يعني: لو أن لي بدفعكم قوة البدن، أو انضم إليَّ عشيرة منيعة لدفعناكم ما صدر عنه ﵇ هذا القول إلا حين صعب عليه الأمر، وضاق الصدر، فدعا له النبي صلى تعالى عليه وسلم بالمغفرة؛ لأنه استغرب هذا القول وَعَدَّه نادرةً، إذ لا رُكْنَ أشدُّ من ضمان الله وكلامه له، فلما رأى المَلَكُ ما به من الاحتراق قالوا له: يا لوط إن ركنك لشديد إنا رسل ربك.
" ولو لبثْتُ في السِّجن طول ما لبث يوسف لأجبْتُ الدَّاعي "؛ أي: داعي المَلِكِ، ولم أقلْ لرسول المَلِكِ: ﴿ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ﴾ [يوسف: ٥٠]، مدحه ﵇ على شدَّة صبره، وترك استعجاله للخروج من السجن مع امتداده.
قيل: إن يوسف ﵊ أشْفَقَ أَنْ يراه الملِكُ بعين مَشْكُوْكٍ في أمره مُتَّهَمٍ بفاحشة، فأحبَّ أن يراه بعد أن يزول عن قلبه ما كان فيه مُتَّهم.
* * *
٤٤٣٣ - وقالَ: " إنَّ مُوْسى صلواتُ الله عليه كانَ رَجُلًا حَييًّا سِتِّيرًا لا يُرَى منْ جِلْدِهِ شَيءٌ استِحْياءً، فآذاهُ مَنْ آذاهُ منْ بني إِسْرائيِلَ فقالوا: ما يَتَسَتَّرُ هذا التَّستُّرَ إلا مِنْ عَيْبٍ بجِلدِهِ: أمَّا بَرَصٍ أو أُدْرَةٍ، وإنَّ الله أرادَ أنْ يُبَرِّئهُ، فَخَلا يَوْمًا وَحْدَهُ لِيَغْتَسِلَ، فَوَضَعَ ثَوْبَهُ على حَجَرٍ، فَفَرَّ الحَجَرُ بثَوْبهِ، فجَمَحَ مُوْسى في إثْرِهِ يقولُ: ثَوْبي يا حَجَرُ، ثَوْبي يا حجرُ، حتَّى انتهَى إلى مَلإٍ منْ بني إِسْرائيلَ فرأَوْهُ عُرْيانا أَحْسَنَ ما خَلَقَ الله، وقالوا: والله ما بِمُوسى منْ بَأْسٍ، وأَخَذَ ثوبَهُ وطَفَقِ بالحَجَرِ ضَرْبًا، فوالله إنَّ بالحَجَرِ لَنَدَبًا منْ أثرِ ضربهِ " ثلاثًا أو أَرْبَعًا أو خَمْسًا.
стр. 3047
" وقال: إنَّ موسى ﵇ كان رجلًا حَيِيًّا "؛ أي: مُسْتَحْيِيًا.
" سِتِّيرًا "؛ أي: مستورًا، يعني: كان من شأنه أن يَسْتُرَ جميع بدنه عند اغتساله.
" لا يُرَى من جِلْدِهِ شيءٌ استحياءً، فآذاه مَنْ آذاه من بني إسرائيل " بأن نسبوا إليه العيوب.
" فقالوا: ما تستَّر هذا التَّسَتُّرَ إلا من عَيْبٍ بجلده: إمَّا بَرَصٌ أو أُدْرَةٌ " بالضم ثم السكون: نفخةً في الخصية.
" وإن الله أراد أَنْ يُبَرِّئَهُ": مما قالوا.
" فخلا يومًا وحدَهُ ليغتَسِلَ فوضَعَ ثَوْبَهُ على حجر، ففرَّ الحجر بثوبه فَجَمَحَ موسى "؛ أي: عَدَا وأَسْرَعَ إسراعًا.
" في إِثْرِهِ "؛ أي: عقيب الحجر.
" يقول: ثوبي "؛ أي: دع ثوبي.
" يا حجر، ثوبي يا حجر، حتى انتهى إلى ملأ "؛ أي: وصل إلى جماعة الأشراف.
" من بني إسرائيل، فرأوه عُرْيَانًا أَحْسَنَ ما خلق الله، وقالوا: والله ما بموسى من بأس "؛ أي: عيب.
" وأخذ ثوبه فطَفِقَ "؛ أي: شرع موسى " بالحجر ضَرْبًا ": تمييز، ضَرْبُهُ الحجر لا يعد سَفَهًا عند ثوران الغضب؛ شفاء للغيظ، مع العلم بأن الحجر لا يتأثر بالضرب، أو يقال: حسب أنه شيطان أرسل إليه في صورة حجر.
" فوالله، إنَّ بالحجر لَنَدَبًا ": بالتحريك؛ أي: أثر الجرح.
" من أثَرِ ضَرْبِهِ ثلاثًا أو أربعًا أو خمسًا ": (أو) هذه للشكِّ من الراوي
стр. 3048
يتعلق بالضَّرب، أو بالنَّدَبِ.
* * *
٤٤٣٤ - وقالَ: " بَيْنا أيُّوبُ يَغْتَسِلُ عُرْيانًا فَخَرَّ عَلَيْهِ جَرادٌ منْ ذَهَبٍ، فَجَعَلَ أيُّوبُ يَحْتَثِي في ثَوبهِ، فناداه ربُّه: يا أيُّوبُ أَلَمْ أكُنْ أغنَيْتُكَ عَمَّا تَرَى؟ قَالَ: بَلَى وعِزَّتِكَ، ولَكنْ لا غِنى بِيْ عَنْ بَرَكَتِك ".
" وقال: بينما أيوب ﵊ يغتسل عُرْيَانًا فَخَرَّ عليه "؛ أي: سقط من عُلُوٍ.
" جَرَادٌ من ذَهَبٍ فَجَعَلَ "؛ أي: أراد أيوب أن " يَحْتَثِي "؛ أي: يجمع " في ثوبه، فناداه ربه: يا أيُّوبُ، ألم أَكُنْ أَغْنَيْتُكَ "؛ أي: جعلتك ذا غنًى.
" عمَّا ترى؛ قال: بلى وعزتك، ولكن لا غِنَاءَ بي عن بَرَكَتِكَ " وإنْعَامِكَ عليَّ.
* * *
٤٤٣٥ - عَنْ أَبِي هُريْرَةَ ﵁ أنَّهُ قَالَ: اسْتَبَّ رَجُلٌ مِنَ المُسلِمِينَ وَرَجُلٌ مِنَ اليَهودِ، فَقَالَ المُسلمُ: والَّذي اصطَفَى مُحمَّدًا على العَالَمِيْنَ، فقالَ اليَهُودِيُّ: والذي اصْطَفَى مُوسَى علَى العَالَمِينَ، فَرَفعَ المُسْلمُ يدَهُ عندَ ذلكَ فلطَمَ وَجْهَ اليَهُوديِّ، فَذَهبَ اليَهُودِيُّ إِلى النَّبيِّ ﷺ فأخبَرَهُ بِمَا كَانَ منْ أَمْرِهِ وأَمْرِ المُسلِم، فدَعا النَّبيّ ﷺ المُسلِمَ فَسَألَهُ عَنْ ذلكَ، فأخبَرَه، فَقَالَ النَّبيّ ﷺ : " لا تُخيِّروني على موسَى، فإنَّ النَّاسَ يَصْعَقُونَ يومَ القِيامَةِ فَأَصْعَقُ مَعَهُم فأكون أوَّلَ من يُفيقُ، فإذَا موسَى باطِشٌ بجانِبِ العَرشِ، فلا أَدْرِي كَانَ فيمَنْ صَعِقَ فأفاقَ قَبْلِي، أوْ كَانَ مِمَّنْ استَثْنَى الله ".
وفي رِوَايَةٍ: " فَلَا أَدْرِي أحُوسِبَ بصَعقةِ يَومِ الطُّورِ أَوْ بُعِثَ قَبْلِي،
стр. 3049
ولا أَقُولُ إنَّ أَحَدًا أَفضَلُ مِنْ يونسُ بن مَتَّى ".
وفي رِوَايَةٍ: " لا تُخيِّروا بينَ الأَنبياءِ ".
وفي رواية: " لا تُفضلُوا بَيْنَ أَنْبياءِ الله ".
" وعن أبي هريرة ﵁ قال: استَبَّ رجلٌ من المسلمين ورجلٌ من اليهود "؛ أي: جرى بينهما السَّبُّ؛ أي: الشَّتم.
" فقال المسلم: والذي اصطفى محمدًا على العالمين، فقال اليهود: والذي اصطفى موسى على العالمين، فرفع المسلم يده عند ذلك، فلطَمَ وَجْهَ اليهودي، فذهب اليهودي إلى النبي ﷺ فأخبره بما كان مِنْ أمره وأمر المسلم، فدعا النبي ﷺ المسلم فسأله عن ذلك، فأخبره، فقال النبي: ﵊: لا تُخَيِّرُوني "؛ أي: لا تُفَضِّلُوني " على موسى ".
وإنما نهى ﵊ عن تفضيله عليه مِنْ تلقاء أنفسهم؛ تواضعًا منه ﷺ ، وزَجْرًا للأمة عن تفضيل بعض الأنبياء على بعض من عند أنفسهم؛ لأداء ذلك إلى العَصَبِيَّة وإلى الإفراط في محبةِ نبي، والتفريط في محبة آخر، أو الإزراء به، وهو كفر.
" فإن الناس يَصْعَقُون "؛ أي: يصيرون مغشيًّا عليهم.
" يوم القيامة، فَأَصْعَقُ معهم ": قيل: هذه الصَّعْقَة بعد البعث عند نفخة الفزع.
" فأكون أول مَنْ يفيق، فإذا موسى بَاطِشٌ بجانب العَرْشِ "؛ أي: متعلِّق به بقوة.
" فلا أدري، كان فيمن صَعِقَ فأفاق قَبْلي، أو كان مِمَّنِ استثنى الله " في قوله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الزمر: ٦٨].
стр. 3050
" وفي رواية: فلا أدري أحوسب "؛ أي: عوفي.
" بصعقة يوم الطور، أو بُعِثَ قبلي، ولا أقول: إن أحدًا أفضل من يُونُسَ ابن مَتَّى "؛ أي: لا أقول ذلك مِنْ تلقاء نفسي، ولا أفضِّل أحدًا عليه من حيث النبوة والرسالة، فإن الأنبياء كلهم متساوون فيها؛ لأن النبوة شيء واحد لا تفاضل فيها، وإنما التفاضل باعتبار الدرجات كما قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، وإنما خصَّه بالذّكر لما قصَّ الله تعالى عليه في كتابه العزيز من أمر يونس ﵊ بقلَّة احتماله عن قومه وإعراضه عنهم، قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ [القلم: ٤٨] وقال: ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ [الصافات: ١٤٢] فلم يأمن ﵇ أن يعتقد الضعفاء من أمته نقصانًا في شأنه، فنبَّههم أنَّ ذلك ليس بقادح فيما آتاه الله من فضله.
" وفي رواية أبي سعيد الخدري: لا تخيروا بين الأنبياء، وفي رواية: لا تفضلوا بين أنبياء الله "؛ معناه: ترك التفضيل على وجه الإزراء ببعض؛ فإن ذلك يكون سببًا لفساد الاعتقاد في بعضهم، وذلك كفر.
* * *
٤٤٣٦ - وقَالَ: " مَا ينبَغي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ إنِّي خَيرٌ مِنْ يونُسَ بن مَتَّى ".
" وقال: ما ينبغي لعبد أن يقول: إني خيرٌ من يونس بن متَّى ": قيل: (مَتَّى): اسم أمِّ يونس.
* * *
٤٤٣٧ - وقَالَ: " مَنْ قَالَ أَنا خَيرٌ مِنْ يونُسَ بن مَتَّى فقدْ كَذَبَ ".
стр. 3051
" وقال: مَنْ قال: أنا خيرٌ من يونس بن مَتَّى ": يحتمل أن يكون لفظ (أنا) واقعًا موقع هو، ويكون راجعًا إلى الرسول ﵊؛ يعني: مَنْ فضَّلني على يونس في النبوة.
" فقد كَذَبَ "؛ أي: كفر، كنَّى به عن الكفر؛ لأن هذا الكذب مساوٍ للكفر.
* * *
٤٤٣٨ - وعَنْ أُبَيِّ بن كعْبٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : " إنَّ الغُلامَ الذي قَتَلَهُ الخَضرُ طُبعَ كَافِرًا، ولوْ عَاشَ لأَرهَقَ أبوَيْهِ طُغيانًا وكُفرًا ".
" وعن أُبَيِّ بن كعب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : إن الغلام الذي قتلَهُ الخَضِر " بفتح الخاء وكسر الضاد " طُبِعَ "؛ أي: خُلِقَ " كافرًا ".
والتوفيق بين هذا وبين قوله ﷺ : " كلُّ مولود يُوْلَدُ على الفِطْرَة " أن المراد بالفطرة: استعداده قبول الإسلام، وذلك لا ينافي كونه شقيًا في جِبِلَّته.
" ولو عَاشَ لأَرْهَقَ أبوَيْه "؛ أي: غَشِيَهما " طغيانًا " عليهما، " وكفرًا " لنعمتهما بعقوقه وسوء صنيعه، أو معناه: حملهما حُبُّهُ على أن يَتَّبِعَاه فيطغيا.
* * *
٤٤٣٩ - وعَنْ أَبِي هُريرَةَ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: " إنَّما سُمِّيَ الخَضرَ لأنَّهُ جَلَسَ على فَرْوَةٍ بَيْضَاءَ، فإذَا هِيَ تَهْتزُّ منْ خَلْفِهِ خَضراءَ ".
" وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : إنما سُمِّيَ الخَضِرُ ": بالرفع قائم مقام الفاعل، ومفعوله الثاني محذوف؛ أي: خَضِرًا.
" لأنه جلس على فَرْوَةٍ "؛ أي: قطعة أرضٍ يابسةٍ.
стр. 3052
" بيضاء "؛ يعني: خالية من النبات.
" فإذا هي تهتزُّ "؛ أي: تتحرَّك.
" من تحته خضراء ": حال من الضمير العائد إلى (الفروة)، قيل: اسم الخضر: بليا، والخضر لقبٌ له، وهو كان من بني إسرائيل، وقيل: كان من أبناء الملوك الذين تزهدوا في الدنيا، وكان في أيام أفريدون، قبل موسى ﵊، وكان مقدمة جيش ذي القرنين، وبقي إلى أيام موسى ﵊.
* * *
٤٤٤٠ - وعَنْ أَبيْ هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: جَاءَ مَلَكُ المَوْتِ إلى مُوسَى فَقَالَ لهُ: أَجِبْ رَبَّكَ، قَالَ: فَلَطَمَ موسَى عينَ مَلَكِ الموتِ فَفَقأَهَا، قال: فرَجَعَ المَلَكُ إلَى الله تَعَالَى فَقَالَ: إنَّكَ أَرْسَلْتَني إلى عَبدٍ لكَ لا يُريدُ المَوتَ وقَدْ فقأَ عَيْني، قَالَ: فردَّ الله إلَيْهِ عَيْنَهُ وقَالَ: ارجِعْ إلَى عَبدِي فَقُل: الحَيَاةَ تَريدُ؟ فإنْ كُنْتَ تُريْدُ الحَياةَ، فضَعْ يدَكَ علَى مَتْنِ ثَوْرٍ، فَمَا وارَتْ يدُكَ منْ شَعْرةٍ فإنَّكَ تَعِيشُ بِهَا سَنةً، قَالَ: ثُمَّ مَهْ؟ قَالَ: ثُمَّ تَمُوتُ، قَالَ: فالآنَ مِنْ قَرِيب، رَبِّ! أَدْنِني مِنَ الأَرْضِ المُقدَّسَةِ رَمْيَةً بِحَجرٍ. قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : " والله لوْ أنِّي عِندهُ، لأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ إلى جَنْبِ الطَّريقِ عِنْدَ الكَثِيبِ الأَحْمَرِ ".
" وعنه أنه قال: جاء مَلَكُ الموت إلى موسى بن عِمْرَان، فقال له: أجِبْ رَبَّكَ، قال: فَلَطَمَ موسى "؛ أي: ضرب بباطن كَفِّه.
" عَيْنَ مَلَكِ الموت فَفَقَأَها "؛ أي: قلع عينه وأعماها، واللَّطْمَة: أَثَّرَتْ في العين الصُّورية لا في العين الملكية، فإنها غير متأثرة بها.
قيل: إن الله تعالى لإكرامه إيَّاه ولطفه به لم يأمر الملك بِأَخْذِ روحه قَهْرًا،
стр. 3053
بل أرسَلَهُ في صورة بشر مُنْذِرًا بالموت، وأمره بالتَّعرض على سبيل الامتحان، وكان في طبعه حدة حتى روي: أنه كان إذا غضب اشتعلَتْ قلنسوته نارًا؛ لحدَّة طبعه، وقد جَرَتِ السُّنَّة بدفع القاصد بسوء، فلما نظر إلى شخص يقصد إهلاكه وهو لا يعرفه، دَفَعَ عن نفسه، وكان في دَفْعِهِ ذهاب عينه الصُّورية.
وقيل: إنما لطمها موسى ﵇؛ لأن الأنبياء - عليهم الصلاة والمسلام - كانوا مخيَّرين من عند الله آخر الأمر بأحد الشيئين؛ إما الحياة، وإما الوفاة، فأقدم ملك الموت على قَبْضِ روحه قبل التَّخيير.
" قال: فرجع الملك إلى الله تعالى، فقال: إنك أرسلتني إلى عَبْدٍ لك لا يريد الموت، وقَدْ فَقَأَ عيني قالْ فَرَدَّ الله إليه عينه، وقال: ارجع إلى عبدي ": وإنما ردَّ إليه رسوله ليعلم إذا رأى صحَّة عينه المفقوءة أنه رسول الله بعثه لقبض روحه، فيستسلم لأمره ويطيب نفسًا بقضائه.
" فَقُل: الحياةَ تريدُ؟ فإنْ كُنْتَ تريدُ الحياةَ فَضَعْ يَدَكَ على مَتْنِ ثَوْرٍ، فما تَوَارَتْ يَدُكَ من شَعْرَةٍ فإنك تعيش بها "؛ أي: بكل شعرة من تلك الشعور " سنة، قال "؛ أي: موسى ﵇: " ثم مَهْ؛ ": استفهام؛ أي: ثُمَّ ما يكون بعد ذلك؟
" قال "؛ أي: ملك الموت: " ثم تموت، قال "؛ أي: موسى ﵇: " فالآن من قَرِيبٍ، ربِّ أَدْنِني "؛ أي: قرِّبني " من الأرض المقدَّسة رَمْيَة بِحَجَر "؛ أي: إدْنَاءً مثل رمية بحجر.
" قال رسول الله ﷺ : والله لو أني عنده لأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ إلى جَنْبِ الطَّريق عند الكَثِيْبِ "؛ أي: المجتمع من الرمل " الأحمر ".
* * *
стр. 3054
٤٤٤١ - عَنْ أَنَسٍ ﵁: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: " مَرَرْتُ على مُوسَى لَيْلةَ اُسرِيَ بي عِندَ الكَثِيبِ الأَحْمَرِ، وهُوَ قائِمٌ يُصلِّي في قبرِهِ ".
" عن أنس ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قال: مررْتُ على موسى ليلةَ ": نصب على الظرف.
" أُسري بي ": الباء للتعدية.
" عند الكَثِيبِ الأحمر، وهو قائم ": الواو للحال.
" يُصَلِّي ": في موضع الحال من ضمير (قائم)، يعني: قائمًا مصليًا.
" في قبره ": صلاة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في قبورهم عبارة عن زيادة درجاتهم بعد الموت، فإن الصلاة والسَّجدة فيها خاصية قُرْب من الله تعالى قال الله تعالى: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩].
* * *
٤٤٤٢ - وعَنْ جَابرٍ ﵁: أنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: " عُرِضَ عليَّ الأنبياءُ، فإذا مُوسَى ضَرْبٌ من الرِّجَالِ كأنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَة، ورَأَيتُ عِيْسَى بن مَرْيمَ فإذَا أَقْربُ مَنْ رَأَيتُ بهِ شَبَهًا عُرْوَةُ بن مَسْعُودٍ، ورَأيتُ إِبْراهيْمَ فإذا أَقْربُ مَنْ رَأَيتُ بهِ شَبَهًا صَاحِبُكُمْ - يَعْنِي: نَفسَهُ -، ورَأَيْتُ جِبْرِيْلَ فإذا أَقْربُ مَنْ رَأَيتُ بهِ شَبَهًا دِحْيَةُ بن خَليفةَ ".
" عن جابر ﵁: قال النبي ﷺ : عُرِضَ عليَّ الأنبياء "؛ أي: أرواحهم متشكِّلين بالصُّوَر التي كانوا عليها في الدنيا مع الأجساد.
" فإذا موسى ضَرْبٌ من الرجال ": الضَّرْبُ: الرجل الخفيف اللحم.
" كأنه من رجال شَنُوءَة ": قبيلة من اليمن، يقال لهم: أَزْد شَنُوءَة، وهي لغة: التَّباعد عن الأدناس، لعلهم لُقِّبوا بذلك لطهارة نسبهم وحسن سيرتهم.
стр. 3055
" ورأيت عيسى بن مريم، فإذا أَقْرَبُ من رأيت به شَبَهًا عُرْوَةُ بن مسعود ": (إذا) للمفاجأة، و (أقرب) مبتدأ، خبره (عروة)، الجار والمجرور متعلق بقوله: (شبهًا) وهو تمييز، أو مفعول (رأيت).
" ورأيْتُ إبراهيم فإذا أَقْرَبُ مَنْ رأيْتُ به شَبَهًا صاحِبُكُم؛ يعني "؛ أي: يريد النبي ﵊ " نفسه، ورأيت جبريل، فإذا أقرَبُ مَنْ رأيْتُ به شَبَهًا دَحْيَةُ " بفتح الدال وكسرها " ابن خَلِيْفَة ".
* * *
٤٤٤٣ - عَنِ ابن عبَّاسٍ، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: " رَأَيتُ لَيْلةَ أُسرِيَ بي موسَى رَجُلًا آدمَ طُوَالًا جَعْدًا كانَّهُ منْ رِجَالِ شَنوءَةَ، ورَأَيتُ عيسَى رَجُلًا مَربوعَ الخَلْقِ إلى الحُمرَةِ والبَيَاضِ سَبطَ الرَّأسِ، ورَأَيتُ مالِكًا خَازِنَ النَّارِ، والدَّجالَ في آياتٍ أَرَاهُنَّ الله إيَّاهُ ﴿فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ﴾ ".
" وعن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: رأيتُ ليلَةَ أُسْرِيَ بي موسى رَجُلًا آدَمَ "؛ أي: أسمر.
" طُوَالًا "، وهو - بضم الطاء وتخفيف الواو -: الطويل جدًا.
" جَعْدًا "، وهو - بفتح الجيم وسكون العين -: ضد السَّبْط وهو مسترسل الشعر.
" كأنه من رجال شَنُوءَة، ورأيت عيسى رَجُلًا مَرْبُوع الخَلْقِ "؛ يعني: ليس بالطويل ولا بالقصير.
" إلى الحُمْرَةِ والبَيَاض "؛ أي: لونه بينهما.
" سَبِطَ الرأس "؛ أي: شعر رأسه.
" ورأيت مالِكًا خازِنَ النار، والدَّجَّال في آياتٍ ": جمع آية، وهي العلامة.
стр. 3056
"أَرَاهُنَّ الله إيَّاه": الجملة صفة (آيات)، قيل: هو من كلام الرَّاوي ألحقه بالحديث؛ دفعاً لاستبعاد السَّامعين، وإماطة ما عسى يختلج في صدورهم يدل عليه قوله: (إياه)، ولو كان من كلامه ﵇ لقال: إياي.
﴿فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ﴾؛ أي: في شك.
﴿مِنْ لِقَائِهِ﴾ "؛ أي: مِنْ رُؤْية محمدٍ هذه الأشياء، ووصوله إلى مشاهدتها، وقيل: معناه وتقديره: رأى ﵇ الدَّجَّال مع آيات أُخَر ما حكاها، فإذا كان خروجه موعوداً فلا تكن في مِرْيَة من لقائه؛ أي: من لقاء الدَّجَّال.
٤٤٤٤ - عَنْ أَبي هُريْرَة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لَيْلَةَ أُسرِيَ بِي لَقِيتُ موسَى - فَنَعَتَهُ -، فإذا رَجلُ مُضْطَرِبٌ رَجِلُ الشَّعرِ، كأنَّه منْ رِجالِ شَنُوءَةَ، ولَقيْتُ عيسَى رَبْعَة أَحمَرُ، كأنَّما خرجَ منْ دِيْمَاسٍ - يعني: الحَمَّام - ورأيتُ إبْراهِيمَ صلَواتُ الله عَلَيْهِ، وأنا أشبَهُ ولدِهِ بهِ، قَالَ: وأُتِيتُ بإنَاءَيْنِ أحدُهُما لَبن والآخَرُ فيهِ خَمْرٌ، فَقِيلَ لي: خُذْ أيهُمَا شئْتَ، فَأَخَذْتُ اللَّبن فشرِبْتُهُ، فَقِيْلَ لي: هُدِيتَ الفِطْرةَ، أَمَا إنَّكَ لَوْ أَخَذْتَ الخَمرَ غوَتْ أُمَّتُكَ".
"عن أبي هريرة ﵁: قال النبي ﷺ : ليلةَ أُسْرِيَ بي لَقِيْتُ موسى - فَنَعَتَهُ - فإذا هو رَجل مُضْطَرِبٌ"؛ أي: [كان] مستقيم القَدِّ حادًا، فإن موسى كان فيه حِدَّة، والرجل الحاد يكون قلقاً متحركاً، فكان فيه اضطراباً، وقيل: معناه: كان مضطربا من خشية الله، وهو من صفة الأنبياء.
"رَجِل الشَّعر" بفتح الراء وكسر الجيم؛ أي: غير شديد الجعودة والسُّبُوطة، بل بينهما.
стр. 3057
"كأنه من رجال شَنُوْءَة، ورأيت عيسى ﵇ رَبْعَة"؛ أي: مَرْبُوْعَ القامة لا طويل ولا قصير، وأنَّث على تأويل النفس.
"أحمر، كأنما خرج من ديماس" بفتح الدال وكسرها؛ "يعني: الحَمَّام، ورأيت إبراهيم، وأنا أَشْبَهُ وَلَدِه به، قال: وأُوْبيْتُ لإناءَيْنِ أحدهما لَبن، والآخر فيه خَمرٌ": فيه إشعارٌ بأن اللَّبن كان أكْثر من الخمر.
"فقيل في: خُذْ أيهما شِئْتَ، فأخذْتُ اللبن فشربته، فقيل لي: هُدِيْتَ الفِطْرَةَ"؛ أي: التي فُطِرَ الناس عليها، وفي هذا القول له عند أخذ اللبن لطف ومناسبة، فإن اللبن لما كان في العالم الحسِّي ذا خلوص وبياض، وأول ما يحصل به تربية المولود صيغ في عالم القدسي مثال الهداية والفطرة التي يتمُّ بها تربية القوة الروحانية؛ لأن العالم القدسي قد تُصاغ فيه الصور من العالم الحسي لإدراك المعاني.
"أَمَا": كلمة تنبيه.
"إنَّك" بكسر الهمزة "لو أخذت الخمر": بدل اللبن.
"غَوَتْ"؛ أي: ضَلَّتْ.
"أمتك": فإن الخمر لكونه ذات تَلَفٍ (١) ومفسدة صيغ منها مثال الغواية، وما يفسد القوة الروحانية.
٤٤٤٥ - عَنِ ابن عبَّاسِ قَالَ: سِرْنا معَ رسُولِ الله ﷺ بينَ مكَّةَ والمَدِينَةِ، فَمَرَزنا بِوادٍ فَقَالَ: "أيُّ وادٍ هذَا؟ " فَقَالوا وَادِي الأَزْرَقِ، قَالَ: "كأنّي أنظُرُ إلى موسَى، فذكرَ منْ لونهِ وشَعره شَيْئاً، واضعًا أُصبُعَيْهِ في أُذُنيهِ، لَهُ جُؤارٌ إلى الله
стр. 3058
بالتَّلبيَةِ مارًّا بهذا الوَادِي"، قَالَ: ثُمَّ سِرْنا حتَّى أتيْنا عَلَى ثَنِيَّةٍ فَقَال: "أيُّ ثَنِيةٍ هذهِ؟ " قالوا: هرشَى أو: لِفْتٌ، فَقَال: "كَأنِّي أنظُرُ إِلَى يُونسُ عَلَى ناقَةٍ حَمراء، عليهِ جُبَّةُ صُوفٍ، خِطامُ ناقَتِهِ خُلْبَةٌ مَارًّا بِهذا الوَادِي مُلبياً".
"عن ابن عباس ﵄ قال: سِرْنا مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بين مكَّة والمدينة فمررنا بِوَادٍ، فقال: أيُّ وَادٍ هذا؟ فقالوا: وادي الأزرق": سمي به؛ لزرقة مائه، وقيل: منسوب إلى رجل بعينه.
"قال: كأني أنظر إلى موسى"؛ والمراد به: الحقيقة، وإنما عَبَّرَ بلفظ كأني لئلا يلزموه الإراءة.
"فذكر من لونه وشَعَره شيئًا، وَاضِعًا": حال من موسى؛ أي: حال كونه واضعاً.
"إصْبَعَيْهِ في أُذُنيهِ، له جُؤَار"؛ أي: صِيَاح وتضرُّع.
"إلى الله تعالى بالتَّلبية، مارًّا بهذا الوادي قال: ثم سِرْنَا حتى أتينا على ثَنِيَّةِ": اسم موضع.
"فقال: أيُّ ثَنِيَّةٍ هذه؛ قالوا: هرشَى": - بالشين المعجمة - على مثال شكرى، ثنيَّة بين مكة والمدينة، وقيل: جبل بقرب الجحفة.
"أو لفت" بسكون الفاء وكسرها، وفتحها وفتح اللام، ويروى بكسر اللام مع سكون الفاء: ثنيَّةٌ أيضاً، [شلَّ] بينهما.
"فقال ﷺ كأني أنظر إلى يونس على نَاقَةٍ حمرَاءَ عليه جُبَّةُ صُوفٍ خِطَام ناقته"؛ أي: زمامها.
"خُلْبَة" بضم الخاء المعجمة وسكون اللام، قيل: وضمها أيضاً: واحد خُلْب، وهو الليف، وقد يسمى الحبل نفسه خُلْبةً.
стр. 3059
"ماراً بهذا الوادي ملبِّياً".
٤٤٤٦ - عَنْ أَبي هُريْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "خُفِّفَ عَلَى داودَ القُرآنُ، فكَانَ يأمرُ بدوابهِ فتُسرَجُ، فَيقْرَأُ القُرآنَ قبلَ أنْ تُسرجُ دَوابُّهُ، ولا يأكُلُ إِلَاّ مِنْ عَمِلِ يدهِ".
"عن أبي هريرة ﵁ عن النبي على الله تعالى عليه وسلم - أنه قال: خُفِّفَ على داود القرآن"؛ أي: القرآءة، ويحتمل المقروء.
"فكان يأمر بدوابِّه": جمع الدابة، وهي التي تُركَب، والمراد هنا: الفرس.
"فتُسْرَجُ، فيقرأ القرآن"؛ أي: المقروء، والمراد به: الزَّبور؛ يعني: خفف عليه قراءة الزبور بحيث لو أمر بِسرْج دابته مبتدئاً في قراءته لفرغ من قراءته.
"قبل أن تُسْرَجَ دابته": وهذا من جُملة معجزاته ﵇، وهذا الحديث يدل على جواز على الزَّمان.
"ولا يأكل إلا من عمل يديه".
٤٤٤٧ - وعَنْ أَبيْ هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "كَانتْ اِمرأتانِ مَعَهُما ابناهُما، جَاءَ الذِّئْبُ فَذَهبَ بابن إحدَاهُما، فَقَالتْ صَاحِبَتُها: إنَّما ذَهبَ بِابنكِ، وقَالَتِ: الأُخرى: إنَّما ذَهبَ بابنكِ، فتَحَاكمَتا إِلى داوْدَ، فَقَضَى بهِ لِلْكُبرى، فخَرجَتَا عَلَى سُلَيْمانَ بن داودَ، فَاَخْبَرتَاهُ فَقَال: ائتوني بالسِّكِّينِ أشقُّهُ بَيْنَكُما، فَقَالتْ الصُّغرَى، لَا تَفعَلْ، يَرحَمُكَ الله، هُوَ ابنها، فَقَضَى بهِ للصُّغرَى".
стр. 3060
"عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: كانت امرأتان معهما ابناهما، جاء الذِّئْبُ، فذهب بابن إحداهما، فقالت صاحبتها إنما ذهب بابنك، وقالت الأخرى: إنما ذهب بابنك، فتحاكما"؛ أي: ترافعا الأمر.
"إلى داود": للحُكْم.
"فقضى به"؛ أي: حَكَم بالابن.
"للكُبْرَى، فخرجتا" من عند داود، ودخلتا "على سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام فأخبرتاه" ما حكم داود بذلك، فألهمه الله تعالى بما كان محرِّكا للرحمة والمحبة البعضية.
"فقال: ائتوني بالسِّكين أشقُّه بينكما، فقالَتْ الصغرى" خوفاً على ذهاب روح الابن: "لا تفعل": يا نبيَّ الله. "يرحمك الله، هو ابنها، فقضى به"؛ أي: حَكَمَ سليمان بالابن "للصغرى": لوجود هذه القرينة المعيِّنة لها، وهي الرِّقة والشفقة.
اعلم أن قضاءهما كان حقًّا بالاجتهاد، وكان مُسْتَنَدُ حكمهما في هذه القضية نفس القرينة، لكنَّ قرينة سليمان أقوى من حيث الظاهر.
قيل: يحتمل أن قرائن الأحوال كانت في شرعهم بمثابة البيِّنة فلذا حكموا بها.
٤٤٤٨ - عَنْ أَبي هُريرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولَ الله ﷺ : "قالَ سُلَيْمانُ صلَواتُ الله عليهِ: لأَطوفَنَّ اللَّيلةَ عَلَى تِسعِيْنَ اَمرأةً - وفي رِوَايَةٍ: على مِئَةِ امرأةٍ - كُلُّهنَّ تأتِي بِفارِسٍ يُجاهِدُ في سَبيلِ الله، فَقَالَ لهُ المَلَكُ: قُلْ: إنْ شاءَ الله، فلم يقُلْ ونَسِيَ، فَطَافَ عليهِنَّ، فلم تحمِلْ منهُنَّ إلَّا امرأة واحِدةٌ جَاءَتْ بشِقِّ رَجُلٍ،
стр. 3061
وايْمُ الَّذي نَفْسُ محمَّدٍ بِيَدِهِ، لَوْ قَالَ: إِنْ شَاءَ الله، لَجَاهدُوا في سَبيْلِ الله فُرسَاناً أَجْمَعُونَ".
"وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : قال سليمان" ﵊: "لأطوفَنَّ": اللام فيه جواب قسم مُقَدَّر تقديره: والله لأطوفَنَّ.
"الليلةَ على تسعين امرأة": والطواف هنا: كناية عن الجماع.
"وفي رواية: بمئة امرأة كلُّهنَّ": مبتدأ، وخبره "تأتي"؛ أي: تلد.
"بفارسٍ يُجَاهد": صفة لـ (فارسٍ).
"في سبيل الله، فقال له الملَكُ: قُلْ: إن شاء الله، فلم يقل فنسي، فطاف عليهن"؛ أي: جامع كلهنَّ.
"فلم تحمِلْ منهنَّ إلا امرأة واحدة جاءَتْ بشقِّ رجل"؛ أي: بنصفه، ونصفه الآخر أَشَل.
"وايم الذي نفس محمدٍ بيده": وهذا قسم.
"لو قال"؛ أي: سليمان ﵊: "إن شاء الله، لجاهدوا"؛ أي: لحصل مقصوده، وحملَتْ كل واحدة منهنَّ، وأتَتْ بفارس فجاهدوا.
"في سبيل الله فرساناً": نصب على الحال من ضمير (جاهدوا).
"أجمعون": تأكيد للضمير، أو حال أيضاً.
٤٤٤٩ - وعَنْ أَبيْ هُرَيْرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "كَانَ زكرِيَّا نجَّاراً".
"وعن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: كان زكريَّا نجَّاراً": ينجر
стр. 3062
الخشبة؛ أي: ينحتها.
٤٤٥٠ - وعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ : "أَنا أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى بن مَريمَ في الأولَى والآخِرةِ، الأَنْبيَاءُ إِخْوةٌ مِنْ عَلَاّت، وأُمهاتُهُمْ شَتَّى، ودينُهُم واحِدٌ، ولَيْسَ بَيْننا نبِيٌّ".
"وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : أنا أَوْلَى الناس"؛ أي: أقربهم.
"بعيسى بن مريم في الأُوْلَى"؛ أي: في الدنيا "والآخرة"، لأنه أقرب المسلمين إليه، ودينه متَّصل بدينه، ومبشر به، وداعٍ للخلق إلى دينه وتصديقه.
"الأنبياء إخوةٌ من عَلَاّت"؛ أي: من أبٍ واحد.
"وأمهاتهم شتى"؛ أي: متفرقة.
"ودينهم واحد"؛ يريد به: أن دينهم واحد في الأصل، وهو إرشاد الخَلْقِ إلى الحقِّ، فهذا كالأب المتحد، وشرائعهم مختلفة وهي كالأمهات المختلفة.
"وليس بيننا"؛ أي: ليس بيني وبينه.
"نبي": بل جئْتُ بعده كما قال الله تعالى: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦].
٤٤٥١ - وعَنْ أَبي هُريرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبيُّ ﷺ : "كُلُّ بني آدمَ يَطْعنُ الشَّيْطانُ في جَنبَيْهِ بإصبعَيْه حِينَ يُولَدُ، غيرَ عيسَى بن مَرْيمَ، ذَهبَ يَطْعنُ فَطَعنَ فَوَقعَ في الحِجَابِ".
стр. 3063
"وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : كل ابن آدم يَطْعن الشيطان" بفتح العين وضمها، والطَّعْنُ: الضَّربُ، وهنا: المسُّ.
"في جَنْبَيْهِ بإصبعيه"؛ يعني: السبابة والوسطى.
"حين يُوْلَد": وقيل: الطَّعْنُ: كناية عن استفزازه إيَّاه إلى العصيان، وتحريكه إلى الشَّهوات الملقية في الطغيان.
"غير عيسى بن مريم ذَهبَ"؛ أي: أراد.
"يَطْعن فَطَعَنَ في الحِجَاب": وهذا كناية عن سلامته مِنْ تسويله.
وقيل: عبارة عن المَشِيمَة، يعني: ما وصل إليه من مَسِّه شيء؛ لأنه طعن بحيث ما كان متأثراً من طعنه، وإنما لم يتاثر من مَسِّه؛ لأن الله تعالى أعاذ مريم وولدها من الشيطان؛ لاستجابة دعاء أمها حنة، قال الله تعالى حكاية عنها: ﴿وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦]، وقيل: معناه: حُجِبَ عن طعنه بازدحام الملائكة.
٤٤٥٢ - عَن أَبي مُوسَى ﵁، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "كَمُلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثيرٌ، ولَم يَكمُلْ مِنَ النِّساء إلَّا مَريمُ بنتُ عِمرَانَ وآسِيةُ امرَأه فِرعَوْنَ، وفَضْلُ عَائِشةَ عَلَى سَائِر النِّسَاءِ كفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ".
"عن أبي موسى ﵁، عن النبي ﷺ قال: كَمُلَ من الرجال كثير"؛ يعني: كثر أهل الكمال في الرجال، وهم الأنبياء (١)، فإنهم الكاملون في أنفسهم، والمكمِّلون لغيرهم على حسب مراتبهم في علمهم.
стр. 3064
"ولم يَكْمُلْ من النساء إلا مريم بنت عمران، وآسِيَة امرأة فرعون": قال الله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ﴾ [التحريم: ١١].
قيل: لما علم فرعون إيمانها، أَوْتَدَ يديها ورجليها، وألقى على صدرها رحًى عظيمة واستقبل بها الشمس إذ قالت: ﴿رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ﴾ [التحريم: ١١]، تريد مكاناً شريفاً، فكشف لها بيتها، فسهل عليها تعذيبها.
وقيل: رفعت إلى الجنة حية، فهي تأكل وتشرب ﴿وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [التحريم: ١١]، ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا﴾؛ أي: بشرائعه ﴿وَكُتُبِهِ﴾؛ أي: المنزلة ﴿وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم: ١٢] أي: المطيعين لربها.
"وفَضْلُ عائشة على النساء كَفَضْلِ الثَّريد على سائر الطعام": ضرب المثل بالثَّريد؛ لأنه أفضل الأطعمة عندهم؛ لكونه مركباً من الخبز وقوة اللحم، وفيه التذاذ وغذاء وسهولة المساغ، وفضل عائشة على النساء من جهة. حُسْنِ المعاشرة والخلق، وفصاحة اللهجة، وجودة القريحة، وتعقلها من رسول الله ﷺ ما لم يعقل من رسول الله غيرها من النساء.
مِنَ الحِسَان:
٤٤٥٣ - عَنْ أَبي رَزْينٍ قَالَ: قُلتُ: يا رَسُولَ الله! أَينَ كَانَ ربنا قبلَ أنْ يَخْلُقَ خَلْقَه؟ قَال: "كَانَ في عَمَاءٍ مَا تحتَهُ هوَاءٌ ومَا فَوْقَهُ هوَاءٌ، وخَلَقَ عَرْشَهُ علَى المَاء"، وقَال يَزيدُ بن هارُون: العَمَاءُ؛ أَيْ: لَيْسَ مَعَه شَيءٌ.
"من الحسان":
" عن أبي رَزِين العُقَيلي ﵁ قال: قلت: يا رسول الله! أين كان ربنا قبل
стр. 3065
أن يخلُقَ خلقه؟ قال: كان في عَمَاء": وهو السَّحاب الرقيق، وقيل: هو الكثيف المنطبق، وقيل: هو شبه الدخان يركب رؤوس الجبال.
وروي: (عمى) بالقصر قيل: هو كل أمر لا تدركه عقول بني آدم، ولا يبلُغُ كُنْهَهُ الوصف.
"ما تحته هواء وما فوقه هواء"؛ أي: ليس معه شيء، عَبَّر ﵇ عن عدم المكان بما لا يُدْرَك ولا يُتَوهَّم، وعن عدم ما يحويه ويحيط به: بالهواء فإنه يُطْلَقُ ويراد به: الذي هو عبارة عن عدم الجسم؛ ليكون أقرب إلى فهم السامع، قيل: هنا حذف مضاف؛ أي: أين كان عرش ربنا بدليل قوله:
"وخلق عرشه على الماء": لأنه لو لم يكن السؤال عنه؛ لكان التَّعرض له من غير حاجةٍ.
"قال يزيد بن هارون: العماء: أي: ليس معه شيء".
٤٤٥٤ - عَنِ العَبَّاس بن عَبْد المُطَّلِب ﵁: زَعَمَ أنَّه كانَ جَالِساً في البَطْحاءَ في عِصَابةٍ ورَسُولُ الله ﷺ جَالِسٌ فيهِمْ، فمرَّت سَحابة فنظَرُوا إليها، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "ما تُسَمُّونَ هذه؟ "، قَالُوا: السَّحَابُ، قَالَ: "والمُزنُ"، قَالُوا: والمزْنُ، قَالَ: "والعَنَانُ"، قَالُوا: والعَنَانُ، قَالَ: "هلْ تَدرَونَ مَا بُعْدُ مَا بَيْنَ السَّماءَ والأَرضِ؟ "، قَالُوا: لا نَدرِي، قَالَ: "إنَّ بُعْدَ مَا بينَهُما إمَّا واحدة وإمَّا اثنَتانِ أو ثَلَاثٌ وسَبْعُونَ سَنة، والسَّماءُ الَّتي فَوْقَها كَذلِكَ، حتَّى عَدَّ سَبع سَمَاواتٍ، ثُمَّ فَوْقَ السَّماءَ السَّابعَةِ بحرٌ بَيْنَ أَعلاهُ وأَسْفلِهِ كَمَا بَيْنَ سَماءٍ إلى سَماءٍ، ثُمَّ فوقَ ذَلِكَ ثَمَانِيةُ أوْعَالٍ بَيْنَ أَظْلافِهنَّ ورُكَبهنَّ مِثْلُ مَا بَيْنَ سَمَاءٍ إلى سَمَاءٍ، ثُمَّ عَلَى ظُهورِهِنَّ العرشُ بَيْنَ أَسْفلِهِ وأَعلاهُ مَا بَيْنَ سَماءٍ إلى سماءٍ، ثُمَّ الله فَوْقَ ذَلِكَ".
стр. 3066
"وعن العباس بن عبد المطلب ﵁ زعم أنه كان جالساً في البَطْحَاء في عِصَابةٍ"، أي: في جماعة من الناس.
"ورسول الله ﷺ جالس فيهم، فَمَرَّتْ سحابَةٌ فنظروا إليها، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: ما تسمُّون": (ما) استفهام بمعنى التقرير؛ أي: أيُّ شيء تسمُّون.
"هذه": إشارة إلى السحابة، مفعول الثاني (لتسمُّون)، ومفعوله الأول (ما) مُقدَّم عليه.
"قالوا: السَّحاب": منصوب بفعل محذوف؛ أي: تسميتها السَّحاب، أو مرفوع خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هي السَّحاب.
"قال: والمُزْنُ، قالوا: والمُزْنُ" بضم الميم وسكون الزاء المعجمة: هو السَّحاب الأبيض.
"قال: والعَنَان؟ قالوا: والعَنَان"، وهو بفتح العين المهملة: السَّحاب، سُمِّي به لأنه من عَنَّ في السماء؛ أي: ظهر.
"قال: هل تدرون ما بُعْدُ ما بين السماء والأرض؟ قالوا: لا ندري، قال: إنَّ بُعْدَ ما بينهما إما واحدة"؛ أي: واحدة وسبعون.
"وإما اثنتان" وسبعون.
"أو ثلاث وسبعون سنة": شكٌّ من الراوي.
"والسماء التي فوقها"؛ أي: فوق السماء الدنيا.
"كذلك، حتى عَدَّ"؛ أي: النبي ﷺ "سبع سماوات، ثم فوق السماء السابعة بحرٌ بين أعلاه وأسفله": الضمير فيهما يعود إلى البحر.
"كما بين سماء إلى سماءٍ، ثم فوق ذلك": إشارة إلى البحر.
стр. 3067
"ثمانية أَوْعَال": جمع وَعْل: تيس شياه الجبل، والمراد: ثمانية ملائكة على صور الأوعال.
"بين أَظْلَافِهِنَّ": جمع ظِلْف.
"وأوْرَاكِهِنَّ": جمع الورك، ما فوق الفخذ.
"مثل ما بين سماءٍ إلى سماءٍ، ثم على ظُهُورِهِنَّ العَرْشُ بين أسْفَلِهِ وأَعلَاه": الضمير فيهما عائد إلى (العرش).
"ما بين سماء إلى سماء، ثم الله فوق ذلك": إشارة إلى العرش؛ أي: الله فوق العرش حكمًا وعظمةً وعُلُوًّا، لا بالمكان تعالى الله عما يقول الظالمون علواً كبيرًا.
٤٤٥٥ - عَنْ جُبَيْرِ بن مُطْعِم قَالَ: أتى رَسُولَ الله ﷺ أعرابي فَقَال: جُهِدَتْ الأنفُسُ وجَاعَ العِيالُ، ونُهِكَتْ الأَمْوالُ، وهلكَتْ الأَنْعامُ، فاسْتَسْقِ الله لَنَا، فإنَّا نستَشْفِعُ بِكَ عَلَى الله، ونستَشْفِعُ بالله عَلَيْكَ، فَقَال النَّبيُّ ﷺ : "سُبحَانَ الله، سُبحانَ الله"، فَمَا زَالَ يُسبحُ حتَّى عُرِفَ ذلكَ في وُجوه أصحَابهِ، ثُمَّ قَالَ: "ويحَكَ! إنَّهُ لا يُستَشْفَعُ بالله علَى أَحَدٍ، شَأنُ الله أَعْظَمُ مِنْ ذلكَ، ويحَكَ! أتدرِي مَا الله؟ إنَّ عَرْشَهُ علَى سَمَاواتِهِ لهكَذا - وقَالَ بأَصابعِهِ مِثْلَ القُبَّةِ عليهِ -، وإنَّه لَيئطُّ بهِ أطِيطَ الرَّحْلِ بالرَّاكِب".
"عن جُبَيْر بن مُطْعِم ﵁ قال: أتى رسول الله ﷺ أعرابى فقال: جُهِدَتِ الأنفس"؛ أي: حُمِّلَتْ فوق طاقتها.
"وجاع العِيَال"، عيال الرجل: مَنْ يَمُوْنُهُ من الزوجة والأولاد والعبيد وغير ذلك.
"ونُهِكَتِ الأموال"؛ أي: نقصت.
стр. 3068
"وهلكت الأنعام": جمع النَّعَم - بفتح النون والعين -، وهي الإبل والبقر والغنم.
"فاسْتَسْقِ الله"؛ أي: اطلب السقي "لنا، فإنا نستشفع بك"؛ أي: نطلب الشفاعة بوجودك "على الله، ونستشفع بالله عليك، فقال النبي ﷺ : "سبحان الله، سبحان الله، فما زال يسبِّح حتى عُرِفَ ذلك"؛ أي: التغير.
"في وجوه أصحابه"؛ يعني: سَاءَهم تكرير التسبيح منه ﷺ ، وتوهَّموا أنه ﵇ غضب من هذا السؤال، فخافوا من غضبه، فتغيرت وجوههم؛ خوفًا من الله تعالى، فلما أَثَّر فيهم الخوف، رقَّ لهم ﷺ وقطع التسبيح.
"ثم قال: ويحك إنه لا يُسْتَشْفَعُ بالله على أحدٍ؛ شَأْنُ الله أعظم من ذلك"؛ أي: من أن يستشفع به على أحدٍ.
"ويحك، أتدري ما الله"؛ أي: ما عظمة الله .
"إن عرشه على سماواته لَهكذا" بفتح اللام، "وقال بأصابعه"؛ أي: أشار بها.
"مثل القبة"؛ أي: العرش مثل القبة.
"وإنه"؛ أي: العرش مع ما وصف من العظمة والسَّعة.
"لَيَئِطُّ به"؛ أي: ليصوِّت بعظمة الله.
"أطيط الرَّحل"؛ أي: كتصويت الرحل الجديد.
"بالراكب": قرره ﷺ بهذا النوع من التمثيل، معنى عظمة الله وجلاله وارتفاع عرشه؛ ليعلم أن الموصوف بعلوِّ الشأن وجلالة القَدْر لا يُجْعَل شفيعاً إلى من هو دونه في القدر وأسفل منه في الدرجة.
стр. 3069
٤٤٥٦ - عَنْ جَاِبرٍ بن عَبْدِ الله ﵁، عَنْ رَسُولِ الله ﷺ قَالَ: "أُذِنَ لِي أَنْ أُحدِّثَ عنْ مَلَكٍ منْ ملائِكَةِ الله مِنْ حَمَلَةِ العَرْشِ، إِنَّ مَا بَيْنَ شَحمَةِ أُذُنيهِ إلَى عَاتِقِهِ مَسِيْرةُ سَبع مِئَةِ عَامٍ".
"عن جابر بن عبد الله ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: أُذِنَ لي"؛ أي: صرْتُ مأذونا مِنْ حضرته تعالى.
"أن أُحدِّثَ"؛ أي: أخبر أمتي.
"عن مَلَكٍ"؛ أي: عن كيفية عِظَم جثة مَلَكٍ.
"من ملائكة الله تعالى من حملة العرش": جمع حامل؛ أي: الذين يحملون.
"إنَّ ما بين شَحْمَةِ أُذُنيه إلى عاتقه مسيرة سبع مئة عام".
٤٤٥٧ - عَنْ زُرَارَةَ بن أَوْفَى ﵁: أَنَّ رَسُولُ الله ﷺ قَالَ لِجبْريِلَ ﵇: "هل رَأَيتَ ربَّك؟ "، فانتفضَ جِبْريِلُ ﵇ فَقَالَ: يا مُحَمَّدُ! إنَّ بَيني وبيْنَهُ سَبْعِيْنَ حِجَاباً مِنْ نُورٍ لَو دنوتُ منْ بَعضها لَاحْتَرَقْتُ.
"عن زُرارة بن أوفى ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال لجبريل ﵊: هل رأيْتَ ربَّك فانتفض جبريل"؛ أي: ارتعد ارتعاداً شديداً من عظمة ذلك السؤال.
"وقال: يا محمدا إنَّ بيني وبينه سبعين حجاباً من نور": والحجاب عبارة عن كمال الله تعالى ونقصان جبريل ﵊، فالحجاب من طرف جبريل ﵇.
"لو دَنَوْتُ"؛ أي: لو قربت.
стр. 3070
"من بعضها لاحترقْتُ": وسؤاله ﷺ عن رؤية الله تعالى يدل على حقِّية إمكانها في الآخرة، وإلا لما سأل عنها.
٤٤٥٨ - عَنِ ابن عبَّاسٍ ﵄: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إنَّ اللهَ خَلَقَ إسْرافيلَ مُنْذُ يَومَ خَلَقَهُ صَافًّا قَدمَيْهِ لا يَرْفَعُ بَصَرَه، بَيْنَهُ وبَيْنَ الرَّبِّ ﵎ سَبْعُونَ نُوراً، مَا مِنْها مِنْ نُورٍ يَدْنُو مِنهُ إلَّا احتَرقَ"، صحَّ.
"عن ابن عباس ﵄: قال رسول الله ﷺ : إن الله خلق إسرافيل منذ يوم خلقه صَافًّا": نصب على الحال من الضمير المنصوب في (خلقه).
"قدمَيْه": مفعول له؛ أي: واقفاً على قدميه.
"لا يرفع بصره بينه وبين الربِّ ﵎ سبعون نوراً، ما منها من نور يدنو منه إلا احترق"، "صحيح".
٤٤٥٩ - عَنْ جَابرٍ ﵁: أنَّ النَّبي ﷺ قَالَ: "لَمَّا خَلَقَ الله تعالى آدمَ وذُرَّيتَهُ قَالَتِ المَلائِكةُ: يَا ربِّ! خَلَقتَهُم يَأْكلونَ وَيشْرَبُونَ ويَنْكِحُونَ ويَركَبُونَ، فَاجْعَلْ لَهمُ الدُّنيا ولَنَا الآخرة، قَالَ الله تَعَالَى: لَا أَجْعَلُ مَنْ خَلقْتُهُ بِيَديَّ، ونَفَخْتُ فيهِ مِنْ رُوحِي، كمَنْ قُلْتُ لَهُ: كُنْ، فَكَانَ".
"عن جابر ﵁ أنَّ النبي ﷺ قال: لما خلق الله آدم وذريته قالت الملائكة: يا ربِّ خلقتَهُم يأكلون ويشربون وينكِحُون ويركبون، فاجعل لهم الدنيا ولنا الآخرة، قال الله تعالى: لا أجعل مَنْ خلقْتُهُ": الضمير يعود إلى (من)؛ أي: لا أجعل كرامة من خلقته.
стр. 3071
"بيديَّ، ونفخْتُ فيه مِنْ روحي": وهو آدم وذريته، إضافة الروح إلى نفسه للتشريف والتخصيص.
"كمن قُلْتُ له: كُنْ فكان"؛ أي: كَمَنْ خلقته بمجرد الأمر، وهو المَلَك، يعني: لا يستوي البشر والمَلَك في الكرامة والقربة، بل كرامة البشر أكبر ومنزلته أعلى وأَجَل، وهذا من جملة ما استدل به أهل السنة في تفضيل البشر على المَلَك.
١ - باب فَضَائِلِ سيدِ المُرسَلِينَ صلَوَاتُ الله عَلَيْهِ
" باب فضائل سيد المرسلين"، جمع الفضيلة، وهي ضدُّ النقيصة.
مِنَ الصِّحَاحِ:
٤٤٦٠ - قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "بُعثتُ مِنْ خَيْرِ قُرُونِ بني آدمَ قَرْناً فقَرْناً، حتى كُنتُ منْ القرْنِ الذِي كُنتُ مِنْهُ".
"من الصحاح":
" قال رسول الله ﷺ : بُعِثْت من خير قرون بني آدم"، (القرن): ثمانون سنة، وقيل: أهل زمان واحد.
"قَرْنًا فَقَرْنًا": الفاء فيه للترتيب في الفضل على سبيل التَّرقي.
"حتى كنْتُ من القَرْنِ الذي كنْتُ منه": والمراد (بالبعث) هنا: تقلبه في أصلاب الآباء أبًا فأبًا، قرناً فقرناً؛ يعني: انتقل النبي ﷺ أولاً من صلب ولد إسماعيل، ثم من كنانة، ثم من بني هاشم.
стр. 3072
٤٤٦١ - وقَالَ: "إنَّ الله اصْطَفَى كِنانة مِنْ ولَدِ إسْماعِيلَ، واصطفَى قُريْشاً مِنْ كِنَانةَ، واصطفى مِنْ قُريْشٍ بني هاشمِ، واصطفانِي مِنْ بني هاشمٍ".
ويُرْوَى: "إنَّ الله اصْطَفَى مِنْ وَلَدِ إِبْرَاهِيمَ إِسْمَاعِيلَ، واصطَفَى مِنْ وَلَدِ إسْماعيلَ بني كِنَانة".
"وقال: إن الله اصطفى"؛ أي: اختار.
"كِنَانة"، وهي - بكسر الكاف -: عدة قبائل، أبوهم كنانة بن خزيمة، وهو "من ولد إسماعيل، واصطفى قُريشا من كنانة"؛ لأن أبا قريش: مضر بن كنانة، هذا "واصطفى من قريش بني هاشم": وهاشم هو ابن عبد مناف، وهو من أولاد مضر هذا.
"واصطفاني من بني هاشم": لأن محمداً ﷺ عبد الله بن عبد المطلب ابن هاشم، هذا ومعنى الخيرية والاصطفاء في هذه القبائل باعتبار الخِصَال الحميدة.
"ويروى: إنَّ الله اصطفى مِنْ وَلَدِ إبراهيم إسماعيل، واصطفى مِنْ وَلَدِ إسماعيل بني كنانة".
٤٤٦٢ - وقَالَ: "أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدمَ يَومَ القِيامَةِ، وأوَّلُ مَنْ يَنشَقُّ عَنهُ القَبرُ، وَأَوَّلُ شَافِعٍ، وأَوَّلُ مُشَفَّعٍ".
"وقال: أنا سيِّد وَلَدِ آدم يوم القيامة": قَيَّد به مع أنه سيدهم في الدنيا؛ لأن سؤدده تظهر فيه لكل أحدٍ بلا معاند.
قيل: لم يقل ﷺ هذا الحديث فَخْرًا، بل لامتثال قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾ [الضحى: ١١]، أو لأنه مما يجب تبليغه إلى أمته كي يعتقدوه ويتبعوه.
стр. 3073
"وأول مَنْ ينشقُّ عنه القبر"؛ يعني: أنا أول مَنْ يعاد فيه الروح يوم القيامة.
"وأول شَافع وأول مُشفَّع" بتشديد الفاء؛ أي: مقبول الشفاعة، والحديث يدل على أنه ﷺ أفضل من جميع بني آدم وجميع الأنبياء والمرسلين، وعلى ثبوت الشفاعة لغيره من الأنبياء والملائكة والمؤمنين.
٤٤٦٣ - وقَالَ: "أَنَا أَكْثَرُ الأَنبيَاءَ تَبَعاً يَومَ القِيامَةِ، وأَنَا أَوَّلُ مَنْ يَقرعُ بَابَ الجَنَّةِ".
"وقال: أنا أكثر الأنبياء تَبَعاً": نصب على التمييز؛ أي: تَبَعِي أكثر من أتباع الأنبياء.
"يوم القيامة، وأنا أولُ مَنْ يَقْرعُ"؛ أي: يدقُّ "بابَ الجنة".
٤٤٦٤ - وقَالَ: "آتِي بَابَ الجَنَّةِ يَومَ القِيامَةِ فَأَستَفْتِحُ فَيقُولُ الخَازِنُ: مَن أَنتَ؟ فَأقولُ: مُحَمَّدٌ، فَيَقُولُ: بِكَ أُمِرْتُ لَا أَفْتَحُ لأِحَدٍ قَبلَك".
"وقال: آتي باب الجنة يوم القيامة، فأَستَفْتِح"؛ أي: أطلب الفتح.
"فيقول الخازن: مَن أنت؟ ": الاستفهام بمعنى السؤال.
"فأقول: محمد، فيقول: بِكَ أُمرتُ"؛ يعني: أُمرتُ بأن أفتح لك باب الجنة أولاً.
"لا أفتح لأحد قبلك".
стр. 3074
٤٤٦٥ - وقَالَ: "نَحْنُ الآخِرونَ الأوَّلُونَ يَومَ القِيامَةِ، ونَحنُ أوَّلُ مَنْ يَدخُلُ الجَنَّةَ".
"وقال: نحن الآخرون"؛ أي: في الدنيا.
"الأوَّلون يوم القيامة"؛ أي: في البعث.
وقال: "نحن أوَّلُ مَنْ يدخل الجنة".
٤٤٦٦ - وقال: "نَحْنُ الآخِرونَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيا، والأوَّلونَ يومَ القِيامَةِ، المَقْضيُّ لَهُم قَبْلَ الخَلائقِ".
"وقال: نحن الآخرون مِنْ أهل الدنيا، والأوَّلون يوم القيامة، المَقْضِيُّ لهم": للأمة.
"قبل الخلائق"؛ يعني: تُقْضَى حوائج أمتي من الحساب، والجواز على الصراط، ودخول الجنة قبل قضاء حوائج الخلائق.
٤٤٦٧ - وقَالَ: "أَنَا أَوَّلُ شَفِيعٍ في الجَنَّةِ، لم يُصَدَّقْ نبيٌّ مِنَ الأَنبياءِ مَا صدِّقْتُ، وإنَّ مِنَ الأَنبيَاءِ نبَيًّا مَا صدَّقهُ منْ أُمَّتهِ إلَّا رَجُل واحِدٌ".
"وقال: أنا أول شافع"؛ أي: للعصاة من أمتي.
"في الجنة"؛ أي: في دخولها.
"لم يُصَدِّقْ نبيٌّ من الأنبياء ما صدّقْتُ": على صيغة المجهول و (ما) مصدرية؛ أي: لم يُصدَّق نبي من الأنبياء تصديقاً مثل تصديق أمتي إيَّايَ.
стр. 3075
"وإن من الأنبياء نبيًّا ما صدَّقه من أُمَّته إلا رجل واحد".
٤٤٦٨ - وقَالَ: "مَثَلي ومَثَلُ الأَنْبياءِ كمثَلِ قَصر أُحسِنَ بنيانُه، وتُرِكَ مِنْهُ مَوْضعُ لَبنةٍ، فَطَافَ بهِ النُّظَّارُ يتَعجَّبونَ مِنْ حُسْنِ بنيانِهِ إلَّا مَوْضعَ تِلكَ اللَّبنةِ، فكُنْتُ أَنَا سَدَدتُ مَوْضعَ تِلْك اللبنةِ، فتَمَّ بيَ البنيانُ، وخُتِمَ بيَ الرُّسُلُ".
وفي رِوَايَةٍ: "فأَنَا اللَّبنةُ، وأَنَا خَاتَمُ النَّبيينَ".
"وقال: مثلي ومَثَلُ الأنبياء"؛ أي: مَثَلِي في تبليغ الرسالة إلى الكافة ومَثَلُ الأنبياء في تبليغ رسالتهم إلى أممهم.
"كمثل قصرٍ أحْسِنَ بنيانه": جمع بناء.
"وتُرِكَ منه مَوْضِعُ لَبنةٍ فطافَ به"؛ أي: دار حوله.
"النُّظَّار" بضم النون وتشديد الظاء المعجمة: جمع ناظر.
"يتعجَّبون من حُسْنِ بنيانه إلا موضعَ تلك اللَبنة، فكنْتُ أنا سَددتُ"؛ أي: أصلَحْتُ.
"وضعَ اللَبنة" حتى "خُتِمَ بي البنيان، وخُتِمَ بي الرُّسل"
"وفي رواية: فأنا اللَّبنة، وأنا خاتم النبيين".
٤٤٦٩ - وقَالَ: "مَا مِنَ الأنبياءِ مِنْ نبيٍّ إلَّا قد أُعطِيَ مِنَ الآياتِ مَا مِثْلُهُ آمنَ عَلَيْهِ البَشَرُ، وإنَّما كَانَ الَّذِي أُوتيْتُ وَحيا أَوْحَى الله إليَّ، فأرجُو أنْ كُونَ أكثَرَهُم تَابعاً يَوْمَ القِيامةِ".
"وقال: ما مِنَ الأنبياء مِنْ نبيٍّ"، (ما) هذه بمعنى (ليس).
стр. 3076
"إلَّا قد أُعْطِي من الآيات"؛ أي: المعجزات، و (من) بيانية لـ (ما) الموصولة في قوله:
"ما مِثْلُهُ"؛ أي: صفته، وهو مبتدأ وخبره الجملة التي بعده.
"آمنَ عليه البشر": الجار والمجرور متعلق بـ (آمن) لتضمنه معنى الاطلاع، أو بحال محذوفة تقديره: آمن به البشر واقفاً عليه، ويجوز أن تكون (ما) موصوفة بمعنى: شيء، والجملة الاسمية صفة (ما)؛ يعني: ما من نبي إلا أعطاه الله من المعجزات وأيَّدهم بها ما إذا شُوهد واطلع عليه دعا الشاهد إلى تصديقه، فإذا انقطع زمانه انقطعت تلك المعجزة.
"وإنما كان الذي أُوْتِيْتُ"؛ أي: معظم ما أُوْتِيْتُ من المعجزات.
"وحياً أوحى الله إليَّ"؛ يعني: قرآناً بالغاً أقصى غاية الإعجاز نظماً ومعنى، وهو أكثر فائدة وأعم عائدة من سائر معجزاته ﵊؛ لاشتماله على الدعوة والحجة، ينتفع به الحاضرون عند الوحي والغائبون عنه إلى يوم القيامة، ولذا رتَّبَ النبي ﷺ قوله: "فأرجو أن أكون أكثرهم تابعاً يوم القيامة".
٤٤٧٠ - وقَالَ: "أعُطِيتُ خَمْساً لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلي: نُصِرتُ بالرُّعبِ مَسيرَةَ شَهرٍ، وجُعِلَتْ لِيَ الأَرضُ مَسْجدًا وطَهُورًا، فأيُّما رَجُل مِنْ أُمَّتِي أدركَتْهُ الصَّلاةُ فليُصَلِّ، وأُحِلَّتْ لِيَ المَغَانِمُ ولم تَحِلَّ لأحَدٍ قَبْلي، وأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وكَانَ النَّبيُّ يُبْعَثُ إلى قَوْمِهِ خَاصَّةً وبُعِثْتُ إلى النَّاسِ عَامَّة".
ويُروَى: "فُضلْتُ على الأَنْبياءِ بسِتٍّ: أُعْطِيتُ جَوامعَ الكَلِمِ - وذكرَ هذهِ الأَشْيَاءَ إلَّا الشَّفاعةَ وَزَاد: - وخُتِمَ بيَ النَّبيُّونَ".
стр. 3077
"وقال: أُعطِيْتُ خمساً"؛ أي: خمس خِصَال.
"لم يُعْطَهُنَّ أحدٌ قبلي: نُصِرْتُ بالرُّعْبِ"؛ أي: الخوف.
"مَسِيرَةَ شهر"؛ يعني: نصرني الله بإلقاء الخوف في قلوب أعدائي من مسيرة شهر بيني وبينهم.
"وجُعِلَتْ في الأرض مسجداً وطهوراً"؛ يعني: أباح الله تعالى لأمتي الصلاة حيث كانوا؛ تخفيفاً لهم، وأباح التيمم بالتراب عند فقد الماء، ولم يُبحِ الصلاة للأمم الماضية إلا في كنائسهم، ولم يجز التَّطهر لهم إلا بالماء.
"فأيما رجل من أمتي أدركتْهُ الصلاة فليصلِّ": وهذا تفريع لما قبله.
"وأُحِلَّتْ في الغنائم (١) ولم تحلَّ لأحد قبلي": أراد أن المتقدمة منهم مَنْ لم تحل لهم الغنائم، بل كانت توضع فتأتي نار فتحرقها وأباحها الله لهذه الأمة.
"وأعطِيْتُ الشفاعة": اللام فيها للعهد، وهي الشفاعة العامة للإزالة من المحشر.
"وكان النبي ﷺ يُبْعَثُ إلى قومه خاصَّة وبعثْتُ إلى الناس عامة".
"ويروى: فُضِّلْتُ على الأنبياء بستٍّ أُعْطِيْتُ جوامع الكلم": يريد به القرآن، جمع الله فيه المعاني الكثيرة واللطائف الغزيرة في ألفاظ يسيرة.
"وذكر هذه الأشياء، إلا الشفاعة وزاد" على الخمس: "وخُتِمَ بي النبيون".
٤٤٧١ - وَقَالَ: "بُعِثْتُ بجَوامعِ الكَلِم، ونُصرتُ بالرُّعبِ، وبَيْنا أَنَا نائِمٌ
стр. 3078
رأَيْتُني أُتيِتُ بِمَفاتِيح خَزائِنِ الأَرضِ فوُضعَتْ في يَدِي".
"وقال: بُعِثْتُ بجوامع الكَلِم ونُصِرتُ بالرُّعبِ، وبينا أنا نائم رَأَيْتُني أُوتِيْتُ بمفاتيح خَزَائِنِ الأرض": جمع مفتاح، وهو ما يُفْتَحُ به الأبواب، والخزائن: جمع خزانة، وهي ما يحفظ فيها الأشياء.
"فَوُضِعَتْ على يدي"؛ أراد ﷺ بذلك: ما سهَّله الله له أو لأمته في فتح البلاد واستخراج الكنوز، أو المراد منه: معادن الأرض التي فيها الذهب والفضة.
٤٤٧٢ - وقَالَ: "إنَّ الله زَوَى لِيَ الأرْضَ فرَأَيتُ مَشَارِقَها ومَغَارِبَها، وإِنَّ أُمَّتِي سَيَبْلُغُ مُلْكُهَا مَا زُوِىَ لِي مِنْها، وأُعطِيتُ الكَنْزَيْنِ الأحمرَ والأَبْيض، وإنِّي سألتُ رَبي لأِمَّتِي أَنْ لا يُهْلِكَها بسَنَةٍ عَامَّةٍ، وأَنْ لا يُسلِّطَ عَلَيْهم عَدُوًّا مِنْ سِوَى أنفُسِهم فَيَستَبيحَ بَيْضَتَهُم، وإنَّ رَبي قَالَ: يا محمّدُ! إنِّي إِذَا قَضَيْتُ قَضَاءً فإنَّهُ لا يُرَدُّ، وإِنِّي أَعطَيْتُك لأمَّتِكَ أنْ لا أُهلِكَهُم بسَنَةٍ عَامَّةٍ، وأنْ لا أُسلِّطَ عَلَيهِم عَدُوًّا مِنْ سِوَى أنفُسِهم فيَستَبيحَ بَيْضَتَهم، ولو اجتَمعَ عَلَيْهِم مَنْ بأَقْطَارِها، حتَّى يكُونَ بعضُهُم يُهلِكُ بعضاً ويَسبي بعضُهُم بَعضاً".
"وقال: إن الله تعالى زَوَى لي الأرضَ"؛ أي: قَبَضَها وجَمَعَها، واللام فيه للعهد الخارجي.
"فرأيْتُ مشارِقَهَا وَمَغَارِبَهَا": جمعهما باعتبار اختلاف طلوع الشَّمس في الشتاء والصَّيف، أو باعتبار الكواكب، وإراءتها للنبي على سبيل التَّخيل والتَّمثيل كان لتبشيره بكثرة أمته.
"وإن أُمَّتي سَيَبْلُغُ مُلكُها ما زُوِيَ لي منها": (من) هذه للتبيين.
стр. 3079
"وأُعْطِيْتُ الكَنْزَيْنِ الأحمرَ والأبيضَ"، قيل: أراد بهما: كنوز كسرى وقيصر؛ لأن الغالب على نقود مالك كسرى: الدنانير، وعلى نقود مالك قيصر: الدراهم.
قال أبو موسى: الأحمر ملك الشام؛ لأن الغالب على أموالهم الذهب، وعلى ألوانهم الحمرة، والأبيض ملك فارس؛ لأن الغالب على نقودهم الفضة، وعلى ألوانهم البياض.
"وإني سألْتُ ربي لأمتي أن لا يهلكها بسَنَةٍ"؛ أي: بقحط.
"عامة"؛ أي: شاملة للمسلمين.
"وأن لا يُسَلِّطَ عليهم عدواً من سِوَى أنفُسِهِم"؛ أراد به: الكفار.
"فيَسْتَبِيْحُ بَيْضَتَهم"؛ أي: يسبيها وينهبها ويجعلها مباحة.
بيضة الدار: وسطها ومُعْظَمها.
وقال أبو موسى: (بيضتهم): مجتمعهم، وموضع سلطانهم، ومستقر دعوتهم، وبيضة كل شيء: مجتمعه، أراد: أنه يستأصلهم ويهلكهم جميعاً.
"وإن ربي قال: يا محمد، إني إذا قضيْتُ قضاءً فإنه لا يُرَدُّ"؛ يعني: إذا حكمتُ بوقوع شيء فإنه غير مردود لا محالة.
"وإني أعطيتك"؛ أي عهدي وميثاقي.
"لأمتك"؛ أي: لأجلها.
"أن لا أهلكهم بسَنَةٍ عامة، وأن لا أسلِّطَ عليهم عدواً من سِوَى أنفسهم فيستبيحُ بَيْضَتَهُم، ولو اجتمع عليهم مَنْ بأقطارها": جمع قطر، وهو الجانب والناحية.
"حتى يكون بعضُهُم يُهْلِكُ بعضاً ويسبي بعضُهُم بَعضًا".
стр. 3080
٤٤٧٣ - عَنْ سَعدٍ ﵁: أنَّ رَسُولَ الله ﷺ مرَّ بمَسجدِ بني مُعَاوِيةَ، دَخَلَ فرَكعَ فيهِ رَكعتَيْنِ، وصَلَّيْنا مَعَهُ، ودَعا ربَّهُ طَوْيلاً، ثُمَّ انْصَرَفَ، فَقَال ﷺ : سَألْتُ ربي، ثَلَاثاً فأعطَانِي ثِنتيْنِ، ومَنعَنِي وَاحِدةً: سَألتُ ربي أنْ لا يُهلِكَ أُمَّتِي بالسَّنَةِ فأعطَانِيها، وسَألتُهُ أنْ لا يُهلِكَ أُمَّتِي بالغَرَقِ فأعطَانِيها، وسَألتُهُ أنْ لا يَجْعَلَ بأسَهُم بَيْنَهُم فمَنعَنِيها".
"عن سعد: مرَّ النبي ﷺ بمسجد بني معاوية": قيل: هو بالمدينة، وبنو معاوية بطن من الأنصار.
"دخل فركع"؛ أي: صلَّى فيه.
"ركعتين، وصلينا معه، ودعا ربَّه طويلاً"؛ أي: دعاء طويلاً.
"ثم انصرَف"؛ أي: رجع.
"فقال: سألْتُ ربي ثلاثاً، فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة؛ سألْتُ ربي أن لا يُهْلِكَ أمتي بالسَّنَة فأعطانيها"؛ أي: أعطاني الله تلك المسألة وأجاب دعائي.
"وسألته أن لا يُهْلِكَ أمتي بالغَرَق" بفتحتين؛ أراد به: الغَرَق العام الشامل لجميع الأمة، كما فعل بقوم نوح ﵇ وقوم فرعون.
"فأعطانيها، وسألته أن لا يجعل بأسَهُم"": أراد به: الشِّدة في الحرب.
"بينهم، فمَنَعَنِيْها"؛ أي: لم يجب دعائي فيها.
٤٤٧٤ - عَنِ عَطَاءَ بن يَسَارٍ ﵁ قَالَ: لَقِيْتُ عَبْدَ الله بن عَمرِو بن العَاصِ ﵁ قُلْتُ: أخبرْني عَنْ صِفةِ رَسُولِ الله ﷺ في التَّوْراةِ، قَالَ: أجَلْ، والله إنَّهُ لمَوصُوفٌ في التَّوْراةِ ببعضِ صِفتِهِ في القُرآنِ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾، وحِرْزاً للأُمييْنَ، أَنتَ عَبْدِي ورَسُولي، سَمَّيْتُكَ
стр. 3081
المُتوكِّلَ، لَيْسَ بفَظٍّ ولا غَليْظٍ ولا سَخَّابٍ في الأَسْواقِ، ولا يَنفَعُ بالسَّيئةِ السَّيئةَ ولكنْ يَعفُو وَيغْفِرُ، ولنْ يَقبضَهُ حتَّى يُقيمَ بهِ المِلَّةَ العَوْجاءَ بِأَنْ يَقُولُوا: لا إله إلَّا الله، وتُفتَحُ بِها أَعيُن عُمى، وآذان صُمٌّ، وقُلوب غُلفٌ، ورَوَاهُ عَطَاء عَنِ ابن سَلَام.
"عن عطاء بن يسار ﵁ قال: لقيْتُ عبد الله بن عمرو بن العاص قلْتُ: أخبرني عن صِفَةِ رسول الله ﷺ في التَّوراة، قال: أجَل": وهو في التَّصديق مثل (نعم) في الاستفهام.
"والله إنه": بكسر الهمزة؛ أي: إنَّ الرسول ﷺ .
"لموصوفٌ في التوراة ببعض صفته في القرآن ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾، وهو - بكسر الحاء وسكون الراء المهملتين -: الموضع الحصين.
"للأميِّين"؛ أي: للعرب؛ يعني. بعثناك مَؤْئِلاً لأمَّتك الأميَّة، يتحصنون بك من آفات النفس وغوائل الشيطان، ويجوز أن يكون المراد بالحرز: حفظ قومه من عذاب الاستئصال، أو الحفظ لهم من العذاب ما دام فيهم لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣].
"أنت عبدي ورسولي، سمَّيْتُكَ المتوكِّل ليس بفَظٍّ"؛ أي: غليظ القلب.
"ولا غَليظ": وهو الضَّخم الكريه الخلق، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩].
"ولا سخَّاب" بفتح السين المهملة وتشديد الخاء المعجمة؛ أي: مرتفع الصوت ويروى أيضاً: بالصاد المهملة؛ أي: مكثر الصِّياح، شديد الصَّوت عند الخصام من السخب والصخب، وهما شِدَّة اختلاط الأصوات.
стр. 3082
"في الأسواق، ولا يدفع بالسَّيئة السَّيئة"؛ يعني: لا يسيء إلى مَنْ أساء إليه.
"ولكن يَعْفُو": عن المسيء ويحسِنُ إليه.
"ويَغْفِرُ"؛ أي: يدعو له بالغفران.
"ولن يقبضَهُ حتَّى يُقيْمَ به"؛ أي: يُجْعَل مستقيماً برسول الله ﷺ .
"المِلَّة العوجاء": يريد بها الكفر؛ لأنها مِلَّةٌ معوجَّةٌ باطلة، لا استقامة لها، وقيل: يريد ملَّة إبراهيم ﵇ غيَّرتها العرب عن استقامتها وتَدَيْنَتْ بها.
"بأن يقولوا: لا إله إلا الله، ويفتح بها"؛ أي: بكلمة التوحيد، وهو قول: لا إله إلا الله.
"أعينٌ عُمي" بضم العين: جمع أعمى.
"وآذان صُمٌّ": جمع أصم.
"وقلوب غُلْفٌ": جمع أَغْلَف، وهو الذي لا يفهم كأنَّ قلبه في غلاف، وهذا إشارة إلى المذكور في قوله تعالى: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٧٩] يعني: أنه ﵇ يدعوهم إلى الإيمان والطاعة ويحملهم عليه.
"ورواه عطاء": وهو عطاء بن يسار.
"عن ابن سلام"؛ يعني: عبد الله بن سلام.
مِنَ الحِسَان:
٤٤٧٥ - عَنْ خَبَّابِ بن الأَرَتِّ ﵁ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ الله ﷺ صَلَاةً
стр. 3083
فأَطَالَها، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله! صَلَّيْتَ صَلَاةً لم تكُنْ تُصلِّيْها! قال: "أجَلْ، إنَّها صلاةُ رَغْبةٍ ورَهْبةٍ، إِنِّي سَألتُ الله فِيها ثلاثاً فأعطانِي اثنتَيْنِ ومَنعنِي واحِدَةً: سَألتُهُ أَنْ لا يُهلِكَ أُمَّتي بسَنَةٍ فأعطَانِيها، وسَألتُهُ أنْ لا يُسلِّطَ علَيهِم عَدُوًّا مِنْ غيْرهِم فأعطانِيها، وسَألتُهُ أنْ لا يُذيقَ بَعضَهُم بأسَ بعضٍ فمنعَنِيها".
"من الحسان":
" عن خَبَّاب بن الأرَت ﵁ قال: صلَّى بنا رسول الله ﷺ صلاةً فأطالها، قالوا: يا رسول الله! صلَّيْتَ صلاةً لم تكن تُصلِّيها قال: أجَل"؛ أي: نعم.
"إنها"؛ أي: تلك الصلاة.
"صلاة رَغْبَةٍ"؛ أي: إلى الله.
"ورَهْبةٍ"؛ أي: خوف منه تعالى، وفيه تعليمٌ للأمة إذا ظهر لهم أمر عظيم، وخوف شديد، أو رجاء إلى الله تعالى يلتجئون إلى صلاة رغبة ورهبة؛ ليزول عنهم ذلك بفضله ورحمته ويحصل مطلوبهم.
"إني سألْتُ الله فيها ثلاثاً فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة؛ سألْتُ الله أن لا يُهْلِكَ أمتي بسَنَةٍ فأعطانيها، وسألته أن لا يسلِّط عليهم عدواً من غيرهم فأعطانيها، وسألته أن لا يذيْقَ بعضَهُمْ بأسَ بعضٍ فمَنَعَنِيها".
٤٤٧٦ - عَنْ أَبي مَالِكٍ الأَشْعَرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إنَّ الله أَجَاركم مِنْ ثَلاثِ خِلالٍ: أنْ لا يَدعُوَ عَلَيكُم نبيُّكم فتَهلِكُوا جَمِيْعاً، وأنْ لا يَظهرَ أَهْلُ البَاطِلِ على أَهْلِ الحَقِّ، وأنْ لا تَجتمِعُوا على ضَلَالةٍ".
"عن أبي مالك الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله : إن الله أجاركم"؛ أي: أنقذَكُم.
стр. 3084
"مِنْ ثلاثِ خِلال"؛ أي: خِصَال؛ تعظيماً لنبيكم وتكريماً لكم.
"أن لا يدعو عليكم نبيُّكم" بسبب كفر بعضكم.
"فتهلِكُوا جميعاً": كما دعا نوح على قومه فقال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦] فهلكوا جميعاً، ودعا موسى على قوم فرعون فقال: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [يونس: ٨٨].
"وأن لا يظهرَ"؛ أي: لا يغلبَ.
"أهلُ الباطل"؛ يعني: أهل الشِّرْك، وإن كثرَتْ أنصاره وأعوانه.
"على أهل الحق"؛ يعني: على أهل الإسلام بحيث يمحقه ويطفئ نوره.
"وأن لا يجتمعوا على ضلال"؛ أي: لا يتفقوا على شيء باطل، وهذا يدل على أن إجماع الأمة حُجَّة.
٤٤٧٧ - وعَنْ عَوْفِ بن مالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لَنْ يَجْمَعَ الله تعالى على هذهِ الأمَّةِ سيفَيْنِ: سَيفاً مِنْها وسَيفاً مِنْ عدُوِّها".
"وعن عوف بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : لن يَجْمَعَ الله على هذه الأمة"؛ أي: المسلمة المؤمنة.
"سَيْفَيْنِ: سيفاً منها، وسيفاً مِنْ عدوِّها"؛ يريد: أنَّ السيفين لا يجتمعان فيقع الاستئصال، ولكن إذا جعلوا بأسهم بينهم سَلَّط الله عليهم العدو فيشغلهم به عن أنفسهم ويكفَّ عنهم بأسهم.
٤٤٧٨ - عَنِ العَبَّاس ﵁: أَنَّه جَاءَ إِلَى النَّبي ﷺ فكأنَّهُ سمعَ شَيْئًا، فَقَامَ
стр. 3085
النَّبيُّ ﷺ عَلى المِنْبَرِ فَقَالَ: "مَنْ أَنَا؟ "، فَقَالُوا: أَنْتَ رَسُولُ الله، قَالَ: "أَنَا مُحمَّدُ بن عبدِ الله بن عبدِ المُطلِب، إنَّ الله خَلَقَ الخَلْقَ فجَعَلَنِي في خَيْرِهِم، ثُمَّ جَعَلَهُم فِرقتَيْنِ فجَعَلَنِي في خَيْرِهِم فِرقةً، ثُمَّ جَعَلَهم قَبَائِلَ فجَعَلَنِي في خَيْرِهِم قَبيلة، ثُمَّ جَعَلَهُم بُيوْتاً فَجَعَلَنِي في خَيْرِهِمْ بَيْتاً، فَأَنَا خَيْرُهُم نفْساً وأَنَا خَيْرُهُم بَيتاً".
"عن العباس ﵁: أنه جاء إلى النبي ﷺ فكانه"؛ أي: كأنَّ العباس.
"سمع شيئاً"؛ أي شيئاً يكرهه في حقّ النبي ﷺ .
"فقام النبي ﷺ على المنبر": لوعظ أُمَّتِهِ.
"فقال: من أنا؟ ": استفهام سؤال تقرير، و (أنا) عائد إلى حقيقته وكمالِهِ النبوي.
"فقالوا: أنت رسول الله ﷺ ، قال: أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، إنَّ الله خلق الخلْقَ فجعلني في خيرهم"، المراد: مِنْ خَيْرِ الخَلْقِ؛ الإنسان.
"ثم جعلهم"؛ أي: صيَّر خيرهم.
"فرقتين"؛ يعني: العرب والعجم.
"فجعلني في خيرهم فرقة": نصب على التمييز؛ أي: في العرب.
"ثم جعلهم"؛ أي العرب قبائل.
"فجعلني في خيرهم قبيلة"؛ أي: في قريش.
"ثم جعلهم"؛ أي تلك القبيلة.
"بيوتاً"؛ أي بطونا، والبطن: دون القبيلة.
"فجعلني في خيرهم بيتاً"؛ أي: بطناً، وهو قبيلة بني هاشم.