض الرواة.
* * *
٣٩٣٧ - وعن جابرِ بن عبدِ الله، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "إذا حَدَّثَ الرَّجلُ بالحديثِ ثُمَّ التفَتَ فَهِيَ أَمَانَةٌ".
"وعن جابر بن عبد الله ﵁، عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه
стр. 2625
قال: إذا حدَّث الرجلُ بالحديث، ثم التفتَ"؛ أي: غابَ عنك.
"فهي أمانة" ضمير (هي): للحكاية؛ لأن الحديثَ بمعنى الحكاية؛ أي: صار حديثُه عندَك أمانة في عنقك، يَحرُم عليك إضاعتُها؛ أي: إفشاؤُها.
* * *
٣٩٣٨ - عن أبي هُريرةَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ لأبي الهَيْثَم بن التَّيهانِ: "هلْ لكَ خَادِمٌ؟ " قال: لا، فقالَ: "فإذا أتَانَا سَبْيٌ فائتنا"، فأُتِيَ النَّبيّ ﷺ برَأسَينِ، فأتاهُ أبو الهَيْثمِ، فقالَ النبيُّ ﷺ : "اختَرْ مِنْهُما"، فقالَ: يا نبَيَّ الله! اختَرْ لي، فقالَ النَّبيّ ﷺ : "إنَّ المُسْتَشارَ مُؤْتَمَنٌ، خُذْ هذا فإنِّي رأيتُه يُصلي، واستَوْصِ بهِ مَعْروفًا".
"وعن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال لأبي الهيثم بن التيهان" - بكسر التاء وفتحها وتشديد الياء -: "هل لك خادم؟ قال: لا، فقال: إذا أتانا سَبْيٌ فائتِنا، فأُتي النبي ﷺ برأسينِ"؛ أي: غلامَينِ.
"فأتاه أبو الهيثم، فقال النبي ﷺ : اختَرْ منهما، فقال: يا نبيَّ الله! اختَرْ لي، فقال النبي ﷺ : إن المستشار": اسم مفعول من (استشارَه): إذا طلبَ رأيَه فيما فيه المصلحةُ من الأمور.
"مُؤتَمَن"؛ أي: ينبغي أن يكونَ أمينًا، فيجب عليه أن يُخبرَ المستشيرَ بما هو المصلحةُ.
"خُذْ هذا؛ فإني رأيتُه يصلي، واستَوصِ به معروفًا"؛ أي: اقبَلْ وصيتي فيه بالمعروف، وقيل: معناه: لا تأمرْه إلا بالمعروف وانصَحْ له.
* * *
стр. 2626
٣٩٣٩ - وقال: "المَجالِسُ بالأَمانةِ إلا ثلاثةَ مَجالسٍ: سَفْكُ دَمٍ حَرامٍ، أو فَرْجٌ حَرامٌ، أو اقتطاعُ مالٍ بغَيرِ حَقٍّ".
"وعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : المجالس بالأمانة"؛ يعني: ينبغي للمؤمن إذا رأى أهلَ مجلسٍ على مُنكَرٍ ألَّا يُشيعَ بما رأى منهم.
"إلا ثلاثةَ مجالس: سفكُ دمٍ حرامٍ"، بأن قال واحد من أهل ذلك المجلس: إني أريد قتلَ فلان.
"أو فرجٌ حرامٌ"، بأن قال: أريد الزِّنا بفلانةَ.
"أو اقتطاعُ مالٍ بغيرِ حقٍّ"، بأن قال: أريد أخذَ مالِ فلانٍ؛ فإنه لا يجوز للمستمعين حفظُ هذا السِّر؛ لأنه فسادٌ كبيرٌ، وإخفاؤُه إضرارٌ عظيمٌ.
* * *
٣٩٤٠ - وقال: "إنَّ مِن أعظَمِ الأَمانةِ عندَ الله تعالى يومَ القِيامةِ: الرَّجُلُ يُفْضي إلى امرأتِهِ وتُفضي إليه ثم يُفشي سِرَّها".
"وعن أبي سعيد الخُدري قال: قال رسول الله ﷺ : إن من أعظم الأمانة": بحذف المضاف؛ أي: أعظمِ خيانةِ الأمانةِ.
"عند الله تعالى يومَ القيامة الرجلَ"؛ أي: خيانةَ الرجلِ.
"يُفضي إلى امرأته"؛ أي: يصلُ إليها استمتاعًا.
"وتُفضي إليه، ثم يُفشِي سرَّها": بأن يتكلم ما جرى بينه وبينها قولًا وفعلًا، قيل: تحريم إفشاء هذا السرِّ إذا لم يترتب عليه فائدةٌ، أما إذا ترتَّب بأن تدَّعي عليه العجزَ عن الجِمَاع، أو إعراضَه عنها، أو نحو ذلك فلا كراهةَ في ذِكرِه.
* * *
стр. 2627
١٩ - باب الرفق والحياء وحسن الخلق
" باب الرِّفق": وهو المداراة ولين الجانب وأخذ الأمر بأحسن الوجوه وأيسرها، والعنف: ضده، "والحياء وحسن الخُلق".
مِنَ الصِّحَاحِ:
٣٩٤١ - عن عائِشةَ ﵂: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "إنَّ الله رَفيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، ويُعطي على الرِّفْقِ ما لا يُعطي على العُنْفِ، وما لا يُعطِي على ما سِواهُ".
"من الصحاح":
" عن عائشة: أن رسولَ الله ﷺ قال: إن الله رفيق"، معناه: أنه يريد بعباده اليُسر ولا يريد بهم العُسر، فلا يكلِّفهم فوقَ طاقتهم، بل يسامحهم وَيلطُف بهم.
"يحب الرِّفق"؛ أي: أن يرفقَ العبادُ بعضُهم بعضًا، ويتلاطفوا فيما بينهم.
"ويعطي على الرِّفق"؛ أي: يعطي من الثواب في مقابلة الرفق أو من المطالب والأغراض "ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على ما سواه"؛ أي: على ما سوى الرفق من الخِصَال الحسنة، وهذا يدل على أن الرفقَ أقوى الأسباب الحسنة كلِّها وأوثقُها.
* * *
٣٩٤٢ - وقال ﷺ لعائِشَةَ ﵂: "عليكِ بالرِّفْقِ، وإيَّاكِ والعُنْفَ والفُحْشَ، إنَّ الرِّفقَ لا يكونُ في شيءٍ إلا زانَهُ، ولا يُنزَعُ مِن شيءٍ إلا شانَهُ".
"وقال ﷺ لعائشة: عليك بالرِّفق، وإياكِ والعنفَ والفحشَ؛ إن الرِّفقَ
стр. 2628
لا يكون في شيء إلا زانَه"؛ أي: زيَّنَه.
"ولا يُنْزَع من شيءٍ إلا شانَه"؛ أي: عابَه.
* * *
٣٩٤٣ - وعن جريرٍ، عن النبيِّ ﷺ قال: "مَن يُحْرَمِ الرِّفْقَ يُحْرَمِ الخَيْرَ".
"وعن جرير، عن النبي ﷺ أنه قال: مَن يُحرَمِ الرفقَ يُحَرمِ الخيرَ"؛ أي: يصير محرومًا منه.
* * *
٣٩٤٤ - وقال: "إنَّ الحياءَ مِن الإيمانِ".
"وعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : إن الحياءَ من الإيمان"؛ أي: مِن شُعَبه.
* * *
٣٩٤٥ - وقال: "الحياءُ لا يأتي إلا بخيرٍ".
ويُروَى: "الحياءُ خيرٌ كلُّه".
"عن عِمران بن حُصين قال: قال رسول الله ﷺ : الحياءُ لا يأتي إلا بخير".
"ويُروى: الحياءُ خيرٌ كلُّه": وهذا عامٌّ أُريد به الخاصُّ؛ أي: الحياء عن فعل ما لا يرضاه الله تعالى خيرٌ كلُّه.
* * *
٣٩٤٦ - وقال: "إنَّ مِمَّا أدركَ النَّاسُ مِن كلامِ النُّبوَّةِ الأولى: إذا لم تَسْتَحِ فاصْنَعْ ما شئتَ".
стр. 2629
"عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : إن مما أَدركَ الناسُ من كلام النبوة الأولى"؛ أي: مما بقي بين الناس، فأدركوه من كلام الأنبياء، وفي إضافة الكلام إلى النبوة إشعارٌ بأن هذا الكلامَ من نتائج الوحي، وفي التقييد بـ (الأولى) إشارةٌ بأن الحياءَ كان مندوبًا إليه في الأولِين، لم يجرِ عليه النسخُ من شرائعهم.
"إذا لم تستحي فاصنعْ ما شئتَ"، قيل: هذا أمرُ تهديدٍ؛ أي: افعلْ ما شئتَ فستُجازَى به، كقوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠]، وفيه إشعارٌ بأن الكافَّ للإنسان عن مواقعة السوء هو الحياءُ، فإذا رفضَه فهو كالمأمور بارتكابِ كلِّ ضلالةٍ وتعاطي كلِّ سيئةٍ، وقيل: لفظُه أمرٌ ومعناه خبرٌ؛ يعني: صنعتَ ما شئتَ، وفيه توبيخٌ له، وقيل: معناه: إذا كنتَ في فعلِك آمنا أن تستحيَ منه لجريك فيه على سَنَنِ الصواب فاصنعْ ما شئتَ.
* * *
٣٩٤٧ - عن النَّواسِ بن سَمْعانَ قال: سألتُ رسولَ الله ﷺ عن البرِّ والإِثمِ، فقال: "البرُّ حُسْنُ الخُلُقِ، والإِثمُ ما حاكَ في صَدْرِكَ وكَرِهتَ أنْ يطَّلِعَ عليهِ الناسُ".
"عن النَّوَّاس" - بفتح النون وتشديد الواو - "ابن سِمْعَان": بكسر السين المهملة وسكون الميم: "أنه قال: سألتُ رسولَ الله ﷺ عن البرِّ والإثم؟ فقال: البرُّ حسنُ الخُلق"، ومن ذلك: العفو عن الذنوب، ومدارة الناس، وتحمُّل أذاهم.
"والإثم ما حاك في صدرك"؛ أي: أثَّر قبحُه في قلبك، أو تردَّد فيه ولم تُرِدْ إظهارَه.
"وكرهتَ أن يطَّلعَ عليه الناس"؛ لقبحه.
* * *
стр. 2630
٣٩٤٨ - وقال: "إنَّ مِن أحبكم إليَّ أَحْسنَكم أَخْلاقًا".
"وقال: إن مِن أحبكم إليَّ أحسنَكم أخلاقًا".
* * *
٣٩٤٩ - وقال: "إنَّ مِن خِيارِكم أَحْسَنَكم أَخْلَاقًا".
"وعن عبد الله بن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : إن من خيارِكم أحسنَكم أخلاقًا"، الخيار: المختار من كل شيء.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٣٩٥٠ - عن عائشةَ ﵂ قالت: قال رسولُ الله ﷺ : "مَن أُعطِيَ حَظَّهُ مِن الرِّفقِ أُعطيَ حَظَّهُ من خيرِ الدُّنيا والآخرةِ، ومَن حُرِمَ حَظَّهُ مِن الرِّفْقِ حُرِمَ حظَّهُ مِن خيرِ الدُّنيا والآخِرَةِ".
"من الحسان":
" عن عائشة ﵂ قالت: قال النبي ﷺ : مَن أُعطِيَ حظَّه من الرفق أُعطِيَ حظَّه من خير الدنيا والآخرة، ومَن حُرِمَ حظَّه من الرفق حُرِمَ حظَّه من خير الدنيا والآخرة".
* * *
٣٩٥١ - عن أبي هُريرَةَ قال: قالَ رَسولُ الله ﷺ : "الحياءُ مِن الإِيمانِ، والإيمانُ في الجَنَّةِ، والبَذَاءُ مِن الجَفاءِ، والجَفاءُ في النَّارِ".
"وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : الحياءُ من الإيمان، والإيمانُ"؛ أي: أهلُ الإيمان "في الجنة، والبَذَاء" بفتح الباء: ضد الحياء.