Полный текст (3 421 стр.). Показаны 2661–2700 · переход к 2666.
стр. 2661
لا يستحقُّ المدحَ والذمَّ فاعلُهما.
"ومنهم مَن يكون بطيءَ الغضب بطيءَ الفَيء، فإحداهما بالأخرى، وخيارُكم مَن يكون بطيءَ الغضبِ سريعَ الفَيءَ، وشرارُكم مَن يكون سريعَ الغضبِ بطيءَ الفَيء، قال ﷺ : اتقوا الغضبَ؛ فإنه جمرةٌ على قلب ابن آدم، ألا ترون إلى انتفاخ أوداجه" جمع: وَدجَ، وهو عِرق العُنق.
"وحمرة عينَيه؟ فمَن أحسَّ بشيء من ذلك"؛ أي: إذا علمَه بالحسِّ.
"فَلْيضطجعْ وَلْيتلبَّدْ بالأرض"؛ أي: يَلتَزق بها ويصير كاللِّبد ملتصقًا بها، حتى تتكسرَ نفسُه ويَسكُنَ غضبُه، وإنما أَمرَ بذلك لِمَا فيه من الضَّعَةِ عن الاستعلاء وتذكُّرِ أن أصلَه من تراب لا يَصلُح أن يتكبَّرَ ويتجبَّرَ من شدة الغضب.
"وقال" أبو سعيد: "وذَكرَ الدَّينَ، فقال: فمنكم مَن يكون حسنَ القضاء وإذا كان له"؛ أي: الدَّينُ لمن هو حسنُ القضاء على أحدٍ "أَفحشَ في الطلب"؛ أي: آذاه في تقاضيه وعسَّر عليه في طلبه.
"فإحداهما بالأخرى، ومنكم مَن يكون سيئَ القضاء، وإن كان له"؛ أي: للمسيء.
"أَجملَ"؛ أي سهَّل ويسَّر "في الطلب، فإحداهما بالأخرى، وخياركم مَن إذا كان عليه الدِّينُ أحسنَ القضاءَ، وإذا كان له أَجملَ في الطلب، وشرارُكم مَن إذا كان عليه الدَّينُ أساءَ القضاءَ، وإذا كان له أَفحشَ في الطلب، حتى إذا كادت الشمس على رؤوس النخل وأطراف الحِيطان" بكسر الحاء: جمع حائط، هذا من كلام الراوي؛ أي: أنه ﷺ وعظَهم هذه العِظَةَ بعد العصر إلى قرب الغروب.
стр. 2662
"فقال: أَمَا إنه لم يبقَ من الدنيا فيما مضى منها إلا كما بقي من يومكم هذا فيما مضى منه".
٣٩٩٢ - وقال: "لن يَهلكَ النَّاسُ حتى يُعذَروا مِن أنفُسِهم".
"عن أبي البَختري، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: قال رسول الله عليه وسلم: لن يهلكَ الناسُ حتى يُعذِرُوا مِن أنفسِهم"، يقال: أَعذَرَ الرجل: إذا صار ذا ذنبٍ كثيرٍ محتاجٍ إلى العذر من كثرة ذنوبه؛ يعني: حتى تَكثُرَ ذنوبُهم وعيوبُهم، فيستوجبوا العقوبةَ، ويقيموا لمن عاقبهم العذرَ في ذلك، حتى يدفعوا العقوبةَ عن أنفسهم، و (مِن): للتبيين.
ويروى بصيغة المجهول من: (أُعذِرَ): إذا زال عذرُ أحدٍ؛ يعني: حتى يجعلَهم الله بحيث لا يَقدِرون على العذر، بأن يبعثَ عليهم الرسلَ ويبينوا لهم الرشادَ من الضلال، والحرامَ من الحلال، والحقَّ من الباطل.
ويروى بفتح الياء؛ أي: حتى يَعذِرُوا أنفسَهم بتأويلاتٍ وأعذارٍ باطلةٍ.
٣٩٩٣ - وقال: "إنَّ الله تعالى لا يُعذِّبُ العَامَّةَ بعَمَلِ الخاصَّةِ حتى يَرَوُا المُنْكَرَ بينَ ظَهْرانيهِم، وهم قادرونَ على أن يُنكِرُوهُ فلم يُنْكِروهُ، فإذا فعلُوا ذلكَ عذَّبَ الله العَامَّةَ والخَاصَّةَ".
"وعن عدي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : إن الله لا يعذِّب العامةَ بعمل الخاصة" أراد بـ (العامة): أكثر القوم، وبـ (الخاصة): أقلها.
"حتى يَرَوا المنكرَ بين ظَهْرَانيَهم"؛ أي: بينَهم.
стр. 2663
"وهم قادرون على أن ينكروه، فلا ينكرون، فإذا فعلوا ذلك عذَّب الله العامةَ والخاصةَ".
٣٩٩٤ - وعن عبدِ الله بن مَسْعودٍ قال: قالَ رسولَ الله ﷺ : "لمَّا وَقَعَتْ بنو إسرائيلَ في المعاصي نهتْهُم عُلَماؤُهُم فلم يَنتهُوا، فجالسُوهم في مجالِسِهم، وَواكلُوهُم وشارَبُوهم، فَضَرَبَ الله قلوبَ بعضهم ببَعْضٍ، ولعنَهم على لسانِ داودَ وعيسَى بن مريمَ ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾ "، قال: فجَلَسَ رسولُ الله ﷺ وكانَ مُتَّكِئًا فقال: "لا وَالذي نَفْسي بيدهِ، حتى تَأْطِرُوهم أَطْرًا".
وفي رِوايةٍ: "كلا والله، لتأمُرُنَّ بالمَعْروفِ، وَلَتنهَونَّ عن المنكرِ، ولتأخُذُنَّ على يَدَي الظالم، ولَتَأْطِرُنَّهُ على الحقِّ أَطْرًا، أو لتقْصُرُنَّه على الحَقِّ قَصْرًا، أو ليَضْرِبن الله بقلوبِ بعضكُم على بعضٍ، ثم لَيَلْعَننَّكُم كما لَعَنَهُم".
"عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : لمَّا وقعت بنو إسرائيل في المعاصي نهتْهم علماؤُهم، فلم ينتهوا، فجالَسُوهم في مجالسهم، وواكَلُوهم وشارَبُوهم، فضَربَ الله قلوبَ بعضهم ببعض"، الباء: للسببية؛ يعني: سوَّد قلبَ مَن لم يعصِ بشؤمِ مَن عَصَى، فصارت قلوبُ جميعهم قاسيةً بعيدةً عن قَبول الحق والخير والرحمة بسبب المعاصي، وسببِ مخالطة بعضهم بعضاً.
"ولعنَهم على لسان داود وعيسى بن مريم ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾، قال: فجلس رسولُ الله ﷺ وكان متكِئًا، فقال: لا"؛ أي لا تَنجُون مِن العذاب.
стр. 2664
"والذي نفسي بيده حتى تَأطِروهم" - بكسر الطاء المهملة - "أَطْرًا" بفتح الهمزة ثم السكون: هو الإمالة والتحريف من جانب إلى جانب؛ يعني: حتى يمنعوا الظَّلَمة والفَسَقة عن الظلم والفسق، ويُميلوهم عن الباطل إلى الحق، (حتى): متعلقة بقوله: (لا)، والقَسَم معترضة بينهما.
"وفي رواية: كلا، والله لَتأمُرُنَّ بالمعروف وَلَتنهوُنَّ عن المنكر، وَلَتأخذنَّ على يَدي الظالم، وَلتأطِرُنَّه على الحق، وَلَتقصُرُنَّه"؛ أي: لتَحبسُنَّه "على الحق قصرًا": وهو كـ (القسر) بمعنى: القهر.
"أو ليَضربن الله بقلوب بعضكم على بعض، ثم ليَلعنَّنكم كما لعنَهم".
٣٩٩٥ - عن أنسٍ: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "رَأَيتُ ليلةَ أُسْرِيَ بي رِجالًا تُقرَضُ شِفاهُهم بمَقارِضَ مِن نارٍ، فقلتُ: مَن هؤلاءِ يا جبريلُ؟ قال: هؤلاءِ خُطَباءُ مِن أُمَّتِكَ يأمرونَ النَّاسَ بالبرِّ ويَنْسَوْنَ أنفُسَهم".
"عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : رأيتُ ليلةَ أُسرِيَ بي رجالًا تُقرَض"؛ أي: تُقطَع.
"شفاههم بمقاريض" جمع: المِقْرَاض.
"من نار، قلت: مَن هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء خطباءُ من أمتك، يأمرون الناسَ بالبرِّ وَينسَون أنفسَهم".
٣٩٩٦ - عن عَمَّارِ بن ياسرٍ قال: قال رسولَ الله ﷺ : "أُنزِلَتْ المائِدَةُ مِن السَّماءِ خُبْزًا ولَحْمًا، وأُمِروا أنْ لا يَخُونوا ولا يَدَّخِرُوا لغدٍ، فخانُوا وادَّخَروا
стр. 2665
ورَفَعُوا لِغَدٍ، فمُسِخُوا قِرَدَةً وخنازِيرَ".
"عن عمار بن ياسر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : أُنزِلَتِ المائدةُ من السماء خبزًا ولحمًا": منصوبان على التمييز.
"وأُمروا أن لا يخونوا ولا يدَّخروا لغدٍ، فخانوا واذَخروا ورفعوا لغدٍ، فمُسِخُوا"؛ أي: فغيرت صُوَرُهم.
"قِرَدةً" جمع: قِرد، منصوب على أنه مفعول ثانٍ لـ (مُسخوا).
"وخنازير" جمع: خِنزير.
стр. 2666
٢٤ - كِتابُ الرِّقَاقِ
стр. 2667
٢٤ - كِتابُ الرِّقَاقِ
" كتاب الرقاق" بكسر الراء: جمع رقيق، ضد غليظ، والمراد بها: الكلمات التي تَرِقُّ بها القلوبُ إذا سمعت، وترغب عن الدنيا بسببها وتزهد فيها، وقيل: هو الفقر، فِعَال من: رِقَّة الحال.
مِنَ الصِّحَاحِ:
٣٩٩٧ - قال رسولُ الله ﷺ ؛ "نِعْمَتانِ مَغْبون فيهما كثيرٌ مِن النَّاسِ: الصِّحَّةُ والفَرَاغُ".
"من الصحاح":
" عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : نعمتانِ مغبونٌ فيهما كثيرٌ من الناس: الصحة والفراغ"، الغَبن: خروج الشيء من اليد بغير عِوَض؛ يعني: لا يَعرف قَدْر هاتين النعمتين كثيرٌ من الناس ما داموا فيهما، فإذا تبدَّل الصحةُ بالمرض والفراغُ بالاشتغال فحينئذ يندمون على ما فاتهم من أوقات الصحة والفراغ، ولا ينفعهم الندمُ.
٣٩٩٨ - وقال: "والله، ما الدُّنيا في الآخِرَةِ إلا مِثْلُ ما يَجْعَلُ أحدُكم إِصبَعَهُ في اليَمِّ، فَلْيَنْظُرْ بمَ يَرْجِعُ؟ ".
стр. 2668
"وعن المُستورِد بن شدَّاد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : والله ما الدنيا في الآخرة"؛ أي: ما نعيمُ الدنيا، أو ما زمانُها في مقابلة نعيم الآخرة أو زمانها.
"إلا مِثلُ ما يجعل أحدُكم إصبعَه في اليَمِّ"؛ أي: البحر؛ يعني: نسبة تلك إليها كنسبة الماء الملتصق بالإصبع إذا غمسَها في البحر.
"فَلْينظرْ بِمَ ترجع"؛ أي: بأيِّ شيءٍ ترجع إصبعُ أحدِكم من ذلك الماء.
٣٩٩٩ - وعن جابرٍ: أنَّ رسولَ الله ﷺ مرَّ بجَدْيٍ أَسَكَّ مَيتٍ، فقال: "أيُّكم يُحِبُّ أَنَّ هذا لهُ بدرهمٍ؟ " فقالوا: ما نُحِبُّ أنَّهُ لنا بشَيْءٍ، فقال: "فَوالله، للدُّنيا أَهْوَنُ على الله مِن هذا عَلَيْكُم".
"وعن جابر ﵁: أن رسولَ الله ﷺ مرَّ بجَدْيٍ": وهو ولد المَعز.
"أَسَكَّ"؛ أي: مقطوع الأذنين أو صغيرهما، وقد يقال للذي لا أذنَ له أيضًا.
"ميتٍ، قال: أيُّكم يحبُّ"؛ أي: يريد "أن يكون هذا له بدرهم"؛ أي يشتريه به.
"فقالوا: ما نحب أنه لنا بشيءٍ، قال: فوالله لَلدنيا أهونُ"؛ أي: أحقرُ وأسهلُ.
"على الله من هذا عليكم"؛ أي: مِن هَوَان الجدي عليكم.
٤٠٠٠ - وقال: "الدُّنيا سِجْنُ المُؤْمنِ وجَنَّةُ الكافرِ".
"وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : الدنيا سجنُ المؤمن"؛
стр. 2669
أي: كالسجن في جنب ما أُعدَّ له في الآخرة من النعيم المقيم الدائم.
"وجنةُ الكافر"؛ أي: كالجنة في جنب ما أُعدَّ له في الآخرة من عذاب الجحيم.
٤٠٠١ - وقال: "إنَّ الله لا يَظْلِمُ مُؤْمِنًا حَسَنَةً، يعطَى بها في الدُّنْيا، ويجزَى بِها في الآخِرَةِ، وأمَّا الكافرُ فيُطعَمُ بحَسَناتِ ما عَمِلَ بها لِلهِ في الدُّنْيا، حتى إذا أفضَى إلى الآخِرَةِ لم يَكُنْ له حَسَنَةٌ يُجْزَى بها".
"وعن أنس ﵁ أنه قال: قال النبي ﷺ : إن الله لا يَظلِم مؤمنًا"؛ أي: لا يَنقص "حسنةً": مفعول ثانٍ لقوله: (لا يظلم).
"يُعطَى بها في الدنيا"؛ يعني: أنه إذا اكتسب حسنةً يكافئه الله في الدنيا بتوسيع رزقه وتحسين خُلقه ودفع البلاء عنه.
"ويُجزَى بها في الآخرة"؛ أي: يُثِيبُه فيها بالجنة واللقاء.
"وأما الكافرُ فيُطعَم بحسناتِ ما عملَ بها لله"، من فكِّ أسيرٍ وإنقاذِ غريقٍ.
"في الدنيا"؛ يعني: يكافئه في الدنيا.
"حتى إذا أَفْضَى إلى الآخرة": أوصلَه إليها.
"لم يكن له حسنةٌ يُجزى بها".
٤٠٠٢ - وقال: "حُجبَتْ النَّارُ بالشَّهَواتِ، وحُجبَتْ الجَنَّةُ بالمَكارِهِ".
"وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : حُجبَتِ النارُ بالشهوات"؛ أي: حُفَّت وأُديرت حوالَيها اللذاتُ وما تشتهيه الأَنفس؛ يعني: أن مُتبعَ الشهواتِ
стр. 2670
في معصية الله وقعَ في النار بفعله، وهو لا يراها؛ بل يرى مشتهاه.
"وحُجبَتِ الجنةُ بالمَكَاره"؛ يعني: متحمِّل المشاقِّ الدينية دخل الجنَّةَ؛ أي: عملَ ما يدخله فيها، وهو لا ينظر إليها؛ بل إلى المكاره الحالية، ويروى: "حُفَّت".
٤٠٠٣ - وقال: "تَعِسَ عَبْدُ الدِّينارِ، وعَبْدُ الدِّرْهَم، وعَبْدُ الخَميصَة، إنْ أُعطيَ رَضيَ، وإنْ لم يُعْطَ سَخِطَ، تَعِسَ وانتكَسَ، وإذا شِيْكَ فلا انتَقَشَ، طُوبى لعبدٍ آخذٍ بعِنانِ فرسه في سبيلِ الله أشعثَ رأسُه، مُغْبَرَّةٍ قَدَماهُ، إنْ كانَ في الحِراسَةِ كانَ في الحراسةِ، وإنْ كانَ في السَّاقَةِ كانَ في السَّاقةِ، إنْ استأذَنَ لم يُؤذَنْ لهُ، وإنْ شَفَعَ لم يُشَفَّعْ".
"وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : تَعَسَ" بفتح العين؛ أي: سقطَ على وجهه؛ يعني: هَلكَ.
"عبدُ الدينار وعبدُ الدرهم": وهذا دعاء على مَن يستعبده حبُّ الدنيا، وفيه: إشارة إلى أن المذمومَ مَن يكون أسيرًا لجمع الأموال بحيث لا يؤدِّي حقَّ الله منها.
"وعبد الخَمِيصة": وهي كِساء أسود معلَّم، أراد به: مُحِبُّ الثياب النفيسة والحريصَ على التجمُّل فوق الطاقة.
"إن أُعطِيَ رَضيَ": هذا بيان لشدة حرصه.
"وإن لم يُعطَ سخطَ، تعسَ وانتكسَ"؛ أي: صار ذليلًا، والانتكاس: هو الانقلاب على الرأس، إنما أعاد (تعس)؛ ليترقَّى في الدعاء عليه من الأهون إلى الأغلظ، ثم ترقَّى منه إلى قوله:
стр. 2671
"وإذا شِيكَ"؛ أي: دخلتْ شوكةٌ في عضوه.
"فلا انتُقِشَ" على بناء المجهول؛ أي: فلا أُخرِجَ منه، خصَّ انتقاش الشوكة؛ لأنه أسهلُ ما يُتصوَّر من المعاونة لمن أصابه مكروه، فإذا نُفِيَ ذلك الأهونُ يكون ما فوقَه منفيًا بالطريق الأولى.
"طُوبَى لعبدٍ آخِذٍ بعنانِ فرسِه في سبيل الله": هذا يدل على اهتمامه بالمجاهدة.
"أشعثَ رأسُه": مرفوع بالفاعلية لـ (أشعث)، وهو خبر مبتدأ محذوف، والأشعث: مُغْبَرُّ الرأس.
"مُغبرَّةٍ قدماه"؛ أي: صار ذا غبارٍ من كثرة المشي على التراب.
"إن كان في الحراسة"؛ أي: حراسة الجيش على أن يهجمَ عليهم العدوُّ، وهي تكون في مقدمة الجيش "كان في الحراسة"؛ أي: يبذل جهدَه فيها ولا يغفل عنها، تقرَّر في علم المعاني: أن الشرطَ والجزاءَ إذا اتحدا دلَّ على مخافة الجزاء.
"وإن كان في الساقة": وهي مؤخر الجيش.
"كان في الساقة"، خصَّهما بالذكر؛ لأنهما أشدُّ مشقةً وأكثرُ آفةً، إذ الأولى عند دخولهم دارَ الحرب، والأخرى عند خروجهم منها.
"وإن استَأذن لم يُؤذَن له"؛ لكونه غيرَ مُلتفَتٍ إليه في الدنيا.
"وإن شَفعَ لم يُشفَّع"؛ أي: لم تُقبَل شفاعتُه؛ لكونه وضيعَ القَدْر عند الناس.
٤٠٠٤ - عن أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "إنَّ مِمَّا أخافُ
стр. 2672
عليكُم مِن بعدي ما يُفتَحُ عليكُم مِن زَهْرَةِ الدُّنيا وزينَتِها"، فقالَ رجلٌ: يا رسولَ الله! أَوَ يأتي الخَيْرُ بالشَّرِّ؟ فسكتَ حتى ظنَنَّا أنهُ يُنزَلُ عليهِ، قال: فَمَسَحَ عنه الرُّحَضَاءَ وقال: "أينَ السَّائِلُ؟ "، وكأنَّهُ حَمِدَهُ، فقال: "إنَّه لا يأتي الخَيْرُ بالشَّرِّ، وإنَّ مِمَّا يُنبتُ الرَّبيعُ يَقتُلُ حَبَطًا أو يُلِمُّ، إلَّا آكلَةَ الخضراءِ، أكَلَتْ حتى إذا امتَدَّتْ خاصِرَتَاهَا استقبَلَتْ عينَ الشَّمْسِ فَثَلَطَتْ وبَالَتْ، ثم عادَتْ فأَكَلَتْ، وإنَّ هذا المالَ خَضرَةٌ حُلْوَةٌ، فمَن أخذَهُ بحَقِّه ووَضَعَهُ في حَقِّه فنِعْمَ المَعُونَةُ هُوَ، ومَن أخذَهُ بغيرِ حقِّهِ كانَ كالذي يأكُلُ ولا يَشْبَعُ، ويكونُ شهيدًا عليهِ يومَ القيامةِ".
"عن أبي سعيد الخُدري ﵁: أن النبي ﷺ قال: إن مما أخاف عليكم مِن بعدي ما يُفتَح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها"، والزَّهرة - بفتح الزاي المعجمة وسكون الهاء وتحريكها -: حُسنها وبهجتها وكثرة خيرها مِن كل ما يُستلَذُّ به ويُستمتَع منها؛ أي: إني أخافُ إنْ كَثُرت أموالُكم أن تكونَ شاغلةٌ لكم عن الأعمال الصالحة، وموجبةً لتكبُّركم على الناس.
"فقال رجل: يا رسولَ الله! أوَ يأتي الخير، - بفتح الواو - "بالشر؟ " الباء فيه للتعدية؛ يعني: حصول الغنيمة لنا خيرٌ، وهل يكون ذلك الخير سببًا للشرِّ وتركِ الطاعة؟
"فسكت ﷺ حتى ظننا أنه يُنزَل عليه"؛ أي: الوحي.
"قال"؛ أي: الراوي: "فمسحَ عنه"؛ أي: النبيُّ ﷺ عن نفسِه "الرُّحَضاء": وهو العَرَق الذي يَظهَر للنبي ﵊ عند نزول الوحي، يَغسل الجِلدَ لكثرته.
"فلمَّا سُرِّيَ عنه مسحَها": وهذا كناية عن تلقِّي الوحي، وكثيرًا ما يُستعمل في الحُمَّى والمرض.
стр. 2673
"وقال: أين السائلُ؟ وكأنه حمدَه"؛ أي: النبيُّ ﷺ حَمِدَ السائلَ.
"فقال: إنه لا يأتي الخيرُ بالشرِّ، وإن مما يُنبت الربيعُ ما يَقتُل حَبَطًا" بفتحتين، نُصب على التمييز؛ أي: هلاكًا، يقال: حَبَطتِ الدابةُ حَبَطًا إذا أصابت مرعَى طيبًا، فأفرطت في الأكل حتى تنتفخَ، فتموت؛ وذلك لأن الربيعَ يُنبت خيارَ العُشب والبُقول ما يُؤكَل غيرَ مطبوخ، فتَستكثر منه الماشيةُ؛ لاستطابتها إياه حتى تنتفخَ بطونُها عند مجاوزتها حدَّ الاحتمال، فتنشقُّ أمعاؤها من ذلك "أو يُلِمُّ"؛ أي: تُقارب من الهلاك، كذلك المُفرِطُ في جمع المال من غير حلِّها؛ يُفرِط في التنعُّم حتى يقسوَ قلبُه من كثرة الأكل والشرب، فيتكبَّر ويحتقر الناسَ ويؤذيهم، ويمنع ذا الحقِّ حقَّه منها، فإنه قد تعرَّض لهلاكه في الآخرة بدخول النار، وفي الدنيا بأذى الناس؛ فهذا المالُ شرٌّ له ووبالٌ عليه.
"إلا آكلةَ الخُضَر": استثناء مفرغ من المثبت، و (الخُضَر) بضم الخاء وفتح الضاد المعجمتين، وقيل بفتح الخاء وكسر الضاد، وهو أكثر الروايات: هو الطَّرِيَّ الغَضُّ من النبات.
"أكَلتْ حتى إذا امتدَّتْ خاصرتاها"؛ أي: شَبعتْ "استَقبلتْ عينَ الشمس"؛ أي: ذاتَها وقرصَها؛ يعني: بَرَكَتْ مستقبلةً إليها، تَستمرِئ بذلك ما أَكلتْ.
"فثَلَطَتْ"؛ أي: رَاثَتْ وأَلقَتْ رجيعَها سهلاً رقيقًا.
"وبالَتْ"، فيزول عنها الحَبَط.
"ثم عادتْ فأكَلتْ"، كذلك مَن أَخرجَ ما في المال من الحقوق، وفيه: حثٌّ على ترك الإمساك للادخار، وهذا المالُ خيرٌ له ومعونةٌ في تحصيل الخير؛ يعني: الجنة.
"وإن هذا المالَ خَضرةٌ حلوةٌ"، إنما أنَّث على معنى تأنيث المشبَّه به؛
стр. 2674
أي: إن هذا المالَ شيءٌ كالخُضرة، وقيل: يريد أن المالَ الذي هو صيرورة الدنيا ومتاعها خضرةٌ حلوةٌ؛ أي: حسنةُ المنظر تُعجب الناظرَ.
"فمَن أخذَه بحقِّه"؛ أي: بقَدْر احتياجه ومِن حِلِّه، "ووضعَه في حقِّه": بأن أدَّى زكاتَه، "فنِعمَ المعونةُ هو، ومَن أخذَه بغير حقِّه كان كالذي يَأْكل ولا يَشبَع ويكون"؛ أي: المالُ "شهيدًا عليه"، أي: وبالًا وحُجَّةً عليه "يومَ القيامة".
٤٠٠٥ - وقال: "والله لا الفَقْرَ أَخْشَى عليكُم، ولكِنْ أخشَى عليكُم أنْ تُبْسَطَ عليكُم الدُّنيَا كما بُسِطَتْ على مَن قَبْلَكم، فتنَافسُوها كما تَنَافَسُوها، وتُهلِكَكُم كما أهلَكَتْهُم".
"وعن عمرو بن عوف ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ووالله ما الفقرَ أَخشَى عليكم، ولكن أخشى عليكم أن تُبسَطَ عليكم الدنيا كما بُسطت على مَن كان قبلَكم، فتَنَافَسوها" - بحذف إحدى التاءين - "كما تنافسوها"؛ أي: فتتنافسوا كما تنافس أولئك فيها، والتنافس والمنافسة: الرغبة في الشيء والانفراد به، من: الشيء النفيس، الجيد في نوعه.
"وتُهلكَكم"، أي: الدنيا؛ لظهور العداوة بينكم بسببها، فيقتل بعضكم لأجلها، "كما أهلكتهم".
٤٠٠٦ - وقال: "اللهمَّ! اجعلْ رِزْقَ آلِ مُحَمَّدٍ قُوتًا"، ويُروَى: "كفَافًا".
"وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : اللهم اجعلْ رزقَ آل محمدٍ قُوتًا"؛ أي: بقَدْر ما يُمسك الرَّمَق.
стр. 2675
"ويروى: كَفَافًا"؛ أي: ما كان بقَدْر الحاجة ولا يَفضُل منه شيء، ويكفُّ عن السؤال وإراقة ماء الوجه.
٤٠٠٧ - وقال: "قد أَفْلَحَ مَن أَسْلَمَ، ورُزِقَ كَفَافًا، وقنَّعَهُ الله بما آتاهُ".
"عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : قد أَفلحَ مَن أَسلمَ ورُزقَ كَفَافًا وقنَّعَه الله"؛ أي: جعلَه قانعًا "بما آتاه"؛ أي: أعطاه من الدنيا، ولم يَطلبِ الزيادةَ ولم يَلتفتْ قلبُه لما خَلَتْ عنه يدُه.
٤٠٠٨ - وقال: "يقولُ العبدُ: مالي، مالي، إنَّما لهُ مِن مَالِهِ ثلاثٌ: ما أكلَ فأَفْنَى، أو لَبسَ فأَبْلَى، أو أَعْطَى فاقتَنَى، وما سِوَى ذلك فهوَ ذَاهِبٌ وتَارِكُه للنَّاسِ".
"وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : يقول العبد: مالي مالي، إنما له من ماله ثلاثٌ: ما أكَلَ فأَفْنَى، أو لَبسَ فأبْلَى، أو أَعْطَى"؛ أي: مالَه لوجه الله وابتغاء مرضاته "فاقتنى"؛ أي ادَّخر للآخرة.
"وما سوى ذلك فهو ذاهبٌ وتاركُه للناس".
٤٠٠٩ - وقال: "يَتْبَعُ المَيتَ ثلاثةٌ، فيَرجعُ اثنانِ ويبقَى معَهُ واحدٌ، يتبعُهُ أهلُه ومالُه وعَمَلُه، فَيَرْجِعُ أهلُه ومالُه، ويبقَى عَمَله".
"عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : يَتبعُ الميتَ ثلاثةٌ، فيرجع اثنان ويبقى معه واحد؛ يتبعه أهلُه ومالُه" كالعبيد والإماء.
стр. 2676
"وعمله، فيرجع أهلُه ومالُه، ويبقى عملُه".
٤٠١٠ - عن عبدِ الله قال: قالَ النَّبيُّ ﷺ : "أيُّكم مالُ وارثِهِ أَحَبَّ إليهِ مِن مالِهِ؟ " قالوا: يا رَسولَ الله! ما مِنَّا أَحَدٌ إلا مالُه أَحَبُّ إليهِ، قال: "فإنَّ مالَهُ ما قدَّمَ، ومالُ وارِثهِ ما أخَّرَ".
"عن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : أيُّكم مالُ وارثِه أحبُّ إليه من ماله؟ قالوا: يا رسولَ الله! ما منا أحدٌ إلا مالُه أحبُّ إليه، قال: فإن مالَه" الذي ينفعه "ما قدَّم"؛ أي: تصدَّقه.
"ومالُ وارِثَه ما أخَّر"، فينتفع به وارثُه، ويُحاسَب عليه مُورِّثُه.
٤٠١١ - عن مُطَرِّفٍ، عن أبيهِ قال: أتيتُ النَّبيَّ ﷺ وهو يَقْرأُ: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾ قال: "يقولُ ابن آدمَ: مالي، مالي"، قال: "وهل لكَ يا ابن آدَم! إلا ما أكلْتَ فأفنَيْتَ، أو لَبسْتَ فأبليْتَ، أو تصدَّقْتَ فأَمضَيْتَ؟ ".
"عن مُطرِّف، عن أبيه ﵄ أنه قال: أتَيتُ النبيَّ ﷺ وهو يقرأ: ﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾، قال: يقول ابن آدم: مالي مالي، قال: وهل لك من مالك يا ابن آدم إلا ما أكَلتَ فأفنيتَ، أو لَبستَ فأبليتَ، أو تصدَّقتَ فأمضيتَ؟ "؛ أي: أَبقيتَ للآخرة.
٤٠١٢ - وقال: "ليس الغِنى عن كَثْرَةِ العَرَضِ، ولكنَّ الغِنَى غِنَى النَّفْسِ".
стр. 2677
"وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ليس الغنى عن كثرة العَرَض"، وهو - بالتحريك -: متاع الدنيا وحطامها، نقدًا كان أو غيرَه، وجمعه: أمراض، وبالسكون: لا يتناول النقدين، وجمعه: عُروض، قيل: عَرَض الدنيا، كأنه من العَرَض يقابل الجوهر، شبَّه متاعَها به في سرعة زواله وعدم ثباته زمانين.
"ولكن الغِنَى غِنَى النفس"؛ أي: الغِنَى الحقيقيُّ هو قناعةُ النفس والتجنُّبُ عن الحرص في طلب الدنيا، فمَن كان قلبُه على جمع المال فهو فقير، وإن كان له مال كثير؛ لأنه محتاجٌ إلى طلب الزيادة، ومَن كان له قلبٌ بعيدٌ عن الحرص راضٍ بالقُوت فهو غني، وإن لم يكن له مال؛ لأنه لا يطلب الزيادةَ عن القُوت ولا يُتعب نفسَه في طلبها.
مِنَ الحِسَان:
٤٠١٣ - عن أبي هُريرةَ ﵁ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "مَن يَأْخُذْ عَنِّي هؤلاءِ الكَلِمَاتِ فَيَعْمَل بِهِنَّ، أو يُعَلِّمُ مَن يَعْمَلُ بهنَّ؟ " قلتُ: أنا يا رسولَ الله! فأَخَذَ بيدَيَّ، فعدَّ خَمْسًا فقال: "اتَّقِ المَحَارِمَ تكنْ أَعْبَدَ النَّاسِ، وارضَ بما قَسَمَ الله لكَ تكنْ أغنَى النَّاسِ، وأَحسِنْ إلى جارِكَ تكنْ مُؤْمِنًا، وأَحِبَّ للنَّاسِ ما تُحِبُّ لنَفْسِكَ تكنْ مُسْلِمًا، ولا تُكْثِرِ الضَّحِكَ فإنَّ كَثْرَةَ الضَّحِكِ تُميتُ القَلْبَ"، غريب.
"من الحسان":
" عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : مَن يأخذْ عني هؤلاء الكلماتِ، فيعملْ بهنَّ أو يعلِّمْ مَن يَعملُ بهن؟ قلت: أنا يا رسولَ الله، فأخذ
стр. 2678
بيدي، فعدَّ خمسًا، فقال: اتَّقِ المحارمَ تكنْ أعبدَ الناس، وارضَ بما قَسَمَ الله لك تكن أغنى الناس، وأَحسِنْ إلى جارِك تكن مؤمنًا، وأحبَّ للناس ما تحبُّ لنفسك تكن مسلمًا، ولا تُكثر الضحكَ؛ فإن كثرةَ الضحك تُميت القلبَ": وهذا تهديد عظيم؛ لأن موتَ القلب إما كفرٌ في الدنيا، وإما فزعٌ في القيامة، وما أُضيف إلى القلب فهو أعظمُ، كقوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣].
"غريب".
٤٠١٤ - عن أبي هُريرةَ، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "إنَّ الله يقولُ: ابن آدَم! تَفَرَّغْ لعبادتي أَمْلأْ صَدْرَكَ غِنًى، وأَسُدَّ فقرَكَ، فإنْ لم تفعلْ مَلأْتُ يدَكَ شُغْلًا، ولم أَسُدَّ فقرَكَ".
"عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : إن الله يقول: ابن آدم! تفرَّغْ" بصيغة الأمر "لعبادتي أَملأ" بالجزم: جواب الأمر.
"صدرَك غنًى، وأسدَّ فقرَك"؛ أي: أُزيل عنك فقرَك.
"وإنْ لا تفعلْ"؛ أي: وإن لم تفعلْ ما أمرتك من الإعراض عن الدنيا والتفرُّغ لعبادتي "ملأتُ يدَك شغلًا"؛ أي: كثَّرت شغلَك بالدنيا.
"ولم أسدَّ فقرَك"، فتُتعب نفسَك بكثرة الترف وفي طلب المال، ولا تنال من الرزق إلا ما قدَّرتُ لك.
٤٠١٥ - "عن جابرٍ قال: ذُكِرَ رَجُلٌ عندَ رسولِ الله ﷺ بعبادة واجتِهادٍ، وذُكِرَ آخرُ بِرِعَةٍ، فقالَ النَّبيّ ﷺ : "لا تَعدِلْ بالرِّعَةِ شَيْئًا"، يعني: الوَرعَ.
"وعن جابر ﵁ قال: ذُكر رجل عند رسول الله ﷺ بعبادةٍ واجتهادٍ، وذُكر
стр. 2679
آخرُ بِرِعَةٍ"؛ أي: بورعٍ، يقال: وَرعَ يَرِعُ - بالكسر فيهما - وَرَعًا ورِعَةً.
"فقال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: لا تَعدِلْ بالرِّعَةِ شيئًا"؛ أي: لا تقابلْ شيئاً بالورع؛ فإنه أفضلُ من كل خصلة.
٤٠١٦ - وقال رسولُ الله ﷺ لِرَجُلٍ وهو يَعِظُه: "اغتنمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شبابَكَ قبلَ هَرَمِكَ، وصِحَّتَكَ قبلَ سَقَمِكَ، وغِناكَ قبلَ فَقْرِكَ، وفَراغَكَ قبلَ شُغْلِكَ، وحَياتَك قبلَ مَوْتكَ"، مرسل.
"عن عمرو بن ميمون ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لرجلٍ وهو يَعظُه: اغتَنِمْ خمسًا"؛ أي: اتخذها غنيمةً.
"قبلَ خمسٍ: شبابَك"؛ أي: اغتنمْ حالَ شبابك الأعمالَ الصالحةَ.
"قبلَ هَرَمِك، وصحتَك قبلَ سقمك، وغناك قبلَ فقرك، وفراغَك قبل شغلك، وحياتَك قبل موتك"، "مرسل".
٤٠١٨ - عن أبي هُريرةَ، عن النَّبيِّ ﷺ قال: كما يَنتظِرُ أَحَدُكم إلا غِنًى مُطْغِيًا، أو فَقْرًا مُنْسِيًا، أو مَرَضًا مُفْسِدًا، أو هَرَمًا مُفْنِدًا، أو مَوْتًا مُجْهِزًا، أو الدَّجَّالَ، فالدَّجَّالُ شَرُّ غائبٍ يُنتَظَرُ، أو السَّاعةَ، ﴿وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرُّ﴾ ".
"عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: ما ينتظرُ أحدُكم إلا غنًى مُطْغِيًا": خرج هذا الكلامُ مخرجَ التوبيخ على تقصير المكلَّفين في أمر دينهم؛ أي: متى تعبدون ربَّكم؟ فإنكم إن لم تعبدوه مع قلة الشواغل وقوة البدن، فكيف تعبدونه مع كثرة الشواغل وتخاذُل القوى؟ لعل أحدَكم ما ينتظر إلا غنًى مُطغِيًا أطغاه المالُ، جعلَه طاغيًا؛ أي: مجاوزًا للحدِّ من البَطَر والغرور به.
стр. 2680
"أو فقرًا مُنسِيًا": وهو الذي يجعل صاحبَه مدهوشًا، فينسيه الطاعةَ من الجوع والعُري والتردُّد في طلب القُوت.
"أو مرضًا مُفسِدًا": وهو ما يُفسد البدنَ لشدته، أو الدِّين للكسل الحاصل به.
"أو هرمًا مُفنِدًا": وهو الذي يبلِّغ صاحبَه إلى الفَنَد، وهو ضَعفُ الرأي، يقال: أَفنَدَه الكِبَر: إذا جعلَ رأيَه ضعيفًا.
"أو موتًا مُجهِزًا" بالتخفيف؛ أي: قاتلاً بغتةً بحيث لا يَقدِر على التوبة.
"أو الدجالَ؛ فالدجالُ شرُّ غائبٍ يُنتظَر، أو الساعةَ؛ ﴿وَالسَّاعَةُ أَدْهَى﴾ "؛ أي: أشدُّ الدواهي وأفظعُها.
﴿وَأَمَرُّ﴾؛ أي: أشدُّ مرارةً من القتل ومن جميع الشدائد.
٤٠١٧ - عن أبي هُريرةَ، عن النبيِّ ﷺ قال: "ألا إنَّ الدُّنيا مَلْعونةٌ، مَلْعونٌ ما فيها، إلا ذكرَ الله وما وَالَاهُ، وعالِمًا أو مُتَعلِّمًا".
"عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: ألا إن الدنيا ملعونةٌ"؛ أي: مباعدةٌ عن الله تعالى.
"ملعونٌ ما فيها"؛ أي: مُبعَدٌ عن الله تعالى.
"إلا ذِكرَ الله تعالى وما والاه"؛ أي: والَى ذِكرَ الله؛ أي: قارَبه من ذِكرِ خيرٍ، وقيل: من: الموالاة، المتابعة، وما والَى ذِكرَه تعالى: طاعتُه واتباعُ أمرِه ونهيه؛ لأن ذِكرَه يقتضي ذلك، أو من: الموالاة، التي هي جريان المحبة بين اثنين، وقد يأتي بمعنى: فَعَلَ، ولا يكون إلا من واحد؛ أي: وما أحبَّه الله مما يجري فيها.
стр. 2681
"وعالمًا أو متعلِّمًا": منصوبان في أكثر النسخ عطفًا على (ذكر)؛ فإنه منصوب مستثنى من الموجب.
٤٠١٩ - وعن سَهْلِ بن سَعْدٍ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "لو كانَت الدُّنيا تَعْدِلُ عندَ الله جناحَ بعوضَةٍ ما سقَى كافِرًا منها شَرْبَةَ ماءٍ".
"وعن سهل بن سعد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : لو كانتِ الدنيا تَعدِل"؛ أي: تَزِنُ وتُقابل.
"عند الله جناحَ بعوضة ما سَقَى كافرًا منها شربةَ ماءٍ"؛ لأن الكافرَ عدوُّ الله، والعدوُّ لا يُعطَى شيئاً مما له قَدْرٌ عند المُعطِي.
٤٠٢٠ - عن ابن مَسْعودٍ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "لا تتَّخِذوا الضَّيْعَةَ فترْغَبُوا في الدُّنيا".
"عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : لا تتخذوا الضَّيعةَ"؛ أي: البستانَ والمزرعةَ.
"فترغبوا في الدنيا"؛ يعني: لو اتخذتموها لَحرصتُم على طلب الزيادة، فلا يحصل الشِّبَعُ حينَئذٍ من الدنيا.
٤٠٢١ - وقال: "مَن أَحَبَّ دُنْياهُ أَضَرَّ بآخِرَتهِ، ومَن أَحَبَّ آخرَتَهُ أَضَرَّ بدنياهُ، فآثِروا ما يَبْقَى على ما يَفْنَى".
"وعن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : مَن أحبَّ دنياه أضرَّ
стр. 2682
بآخرته"؛ يعني: نقصَ درجتَه في الآخرة؛ لأنه يَشغَل ظاهرَه وباطنَه بالدنيا، فلا يكون له فراغٌ لطاعة الله.
"ومَن أحبَّ آخرتَه أضرَّ بدنياه؛ فآثِرُوا"؛ أي: اختاروا "ما يبقى على ما يفنى".
٤٠٢٢ - عن أبي هُريرةَ، عن النبيِّ ﷺ قال: "لُعِنَ عبدُ الدِّينارِ، ولُعِنَ عبدُ الدِّرْهَمِ".
"عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: لُعِنَ عبدُ الدينار، ولُعِنَ عبدُ الدرهم".
٤٠٢٣ - عن ابن كَعْبِ بن مالكٍ، عن أبيه قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "ما ذِئبانِ جائعانِ أُرْسِلا في غَنَمٍ بأَفْسَدَ لها مِن حِرْصِ المَرْءِ على المالِ والشَّرَفِ لديِنهِ".
"عن كعب بن مالك، عن أبيه ﵄ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : ما ذئبانِ جائعانِ أُرسِلا في غنمٍ بأفسدَ لها"؛ أي: ليسا بأكثرَ إفسادًا للغنم، أنَّث الضمير؛ لأن الغنمَ جمعٌ في المعنى.
"مِن حرصِ المرءِ"؛ أي: إفسادِ حرصِ المرءِ "على المال والشرف": عطف على (المال)؛ أي: وعلى الجاه والمَنصِب.
"لدِينه": متعلق بـ (أفسد)؛ يعني: حرصُ المرء عليهما أكثرُ إفسادًا لدِينه من إفساد الذئبين للغنم.
стр. 2683
٤٠٢٤ - عن خَبَّابٍ، عن رسولِ الله ﷺ قال: "ما أَنْفَقَ المُؤْمِنُ مِن نَفَقَةٍ إلا أُجِرَ فيها، إلَاّ نَفَقَتَهُ في هذا التُّرابِ".
"عن خَبَّاب بن الأَرَتِّ، عن رسول الله ﷺ أنه قال: ما أَنفقَ المؤمنُ من نفقة إلا أُجِرَ فيها؛ إلا نفقتَه في هذا التراب"؛ أي: البناء؛ يعني: لا أجرَ لمن يَصرِف مالَه في بناء البيوت والقصور زيادةَ على قَدْر الحاجة.
٤٠٢٥ - وعن أنسٍ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "النَّفَقَةُ كلُّها في سبيلِ الله إلا البناءَ فلا خَيْرَ فيهِ"، غريب.
"وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: النفقةُ كلُّها في سبيل الله إلا البناءَ فلا خيرَ فيه"، "غريب".
٤٠٢٦ - وقال: "إنَّ كلَّ بناءً وَبَالٌ على صَاحِبه إلَّا مَا لا، إلَّا مَا لا"، يعني: إلَّا مَا لا بُدَّ منه.
"وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : إن كلَّ بناءٍ وبالٌ على صاحبه"، والوبال: الثقل والمكروه، أو يريد به هنا: العذاب في الآخرة.
"إلا ما لا إلا ما لا؛ يعني: إلا ما لا بدَّ منه".
٤٠٢٧ - عن أبي هاشمٍ بن عُبيدٍ قال: عَهِدَ إليَّ رسولُ الله ﷺ قال: "إنَّما يَكْفيكَ مِن جَمْعِ المالِ خادِمٌ ومَركَبٌ في سبيلِ الله".
"عن أبي هاشم بن عتبة ﵁ أنه قال: عَهِدَ إليَّ رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم"؛ أي أوصاني.
стр. 2684
"قال: إنما يكفيك من جمع المال خادمٌ ومركبٌ في سبيل الله".
٤٠٢٨ - عن عُثْمانَ ﵁: أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "ليسَ لابن آدَمَ حقٌّ في سِوَى هذه الخِصَالِ: بَيْتٌ يَسْكُنُه، وثَوْبٌ يُوَارِي بهِ عَوْرتَهُ، وجِلْفُ الخُبْزِ والماءِ".
"عن عثمان ﵁: أن النبي ﷺ قال: ليس لابن آدمَ حقٌّ"، أراد به: ما يستحقُّه لافتقاره إليه وتوقُّف تعيُّشه عليه، وقيل: ما لم يحاسب عليه إذا اكتسب من الحل.
"فيما سوى هذه الخصال: بيتٌ يَسكنُه، وثوبٌ يُواري"؛ أي: يَستُر "به عورتَه، وجِلْفُ الخبز والماء" بكسر الجيم وسكون اللام، قيل: الظَّرف الذي يُجعل في الخبز والماء، وقيل: الخبز بلا إدام، وقيل: الخبز الغليظ اليابس، ويروى بفتح اللام، جمع جِلْفة، وهي الكِسرة من الخبز.
٤٠٢٩ - عن سَهْلِ بن سَعْدٍ قال: جاءَ رَجُلٌ فقال: يا رسولَ الله! دُلَّني على عَمَلٍ إذا أنا عَمِلْتُهُ أَحَبنى الله وأَحَبني النَّاسُ، قال: "ازهَدْ في الدُّنيا يُحِبَّكَ الله، وازهَدْ فيما عندَ الناسِ يُحِبَّكَ النَّاسُ ".
"عن سهل بن سعد ﵁ أنه قال: جاء رجلٌ، فقال: يا رسولَ الله! دُلَّني على عملٍ إذا أنا عملتُه أحبني الله وأحبني الناسُ، قال: ازهدْ في الدنيا"؛ أي: كنْ تاركًا للدنيا ومُعرِضًا عنها "يحبَّك الله، وازهدْ فيما في أيدي الناس يحبَّك الناسُ".
стр. 2685
٤٠٣٠ - عن ابن مَسْعودٍ: أن رسولَ الله ﷺ نامَ على حَصيرٍ، فقامَ وقد أَثَّرَ في جَسَدِهِ، فقال ابن مَسْعودٍ: يا رسولَ الله! لو أَمَرْتَنا أن نَبْسُطَ لكَ ونَعْمَلَ، فقالَ: "ما لِي وللدُّنيا، وما أنا والدُّنيا إلا كَراكِبٍ استَظَلَّ تحتَ شَجَرَةٍ ثُمَّ راحَ وتركها".
"عن ابن مسعود ﵁: أن رسولَ الله ﷺ نامَ على حصيرٍ، فقام وقد أثَّر في جسده، فقال ابن مسعود: يا رسولَ الله! لو أمرتَنا"؛ أي: أَذِنتَ لنا "أن نبَسطَ لك"؛ أي: فِراشًا لينًا.
"ونَعملَ"؛ أي: نعملَ لك ثوبًا حسنًا وبيتًا حسنًا يكون لك أحسنَ وأطيبَ من اضطجاعك على هذا الحصير الخشن.
"فقال: ما لي وللدنيا"، (ما): للنفي؛ أي: ليس لي ألفةٌ ومحبةٌ مع الدنيا، ولا للدنيا ألفةٌ ومحبةٌ معي حتى أرغبَ فيها وأجمعَ ما فيها، ويجوز أن يكون للاستفهام، فمعناه: أيُّ ألفةٍ ومحبةٍ لي مع الدنيا؟ أو أيُّ شيءٍ حالي مع الميل إلى الدنيا؟ "وما أنا والدنيا إلا كراكبٍ استظلَّ تحتَ شجرةٍ، ثم راحَ وتركها".
٤٠٣١ - وعن أبي أُمامَةَ، عن النبيِّ ﷺ قال: "أَغْبَطُ أوليائي عِنْدي لَمُؤْمِنٌ خَفيفُ الحَاذِ، ذو حَظٍّ مِن الصَّلاةِ، أَحْسَنَ عِبادَةَ ربِهِ وأطاعَهُ في السِّرِّ، وكانَ غامِضًا في النّاسِ لا يُشَارُ إليه بالأَصابعِ، وكانَ رزقُهُ كَفَافًا، فصَبَر على ذلكَ"، ثم نقَرَ بِيدِهِ فقال: "عُجِّلَتْ مَنِيَّتُه، وقَلَّتْ بواكِيهِ، وقَلَّ تُرَاثُه".
"وعن أبي أُمامة ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: أَغْبَطُ أوليائي": أفعل تفضيل بني للمفعول؛ لأنه للمغبوط به، الذي يُتمنَّى حالُه؛ أي: أحسنُهم حالاً.
стр. 2686
"عندي لَمؤمنٌ"، واللام: زائدة، أو للابتداء حُذف مبتدؤه؛ أي: لَهو مؤمنٌ.
"خفيفُ الحاذِ"؛ أي: خفيف الظَّهر من العيال، متمكِّن من السير في طريق الله، لقلة العلائق بطريق الكفاية؛ لأن خفيفَ الحاذِ أمكنُ في مشيه، وقيل: أي: خفيفُ الحال، قليل المال والعيال.
"ذو حظٍّ من الصلاة والصيام"؛ أي: هو ممن نشأ في عبادة الله.
"أحسنَ عبادةَ ربه وأطاعَه في السِّرِّ": وهذا كالتفسير لـ (ذي حظٍّ منها).
"وكان غامضًا في الناس"؛ أي: خاملاً، من: الغموض، الخمول.
"لا يُشار إليه بالإصبع": تفسير له.
"وكان رزقُه كفَافًا"؛ أي: لا يَفضُل عما لابد منه.
"فصبر على ذلك": إشارة إلى الرزق الكفاف، أو إلى جميع المذكورات.
"ثم نقًدَ" بالدال المهملة؛ أي: ضربَ النبيُّ ﵊ "بيده"، من: نَقدتُ رأسَه بأصبعي؛ أي: ضربتُه، وقيل: من "نقدَ الطائرُ الحَبَّ): إذا التقطَه واحدًا بعدَ واحدٍ، وأُريد به هنا: ضرب الأُنملة على الأُنملة، أو على الأرض وكالمتقلِّل بالشيء.
ويروى: "نقر" بالراء المهملة، بمعنى: صوَّت؛ يعني: ضربَ إبهامَه بوسطاه حتى سُمع منه صوت، وهذا فعلُ مَن تعجَّب من شيء أو رأى شيئًا حسنًا، أو أظهرَ عن نفسه قلةَ المبالاة بشيءٍ، أو أَظهرَ طربًا؛ يعني: مَن كانت هذه صفته فهو بمنزلة أن يتعجب من حسن حاله وقلة مبالاته بالدنيا وكثرة طربه بالآخرة.
"فقال: عُجِّلَتْ مَنيَّتُه" على بناء المجهول؛ يعني: كان قبضُ روحِه سهلًا؛
стр. 2687
لعدم التفاته إلى ما ترك في الدنيا، قيل: هذا مدح له، ومعناه: أن هذا الشخصَ لا يحرص على البقاء في الدنيا وعلى طول عمره حرصَ غيره، فهو كالميت لا يشتهي شيئاً من أنواع أعراض الدنيا، فأراد ﷺ بهذا ما أراد بقوله في صفة الصدِّيق ﵁: "مَن أراد أن ينظرَ إلى ميتٍ يمشي على وجه الأرض فَلْينظرْ إلى هذا"، وأشار إليه.
أقول: في الصرف عن الحقيقة وإرادة المجاز لابد من قرينةٍ، كهي في صفة الصدِّيق مِن قوله: "يمشي على وجه الأرض"، وأما هنا فالسياقُ شيءٌ ينافي إرادةَ شيءٍ مما ذُكر؛ لأن البكاءَ والميراثَ يقوِّي إرادةَ الحقيقة، فيُحمل ذلك على إرادةِ الله تعالى تعجيلَ موته شوقًا إلى لقائه.
"وقلَّت بواكيه" جمع: باكية، وهي المرأة التي تَبكِي على الميت.
"وقلَّ تُراثُه"؛ أي: ميراثُه.
٤٠٣٢ - وقال: "عَرَضَ عليَّ رَبي لِيَجْعَلَ لي بَطْحاءَ مَكَّةَ ذَهَبًا، فقلتُ: لا يا رَبِّ! ولكنْ أَشْبَعُ يَوْمًا وأَجُوعُ يومًا، فإذا جُعْتُ تَضَرَّعْتُ إليكَ وذكرتُكَ، وإذا شَبعْتُ حَمِدْتُكَ وشَكَرْتُك".
"وعن أبي أُمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : عَرضَ عليَّ ربي ليجعلَ لي بَطحاءَ مكةَ"، البَطحاء والأَبطح: مَسيل الماء، أراد به: مكة وصحاريها.
"ذهبًا، فقلت: لا يا ربِّ، ولكن أَشبَع يومًا وأجوع يومًا، فإذا جعتُ تضرَّعتُ إليك وذكرتُك، وإذا شبعتُ حمدتُك وشكرتُك".
стр. 2688
٤٠٣٣ - عن عبيد الله بن مِحْصَنٍ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "مَن أَصْبَحَ منكم آمِنًا في سِرْبه، مُعَافًى في جَسَدِهِ، عِنْدَه قُوتُ يومِهِ، فكأنَّما حِيزَتْ له الدُّنيا بحَذافيرِها"، غريب.
"عن عبيد الله بن مِحْصَن ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : مَن أصبح منكم آمنًا في سِرْبه" بالكسر، أي: في نفسه وقيل: أي: في أهله وعياله، ويروى بالفتح؛ أي: طريقه ومسلكه.
"معافًى في جسده"؛ أي: صحيحًا في بدنه، سالمًا من العيوب والآفات.
"عنده قُوتُ يومه، فكأنما حِيزَتْ"؛ أي جُمعتْ "له الدنيا! ".
"غريب".
٤٠٣٤ - وعن المِقْدَامِ بن مَعْدِ يْكَرِبَ قال: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "ما ملأَ آدمي وِعَاءً شَرًّا مِن بَطْنٍ، بحَسْبِ ابن آدَم أُكُلاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ، فإنْ كانَ لا مَحالةَ، فثُلُثٌ طَعامٌ، وثُلُثٌ شَرابٌ، وثُلُثٌ لِنَفَسِهِ".
"وعن المِقْدَام بن معدي كرب ﵁
أنه قال: سمعت النبي ﷺ يقول: ما ملأ آدميٌّ وعاءً شرًّا": صفة (وعاء).
"من بطنٍ، بحسب ابن آدم"، الباء: زائدة؛ أي: كَفَاه.
"أُكُلات" بضمتين: جمع أُكْلة - بالضم ثم السكون -، وهي اللُّقمة.
"يُقِمْنَ"؛ أي: تلك الأكلاتُ "صُلبَه": من (أقام الشيءَ): إذا حفظَه عن السقوط.
"فإن كان لا محالةَ"؛ أي: فإن كان لابد من أن يملأَ بطنَه، ولا يقنع بأدنى قُوت.
стр. 2689
"فثلثٌ طعامٌ وثلثٌ شرابٌ"؛ أي: فليجعل ثلثَ بطنه للطعام، وثلثَه للشراب.
"وثلثٌ لنَفَسِه"؛ أي: ليتركْ ثلثَه خاليًا لخروج النَّفَس.
٤٠٣٥ - وعن ابن عُمَرَ: أنَّ النَّبيَّ ﷺ سَمعَ رَجُلًا يَتَجَشَّأُ فقال: "أَقْصِرْ مِن جُشَائكَ، فإنَّ أطولَ النَّاسِ جُوْعًا يومَ القِيامةِ أطولُهم شِبَعًا في الدُّنْيا".
"وعن ابن عمر ﵁: أن النبي ﷺ سمع رجلًا يتجشَّأ"؛ أي: يَخرجُ الجُشاء من صدره، وهو ريح يخرج عنه من امتلاء المَعِدَة من الطعام، وذلك الرجل كان وهبَ بن عبد الله أبا جُحيفة، من صغار الصحابة، لم يبلغ الحُلمَ في زمنه ﵊.
رُوي عنه أنه قال: أكلتُ ثَرِيدَ بُرٍّ مع لحمٍ، فأتيت رسولَ الله ﷺ وأنا أتجشَّأ "فقال: أَقصِرْ من جُشائك" بفتح الهمزة؛ أي: اكففْ عنه، والنهي وإن ورد الجُشاء لفظًا لكنه على إكثار الطعام معنىً؛ لأنه المقتضي له، ولأن الجُشاءَ إذا استولى كان أمرًا طبيعيًا لم يُقدَر على دفعه، وسببه - وهو الشبع - أمر مقدور، فيَرِدُ النهي عليه.
"فإن أطولَ الناس جوعًا يومَ القيامة أطولُهم شِبَعًا في الدنيا"، روي: أن ذلك الرجل لم يأكل ملءَ بطنه بعد ذلك حتى فارقَ الدنيا، كان إذا تعشَّى لا يتغذَّى، وإذا تغدَّى لا يتعشَّى.
٤٠٣٦ - وقالَ رسولُ الله ﷺ : "إنَّ لكلِّ أُمَّةٍ فِتْنَةً، وفِتْنَةُ أُمَّتي المالُ".
стр. 2690
"وعن كعب بن عياض ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إن لكل أمةٍ فتنةً": وهي ما يوقع أحدًا في الضلالة أو المعصية.
"وفتنةُ أمتي المالُ".
٤٠٣٧ - عن أنسٍ، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "يُجَاءُ بابن آدَمَ يومَ القِيامَةِ كأنَّه بَذَجٌ، فيُوقَفُ بينَ يدي الله، فيقولُ له: أَعْطَيتُكَ وخَوَّلتُكَ وأنعمتُ عليكَ، فما صَنَعْتَ؟ فيقولُ: رَبِّ! جَمَّعتُهُ وثَمَّرتُهُ فتركْتُه أكثَر ما كانَ، فارجِعْنى آتكَ بهِ كلِّه، فيقولُ لهُ: أَرِني ما قَدَّمْتَ، فيقولُ: ربِّ! جَمَّعتُه وثَمَّرتُه فتركتُه أكثَر ما كانَ، فَارْجِعْنِي آتِكَ بهِ كلِّه، فإذا عَبْدٌ لم يُقَدِّمْ خَيْرًا فيُمضَى بهِ إلى النَّارِ"، ضعيف.
"وعن أنس ﵁ أنه قال: يُجاء"؛ أي: يُؤتَى.
"بابن آدم" يريد به: شخصًا واحدًا.
"يومَ القيامة كأنه بَذَجٌ"؛ أي: ولدُ الضأن في الحقارة والعجز، وهو معرَّب، وأصله بالفارسية: برة، وهو أصغر ما يكون من الحُملان، شبَّهه به صَغَارًا؛ أي: يكون حقيرًا ذليلًا.
"فيُوقَف بين يدَي الله تعالى، فيقول له: أعَطيتُك وخوَّلتُك"؛ أي: جعلتُك ذا خَوَلٍ وخدمٍ.
"وأنعمتُ عليك، فما صنعتَ فيها؟ فيقول: ربِّ! جَمَّعتُه وثَمَّرتُه"، والتثمير: تكثير المال.
"فتركتُه أكثرَ ما كان، فأرجِعْني آتِك به كلِّه، فيقول له: أرِنى ما قدَّمتَ"؛ أي: للآخرة من الخير.
стр. 2691
فإذا عبدٌ لم يقدّم خيرًا، فيُمضَى به إلى النار"، "ضعيفًا.
٤٠٣٨ - عن أبي هُريرةَ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "إنَّ أَوَّلَ ما يُسأَلُ العَبْدُ يومَ القِيامَةِ مِن النعيم أنْ يُقالَ لهُ: ألَم نُصِحَّ جِسْمَكَ ونُرْوِكَ مِن الماءِ الباردِ؟ ".
"وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : إن أولَ ما يُسأل العبدُ يومَ القيامة من النعيم أن يقال: ألم نُصِحَّ جسمَك"، يقال: أَصحَّ القومُ فهم مُصحُّون: إذا أصابت أموالَهم عامةٌ ثم ارتفعت.
"ونُروِك من الماء البارد؟ ".
٤٠٣٩ - عن ابن مَسْعودٍ، عن النَّبيِّ ﷺ قالَ: "لا تَزولُ قَدَما ابن آدَم يومَ القيامةِ حتَّى يُسألَ عن خَمْسٍ: عن عُمْرِهِ فيما أَفْنَاهُ، وعن شبابهِ فيما أَبْلاهُ، وعن مالِه مِن أينَ اكتسَبَهُ وفيما أنفقَهُ، وماذا عَمِلَ فيما عَلِمَ".
"وعن ابن مسعود ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: لا تزول قدما ابن آدمَ يومَ القيامة حتى يُسأل عن خمس: عن عمره فيما أفناه، وعن شبابه فيما أبلاه"، وإنما ذَكر شبابَه بعد ذِكر عمرِه؛ لأنه الزمانُ الذي يتمكن فيه على أقوى العبادات.
"وماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه؟ وماذا عمل فيما علم؟ ": وإنما غيَّر السؤالَ فيه حيث لم يقل: عن علمه؛ لأن العملَ أهمُّ، والعلمَ مقدمتُه، وهو لا يُعتَّد لولا العملُ.
"غريب".
стр. 2692
٢ - باب فضلِ الفُقَراءِ وما كانَ من عَيْشِ النَّبيِّ ﷺ -
(باب فضل الفقراء وما كان من عيش النبي ﷺ )
مِنَ الصِّحَاحِ:
٤٠٤٠ - قال رسولَ الله ﷺ : "رُبَّ أَشْعَثَ مَدْفوعٍ بالأَبوابِ لو أَقسمَ على الله لأبَرَّهُ".
"من الصحاح":
" عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : رُبَّ أشعثَ"؛ أي: رُبَّ رجل متفرقِ شَعر الرأس.
"مدفوعٍ بالأبواب"؛ أي: من الأبواب باليد أو باللسان أن يدخلَها؛ من غاية حقارته في نظر الناس.
"لو أَقسَمَ على الله لأَبرَّه"؛ يعني: لو حلفَ يمينًا على أن الله تعالى يفعل الشيءَ أو لا يفعله جاء الأمر فيه على ما يوافق يمينَه؛ من غاية عزَّته عند الله تعالى.
٤٠٤١ - وقال: "هل تُنْصَرُونَ وتُرْزَقُونَ إلا بِضُعفَائِكُم؟ ".
"وعن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : هل تُنصَرون وتُرزَقون إلا بضعفائكم"؛ يعني: إنما حصل لكم النصرُ على الأعداء وقُدِّر لكم الرزقُ ببركة الفقراء؛ فأكَرِمُوهم.
стр. 2693
٤٠٤٢ - وقال: "قُمْتُ على بابِ الجَنَّةِ، فكانَ عامَّةُ مَن دَخَلَهَا المَساكينُ، وأصحابُ الجَدِّ مَحبُوسُونَ، غيرَ أنَّ أصحابَ النارِ قد أُمِرَ بهم إلى النَّارِ، وقُمْتُ على بابِ النَّارِ، فإذا عامَّةُ مَن دَخَلَهَا النِّساءُ".
"وعن أسامة بن زيد ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: قمتُ على باب الجنة، فكان عامةُ"؛ أي: أكثرُ "مَن دخلَها المساكينَ، وأصحابُ الجَدِّ"، وهو بفتح الجيم وتشديد الدال: المَغنى والحظ الدنيوي مالًا ومنصبًا؛ يعني: أصحاب الأموال والمناصب.
"محبوسون" في العَرَصَات لطولِ حسابهم؛ بسبب كثرة أموالهم وتلذُّذهم بها في الدنيا، والفقراء بُرَاء من هذا، فلا يُحبَسون؛ بل يدخلون الجنَّةَ قبل الأغنياء بأربعين خريفًا مكأفاةً عن فقرهم في الدنيا.
"غيرَ أن أصحابَ النار" أُريد بهم: الكفار.
"قد أُمر بهم إلى النار" من غير وقوف في العَرَصَات.
"وقمتُ على باب النار؛ فإذا عامةُ مَن دخلَها النساءُ".
٤٠٤٣ - وقال: "اطَّلَعتُ في الجَنَّةِ فَرَأَيْتُ أكثرَ أَهْلِها الفُقَراءَ، واطَّلَعْتُ في النَّارِ فرأيتُ أكثرَ أهلِها النِّساءَ".
"وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: اطَّلعت في الجنة، فرأيت أكثرَ أهلها الفقراء، واطَّلعت في النار، فرأيت أكثرَ أهلها النساءَ"، فإن قيل: إن أهلَ الجنة والنار قبلَ يوم القيامة إما أحياءٌ أو أمواتٌ لم يُبعثوا، فكيف رآهم رسول الله ﷺ ؟
قلنا: يحتمل أنه أراد بالماضي المستقبل، أو رأى أرواحَهم، أو أن الجنَّةَ
стр. 2694
والنارَ مُثِّلَتَا له بصورتهم يومَ القيامة، كما قال يومًا: "رأيت الجنَّةَ والنارَ في عرض هذا الحائط"؛ أي: مثالَهما.
٤٠٤٤ - وقال: "إنَّ فُقَراءَ المُهاجِرينَ يَسبقونَ الأَغْنياءَ يومَ القِيامةِ إلى الجَنَّةِ بأربعينَ خَرِيفًا".
"وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : إن فقراءَ المهاجرين يسبقون الأغنياءَ يومَ القيامة إلى الجنة بأربعين خريفًا"؛ أي: سنةً.
٤٠٤٥ - عن سهلِ بن سَعْدٍ قال: مرَّ رَجُلٌ على رَسولِ الله ﷺ فقالَ لرَجُلٍ عِنْدَه جالسٍ: "ما رأيُّكَ في هذا؟ " فقال: رجلٌ مِن أَشْرافِ الناسِ، هذا والله حَرِيٌّ إنْ خَطَبَ أنْ يُنْكَحَ، وإنْ شَفَعَ أنْ يُشفَّعَ، قال: فَسَكَتَ رسولُ الله ﷺ ، ثُمَّ مَرَّ رَجُلٌ، فقالَ لهُ رسولُ الله ﷺ : "ما رأيُّكَ في هذا؟ " فقالَ: يا رسولَ الله! هذا رَجُلٌ مِن فُقَراءَ المُسلِمينَ، هذا حَرِيٌّ إنْ خَطَبَ أنْ لا يُنكَحَ، وإنْ شَفَعَ أنْ لا يُشفَّعَ، وإنْ قالَ أنْ لا يُسْمَعَ لقولهِ، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "هذا خيرٌ مِن ملءِ الأرضِ مِن مثلِ هذا".
"عن سهل بن سعد ﵁ قال: مرَّ رجل على النبي ﷺ : فقال لرجلٍ عندَه جالسٍ: ما رأيُك في هذا؟ "؛ أي: ما ظنُّك في حق هذا الرجل، تظنُّه خيرًا أم شرًّا؟
"فقال: رجلٌ من أشراف الناس، هذا والله حَرِيٌّ"، (هذا): مبتدأ، خبره (حري)، والقَسَم معترض بينهما؛ أي؛ جديرٌ وحقيقٌ "إنْ خَطبَ"؛ أي: طلبَ أن يتزوجَ بامرأة "أن يُنكحَ": متعلق بـ (حري).
стр. 2695
"وإنْ شَفَعَ" - بالتخفيف - "أنْ يُشفَّع" بضم الياء وفتح الفاء المشددة؛ أي: تُقبَل شفاعتُه.
"قال: فسكت النبي ﷺ ، ثم مرَّ رجلٌ، فقال له رسول الله ﷺ : ما رأيُّك في هذا؟ "؛ أي: ما ظنُّك بهذا الرجل، تظنُّه خيرًا أم شرًّا؟
"فقال: يا رسولَ الله! هذا رجل من فقراء المسلمين، هذا حَرِيٌّ إنْ خَطبَ أن لا يُنكح، وإن شَفَعَ أن لا يُشفَّع، وإن قال أن لا يُسمَع لقوله"؛ أي: لا يَسمع أحدٌ لكلامه، ولا يُلتفَت إليه؛ من غاية فقره وحقارته.
"فقال رسول الله ﷺ : هذا خيرٌ من ملء الأرض من مثل هذا".
٤٠٤٦ - وعن عائِشَةَ قالت: ما شَبعَ آلُ مُحَمَّدٍ ﷺ مِن خُبْزِ الشَّعيرِ يومَيْنِ مُتَتابعَيْنِ حَتَّى قُبضَ رسولُ الله ﷺ .
"عن عائشة ﵂ قالت: ما شبعَ آلُ محمدٍ من خبز الشعير يومَين متتابَعين، حتى قُبض رسولُ الله ﷺ ".
٤٠٤٧ - وقال أبو هُريرةَ: خَرَجَ النَّبيّ ﷺ مِن الدُّنيَا ولم يَشبعْ مِن خُبْزِ الشَّعيرِ.
"وقال أبو هريرة ﵁ خرجَ النبيُّ ﷺ من الدنيا، ولم يَشبَع من خبز الشعير".
٤٠٤٨ - عن أنسٍ: أنه مَشَى إلى النَّبيِّ ﷺ بخُبْزِ شَعيرٍ وإهَالَةٍ سَنِخَةٍ،
стр. 2696
ولقد رَهَنَ النَّبيّ ﷺ دِرْعًا بالمَدينةِ عندَ يهودي وأخذَ منهُ شَعيرًا لأَهْلِهِ، ولقد سَمِعْتُه يقولُ: ما أَمْسَى عندَ آلِ مُحَمَّدٍ صاعُ بُرٍّ ولا صاعُ حَبٍّ، وإنَّ عِنْدَه لَتِسعَ نِسْوَة.
"عن أنس ﵁: أنه مشى إلى النبي ﷺ بخبز شعير وإهالة" بكسر الهمزة: ما أُذيب من الألية والشحم، وقيل: الدسم الجامد، وقيل: الوَدَك، وهو دسم الشحم، وقيل: كل دُهن يُؤتَدَم به.
"سَنِخَة" بفتح السين المهملة وكسر النون وفتح الخاء المعجمة؛ أي: متغيرة لطول المكث.
"ولقد رَهنَ النبيُّ ﷺ درعًا له بالمدينة عند يهوديٍّ، وأخذ منه شعيرًا لأهله، ولقد سمعته"؛ أي: قال راوي هذا الحديث عن أنس ﷺ : سمعتُ أنسًا "يقول: ما أمسى"؛ أي: لم يُدَّخر في الليل للغد "عند آل محمد صاعُ بُرٍّ ولا صاعُ حَبٍّ" للقُوت.
"وإن عنده": الواو للحال.
"لَتسعَ نسوةٍ".
٤٠٤٩ - وقال عُمَرُ ﵁: دَخَلْتُ على رَسولِ الله ﷺ ، فإذا هو مُضْطَجعٌ على رِمالِ حَصيرٍ، ليسَ بينَهُ وبينَهُ فِرَاشٌ، قد أثَّرَ الرِّمَالُ بجَنْبه، مُتَّكِئًا على وِسادةٍ من أَدَمٍ حَشْوُها ليفٌ، قلتُ: يا رسولَ الله! اُدْعُ الله فلْيُوَسِّعْ على أُمَّتِكَ، فإنَّ فارِسَ والرُّومَ قد وُسِّعَ عليهم، وهم لا يَعبُدونَ الله، فقال: "أَوَ في هذا أَنْتَ يا ابن الخطابِ! أُولئكَ قومٌ عُجِّلَتْ لهم طيباتُهم في الحياةِ الدنيا".
وفي رِوايةٍ: "أَمَا تَرْضَى أنْ تكونَ لهُم الدُّنيا ولَنَا الآخِرَةُ؟ ".
стр. 2697
"وقال عمر ﵁: دخلت على النبي ﷺ ، فإذا هو مضطجعٌ على رمالِ حصيرٍ" بكسر الراء المهملة وضمها: جمع رَمِيل بمعنى: مَرمُول؛ أي: منسوج، ويُستعمل في الواحد، وهذا من إضافة الجنس إلى النوع، كـ (خاتم فضة)؛ أي: رمال من حصير، والمراد هنا: المنسوج من ورق النخل.
وقيل: الرمال: ما يُنسَج عُودًا عُودًا.
"ليس بينه وبينه فراشٌ، قد أثَّر الرمال بجنبه ﷺ ، متكئًا على وسادةٍ من أدم، حشوُها لِيفٌ، قلت: يا رسولَ الله! ادعُ الله فَلْيوسِّعْ على أمتك؛ فإن فارسَ والرُّومَ قد وُسِّعَ عليهم وهم لا يعبدون الله، فقال: أوفي هذا أنتَ": استفهام على سبيل الإنكار؛ أي: أأنت في هذا ونظرُك مرتهنٌ بهذه الأشياء؟! أي: أين أنت من النِّعَم الباقية الغائبة عنك "يا ابن الخطاب؟! " وفي ترك مخاطبته بـ (عمر) في هذا المعرض معنًى لطيفٌ؛ لأن الارتهانَ بطيبات الدنيا من خصال ذوي الجهل والعمى، فكان نسبتُه ﷺ إلى أبيه ذي الجهل والعمى أَولى وأليقَ بالكلام، كأنه قال: يا ابن ذلك المقيَّد بطيبات الدنيا الغافل عن نعيم الآخرة.
"أولئك قومٌ عُجِّلت لهم طيباتُهم في الحياة الدنيا، وفي رواية: أَمَا ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟ ".
٤٠٥٠ - عن أبي هُريرةَ قال: "لقد رأيتُ سَبْعينَ مِن أصحابِ الصُّفَّةِ، ما مِنهم رَجلٌ عليه رِداءٌ، إِمَّا إِزَارٌ وإمَّا كساءٌ، قد رَبطوا في أَعْناقِهم، فمِنْها ما يبلُغُ السَّاقَيْنِ، ومنها ما يَبْلُغُ الكَعْبينِ، فيَجمعَه بيدِه كراهِيةَ أنْ تُرَى عورتُه".
"عن أبي هريرة ﵁: لقد رأيت سبعين من أصحاب الصُّفَّة": وهم الفقراء الذين بايعوا النبي ﷺ .
стр. 2698
"ما منهم رجلٌ عليه رداء"؛ أي: لم يكن منهم رجلٌ عليه رداءٌ وإزارٌ، بل يكون له "إما إزارٌ" فقط يستر به عورتَه، "وإما كِساءٌ" يشتمل به.
"قد ربطوا في أعناقهم، فمنها"؛ أي مِن كِساءٍ "ما يَبلُغ نصفَ الساقين، ومنها ما يَبلُغ الكعبين، فيجمعه بيده؛ كراهيةَ أن تُرى عورتُه".
٤٠٥١ - وقال رَسولُ الله ﷺ : "إذا نَظَرَ أَحَدُكم إلى مَن فُضلَ عليهِ في المالِ والخَلْقِ، فلْيَنظرْ إلى مَن هو أَسْفَلَ منهُ".
"وقال أبو هريرة ﵁ قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إذا نظر أحدُكم إلى مَن فُضلَ"؛ أي: زِيدَ "عليه في المال والخَلق"؛ يعني: إذا رأى أحدُكم مَن هو أكثر منه مالًا وجثةً ولباسًا وجمالًا.
"فَلْينظرْ إلى مَن هو أسفلُ"؛ أي: أقلُّ "منه" في ذلك؛ ليَعرفَ أن الله تعالى أنعمَ عليه نعمةً كثيرةً بالنسبة إليه.
٤٠٥٢ - وقال: "انظُرُوا إلى مَن هو أَسْفَلَ منكم، ولا تَنظُرُوا إلى مَن هو فَوْقَكم، فهوَ أَجْدرُ أنْ لا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ الله علَيْكم".
"وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : انظروا إلى مَن هو أسفلُ منكم، ولا تنظروا إلى مَن هو فوقَكم؛ فهو أجدرُ"؛ أي: النظرُ إلى مَن هو أسفلَ منكم مالًا وجمالًا وجثةً ولباسًا أحقُّ "أن لا تزدروا"؛ أي: بألا تحتقروا "نعمةَ الله عليكم"؛ لأنكم بذلك النظرِ علمتُم أن لله تعالى عليكم نعماءَ كثيرةً.
стр. 2699
مِنَ الحِسَان:
٤٠٥٣ - قالَ رسولُ الله ﷺ : "أَبْشِروا يا مَعْشَرَ صَعَاليكِ المُهاجرينَ! بالنُّورِ التامِّ يومَ القيامةِ، تَدْخُلونَ الجَنَّةَ قبلَ أغنياءِ النَّاسِ بنصْفِ يَوْمٍ وذلكَ خَمْسُ مِئَةِ سَنَةٍ".
"من الحسان":
" عن أبي سعيد الخُدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : أَبشِروا يا مَعشرَ صعاليك المهاجرين" جمع: صُعلوك، الفقير الذي لا مالَ له ولا اعتمالَ.
"بالنور التام يومَ القيامة، تدخلون الجنَّةَ قبل أغنياء الناس بنصف يوم، وذلك خمس مئة سنة"؛ فإن اليومَ الأخرويَّ مقدارُ طولِه ألفُ سنة من سِنِي الدنيا، لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ﴾ [الحج: ٤٧]، فنصفه خمس مئة.
٤٠٥٤ - وقال: "يدخُلُ الفُقَراءُ الجَنَّةَ قبلَ الأَغْنياءِ بِخَمْسِ مِئَةِ عامٍ نصفِ يومٍ".
"عن أبي هريرة وجابر - رضي الله تعالى عنهما - قالا: قال رسول الله ﷺ : يدخل الفقراءُ الجنَّةَ قبل الأغنياء بخمسِ مئةِ عامٍ، نصفِ يومٍ" بالجر: بدل، أو عطف بيان عن (خمس مئة عام).
٤٠٥٥ - عن أنسٍ: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "اللهمَّ! أَحْيني مِسْكينًا، وأَمِتْني مِسْكينًا، واحشُرْني في زُمْرةِ المَساكينِ"، فقالت عائِشَةُ: لِمَ يا رسولَ الله؟ قال: "إنَّهم يَدْخُلونَ الجَنَّةَ قبلَ أَغنِيائهم بأَرْبعينَ خَرِيفًا، يا عائِشةُ! لا تَرُدِّي
стр. 2700
المِسْكِينَ، ولو بِشِقِّ تمرةٍ، يا عائِشَةُ! أَحِبي المَساكينَ وقَرِّبيهم، فإنَّ الله يُقَرِّبُكِ يومَ القِيامةِ".
"عن أنس ﵁: أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: اللهم أَحْيني مسكينًا، وأَمِتْني مسكينًا، واحشرْني في زُمرة المساكين"، معناه: اجعلْني متواضعًا لا جبارًا متكبرًا، وقد فسَّر النبيُّ ﷺ المسكينَ: "وهو الذي لا يجد غنًى يغنيه، ولا يُفطَن به فيتصدَّق عليه، ولا يقوم فيسأل الناس"، قيل: هذا تعليم منه لأمته ﷺ أن يعرفوا فضلَ الفقراء ليحبُّوهم وليجالسوهم لينالَهم بركتهم، ويجوز أن يُراد بهذا أن يجعل قُوتَه عليه كفافًا، ولا يشغله بالمال؛ فإن كثرةَ المال مذمومةٌ في حق المقرَّبين.
"فقالت عائشة: لِمَ يا رسولَ الله؟ قال: إنهم يدخلون الجنَّةَ قبل أغنيائهم بأربعين خريفًا، يا عائشة! لا تردِّي المسكينَ ولو بشق تمرة، يا عائشةُ! أحبي المساكينَ وقرِّبيهم؛ فإن الله تعالى يقرِّبك يومَ القيامة"، "غريب".
٤٠٥٦ - عن أبي الدَّرْداءَ، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "ابغُونِي في ضُعَفَائِكُم، فإنَّما تُرْزَقُونَ وتُنصَرونَ بضُعَفائِكُم".
"عن أبي الدرداء ﵁، عن النبي ﷺ قال: ابغوني في ضعفائكم" بهمزة قطع ووصل، من: بَغَى بُغَاءً بالضم: طلبَ؛ أي: اطلبوا رضائي في رضا ضعفائكم؛ فمَن أكرمَهم فقد أكرمَني، ومَن آذاهم فقد آذاني.
"فإنما تُرزَقون وتُنصَرون بضعفائكم".
٤٠٥٧ - ورُوِيَ: أنَّ رسولَ الله ﷺ كانَ يَستفتِحُ بصَعَاليكِ المُهاجِرينَ.
следующие страницы →