← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17791

شرح المصابيح لابن الملك

ابن الملك

Полный текст (3 421 стр.). Показаны 3081–3120 · переход к 3086.

стр. 3081

المُتوكِّلَ، لَيْسَ بفَظٍّ ولا غَليْظٍ ولا سَخَّابٍ في الأَسْواقِ، ولا يَنفَعُ بالسَّيئةِ السَّيئةَ ولكنْ يَعفُو وَيغْفِرُ، ولنْ يَقبضَهُ حتَّى يُقيمَ بهِ المِلَّةَ العَوْجاءَ بِأَنْ يَقُولُوا: لا إله إلَّا الله، وتُفتَحُ بِها أَعيُن عُمى، وآذان صُمٌّ، وقُلوب غُلفٌ، ورَوَاهُ عَطَاء عَنِ ابن سَلَام. "عن عطاء بن يسار ﵁ قال: لقيْتُ عبد الله بن عمرو بن العاص قلْتُ: أخبرني عن صِفَةِ رسول الله ﷺ في التَّوراة، قال: أجَل": وهو في التَّصديق مثل (نعم) في الاستفهام. "والله إنه": بكسر الهمزة؛ أي: إنَّ الرسول ﷺ . "لموصوفٌ في التوراة ببعض صفته في القرآن ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾، وهو - بكسر الحاء وسكون الراء المهملتين -: الموضع الحصين. "للأميِّين"؛ أي: للعرب؛ يعني. بعثناك مَؤْئِلاً لأمَّتك الأميَّة، يتحصنون بك من آفات النفس وغوائل الشيطان، ويجوز أن يكون المراد بالحرز: حفظ قومه من عذاب الاستئصال، أو الحفظ لهم من العذاب ما دام فيهم لقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣]. "أنت عبدي ورسولي، سمَّيْتُكَ المتوكِّل ليس بفَظٍّ"؛ أي: غليظ القلب. "ولا غَليظ": وهو الضَّخم الكريه الخلق، قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩]. "ولا سخَّاب" بفتح السين المهملة وتشديد الخاء المعجمة؛ أي: مرتفع الصوت ويروى أيضاً: بالصاد المهملة؛ أي: مكثر الصِّياح، شديد الصَّوت عند الخصام من السخب والصخب، وهما شِدَّة اختلاط الأصوات.

стр. 3082

"في الأسواق، ولا يدفع بالسَّيئة السَّيئة"؛ يعني: لا يسيء إلى مَنْ أساء إليه. "ولكن يَعْفُو": عن المسيء ويحسِنُ إليه. "ويَغْفِرُ"؛ أي: يدعو له بالغفران. "ولن يقبضَهُ حتَّى يُقيْمَ به"؛ أي: يُجْعَل مستقيماً برسول الله ﷺ . "المِلَّة العوجاء": يريد بها الكفر؛ لأنها مِلَّةٌ معوجَّةٌ باطلة، لا استقامة لها، وقيل: يريد ملَّة إبراهيم ﵇ غيَّرتها العرب عن استقامتها وتَدَيْنَتْ بها. "بأن يقولوا: لا إله إلا الله، ويفتح بها"؛ أي: بكلمة التوحيد، وهو قول: لا إله إلا الله. "أعينٌ عُمي" بضم العين: جمع أعمى. "وآذان صُمٌّ": جمع أصم. "وقلوب غُلْفٌ": جمع أَغْلَف، وهو الذي لا يفهم كأنَّ قلبه في غلاف، وهذا إشارة إلى المذكور في قوله تعالى: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ [الأعراف: ١٧٩] يعني: أنه ﵇ يدعوهم إلى الإيمان والطاعة ويحملهم عليه. "ورواه عطاء": وهو عطاء بن يسار. "عن ابن سلام"؛ يعني: عبد الله بن سلام. مِنَ الحِسَان: ٤٤٧٥ - عَنْ خَبَّابِ بن الأَرَتِّ ﵁ قَالَ: صَلَّى رَسُولُ الله ﷺ صَلَاةً

стр. 3083

فأَطَالَها، قَالُوا: يَا رَسُولَ الله! صَلَّيْتَ صَلَاةً لم تكُنْ تُصلِّيْها! قال: "أجَلْ، إنَّها صلاةُ رَغْبةٍ ورَهْبةٍ، إِنِّي سَألتُ الله فِيها ثلاثاً فأعطانِي اثنتَيْنِ ومَنعنِي واحِدَةً: سَألتُهُ أَنْ لا يُهلِكَ أُمَّتي بسَنَةٍ فأعطَانِيها، وسَألتُهُ أنْ لا يُسلِّطَ علَيهِم عَدُوًّا مِنْ غيْرهِم فأعطانِيها، وسَألتُهُ أنْ لا يُذيقَ بَعضَهُم بأسَ بعضٍ فمنعَنِيها". "من الحسان": " عن خَبَّاب بن الأرَت ﵁ قال: صلَّى بنا رسول الله ﷺ صلاةً فأطالها، قالوا: يا رسول الله! صلَّيْتَ صلاةً لم تكن تُصلِّيها قال: أجَل"؛ أي: نعم. "إنها"؛ أي: تلك الصلاة. "صلاة رَغْبَةٍ"؛ أي: إلى الله. "ورَهْبةٍ"؛ أي: خوف منه تعالى، وفيه تعليمٌ للأمة إذا ظهر لهم أمر عظيم، وخوف شديد، أو رجاء إلى الله تعالى يلتجئون إلى صلاة رغبة ورهبة؛ ليزول عنهم ذلك بفضله ورحمته ويحصل مطلوبهم. "إني سألْتُ الله فيها ثلاثاً فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة؛ سألْتُ الله أن لا يُهْلِكَ أمتي بسَنَةٍ فأعطانيها، وسألته أن لا يسلِّط عليهم عدواً من غيرهم فأعطانيها، وسألته أن لا يذيْقَ بعضَهُمْ بأسَ بعضٍ فمَنَعَنِيها". ٤٤٧٦ - عَنْ أَبي مَالِكٍ الأَشْعَرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إنَّ الله أَجَاركم مِنْ ثَلاثِ خِلالٍ: أنْ لا يَدعُوَ عَلَيكُم نبيُّكم فتَهلِكُوا جَمِيْعاً، وأنْ لا يَظهرَ أَهْلُ البَاطِلِ على أَهْلِ الحَقِّ، وأنْ لا تَجتمِعُوا على ضَلَالةٍ". "عن أبي مالك الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله : إن الله أجاركم"؛ أي: أنقذَكُم.

стр. 3084

"مِنْ ثلاثِ خِلال"؛ أي: خِصَال؛ تعظيماً لنبيكم وتكريماً لكم. "أن لا يدعو عليكم نبيُّكم" بسبب كفر بعضكم. "فتهلِكُوا جميعاً": كما دعا نوح على قومه فقال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦] فهلكوا جميعاً، ودعا موسى على قوم فرعون فقال: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [يونس: ٨٨]. "وأن لا يظهرَ"؛ أي: لا يغلبَ. "أهلُ الباطل"؛ يعني: أهل الشِّرْك، وإن كثرَتْ أنصاره وأعوانه. "على أهل الحق"؛ يعني: على أهل الإسلام بحيث يمحقه ويطفئ نوره. "وأن لا يجتمعوا على ضلال"؛ أي: لا يتفقوا على شيء باطل، وهذا يدل على أن إجماع الأمة حُجَّة. ٤٤٧٧ - وعَنْ عَوْفِ بن مالِكٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لَنْ يَجْمَعَ الله تعالى على هذهِ الأمَّةِ سيفَيْنِ: سَيفاً مِنْها وسَيفاً مِنْ عدُوِّها". "وعن عوف بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : لن يَجْمَعَ الله على هذه الأمة"؛ أي: المسلمة المؤمنة. "سَيْفَيْنِ: سيفاً منها، وسيفاً مِنْ عدوِّها"؛ يريد: أنَّ السيفين لا يجتمعان فيقع الاستئصال، ولكن إذا جعلوا بأسهم بينهم سَلَّط الله عليهم العدو فيشغلهم به عن أنفسهم ويكفَّ عنهم بأسهم. ٤٤٧٨ - عَنِ العَبَّاس ﵁: أَنَّه جَاءَ إِلَى النَّبي ﷺ فكأنَّهُ سمعَ شَيْئًا، فَقَامَ

стр. 3085

النَّبيُّ ﷺ عَلى المِنْبَرِ فَقَالَ: "مَنْ أَنَا؟ "، فَقَالُوا: أَنْتَ رَسُولُ الله، قَالَ: "أَنَا مُحمَّدُ بن عبدِ الله بن عبدِ المُطلِب، إنَّ الله خَلَقَ الخَلْقَ فجَعَلَنِي في خَيْرِهِم، ثُمَّ جَعَلَهُم فِرقتَيْنِ فجَعَلَنِي في خَيْرِهِم فِرقةً، ثُمَّ جَعَلَهم قَبَائِلَ فجَعَلَنِي في خَيْرِهِم قَبيلة، ثُمَّ جَعَلَهُم بُيوْتاً فَجَعَلَنِي في خَيْرِهِمْ بَيْتاً، فَأَنَا خَيْرُهُم نفْساً وأَنَا خَيْرُهُم بَيتاً". "عن العباس ﵁: أنه جاء إلى النبي ﷺ فكانه"؛ أي: كأنَّ العباس. "سمع شيئاً"؛ أي شيئاً يكرهه في حقّ النبي ﷺ . "فقام النبي ﷺ على المنبر": لوعظ أُمَّتِهِ. "فقال: من أنا؟ ": استفهام سؤال تقرير، و (أنا) عائد إلى حقيقته وكمالِهِ النبوي. "فقالوا: أنت رسول الله ﷺ ، قال: أنا محمد بن عبد الله بن عبد المطلب، إنَّ الله خلق الخلْقَ فجعلني في خيرهم"، المراد: مِنْ خَيْرِ الخَلْقِ؛ الإنسان. "ثم جعلهم"؛ أي: صيَّر خيرهم. "فرقتين"؛ يعني: العرب والعجم. "فجعلني في خيرهم فرقة": نصب على التمييز؛ أي: في العرب. "ثم جعلهم"؛ أي العرب قبائل. "فجعلني في خيرهم قبيلة"؛ أي: في قريش. "ثم جعلهم"؛ أي تلك القبيلة. "بيوتاً"؛ أي بطونا، والبطن: دون القبيلة. "فجعلني في خيرهم بيتاً"؛ أي: بطناً، وهو قبيلة بني هاشم.

стр. 3086

"فأنا خيرهم نَفْساً، وخيرهم بيتاً"، بيِّنَ ﷺ بعض كمالاته وفضائله تواضعاً منه ﷺ وتلقيناً لأمته بالتواضع. ٤٤٧٩ - عَنْ أَبي هُريرَة ﵁ قَالَ: قَالُوا: يا رَسُولَ الله! متَى وَجَبَتْ لكَ النُّبُوَّةُ؟ قال: "وآدمُ بَيْنَ الرُّوحِ والجَسدِ". "وعن أبي هريرة ﵁ قال: قالوا: يا رسول الله ﷺ متى وَجَبَتْ"؛ أي: ثَبَتَتَ لك. "النبوة؟ قال: وآدم": الواو للحال؛ يعني: ثَبَتَتْ نبوتي في حال أنَّ آدمَ "بين الروح والجسد"؛ أي: مطروح على الأرض سورة بلا روح؛ أي: قبل تعلق روحه بجسده. ٤٤٨٠ - وعَنِ العِربَاضِ بن سَارِيَةَ، عَنْ رَسُولِ الله ﷺ أَنَّه قَالَ: " إنِّي عِنْدَ الله مَكتوب: خَاتَمُ النَّبيينَ، وإنَّ آدمَ لمُنْجَدلٌ في طِينَتهِ، وسَأُخبرُكُم بأوَّلِ أَمْرِي: دَعوةُ إِبراهِيْمَ، وبشَارَةُ عيسَى، ورُؤْيا أُمِّي الَّتي رَأَتْ حِينَ وضَعَتْني وقدْ خَرجَ لها نُورٌ أضَاءَتْ لَها منهُ قُصُورُ الشَّامِ". "عن عرباض بن سارية ﵁، عن رسول الله ﷺ أنه قال: إني عند الله مكتوب: خاتم النبيين": برفع (خاتم) نائب مناب فاعل (مكتوب)، وفي بعض النسخ بالنصب؛ تمييزاً أي: مكتوب من هذه الحيثية. "وإن آدم لمُنْجَدلٌ"؛ أي: لملقى على وجه الأرض. "في طِيْنَتِه"؛ أي: في خلقته، من قولهم: طَانَهُ الله؛ أي: خلقه، والجار

стр. 3087

والمجرور خبر ثان لـ (إن)، والجملة حال من (المكتوب)، والمعنى كتبْتُ خاتم الأنبياء في الحال التي آدم مطروح على وجه الأرض صورة من طين لم يُنفخ فيه الروح بعدُ. "وسأخبرُكم بأوَّل أمري، دعوة إبراهيم": وهي قوله: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ﴾ [البقرة: ١٢٩] قيل: يريد بالآيات: خبر من مضى، وخبر من بقي إلى يوم القيامة، والضمير في (فيهم) و (منهم) يعود إلى الذرية. "وبشارة عيسى ﵇": وهي قوله: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: ٦]. "ورُؤْيا أمِّي التي رأَتْ حين وضَعَتْني، وقد خَرَجَ لها"؛ أي: لأمي، واللام للعلة. "نوراً أضاءَتْ لها منه"؛ أي: من النور. "قصور الشام": جمع قصر. ٤٤٨١ - عَنْ أَبي سَعِيْدٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أنا سيدُ ولَدِ آدمَ يَومَ القِيامَةِ ولا فَخْرَجَ، وبيَدِيْ لِواءُ الحمدِ ولا فخرَ، ومَا منْ نبَيٍّ يومَئذٍ آدمُ فمن سِواهُ إلَّا تحتَ لِوائِي، وأَنَا أَوَّلُ مَنْ تَنشق عنهُ الأَرْضُ ولا فَخْرَ". "وعن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : أنا سيد وَلَدِ آدم يوم القيامة ولا فَخْرَ"؛ أي: لا أقوله مفاخرة، بل إظهاراً لنعمة الله تعالى عليَّ، وقيل: أي: لا أفتخر بذلك، بل فخري بربي الذي أعطاني هذه المرتبة. "وبيدي لِوَاء الحمد": بكسر اللام ويالمد؛ أي: رايته، يريد به: انفراده بالحمد وشهرته على رؤوس الخلائق، والعرب تضع اللواء موضع الشهرة،

стр. 3088

ولا مقام أعلى وأرفع من مقام الحمد، ودونه تنتهي سائر مقامات العباد، ولما كان نبينا ﵊ أحمد الخلائق في الدنيا والآخرة أُعطي لواء الحمد؛ ليأوي إلى لوائه الأولون والآخرون، ويفتح عليه في ذلك اليوم من المحامد ما لم يفتح على أحدِ. "ولا فَخْرَ، وما مِنْ نبي يومئذ"؛ أي: يوم إذْ تقوم الساعة. "آدم": عطف بيان لقوله: (نبي) أو بدل. "فمَنْ سِواه": (من) موصولة، (سواه) صلته، نصب على الظرف، والفاء للعطف على (آدم)؛ أي: وغيره من الأنبياء والمرسلين. "إلا تحت لوائي، وأنا أول من تنشقُّ عنه الأرض، ولا فَخْرَ". ٤٤٨٢ - عنْ ابن عَبَّاسِ ﵄ قَالَ: جَلسَ نَاس مِنْ أَصحَابِ رَسُولِ الله ﷺ ، فخَرجَ، فسمِعَهُم يَتذاكَرونَ، قَالَ بعضُهُم: إِنَّ الله اتَّخذَ إبْراهِيمَ خَليلاً، وقَالَ آخرُ: مُوسُى كلَّمهُ الله تَكْلِيْما، وقالَ آخرُ: فعيسَى كَلِمةُ الله ورُوحُهُ، وقَالَ آخرُ: آدمُ اصْطَفَاهُ الله، فخَرجَ عَلَيهِم فسَلَّمَ وقَالَ: "قد سَمِعت كَلامَكم وعَجَبَكم أنَّ إِبْراهيمَ خَلِيْلُ الله وهوَ كَذلِكَ، ومُوسَى نَجيُّ الله وهوَ كَذَلكَ، وعِيْسَى رُوْحُهُ وكَلِمتهُ وهوَ كَذلكَ، وآدمُ اصطَفاهُ الله وهُوَ كذلكَ، أَلَا وأَنَا حَبيبُ الله ولا فَخْرَ، وأَنَا حَامِلُ لِواء الحمدِ يَومَ القِيامةِ ولَا فَخْرَ، تحتَهُ آدَمُ فمنْ دُونه ولا فخرَ، وأنا أوَّلُ شَافِعٍ وأوَلُ مُشفَّعٍ يومَ القِيامةِ ولا فَخْرَ، وأَنا أوَّلُ مَنْ يُحرِّكُ حِلَقَ الجنَّةِ فيَفتَحُ الله لِيَ فيُنخِلُنِبْها ومَعِي فُقَراءُ المُؤمِنينَ ولا فَخْرَ، وأَنَا أكْرَمُ الأوَّلينَ والآخِرينَ على الله ولا فَخْرَ". "عن ابن عباس ﵄ قال: جَلَسَ ناسٌ مِنْ أصحاب النبي على الله تعالى

стр. 3089

عليه وسلم فخرج فسمعهم": نصب على الحال من الضمير في (خرج) العائد إلى النبي ﷺ ، و (قد) مقدرة. "يتذاكرون": نصب على الحال من الضمير المنصوب في (سمعهم)، يعني: خرج النبي ﷺ وقد سمعهم متذاكرين في فضائل الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. "قال بعضهم: إن الله تعالى اتَّخذ إبراهيم خليلاً، وقال آخر: موسى كلَّمه الله تعالى تكليماً، وقال آخر: فعيسى كلمة الله وروحه، وقال آخر: آدم اصطفاه الله تعالى، فخرج النبي عليهم وسلَّم وقال: قد سمعت كلامَكُم، وعَجَبَكُم أنَّ إبراهيم خليل الله، وهو كذلك": هذا تصديقٌ لكلامهم. "وموسى نَجيُّ الله، وهو كذلك، وعيسى روحه وكلمته، وهو كذلك، وآدم اصطفاه الله، وهو كذلك، ألا": كلمة تنبيه؛ أي: تنبَّهوا. "وأنا حبيب الله، ولا فَخْرَ": والفرق بين الخليل والحبيب: أن الخليل اشتقاقه من الخلَّة وهي الحاجة، فإبراهيم ﵇ كان كلُّ افتقاره إلى الله تعالى، فمن هذا الوجه اتَّخذه خليلاً، والحبيب اشتقاقه من المحبة، فعيل بمعنى الفاعل والمفعول، فكأنه ﵇ محبوب ومُحِب، والخليل محبٌّ لحاجته إلى مَنْ يحبه، والحبيب محبٌّ لا لغرض. وقيل: الخليل يكون فعله برضاء الله تعالى، والحبيب يكون فعل الله تعالى برضاه. ألا ترى أن النبي ﷺ أراد تحويل القبلة فقال الله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ [البقرة: ١٤٤] وقال له: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضحى: ٥]. وقيل: الخليل لا يحب الاستعجال إلى لقاء خليله، كما قيل: إن ملك

стр. 3090

الموت لما جاء إلى قَبْضِ روح إبراهيم ﵇ قال له: هل رأيت خليلاً يقبض روح خليله، فعرج إلى السماء ثم نزل فقال: إن الله يقرئك السلام ويقول لك: هل رأيت خليلاً يكره لقاء خليله. والحبيب يحبُّ الاستعجال إلى لقاء حبيبه كما كان رسول الله ﷺ يقول في دعائه: "اللهم إنِّي أسألك النظر إلى جَلال وجهك والشَّوق إلى لقائك". والخليل يكون في مغفرته في حدِّ الطمع كما قال إبراهيم ﵇: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾ [الشعراء: ٨٢]. والحبيب مغفرته في حدِّ اليقين من غير سؤال، قال الله تعالى لنبيه ﷺ : ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [الفتح: ٢]. والخليل قال: ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾ [الشعراء: ٨٧]، والحبيب قال الله تعالى له: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ [التحريم: ٨]. والخليل قال: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات: ٩٩]، والحبيب قال له: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى﴾ [الضحى: ٧]. والخليل قال: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ﴾ [الشعراء: ٨٤]، وقال للحبيب: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشرح: ٤]. والخليل قال: ﴿وَاجْعَلْنِي مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ [الشعراء: ٨٥]، والحبيب قال له: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: ١]. "وأنا حاملٌ لواءَ الحمد يوم القيامة، تحته آدم فمَنْ دونه، ولا فَخْرَ، وأنا أول شافع وأول مشفَّع": بفتح الفاء المشددة؛ أي: الذي قَبلْتَ شفاعته. "يوم القيامة، ولا فَخْرَ، وأنا أول مَنْ يحرك حِلَق الجنة": جمع حلقة، وهي هنا: حلقة باب الجنة.

стр. 3091

"فيفتح الله تعالى لي فَيُدخِلُنيها، ومعي فقراء المؤمنين، ولا فَخْر"، فيه دليل على فضلهم وكرامتهم عند الله تعالى. "وأنا أكرم الأوَّلين والآخِرين على الله تعالى، ولا فَخْر"، فيه دليل على أنه ﷺ أفضل من السموات والأرض. ٤٤٨٣ - عَنْ عَمرِو بن قَيْسٍ: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "نَحْنُ الآخِرونَ، ونَحْنُ السَّابقُونَ يومَ القِيامةِ، وإنِّي قَائِلٌ قَوْلاً غيرَ فَخْر: إِبْراهِيمُ خليلُ الله، ومُوسَى صفِيُّ الله، وأَنَا حَبيْبُ الله، ومعِي لِواءُ الحمدِ يومَ القِيامةِ، وإنَّ الله وعَدَنِي في أُمَّتِي وأَجَارَهم مِنْ ثَلاثٍ: لا يَعمُّهم بسَنةٍ، ولَا يَستأصِلُهم عَدُوٌّ، ولا يَجْمعُهُم عَلَى ضَلالَةٍ". "عن عمرو بن قيس ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قال: نحن الآخرون"؛ أي: في المجيء إلى الدنيا. "ونحن السابقون يوم القيامة"؛ أي: في دخول الجنة. "وإني قائل قولاً غَير فَخْر، إبراهيم خليلُ الله، وموسى كليم الله، وآدم صفِيُّ الله"؛ أي: مختاره. "وأنا حبيب الله، ومعي لِواء الحمد يوم القيامة، وإن الله وعدني في أمتي وأجارَهم"؛ أي: حفظهم وأنقذهم. "من ثلاث"؛ أي: ثلاث خصال. "لا يَعُمُّهُمْ بسَنَة"؛ أي: قَحْط. "ولا يستأصلُهُمْ عدوُّ، ولا يجمعُهُم على ضَلالةٍ".

стр. 3092

٤٤٨٤ - عَنْ جَابرٍ ﵁: أَنَّ النَّبي ﷺ قَالَ: "أَنَا قَائِدُ المُرسَلِينَ ولا فَخْرَ، وأَنَا خَاتَمُ النبيينَ ولا فَخْرَ، وأَنَا أَوَّلُ شَافعٍ ومُشفَّعٍ ولا فَخْرَ". "عن جابر ﵁: أن النبي ﷺ قال: أنا قائد المرسلين"؛ أي: مُقَدَّمهم. "ولا فخر، وأنا خاتم النبيين، ولا فخر، وأنا أول شافع ومشفَّع، ولا فخر". ٤٤٨٥ - عَنْ أَنسٍ ﵁ قَالَ، قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أَنَا أوَّلُ النَّاسِ خُرُوجاً إذَا بُعِثوا، وأَنَا قائِدُهم إذَا وَفَدُوا، وأَنَا خَطيبُهُم إذَا أنْصَتُوا، وأَنَا مُستَشفِعُهُم إذا حُبسُوا، وأَنا مُبشّرُهم إذَا آيسُوا، الكَرامةُ والمَفَاتيحُ يَومَئِذٍ بيَدِي، ولواءُ الحمْدِ يومَئذٍ بيدي، وأَنَا أكْرمُ ولَدِ آدمَ على ربي، يَطوفُ عَليَّ ألفُ خَادِمٍ كأنهم بَيْض مَكْنونٌ أو لُؤلؤٌ مَنْثورٌ"، غريب. "عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : أنا أول الناس خروجاً إذا بُعثوا"؛ أي: نشروا، يعني: أنا مُقَدَّمهم في الخروج عن القبر. "وأنا قائدهم"؛ أي: متبوعهم. "إذا وَفَدُوا"؛ أي: جاؤوا على الله تعالى. "وأنا خطيبهم إذا أَنْصَتُوا"؛ أي: سكتوا متحيرين؛ يعني: يكون في قدرة على الكلام في ذلك اليوم. "وأنا مُستَشْفَعهم": بفتح الفاء اسم مفعول، من استشفعتُهُ إلى فلان؛ أي: سألته أن يشفع في إليه. "إذا حُبسُوا"؛ أي: في الموقف، ولم يحاسبوا. "وأنا مُبشّرُهُم"؛ أي: بالرحمة والرضوان.

стр. 3093

"إذا أيسوا الكرامة"؛ أي: قَنطوا من الرحمة. "والمفاتيح"؛ أي: مفاتيح كلِّ خير. "يومئذ بيدي": وهذا لأنه يصل أنواع اللُّطف والرَّأفة من الله إلى أهل العَرَصَات من الأنبياء وغيرهم بواسطة شفاعته العامة في المقام المحمود، فكما أنَّ المفاتيح آلة للفَتْحِ، فهو أيضاً سبب لما ينفتح من فضله العميم على عباده. "ولواء الحمد يومئذٍ بيدي، وأنا أكرم ولد آدم على ربي، يطوف عليَّ ألف خادم كأنهم بَيْضٌ مَكْنون"؛ أي: لؤلؤ مستور في صدفة لم تمسَّه الأيدي. "أو لؤلؤ منثوراً" شكٌّ من الراوي. "غريب". ٤٤٨٦ - عَنْ أَبي هُريْرَة ﵁، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "فأُكسَى حُلَّةً منْ حُلَلِ الجَنَّةِ، ثُمَّ أقومُ عَنْ يَمينِ العَرْشِ، لَيسَ أَحدٌ مِنَ الخَلائِقِ يَقومُ ذلكَ المَقامَ غَيْري". "عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : فأكسَى حُلَّة": وهي إزار ورداء. "من حُلَل الجنة": وفي "الصحاح": لا يسمى حُلَّة حتى يكون ثوبين. "ثم أقوم عن يمين العرش، ليس أحدٌ من الخلائق يَقُومُ ذلك المقام غيري"؛ يعني: ذلك المقام مختصّ بي. ٤٤٨٧ - عَنْ أبي هُريْرَة ﵁ عَنْ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "سَلُوا الله لِيَ الوَسيلَة"،

стр. 3094

قَالُوا: يَا رَسُولَ الله! ومَا الوَسيلَةُ؟ قَالَ: "أَعلَى درَجةٍ في الجَنَّةِ، لا ينالُها إِلَاّ رَجُلٌ واحِدٌ، أرجُو أنْ أكُونَ أَنَا هوَ". "عن أبي هريرة ﷺ ، عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال: سلوا الله لي الوسيلة. قالوا: يا رسول الله! وما الوسيلة؟ قال: أعلى درجةٍ في الجنة لا يَنَالُها"؛ أي: تلك الدرجة. "إلا رجل واحد، أرجو أن أكون أنا هو": لفظ (هو) وقع موقع (إياه)، أو (أنا) مبتدأ و (هو) خبره والجملة خبر (أكون)، وإنما ذكر الكلام مبهما على سبيل التواضع؛ لأنه قد عرف جزماً أن تلك الدرجة له ﷺ . ٤٤٨٨ - عَنْ أُبي بن كَعبٍ ﵁ عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "إذا كانَ يَومُ القِيامَةِ كُنْتُ إِمَامَ النَّبيينَ وخَطيبَهُم، وصاحِبَ شفاعَتِهِم غيرَ فَخْرٍ". "عن أُبَي بن كعب ﵁، عن النبي ﷺ قال: إذا كان يوم القيامة كنْتُ إِمَام النبيين": بكسر الهمزة، والفتح غلط. "وخطيبهم، وصاحب شفاعتهم، غَيْرَ فَخرٍ": نصب على المصدر نحو: هذا زيد غَيْرَ ما تقول. ٤٤٨٩ - عَنْ عَبْدِ الله بن مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إنَّ لِكُلِّ نبيٍّ وُلاةً مِنَ النَّبيينَ، وإنَّ وَليي أَبي خَلِيلُ رَبي"، ثمَّ قَرأَ: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ﴾. "عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : إن لكل نبي وُلَاةً":

стр. 3095

جمع وَليٍّ، وهو بمعنى الحبيب والصديق؛ يعني: أحباء وقرناء. "من النبيين": وهم أولى بهم من غيرهم، وأقرب إليهم في جميع الأوقات. "وإنَّ وَليي أبي" وهو إبراهيم "خليل ربي": بالإضافة خبر (إن) بعد خبر. "ثم قرأ: " ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيّ﴾ ": عطف على (للذين)؛ يعني: محمداً ﵊. ٤٤٩٠ - عَنْ جَابرٍ ﵁: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ: "إنَّ الله بَعثَنِي لِتَمَامِ مَكارِمِ الأخْلاقِ، وكَمَالِ مَحاسِنِ الأفعْالِ". "عن جابر ﵁: أنَّ النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال: إن الله بعثني"؛ أي: أرسلني. "لتمامِ مَكَارم الأخلاق": جمع مَكْرُمَة، وهي خصلة مرضية يُكْرَم الشخص بها؛ أي: يستحق أن يكون كريماً. "وكمال محاسِن الأفعال": جمع حسن على غير قياس؛ يعني: بعثني إلى العالم ليتمَّ بوجودي مكارم أخلاق عباده، ويكمل بي محاسن أفعالهم. ٤٤٩١ - عَنْ كَعبٍ ﵁ يَحْكِي عَنِ التَّوْراةِ قَالَ: نَجدُ مَكتوباً: مُحَمَّدٌ رَسُولُ الله، عَبدِي المُختارُ، لا فظٌّ ولا غَليظٌ، ولا سَخَّابٌ بالأَسْواقِ، ولا يَجزِي بالسَّيئةِ السَّيئةَ، ولكنْ يَعفُو ويَغْفِرُ، مَوْلدُهُ بمكَّةَ، وهِجرتُهُ بطَيْبةَ، ومُلكُهُ بالشَّامِ، وأُمّتُهُ الحمَّادونَ، يَحمَدونَ الله في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ، يَحمَدونَ الله في كلِّ مَنْزِلَةٍ، ويُكبرونه على كُلِّ شَرَفٍ، رُعاةٌ للشَّمسِ، يُصَلُّونَ الصَّلاةَ إذا جَاءَ وقتُها، يتأزَّرُونَ على أَنْصافِهِم، ويتوَضَّؤُون على أَطرافِهِم، مُنادِيهِم يُنادِي

стр. 3096

في جَوِّ السَّماءِ، صَفُّهُمْ في القِتالِ وصَفُّهم في الصَّلاةِ سَواءٌ لهُم باللَّيلِ دَوِيٌّ كَدَوِيِّ النَّحلِ. "عن كعب يحكي عن التوراة قال: نَجدُ مكتوباً: محمد رسول الله عبدي المختار، لا فظَ ولا غليظ، ولا سخَّاب في الأسواق، ولا يجزي بالسَّيئة السَّيئة، ولكن يعفو ويغفر": مرَّ البيان فيه قبل حِسَان هذا الباب. "مَوْلدُه"؛ أي: موضع ولادته. "بمكة، وهِجْرته": وهو ترك الوطن والذهاب إلى موضع آخر. "بطيبة": اسم مدينة الرسول ﵊. "ومُلْكُه بالشام": يريد بالمُلْك هنا: النبوة والدين؛ يعني: يعمُّ دينه جميع البلدان، لكن أهل الشام ومصر ومُلْكُهما يكون أتبع لدينه من أهل سائر البلاد وسائر الملوك. "وأمته الحمَّادون"؛ أي: كثير [و] الحمد. "يحمدون الله في السَّراء والضَّراء يحمدون الله في كلّ منزلة"؛ أي: منزل. "ويكبرونه على كلِّ شَرَف"؛ أي: مكان مرتفع. "رُعاة للشمس": جمع الراعي، بمعنى الحافظ؛ أي: حُفَّاظ لأوقات الصلاة، يراقبون طلوع الشمس وغروبها، وينظرون في سيرها ليعرفوا مواقيتها. "يصلون الصلاة إذا جاء وقتها"، قيل: فيه دليل على أن معرفة النجوم قَدْرَ ما يعرف به أوقات الصلاة مطلوبة. قال محيي السنة في "التهذيب": معرفة دلائل القِبْلة فرضُ عين يجب على كل بَصيرٍ تعلمها.

стр. 3097

"يتأزِّرون على أنصافهم"؛ أي: يشدُّون الأُزُرَ على أوساطهم، وهي من السرَّة إلى تحت الركبة. "ويتوضؤون على أطرافهم"؛ أي: يجرُّون الماء على أطراف أبدانهم من الوجه واليدين والرأس والرجلين للوضوء. "مُنَاديهم"؛ أي: مُؤَذِّنهم. "ينادي في جوِّ السماء"؛ أي: في مواضعَ مرتفعة من منارة ونحوها. "صفهم في القتال وصفهم في الصلاة سواء" في كونه كالبنيان المرصوص. "لهم بالليل"؛ أي: في جوف الليل. "دَوِيٌّ"؛ أي: أصوات خفية بالتسبيح والتهليل وقراءة القرآن والذِّكر. "كَدَوِيِّ النَّحل"؛ أي: كصوتها. ٤٤٩٢ - عَنْ عَبْدِ الله بن سَلَام ﵁ قَالَ: مَكْتُوبٌ في التَّوراةِ صِفةُ مُحَمَّدٍ وعيسَى بن مريمَ يُدفَنُ مَعَهُ. قِيْلَ: قد بَقِيَ في البَيتِ مَوضعُ قَبْرِه. "عن عبد الله بن سلام ﵁ قال: مكتوبٌ في التوراة صفةُ محمد ﵊": مبتدأ، وخبره (مكتوب) مُقَدَّم عليه. "وعيسى بن مريم يُدفَنُ معه"؛ أي: مع محمد ﷺ ؛ يعني: عنده. "قيل: قد بقي في البيت"؛ أي: البيت الذي دُفِنَ فيه محمد ﷺ . "موضع قبره": فلعله يُدْفَنُ فيه عيسى ﵇.

стр. 3098

٢ - باب أَسْمَاءِ النَّبيِّ ﷺ وَصِفَاتُهُ (باب أسماء النبي ﷺ وصفاته) مِنَ الصِّحَاحِ: ٤٤٩٣ - عَن جُبَيْرِ بن مُطعِم ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبيَّ ﷺ يَقُول: "لِي خَمسةُ أَسمَاءٍ: أَنا مُحمَّد، وأَنَا أَحمَدُ، وأَنا المَاحِي الذِي يَمحُو الله بي الكُفرَ، وأَنَا الحَاشِرُ الذِي يُحْشَرُ النَّاسُ عَلى قَدمَيَّ، وأَنا العَاقِبُ"، والعَاقِبُ: الَّذي لَيسَ بعدَهُ نبيٌّ. "من الصحاح": " عن جبير بن مطعم ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لي خمسة أسماء: أنا محمد، وأنا أحمد وأنا الماحي الذي بمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يُحشر الناس على قَدمي"؛ أي: على أثري، يعني: أنه ﷺ يحشر أولهم، ثم يحشر الناس على أثره؛ أي: عقبه؛ لقوله ﷺ : "أنا أولُ مَنْ تنشق عنه الأرض". "وأنا العاقب"؛ أي: الآخر. "والعاقب: الذي ليس بعده نبي"، يريد به: خاتم الأنبياء. ٤٤٩٤ - وعَن أبي مُوسى الأَشعَرِيِّ ﵁ قَالَ: كانَ رَسُولُ الله ﷺ يُسمِّي لِنَفسِهِ أَسْماءً، فَقَال: "أَنا مُحَمَّد، وأَحمَدُ، والمُقَفِّي، والحَاشِرُ، ونبيُّ التَّوْبةِ، ونبيُّ الرَّحمَةِ".

стр. 3099

"وعن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يُسمِّي نفسه أسماءً فقال: أنا محمد، وأحمد، والمُقَفِّي": على بناء الفاعل، بمعنى العاقب؛ يعني: أنا آخر الأنبياء، وقيل: بناء المفعول أي: المتبع للنبيين. "والحاشر، ونبي التَّوبة": سمي به لأن التوبة: الرجوع، وقد كان رجوع الكفرة إلى الإسلام في زمانه ﷺ ، وكذا يكون بعده إلى يوم القيامة، وكذا العصاة يرجعون إلى الطاعة ببركته ﷺ . وقيل: لأنه ﷺ كان كثير الرجوع إلى الله تعالى؛ لقوله ﷺ : "أستغفر الله في اليوم سبعين مرة"، ولأنه قُبلَ من أمته التوبة بمجرد الاستغفار. "ونبي الرحمة": فإن قيل: روي: أنه صلى الله تعالى عليه وسلم قال: "ونبي الملاحم"، فكيف التوفيق بين كونه مبعوثاً بالرحمة وبين كونه مبعوثاً بالسيف قيل: إن الله تعالى بعث الأنبياء وأيَّدهم بالمعجزات، فمَنْ لم يؤمِنْ بعْدَ الحُجَّة والمعجزة عُذِّبوا بالهلاك والاستئصال، وأمر نبينا بالسّيف ليرتدعوا عن الكفر، فإن للسَّيف بقيَّة، وليس مع العذاب المنزل تقيَّة. ٤٤٩٥ - وعَنْ أَبي هُريرَة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أَلَا تَعجَبونَ كيفَ يَصرِفُ الله عنِّي شَتْمَ قُرَيْشٍ ولَعنَهم؟ يشتِمونَ مُذَمَّماً، ويَلعَنونَ مُذَمَّماً، وأَنَا مُحَمَّد". "وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ألا تعجبون كيف يصرف الله عني شَتْمَ قريش ولَعنَهم": (كيف) سؤال عن الحال، واللعن: الطرد والإبعاد من الخير.

стр. 3100

"يشتِمُون"؛ أي: يسبُّون مذمماً. "ويلعنون مُذَمَّماً": يريد بذلك تعريضهم إيَّاه بمُذَمَّم مكان محمد، وكانت العوراء بنت حرب زوجة أبي لهب تقول: مُذَمَّما قَلَيْنَا، ودينه أَبْيَنا، وأمره عَصَيْنَا. "وأنا محمد": الواو للحال. ٤٤٩٦ - وعَنْ جَابر ﵁ عَنْ رَسُولِ الله ﷺ قَالَ: "سَمُّوا باسْمِي ولا تَكنَّوْا بكُنْيتي، فإنِّي إنَّما جُعِلْتُ قاسِماً أقسِمُ بينكُم". "وعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : سمُّوا باسمي ولا تَكنَّوْا بكُنيتي": الاكتناء: عبارة عما تقول: الرجل أبو فلان. قيل: النهي للتنزيه، وقيل: للتحريم، وقيل: النهي مخصوص بزمانه ﷺ . "فإني إنما جُعِلْتُ قاسماً أقسِمُ بينكم"؛ أي: ما ينزل من الوحي عليَّ. ٤٤٩٧ - عَنْ جَابرِ بن سَمُرَة ﵁ قَالَ: كانَ رَسُولُ الله ﷺ قد شَمِطَ مُقدَّمُ رأْسِهِ ولِحيتهِ، وكَانَ إذا ادَّهنَ لم يَتَبيَّنْ، وإذا شَعِثَ رَأسُهُ تَبيَّنَ، وكانَ كثيرَ شَعرِ اللِّحيةِ، فقالَ رجل: وجهُهُ مِثْلُ السَّيْف؟ قال: لا كانَ مِثْلَ الشَّمسِ والقَمرِ، وكانَ مُستَديراً، ورَأيتُ الخَاتَمَ عندَ كتِفهِ مِثْلَ بَيْضةِ الحَمامَةِ يُشبهُ جَسَدَهُ. "عن جابر بن سَمُرَة ﵁ قال: كان النبي ﷺ قد شَمِطَ مقدم رأسه"؛ أي: ظهر الشيب في مُقَدَّم رأسه. "ولحيته": يقال: شَمِطَ - بالكسر - شمطًا إذا ابيضَّ بعض شعر رأسه،

стр. 3101

واختلط بأسوده (١). "وكان إذا ادَّهن لم يتبيَّن"؛ يعني: إذا استعمل الدهن في لحيته ورأسه لم يظهر الشيب. "وإذا شعث"؛ أي اغبرَّ رأسه. "تبيَّن"؛ أي ظهر. "وكان كثير شعر اللحية فقال رجل: وكأن وجهُهُ مِثْلَ السَّيف"؛ أي: في التلألؤ واللَّمعان. "قال: لا بل كان مِثلَ الشَّمس والقمر، وكان مُستديراً"؛ أي: مُدوراً. "ورأيت الخاتم"؛ يعني: خاتم النبوة. "عند كتفه مثل بَيْضَةِ الحمامة": في الحجم والصورة. "يُشْبهُ جسدَه"؛ أي: لونه كلون جسده. ٤٤٩٨ - عَنْ عَبدِ الله بن سرْجِسَ ﵁ قَالَ: رَأيتُ النَّبي ﷺ وأكَلْتُ مَعهُ خُبْزاً ولَحْماً - أو قَالَ: ثَرِيْدًا - ثمَّ دُرْتُ خَلْفَهُ، فنظَرتُ إلى خَاتَم النُّبوَّةِ بينَ كتِفَيْهِ عندَ ناغِضِ كَتِفِهِ اليُسرَى، جُمعاً، عليه خِيْلان كَأمثالِ الثَّآلِيلِ. "عن عبد الله بن سرْجِس ﵁ قال: رأيت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وأكلْتُ معه خُبْزًا ولحماً، أو قال: ثَريداً، ثم دُرْتُ خلفه فنظرْتُ إلى خاتم النبوة بين كتفيه عند ناغِضِ كَتِفِهِ اليُسرى": والنَّاغِض - بالغين والضاد المعجمتين -: أعلى الكتف، وقيل: عظم رقيق على طرفها، وقيل: أصل العنق.

стр. 3102

"جمْعاً": بضم الجيم وسكون الميم، هو الكفُّ حين يقبض، نصب بنزع الخافض أي: كَجُمع. ويروى: (جَمْعًا) بفتح الجيم، نصب على أنه حال؛ أي: نظرت إليه مجموعاً. "عليه خِيْلان": بكسر الخاء وسكون الياء، جمع الخال، وهو نقطة سوداء تظهر في البشرة، يقال له: الشامة، وهو مبتدأ وخبره (عليه) مُقَدماً. "كأمثال الثآليل": بالثاء المثلثة والمد، جمع ثؤلول، وهو الحبة التي تظهر في الجلد كالحِمِّصة وما دونها. ٤٤٩٩ - وَقَالَ السَّائِبُ بن يِزيْدَ: نَظرتُ إلى خَاتَم النُّبوَّةِ بينَ كَتِفَيْهِ، مِثْلَ زِرِّ الحَجَلَةِ. "وقال السَّائب بن يزيد: نظرت إلى خاتم النبوة بين كتفيه مثل زِرِّ الحَجَلَةِ": بتقديم الرّاء المعجمة المكسورة على المهملة المشددة، أراد به الأزرار التي تُشَدُّ على ما يكون في حجال العرائس من الكلل والستور. ٤٥٠٠ - وعَنْ أُمِّ خَالِدٍ بنتِ خَالِدِ بن سَعيْدٍ: أُتِيَ النَّبيُّ ﷺ بثيابٍ فيها خَميصَة سَوداءُ صَغِيْرَة، فقَالَ: "ائْتُوني بأُمِّ خَالدٍ فأُتِيَ بها تُحمَلُ، فأَخَذَ الخَميصةَ بيدِهِ فألبَسَها، قَالَ: أبْلي وأَخْلِقِي، ثُمَّ أَبْلِي وأَخْلِقي، ثُمَّ أَبْلِي وأخْلِقي"، وكانَ فيها عَلَمٌ أخْضَرُ أو أصْفَرُ، فَقالَ: "يا أُمَّ خَالدٍ! هذا سَناه"، وهيَ بالحبَشِيَّةِ حَسَنةٌ، قَالَتْ: فذهبْتُ ألعبُ بِخَاتَم النُّبوَّةِ، فزَبَرَني أبي، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "دَعْها".

стр. 3103

"عن أم خالد بنت خالد بن سعيد بن العاص: أتى النبي ﷺ بثياب فيها خَميصة سوداء صغيرة، فقال: ايتوني بأمِّ خالد فأُتِي بها تُحْمَل"؛ أي: محمولة؛ لأنها طفل. "فأخذ الخَمِيصة بيده فألبَسَها"؛ أي: الخميصة لأمِّ خالد، قال ﷺ : "أَبْلِي": من إبلاء الثوب، وهو جعله خَلَقاً. "وأخلقي": من الإخلاق بمعنى الإبلاء. "ثم أَبْلِي وأخلقي، ثم أبلي وأخلقي": والتكرار دعاء لها بطول البقاء، فكأنه قال لها حال إلباسها إياها: عمَّرك الله تعميراً، وفي بعض النسخ: بالفاء أي: أخلفي ثوبًا بعد الثوب. "وكان فيها علم أخضر أو أصفر فقال: يا أمَّ خالد هذه سَنَاهْ": بفتح السين وسكون الهاء في بعض النسخ، (سناه) بلا همزة، وروي: بهمزة، وهي بالحبشية حسنة. "قالت: فذهبت ألعب بخاتم النبوة، فَزَبَرَني أبي"؛ أي: زجرني ومنعني وخوَّفني. "فقال رسول الله ﷺ : دعها"؛ أي: اتركها. ٤٥٠١ - عَنْ أَنسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ لَيْسَ بالطَّويلِ ولا بالقَصِيْرِ، ولَيْسَ بالأَبيَضِ الأَمهقِ ولا بالآدَمَ، ولَيْسَ بالجَعدِ القَطَطِ ولا بالسَّبْطِ، بَعَثَهُ الله على رَأسِ أَربَعينَ سَنةً، فأَقَامَ بمكَّةَ عَشْرَ سِنينَ وبالمَدِينةِ عَشْرَ سِنينَ، وتَوفَّاهُ الله على رأسِ سِتِّينَ سَنةً، ولَيْسَ في رأسِهِ ولِحْيَتِهِ عِشرُونَ شَعرةً بيضَاءَ. "عن أنس ﵁ قال: كان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ليس بالطويل

стр. 3104

البائن"؛ أي: الذي بَان طوله عن حدِّ الاعتدال. "ولا بالقصير، أَزهرَ اللون"؛ أي: نير اللون، والزُّهْرَة: البياض النَّير، وهو أحسن الألوان. "ولا بالأبيض الأمهقِ": وهو الشَّديد البياض، الذي لا يخالط بياضه شيء من الحمرة كلون الجصِّ. "ولا بالأَدَم": بالقصر، وهو هنا الأحمر، يريد: أنه ﷺ كان نيَر البياض. "ليس بالجَعد القَطَط" بفتحتين؛ أي: شديد الجعودة كما في الحبشة. "ولا بالسَّبط": وهو بفتح السين المهملة وكسر الباء الموحدة، ضد الجعد؛ أي: الذي ليس له تكسر. "بعثه الله على رأس أربعين سنة، فأقام بمكة عشر سنين، وبالمدينة عشر سنين، وتوفاه الله على رأس ستين سنة، وليس في رأسه ولحيته عشرون شعرةً بيضاء". ٤٥٠٢ - وفي رِوَايَةٍ عن أَنسٍ ﵁ يَصِفُ النَّبي ﷺ قَالَ: كانَ رَبعةً منَ القومِ، لَيسَ بالطَّويلِ ولا بالقَصِيرِ، أَزهرَ اللَّونِ. "وفي رواية عن أنس ﵁ يصِفُ النبي ﷺ : كان رَبْعَةً من القوم، ليس بالطويل ولا بالقصير": تفسير للرَّبعة. "أزهر اللون". ٤٥٠٣ - وقَالَ: كَانَ شَعرُ رَسُولِ الله ﷺ إلى أنْصَافِ أُذُنيهِ.

стр. 3105

وفي رواية: بَيْنَ أُذُنيهِ وعَاتِقِهِ. "وقال: كان شَعرُ رسول الله ﷺ إلى أَنْصَاف أُذُنيهِ": جمع نصف، يعني: كان شعره مسترسلاً محاذياً لأنصاف أذنيه. "وفي رواية: بين أذنيه وعاتقه": واختلاف روايات طول شعره ﷺ وقع بحسب اختلاف أزمنة حلقه، فإنه ﷺ حلق رأسه عام الحديبية، ثم عام عمرة القضاء، ثم عام حجة الوداع؛ فلْيعتبَر الطول والقصر بحسب المناسبات الواقعة في تلك الأزمنة، وأقصرها مدة ما وقع بعد حجة الوداع، فإنه توفي بعد الحلق بثلاثة أشهر. ٤٥٠٤ - وقَالَ: كَانَ ضَخْمَ الرَّأْسِ والقَدَمَيْن، لم أرَ بعدَهْ ولا قبلَهُ مِثْلَه، وكَانَ بَسِطَ الكفَّيْن. وفي رواية: كَانَ شَثْنَ القَدَمَيْن والكَفَّيْن. "وقال: كان ضخم الرأس والقدمين"؛ يعني: كان رأسه ليس بصغير ولا كبير، بل وسطاً، وكذلك قدماه وسط بين الصغر والكبر. "لم أر قبله ولا بعده مثله"؛ أي: في الحسن. "وكان بَسِطَ الكفَّين" أي: مبسوطاً ممتداً، قيل: هذا كناية عن جوده وسخاوته فإن العرب تقول للسخي: بسط الكفِّ، وللبخيل: جَعدُ الكفِّ، وشهرة جوده من أحاديث وأخبار أخر لا تنافي الكناية. "وفي رواية: كان شَثْنَ القدمين والكفَّين"، يعني: أنهما يميلان إلى الغلظ والقصر، وقيل: هو الذي في أنامله غلظ بلا قصر، يحمد ذلك في الرجال؛ لأنه أشد لقبضهم.

стр. 3106

٤٥٠٥ - وعَنِ البَراءِ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبيُّ ﷺ مَرْبُوعاً بَعِيدَ مَا بَيْنَ المَنْكِبَيْن، لهُ شَعَرٌ بَلَغَ شَحْمَةَ أُذُنَيْهِ، رَأَيْتُهُ في حُلَّةٍ حَمْراءَ، لمْ أرَ شَيْئاً قَطُّ أَحْسَنَ مِنهُ. "وعن البراء ﵁ قال: كان النبي ﷺ مَرْبُوعاً"؛ أي: مربوع الخَلْق لا طويل ولا قصير. "بعيدَ ما بَيْنَ المَنْكِبَيْنِ، له شَعَرٌ يبلغ شَحْمَةَ أذنيه"، شَحْمَةُ الأُذُن: مُعَلَّقُ القُرْطِ. "رأيتُهُ في حُلَّةٍ حمراء لم أرَ شيئاً قطُّ أحْسَنَ منه". * * * ٤٥٠٦ - وفي رِوَايَةٍ عَنْهُ قَالَ: مَا رَأيْتُ مِنْ ذِي لِمَّةٍ أَحْسنَ في حُلَّةٍ حَمْراءَ منْ رَسُولِ الله ﷺ ، شَعْرُهُ يَضرِبُ مَنْكِبَيْهِ، بَعِيْدَ مَا بَيْنَ المَنْكِبَيْنِ، لَيسَ بالطَّويلِ ولا بالقَصِيرِ. "وفي رواية عنه: ما رأيْتُ مِنْ ذِيْ لِمَّةٍ" بكسر اللام وفتح الميم المشددة: شعر يجاوز شَحْمَة الأذن. "أحسن في حُلَّة حمراء من رسول الله ﷺ ، شعره يضرب مَنْكَبيه، بعيد ما بين المنكبين، ليس بالطويل ولا بالقصير". * * * ٤٥٠٧ - عَنْ سِمَاكِ بن حَرْبٍ، عَنْ جَابرِ بن سَمُرَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ ضَليعَ الفمِ، أَشْكَلَ العَيْنِ، مَنْهُوشَ العَقِبَيْنِ، قِيْلَ لسِماكٍ: ما ضَليعُ الفَمِ؟ قَالَ: عَظِيْمُ الفَمِ، قِيْلَ: مَا مَنْهوشُ العَقِبَيْنِ؟ قَالَ: قَليْلُ لَحْمِ العَقِبَيْنِ، قِيْلَ: ما أشْكَلُ العَيْنِ؟ قال: طَويْلُ شَقِّ العَيْنِ.

стр. 3107

"عن سِمَاك بن حَرْب، عن جابر بن سَمُرَة ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ ضَلِيْعَ الفم": كناية عن الفصاحة، وقيل: عظيمه، وقيل: واسعه، والعرب تمدح عِظَمَ الفم، وتذمُّ صغره. "أَشْكَلَ العين، مَنْهُوش العَقِبَيْن، قيل لسِمَاك: ما ضَليع الفم؟ قال: عظيم الفم، قيل: ما أشْكَل العين؟ قال: طويل شقِّ العين"، وقيل الشُّكْلَة: الحمرة تكون في بياض العين، وهو محمود. "قيل: ما منهوش العَقِبَيْنِ؟ قال: قليل لحم العَقِب"، ويروى بالسين المهملة، معناه كهو المعجمة. * * * ٤٥٠٨ - عَنْ أَبي الطُّفَيْل ﵁ قَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ الله، كَانَ أَبْيضَ مَليحاً مُقَصَّداً. "عن أبي الطفيل ﵁ قال: رأيت رسول الله ﷺ كان أبيض مليحاً"؛ أي: حسناً. "مقصداً": على بناء اسم المفعول من التفعيل أي: متوسطاً في القامة والجثة. * * * ٤٥٠٩ - وسُئِلَ أَنسٌ عنْ خِضَابِ رَسُولِ الله ﷺ فَقَال: إنَّهُ لمْ يَبلُغْ ما يَخضبُ، لو شِئْتُ أنْ أعُدَّ شَمَطاتِهِ في لِحيَتِه. وفي رِوَايَةٍ: لو شِئْتُ أَنْ أعُدَّ شَمَطَاتٍ كُنَّ في رَأسِهِ. وفي رِوايَةٍ: إِنَّما كَانَ البَياضُ في عَنْفَقَتِهِ، وفي الصُّدْغَيْنِ، وفي الرَّأسِ نَبْذٌ.

стр. 3108

"وسُئِلَ أنسٌ عن خِضَابِ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقال: إنه لم يَبْلُغ"؛ أي: شعره. "ما يَخْضب": مفعول (يبلغ)؛ أي: حداً لخضبه، يعني: كان بياضه قليلاً. "لو شئْتُ أن أعُدَّ شَمَطاته"؛ أي: شعراته البيض. "في لحيته"، جواب (لو) محذوف أي: لعددْتُهُ. "وفي رواية: لو شئْتُ أن أعُدَّ شَمَطَاتٍ كُنَّ في رأسه، وفي رواية: إنما كان البَياضُ في عَنْفَقَتِهِ": وهو الشعر المجتمع تحت الشفه. "وفي الصُّدْغَين وفي الرأس نَبْذٌ"؛ أي: يسير من شيب. * * * ٤٥١٠ - وعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ أزْهَرَ اللَّونِ، كأنَّ عَرَقَهُ اللُّؤْلؤُ، إذا مشَى تَكَفّأَ، وما مَسِسْتُ دِيباجَةً ولا حَريرَةً ألْيَنَ منْ كَفِّ رَسُولِ الله ﷺ ، ولا شَمِمْتُ مِسْكاً ولا عَنْبراً أَطْيبَ مِنْ رائحةِ النَّبيِّ ﷺ . "عن أنس ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ أَزْهَرَ اللون، كأنَّ عَرَقه اللُّؤلؤ"؛ أي: صافٍ في غاية الصفاء. "إذا مشى تكفَّأ"؛ أي: تمايل إلى قُدَّام، كما تتكَفَّأ السفينة في جريها، قيل: أراد به: التَّرفع عن الأرض مرَّة واحدة كمشي الأقوياء وذوي الجلادة بخلاف [المتماوت] الذي يجرُّ رجله في الأرض. "ولا مَسِسْتُ ديباجة ولا حريرةً ألينَ من كفِّ رسول الله ﷺ ولا شممت مِسْكاً ولا عنبرة أطيب من رائحة النبي ﷺ ". * * *

стр. 3109

٤٥١١ - عَنْ أَنسٍ ﵁، عَنْ أُمِّ سُلَيْمٍ ﵂: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ كَانَ يأْتِيها فَيَقِيلُ عِندَها، فتَبْسُطُ نِطْعاً فيَقِيلُ عَلَيْهِ، وكَانَ كَثيرَ العَرَقِ، فكانتْ تجمعُ عَرَقَهُ فتجْعَلُهُ في الطِّيبِ، فقالَ النَّبيُّ ﷺ : "يا أُمَّ سُلَيْمٍ! ما هَذَا؟ "، قَالَتْ: عَرَقُكَ نجْعَلُهُ في طِيبنا، وهوَ مِنْ أطْيَبِ الطِّيبِ. وفي رِوَايَةٍ: قَالَتْ: يا رَسُولَ الله! نَرْجُو برَكَتَهُ لصِبْيانِنا، قَالَ: "أَصَبْتِ". "عن أنس ﵁ عن أمِّ سُلَيْم ﵂: أنَّ النبي ﷺ كان يأْتِيها فَيَقِيلُ عندَها": من القيلولة، وهو النوم نصف النهار. "فَتَبْسُطُ"؛ أي: تَفْتَرِشُ. "نِطْعًا": وهو فراش من الجلد. "فيَقِيلُ عليه"، قيل: كانت أمُّ سليم وأختها أم حِرَام من ذوات محارم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم من جهة الرَّضاعة. "وكان"؛ أي: النبي ﷺ . "كثيرَ العَرَق، فكانَتْ"؛ أي: أمُّ سليم "تجمع عرقه فتجعله في الطِّيب، فقال النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: يا أُمَّ سُلَيْمٍ ما هذا؟ قالت: عَرَقُكَ نجعلُهُ في طيبنا، وهو من أطْيَبِ الطِّيب": وفيه دليلٌ على جَوَاز التقرب إلى الله تعالى بآثار المشايخ والعلماء والصلحاء. "وفي رواية: وقالت: يا رسول الله! نرجو برَكتَهُ"، والبركَةُ: كثرة الخير ونماؤه. "لصبياننا": جمع صبيٍّ، وهو الغلام. "قال: أَصَبتِ"؛ أي: وجدتِ الصَّوَاب. * * *

стр. 3110

٤٥١٢ - عَنْ جَابرِ بن سَمُرةَ ﵁ قَالَ: صَلَّيتُ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ صَلاةَ الأُولى، ثُمَّ خَرَجَ إِلى أهلِهِ وخرجْتُ مَعَهُ، فاستقْبَلَهُ وِلْدانٌ، فَجَعلَ يَمْسَحُ خَدَّيْ أَحَدِهمْ واحِداً وَاحِداً، وأمَّا أنا فَمسَح خَدِّي، قَالَ: فَوَجَدْتُ لِيَدِهِ بَرْداً أو رِيْحاً كَأنَّما أخرَجَهَا منْ جُؤْنَةِ عَطَّارٍ. "عن جابر بن سَمُرَة ﵁ قال: صلَّيْتُ مع رسول الله ﷺ صلاةَ الأُولى": وهي صلاة الظهر. "ثم خرج"؛ أي: من المسجد. "إلى أهله"؛ أي: متوجِّهاً إليهم. "وخرجْتُ معه، فاستقبلَهُ"؛ أي: توجَّه إليه. "وِلْدَانٌ": جمع ولد، وهو الصبي. "فجعل"؛ أي: فأخذ. "يمسح"؛ أي: بيده ﷺ . "خَدَّي أحدهم واحداً واحداً": نصب على الحال. "وأما أنا فمسح خدَّيَّ، فوجدْتُ لِيَدِهِ بَرْدًا"؛ أي: راحة. "أو رِيحاً"؛ أي: رائحة طيبة. "كأنما أخرجَهَا من جُؤْنَةِ عَطَّار" بضم الجيم وسكون الواو؛ أي: مِنْ حُقَّتِهِ التي يُعَدُّ فيها الطِّيب ويُحْرَز، والحديث يدل على الشَّفقة والرَّحمة على الأولاد والصغار. * * * مِنَ الحِسَان: ٤٥١٣ - عَنْ عَلِيٍّ بن أَبيْ طَاِلبٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ لَيْسَ

стр. 3111

بالطَّويلِ ولا بالقَصِيرِ، ضَخْمَ الرَّأسِ واللِّحيةِ، شَثْنَ الكَفَّيْنِ والقَدمَيْنِ، مُشْرَباً حُمْرَةً، ضَخْمَ الكَرادِيسِ، طَويلَ المَسْرُبَةِ، إِذَا مشَى تَكفّأَ تَكفُّأً كأنَّما يَنحطُّ منْ صَبَبٍ، لَمْ أرَ قبلَهُ ولا بَعْدَهُ مِثْلَهُ ﷺ . صح. "من الحسان": " عن علي ﵁: كان رسول الله ﷺ ليس بالطويل ولا بالقصير، ضَخْمَ الرأس واللِّحية، شَثنَ الكفَّيْنِ والقدمَيْنِ مُشْرَبٌ حمرة (١) ": على صيغة اسم المفعول؛ أي: مختلطاً بياضه بالحمرة، والإشراب: خَلْطُ لون بلون. "ضَخْمَ الكَرَادِيس": جمع الكُردوس، ملتقى كل عظمين كالركبتين والمرفقين والمنكبين، أراد: أنه كان ضخم الأعضاء. "طويل المَسْرُبة" بفتح الميم وسكون السين المهملة وضم الراء: الشعر الدقيق الذي [هو كأنه] قضيبٌ من الصدر إلى السرة. "إذا مشى تَكَفَّأَ تَكَفُّأً كأنما يَنحطُّ"؛ أي ينزل. "من صبَبٍ"؛ أي: من موضع منحدر عالٍ. "لم أرَ قبلَهُ ولا بعدَهُ مثله ﷺ ". "صحَّ". * * * ٤٥١٤ - وعَنْ عَلِيٍّ ﵁، كَانَ إذا وصَفَ النَّبيَّ ﷺ ، قَالَ: لمْ يكُنْ بالطَّويلِ المُمَّغِطِ ولا بالقَصِيرِ المُتردِّدِ، كَانَ رَبْعةً منَ القَومِ، ولمْ يكُنْ بالجَعْدِ القَطَطِ ولا بالسَّبطِ، كَانَ جَعْداً رَجِلاً ولمْ يكُنْ بالمُطَهَّمِ ولا بالمُكَلْثَمِ، وكانَ في

стр. 3112

وجْهِهِ تَدْويرٌ، أَبيَضُ مُشْرَبٌ، أدْعَجُ العَينَيْنِ، أَهْدَبُ الأَشْفارِ، جَلِيْلُ المُشَاشِ والكَتَدِ، أَجْرَدُ ذو مَسْرُبَةٍ، شَثْنُ الكفَّيْنِ والقَدمَيْنِ، إذا مشَى يَتقلَّعُ كأنَّما يمشِي في صَبَبٍ، وإذا التَفَتَ التَفَتَ مَعاً، بَيْنَ كتفَيْهِ خَاتَمُ النُّبوَّةِ، وهوَ خَاتَمُ النَّبيينَ، أَجْودُ النَّاسِ كَفًّا، وأَرْحبُهُمْ صَدْراً، وأَصْدَقُ النَّاسِ لَهْجَةً، وأليَنُهُمْ عَرِيْكَةً، وأَكْرمُهُمْ عَشيرةً، مَنْ رآهٌ بَديهةً هَابَهُ، ومَنْ خَالَطَهُ مَعرِفةً أَحبَّهُ، يَقُولُ ناعِتُهُ: لَمْ أرَ قبلَهُ ولا بَعْدَهُ مِثْلَهُ ﷺ . "وعنه: كان إذا وَصَفَ النبيَّ صلى الله تعالى عليه وسلم قال: لم يكُنْ بالطويل المُمَّغِطِ": على بناء المفعول، وتشديد الميم الثانية وبالغين المعجمة، وقيل: بالمهملة أيضاً بمعنى، وهو الممتدُّ المتناهي طولاً، وفي بعض: بتشديد الغين المكسورة، وهو الذي بأن طوله. "ولا بالقصير المتردِّد"؛ أي: المتناهي قصراً، كأنه تردد في بعض خلقه على بعض، وتداخلت أجزاؤه. "وكان رَبْعَةً من القَوْمِ، ولم يكن بالجَعْدِ القَطَط ولا بالسَّبطِ، كان جَعْدًا رَجِلاً"، وهو - بكسر الجيم وفتحها أيضاً -: بين الجعودة والسبوطة. "ولم يكن بالمُطَهِّم"، وهو - بضم الميم وفتح الطاء المهملة وكسر الهاء المشددة -: كثير اللحم، وقيل: مُنْتفخ الوجه. "ولا بالمُكَلْثِم"، وهو - بكسر الثاء -: مستدير الوجه مع كثرة اللحم، وقيل: مدور الوجه غاية التدوير. "وكان في الوجه تَدْوِيْرٌ"؛ أي: تدويرٌ ما؛ يعني: كان بين الإسالة والاستدارة. "أبيض مُشْرَبٌ"؛ أي: مختلط بالحمرة.

стр. 3113

"أدعَجُ العينين"؛ أي: أسود العينين غاية السواد مع سعتهما، وقيل: شِدَّة سوادها في بياضها. "أَهْدَب الأَشْفَار"؛ أي: طويل شعر الأجفان، وقيل: كثيرها. "جليل المُشَاس"، وهو - بضم الميم -: رؤوس العظام اللينة الممكنة المضغ. "والكَتَد" بفتح التاء وكسرها: مجتمع الكتفين، وهو الكاهل أصل العنق؛ يعني: عظيم رؤوس المناكب والعظام مثل الركبتين والمرفقين والكتفين. "أَجْرَدُ": وهو من ليس على بدنه شعر. "ذو مَسْرُبَة"؛ أي: ذو شعر (١)؛ يريد: أن الشعر كان في أماكن من بدنه كالمَسْرُبة والسَّاعدين والسَّاقين. "شَثْن الكَفَّين والقدمين، إذا مشى يتقلع"؛ أي: يرفع رجليه من الأرض رفعاً بائناً بقوة. "كأنما يمشي في صَبَبٍ": لا كمن يمشي اختيالاً ويقارب بين خطاه، فإنه مِنْ مَشْيِ النساء. "إذا التفت التفت معاً"؛ أي: ينظر بعينيه جميعاً، لا بطرف عينه، كما هو عادة المتكبرين وذوي الغضب. "بين كتفيه خاتم النبوة، وهو خاتم النبيين، أجود الناس كَفًّا، وأرحبهم"؛ أي: أوسعهم. "صدراً، وأصدقهم لَهجة"؛ أي: لساناً. "وألينهم عَريكة"؛ أي: طبيعة، يقال: فلان لَين العَريكة أي: سَلس

стр. 3114

مُطْوَاع مُنْقَاد قليل الخِلاف. "وأكرمهم عشيرة"؛ أي: صحبة، والعشير: الصاحب. "من رآه بديهة"؛ أي: فجأة. "هابه"؛ أي؛ خاف منه، ووقع في قلبه مهابة لوقاره. "ومن خالطه مَعْرِفَةً" وجالسه. "أحبه"؛ لحسن خلقه. "يقول ناعِتُهُ"؛ أي: ناعت النبي ﷺ ، والنَّعْتُ: وصف الشيء بما فيه من حُسْن. "لم أرَ قبله ولا بعده مِثْلَه ﵊". * * * ٤٥١٥ - عَنْ جَابرٍ ﵁: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ لَمْ يَسلُكْ طَرِيْقاً فيَتبعُهُ أَحَدٌ إلَّا عَرَفَ أنَّهُ قدْ سَلَكَهُ منْ طِيبِ عَرْفهِ. "وعن جابر بن سَمُرة: أنه ﵊ لم يَسْلُكْ طريقاً فَيَتْبَعُهُ"؛ أي: النبي ﵊. "أحد"؛ أي: يمشي عقيبه. "إلا عرف"؛ أي: ذلك الأحد. "أنه قد سلَكَهُ"؛ أي: أن النبي ﷺ قد سلك هذا الطريق. "مِنْ طِيْبِ عَرْفِهِ"؛ أي: رائحته، وهذا من خصائصه ﵊ دون سائر الأنبياء. * * *

стр. 3115

٤٥١٦ - قِيلَ للرُّبَيعِ بنتِ مُعَوِّذِ بن عَفْراءَ ﵂: صِفي لَنَا رَسُولَ الله ﷺ ، قَالَتْ: يا بنيَّ! لوْ رَأَيتَهُ رَأَيتَ الشَّمسَ طَالِعةً. "قيل للرُّبَيع بنت مُعَوِّذ بن عفراء: صِفي"؛ أي: للمؤنث، من وَصَفَ يَصِفُ. "لنا رسول الله ﷺ . قالت: يا بنيَّ لو رأيتَهُ رأيْتَ الشمس طالعة". * * * ٤٥١٧ - وعَنْ جابرِ بن سَمُرةَ ﵁ قَالَ: رَأَيتُ رسُولَ الله ﷺ في لَيْلَةٍ إِضْحِيانٍ، فجَعلتُ أنظُرُ إلى رَسُولِ الله ﷺ وإلى القَمرِ وعليهِ حُلَّةٌ حَمْراءُ فإذا هو أَحسنُ عندي مِنَ القَمرِ. "قال جابر بن سمرة: رأيت النبيَّ ﷺ في ليلة إِضْحِيان" بكسر الألف وسكون الضاد المعجمة وكسر الحاء المهملة، وفي بعضٍ: بضم الألف؛ أي: مقمرة مضيئة. "فجعلت"؛ أي: طفقت. "أنظر إلى رسول الله وإلى القمر، وعليه حُلَّةٌ حمراء"؛ أي: حُلَّة فيها خطوط حُمر. "فإذا هو أحسن عندي من القمر". * * * ٤٥١٨ - عَنْ أبي هُريرةَ ﵁ قَالَ: ما رأيتُ شيئاً أحسنَ منْ رَسُولِ الله ﷺ كأنَّ الشَّمسَ تَجرِي في وجههِ، وما رأيتُ أحداً أسرعَ في مَشْيهِ مِنْ رَسُولِ الله ﷺ كأنَّما الأرضُ تُطْوَى لهُ، إنَّا لَنُجْهِدُ أنفُسَنا، وإنَّه لَغيرُ مُكترِثٍ.

стр. 3116

"عن أبي هريرة قال: ما رأيت شيئاً أحسنَ من رسول الله ﷺ كأن الشَّمس تجري في وجهه، وما رأيتُ أحداً أسرعَ في مشيته من رسول الله ﷺ ، كأنما الأرض تُطْوى له، إنا لَنجْهِدُ": يجوز فيه فتح النون وضمها. "أنفسنا"؛ أي: تحمل عليها في السَّير فوق طاقتها. "وإنه لغير مُكْتَرِثٍ"؛ أي: غير مبالٍ؛ يعني: كان ﷺ إذا مشى ما قدرنا أن نلحقه مسرعين في المشي، وإن اجتهدنا في مشينا. * * * ٤٥١٩ - عن جَابرِ بن سَمُرةَ ﵁ قَالَ: كانَ في ساقَيْ رَسُولِ الله ﷺ حُمُوشَةٌ، وكانَ لا يضحكُ إلَّا تَبسُّماً، وكُنْتُ إذا نظَرتُ إليهِ قُلتُ: أكْحَلُ العَينَيْنِ، وليسَ بأكْحَلَ. "عن جابر بن سَمُرَة قال: كان في ساقَي رسول الله ﷺ حُمُوْشَة" بضم الحاء المهملة وبالشين المعجمة؛ أي: رِقَّة. "وكان لا يضحك إلَّا تَبسُّماً": يقال: تبسَّم: إذا حرَّك شفته إرادة الضحك، وهو دون الضحك، يقال: ضحك: إذا ظهر سنه؛ يعني كان ﷺ طلق الوجه بساماً. "وكنْتُ إذا نظرت إليه قلت: أكْحَلُ العينين": يقال: رجل أكحل: بين الكحل، وهو الذي في جفون عينيه سَواد. "وليس بأكحل"؛ أي: بالاكتحال، ولكن كانت عينه كحلاء خِلْقة. * * *

стр. 3117

٣ - باب في أَخْلاقِهِ وشَمَائِلِهِ ﷺ - " باب في أخلاقه وشمائله ﷺ ": جمع شِمَال - بالكسر - وهو الخُلُق. مِنَ الصِّحَاحِ: ٤٥٢٠ - عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: خَدمتُ النَّبيَّ ﷺ عشرَ سِنينَ فما قَالَ لِي أُفٍّ، ولا: لِمَ صَنَعتَ؟ ولا: ألا صَنَعتَ. "من الصحاح": " عن أنس قال: خدمْتُ النبيَّ ﷺ عشرَ سنين, فما قال لي: أفٍّ": وهو في الأصل: وسخ الأذن والظفر، ويقال لكل ما يتضجر منه ويستثقل: أف له. "ولا لِمَ صنعْتَ"، (لم): حرف يستفهم به، وأصله (لما) حذفت منه الألف؛ أي: لم يقل ﵊ لشيء صنعْتُهُ: لِمَ صنعتَه. "ولا أَلَّا صنعت" (ألا) بفتح الهمزة وتشديد اللام: حرف تحضيض، معناه: لم لا؛ أي: لم يقل لشيء لم أصنعه وكنْتُ مأموراً به: لِمَ لا صنعْتَ، قيل: الحكمة في ذلك: أنه ﷺ كان مشغولاً بتحمل الأحوال لا بتغيرها، وهذا مستند أهل الحق في تفويض الأمر إلى الله تعالى، وعدم الاعتراض على الخلق؛ لأن الفاعل الحقيقي هو الله تعالى. * * * ٤٥٢١ - وقَالَ أَنَسٌ: كانَ رَسُولُ الله ﷺ مِنْ أَحْسنِ النَّاسِ خُلُقاً، فأرسَلَنِي يوماً لِحاجَةٍ، فقلتُ: والله لا أذهبُ، وفي نفسِي أنْ أذهبَ لِما أمرَنِي بهِ رَسُولُ الله ﷺ ، فخَرجتُ حتَّى أمُرَّ على صِبيانٍ وهُمْ يَلعبونَ في السُّوقِ، فإذا رَسُولُ الله ﷺ قدْ

стр. 3118

قَبضَ بِقَفايَ مِنْ ورائِي، قَالَ: فنظرتُ إليهِ وهو يَضحكُ فقال: "يا أُنَيْسُ! ذَهَبْتَ حيثُ أَمَرتُكَ؟ "، قُلتُ: نعمْ، أنا أذهبُ يا رَسُولَ الله! "وقال: كان ﷺ من أحسن الناس خُلُقاً، فأرسلني يوماً لحاجة، فقلت"؛ أي: في نفسي: "والله لا أذهب، وفي نفسي أن أذهَبَ لما أمرني به ﷺ ، فخرجْتُ حتى مررْتُ على صبيان وهم يلعبون في السوق، فإذا رسول الله ﷺ قد قبض"؛ أي: أخذ. "بقفايَ": وهو - مقصوراً - مؤخَّر العنق. "من ورائي"؛ أي: من خلفي. "قال: فنظرت إليه وهو يضحك، فقال: يا أُنَيْس": تصغير أنس. "ذهبْتَ": بحذف همزة الاستفهام؛ أي: أذهبت. "حيث أمرتُكَ، قلت: نعم": وإنما قال: نعم، ولم يذهب بعدُ بناءً على جزم العزم على الذهاب؛ لأن المأمول كالموجود، ولذا صرَّح بقوله: "أنا أذهبُ يا رسول الله". * * * ٤٥٢٢ - وعَنْ أَنسٍ ﵁ قَالَ: كُنتُ أَمشِي معَ رَسُولِ الله ﷺ وعليهِ بُرْدٌ نَجْرانِيٌّ غليظُ الحاشِيَةِ، فأدركَهُ أعرابيٌّ فجَبذَهُ بردائِهِ جَبْذَةً شَدِيدةً، رَجَعَ نبيُّ الله في نَحْرِ الأَعْرابيِّ، حتَّى نَظَرْتُ إلى صَفْحَةِ عاتِقِ رَسُولِ الله ﷺ قد أثَّرَتْ بها حَاشِيَةُ البُرْدِ منْ شِدَّةِ جَبْذَتِه، ثُمَّ قَالَ: يا مُحَمَّدُ! مُرْ لي منْ مالِ الله الذي عِندَكَ، فالتفَتَ إليهِ رَسُولُ الله ﷺ ثُمَّ ضحِكَ، ثمَّ أمرَ لهُ بعَطاءٍ. "وقال: كنت أمشي مع رسول الله ﷺ وعليه بُرْدٌ نَجْرَانيٌّ"؛ أي: منسوب إلى نجران، بلد باليمن، وقيل: موضع بين الشام والحجاز واليمن.

стр. 3119

"غليظُ الحاشية": حاشية كل شيء: طرفه. "فأدركه"؛ أي: النبي ﷺ "أعرابيٌّ فجَبَذَهُ"؛ أي: جرَّ الأعرابيُّ النبي ﷺ . "بردائِهِ" الذي عليه "جبذة شديدة"؛ أي: جَرًّا شديداً بحيث "رجع نبي الله ﷺ في نَحْرِ الأعرابي، حتى نظرْتُ إلى صَفْحَةِ عاتِقِ رسول الله ﷺ قد أثَّرَتْ بها حاشِيَةُ البُرْدِ من شِدَّة جبذته ثم قال: يا محمد! مُرْ لي من مال الله الذي عندك": قيل: هو الزكاة. "فالتفَتَ إليه رسول الله ﷺ ثم ضحك، ثم أمر له بعطاءٍ": وفيه إشارة إلى أن مَنْ وَلِيَ على قوم يُسْتَحَبُّ له الاحتمال من أذاهم. * * * ٤٥٢٣ - عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كانَ النَّبيُّ ﷺ أَحْسنَ النَّاسِ، وأجودَ النَّاسِ، وأشجَعَ النَّاسِ، ولقد فَزِعَ أهلُ المَدِينةِ ذَاتَ لَيلةٍ، فانطلقَ النَّاسُ قِبَلَ الصَّوتِ، فاستقبلَهُم النَّبيّ ﷺ قدْ سَبقَ الناسَ إلى الصَّوتِ، وهو يقول: "لَمْ تُراعُوا، لَمْ تُراعُوا"، وهوَ على فرَسٍ لأبي طَلْحةَ عُرْيٍ ما عليهِ سَرجٌ، في عُنُقِهِ سَيْفٌ، فَقَالَ: "لقدْ وجدْتُهُ بَحْراً". "عن أنس ﵁: كان رسول الله ﷺ أحسَنَ الناس، وأجود الناس, وأشجع الناس، ولقد فَزِع أهل المدينة"؛ أي: استغاثوا. "ذاتَ ليلة"؛ أي: في ليلة. "فانطلق"؛ أي: ذهب. "الناس قِبَل الصَّوت"؛ أي: جانبه. "فاستقبلهم النبي ﷺ ، قد سبق الناس إلى الصوت, وهو يقول: لم تُرَاعُوا,

стр. 3120

لم تُرَاعُوا"، (لم) هنا بمعنى (لا)، والعرب تضع (لم) و (لن) بمعنى (لا)، والرَّوع هو الخوف؛ أي: لا فزع ولا روع فاسكنوا، ويروى: (لن تُرَاعوا) خبراً بمعنى النهي. "وهو"؛ أي النبي ﷺ . "على فرس لأبي طلحة عُرْيٍ": يقال: فرس عُرْيٍ - بالضم وسكون الراء -: إذا لم يكن عليه سَرْج. "وقوله: ما عليه سَرج": وقع تأكيداً وبياناً. "وفي عُنُقِهم سيف فقال: لقد وجدتُهُ بَحْرًا"؛ أي: واسع الجري، يقال للفرس الذي لا ينقطع جريه: بحر؛ تشبيهاً له بالبحر الذي لا ينقطع ماؤه. وقيل: إنما شبهه بالبحر لأن البحر إذا كانت الريح طيبة يستريح مَنْ يركب فيه، فكذلك الفرس إذا كان جواداً غير شموس، يستريح راكبه ويسيره كما يشاء بلا تعب. * * * ٤٥٢٤ - وقَالَ جَابرٌ ﵁: ما سُئِلَ رَسُولُ الله ﷺ شَيئاً قطُّ فَقَالَ: لا. "وقال جابر ﵁: ما سئل رسول الله ﷺ شيئاً قط فقال: لا"؛ يعني: ما كان من شأن النبي ﷺ أن يردَّ السائل، كان يعطى إذا حضر عنده شيء من الأموال، وإلا كان يجيب بنعم. * * * ٤٥٢٥ - عَنْ أَنَسٍ ﵁: أنَّ رَجُلاً سَألَ النَّبيَّ ﷺ غَنَماً بينَ جبلَيْن فأعطَاهُ إيَّاهُ، فأتَى قَوْمَهُ فَقَال: أيْ قومِ! أسْلِمُوا، فَوَالله إنَّ مُحمَّداً ليُعطِي عَطاءً ما يَخافُ الفقرَ.
следующие страницы →