← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17791

شرح المصابيح لابن الملك

ابن الملك

Полный текст (3 421 стр.). Показаны 3011–3050 · переход к 3016.

стр. 3011

"من الصحاح": " قال رسول الله ﷺ : إنكم سَتَرَوْنَ ربكم عِيَانًا " بكسر العين -؛ أي: ستبصرون ربكم معاينًا بلا حجاب. * * * ٤٣٨٧ - وقال جَريرُ بن عبدِ الله: كُنّا جُلوسًا عِنْدَ رسُولِ الله ﷺ فَنَظَرَ إلى القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ فقالَ: " إنَّكُمْ سَتَرَوْنَ ربَّكُمْ كما تَرَوْنَ هذا القَمَرَ، لا تُضامُونَ في رُؤْيتِهِ، فإن استَطَعتُمْ أن لا تُغْلبُوا على صَلاةٍ قَبْلَ طُلوعِ الشَّمْسِ وقَبْلَ غُروبها فافعَلوا. ثُمَّ قَرَأَ ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ ". " وقال جرير بن عبد الله ﵁: كنا جلوسًا "؛ أي: جالسين. " عند رسول الله ﷺ ، فَنَظَرَ إلى القمر ليلةَ البدر، فقال: إنكم سَتَرَوْنَ ربَّكم كما تَرَوْنَ هذا القمر ": وهذا تشبيه الرؤية بالرؤية، لا المرئي بالمرئي. " لا تُضَامُّون في رؤيته " بتشديد الميم؛ أي: لا ينضمُّ بعضكم إلى بعض مزدحمين وقت النظر إليه، وبالتخفيف؛ أي: لا ينالكم ضَيْمٌ: أي: ظلم في رؤيته بأن لا يراه البعض ورآه البعض. " فإن استطعتم أن لا تُغْلَبوا "؛ أي: إِنْ قدرتم على أن لا تكونوا مغلوبين. " على صلاةٍ قبل طلوع الشَّمس وقبل غروبها "؛ يعني: صلاة الصبح والعصر. " فافعلوا ": وإنما خصَّهما بالحثِّ عليهما لشدَّة خوف فوتهما بالنوم؛ لميل النفس إلى الاستراحة في الصبح؛ وبكثرة المعاملات والاشتغال بها وقت العصر، وهذا يدل على أن نيل الرؤية يُرْجَى بالمحافظة عليها. " ثم قرأ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ [طه: ١٣٠] ". * * *

стр. 3012

٤٣٨٨ - وعن صَهَيْبٍ عن النَّبيِّ ﷺ قالَ: " إذا دَخَلَ أَهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ يقُولُ الله ﵎: تُريدُونَ شَيْئًا أَزيدُكُمْ " فيقولونَ: ألَمْ تُبيِّضْ وُجُوهَنا؟ ألَمْ تُدْخِلْنا الجَنَّةَ وتُنجِّنا منَ النَّارِ؟ قالَ: بلى. فيُرْفَعُ الحِجَابُ فيَنظُرونَ إلى وَجْهِ الله، فما أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إليهِمْ مِنَ النَّظَرِ إلى رَبهمْ. ثُمَّ تلا ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ ". " عن صُهَيْب الرُّومي ﵁ عن النبي ﷺ قال: إذا دَخَلَ أهلُ الجنَّةِ الجنَّةَ، يقول الله ﵎: تريدون شيئًا ": في تقدير الاستفهام. " أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيِّض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة، وتنجِّنا من النار؟ قال: بلى، فَيُرْفَعُ الحِجَاب "؛ أي: عن أعين الناظرين. " فينظرون إلى وجه الله تعالى، فما أُعْطُوا شيئًا أحبَّ إليهم من النظر إلى ربهم، ثم تلا ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا﴾ "؛ أي: العمل في الدنيا. ﴿الْحُسْنَى﴾ أي: الجنة. ﴿وَزِيَادَةٌ﴾: وهي النظر إلى وجهه الكريم، فإنها زِيْدَتْ على ثواب أعمالهم. * * * مِنَ الحِسَان: ٤٣٨٩ - عن ابن عُمَرَ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : " إنَّ أَدْنىَ أَهْلِ الجَنَّةِ مَنْزِلةً لَمَنْ ينظُرُ إلى جِنانِهِ وأَزْواجِهِ ونَعيمِهِ وخَدَمِهِ وسُرُرِهِ مَسيرةَ ألْفِ سَنَةٍ، وأَكْرَمَهُمْ على الله مَنْ ينظُرُ إلى وَجْهِهِ غَدْوَةً وعَشِيَّةً. ثمّ قَرأَ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ ". "من الحسان": " عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : إن أدنىَ أهلِ الجنَّة منزلةً لَمَن

стр. 3013

ينظُرُ إلى جِنَانِهِ وأزواجه ونعيمه وخَدمِهِ وسُرُرِهِ مسيرة ألف سنةٍ، وأكرمهم على الله ": عطف على (أدنى). " مَنْ يَنْظُرُ إلى وجهه غَدْوَةً وعَشِيَّةً، ثم قرأ: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ﴾ "؛ أي: حسنة ناعمة. ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾: لا إلى غيره؛ لأن تقديم الظرف يُؤْذِن بذلك. * * * ٤٣٩٠ - عن أبي رَزينٍ العُقَيْليِّ قالَ: قلتُ يا رسُولَ الله! أَكُلُّنا يَرى ربَّهُ مُخْلِيًا بهِ يومَ القِيامَةِ؟ وما آيةُ ذلكَ في خَلْقِهِ؟ قالَ: " يا أبا رَزِينٍ أَلَيْسَ كُلُّكُمْ يَرى القَمَرَ لَيْلَةَ البَدْرِ مُخْلِيًا بهِ؟ " قالَ: بلى، قالَ: " فإنَّما هو خَلْقٌ منْ خَلْقِ الله، والله أجَلُّ وأَعْظَمُ ". " قال أبو رَزِين العُقَيْلي ﵁ قلت: يا رسول الله! أكلُّنا يرى ربه مَخْلِيًّا به " بالفتح ثم السكون وتشديد الياء؛ أي: خاليًا بربه بحيث لا يزاحمه شيء في الرؤية. " يومَ القيامة، قال: بلى، قال: وما آية ذلك "؛ أي: وما علامة رؤية كلنا [ربه] بحيث لا يزاحمه شيء. " في خَلْقِه "؛ يعني: مَثِّلْ لنا ذلك في خَلْقِه. " قال: يا أبا رزين! أليس كلُّكم يرى القمر ليلة البدر مخليًا به؟ قال: بلى، قال: فإنما هو خلق من خلق الله، والله أجلُّ وأعظم ": مَثَّلَه ﷺ برؤية القمر ليلة البدر مع عدم المزاحمة. * * *

стр. 3014

٧ - باب صِفَةِ النَّار وأهلِها (باب صفة النار وأهلها) مِنَ الصِّحَاحِ: ٤٣٩١ - عن أبي هُريرَةَ ﵁: أَنَّ رَسولَ الله ﷺ قالَ: " نارُكُمْ جُزْءٌ منْ سَبْعينَ جُزءًا منْ نارِ جَهَنَّمَ ". قيلَ: يا رسولَ الله! إنْ كانتْ لكَافِيَةً، قالَ: " فإِنَّها فُضلَتْ عَلَيْهِنَّ بتِسْعَةٍ وسِتِّينَ جُزءًا، كلُّهنَّ مثلُ حَرِّها ". "من الصحاح": " قال أبو هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ناركم جزء من سبعين جزءًا من نار جهنم، قيل: يا رسول الله! إنْ كانت لكافيةً "، (إن) هذه: مخففة من المثقَّلة، واللام هي الفارقة؛ أي: هذه النار التي تراها في الدنيا كانت كافيةً في الإحراق والتعذيب. " قال: فإنها "؛ أي: نار جهنم. " فُضِّلَتْ عليهنَّ "؛ أي: زيدَتْ على نيران الدنيا وحرِّها ونكايتها " بتسعةٍ وستين جزءًا كلهنَّ "؛ أي: كل جزء من أجزاء نار جهنم " مثل حَرِّها "؛ أي: حر نار الدنيا. * * * ٤٣٩٢ - وقالَ: " اِشْتَكَتِ النَّارُ إلى رَبها فقالت: رَبِّ أكلَ بعضي بَعْضًا، فأَذِنَ لها بنفَسَيْنِ: نفَسٍ في الشِّتاءَ، ونفَسٍ في الصَّيفِ، أَشَدُّ ما تَجِدُونَ منَ الحَرِّ، وأَشَدُّ ما تَجِدونَ مِنَ الزَّمْهَريرِ ".

стр. 3015

" وقال: اشْتَكَتِ النار إلى ربها فقالت: ربِّ أكل بعضي بعضًا، فأَذِنَ لها بنفْسَيْنِ: نفسٍ في الشِّتاء، ونفسٍ في الصَّيف، أشدُّ ما تجدون من الحرِّ فمن حرِّها وأشد ما تجدون من الزَّمْهَرير فمن زمهريرها ": تقدم بيانه في (باب تعجيل الصلاة). * * * ٤٣٩٣ - وقالَ ﷺ : " يُؤْتَى بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لها سَبْعونَ ألفَ زِمامٍ، معَ كُلِّ زِمامٍ سَبْعونَ ألفَ مَلَكٍ يجُرُّونهَا ". " وقال: يؤتى بجهنم ": الباء للتعدية؛ يعني: يؤتى بجهنم من المكان الذي خلقها الله فيه. " يومئذٍ "؛ أي: يوم القيامة. " لها سبعون ألف زِمَام ": وهو ما يشدُّ به ويُرْبَط. " مع كل زمامٍ سبعون ألف مَلَك يجرُّونها ": فتدار بأرض المحشر حتى لا يبقى للجنة طريق إلا الصراط، وهذه الأَزِمَّة التي تجرَّ بها جهنم تمنعها من الخروج على أهل المحشر إلا مَنْ شاء الله. * * * ٤٣٩٤ - وقالَ: " إنَّ أهْوَنَ أَهْلِ النَّارِ عَذابًا مَنْ لهُ نَعْلانِ وشِرَاكَانِ مِنْ نارٍ يَغْلي منهُما دِماغُهُ كما يَغْلي المِرْجَلُ، ما يَرى أَنَّ أَحَدًا أَشَدُّ منهُ عَذابًا، وإنَّهُ لأَهْوَنُهُمْ عَذابًا ". " وقال: إن أهونَ أهل النار "؛ أي: أيْسَرَهم. " عذابًا مَنْ له نعلان وشِرَكان ": الشِرَاك: سَيْرُ النَّعل الذي على ظهر القدم.

стр. 3016

" من نار يَغْلِي منهما دماغُهُ كما يغلي المِرجَل " بكسر الميم وفتح الجيم: قِدْرٌ من نحاس. " ما يَرَى "؛ أي: لا يظنُّ ذلك الشَّخص. " أن أحدًا ": من أهل النار. " أشدُّ منه عذابًا، وإنه "؛ أي: والحال أنه: " لأهْوَنهم عَذابًا "، وفيه تصريحٌ بتفاوت عذاب أهل النار. * * * ٤٣٩٥ - وقالَ: " أَهْوَنُ أَهْلِ النَّارِ عَذابًا أبو طَالِبٍ، وهو مُنْتَعِلٌ بنعْلَيْنِ يَغْلي مِنْهُما دِماغُه ". " وقال: أهون أهل النار عذابًا أبو طالب، وهو مُنْتَعِلٌ بنعلَيْن يَغْلِي منهما دِماغُه ". * * * ٤٣٩٦ - وقالَ: " يُؤْتَى بأَنْعَم أَهْلِ الدُّنيا منْ أَهْلِ النَّارِ يومَ القِيامةِ فيُصْبَغُ فِي النَّارِ صَبْغَةً، ثُمَّ يُقالُ: يا ابن آدَم! هلْ رَأَيْتَ خَيْرًا قَطُّ؟ هَلْ مَرَّ بكَ نَعِيمٌ قطُّ؟ فيقولُ: لا والله يا رَبِّ، ويُؤتَى بأَشَدِّ النَّاسِ بُؤْسًا في الدُّنيا مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ، فيُصبَغُ صَبْغَةً في الجَنَّةِ فيقالُ لهُ: يا ابن آدمَ! هلْ رَأَيْتَ بُؤْسًا قطُّ؟ هلْ مَرَّ بكَ شِدَّةٌ قطُّ؟ فيقولُ: لا والله يا رَبِّ، ما مَرَّ بي بُؤْسٌ قطُّ، ولا رَأَيْتُ شِدَّةً قَطُّ ". " وقال ﷺ : يؤتى بِأَنْعَم أهْلِ الدُّنيا ": الباء للتعدية، و (أنعم): أفعل تفضيل من النِّعمة؛ أي: بأكثرهم نعمةً. " من أهل النار ": (من) هذه بيانية في محل النصب على الحال.

стр. 3017

" يومَ القيامة فيُصْبَغُ في النار صَبْغَةً "؛ أي: يُغْمَسُ فيها غَمْسَةً، أراد من الصَّبْغِ: الغَمْس؛ إطلاقًا للملزوم على اللازم؛ لأن الصَّبْغَ إنما يكون بالغَمْسِ غالبًا؛ يعني: يلحقه لَفْحَة منها. " ثم يقال: يا ابن آدم! هل رأيْتَ خيرًا قط؟ هل مرَّ بك نعيم قط؟ فيقول: لا والله يا رب ": فشدة العذاب تنسيه ما مضى عليه من نعم الدنيا. " فيؤتى بأشد الناس بؤسًا "؛ أي: شدة وبلاءً. " في الدنيا من أهل الجنة، فيصبغ صبغةً في الجنة، فيقال له: يا ابن آدم هل رأيت بؤسًا قط؟ وهل مر بك شدةً؟ فيقول: لا والله يا رب ما مر بي بؤس قط، ولارأيت شدةً قط ": فنعيم الجنة ينسيه ما مضى من سوء الحال. * * * ٤٣٩٧ - عن أنسٍ ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ قالَ: " يقولُ الله تعالى لأِهْوَنِ أَهْلِ النَّارِ عَذابًا يَوْمَ القِيامةِ: لوْ أنَّ لكَ مَا في الأَرْضِ منْ شَيءٍ أَكُنْتَ تَفْتَدِي بهِ؟ فيقولُ: نَعَم، فيقولُ: أَرَدْتُ مِنْكَ أَهْوَنَ مِنْ هذا وأنتَ في صُلْبِ آدَمَ، أنْ لا تُشْرِكَ بي شَيْئًا فأبَيْتَ إلا أنْ تُشرِكَ بي ". " وقال أنس ﵁: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: يقول الله تعالى لأَهْوَنِ أهلِ النار عذابًا يوم القيامة: لو أنَّ لك "؛ أي: لو ثَبَتَ أنَّ لك. " ما في الأرض من شيء، أكنْتَ ": استفهام بمعنى التوبيخ. " تفتدي به؟ "، والافتداء: إعطاء الفِدَاء. " فيقول: نعم، فيقول "؛ أي الله: " أرَدْتُ منك أَهْوَنَ مِنْ هذا "؛ أي: أَمَرْتُكَ بأسهل مِنْ هذا، وإنما فسَّرنا الإرادة بالأمر؛ لأن مُرَاد الله تعالى لا يتخلَّف أصلًا عند أهل الحق.

стр. 3018

" وأنت في صُلْبِ آدم أن لا تشرك بي شيئًا، فأَبَيْتَ إلا أن تُشْرِكَ بي "؛ أي: امتنعت عن الإيمان والإسلام وأشركْتَ بي. * * * ٤٣٩٨ - وعن سَمُرةَ بن جُنْدَبٍ: أنَّ نبَيَّ الله ﷺ قال: " منهُمْ مَنْ تأخُذُهُ النَّارُ إلى كَعْبَيْهِ، ومِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ النَّارُ إلى رُكْبَتَيْهِ، ومِنْهُمْ مَنْ تأخُذُهُ النَّارُ إلى حُجْزَتِهِ، ومنهُم مَنْ تَأْخُذُهُ النَّارُ إلى تَرْقُوَتِهِ ". " وقال سَمُرَةَ بن جُنْدَب - رضي الله تعالى عنه - أن نبي الله ﷺ قال: منهم "؛ أي: مِنْ أهل النار. " مَنْ تَأْخُذُهُ النار إلى كَعْبَيْه، ومنهم من تأخُذُهُ النار إلى رُكْبَتَيْهِ، ومنهم مَنْ تأخُذُهُ النار إلى حُجْزَته " بضم الحاء المهملة وسكون الجيم؛ أي: إلى مَعْقِد إزاره. " ومنهم مَنْ تأخُذُهُ النار إلى تَرْقُوَتِهِ "؛ أي: الرقبة (١). * * * ٤٣٩٩ - وقالَ: " ما بَيْنَ مَنْكِبَي الكافِرِ في النَّارِ مَسيرةُ ثلاثةِ أيَّامٍ للرَّاكِبِ المُسْرِعِ ". " وقال: ما بَيْنَ مَنْكِبَيِ الكافر في النار مَسِيْرَةُ ثلاثَةِ أَيَّام للرَّاكِبِ المُسْرِع ": إنما عظم جسمه ليعظم عذابه. * * *

стр. 3019

٤٤٠٠ - وقالَ: " ضرْسُ الكافِرِ مِثْلُ أُحُدٍ، وغِلَظُ جِلْدِهِ مَسيرَةُ ثَلاثٍ ". " وقال: ضِرْسُ الكافر "؛ أي: سِنُّه يوم القيامة. " مثل أُحُد ": جبل بالمدينة. " وغِلَظُ جلده مَسِيْرَةُ ثلاث "؛ أي: ثلاث ليال، وذلك ليشتد في التعذيب. * * * مِنَ الحِسَان: ٤٤٠١ - عن أبي هُريرةَ ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ قالَ: " أُوقِدَ على النَّارِ ألْفَ سَنَةٍ حتَّى احْمَرَّتْ، ثُمَّ أُوقِدَ عَلَيها ألْفَ سَنَةٍ حتَّى ابيَضَّتْ، ثُمَّ أُوقِدَ علَيها ألْفَ سَنَةٍ حتَّى اسْوَدَّتْ، فهيَ سَوداءُ مُظْلِمَةٌ ". "من الحسان": " قال أبو هريرة ﵁: قال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: أُوْقِدَ على النار ": فاعل (أوقد) [محذوف] " ألف سنةٍ حتى احمرَّتْ، ثم أُوقد عليها ألف سنةٍ حتى ابيضَّتْ، ثم أوقد عليها ألف سنةٍ حتى اسودَّت فهي سوداء مظلمة ": لا يضيء لهبها ولا تطفئ جمرتها. * * * ٤٤٠٢ - وقالَ ﷺ : " ضرْسُ الكافِرِ يَوْمِ القِيامةِ مِثْلُ أُحُدٍ، وفخِذهُ مِثْلُ البَيْضاءِ، ومَقْعَدُهُ مِنَ النَّارِ مَسيرةُ ثلاثٍ مِثْلُ الرَّبَذَةِ ". " وقال ﷺ : ضِرْسُ الكافر يوم القيامة مثل أُحُدٍ، وفَخِذُه مثل البَيْضَاء ": جبل قرب الرَّبَذَة - بالتحريك -: قرية على ثلاثة مراحل من المدينة، بها قبر أبي ذر الغفاري، وقيل: جبل بالشام.

стр. 3020

" ومقعده من النار مَسيرَةُ ثلاث مثل الرَّبَذَة "؛ أي: كمثل الرَّبَذَة، يريد ما بينهما. * * * ٤٤٠٣ - وقالَ رسولُ الله ﷺ : " إنَّ غِلَظَ جِلْدِ الكافِر ثِنْتانِ وأَرْبعونَ ذِراعًا، وإِنَّ ضرْسَهُ مِثْلُ أُحُدٍ، وإنَّ مَجْلِسَهُ مِنْ جَهَنَّمَ ما بينَ مَكَّةَ والمَدينَةِ ". " وقال: إن غِلَظَ جِلْدِ الكافر اثنان وأربعون ذراعًا، وإن ضِرْسَهُ مثل أُحُد، وإن مَجْلِسَهُ من جهنَّم ما بين مكة والمدينة ". * * * ٤٤٠٤ - عن ابن عُمَرَ ﵁: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ: " إنَّ الكافِرَ لَيُسْحَبُ لِسانُهُ الفَرْسَخَ والفَرْسَخَيْنِ يتَوَطَّؤُهُ النَّاسُ "، غريب. " قال ابن عمر ﵄: قال النبي ﷺ : إنَّ الكافر لَيُسْحَبُ "؛ أي: لَيُجَرُّ. " لِسَانُهُ الفَرْسَخَ والفَرْسَخَيْنِ يَتَوَطَّؤُه الناس "؛ أي: يمشون على لسانه. " غريب ". * * * ٤٤٠٥ - عن أبي سعيدٍ ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ قالَ: " الصَّعُودُ جَبَلٌ منْ نارٍ يَتَصَعَّدُ فيهِ سَبْعينَ خَرِيفًا، ويَهوي بهِ كذلكَ فيه أَبَدًا ". " عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ في قوله تعالى: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا﴾ [المدثر: ١٧]: " الصَّعُود: جبل من نار يتصعَّدُ فيه "؛ أي: يكلَّف " الكافر " ارتقاءه.

стр. 3021

" سبعين خريفًا "؛ أي: سنة. " ويَهوِي به "؛ أي: يكلَّف بسقوط ذلك الكافر. " كذلك "؛ أي: سبعين سنة. " فيه "؛ أي: في ذلك الجبل. " أبدًا "؛ يعني: لا ينقطع تكليفه صعود ذلك الجبل وسقوطه منه. * * * ٤٤٠٦ - وقالَ في قَوْلِه: ﴿كَالْمُهْلِ﴾ أي كعَكَرِ الزَّيْتِ، فإذا قُرِّبَ إلى وَجْهِهِ سَقَطَ فَرْوَةُ وَجْهِهِ فيهِ ". " وقال ﷺ في قوله : ﴿بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ﴾: أي: كَعَكَرِ الزَّيْتِ "؛ أي: كدُرْدِيُّهُ. " فإذا قُرِّبَ إلى وجهه سَقَطَ فَرْوَةُ وَجْهِهِ فيه "؛ أي: جلد وجهه في العَكَرِ. وقيل: المهل: الرصاص المُذَاب أو الصُّفْرُ والفضَّة، وكل ما أُذِيْبَ من هذه الأشياء فهو مهل، وقيل: المهل: الصَّديد الذي يَسيْلُ من البدن. * * * ٤٤٠٧ - وقالَ: " إنَّ الحَمِيمَ لَيُصَبُّ على رُؤُوسهِمْ فيَنْفُذُ الحَمِيمُ حتَّى يَخلُصَ إلى جَوْفِهِ، فيَسْلُتُ ما في جَوْفِهِ حتَّى يَمْرُقَ منْ قَدَمَيْهِ، وهو الصَّهْرُ، ثمَّ يُعادُ كما كانَ ". " وقال: إن الحميم ": وهو الماء البالغ نهاية الحرِّ. " لَيُصَبُّ على رؤوسهم "؛ أي: لَيُسْكَبُ. " فَيَنْفُذُ الحميم "؛ أي: يمضي. " حتى يَخْلُصَ "؛ أي: يصل.

стр. 3022

" إلى جوفه، فَيَسْلِتُ "؛ أي: يقطع، أو يمسح " ما في جوفه ": مِنْ سَلَتُّ القَصْعَة: إذا مسحتها من الطعام. " حتى يَمْرُقَ "؛ أي: يخرج. " مِنْ قَدَمَيْهِ، وهو الصَّهْرُ ": المذكور في قوله تعالى: ﴿يُصْهَرُ بِهِ﴾؟ أي: يُذَاب بالحميم المسكوب على رؤوسهم ﴿مَا فِي بُطُونِهِمْ﴾ [الحج: ٢٠] مِنْ شحومٍ وغيرها، فيقطعها ويخرج من أدبارهم. قال ابن عباس ﵄: لو سَقَطَتْ قطرة من الحميم على جبال الدنيا لأذابتها. " ثم يعاد كما كان ". * * * ٤٤٠٨ - عن أبي أُمامَةَ ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ في قوله ﴿وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (١٦) يَتَجَرَّعُهُ﴾ قالَ: " يُقرَّبُ إلى فيهِ فَيَكْرهُهُ، فإذا أُدْنِيَ مِنْهُ شَوَى وَجْهَهُ وَوَقَعَتْ فَرْوَةُ رأْسِهِ، فإذا شَرِبَهُ قَطَّعَ أَمْعاءَهُ حتَّى تَخْرُجَ مِنْ دُبُرِهِ، يقولُ الله تعالَى: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ ويقولُ: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾ ". " عن أبي أمامة ﵁، عن النبي ﷺ في قوله تعالى: ﴿وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ﴾ "؛ أي: من ماء رقيقٍ مختلط بالدَّم الذي يخرج من الجرح. ﴿يَتَجَرَّعُهُ﴾؛ أي: يتحسَّاه ويشربه جُرْعَةً بعد جُرْعَةٍ لمرارته وحرارته. " قال: يُقَرَّبُ إلى فِيْهِ فيكرهه، فإذا أُدْنِيَ "؛ أي: قرب منه " شوى وجهه "؛ أي: نضجه. " ووقَعَتْ فروة رأسه، فإذا شربه قطَّع أمعاءه ": جمع معي.

стр. 3023

" حتى يخرج من دبره، يقول الله تعالى: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد: ١٥]، ويقول تعالى: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾ [الكهف: ٢٩] "؛ أي: ينضجها من حَرِّه. * * * ٤٤٠٩ - وعن أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ قالَ: " لِسُرْادِقِ النّارِ أَرْبَعةُ جُدُرٍ، كِثَفُ كُلِّ جِدارٍ مَسيرةُ أَرْبعينَ سَنَةً ". " قال أبو سعيد الخدري ﵁: قال رسول الله صلى الله عليه تعالى وسلم " في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩]. " لِسُرَادِقِ النار ": السُّرْدَاق: ما أحاط بشيء. " أربعة جُدُر ": جمع جدار. " كِثَفُ كلِّ جدار "؛ أي: غلظه. " مسيرة أربعين سنة ". * * * ٤٤١٠ - وبه قالَ: " لوْ أن دَلْوًا منْ غَسَّاقٍ يُهْراقُ في الدُّنيا لأَنْتَن أَهْلُ الدُّنيا ". " وقال: لو أنَّ دلْوًا من غَسَّاق ": وهو - بتشديد السين المهملة وتخفيفها -: ما يسيل من صديد أهل النار، وقيل: من دموعهم، وقيل: هو الزَّمهرير، وقيل: هو بارد يحرق لا يقدر أحد على شربه من برده، كما لا يقدر على شرب الحميم لحرارته. " يُهَرَاق "؛ أي: يُصَبُّ.

стр. 3024

" في الدنيا لأَنْتَنَ أَهْلُ الدُّنيا ": برفع (أهل) فاعل لأنَّ (أنتن) لازم؛ أي: لصاروا ذوي نتن. * * * ٤٤١١ - عن ابن عبَّاسٍ ﵄: أَنَّ رسولَ الله ﷺ قَرَأَ هذهِ الآيَة: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ قالَ رسولُ الله ﷺ : " لوْ أنَّ قَطْرةً منَ الزَّقُّومِ قَطَرتْ في دارِ الدُّنيا لأَفْسَدَتْ على أَهْلِ الأَرْضِ مَعَايِشَهُمْ، فكَيْفَ بِمَنْ يكونُ طعامُهُ؟ "، صحيح. " عن ابن عباس ﵄ أن النبي صلى الله عليه سلم قرأ هذه الآية: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ "؛ أي: موحِّدون، والنَّهي في الظاهر: عن الموت، وفي الحقيقة: عن ترك الإسلام؛ يعني: لا يُوْجَد مَوْتُكُم إلا على حالِ كونكم ثابتين على الإسلام. " قال: لو أنَّ قَطْرَةً من الزَّقُّوم ": وهو شجرة خبيثة مُرَّة كريهة الطعم والرائحة. " قَطَرَتْ في دار الدنيا لأفسدَتْ على أهل الأرض معايِشَهُمْ ": جمع المعيشة. " فكيف بمن " الفاء: جواب شرط مُقَدَّر كأنه قيل: إذا عُرِفَ ذلك فكيف حال مَنْ " يكون " ذلك الزقوم " طعامه " في النار. " صحيح ". * * * ٤٤١٢ - عن أبي سَعيدٍ ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ قال: ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾

стр. 3025

قالَ: تَشْويهِ النّارُ فَتَتَقَلَّصُ شَفَتُهُ العُليا حتَّى تَبْلُغَ وَسَطَ رَأْسِهِ وتَسْترخِيَ شَفَتُهُ السُّفلَى حتَّى تَضْرِبَ سُرَّتهُ ". " عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ "؛ أي: الكفار في النار عَابِسُون باديةٌ أسنانهم. " قال: تَشْوِيه النار "؛ أي: تحرقه. " فَتَقَلَّصُ "؛ أي: تنقبض. " شَفَتُهُ العُلْيَا ": تأنيث الأعلى. " حتى تبلغ وَسَطَ رأسه، وَتَسْتَرْخِي ": وتتَدَلَّى. " شَفَتُهُ السُّفْلَى ": تأنيث الأسفل. " حتى تَضْرِبَ سُرَّتَهُ ". * * * ٤٤١٣ - عن أنسٍ ﵁، عن رسولِ الله ﷺ قالَ: " يا أيُّها النَّاسُ ابْكُوا، فإنْ لَمْ تَسْتَطيعوا فتباكَوْا، فإنَّ أَهْلَ النَّارِ يَبْكونَ في النَّارِ حتَّى تسيلَ دُمُوعُهُمْ في وُجُوهِهِمْ كأَنَّها جَداوِلُ، حتَّى تَنْقَطِعَ الدُّمُوعُ فتسيلُ الدِّماءُ فَتَقَرَّحُ العُيونُ، فلوْ أنَّ سُفُنًا أُرْخِيَتْ فيها لجَرَتْ ". " وقال أنس ﵁: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: يا أيها الناس ابكوا فإن لم تستطيعوا فتباكوا "؛ أي: أظهروا البكاء من أنفسكم. " فإنَّ أهلَ النار يبكون في النار حتى تسيل دموعهم في وجوههم كأنها "؛ أي: الدموع. " جداول ": جمع جدول، وهو النهر الصغير.

стр. 3026

" حتى تنقطع الدموع، فتسيل الدماء فتَقَرَّحُ "؛ أي: تُجْرَحُ. " العيون، فلو أن سُفُنَا ": جمع سفينة. " أُزْجِيَتْ فيها "؛ أي: سِيْقَتْ في دموع الكفرة. " لَجَرَتْ "؛ لكثرتها. * * * ٤٤١٤ - عن أبي الدَّرْداءَ قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : " يُلقَى على أَهْلِ النَّارِ الجُوعُ فَيَعْدِلُ ما هُمْ فيهِ منَ العَذابِ، فَيَسْتَغيثونَ، فيُغاثونَ بطَعامٍ ﴿مِنْ ضَرِيعٍ (٦) لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ﴾، فيسَتَغيثونَ بالطَّعامِ، فيُغاثونَ بطَعامٍ ذي ﴿غُصَّةٍ﴾ فَيذكُرونَ أنَّهمْ كانوا يُجيزونَ الغُصَصَ في الدُّنيا بالشَّرابِ، فيسَتَغيثونَ بالشَّرابِ، فيُرفَعُ إليهِمُ ﴿الْحَمِيمُ﴾ بكلاليبِ الحَديدِ، فإذا دنَتْ منْ وُجُوهِهِمْ شَوَتْ وُجُوهَهُمْ، فإذا دَخَلتْ بُطونَهُمْ قَطَّعَتْ ما في بُطُونِهِمْ، فيقَولونَ: ادْعُوا خَزَنَة جَهَنَّمَ، فيقولون: ﴿قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾ قالَ: فيقولون: ادْعُوا مالِكًا، فيقولون: ﴿يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ قال: فيُجِيبُهم ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ "؛ قال الأَعْمَشُ: نُبِّئْتُ أنَّ بَيْنَ دُعائهِمْ وإِجابَةِ مالِكٍ إيّاهُمْ ألفَ عامٍ. قالَ: " فيقولون: ادْعُوا ربَّكُمْ فلا أَحَدَ خَيْرٌ منْ ربكُمْ، فيقولونَ: ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (١٠٦) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ قال: فيُجيبُهُمْ ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ قال: فعندَ ذلكَ يَئِسوا منْ كُلِّ خيرٍ، وعِنْدَ ذلكَ يأخُذونَ في الزَّفيرِ والحَسْرةِ والوَيْلِ ". ويُروَى هذا مَوْقُوفًا على أبي الدَّرْداءِ. " قال أبو الدرداء ﵁: قال رسول الله ﷺ : يُلْقَى على أهل النار الجوع

стр. 3027

فَيَعدِلُ "؛ أي: يماثل ألم جوعهم. " ما هم فيه من العذاب "؛ أي: ألم عذابهم. " فيستغيثون بالطعام، فيغاثون بطعام ﴿مِنْ ضَرِيعٍ﴾: وهو نبت بالحجاز، له شوك يقال له: الشِّبْرِق ما دام رطبًا، فإذا يبس يقال له: ضريع، لا تقربه دابة لخبثه لو أكلت ماتَتْ، والمراد هنا: شوك من نار أمر من الصَّبِرِ، وأنتن من الجيفة، وأشد حرًا من النار. ﴿لَا يُسْمِنُ﴾؛ أي: لا يُشبع الجائع. ﴿وَلَا يُغْنِي﴾؛ أي: لا ينفع. " ﴿مِنْ جُوعٍ﴾ فيستغيثون بالطعام فيغاثون بطعام ذي غُصَّة ": وهو ما يَنْشَبُ في الحلْقِ من عَظْمٍ وغيره، ولم يَسُغ. " فيذكرون أنهم كانوا يُجِيْزُونَ "؛ أي: يُسَوِّغون. " الغُصَصَ ": جمع غُصَّة. " في الدنيا بالشراب، فيستغيثون بالشراب، فَيُرْفَعُ إليهم الحميم بكَلَاليب الحديد ": جمع الكَلُّوب. " فإذا دَنَتْ من وجوههم شَوَتْ وجوههم، وإذا دَخَلَتْ بُطُوْنهمْ قَطَّعَتْ ما في بطونهم، فيقولون "؛ أي: الكفار بعضهم لبعض: " ادعوا خَزَنَةَ جهنم ": جمع خازن، وهم الملائكة الموكَّلون على النار. " فيقولون "؛ أي: الخزنة للكفار: ﴿أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾؛ أي: ألم يخبركم رسلكم بالدلائل الواضحة أنَّ عذاب جهنم إلى الأبد. ﴿قَالُوا بَلَى﴾؛ أي: أُخْبِرنا بها.

стр. 3028

﴿قَالُوا﴾؛ أي: الخزنة لهم تهكُّما بهم: ﴿فَادْعُوا﴾ أنتم ما شئتم فإنا لا نشفع للكافرين. ﴿وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ﴾؛ أي: في هلاك؛ لأنه لا ينفعهم؛ يعني: لا يُسْتَجاب لكم لكفركم. " قال: فيقولون: ادعوا مَالكًا، فيقولون: ﴿يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾؛ أي: ليمتنا لنستريح. " قال: فيجيبهم ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾؛ أي: دائمون في العذاب. " قال الأعمش: نُبِّئْتُ "؛ أي: أُخْبِرْتُ. " أن ما بين دعائهم وإجابة مالك إيَّاهم ألف عام، قال: فيقولون "؛ أي: الخزنة: " ادعوا ربَّكم، فلا أَحَدَ خيرٌ من ربكم، فيقولون: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا﴾؛ أي: شقاوتنا التي كتبت علينا فلم نهتَدِ. ﴿وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ﴾ عن الهداية ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا﴾؛ أي: من النار ﴿فَإِنْ عُدْنَا﴾ إلى الكفر والتكذيب ﴿فَإِنَّا ظَالِمُونَ﴾ لأنفسنا. " قال: فيجيبهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا﴾ "؛ أي: أبعدوا أذلاء في النار. ﴿وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ في رفع العذاب، فإني لا أرفعه عنكم. " قال: فعند ذلك يئسوا من كل خير، وعند ذلك يأخذون في الزَّفِير ": وهو اعْتِراقُ النفس للشدة. " والحَسْرَةِ والوَيْل، ويروى هذا موقوفًا على أبي الدرداء ". * * * ٤٤١٥ - عن النُّعمانِ بن بَشيرٍ قالَ: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: " أَنْذَرْتُكُم النَّارَ، أَنْذَرْتُكُم النَّارَ، فما زالَ يقولُها حتَّى لوْ كَانَ في مَقامِي هذا

стр. 3029

سَمِعَهُ أَهْلُ السُّوقِ، وحتَّى سَقَطَتْ خَمِيصَةٌ كانتْ عَلَيهِ عِنْدَ رِجْلَيهِ ". " عن النعمان بن بشير ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: أنذَرْتُكُمُ النَّار، أنذَرْتُكُمُ النار، أنذرتكم، قال: فما زال يقولها "؛ أي: تلك الكلمة. " حتى لو كان "؛ أي: النبي ﷺ . " في مكاني هذا سمعه أهل السوق، وحتى سَقَطَتْ خَمِيْصَةً كانت عليه عند رِجْلَيه ": من كثرة قوله: (أنذرتكم). * * * ٤٤١٦ - عن أبي بُرْدَةَ عن أَبِيهِ ﵄، عن النَّبى ﷺ : " إنَّ في جَهَنَّمَ وادِيًا يُقالُ لهُ: هَبْهَبُ، يَسكُنُه كُلُّ جَبَّارٍ ". " عن أبي بردة، عن أبيه ﵄ عن النَّبيِّ ﷺ : إن في جَهَنَّمَ واديًا يُقال له: هَبْهَبُ ": وهو السَّريع؛ لسرعة وقوعه في المجرمين، ولشدَّة أجيج النار فيهم. " يسكنه كل جَبَّار ". * * * ٤٤١٧ - عن عبدِ الله بن عَمْرِو بن العاصِ قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : " لوْ أنَّ رَضْرَاضَةً مِثْلَ هذِهِ، وأَشارَ إلى مِثْلِ الجُمْجُمَةِ، أُرسِلتْ منَ السَّماءِ إلى الأَرْضِ في مَسيرةِ خَمْسِ مِئَةِ سَنَةٍ لَبَلَغتِ الأَرْضَ قبلَ اللَّيلِ، ولوْ أنَّها أُرْسِلَتْ مِنْ رأْسِ السِّلسِلَةِ لسارتْ أَرْبعينَ خَريفًا اللَّيلَ والنَّهارَ قبل أنْ تبلُغَ أَصْلَها أَوْ قَعْرَها ". " عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : لو أن

стр. 3030

رَصاصة (١) ": وهي القطعة من الرصاص. " مثل هذه وأشار إلى مثل الجُمْجُمَة " بضم الجيمين وسكون الميم الأولى: وهي عظم الرأس المشتمل على الدِّماغ، أشار ﷺ إليها تبيينًا لحجمها، وتنبيهًا على تدور شكلها؛ ليكون في ذلك بيان مدى قَعْرِ جهنم بأبلغ ما يمكن من البيان، وضرب المثل بالرصاص الرزين، والجوهر كلما كان أتم رزانة كان أسرع هبوطًا إلى مستقره؛ يعني: لو أنها. " أُرْسِلَتْ من السماء إلى الأرض، وهي مسيرة خمس مئة سنة لبلغت الأرض قبل الليل، ولو أنها أُرْسِلَتْ مِنْ رأس السِّلسلة ": يريد بها سلسلة الصراط. " لسارت أربعين خريفًا الليلَ والنهارَ قبل أن تبلغ أصْلَهَا "؛ أي: أصل السِّلسلة. " أو قَعْرَها ": شكٌّ من الراوي، أراد بها: قعر جهنم، إذ لا قعر للسلسلة. * * * ٨ - باب خَلْقِ الجَنَّةِ والنَّارِ (باب خلق الجنة والنار) مِنَ الصِّحَاحِ: ٤٤١٨ - عن أنسٍ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : " حُفَّتِ الجَنَّةُ بالمَكارِهِ وحُفَّتِ النَّارُ بالشَّهَواتِ ".

стр. 3031

"من الصحاح": " عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : حُفَّتِ الجنة "؛ أي: أُحْدِقَتْ وأُحِيطَتْ. " بالمكاره ": جمع كُرْه على غير قياس كمحاسن وحسن، وهو المشقة والشدة؛ يعني: الجنة محدقة بأنواع الشدائد والمشقات، وهي تكاليف الشرع أمرًا ونهيًا. " وحُفَّتِ النار بالشَّهوات ": وهي مستلذات النفس ومراداتها. * * * ٤٤١٩ - عن أبي هُرَيرَةَ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : " تَحَاجَّتِ الجَنَّةُ والنَّارُ، فقالتِ النَّارُ: أُوثِرْتُ بالمُتَكبرينَ والمُتَجبرينَ، وقالت الجَنَّةُ: فما لي لا يدخُلني إلَّا ضُعفاءُ النَّاسِ وسَقَطُهُم وغِرَّتُهُمْ؟ فقالَ الله للجَنَّةِ: إنَّما أَنْتِ رَحْمَتي أرحَمُ بكِ مَنْ أشاءُ مِن عِبادِي، وقال للنَّارِ: إنَّما أَنْتِ عَذابي أُعذِّبُ بكِ مَنْ أشاءُ مِنْ عِبادِي، ولكُلِّ واحدَة مِنْكُما مِلْؤُها، فأمَّا النَّارُ فلا تَمْتَلِئُ حتَّى يَضَعَ الله رِجْلَهُ فيها، وتَقُول: قَطْ قَطْ قَطْ، فَهُنالِكَ تَمْتَلِئُ ويُرْوَى بَعْضُها إلى بَعْضٍ فلا يَظْلِمُ الله مِنْ خَلْقِهِ أَحَدًا، وأمَّا الجَنَّةُ فإن الله يُنشِئُ لها خَلْقًا ". " قال أبو هريرة ﵁: قال رسول الله ﷺ : تحاجَّت "؛ أي: تخاصَمَتْ. " الجنة والنار، فقالت النار: أُوثِرْتُ ": على صيغة المتكلم المجهول، من آثر بمعنى اختار. " بالمتكبِّرين والمتجبِّرين، وقالت الجنة: فما لي ": استفهام؛ أي: أيُّ شيء وقع لي. " لا يدخلني إلا ضعفاء الناس "؛ أي: أراذلهم.

стр. 3032

" وَسَقَطُهُمْ (١) "؛ أي: دونهم. " وغِرَّتُهُمْ "؛ أي: الذين لم يجرِّبوا الأمور الدنيوية، قال ﷺ : " أكثر أهل الجنة البُلْهُ " أي: في أمور الدنيا. " فقال الله للجنة: إنما أنت رحمتي ": سُمِّيت الجنة رحمةً؛ لأنها مظهرها. " أرحم بك مَنْ أشاء مِنْ عبادي، وقال للنار: إنما أنت عذابي أعذِّب بك مَنْ أشاء مِنْ عبادي، ولكل واحدة منكما مِلْؤُها، فأمَّا النار فلا تمتلِئُ حتى يَضَعَ الله رِجْلَهُ ": قيل: المراد به: القهر والاستهانة؛ أي: حتى يستهين بأهلها، يقال: وضعْتُ رجلي على فلان؛ أي: قهرته، وقيل: المراد به: الجماعة التي بها يتمُّ عدد أهل النار. " فتقول: قَطْ قَطْ قَطْ " بسكون الطاء وتخفيفها؛ معناه: أكتفي وأنتهي، وروي بالكسر، معناه: حسبي، وتكرارها ثلاثًا هو إحدى الروايات في (كتاب مسلم)، وفي سائر النسخ مرتين. " فهنالك تَمْتَلِئُ ويُزْوَى ": على بناء المجهول؛ أي: يُضَمُّ ويجمع " بعضها إلى بعض " من غاية الامتلاء. " فلا يظلم الله مِنْ خلقه أحدًا "؛ يعني: كل واحد من الناس مجزًى بعمله، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، فحينئذٍ لا ظلم على أحد، قال الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ﴾ [غافر: ١٧]. " وأما الجنة فإن الله تعالى ينشئ لها خلقًا "؛ أي: يخلق يوم القيامة خلقًا لتمتلئ الجنة بهم بعد ما دخل فيها الأنبياء والأولياء والمؤمنون؛ تصديقًا لقوله:

стр. 3033

(ولكل واحدةٍ منكما مِلْؤُها). * * * ٤٤٢٠ - وعن أنسٍ ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ قالَ: " لا تزالُ جَهَنَّمُ يُلقَى فيها وتَقُولُ: ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ حتَّى يَضَعَ رَبُّ العِزَّةِ فيها قدَمَهُ، فيَنْزَوِي بَعْضُها إلى بَعْضٍ وتقولُ: قَطْ قَطْ قَطْ بِعِزَّتِكَ وكَرَمِكَ، ولا يزالُ في الجَنَّةِ فَضْلٌ حتَّى يُنْشِئَ الله لها خَلْقًا فيُسْكِنهمْ فَضْلَ الجَنَّةِ ". " قال أنس ﵁: قال النبي ﷺ : لا تزال جهنم يُلْقَى فيها، وتقول: ﴿هَلْ مِنْ مَزِيدٍ﴾ "؛ أي: زيادة. " حتى يضعَ ربُّ العزَّة قدَمَهُ فيها "، قيل: المراد من القَدَم: قومٌ مسمى بهذا الاسم. قال وهب: إن الله تعالى كان قد خلق قومًا قبل آدم رؤوسهم كرؤوس الكلاب، وسائر أعضائهم كأعضاء بني آدم، يقال لهم: القدم، فعصوا ربهم فأهلكهم الله يملأ الله بهم جهنم حين تستزيد، أو المراد به: مَنْ قَدَّمَهُم الله وأَعَدَّهم للنار من الكفرة، وقيل: المراد به: قدم بعض مخلوقاته أضافها إلى الله تعالى تعظيمًا كما قال: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾ [التحريم: ١٢] وكان النافخ جبرائيل ﵇، وقيل: هو اسم لقومٍ يخلقهم الله تعالى لجهنم، قال القاضي عياض: هذا أظهر التأويلات، ومذهب السلف فيه التَّسليم؛ لأنه من المتشابهات. " فَيُزْوَى بعضها إلى بعض وتقول: قَطْ قَطْ، بعزَّتك وكرمك، ولا يزال في الجنة فضل "؛ أي: مسكنٌ خالٍ عن ساكنها لا تساعها. " حتى ينشئ الله تعالى لها خلقًا فيسكنهم فضل الجنة ". * * *

стр. 3034

مِنَ الحِسَان: ٤٤٢١ - عن أبي هُريرَةَ ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ قالَ: " لمَّا خَلَقَ الله الجَنَّةَ قال: لجبريلَ اذهَبْ فانظُرْ إليها، فذهَب فَنَظرَ إليها وإلى ما أعَدَّ الله لأَهْلِها فيها، ثُمَّ جاءَ فقالَ: أيْ رَبِّ وعِزَّتكَ لا يَسْمَعُ بها أَحَدٌ إلَّا دَخَلها، ثُمَّ حَفَّها بالمَكارِهِ، ثُمَّ قال: يا جبريلُ! اِذْهَبْ فانْظُرْ إليها، فَذَهَبَ فنظَر إليها، ثمَّ جاءَ فقال: أيْ رَبِّ وعِزَّتكَ لقدْ خَشِيتُ أنْ لا يَدْخُلَها أَحَدٌ. قال: فَلَمَّا خَلَقَ الله النَّارَ قال: يا جبريلُ! اِذْهَبْ فانظُرْ إليها، قالَ: فَذَهَبَ فَنَظَر إليها، فقالَ: أيْ رَبِّ وعِزَّتكَ لا يَسْمِعُ بها أَحَدٌ فَيَدْخُلُها، فَحَفَّها بالشَّهَواتِ، ثُمَّ قالَ: يا جبريلُ! اِذْهَبْ فانظُرْ إليها، فذَهبَ فنَظَرَ إليها، فقالَ: أيْ رَبِّ وعِزَّتِكَ لقدْ خَشِيتُ أنْ لا يبْقَى أَحَدٌ إلَّا دَخَلَها ". "من الحسان": " عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : لما خلق الله الجنة قال لجبريل: اذهب فانظر إليها، فذهب فنظر إليها وإلى ما أعدَّ الله لأهلها فيها، ثم جاء فقال: أي ربِّ، وعزَّتك لا يسمع بها أحد إلا دخلها، ثم حَفَّها بالمكاره، ثم قال: يا جبريل، اذهب فانظر إليها، فذهب فنظر إليها، ثم جاء فقال: أي ربِّ، وعزتك لقد خشيْتُ أن لا يدخلها أحد، قال: فلما خلق الله النار قال: يا جبريل اذهب فانظر إليها، قال: فذهب فنظر إليها، ثم جاء فقال: أي ربِّ، وعزتك لا يسمع بها أحد فيدخُلَها ": بالنصب خبر (لا) دخلها الفاء. " فحفَّها بالشهوات، ثم قال: يا جبريل اذهب فانظر إليها فذهَبَ فنظر إليها، فقال: أي ربِّ، وعزتك لقد خشيت أن لا يبقى أحد إلا دخلها ". * * *

стр. 3035

٩ - باب بدءِ الخَلقِ، وذكرِ الأَنبياءِ ﵈ (باب بدء الخلق وذكر الأنبياء) مِنَ الصِّحَاحِ: ٤٤٢٢ - عن عِمرانَ بن حُصَينٍ ﵁: أنَّه قال: إنِّي كُنْتُ عِنْدَ النَّبيِّ ﷺ إذْ جاءَهُ قَوْمٌ منْ بني تَميمٍ، فقالَ: " اقبَلُوا البُشْرَى يَا بني تميمٍ ". قالوا: بَشَّرتَنا فأَعِطِنا، فَدَخَلَ ناسٌ منْ أهلِ اليَمَنِ، فقالَ: " اقبَلُوا البُشْرَى يا أَهْلَ اليمنِ إذْ لم يَقْبَلْها بنو تميمٍ ". قالوا: قبلْنا، جِئْناك لنَتَفَقَّهَ في الدِّينِ، ولنَسْأَلكَ عنْ أَوَّلِ هذا الأَمْرِ ما كان؟ قالَ: كانَ الله ولَمْ يكنْ شَيْءٌ قبلَهُ، وكانَ عَرْشُهُ علَى الماءِ، ثُمَّ خَلَقَ السَّماواتِ والأَرْضَ، وكَتَبَ في الذِّكْرِ كلَّ شيءٍ ". ثُمَّ أتاني رَجُلٌ فقالَ: يا عِمرانُ! أدْرِكْ ناقَتَكَ فقدْ ذَهَبَتْ، فانطلَقْتُ أَطلُبُها، وايْمُ الله لودِدْتُ أنَّها قد ذَهبَتْ ولمْ أقُمْ ". "من الصحاح": " عن عِمْرَان بن حصين ﵁ أنه قال: إني كنْتُ عند النبي ﷺ إِذْ جاءهُ قومٌ مِنْ بني تميم "؛ أي: وقت مجيئهم. " فقال: اقبلوا البُشْرَى يا بني تميم، قالوا: بَشَّرْتَنَا "؛ أي: قَبْلَ هذا بالرحمة والجنة. " فأَعْطِنا "؛ أي: الآن حاجتنا من الدنيا، وإنما قالوا هذا؛ لعدم وثوقهم بقول النبي ﷺ وارتهان هممهم بالحظوظ الدنيوية. " فدخل ناس من أهل اليمن، فقال: اقبلوا البُشْرَى يا أهل اليمن إذ لم يقبلها بنو تميم، قالوا: قَبِلْنَا جِئْنَاك لنتفقَّه في الدِّين "؛ أي: لنتعلَّم الفقه وأحكام الشرع.

стр. 3036

" ولنسألك عن أوَّل هذا الأمر "؛ أي: هذا الخلق. " ما كان "؛ يعني: ما خُلِقَ أولًا قبل خلق السماوات والأرض. " قال: كان الله، ولم يكن قبله شيء "؛ يعني: أنه الأول قبل كل شيء، ولا شيء قبله. " وكان عرشه على الماء "؛ يعني: أنهما كانا مخلوقَيْن قبل السماوات والأرض، ولم يكن تحت العرش قبل خَلْقِهِمَا إلا الماء، فالعرش على الماء، والماء على متن الريح، والريح قائمة بقدرة الله القديمة. " ثم خلق السماوات والأرض وكتب في الذِّكْرِ "؛ أي: أثبت في اللوح المحفوظ. " كلَّ شيء " مما هو كائن. " ثم أتاني رجل فقال: يا عِمْرَان أدرِكْ ناقَتَكَ، فقد ذهبَتْ، فانطلقْتُ "؛ أي: فذهبْتُ " أطلبها "؛ أي: الناقة. " وايم الله ": قال الكوفيون: هو محذوف عن أَيْمُن، جمع يمين، والهمزة للقطع، وعند سيبويه: كلمة بنفسها وُضِعَتْ للقسم، وليسَتْ جمعًا، والهمزة للوصل. " لَوَدِدْتُ "؛ أي: تمنَّيت واشتهيت. " أنها قد ذهبَتْ ولم أَقُمْ ". * * * ٤٤٢٣ - عن عُمَرَ ﵁ قالَ: قامَ فينا رَسُولُ الله ﷺ مَقامًا، فأَخْبَرَنا عنْ بِدْءِ الخَلْقِ حتَّى دَخَلَ أَهْلُ الجَنَّةِ منازِلَهُمْ، وأهلُ النَّارِ منازِلَهُمْ، حَفِظَ ذلكَ مَنْ حَفِظَهُ، ونسَيَهُ مَنْ نَسِيَه ".

стр. 3037

" عن عمر ﵁ قال: قام فينا النبي ﷺ "؛ أي: خطبنا. " مَقَامًا "؛ أي: قيامًا. " فأخبرنا عن بِدْءَ الخلق حتى دخلَ أهلُ الجنَّةِ منازِلَهُمْ وأهلُ النَّار منازِلَهُمْ "؛ يعني: أخبرنا عن أحوال جميع الأمم، وعن أحوال أُمَّته مما يجري عليهم من الخير والشر إلى أن يدخل أهل الجنةِ الجنةَ منهم وأهل النار النار. " حفظ ذلك "؛ أي: الأخبار. " مَنْ حَفِظَه، ونَسِيَهُ مَنْ نَسِيَهُ ". * * * ٤٤٢٤ - وعن أبي هُريرةَ ﵁ قالَ: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: " إنَّ الله تعالى كتبَ كِتابًا قبلَ أنْ يَخْلُقَ الخَلْقَ: إنَّ رَحْمَتي سَبَقَتْ غَضبَي، فهو مَكْتوبٌ عِندَهُ فَوْقَ العَرْشِ ". " قال أبو هريرة ﵁ قال: [سمعت] رسول الله ﷺ يقول: إن الله كتب "؛ أي: أثْبَتَ " كتابًا قبل أن يخلُقَ الخَلْقَ: إن رحمتي سَبَقَتْ غضبي "، معنى سبقها: أن قِسْطَ الخَلْقِ منها أكثر مِنْ قِسْطِهِمْ من الغضب؛ لنيلهم إيَّاها بلا استحقاق، والغضب بالاستحقاق، فهو يرحم البر والفاجر في الدنيا والآخرة، ولا يغضب إلا على الفاجر. وقيل: رحمة الله: إرادة الخير لعباده، وغضبه: إرادة عقوبتهم، فمعنى سبقها: أنه لا يعجِّل عقوبة الكفار والعصاة، بل يرزقهم الله ويعافيهم ويحفظهم عن الآفات، ويَقْبَلُ توبتهم إذا تابوا. " فهو مكتوبٌ عنده "؛ أي: ذلك الكتاب مثبت في علمه الأزلي. " فوق العرش ": معنى كونه فوقه: ثبوته مستورًا عن جميع الخَلْقِ مرفوعًا

стр. 3038

عن حَيِّزِ الإدراك، لا أن فوقه مكانًا. * * * ٤٤٢٥ - وعن عائِشَةَ ﵂: أَنَّ رسولَ الله ﷺ قالَ: " خُلِقَتِ المَلائِكَةُ مِنْ نُورٍ، وخُلِقَ الجَانُّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ، وخُلِقَ آدمُ مِمَّا وُصِفَ لكُم ". " عن عائشة ﵂، عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال: خُلِقَتِ الملائكة من نور، وخُلِقَ الجانُّ ": أبو الجنِّ. " من مَارِج من نار "؛ أي: من لهب مختلط بسواد النار. " وخُلِقَ آدم مما وُصِفَ لكم "؛ أي: من الطِّين، أو هو إشارة إلى قوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾ [الرحمن: ١٤]. * * * ٤٤٢٦ - وعن أنسٍ ﵁: أَنَّ رسولَ الله ﷺ قال: " لمَّا صَوَّرَ الله آدمَ في الجَنَّةِ تَرَكَهُ ما شاءَ الله أنْ يترُكَهُ، فجَعَلَ إبْليسُ يُطيفُ بهِ يَنظُرُ ما هوَ، فلَمَّا رآهُ أَجْوَفَ عَرَفَ أنَّهُ خُلِقَ خَلْقًا لا يَتَمالَكُ ". " وعن أنس ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قال: لما صَوَّرَ الله آدمَ في الجنة تركَهُ ما شاء الله أن يترُكَه ": ظاهر الحديث على أنه خُلِقَ في الجنة، والأخبار دالة على أن الله تعالى خَلَقَ آدم من تُرَابٍ قبضه من وجه الأرض، وخَمَّرَهُ حتى صار طينًا، ثم تركه حتى صار صلصالًا، وكان ملقًى بين مكة والطائف ببطن نُعْمان، وهو من أودية عرفات. وقيل: ذلك لا ينافي تصويره في الجنة؛ فإنه من الجائز أن تكون طينته لما خُمِّرَتْ في الأرض وتُرِكَتْ فيها حتى مَضَتْ عليها الأطوار واستعدَّتْ لقَبُول

стр. 3039

الصُّورة الإنسانية، حُمِلَتْ إلى الجنة، فصوَّرَتْ ونُفِخَ فيها الروح. ولعله لما كان مادة آدم - عليه الصلوات والسلام - التي هي البدن من العالم السفلي أضاف النبي صلى الله تعالى عليه وسلم تكوُّن مادته إلى الأرض؛ لأنها نشأَتْ فيها، ولما كانت صورته التي بها يضاهي المَلَك، وبها يتميز عن سائر الحيوانات من العالم العلوي أضاف صورته إلى الجنة. " فجعل ": الفاء للعطف على قوله: (تركه)؛ أي: شرع. " إبليس يُطِيْفُ به يَنْظُرُ ما هو "؛ أي: يتفكَّر في عاقبة أمره، وماذا يظهر منه. " فلما رآه أجوف ": وهو الذي له جوف. " عرف أنه خُلِقَ خَلْقًا لا يَتَمَالك "؛ أي: لا يقدر أن يملك نفسه عن المنع من الشَّهوات، وقيل: أي: لا يتماسك، وقيل: لا يملك بعضه بعضًا، بل يكون فيه أبعاض مختلفة، فيصدر منه ما يوجب تغير الأحوال عليه، وعدم الاستمرار على الطاعة، ويكون محتاجًا إلى الطعام والشَّراب والنِّكاح. * * * ٤٤٢٧ - عن أنسٍ ﵁: قالَ: جاءَ رَجُلٌ إلى النَّبيِّ ﷺ فقال: يا خَيْرَ البرِيَّةِ، فقالَ: " ذاكَ إَبْراهِيْمُ ". " وعنه قال: جاء رجل إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، فقال: يا خَيْرَ البَرِيَّة ": فعيلة مِنْ برأ، بمعنى خَلَقَ؛ أي: المخلوق. " فقال: ذاك "؛ أي: خَيْرُ البَرِيَّة " إبراهيم "، إنما قاله ﷺ تواضعًا مع أسلافه الأكرمين، وإلا فنبيُّنا ﵊ سيِّد الأولين والآخرين، أو لأن هذه الصفة مختصَّة به، وله أن يُنْعِمَ بها على غيره كالصَّلاة عليه المخْصُوصَةِ به،

стр. 3040

وقد كان يصلِّي على معطي الزكاة. * * * ٤٤٢٨ - وعن أبي هُريرَةَ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : " اِخْتَتَنَ إِبْراهيمُ النَّبيّ ﷺ وهوَ ابن ثَمانينَ سَنَةً بالقَدُومِ ". " وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: اختتَنَ إبراهيم النبي ﵊ وهو ابن ثمانين سنةً بالقَدُوِمِ " بفتح القاف وتخفيف الدَّال: اسم موضع، وقيل: قرية بالشام، فالباء بمعنى (في)، وقيل: أراد به قَدُوم النَّجار، وهذا وهم، وقيل: بالتشديد وهو غلط. * * * ٤٤٢٩ - وعن أَبِي هُريرَةَ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : " لمْ يَكْذِبْ إبْراهيمُ إلَّا ثلاثَ كَذَباتٍ: ثِنتَيْنِ مِنْهُنَّ في كتابِ الله تعالَى: قولهُ: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾، وقولهُ: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾. وقالَ: بَينا هُوَ ذاتَ يومٍ وسارَةُ إذْ أَتَى عَلَى جَبَّارٍ مِنَ الجَبابرَةِ، فقيلَ لهُ: إنَّ ها هُنا رَجُلًا مَعَهُ امرأةٌ منْ أَحْسَنِ النَّاسِ، فأَرْسَلَ إليهِ فَسَألَهُ عنها: مَنْ هذِهِ؟ قال: أُخْتي. فأتَى سارَةَ فقالَ لها: إنَّ هذا الجَبَّارَ إنْ يَعْلَمْ أنَّكِ امرأتي يغلِبني عليكِ، فإنْ سَأَلكِ فأخبريهِ أنَّكِ أُخْتي، فإنَّك أُخْتِي في الإِسلامِ، ليسَ علَى وَجْهِ الأَرْضِ مُؤْمِنٌ غَيْري وغَيْرُكِ. فأَرْسَلَ إليها فأُتِيَ بها، وقامَ إِبْراهيمُ يُصَلَّي، فلَمَّا دخَلَتْ عليهِ ذَهَبَ يتناوَلُها بيدِهِ فأُخِذَ - ويُروَى فغُطَّ حتَّى رَكضَ برِجْلِه - فقالَ: ادعِي الله لي ولا أَضُرُّكِ، فدعَتِ الله فأُطلِقَ، ثُمَّ تناوَلَها الثَّانِيَةَ فأُخِذَ مِثْلَها أو أَشَدَّ، فقال: ادعِي الله لي ولا أَضُرُّكِ، فدعَتِ الله فأُطلِقَ، فدَعا بعضَ حجَبتِهِ فقالَ: إنَّكَ لَمْ تأتِني بإنسانٍ إنَّما أَتَيتَني بشَيْطانٍ، فأَخْدَمَها هاجَرَ، فأتَتْهُ

стр. 3041

وهو قائِمٌ يُصَلِّي، فأَوْمَأَ بيدِهِ مَهْيَمْ؟ قالت: رَدَّ الله كَيْدَ الكافرِ في نَحْرِهِ وأَخْدَمَ هاجَر ". قال أبو هُريرَةَ ﵁: تِلْكَ أُمُّكُم يا بني ماءِ السَّماءِ. " وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : لم يكذِبْ إبراهيم إلا ثلاث كَذَبَات، ثنتين منهنَّ "؛ أي: من الكذبات الثلاث. " في ذات الله "؛ أي: لأجل الله، وقيل: أي: في أمر الله، وفيما يتعلق بتنزيه ذات الله عن الشَّريك، ويجوز أن يُرَاد به: القرآن؛ أي: في كلام الله، عَبَّرَ به عنه لما لم ينفك الكلام عن المتكلِّم، كما هو رأي الأشعري. " قوله: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾ ": حين طلبوا منه ﵇ أن يخرج معهم إلى عيدهم، فأراد أن يتخلف عن الأمر الذي هم به، فنظر نظرةً في علم النجوم، فقال: ﴿إِنِّي سَقِيمٌ﴾؛ أي: خارج مزاجي عن حَدِّ الاعتدال. " وقوله: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا﴾ ": حين كسر ﵇ أصنامهم إلا كبيرها، وعَلَّقَ الفأس في عنقه، نَسَبَ ذلك إلى كبيرهم؛ إثباتًا للحُجَّة عليهم؛ لأنهم إذا نظروا النَّظر الصحيح علموا عَجْزَ كبيرهم. " وقال: بينا هو ذاتَ يوم وسَارة ": بنت عم إبراهيم وزوجته، وكانت هي أحسن النساء وَجْهَا شِبْهَ حواء في حُسْنِها، تزوَّجها إبراهيم ﵊ بعدما أهلك الله عدوه نمرود، فعزم على الخروج بها نحو الشام. " إذ أتى على جَبَّارٍ من الجبابرة، فقيل له: إن هاهنا رجلًا معه امرأة من أحسن الناس، فأرسل إليه فسأله عنها مَنْ هذه؛ قال: أختي "؛ يعني: أختي في الدين، قيل: إنما عدل عن الإخبار بالزوجيَّة إلى الأختيَّة؛ لأن في دين ذلك الملك الجبار لا يحل له التَّزوج، ولا التَّمتع بقرابات الأنبياء، وقيل: كان من عادته أن لا يتعرض إلا لذوات الأزواج.

стр. 3042

وإنما سمى ذلك كذبًا، وإن كان من المعارض؛ لعلوِّ شأن الأنبياء عن الكناية بالحق، فيقع ذلك منهم موقع الكذب من غيرهم؛ لأن حسنات الأبرار سيئات المقربين، وقيل: لتصورها بصورة الكذب. " فأتى "؛ أي: إبراهيم. " سارة، فقال لها: إنَّ هذا الجبار إنْ يعلَمْ أنَّك امرأتي يَغْلِبني عليك، فإن سأَلَكِ فأخبريه أنك أختي، فإنك أختي في الإسلام ليس على وجه الأرض مؤمن غيري وغيرك فأرسل "؛ أي: الجبَّار " إليها، فأُتِيَ بها، فقام إبراهيم يصلِّي، فلمَّا دخلَتْ عليه ذهب يَتَنَاوَلُها "؛ أي: أراد تناولها. " بيده فَأُخِذَ ": على صيغة المجهول؛ أي: حُبِسَ عن إمساكها، وقيل: أي: عوقب بذنبه، وقيل: أي: أغمي عليه. " ويروى: فَغُطَّ " بالغين المعجمة والطاء المهملة المشددة، على صيغة المجهول؛ أي: حصرًا شديدًا، أو قيل: الغَطُّ هنا: بمعنى الخَنْق؛ أي: أخذ [بمجامع] مجاري نفسه حتى يُسْمَع له غطيط؛ أي: نخير، وهو صوتٌ بالأنف. " حتى ركض برجله "؛ أي: ضرب بها الأرض من شِدَّة الغَطِّ. " فقال: ادْعِي الله لي ولا أَضُرُّكِ فَدَعَتِ الله فَأُطْلِقَ، ثم تناولها الثانية فأُخِذَ مثلها، أو أَشَدَّ فقال: ادْعِي الله لي ولا أَضُرُّكِ، فَدَعَتِ الله فَأُطْلِقَ فدعا "؛ أي: طلبَ الجبَّار " بعض حَجَبَتِهِ ": جمع حاجب. " فقال: إنك لم تأتني بإنسان، إنما أتيتني بشيطان "؛ أي: متمرِّد من الجنِّ، قاله لأنهم كانوا يهابون الجنَّ ويعظِّمون أمرهم. " فَأَخْدَمَهَا هَاجَرَ "؛ أي: فجعل ذلك الجبَّار سارة تخدمها هَاجَرَ، وهي أم إسماعيل ﵇، وأرسلها طاهرةً لما رأى من كرامتها عند الله، قيل: إنما سميت هاجر؛ لأنها هاجَرَتْ من الشَّام إلى مكة.

стр. 3043

" فأتته وهو قائم يصلِّي فأَوْمأ "؛ أي: أشار إبراهيم " بيده ": إلى سارة، وهو في الصلاة. " مَهْيَمْ "؛ أي: ما شأنك، وهي كلمة استخبار بلغة اليمن، وقد جعلت لفظة (مَهْيَمْ) هنا مفسرة للإيماء، وليست بترجمة لقوله ﵇، وإلا لكان من حقِّه أن يقال: فأومأ بيده وقال: مهيم. " قالت: رَدَّ الله كَيْدَ الكافر في نَحْرِه "؛ أي: في صدره. " وأَخْدَمَ هَاجَرَ ": قيل: كان لا يولد له من سارة، فوهبَتْ هَاجَرَ له، وقالت: عسى الله أن يرزقَكَ منها ولدًا، وكان إبراهيم يومئذ ابن مئة سنة. " قال أبو هريرة ﵁: تلك "؛ أي: هَاجَر. " أمُّكم يا بني ماء السماء ": يريد به العرب؛ لأنهم يعيشون بماء المطر، وقيل: أي: يا بني إبراهيم الطاهر كماء السماء، خاطبهم به تنبيهًا على طهارة نسبهم. وقيل: أراد بهم الأنصار؛ لأنهم أولاد عامر بن حارثة الأزدي جد نعمان بن المنذر، وكان ملقبًا بماء السماء؛ لأنه كان يُسْتَمطر به. وقيل: أشار بذلك إلى كونهم مِنْ وَلَدِ هَاجَرَ؛ لأن إسماعيل ﵊ أنبع الله له ماء زمزم، وهي ماء السماء. * * * ٤٤٣٠ - وعن أبي هُريرَةَ ﵁ قالَ: سُئِلَ رسولُ الله ﷺ : أيُّ النَّاسِ أَكْرَمُ؟ قال: " أكرَمُهُمْ عِنْدَ الله أتقاهُمْ " قالوا: لَيْسَ عنْ هذا نَسْألُكَ، قالَ: " فأَكْرَمُ النَّاسِ يوسُفُ نبَيُّ الله ابن نبَيِّ الله ابن نبيِّ الله ابن خليلِ الله ". قالوا: ليسَ عنْ هذا نَسْألُكَ، قال: " فعَنْ معادِنِ العَرَبِ تسألُونني؟ " قالوا: نَعَم، قالَ:

стр. 3044

" فخِيارُكُمْ في الجَاهِلِيَّةِ خِيارُكُمْ في الإِسلامِ إذا فَقِهُوا ". " وعن أبي هريرة ﵁ قال: سئل رسول الله ﷺ أيُّ الناس أَكْرَمُ؟ قال: أكرمُهُمْ عند الله أتقاهم، قالوا: ليس عن هذا نسألُكَ، قال: فأكرم الناس ": الفاء: جواب شرط مقدَّر؛ أي: إذا لم تسألوني عن هذا فأكرم الناس؛ أي: في زمانه. " يوسُفُ ": وهو مبتدأ قُدِّمَ خبره للعناية به. " نبي الله ": صفة. " ابن نبيِّ الله "؛ يعني: يعقوب ﵇. " ابن نبيِّ الله "؛ يعني: إسحاق ﵇. " ابن خليل الله "؛ أي: إبراهيم ﵇. " قالوا: ليس عن هذا نسألُكَ، قال: فَعَنْ معادن العرب "؛ أي: عن أصولهم. " تسألوني؟ قالوا: نعم، قال: فخيارُكُمْ في الجاهلية "؛ أي: بالمآثر. " خيارُكُمْ في الإسلام إذا فَقِهُوا "؛ أي: إذا صاروا عالمين في أحكام الشريعة. * * * ٤٤٣١ - وعن ابن عمرَ ﵄، عن النَّبيِّ ﷺ قالَ: " الكَرِيمُ ابن الكَريمِ ابن الكَريمِ ابن الكَريمِ: يوسُفُ بن يعقوبَ بن إِسْحاقَ بن إبْراهيَم ". " وعن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ : الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم ": اسم جامع لكلِّ ما يُحْمَد به.

стр. 3045

فيوسُفُ بن يعقوبَ بن إسحاقَ بن إبراهيم ": اجتمع في يوسف مع كونه ابن ثلاثة أنبياء متراسلين: شرف النبوة، وحسن الصورة، وعلم الرؤيا، ورئاسة الدنيا، وحياطة الرعايا في القَحْط والبلايا، وأنَّى رجل أكرم مِنْ هذا؛! * * * ٤٤٣٢ - وقالَ رسولُ الله ﷺ : " نَحْنُ أَحَقُّ بالشَّكِّ مِنْ إبراهيمَ إذْ قالَ: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾، وَيرْحَمُ الله لُوْطًا لقدْ كانَ يأْوِي إلى رُكْنٍ شَديدٍ، ولوْ لبثْتُ في السِّجنِ طُولَ ما لَبثَ يوسُفُ لأَجَبْتُ الدَّاعِي ". " وقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: نحن أحقُّ بالشَّكِّ مِنْ إبراهيم إذْ قال: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ ": قيل: لما نزلت هذه الآية قالوا: شَكَّ إبراهيم، ولم يشك نبينا فقال ﷺ تواضعًا: (نحن أحقُّ بالشكِّ من إبراهيم). والقصد: نفي الشكِّ عن إبراهيم ﵇ لا إثبات الشكِّ لنفسه، يعني: نحن لا نشكُّ فكيف يشكُّ إبراهيم ﵊ بسؤاله: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾، مع علوِّ درجته؛ لأنه أري ملكوت السموات والأرض، وإنما سأل عن ذلك لزيادة العلم بالمشاهدة؛ فإنها تفيد من المعرفة والطمأنينة ما لا يفيده الاستدلال، أراد بذلك: تعظيم شأن إبراهيم ﵊ لكمال فكرته وعلوِّ همته الطالبة لحصول الاطمئنان بالوصول إلى درجة العَيَان. " ويرحَمُ الله لوطًا لقَدْ كان يأْوِي إلى رُكْنٍ شديدٍ ": حين قصد قومه أضْيَافه بسوء ظانيِّن أنهم غلمان، وهم الملائكة نزلوا على صُورة المرد الحِسَان، كان يناظرهم من وراء الباب مغلقًا فقال: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ [هود: ٨٠]؛

стр. 3046

يعني: لو أن لي بدفعكم قوة البدن، أو انضم إليَّ عشيرة منيعة لدفعناكم ما صدر عنه ﵇ هذا القول إلا حين صعب عليه الأمر، وضاق الصدر، فدعا له النبي صلى تعالى عليه وسلم بالمغفرة؛ لأنه استغرب هذا القول وَعَدَّه نادرةً، إذ لا رُكْنَ أشدُّ من ضمان الله وكلامه له، فلما رأى المَلَكُ ما به من الاحتراق قالوا له: يا لوط إن ركنك لشديد إنا رسل ربك. " ولو لبثْتُ في السِّجن طول ما لبث يوسف لأجبْتُ الدَّاعي "؛ أي: داعي المَلِكِ، ولم أقلْ لرسول المَلِكِ: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ [يوسف: ٥٠]، مدحه ﵇ على شدَّة صبره، وترك استعجاله للخروج من السجن مع امتداده. قيل: إن يوسف ﵊ أشْفَقَ أَنْ يراه الملِكُ بعين مَشْكُوْكٍ في أمره مُتَّهَمٍ بفاحشة، فأحبَّ أن يراه بعد أن يزول عن قلبه ما كان فيه مُتَّهم. * * * ٤٤٣٣ - وقالَ: " إنَّ مُوْسى صلواتُ الله عليه كانَ رَجُلًا حَييًّا سِتِّيرًا لا يُرَى منْ جِلْدِهِ شَيءٌ استِحْياءً، فآذاهُ مَنْ آذاهُ منْ بني إِسْرائيِلَ فقالوا: ما يَتَسَتَّرُ هذا التَّستُّرَ إلا مِنْ عَيْبٍ بجِلدِهِ: أمَّا بَرَصٍ أو أُدْرَةٍ، وإنَّ الله أرادَ أنْ يُبَرِّئهُ، فَخَلا يَوْمًا وَحْدَهُ لِيَغْتَسِلَ، فَوَضَعَ ثَوْبَهُ على حَجَرٍ، فَفَرَّ الحَجَرُ بثَوْبهِ، فجَمَحَ مُوْسى في إثْرِهِ يقولُ: ثَوْبي يا حَجَرُ، ثَوْبي يا حجرُ، حتَّى انتهَى إلى مَلإٍ منْ بني إِسْرائيلَ فرأَوْهُ عُرْيانا أَحْسَنَ ما خَلَقَ الله، وقالوا: والله ما بِمُوسى منْ بَأْسٍ، وأَخَذَ ثوبَهُ وطَفَقِ بالحَجَرِ ضَرْبًا، فوالله إنَّ بالحَجَرِ لَنَدَبًا منْ أثرِ ضربهِ " ثلاثًا أو أَرْبَعًا أو خَمْسًا.

стр. 3047

" وقال: إنَّ موسى ﵇ كان رجلًا حَيِيًّا "؛ أي: مُسْتَحْيِيًا. " سِتِّيرًا "؛ أي: مستورًا، يعني: كان من شأنه أن يَسْتُرَ جميع بدنه عند اغتساله. " لا يُرَى من جِلْدِهِ شيءٌ استحياءً، فآذاه مَنْ آذاه من بني إسرائيل " بأن نسبوا إليه العيوب. " فقالوا: ما تستَّر هذا التَّسَتُّرَ إلا من عَيْبٍ بجلده: إمَّا بَرَصٌ أو أُدْرَةٌ " بالضم ثم السكون: نفخةً في الخصية. " وإن الله أراد أَنْ يُبَرِّئَهُ": مما قالوا. " فخلا يومًا وحدَهُ ليغتَسِلَ فوضَعَ ثَوْبَهُ على حجر، ففرَّ الحجر بثوبه فَجَمَحَ موسى "؛ أي: عَدَا وأَسْرَعَ إسراعًا. " في إِثْرِهِ "؛ أي: عقيب الحجر. " يقول: ثوبي "؛ أي: دع ثوبي. " يا حجر، ثوبي يا حجر، حتى انتهى إلى ملأ "؛ أي: وصل إلى جماعة الأشراف. " من بني إسرائيل، فرأوه عُرْيَانًا أَحْسَنَ ما خلق الله، وقالوا: والله ما بموسى من بأس "؛ أي: عيب. " وأخذ ثوبه فطَفِقَ "؛ أي: شرع موسى " بالحجر ضَرْبًا ": تمييز، ضَرْبُهُ الحجر لا يعد سَفَهًا عند ثوران الغضب؛ شفاء للغيظ، مع العلم بأن الحجر لا يتأثر بالضرب، أو يقال: حسب أنه شيطان أرسل إليه في صورة حجر. " فوالله، إنَّ بالحجر لَنَدَبًا ": بالتحريك؛ أي: أثر الجرح. " من أثَرِ ضَرْبِهِ ثلاثًا أو أربعًا أو خمسًا ": (أو) هذه للشكِّ من الراوي

стр. 3048

يتعلق بالضَّرب، أو بالنَّدَبِ. * * * ٤٤٣٤ - وقالَ: " بَيْنا أيُّوبُ يَغْتَسِلُ عُرْيانًا فَخَرَّ عَلَيْهِ جَرادٌ منْ ذَهَبٍ، فَجَعَلَ أيُّوبُ يَحْتَثِي في ثَوبهِ، فناداه ربُّه: يا أيُّوبُ أَلَمْ أكُنْ أغنَيْتُكَ عَمَّا تَرَى؟ قَالَ: بَلَى وعِزَّتِكَ، ولَكنْ لا غِنى بِيْ عَنْ بَرَكَتِك ". " وقال: بينما أيوب ﵊ يغتسل عُرْيَانًا فَخَرَّ عليه "؛ أي: سقط من عُلُوٍ. " جَرَادٌ من ذَهَبٍ فَجَعَلَ "؛ أي: أراد أيوب أن " يَحْتَثِي "؛ أي: يجمع " في ثوبه، فناداه ربه: يا أيُّوبُ، ألم أَكُنْ أَغْنَيْتُكَ "؛ أي: جعلتك ذا غنًى. " عمَّا ترى؛ قال: بلى وعزتك، ولكن لا غِنَاءَ بي عن بَرَكَتِكَ " وإنْعَامِكَ عليَّ. * * * ٤٤٣٥ - عَنْ أَبِي هُريْرَةَ ﵁ أنَّهُ قَالَ: اسْتَبَّ رَجُلٌ مِنَ المُسلِمِينَ وَرَجُلٌ مِنَ اليَهودِ، فَقَالَ المُسلمُ: والَّذي اصطَفَى مُحمَّدًا على العَالَمِيْنَ، فقالَ اليَهُودِيُّ: والذي اصْطَفَى مُوسَى علَى العَالَمِينَ، فَرَفعَ المُسْلمُ يدَهُ عندَ ذلكَ فلطَمَ وَجْهَ اليَهُوديِّ، فَذَهبَ اليَهُودِيُّ إِلى النَّبيِّ ﷺ فأخبَرَهُ بِمَا كَانَ منْ أَمْرِهِ وأَمْرِ المُسلِم، فدَعا النَّبيّ ﷺ المُسلِمَ فَسَألَهُ عَنْ ذلكَ، فأخبَرَه، فَقَالَ النَّبيّ ﷺ : " لا تُخيِّروني على موسَى، فإنَّ النَّاسَ يَصْعَقُونَ يومَ القِيامَةِ فَأَصْعَقُ مَعَهُم فأكون أوَّلَ من يُفيقُ، فإذَا موسَى باطِشٌ بجانِبِ العَرشِ، فلا أَدْرِي كَانَ فيمَنْ صَعِقَ فأفاقَ قَبْلِي، أوْ كَانَ مِمَّنْ استَثْنَى الله ". وفي رِوَايَةٍ: " فَلَا أَدْرِي أحُوسِبَ بصَعقةِ يَومِ الطُّورِ أَوْ بُعِثَ قَبْلِي،

стр. 3049

ولا أَقُولُ إنَّ أَحَدًا أَفضَلُ مِنْ يونسُ بن مَتَّى ". وفي رِوَايَةٍ: " لا تُخيِّروا بينَ الأَنبياءِ ". وفي رواية: " لا تُفضلُوا بَيْنَ أَنْبياءِ الله ". " وعن أبي هريرة ﵁ قال: استَبَّ رجلٌ من المسلمين ورجلٌ من اليهود "؛ أي: جرى بينهما السَّبُّ؛ أي: الشَّتم. " فقال المسلم: والذي اصطفى محمدًا على العالمين، فقال اليهود: والذي اصطفى موسى على العالمين، فرفع المسلم يده عند ذلك، فلطَمَ وَجْهَ اليهودي، فذهب اليهودي إلى النبي ﷺ فأخبره بما كان مِنْ أمره وأمر المسلم، فدعا النبي ﷺ المسلم فسأله عن ذلك، فأخبره، فقال النبي: ﵊: لا تُخَيِّرُوني "؛ أي: لا تُفَضِّلُوني " على موسى ". وإنما نهى ﵊ عن تفضيله عليه مِنْ تلقاء أنفسهم؛ تواضعًا منه ﷺ ، وزَجْرًا للأمة عن تفضيل بعض الأنبياء على بعض من عند أنفسهم؛ لأداء ذلك إلى العَصَبِيَّة وإلى الإفراط في محبةِ نبي، والتفريط في محبة آخر، أو الإزراء به، وهو كفر. " فإن الناس يَصْعَقُون "؛ أي: يصيرون مغشيًّا عليهم. " يوم القيامة، فَأَصْعَقُ معهم ": قيل: هذه الصَّعْقَة بعد البعث عند نفخة الفزع. " فأكون أول مَنْ يفيق، فإذا موسى بَاطِشٌ بجانب العَرْشِ "؛ أي: متعلِّق به بقوة. " فلا أدري، كان فيمن صَعِقَ فأفاق قَبْلي، أو كان مِمَّنِ استثنى الله " في قوله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٦٨].

стр. 3050

" وفي رواية: فلا أدري أحوسب "؛ أي: عوفي. " بصعقة يوم الطور، أو بُعِثَ قبلي، ولا أقول: إن أحدًا أفضل من يُونُسَ ابن مَتَّى "؛ أي: لا أقول ذلك مِنْ تلقاء نفسي، ولا أفضِّل أحدًا عليه من حيث النبوة والرسالة، فإن الأنبياء كلهم متساوون فيها؛ لأن النبوة شيء واحد لا تفاضل فيها، وإنما التفاضل باعتبار الدرجات كما قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، وإنما خصَّه بالذّكر لما قصَّ الله تعالى عليه في كتابه العزيز من أمر يونس ﵊ بقلَّة احتماله عن قومه وإعراضه عنهم، قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ [القلم: ٤٨] وقال: ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ [الصافات: ١٤٢] فلم يأمن ﵇ أن يعتقد الضعفاء من أمته نقصانًا في شأنه، فنبَّههم أنَّ ذلك ليس بقادح فيما آتاه الله من فضله. " وفي رواية أبي سعيد الخدري: لا تخيروا بين الأنبياء، وفي رواية: لا تفضلوا بين أنبياء الله "؛ معناه: ترك التفضيل على وجه الإزراء ببعض؛ فإن ذلك يكون سببًا لفساد الاعتقاد في بعضهم، وذلك كفر. * * * ٤٤٣٦ - وقَالَ: " مَا ينبَغي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ إنِّي خَيرٌ مِنْ يونُسَ بن مَتَّى ". " وقال: ما ينبغي لعبد أن يقول: إني خيرٌ من يونس بن متَّى ": قيل: (مَتَّى): اسم أمِّ يونس. * * * ٤٤٣٧ - وقَالَ: " مَنْ قَالَ أَنا خَيرٌ مِنْ يونُسَ بن مَتَّى فقدْ كَذَبَ ".
следующие страницы →