٣٩٣٩ - وقال: "المَجالِسُ بالأَمانةِ إلا ثلاثةَ مَجالسٍ: سَفْكُ دَمٍ حَرامٍ، أو فَرْجٌ حَرامٌ، أو اقتطاعُ مالٍ بغَيرِ حَقٍّ".
"وعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : المجالس بالأمانة"؛ يعني: ينبغي للمؤمن إذا رأى أهلَ مجلسٍ على مُنكَرٍ ألَّا يُشيعَ بما رأى منهم.
"إلا ثلاثةَ مجالس: سفكُ دمٍ حرامٍ"، بأن قال واحد من أهل ذلك المجلس: إني أريد قتلَ فلان.
"أو فرجٌ حرامٌ"، بأن قال: أريد الزِّنا بفلانةَ.
"أو اقتطاعُ مالٍ بغيرِ حقٍّ"، بأن قال: أريد أخذَ مالِ فلانٍ؛ فإنه لا يجوز للمستمعين حفظُ هذا السِّر؛ لأنه فسادٌ كبيرٌ، وإخفاؤُه إضرارٌ عظيمٌ.
* * *
٣٩٤٠ - وقال: "إنَّ مِن أعظَمِ الأَمانةِ عندَ الله تعالى يومَ القِيامةِ: الرَّجُلُ يُفْضي إلى امرأتِهِ وتُفضي إليه ثم يُفشي سِرَّها".
"وعن أبي سعيد الخُدري قال: قال رسول الله ﷺ : إن من أعظم الأمانة": بحذف المضاف؛ أي: أعظمِ خيانةِ الأمانةِ.
"عند الله تعالى يومَ القيامة الرجلَ"؛ أي: خيانةَ الرجلِ.
"يُفضي إلى امرأته"؛ أي: يصلُ إليها استمتاعًا.
"وتُفضي إليه، ثم يُفشِي سرَّها": بأن يتكلم ما جرى بينه وبينها قولًا وفعلًا، قيل: تحريم إفشاء هذا السرِّ إذا لم يترتب عليه فائدةٌ، أما إذا ترتَّب بأن تدَّعي عليه العجزَ عن الجِمَاع، أو إعراضَه عنها، أو نحو ذلك فلا كراهةَ في ذِكرِه.
* * *
стр. 2627
١٩ - باب الرفق والحياء وحسن الخلق
" باب الرِّفق": وهو المداراة ولين الجانب وأخذ الأمر بأحسن الوجوه وأيسرها، والعنف: ضده، "والحياء وحسن الخُلق".
مِنَ الصِّحَاحِ:
٣٩٤١ - عن عائِشةَ ﵂: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "إنَّ الله رَفيقٌ يُحِبُّ الرِّفْقَ، ويُعطي على الرِّفْقِ ما لا يُعطي على العُنْفِ، وما لا يُعطِي على ما سِواهُ".
"من الصحاح":
" عن عائشة: أن رسولَ الله ﷺ قال: إن الله رفيق"، معناه: أنه يريد بعباده اليُسر ولا يريد بهم العُسر، فلا يكلِّفهم فوقَ طاقتهم، بل يسامحهم وَيلطُف بهم.
"يحب الرِّفق"؛ أي: أن يرفقَ العبادُ بعضُهم بعضًا، ويتلاطفوا فيما بينهم.
"ويعطي على الرِّفق"؛ أي: يعطي من الثواب في مقابلة الرفق أو من المطالب والأغراض "ما لا يعطي على العنف، وما لا يعطي على ما سواه"؛ أي: على ما سوى الرفق من الخِصَال الحسنة، وهذا يدل على أن الرفقَ أقوى الأسباب الحسنة كلِّها وأوثقُها.
* * *
٣٩٤٢ - وقال ﷺ لعائِشَةَ ﵂: "عليكِ بالرِّفْقِ، وإيَّاكِ والعُنْفَ والفُحْشَ، إنَّ الرِّفقَ لا يكونُ في شيءٍ إلا زانَهُ، ولا يُنزَعُ مِن شيءٍ إلا شانَهُ".
"وقال ﷺ لعائشة: عليك بالرِّفق، وإياكِ والعنفَ والفحشَ؛ إن الرِّفقَ
стр. 2628
لا يكون في شيء إلا زانَه"؛ أي: زيَّنَه.
"ولا يُنْزَع من شيءٍ إلا شانَه"؛ أي: عابَه.
* * *
٣٩٤٣ - وعن جريرٍ، عن النبيِّ ﷺ قال: "مَن يُحْرَمِ الرِّفْقَ يُحْرَمِ الخَيْرَ".
"وعن جرير، عن النبي ﷺ أنه قال: مَن يُحرَمِ الرفقَ يُحَرمِ الخيرَ"؛ أي: يصير محرومًا منه.
* * *
٣٩٤٤ - وقال: "إنَّ الحياءَ مِن الإيمانِ".
"وعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : إن الحياءَ من الإيمان"؛ أي: مِن شُعَبه.
* * *
٣٩٤٥ - وقال: "الحياءُ لا يأتي إلا بخيرٍ".
ويُروَى: "الحياءُ خيرٌ كلُّه".
"عن عِمران بن حُصين قال: قال رسول الله ﷺ : الحياءُ لا يأتي إلا بخير".
"ويُروى: الحياءُ خيرٌ كلُّه": وهذا عامٌّ أُريد به الخاصُّ؛ أي: الحياء عن فعل ما لا يرضاه الله تعالى خيرٌ كلُّه.
* * *
٣٩٤٦ - وقال: "إنَّ مِمَّا أدركَ النَّاسُ مِن كلامِ النُّبوَّةِ الأولى: إذا لم تَسْتَحِ فاصْنَعْ ما شئتَ".
стр. 2629
"عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : إن مما أَدركَ الناسُ من كلام النبوة الأولى"؛ أي: مما بقي بين الناس، فأدركوه من كلام الأنبياء، وفي إضافة الكلام إلى النبوة إشعارٌ بأن هذا الكلامَ من نتائج الوحي، وفي التقييد بـ (الأولى) إشارةٌ بأن الحياءَ كان مندوبًا إليه في الأولِين، لم يجرِ عليه النسخُ من شرائعهم.
"إذا لم تستحي فاصنعْ ما شئتَ"، قيل: هذا أمرُ تهديدٍ؛ أي: افعلْ ما شئتَ فستُجازَى به، كقوله تعالى: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ [فصلت: ٤٠]، وفيه إشعارٌ بأن الكافَّ للإنسان عن مواقعة السوء هو الحياءُ، فإذا رفضَه فهو كالمأمور بارتكابِ كلِّ ضلالةٍ وتعاطي كلِّ سيئةٍ، وقيل: لفظُه أمرٌ ومعناه خبرٌ؛ يعني: صنعتَ ما شئتَ، وفيه توبيخٌ له، وقيل: معناه: إذا كنتَ في فعلِك آمنا أن تستحيَ منه لجريك فيه على سَنَنِ الصواب فاصنعْ ما شئتَ.
* * *
٣٩٤٧ - عن النَّواسِ بن سَمْعانَ قال: سألتُ رسولَ الله ﷺ عن البرِّ والإِثمِ، فقال: "البرُّ حُسْنُ الخُلُقِ، والإِثمُ ما حاكَ في صَدْرِكَ وكَرِهتَ أنْ يطَّلِعَ عليهِ الناسُ".
"عن النَّوَّاس" - بفتح النون وتشديد الواو - "ابن سِمْعَان": بكسر السين المهملة وسكون الميم: "أنه قال: سألتُ رسولَ الله ﷺ عن البرِّ والإثم؟ فقال: البرُّ حسنُ الخُلق"، ومن ذلك: العفو عن الذنوب، ومدارة الناس، وتحمُّل أذاهم.
"والإثم ما حاك في صدرك"؛ أي: أثَّر قبحُه في قلبك، أو تردَّد فيه ولم تُرِدْ إظهارَه.
"وكرهتَ أن يطَّلعَ عليه الناس"؛ لقبحه.
* * *
стр. 2630
٣٩٤٨ - وقال: "إنَّ مِن أحبكم إليَّ أَحْسنَكم أَخْلاقًا".
"وقال: إن مِن أحبكم إليَّ أحسنَكم أخلاقًا".
* * *
٣٩٤٩ - وقال: "إنَّ مِن خِيارِكم أَحْسَنَكم أَخْلَاقًا".
"وعن عبد الله بن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : إن من خيارِكم أحسنَكم أخلاقًا"، الخيار: المختار من كل شيء.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٣٩٥٠ - عن عائشةَ ﵂ قالت: قال رسولُ الله ﷺ : "مَن أُعطِيَ حَظَّهُ مِن الرِّفقِ أُعطيَ حَظَّهُ من خيرِ الدُّنيا والآخرةِ، ومَن حُرِمَ حَظَّهُ مِن الرِّفْقِ حُرِمَ حظَّهُ مِن خيرِ الدُّنيا والآخِرَةِ".
"من الحسان":
" عن عائشة ﵂ قالت: قال النبي ﷺ : مَن أُعطِيَ حظَّه من الرفق أُعطِيَ حظَّه من خير الدنيا والآخرة، ومَن حُرِمَ حظَّه من الرفق حُرِمَ حظَّه من خير الدنيا والآخرة".
* * *
٣٩٥١ - عن أبي هُريرَةَ قال: قالَ رَسولُ الله ﷺ : "الحياءُ مِن الإِيمانِ، والإيمانُ في الجَنَّةِ، والبَذَاءُ مِن الجَفاءِ، والجَفاءُ في النَّارِ".
"وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : الحياءُ من الإيمان، والإيمانُ"؛ أي: أهلُ الإيمان "في الجنة، والبَذَاء" بفتح الباء: ضد الحياء.
стр. 2631
"من الجَفَاء": وهو خلاف البر.
"والجفاءُ"؛ أي: أهلُ الجفاء "في النار".
* * *
٣٩٥٢ - وعن أُسامَةَ بن شَريكٍ قال: قالوا: يا رسولَ الله! ما خيرُ ما أُعْطِيَ الإنسانُ؟ قال: "الخُلُقُ الحَسَنُ".
"عن أسامة بن شَرِيك": قيل: هو المدفون بتلٍّ من تلال سَهَنْد جبل على ستة فراسخ من تِبريز.
"قال: قالوا: يا رسولَ الله! ما خيرُ ما أُعطِيَ الناسُ؟ قال: الخُلقُ الحَسنُ".
* * *
٣٩٥٣ - عن حارِثَةَ بن وَهْبٍ، قالَ رسولُ الله ﷺ : "لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ الجَوَّاظُ ولا الجَعْظَرِيُّ"، قال: الجَوَّاظُ: الذي جَمَعَ ومَنَعَ، والجَعْظَرِيُّ: الغَليظُ الفَظُّ.
"عن حارثة بن وهب قال: قال ﷺ : لا يدخلُ الجنةَ الجَوَّاظُ" بفتح الجيم والواو المشددة: الجَمُوع المَنُوع، وقيل: الكثير اللحم، المختال في مشيه.
"ولا الجَعْظَرِي" بفتح الجيم وسكون العين وكسر الراء المهملتين وفتح الظاء المعجمة: المتكثِّر بما ليس عنده، وقيل: سييء الخُلق، وقيل: الدفَّاع المنَّاع.
"قيل: الجَوَّاظ: الغليظُ الفَظُّ"؛ أي: المتكبر.
* * *
стр. 2632
٣٩٥٤ - عن أبي الدَّرْداءَ، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "إنَّ أثقلَ شَيءٍ يُوضَعُ في ميزانِ المُؤْمنِ يومَ القِيامةِ خُلُق حَسَنٌ، وإنَّ الله يُبغِضُ الفاحِشَ البَذيءَ"، صحيح.
"وعن أبي الدرداء ﵁، عن النبي ﷺ قال: إن أثقلَ شيءٍ يُوضَعُ في ميزان المؤمن يومَ القيامة خُلقٌ حسن، وإن الله يُبغض الفاحشَ البذيءَ.
صحيح".
* * *
٣٩٥٥ - وعن عائِشَةَ، عن رَسولِ الله ﷺ قال: "إنَّ المُؤْمِنَ لَيُدرِكُ بحُسْنِ خُلُقِه درجَةَ قائمِ اللَّيلِ وصائِم النَّهارِ".
"عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : إن المؤمنَ لَيدركُ بحسن خُلقه درجةَ قائم الليل وصائم النهار".
* * *
٣٩٥٦ - وعن أبي ذرٍّ قال: قال لي رَسولُ الله ﷺ : "اتَّقِ الله حَيْثُما كنتَ، وأَتبعِ السَّيئةَ الحَسَنةَ تَمْحُهَا، وخالِقِ النَّاسَ بخُلُقٍ حَسَنٍ".
"عن أبي ذَرٍّ ﵁ قال: قال لي رسولُ الله ﷺ : اتَّقِ الله حيث ما كنتَ وأَتبعِ السيئةَ الحسنةَ تَمْحُها"، فعُلِمَ منه أن العبدَ لا يستغني في حالٍ من الأحوال عن محوِ آثار السيئات عن قلبه، بمباشرة حسناتٍ تضادُّ آثارُها آثارَ تلك السيئات؛ فسماعُ الملاهي يكفَّر بسماع القرآن ومجالس الذِّكر، وشربُ الخَمر يكفَّر بالتصدُّق بكل شراب حلال، فقِسْ على هذا؛ لأن المرضَ يُعالَج بضدِّه.
"وخالِقِ الناسَ بخُلقٍ حسنٍ"؛ أي: استَعمِلِ الخُلقَ الحسنَ معهم.
* * *
стр. 2633
٣٩٥٧ - عن عبدِ الله بن مَسْعودٍ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ "ألا أُخْبرُكم بِمَن يَحرُمُ على النَّارِ وبمَن تَحْرُمُ النَّارُ عليهِ؟ على كلِّ هَينٍ لَينٍ قريبٍ سَهْلٍ"، غريب.
"عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : ألا أُخبركم بمن يَحرُم على النار"؛ أي: لا يُطرَح فيها ولا يَدخلها.
"وبمن تَحرُم النارُ عليه؟ "؛ أي: لا تَصِلُ إليه.
"على كل هين" من: الهون، وهو السهولة.
"لين"؛ أي: حليم، ضد الخشونة، قيل: هما يُطلَقان على الإنسان بالتثقيل والتخفيف، وعلى غيره بالتشديد على الأصل.
وعن ابن الأعرابي: بالتخفيف للمدح، وبالتشديد للذم.
"قريب" من الناس بمجالستهم وملاطفتهم.
"سهل"؛ أي: في قضاء حوائجهم وتمشية أمورهم وإعانتهم.
"غريب".
* * *
٣٩٥٨ - عن أبي هريرةَ، عن النَّبيِّ ﷺ قالَ: "المُؤْمِنُ غِرٌّ كريمٌ، والفاجِرُ خِبٌّ لئيمٌ".
"عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: المؤمنُ غِرٌّ" بكسر الغين المعجمة: الذي لم يجرِّب الأمور.
"كريم، والفاجر خَبٌّ" بفتح الخاء المعجمة: ضد (الغِرِّ)، وهو الخدَّاع، وقد يُكسَر.
"لئيم"، والمعنى: أن المؤمنَ المحمودَ: مَن في طبعه غرارةٌ وقلةُ شرٍّ
стр. 2634
وتركُ بحثٍ عنه، وليس ذلك منه جهلًا، بل كرمًا وحسنَ خلقٍ، والفاجرُ: مَن كانت عادتُه الدهاءَ والبحثَ عن الشرِّ؛ لا على أنه عقلٌ منه، بل خبثٌ ولؤمٌ.
* * *
٣٩٥٩ - وقال: "المُؤمنونَ هَينونَ لَينونَ، كالجَمَلِ الأَنِفِ، إنْ قِيدَ انقادَ، وإنْ أُنيخَ على صَخْرةٍ استناخَ"، مُرسَلٌ.
"وعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : المؤمنون هينون لينون": هما جمعا (هين) و (لين).
"كالجمل الأَنِف" بفتح الهمزة وكسر النون، وبالقصر في الصحيح: هو البعير الذي أثرت البُرَةُ في أنفه، فصار أنفُه مجروحًا، ويكون إذ ذاك أشدَّ انقيادًا.
يقال: أنِفَ البعيرُ يَأنَف - بالكسر - أنِفًا، فهو آنف: إذا اشتكى أنفُه من الخشاش المدخول في عظم أنفه، وهو من خشب، والبُرَة من صُفْرٍ، والكاف مرفوعة محلًا خبرًا ثانيًا؛ أي: كلُّ واحدٍ منهم كالجمل الأَنِف، أو منصوبة المحل صفة مصدر محذوف؛ أي: لينًا مثلَ لِين الجمل الأَنِف.
"إنْ قِيدَ انقادَ، وإن أُنِيخَ إلى صخرة استَناخَ"، والمعنى: أن المؤمنَ شديدُ الانقياد للشارع في أوامره ونواهيه، وذكر الصخرةَ في جانب الإناخة؛ لأنها عليها شاقةٌ؛ أي: هو كثيرُ تحمّل المشاقِّ.
"مرسل".
* * *
٣٩٦٠ - وعن ابن عمرَ، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "المُسْلِمُ الذي يُخالِطُ النَّاسَ ويَصبرُ على أذاهُمْ، أَفْضَلُ مِن الذي لا يُخالِطُهم ولا يَصْبرُ على أذاهُمْ".
стр. 2635
"عن ابن عمر ﵄ قال: المسلم الذي يخالط الناسَ ويصبر على أذاهم أفضلُ من الذي لا يخالطهم، ولا يصبرهم على أذاهم".
* * *
٣٩٦١ - وعن سهلِ بن مُعاذٍ، عن أبيه: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "مَن كَظَمَ غَيْظًا وهو يقدِرُ على أنْ يُنْفِذَهُ دعاهُ الله على رُؤوسِ الخَلائقِ يومَ القِيامةِ، حتى يُخَيرَهُ في أيِّ الحُورِ شاءَ"، غريب.
وفي رِوايةٍ: "مَلأَ الله قلبَه أَمْنًا وإيمانًا".
وزادَ بعضُهم: "مَن تركَ لُبْسَ ثَوْبِ جَمالٍ وهو يقدِرُ عليهِ - أَحْسِبُه قال: - تواضُعًا كساهُ الله حُلَّةَ الكَرامةِ، ومَن تَزَوَّجَ للهِ توَّجَهُ الله تاجَ المُلكِ".
"عن سهل بن معاذ، عن أبيه: أن النبي ﷺ قال: مَن كظمَ غيظًا"؛ أي: اجتَرعَ غضبًا كامنًا.
"وهو يَقدِر على أن يُنفِذَه"؛ أي: يُمضيَه، من: الإنفاذ، الإمضاء.
"دعاه الله على رؤوس الخلائق يومَ القيامة حتى يخيرَه في أيِّ الحُورِ شاء.
غريب".
"وفي رواية: ملأ قلبَه أمنًا وإيمانًا، وزاد بعضهم"؛ أي: بعضُ الرواة على الحديث المذكور روايةً عنه ﷺ : "مَن تركَ لبسَ ثوبِ جمالٍ، وهو يَقدِر عليه، أَحسِبه"؛ أي: قال الراوي: أظنُّ النبيَّ ﷺ "قال: تواضعًا" - مفعول له لقوله: (ترك) - "كَسَاه الله حُلَّةَ الكرامة"؛ أي: زينتها.
"ومَن تزوَّج لله توَّجه الله"؛ أي: أَلبسَه "تاج الملك".
* * *
стр. 2636
٢٠ - باب الغضب والكبر
(باب الغضب والكِبْر)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٣٩٦٢ - عن أبي هريرةَ ﵁: أنَّ رَجُلًا قال للنَّبيِّ ﷺ : أَوْصني، قال: "لا تَغضَبْ"، فرَدَّدَ مِرارًا، قال: "لا تَغضَبْ".
"من الصحاح":
" عن أبي هريرة ﵁: أن رجلًا قال للنبي ﷺ : أوصِني، قال: لا تَغضبْ، فردَّد"؛ أي: فردَّد الرجلُ السؤالَ "مرارًا، قال: لا تغضبْ": يحتمل أن يكون الرجلُ المُستوصِي مبتلًى بالقوة الغضبية، وعَرفَ ﷺ ذلك منه بالكشف لأحوال الناس؛ إما بالاطلاع الإلهي، أو بالفِراسة الصادقة، فأجابه بكل مرة بكسر تلك القوة.
* * *
٣٩٦٣ - وقال: "ليسَ الشَّديدُ بالصُّرَعَةِ، إنَّما الشَّديدُ الذي يَمْلِكُ نفسَهُ عندَ الغَضَبِ".
"عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ليس الشديدُ"؛ أي: القويُّ.
"بالصُّرَعة": وهي بضم الصاد وفتح الراء المهملتين للمبالغة؛ أي: يُكثِر الصَّرْعَ، وهو الإسقاط؛ يعني: ليس القويُّ مَن يكون قادرًا على إسقاط خصومه.
"إنما الشديدُ الذي يَملِك نفسَه عند الغضب"؛ يعني: إنما القويُّ مَن يَقدِر
стр. 2637
على أن يَقهرَ أقوى أعدائه، وهو النَّفْسُ، عند الغضب، حوَّل ﷺ معنى هذا الاسم من أمر الدنيا إلى أمر الدين.
* * *
٣٩٦٤ - وقال: "ألا أُخبرُكم بأَهْلِ الجَنَّةِ؟ كلُّ ضَعيفٍ مُتَضَعِّفٍ، لو أَقْسَمَ على الله لأبَرَّهُ، ألا أُخبرُكُم بأهْلِ النَّارِ؟ كلُّ عُتُلٍّ جَوَّاظٍ مُسْتكْبرٍ".
ويُروَى: "كلُّ جَوَّاظٍ زَنيمٍ مُتكبرٍ".
"عن حارثة بن وهب قال: قال رسول الله ﷺ : ألا أخبركم بأهل الجنة؟ كلَّ ضعيفٍ متضعَّف" بفتح العين؛ أي: مَن يستضعفه الناسُ ويحتقرونه.
ورُوي بكسر العين؛ أي: متواضع، قيل: المراد به: الخاضع لله تعالى.
"لو أَقسَمَ على الله"، بأن يقول: بحقِّك يا ربِّ! افعلْ كذا.
"لأَبرَّه"؛ أي: لأَمضاه على الصدق، والضمير المفعول للقَسَم الدال عليه (أقسم).
"ألا أخبركم بأهل النار؟ كلُّ عُتُلٍّ": وهو بضم العين والتاء وتشديد اللام - الشديد الخصومة بالباطل، وقيل: الفَظُّ الغليظ الذي لا ينقاد ويتجبّر.
"جَوَّاظ (١) " بفتح الجيم وتشديد الواو وبالظاء المعجمة، وهو الذي يجمع ويمنع، وقيل: السَّمين الثقيل من المعاشرة والتنعُّم.
"مُستكبر، ويروى: كلُّ جَوَّاظٍ زَنِيمٍ": وهو المُلحَق في النَّسَب بقومٍ ليس منهم، شُبه بالزَّنَمَة، وهي شيءٌ يُقطَع من أذن الشاة ويُترك معلقًا بها، وقيل: الفاخر، وقيل: اللئيم.
"متكبر".
стр. 2638
والمراد بالحديث: أن أغلبَ أهل الجنة والنار هذان الفريقان.
* * *
٣٩٦٥ - وقال: "لا يدخُلُ النَّارَ أَحَدٌ في قلبهِ مِثْقالُ حَبَّةٍ من خَرْدلٍ مِن إيمانٍ، ولا يَدْخُلُ الجَنَّةَ أَحَدٌ في قلبهِ مِثْقالُ حبةٍ من خَرْدلٍ مِن كبْرياءَ".
"وعن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : لا يدخل النارَ أحدٌ في قلبه مثقالُ حبةٍ من خَردلٍ من إيمانٍ، ولا يدخل الجنةَ أحدٌ في قلبه مثقالُ حبةٍ من خردلٍ من كبرياء"، يريد به: كِبْر الكفر؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠]، وبدليل مقابلته بالإيمان، وأراد بالدخول: دخولَ تأبيد، أو أراد: أنه لا يدخل المؤمنُ المتكبر الجنةَ حتى يعذَّب بقَدْر تكبُّره وتجبُّره، أو يُعفَى عنه، أو إذا دخل الجنةَ نُزِعَ ما في قلبه من كِبْرٍ؛ ليدخلَها بلا كِبْر، كما قال الله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ [الأعراف: ٤٣].
* * *
٣٩٦٦ - وقال: "لا يَدْخُلُ الجَنَّةَ أحدٌ في قلبهِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ مِن كِبْرٍ"، فقالَ رجلٌ: إنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أنْ يكونَ ثوبُه حَسَنًا، ونَعْلُهُ حسنًا؟ قالَ: إنَّ الله جَميلٌ يُحبُّ الجَمالَ، الكِبْرُ: بَطَرُ الحَقِّ وغَمْطُ النَّاسِ".
"وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : لا يدخل الجنةَ أحدٌ في قلبه مثقالُ ذَرَّةٍ من كِبْرٍ"، و (المِثقال) في الأصل: مقدار من الوزن أي شيء كان، من قليل أو كثير، فمعنى (مثقال ذَرَّة): وزنها، والذَّرَّة: واحدة الذَّرِّ، وهو النمل الأحمر الصغير، وقيل: يُراد بها ما يُرى في شعاع الشمس الداخل في الكُوة.
"فقال رجل"، قيل: هو معاذ بن جبل، وقيل: عبد الله بن عمرو بن العاص، وقيل: ربيعة بن عامر.
стр. 2639
"إن الرجلَ يحبُّ أن يكونَ ثوبُه حسنًا ونعلُه حسنًا؟ فقال: إن الله جميلٌ"؛ أي: حسنُ الأفعالِ كاملُ الأوصافِ.
"يحبُّ الجمالَ. الكِبْرُ بَطَرُ الحق"، و (البَطَر): هو الطغيان عند النعمة وطول الغنى: والمراد هنا: أن يجعل ما جعلَه الله حقًّا من توحيده وعبادته باطلًا.
قال الكِسائي: هو أن يتكبَّر عن الحق من أوامر الله ونواهيه.
"وغَمْطُ الناسِ"؛ أي: احتقارُهم وازدراؤهم.
* * *
٣٩٦٧ - وقال: "ثلاثةٌ لا يُكلِّمُهم الله يومَ القِيامَةِ ولا يُزَكِّيهم - ويُرْوَى: ولا يَنظُرُ إليهم - ولهم عَذابٌ أليمٌ: شيخٌ زانٍ، ومَلِكٌ كذَّابٌ، وعائِلٌ مُسْتكبرٌ".
"وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ثلاثةٌ لا يكلِّمهم الله يومَ القيامة"؛ أي: كلامَ الرضا.
"ولا يزكِّيهم"؛ أي: لا يطهِّرهم من دَنَس ذنوبهم.
"ويروى: ولا ينظر إليهم"؛ أي: لا يَلطُف بهم.
"ولهم عذابٌ أليمٌ: شيخٌ زانٍ"؛ لأن الزنا إذا كان قبيحًا من الشاب - مع كونه معذورًا طبعًا - فمِنَ الشيخ المنطفئ شهوتُه يكون أقبحَ.
"ومَلِكٌ كذَّاب"؛ لأن الكذبَ مع كونه محظورًا يكون غالبًا لغرضٍ، كجلبِ نفعٍ ودفعِ ضرٍّ، فمِنَ الملكِ القادرِ عليه بدونه يكون أقبحَ.
"وعائل مستكبر"؛ أي: فقير متكبر؛ لأن كِبْرَه - مع انعدام سبب فيه من المال أو الجاه - يدل على كون طبعه لئيمًا، وقيل: العائل: ذو العيال، فتكبُّرُه
стр. 2640
عن سؤال الصدقة والزكاة، وعدم قَبوله ما يسدُّ خَلَّتَه وخَلَّةَ عياله، لم يكن إلا لاستيلاء هذه الرذيلة عليه، بحيث يلحقه وعيالَه الضررُ من تكبُّره.
* * *
٣٩٦٨ - وقال: "قالَ الله تعالى: الكِبْرِياءُ رِدائي، والعَظَمةُ إزاري، فمَن نازَعَني واحِدًا منهما قَذَفتُهُ في النَّارِ".
"وعن أبي سعيد وأبي هريرة ﵄: قال رسول الله ﷺ : قال الله تعالى: الكِبرياء ردائي، والعَظَمةُ إزاري؛ فمَن نازَعَني واحدًا منها قذفتُه في النار": تقدم بيانه في الباب الأول من الكتاب.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٣٩٦٩ - عن سَلَمَةَ بن الأَكْوَعِ ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "لا يزالُ الرَّجُلُ يذهَبُ بنفْسِه حتى يُكتَبَ في الجبَّارِينَ، فيُصيبُهُ ما أصابَهم".
"من الحسان":
" عن سَلَمة بن الأكوع قال: قال رسول الله ﷺ : لا يزال الرجلُ يَذهب بنفسه". الباء فيه: للتعدية؛ أي: يُعلِي نفسَه ويُبعدها عن الناس في المرتبة ويعتقدها عظيمةَ القَدْر، ويحتمل أن يكون للمصاحبة، فمعناه: يرافق نفسَه في ذهابها إلى الكِبْر ويعزِّزها ويكرِّمها.
"حتى يُكتبَ في الجبَّارين، فيصيبه"؛ أي: الرجلَ "ما أصابهم" من بلاء الدنيا وعذاب الآخرة.
* * *
стр. 2641
٣٩٧٠ - عن عَمْرِو بن شُعَيبٍ، عن أَبيه، عن جَدِّه، عن رسولِ الله ﷺ قال: "يُحشَرُ المُتكبرونَ أمثالَ الذَّرِّ يومَ القيامةِ في صُورة الرِّجالِ، يَغشاهُم الذُّلُّ مِن كلِّ مَكانٍ، يُساقونَ إلى سِجْنٍ في جَهَنَّم يُسَمَّى: بُولَسَ، تَعْلُوهم نارُ الأَنيارِ، يُسْقَوْنَ مِن عُصارةِ أهلِ النَّارِ طِينةَ الخَبَالِ".
"وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﷺ قال: يُحشَر المتكبرون أمثالَ الذَّرِّ" بفتح الذال المعجمة وتشديد الراء: جمع ذَرَّة.
"يومَ القيامة في صورة الرجال"، يريد: أن صُوَرَهم صورةُ الإنسان، وجُثَثَهم النملُ الصِّغارُ.
"يغشاهم"؛ أي: يأتيهم.
"الذلُّ من كل مكان"؛ أي: من كل جانب؛ يعني: يكونون على غاية الذل والحقارة، يَطؤُهم أهلُ المَحشر بأرجلهم.
"يُساقون إلى سجنٍ في جهنم يُسمى: بَولَس" بفتح الباء الموحدة وسكون الواو وفتح اللام وكسرها: فَوعَل من: الإبلاس، بمعنى: اليأس، ولعل هذا السجنَ يُسمى به ليأسِ داخلهِ من الخلاص.
"تعلوهم نارُ الأنيار" جمع: نار، ومعنى (نار الأنيار): هو أنه كأن هذه النارَ لفرط إحراقها وشدة حرها تفعل بسائر النيران فعلَ النار بغيرها.
"يُسقَون من عُصَارةِ أهلِ النارِ طينةَ الخَبال" بفتح الخاء المعجمة: اسم عُصَارة أهل النار، وهو ما يَسيل منهم من الصَّديد والقَيح والدم.
* * *
٣٩٧١ - عن عَطِيَّةَ بن عُرْوةَ السَّعديِّ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "إنَّ الغَضَبَ مِن الشَّيطانِ، وإنَّ الشَّيطانَ خُلِقَ مِن النَّارِ، وإنَّما تُطْفَأُ النَّارُ بالماءِ، فإذا
стр. 2642
غَضبَ أحدُكم فليتَوَضَّأْ".
"عن عطية بن عروة السعدي قال: قال رسول الله ﷺ : إن الغضبَ من الشيطان، وإن الشيطانَ خُلِقَ من النار، وإنما تُطفَأ النارُ بالماء؛ فإذا غضب أحدكم فَلْيتوضَأ"؛ فإن فيه اشتغالًا مانعًا من البطش، وذِكرُ الله تعالى مُبعِدٌ للشيطان ومُسكِّنٌ لثائرة الغضب ببركة العبادة والذِّكر.
* * *
٣٩٧٢ - وعن أبي ذَرٍّ: أنَّ رسولُ الله ﷺ قال: "إذا غَضبَ أَحَدُكم وهو قائِمٌ فلْيَجْلِسْ، فإنْ ذَهَبَ عنه الغَضَبُ وإلا فَلْيَضْطَجِعْ".
"عن أبي ذر قال: قال رسول الله ﷺ : إذا غضبَ أحدكم وهو قائم فَلْيجلسْ، فإن ذهب عنه الغضبُ وإلا فَلْيَضطجِعْ": إنما أَمر الغضبانَ بالقعود والاضطجاع؛ لئلا يحصلَ منه حالَ غضبه ما يَندَم عليه، فإن المضطجعَ أَبعدُ من الحركة والبطش من القاعد، وهو من القائم.
* * *
٣٩٧٣ - عن أسماءَ بنت عُمَيْس: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "بِئْسَ العَبْدُ عبدٌ تخيَّلَ واختالَ، ونَسِيَ الكبيرَ المُتَعالِ، بِئْسَ العَبْدُ عَبْدٌ تجبَّرَ واعتدَى، ونسيَ الجَبَّارَ الأَعْلى، بئْسَ العَبْدُ عبدٌ سَها ولها، ونَسِيَ المَقابرَ والبلَى، بِئْسَ العَبْدُ عَبْدٌ عَتا وطَغَى، وَنَسيَ المُبتدَأَ والمُنتَهى، بِئْسُ العَبْدُ عَبْدٌ يَخْتِلُ الدُّنْيا بالدِّينِ، بِئْسَ العَبْدُ عبدٌ يَخْتِل الدِّينَ بالشُّبُهاتِ، بئسَ العَبْدُ عبدٌ طَمَعٌ يقودُه، بئسَ العَبْدُ عبدٌ هَوًى يُضلُّه، بئسَ العَبْدُ عبدٌ رَغَبٌ يُذِلُّه"، غريب.
"عن أسماء بنت عُميس قالت: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: بئسَ العبدُ عبدٌ تخيَّل"، من: الخُيَلاء، الكِبْر والعُجْب، أو تُخيل له أنه خيرٌ من غيره،
стр. 2643
واعتقد نفسَه عظيمةً.
"واختال"؛ أي: تكبَّر وتجبَّر.
"ونسيَ الكبيرَ المتعال"؛ أي: نسيَ أن الكبرياءَ والتعالي ليس إلا لله تعالى.
"بئسَ العبدُ عبدٌ تجبَّر واعتدى"؛ أي: جاوَزَ قَدْرَه بأن يتكبَّر، وأعرضَ عن أوامر الله تعالى.
"ونسيَ الجبارَ الأعلى، بئسَ العبدُ عبدٌ سَهَا"؛ أي: صار غافلًا عن الحق والطاعة، وإلا فسائر الأنبياء والصُّلَحاء قد سَهَوا، ومنه قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ [الماعون: ٤ - ٥].
"ولَهَا"؛ أي اشتغل باللهو واللعب والهَذَيان.
"ونسيَ المقابرَ والبلَى" بكسر الباء وفتح اللام: هو الخُلُوقة، بأن يصيرَ الشخصُ في القبر رميمًا رُفاتًا.
"بئسَ العبدُ عبدٌ عتا"؛ أي: تجبَّر وتكبَّر.
"وطَغَى"؛ أي: جاوَزَ الحدَّ في الشر.
"ونسيَ المُبتدَأَ"؛ أي: ابتداءَ خَلقِه، وهو النُّطفة ثم العَلَقة، فأنعمَ الله عليه فصوَّرُه صورةَ حسنةً. ورزقَه من أنواع النِّعَم، فلم يشكر هذه النِّعَمَ.
"والمُنتهى": وهو القبر والقيامة؛ أي: الذي إليه عَودُه، وهو التراب، وكأن هذا إشارةٌ منه ﷺ إلى التحريض على معرفة المَبدأ والمَعاد، النافعِ يومَ التناد.
"بئسَ العبدُ عبدٌ يَختِل الدنيا بالدِّين"؛ أي: يَخدع أهلَ الدنيا بعمل الصُّلَحاء وأهل الديانة؛ ليعتقدوا فيه؛ لينالَ منهم مالًا وجاهًا، من: (خَتَلَ الذئبُ الصيدَ): خدعَه وتخفَّى له، وخَتَلَ الصائدُ مشيَه للصيد قليلًا في خفيةٍ؛ لئلا
стр. 2644
يسمعَ حسًّا، شبَّه فعلَ المُظهِرِ دِينًا وورعًا ذريعةً إلى تحصيل الدنيا بختل الذئب والصائد وخدعهما للصيد.
"بئسَ العبدُ عبدٌ يَختِل الدِّينَ بالشُّبهات"، أي: يقع في الحرام بالتأويل؛ أي: يجعل الإتيانَ بالشُّبهات أساسَ دِينه، ويَخدع أهلَ المِلَّة بذلك مُظهِرًا لهم مهارتَه في الدِّين.
"بئسَ العبدُ عبدٌ طمعٌ": هو وصفٌ بالمصدر مبالغةً، أو على تقدير: ذو طمع، أو له طمع "يقوده"، وكذا في قوله:
"بئسَ العبدُ عبدٌ هَوًى يُضلُّه"، ولو قُرِئ بالإضافة - كما ذُكر في شرحٍ - بها لَجازَ واستقامَ بلا تكلُّف.
"بئسَ العبدُ عبدٌ رُغْبٌ": وهو - بضم الراء وسكون الغين المعجمة: الشَّرَهُ والحرصُ على الدنيا، وأصله: سعة الجوف، يقال: جوف رغيب، أي: واسع.
"يُذلُّه"، وقيل: الرُّغْب: سعة الأمل وطلب الكثير.
ويُروى بفتح الغين بمعنى: الرغبة في الدنيا.
"ضعيف".
* * *
٢١ - باب الظُّلمِ
(باب الظُّلم)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٣٩٧٤ - عن ابن عُمَرَ: أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: "الظُّلْمُ ظُلُماتٌ يومَ القِيامَةِ".
стр. 2645
"من الصحاح":
" عن ابن عمر: أن النبي ﷺ قال: الظُّلمُ ظلماتٌ يوم القيامة" جمع: الظُّلمة، والمراد بها: الشدائد، كما فُسرت بها في قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الأنعام: ٦٣]؛ يعني: الظلمُ سببٌ لشدائد صاحبه، ويجوز أن يُحمَل على ظاهره، فيكون الظلمُ سببًا لبقاء الظالم في الظُّلمة، فلا يهتدي إلى السبيل حين يسعى نورُ المؤمنين بين أيديهم.
* * *
٣٩٧٥ - عن جابرٍ: أنَّ رسولَ الله ﷺ قالَ: "اتَّقوا الظُّلْمَ، فإنَّ الظُّلْمَ ظُلُماتٌ يومَ القيامةِ، واتَّقوا الشُّحَّ، فإنَّ الشُّحَ أَهْلَكَ مَن كانَ قبلَكم، حَمَلَهم على أنْ سَفَكُوا دِماءَهم واستَحَلُّوا مَحارِمَهم".
"وعن جابر: أن رسولَ الله ﷺ قال: اتقوا الظلم؛ فإن الظلمَ ظلماتٌ يومَ القيامة، واتقوا الشُّحَّ": وهو منع الواجب، وقيل: هو الحرص الشديد الذي يَحملُه على ارتكاب المَحارم وإتيان الفواحش.
"فإن الشُّحَّ أَهلَكَ مَن كان قبلكم، حملَهم على أن يسفكوا دماءَهم"؛ أي: حرَّضَهم على جمع المال، حتى قتلَ بعضُهم بعضًا لأخذه.
"واستحلُّوا مَحارمَهم"؛ أي: جعلوا المُحرَّمَ عليهم من وطءِ نسائهم حلالًا.
* * *
٣٩٧٦ - وقال: "إنَّ الله لَيُملي للظَّالِم حتى إذا أخذَهُ لم يُفْلِتْهُ، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ الآية".
"وعن أبي موسى قال: قال رسول الله ﷺ : إن الله لَيُمْلِي للظالم"، من: الإملاء، الإمهال والتأخير؛ أي: لَيُمهِلُ ويطوِّل عمرَه حتى يَكثُرَ منه الظلمُ
стр. 2646
والفواحشُ، ثم يأخذُه أخذًا شديدًا.
"حتى إذا أخذَه لم يُفلِتْه"؛ أي: لم يتركْه، ولم يخلصْ من الله.
"ثم قرأ: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى﴾ "؛ أي: أهلَ القرى.
" ﴿وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ الآية".
وفي الحديث: تسلية للمظلوم، ووعيد للظالم؛ لئلا يغترَّ بإمهاله.
* * *
٣٩٧٧ - عن ابن عُمَرَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ لَمَّا مَرَّ بالحِجْرِ قال: "لا تَدخُلوا مَساكِنَ الذينَ ظَلَموا أنفسَهم إلا أنْ تَكُونُوا باكينَ، أنْ يُصيبَكم مِثْلُ ما أصابَهم"، ثم قَنَّعَ رأسَه، وأَسْرَعَ السَّيْرَ حتى اجتازَ الوادِيَ.
"عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنه -: أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لمَّا مرَّ بالحجْر" بفتح الحاء المهملة قبل الجيم الساكنة وكسرها: اسمٌ لأرض ثمود قوم صالح ﵇ "قال: لا تدخلوا مساكنَ الذين ظلموا أنفسَهم إلا أن تكونوا باكين؛ أن يصيبَكم"؛ أي: حذرَ أن يصيبَكم "ما أصابَهم"، وكان قولُه ﷺ ذلك عند مسيره إلى تبوك، خَشِيَ ﷺ على أصحابه أن يجتازوا على تلك الديار ساهين، غيرَ متَّعظين بما أصاب أهلَ تلك الديار، وقد أمرَهم الله بالانتباه والاعتبار في مثل تلك المواطن.
قيل: الداخلُ دارَ قومٍ أُهلكوا بخسفٍ أو عذابٍ غيرَ باكٍ شفقةً عليهم أو على نفسه من حلول مِثلِه به = يدلُّ على قساوة القلب وقلة الخشوع، فلا يَأمنَ مَن كان كذا أن يصيبَه ما أصابهم.
وفيه: دليل على أن ديارَ هؤلاء لا تُتخذ وطنًا؛ لأنه لا يكون دهرَه كلَّه باكيًا.
стр. 2647
"ثم قنَّع رأسَه" بتشديد النون: مبالغة من الإقناع؛ أي: أطرقَ ولم يلتفت يمينًا وشمالًا؛ لئلا يقعَ نظرُه عليها، أو جعلَ قناعًا على رأسه شبهَ الطَّيلسان.
"وأسرعَ السيرَ حتى اجتاز الوادي"؛ أي: قطعَه وخرجَ من حدِّه.
* * *
٣٩٧٨ - عن أبي هُريرةَ، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "مَن كانَت له مَظْلَمَةٌ لأَخيهِ مِن عِرْضه أو شيءٍ فَلْيَتَحَلَّلْهُ منه اليَومَ، قبلَ أنْ لا يكونَ دينارٌ ولا دِرْهمٌ، إنْ كانَ له عَمَلٌ صالحٌ أُخِذَ منهُ بقدرِ مَظْلَمَتِه، وإنْ لم يكنْ له حَسَناتٌ أُخِذَ مِن سَيئاتِ صاحبهِ فحُمِلَ عليهِ".
"عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله: مَن كانت له مَظلِمة" بكسر اللام: اسمُ ما أخذَه الظالم.
"لأخيه"؛ أي: في الدنيا.
"مِن عِرضه"، عِرْضُ الرجل: جانبه الذي يَصُونه من نفسه وحَسَبه، ويَتَحامى أن يُنتقصَ.
"أو شيء": تعميم بعد التخصيص؛ أي: من شيءِ آخرَ، كأخذ ماله أو المنع من الانتفاع به.
"فَلْيتحلَّلْه منه"؛ أي: لِيَطلبْ من أخيه حِلَّه.
"اليومَ" أراد به: حياة الدنيا.
"قبلَ أن لا يكونَ دينار ولا درهم"؛ أي: قبلَ يومِ القيامة؛ لأن الدينارَ والدرهمَ لا يوجدان فيه.
"إن كان له عمل صالح": هذا استئنافُ جوابٍ عمَّن قال: فكيف الحالُ إذا لم يكن دينار ولا درهم هناك؟
стр. 2648
"أُخذ منه بقَدْر مَظلمته، وإن لم يكن له حسناتٌ أُخذ من سيئات صاحبه فحُمل عليه": يحتمل أن يكون المأخوذُ نفسَ الأعمال، بأن يتجسَّد فيصير كالجوهر، وأن يكون ما أُعدَّ لها من النّعَم والنِّقَم إطلاقًا للسبب على المسبب، وهذا لا ينافي قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]؛ لأن الظالمَ في الحقيقة مَجْزِيٌّ بوِزْرِ ظلمِه، وإنما أَخذ من سيئات المظلوم تخفيفًا له وتحقيقًا للعدل.
* * *
٣٩٧٩ - عن أبي هُريرةَ: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "أتدرونَ ما المُفْلِسُ"؟ قالوا: المُفْلِسُ فينا مَن لا دِرْهَمَ له ولا متاعَ، فقال: "إنَّ المُفْلِسَ مِن أُمَّتي يأتي يومَ القِيامةِ بصلاةٍ وصيامٍ وزكاةٍ، ويأتي قد شَتَمَ هذا، وقَذَفَ هذا، وأكلَ مالَ هذا، وسَفَكَ دَمَ هذا، وضَرَبَ هذا، فيُعطَى هذا مِن حَسَناتِه، وهذا مِن حَسَناتِه، فإنْ فَنِيَتْ حَسَناتُه قبلَ أنْ يُقضَى ما عليهِ أُخِذَ مِن خطاياهم فطُرِحَتْ عليهِ، ثُمَّ طُرِحَ في النَّارِ".
"عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله قال الله تعالى عليه وسلم: أتدرون مَنِ المُفلِسُ؟ قالوا: المُفلِس فينا مَن لا درهمَ له ولا متاعَ، فقال: إن المُفلِسَ مِن أمتي": هذا بيان لمُفلِس أمته في الحقيقة، وليس باحتراز عن سائر الأمم.
"مَن يأتي يومَ القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي قد شَتمَ هذا، وقَذفَ هذا، وأكلَ مالَ هذا، وسفكَ دمَ هذا"؛ أي: أَراقَ.
"وضربَ هذا"؛ يعني: بغير حقٍّ في الجميع.
"فيُعطَى" - على بناء المجهول - "هذا من حسناته"؛ أي: المظلومُ بعضَ حسنات الظالم.
стр. 2649
"وهذا من حسناته، فإن فَنِيَتْ حسناتُه قبلَ أن يُقضَى ما عليه"؛ أي: من الحقوق.
"أُخذ من خطاياهم"؛ أي: خطايا أصحاب الحقوق.
"فطُرحت عليه، ثم طُرِحَ في النار".
* * *
٣٩٨٠ - وقال: "لَتُؤَدُّنَّ الحُقوقَ إلى أَهْلِها يومَ القِيامةِ حتى يُقادَ للشَّاةِ الجَلْحاءِ مِن الشَّاةِ القَرْناءِ".
"وعن أبي الدرداء ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : لَتُؤَدُّنَّ الحقوقَ": اللام فيه جواب قَسَم مقدَّر، والدال فيه مضمومة، والفعل مسنَد إلى الجماعة الذين خُوطِبُوا به، و (الحقوقَ): مفعوله.
"إلى أهلها يومَ القيامة حتى يُقادَ"؛ أي: يُقتَصَّ.
"للشاة الجَلْحَاء": وهي التي لا قرنَ لها.
"من الشاة القَرناء": وهي التي لها قرنٌ؛ يعني: لو نَطحتْ شاةٌ قرناءُ شاةً جلحاءَ في الدنيا؛ فإذا كان يومُ القيامة يُؤخَذ القرنُ من الشاة القرناء ويُعطَى الجلحاء، حتى تقتصَّ لنفسها من الشاة القرناء.
فإن قيل: الشاة غير مكلَّفة، فكيف يُقتصُّ منها؟ قلنا: الله تعالى فعَّال لما يريد: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء: ٢٣]، والغرض منه: إعلامُ العباد بأن الحقوقَ لا تضيع، بل يُقتصُّ حقُّ المظلوم من الظالم.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٣٩٨١ - عن حُذَيفة ﵁ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "لا تكونوا إمَّعةً؛
стр. 2650
تقولونَ: إنْ أحْسَنَ النَّاسُ أَحْسَنَّا، وإنْ ظَلَمُوا ظَلَمْنا، ولكنْ وَطِّنُوا أَنْفُسَكم: إنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أنْ تُحْسِنُوا، وإنْ أساؤُوا فلا تَظْلِموا".
"من الحسان":
" عن حذيفة - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله ﷺ : لا تكونوا إمَّعَةً" بكسر الهمزة وفتح الميم المشددة: هو الذي يقول لكل أحدٍ: أنا معك؛ لضعف رأيه ويقلد الناس، والفعل منه: تأمَّع واستَأمَعَ، والهاء للمبالغة، ولا يُستعمل في النساء، ووزنه: (فِعِّلَة)، وليست الهمزة زائدة لعدم (إفْعَلَة) في الصفات، وهي في الأسماء أيضًا قليلةٌ والمراد به هاهنا: الذي يقول: أنا أكون مع الناس كما يكونون معي.
"تقولون: إنْ أَحسنَ الناسُ أحسنَّا، وإن ظلموا ظلمْنا، ولكن وطِّنُوا" أمر من: التوطين، وهو العزم الجازم على الفعل، وقيل: أي: ثبتوا "أنفسَكم إنْ أَحسنَ الناسُ أن تُحسِنوا، وإن أساؤوا فلا تظلموا".
* * *
٣٩٨٢ - كتبَ مُعاوِيةُ إلى عائِشَةَ ﵂: أنْ اكُتُبي إليَّ كتابًا تُوصِيني فيهِ ولا تُكْثِري، فكتَبَتْ: سلامٌ عليكَ، أمَّا بعدُ: فإنِّي سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "مَن التَمَسَ رِضا الله بسَخَطِ النَّاسِ كفاهُ الله مَؤُولة النَّاسِ، ومَن التَمَسَ رِضا النَّاسِ بسَخَطِ الله وَكَلَهُ الله إلى النَّاسِ، والسَّلامُ عليكَ".
"وكتب معاوية بن أبي سفيان إلى عائشة: أن اكتبي إليَّ كتابًا توصيني فيه ولا تُكْثِري، فكتبت: سلامٌ عليك، أما بعدُ: فإني سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: مَنِ التمسَ رضا الله بسخط الناس"؛ أي: مَن طَلبَ رضاه في شيءٍ يسخَطُ الناسُ بسببه عليه.
стр. 2651
"كفاه الله مُؤْنَةَ الناس"؛ أي: من الظلم والشرِّ الواصل إليه منهم.
"ومَنِ التمسَ رضا الناس بسخط الله وَكَلَه الله إلى الناس"؛ أي: سلَّطهم عليه، حتى يؤذوه ويظلموا عليه.
"والسلام عليك"، اللام فيه: للعهد.
* * *
٢٢ - باب الأمر بالمعروف
(باب الأمر بالمعروف)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٣٩٨٣ - عن أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁، عن رسولِ الله ﷺ : "مَن رَأَى مِنكم مُنكَرًا فلْيُغيرْه بيدِه، فإنْ لم يستَطِعْ فَبلسانِه، فإنْ لم يستطِعْ فبقلبهِ، وذلكَ أضعفُ الإيمانِ".
"من الصحاح":
" عن أبي سعيد الخُدري - رضي الله تعالى عنه - قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: مَن رأى منكم منكرًا": وهو ما ليس فيه رضا الله تعالى من قول أو فعل، والمعروف ضده.
"فَلْيغيرْه"؛ أي: فَلْيدفَعْ ذلك المنكرَ "بيده، فإن لم يستطع"؛ أي: لم يَقدِر على الدفع باليد؛ لأن فاعلَه أقوى منه.
"فبلسانِه"؛ أي: فَلْيغيرْه بالقول.
"فإن لم يستطع"؛ أي: على المنع بالقول.
"فبقلبه"؛ أي: فَلْيَكرهْه بقلبه، بأن يقول: اللهم هذا مُنكَرٌ؛ إذ ليس في
стр. 2652
وسعه التغييرُ إلا هذا القَدْر.
"وذلك"؛ أي: كراهتُه بقلبه "أضعفُ الإيمان"؛ أي: أقله ثمرة.
* * *
٣٩٨٤ - وقالَ: "مَثَلُ المُدْهِنِ في حُدودِ الله والواقِعِ فيها، مَثَلُ قَوْمٍ استَهمُوا سَفينةً، فصارَ بَعضُهم في أَسْفَلِها، وصارَ بعضُهم في أعلاها، فكانَ الذي في أَسْفَلِها يَمُرُّ بالماءِ على الذينَ في أعلاها فتَأَذَّوا بهِ، فأَخَذَ فَأْسًا فجعلَ ينقُرُ أَسْفَلَ السَّفينةِ، فأَتَوْهُ فقالوا: ما لكَ؟ فقالَ: تأذَّيتُم بي، ولا بُدَّ لي مِن الماءِ، فإنْ أَخَذُوا على يَدَيهِ أَنجوْهُ، ونَجَّوا أَنفُسَهم، وإنْ تَرَكُوه أَهْلَكُوه، وأهْلَكُوا أنفسَهم".
"عن النعمان بن بشير ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : مَثَلُ المُداهِن في حدود الله"، المداهنة: المساهلة في الأمر: والمداهنة في الشرع: أن يرى منكرًا، ويَقدِر على دفعه، ولم يَدفعْه؛ حفظًا لجانب مُرتكِبه أو جانب غيره، أو قلةَ مبالاةٍ في الدين، وقيل: هو الذي يخفيها ولا يتكلم بها؛ لخوفٍ أو طمعٍ.
"والواقع فيها"؛ أي: في الحدود؛ أي: الفاعل للمناهي.
"مَثَلُ قومٍ استهموا سفينةً"؛ أي: اقترعوا سُكْنَاها بالقُرعة.
"فصار بعضُهم على أسفلها"؛ أي: في الطبقة الأسفل من السفينة.
"وبعضُهم في أعلاها"، وفيه: إشارة إلى استحباب القُرعة إذا تشاجروا على الجلوس في الأسفل والأعلى، وذلك إذا نزلوا بها جملةً، وإذا نزلوا متفرقين فمَن سَبَقَ منهم إلى مكانٍ فهو أحقُّ به من غيره.
"فكان الذي في أسفلها يمرُّ بالماء على الذين في أعلاها"، قيل: كنى بالماء عن البول والغائط المنفصلَين عنه، ليطرحَه في البحر.
стр. 2653
"فتأذَّوا به"، أي: مَن في الأعلى بمروره عليهم.
"فأخذ"؛ أي: مَن في الأسفل.
"فأسًا، فجعل"، أي: فطفقَ.
"ينقُر"؛ أي يثقُب.
"أسفلَ السفينة، فأتَوه فقالوا: ما لك؟ قال: تأذَّيتم بي ولابدَّ لي من الماء"؛ أي: من مطرح الماء.
"فإن أخذوا على يدَيه"؛ أي: منعوه من نقرِ السفينة "أَنْجَوه ونَجَّوا أنفسَهم، وإن تركوه" ولم يمنعوه من النقرِ "أهلكوه وأهلكوا أنفسَهم"؛ لأنه يخرج الماء من البحر إلى السفينة وغرقت السفينة، فكذلك إنْ منعَ الناسُ الفاسقَ عن الفسق نَجَوا ونجا من عذاب الله، وإن تركوه حتى يفعلَ المعاصيَ ولم يقيموا عليه الحدودَ حلَّ بهم العذاب وهلكوا بشؤمه، وقد شبَّه المُداهِنَ في الحدود بمن في أعلى السفينة، والواقعَ فيها بمن في أسلفها، ونَهْيَ الناهي عن مواقعتها بالآخذ باليد وبمنعه عن النقر، وفائدةَ المنع بنجاة الناهي والمَنهيِّ.
* * *
٣٩٨٥ - وقال: "يُجاءُ بالرَّجُلِ يومَ القيامةِ فيُلقَى في النَّارِ فتَندلِقُ أَقتابُه في النارِ، فيَطحنُ فيها كطحنِ الحمارِ بِرَحَاهُ، فيَجتَمعُ أهلُ النَّارِ عليهِ، فيقولونَ: أَيْ فلانُ! ما شانُكَ؟ أَليسَ كنتَ تأمرُنا بالمَعْروفِ وتنهانا عن المُنْكَرِ؟ قال: كنتُ آمرُكم بالمَعْروفِ ولا آتِيهِ، وأنهاكُم عن المُنْكَرِ وآتِيهِ".
"وعن أسامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : يُجاء بالرجل يومَ القيامة، فيُلقى في النار، فَتندلِقُ أقتابُه" جمع: قِتْب - بالكسر ثم السكون -؛ أي: تخرج أمعاؤه.
"في النار، فيَطحن فيها"؛ أي: فيدور ويتردَّد في أقتابه؛ يعني: يدور
стр. 2654
حولَ أقتابه ويضربها برجله.
"كطحنِ الحمار"؛ أي كما يدور الحمار.
"برَحَاه": وهو الموضع الذي يُربَط، ويمكنه أن يدورَ فيه.
"فيجتمع أهل النار عليه، فيقولون: أيْ فلانُ ما شأنُك؟ ألستَ كنتَ تأمرُنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ قال: كنتُ آمرُكم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه".
* * *
مِنَ الحِسَان:
٣٩٨٦ - عن حُذَيفَةَ بن اليَمانِ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "والذي نفسي بيدِه لتأمُرُنَّ بالمَعْروفِ ولتَنهَوُنَّ عن المُنْكرِ، أو لَيُوشِكَنَّ الله أنْ يَبْعَثَ عليكم عذابًا مِن عندِه، ثم لَتدْعُنَّهُ فلا يُستَجابُ لكم".
"من الحسان":
" عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ : والذي نفسي بيده! لَتَأمُرُنَّ بالمعروف وَلتنهوُنَّ عن المنكر، أو لَيُوشكَنَّ الله أن يَبعثَ عليكم عذابًا من عنده"، (أو) هذه: لأحد الأمرين؛ أي: لا يجتمع أمرُكم بالمعروف ونهيُكم عن المنكر مع مقاربة بعث الله عليكم عذابًا، أو بمعنى: إلا؛ أي: إن أمرتُم بالمعروف ونهيتُم عن المنكر نَجَوتُم من العذاب، وإلا والله لَيَقرُب أن يُرسلَ الله عليكم عذابًا.
"ثم لَتَدْعُنَّه فلا يُستجاب لكم"؛ يعني: وبعد مقاربة العذاب لو دعوتُم الله في رفع ذلك العذاب لا يُستجاب لكم.
* * *
стр. 2655
٣٩٨٧ - عن العُرْسِ بن عَميرَةَ، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "إذا عُمِلَتْ الخَطيئةُ في الأَرْضِ مَن شهِدَها فكرِهَها كانَ كمَن غابَ عنها، ومَن غابَ عنها فرَضيَها كانَ كمَن شَهِدَها".
"وعن العُرْس" - بضم العين وسكون الراء - ابن قيس "ابن عُميرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: إذا عُمِلَتِ الخطيئةُ في الأرض؛ مَن شَهِدَها"؛ أي: حضرَ الخطيئةَ.
"فكرهَها كان كمَن غاب عنها، ومَن غاب عنها فرضيَها كان كمَن شهدها".
* * *
٣٩٨٨ - عن أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ قال: يا أيُّها النَّاسُ! إنَّكم تَقْرؤونَ هذه الآية: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾، فإنِّي سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "إنَّ النَّاسَ إذا رَأَوْا مُنْكَرًا فلم يُغَيرُوه يُوشِكُ أنْ يعُمَّهم الله بعِقابهِ"، صحيح.
وفي رِوايةٍ: "إذا رَأَوْا الظَّالِمَ فلم يأخذُوا على يَدَيْه أَوْشَكَ ... ".
وفي رِوايةٍ: "ما مِن قَوْمٍ يُعمَلُ فيهم بالمَعاصي، ثم يَقْدِرُونَ على أنْ يُغَيروا، ثُمَّ لا يُغيرون، إلا يُوشِكُ أنْ يَعُمَّهم الله بعقابٍ".
وفي رِوايةٍ: "يُعمَلُ فيهم بالمَعاصي، هُمْ أَكْثَرُ ممَّن يَعْمَلُه. . . ".
"عن أبي بكر الصدِّيق ﵁ قال: يا أيها الناسُ! إنكم تقرؤون هذه الآية ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾؛ أي: الزموا حفظَ أنفسكم عن المعاصي.
﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾: وإنما لا يضرُّ الرجلَ معاصي غيره إذا عجزَ عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
стр. 2656
"فإني سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: إن الناسَ إذا رَأَوا منكرًا، فلم يغيروه، يوشك"؛ أي: يَقرُب.
"أن يعمَّهم الله بعقابه. صحيح".
"وفي رواية: إذا رَأَوا الظالم، فلم يأخذوا على يديه"؛ أي: لم يمنعوه عن الظلم "أو شك. . . ".
"وفي رواية: ما مِن قومٍ يُعمَل فيهم بالمعاصي، ثم يَقدِرون على أن يغيروا، ثم لا يغيرون إلا يوشك أن يعمَّهم الله بعقاب".
"وفي رواية: يُعمَل فيهم بالمعاصي هم أكثرُ ممن يعمله"؛ يعني: إذا كان الذين لا يعملون المعاصي أكثرَ من الذين يعملونها فلم يمنعوهم عنها عمَّهم العذابُ.
* * *
٣٩٨٩ - عن جريرِ بن عبدِ الله البَجَلي، عن النبيِّ ﷺ قال: "ما مِن قومٍ يكونُ بينَ أظهرِهم رجلٌ يعملُ بالمعاصي، هم أَمْنعُ منهُ وأَعَزُّ، لا يُغَيرُونَ عليهِ = إلا أصابَهم الله بعقابٍ".
"عن جرير البَجَلي ﵁، عن النبي ﷺ قال: ما مِن قومٍ يكون" بينَ أَظهُرِهم رجلٌ "يعمل بالمعاصي، هم أمنعُ منه وأعزُّ"؛ أي: أقدرُ منه وأغلبُ.
"لا يغيرون عليه إلا أصابَهم الله بعقاب".
* * *
٣٩٩٠ - وعن أبي ثَعْلَبَةَ: في قولهِ تعالى: ﴿لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾، فقال: أَمَا والله، لقد سَأَلْتُ عنها رَسولَ الله ﷺ فقال: "بل
стр. 2657
ائتَمِروا بالمَعْروفِ، وتَناهَوْا عن المُنْكَرِ، حتى إذا رأيتَ شُحًّا مُطاعًا، وهوًى مُتَّبعًا، ودُنيا مؤثَرَةً، وإعجابَ كلِّ ذي رأيٍ برَأْيهِ، ورأيتَ أَمْرًا لا بُدَّ لكَ منهُ فعليكَ نفسَكَ، ودَعْ أَمْرَ العَوَامِّ، فإنَّ وراءَكُم أيامَ الصَّبرِ، فمَن صَبَرَ فيهنَّ كانَ كمَن قَبَضَ على الجَمْرِ، للعاملِ فيهنَّ أَجْرُ خَمسينَ رَجُلًا يعمَلونَ مثلَ عَمَلِهِ"، قالوا: يا رسولَ الله! أجرُ خَمْسينَ منهم؟ قال: "أَجْرُ خَمْسينَ منكُم".
"وعن أبي ثعلبة الخُشَني ﵁ في قوله تعالى: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾، فقال: أَمَا والله لقد سألتُ عنها رسولَ الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فقال: بل ائتمروا"؛ أي: مُرُوا "بالمعروف وتَنَاهَوا عن المنكر، حتى إذا رأيتَ شُحًّا مطاعًا": وهو الذي غلب وبلغ مبلغًا بحيث يطيعُه صاحبُه في منع الحقوق الواجبة من الزكاة والفِطرة والكفارات والنذور ونفقة مَن عليه نفقته.
"وهوًىَ مُتَّبَعًا"؛ أي: يتبع كلُّ أحدٍ هواه وما تأمره به نفسُه الأمَّارة.
"ودنيا مُؤثَرة"؛ أي: مختارة على الآخرة، من: الإيثار، الاختيار لجمع الأموال على الأعمال الصالحة.
"وإعجابَ كل ذي رأي برأيه"، الإعجاب - بكسر الهمزة -: وجدان شيء حسنًا؛ يعني: يجد كلُّ واحدٍ فعلَ نفسِه حسنًا، وإن كان قبيحًا في الواقع، ولا يراجع العلماءَ فيما فعل.
"ورأيتَ أمرًا لابد لك منه"؛ يعني: رأيتَ بعضَ الناس يعملون المعاصي، ولابد لك من السكوت من عجزك وقدرتهم.
"فعليك نفسَك"؛ أي: احفظْها عن المعاصي.
"ودع أمرَ العَوَامِّ"؛ أي: لا تأمرْ أحدًا بالمعروف ولا تنهَه عن المنكر؛ كيلا يؤذيك.
стр. 2658
"فإن وراءكم"؛ أي: أمامَكم وقُدَّامَكم "أيامَ الصبرِ"؛ أي: أيامًا يُحمَد فيها الصبرُ عن المحارم.
"فمَن صَبَرَ فيهن"؛ أي: في تلك الأيام.
"كان كمَن قبضَ على الجمرة"؛ أي: تلحقه المشقة الشديدة بالصبر، كمشقة الصابر على قبض الجمرة بيده.
"للعامل فيهن أجرُ خمسين رجلًا يعملون مثلَ عمله"، فيه تأويلان:
أحدهما: أن يكون أجرُ كل واحد منهم على تقدير أنه غيرُ مُبتلًى ولم يُضاعَف أجرُه.
وثانيهما: أن يُراد أجرُ خمسين منهم أجمعين يُبْتَلُون ببلائه.
"فقالوا: يا رسولَ الله! أجرُ خمسين منهم؟ قال: لا، أجرُ خمسين منكم".
* * *
٣٩٩١ - عن أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ قالَ: قامَ فينا رسولُ الله ﷺ خَطيبًا بعدَ العَصْرِ فلم يَدَع شيئًا يكونُ إلى قيامِ السَّاعةِ إلا ذَكَرَهُ، حَفِظَهُ مَنْ حَفِظَهُ ونسَيَهُ من نسَيَهُ، وكانَ فيما قال: "إنَّ الدُّنيا حُلْوَةٌ خَضرَةٌ، وإنَّ الله مُستَخْلِفُكم فيها فناظِرٌ كيفَ تعملونَ؟ أَلا فاتَّقُوا الدُّنيا، واتَّقُوا النِّساءَ"، وذَكَرَ أنَّ لكلِّ غادرٍ لِوَاءً يومَ القِيامةِ بقَدْرِ غَدْرتهِ في الدُّنيا، ولا غَدْرَ أكبرُ مِن غَدْرِ أميرِ العَامَّةِ، يُغرَزُ لِواؤُه عندَ استِهِ، قال: "ولا تَمنعَنَّ أَحَدًا منكم هيبةُ النَّاسِ أن يقولَ بحقِّ إذا عَلِمَه".
وفي روايةٍ: "إنْ رأى منكرًا أن يغيرَه"، فبكى أبو سعيدٍ وقال: قد رأيناهُ فمَنَعَتْنا هيبةُ النَّاسِ أنْ نتكَلَّمَ فيهِ، ثُمَّ قال: "أَلا إنَّ بني آدَمَ خُلِقُوا على طَبَقاتٍ شَتَّى؛ فمنهم مَن يُولَدُ مُؤْمِنًا، ويحيا مُؤْمِنًا، ويموتُ مُؤْمِنًا، ومنهم مَن يُولدُ
стр. 2659
كافِرًا، ويحيا كافِرًا، ويموتُ كافِرًا، ومنهم مَن يولدُ مُؤْمِنًا، ويحيا مُؤْمِنًا، ويموتُ كافرًا، ومنهم مَن يولدُ كافِرًا، ويحيا كافِرًا، ويموتُ مُؤْمِنًا"، قال: وذكرَ الغَضَبَ، "فمنهم مَن يكونُ سريعَ الغَضَبِ سريعَ الفَيْءِ، لإِحداهُما بالأخْرى، ومنهم مَن يكونُ بطيءَ الغَضَبِ بطيءَ الفَيءِ، فإحداهُما بالأخرى، وخِيارُكم مَن يكونُ بطيءَ الغَضَبِ سريعَ الفيء، وشرارُكم مَنْ يكون سريعَ الغَضَبِ بطيءَ الفَيءِ"، قال: "اتقوا الغَضَبَ، فإنهُ جَمْرَةٌ على قَلْبِ ابن آدمَ، أَلا تَرَوْنَ إلى انتِفاخِ أوداجِهِ وحُمرةِ عَيْنَيهِ؟ فمَن أَحَسَّ بشيءٍ مِن ذلكَ فَلْيَضْطَجِعْ وليتلَبَّدْ بالأَرْضِ"، قال: وذكرَ الدَّيْنَ فقال: "منكم مَن يكونُ حَسَنَ القَضاءِ، وإذا كانَ لهُ أَفْحَشَ في الطلَبِ، فإحداهُما بالأُخْرى، ومنكم مَن يكونُ سيئَ القَضاءِ، وإنْ كانَ لهُ أَجْمَلَ في الطَّلَبِ، فإحداهُما بالأُخْرى، وخِيارُكم مَن إذا كانَ عليهِ الدَّيْنُ أَحْسَنَ في القَضاءَ، وإنْ كانَ لهُ أَجْمَلَ في الطَّلَبِ، وشِرارُكم مَن إذا كانَ عليهِ الدَّيْنُ أساءَ القضاءَ، وإنْ كانَ لهُ أَفْحَشَ في الطَّلبِ، حتى إذا كانَت الشَّمْسُ على رُؤوسِ النَّخْلِ وأَطْرافِ الحِيطانِ فقالَ: "أَما إنه لم يَبْقَ مِن الدُّنْيا فيما مَضَى منها إلا كما بقيَ مِن يومِكم هذا فيما مَضَى منه".
"وعن أبي سعيد الخُدري ﵁ أنه قال: قام فينا رسولُ الله ﷺ خطيبًا بعد العصر، فلم يَدَع"؛ أي: يتركْ.
"شيئًا يكون إلى قيام الساعة إلا ذكرَه؛ حفظَه مَن حفظَه، ونسيَه مَن نسيَه، وقال"؛ أي: أبو سعيد الخُدري: "وكان فيما قال"؛ أي: النبيُّ ﷺ في خطبته: "إن الدنيا حُلوةٌ خَضرَةٌ"؛ أي: ناعمةٌ طريةٌ؛ يعني: الدنيا طيبة مليحة في عيون الناس وقلوبهم، لا يشبعون من جمع المال ومن الجاه، وفيه تنبيهٌ على شدة انجذاب النفوس إليها؛ لأن كل واحد من هذَين الوصفَين تميل إليه النفوسُ، فإذا اجتمعتا كانت إليه أميلَ.
стр. 2660
"وإن الله مُستخلِفُكم فيها فناظرٌ كيف تعملون؟ ألا فاتقوا الدنيا واتقوا النساءَ، وذَكرَ أن لكل غادرٍ"، من الغَدر: ترك الوفاء.
"لواءً"؛ أي: علامةً.
"يومَ القيامة بقَدْر غدرته": مصدر بمعنى: الغَدر.
"في الدنيا، ولا غدرَ أكبرُ من غدر أمير العامة": وهو المتغلِّب المستولي على أمور المسلمين وبلادهم بتغليب العامة ومعاضدتهم إياه.
"يُغرَز لواؤه"؛ أي: تُنصَب علامته.
"عند استه" تحقيرًا له.
"قال: ولا تمنعن أحدًا منكم هيبةُ الناس أن يقول"؛ أي: مِن أن يقولِ "بحقٍّ إذا علمَه، وفي رواية: إذا رأى منكرًا أن يغيِّرَه"؛ أي: مِن أن يغيرَه، مكان قوله: (أن يقول بحقٍّ).
"فبكى أبو سعيد وقال: قد رأيناه، فمنعتْنا هيبةُ الناس أن نتكلم فيه" ونغيره.
"ثم قال: ألا إن بني آدم خُلقوا على طبقات شتى؛ فمنهم مَن يُولَد مؤمنًا ويحيا مؤمنًا ويموت مؤمنًا، ومنهم مَن يُولَد كافرًا ويحيا كافرًا ويموت كافرًا، ومنهم مَن يُولَد مؤمنًا ويحيا مؤمنًا ويموت كافرًا، ومنهم مَن يُولَد كافرًا ويحيا كافرًا ويموت مؤمنًا".
"قال"؛ أي: أبو سعيد: "وذَكرَ"؛ أي: النبيُّ صلى الله تعالى عليه وسلم "الغضبَ؛ فمنهم مَن يكون سريعَ الغضب سريعَ الفَيء"؛ أي: سريعَ الرجوع من الغضب.
"فإحداهما بالأخرى"؛ يعني: إحدى الخصلتَين تُقابَل بالخصلة الأخرى،
стр. 2661
لا يستحقُّ المدحَ والذمَّ فاعلُهما.
"ومنهم مَن يكون بطيءَ الغضب بطيءَ الفَيء، فإحداهما بالأخرى، وخيارُكم مَن يكون بطيءَ الغضبِ سريعَ الفَيءَ، وشرارُكم مَن يكون سريعَ الغضبِ بطيءَ الفَيء، قال ﷺ : اتقوا الغضبَ؛ فإنه جمرةٌ على قلب ابن آدم، ألا ترون إلى انتفاخ أوداجه" جمع: وَدجَ، وهو عِرق العُنق.
"وحمرة عينَيه؟ فمَن أحسَّ بشيء من ذلك"؛ أي: إذا علمَه بالحسِّ.
"فَلْيضطجعْ وَلْيتلبَّدْ بالأرض"؛ أي: يَلتَزق بها ويصير كاللِّبد ملتصقًا بها، حتى تتكسرَ نفسُه ويَسكُنَ غضبُه، وإنما أَمرَ بذلك لِمَا فيه من الضَّعَةِ عن الاستعلاء وتذكُّرِ أن أصلَه من تراب لا يَصلُح أن يتكبَّرَ ويتجبَّرَ من شدة الغضب.
"وقال" أبو سعيد: "وذَكرَ الدَّينَ، فقال: فمنكم مَن يكون حسنَ القضاء وإذا كان له"؛ أي: الدَّينُ لمن هو حسنُ القضاء على أحدٍ "أَفحشَ في الطلب"؛ أي: آذاه في تقاضيه وعسَّر عليه في طلبه.
"فإحداهما بالأخرى، ومنكم مَن يكون سيئَ القضاء، وإن كان له"؛ أي: للمسيء.
"أَجملَ"؛ أي سهَّل ويسَّر "في الطلب، فإحداهما بالأخرى، وخياركم مَن إذا كان عليه الدِّينُ أحسنَ القضاءَ، وإذا كان له أَجملَ في الطلب، وشرارُكم مَن إذا كان عليه الدَّينُ أساءَ القضاءَ، وإذا كان له أَفحشَ في الطلب، حتى إذا كادت الشمس على رؤوس النخل وأطراف الحِيطان" بكسر الحاء: جمع حائط، هذا من كلام الراوي؛ أي: أنه ﷺ وعظَهم هذه العِظَةَ بعد العصر إلى قرب الغروب.
стр. 2662
"فقال: أَمَا إنه لم يبقَ من الدنيا فيما مضى منها إلا كما بقي من يومكم هذا فيما مضى منه".
٣٩٩٢ - وقال: "لن يَهلكَ النَّاسُ حتى يُعذَروا مِن أنفُسِهم".
"عن أبي البَختري، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: قال رسول الله عليه وسلم: لن يهلكَ الناسُ حتى يُعذِرُوا مِن أنفسِهم"، يقال: أَعذَرَ الرجل: إذا صار ذا ذنبٍ كثيرٍ محتاجٍ إلى العذر من كثرة ذنوبه؛ يعني: حتى تَكثُرَ ذنوبُهم وعيوبُهم، فيستوجبوا العقوبةَ، ويقيموا لمن عاقبهم العذرَ في ذلك، حتى يدفعوا العقوبةَ عن أنفسهم، و (مِن): للتبيين.
ويروى بصيغة المجهول من: (أُعذِرَ): إذا زال عذرُ أحدٍ؛ يعني: حتى يجعلَهم الله بحيث لا يَقدِرون على العذر، بأن يبعثَ عليهم الرسلَ ويبينوا لهم الرشادَ من الضلال، والحرامَ من الحلال، والحقَّ من الباطل.
ويروى بفتح الياء؛ أي: حتى يَعذِرُوا أنفسَهم بتأويلاتٍ وأعذارٍ باطلةٍ.
٣٩٩٣ - وقال: "إنَّ الله تعالى لا يُعذِّبُ العَامَّةَ بعَمَلِ الخاصَّةِ حتى يَرَوُا المُنْكَرَ بينَ ظَهْرانيهِم، وهم قادرونَ على أن يُنكِرُوهُ فلم يُنْكِروهُ، فإذا فعلُوا ذلكَ عذَّبَ الله العَامَّةَ والخَاصَّةَ".
"وعن عدي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : إن الله لا يعذِّب العامةَ بعمل الخاصة" أراد بـ (العامة): أكثر القوم، وبـ (الخاصة): أقلها.
"حتى يَرَوا المنكرَ بين ظَهْرَانيَهم"؛ أي: بينَهم.
стр. 2663
"وهم قادرون على أن ينكروه، فلا ينكرون، فإذا فعلوا ذلك عذَّب الله العامةَ والخاصةَ".
٣٩٩٤ - وعن عبدِ الله بن مَسْعودٍ قال: قالَ رسولَ الله ﷺ : "لمَّا وَقَعَتْ بنو إسرائيلَ في المعاصي نهتْهُم عُلَماؤُهُم فلم يَنتهُوا، فجالسُوهم في مجالِسِهم، وَواكلُوهُم وشارَبُوهم، فَضَرَبَ الله قلوبَ بعضهم ببَعْضٍ، ولعنَهم على لسانِ داودَ وعيسَى بن مريمَ ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ "، قال: فجَلَسَ رسولُ الله ﷺ وكانَ مُتَّكِئًا فقال: "لا وَالذي نَفْسي بيدهِ، حتى تَأْطِرُوهم أَطْرًا".
وفي رِوايةٍ: "كلا والله، لتأمُرُنَّ بالمَعْروفِ، وَلَتنهَونَّ عن المنكرِ، ولتأخُذُنَّ على يَدَي الظالم، ولَتَأْطِرُنَّهُ على الحقِّ أَطْرًا، أو لتقْصُرُنَّه على الحَقِّ قَصْرًا، أو ليَضْرِبن الله بقلوبِ بعضكُم على بعضٍ، ثم لَيَلْعَننَّكُم كما لَعَنَهُم".
"عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : لمَّا وقعت بنو إسرائيل في المعاصي نهتْهم علماؤُهم، فلم ينتهوا، فجالَسُوهم في مجالسهم، وواكَلُوهم وشارَبُوهم، فضَربَ الله قلوبَ بعضهم ببعض"، الباء: للسببية؛ يعني: سوَّد قلبَ مَن لم يعصِ بشؤمِ مَن عَصَى، فصارت قلوبُ جميعهم قاسيةً بعيدةً عن قَبول الحق والخير والرحمة بسبب المعاصي، وسببِ مخالطة بعضهم بعضاً.
"ولعنَهم على لسان داود وعيسى بن مريم ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾، قال: فجلس رسولُ الله ﷺ وكان متكِئًا، فقال: لا"؛ أي لا تَنجُون مِن العذاب.
стр. 2664
"والذي نفسي بيده حتى تَأطِروهم" - بكسر الطاء المهملة - "أَطْرًا" بفتح الهمزة ثم السكون: هو الإمالة والتحريف من جانب إلى جانب؛ يعني: حتى يمنعوا الظَّلَمة والفَسَقة عن الظلم والفسق، ويُميلوهم عن الباطل إلى الحق، (حتى): متعلقة بقوله: (لا)، والقَسَم معترضة بينهما.
"وفي رواية: كلا، والله لَتأمُرُنَّ بالمعروف وَلَتنهوُنَّ عن المنكر، وَلَتأخذنَّ على يَدي الظالم، وَلتأطِرُنَّه على الحق، وَلَتقصُرُنَّه"؛ أي: لتَحبسُنَّه "على الحق قصرًا": وهو كـ (القسر) بمعنى: القهر.
"أو ليَضربن الله بقلوب بعضكم على بعض، ثم ليَلعنَّنكم كما لعنَهم".
٣٩٩٥ - عن أنسٍ: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "رَأَيتُ ليلةَ أُسْرِيَ بي رِجالًا تُقرَضُ شِفاهُهم بمَقارِضَ مِن نارٍ، فقلتُ: مَن هؤلاءِ يا جبريلُ؟ قال: هؤلاءِ خُطَباءُ مِن أُمَّتِكَ يأمرونَ النَّاسَ بالبرِّ ويَنْسَوْنَ أنفُسَهم".
"عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : رأيتُ ليلةَ أُسرِيَ بي رجالًا تُقرَض"؛ أي: تُقطَع.
"شفاههم بمقاريض" جمع: المِقْرَاض.
"من نار، قلت: مَن هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء خطباءُ من أمتك، يأمرون الناسَ بالبرِّ وَينسَون أنفسَهم".
٣٩٩٦ - عن عَمَّارِ بن ياسرٍ قال: قال رسولَ الله ﷺ : "أُنزِلَتْ المائِدَةُ مِن السَّماءِ خُبْزًا ولَحْمًا، وأُمِروا أنْ لا يَخُونوا ولا يَدَّخِرُوا لغدٍ، فخانُوا وادَّخَروا
стр. 2665
ورَفَعُوا لِغَدٍ، فمُسِخُوا قِرَدَةً وخنازِيرَ".
"عن عمار بن ياسر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : أُنزِلَتِ المائدةُ من السماء خبزًا ولحمًا": منصوبان على التمييز.
"وأُمروا أن لا يخونوا ولا يدَّخروا لغدٍ، فخانوا واذَخروا ورفعوا لغدٍ، فمُسِخُوا"؛ أي: فغيرت صُوَرُهم.
"قِرَدةً" جمع: قِرد، منصوب على أنه مفعول ثانٍ لـ (مُسخوا).
"وخنازير" جمع: خِنزير.