← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17791

شرح المصابيح لابن الملك

ابن الملك

Полный текст (3 421 стр.). Показаны 3116–3155 · переход к 3121.

стр. 3116

"عن أبي هريرة قال: ما رأيت شيئاً أحسنَ من رسول الله ﷺ كأن الشَّمس تجري في وجهه، وما رأيتُ أحداً أسرعَ في مشيته من رسول الله ﷺ ، كأنما الأرض تُطْوى له، إنا لَنجْهِدُ": يجوز فيه فتح النون وضمها. "أنفسنا"؛ أي: تحمل عليها في السَّير فوق طاقتها. "وإنه لغير مُكْتَرِثٍ"؛ أي: غير مبالٍ؛ يعني: كان ﷺ إذا مشى ما قدرنا أن نلحقه مسرعين في المشي، وإن اجتهدنا في مشينا. * * * ٤٥١٩ - عن جَابرِ بن سَمُرةَ ﵁ قَالَ: كانَ في ساقَيْ رَسُولِ الله ﷺ حُمُوشَةٌ، وكانَ لا يضحكُ إلَّا تَبسُّماً، وكُنْتُ إذا نظَرتُ إليهِ قُلتُ: أكْحَلُ العَينَيْنِ، وليسَ بأكْحَلَ. "عن جابر بن سَمُرَة قال: كان في ساقَي رسول الله ﷺ حُمُوْشَة" بضم الحاء المهملة وبالشين المعجمة؛ أي: رِقَّة. "وكان لا يضحك إلَّا تَبسُّماً": يقال: تبسَّم: إذا حرَّك شفته إرادة الضحك، وهو دون الضحك، يقال: ضحك: إذا ظهر سنه؛ يعني كان ﷺ طلق الوجه بساماً. "وكنْتُ إذا نظرت إليه قلت: أكْحَلُ العينين": يقال: رجل أكحل: بين الكحل، وهو الذي في جفون عينيه سَواد. "وليس بأكحل"؛ أي: بالاكتحال، ولكن كانت عينه كحلاء خِلْقة. * * *

стр. 3117

٣ - باب في أَخْلاقِهِ وشَمَائِلِهِ ﷺ - " باب في أخلاقه وشمائله ﷺ ": جمع شِمَال - بالكسر - وهو الخُلُق. مِنَ الصِّحَاحِ: ٤٥٢٠ - عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: خَدمتُ النَّبيَّ ﷺ عشرَ سِنينَ فما قَالَ لِي أُفٍّ، ولا: لِمَ صَنَعتَ؟ ولا: ألا صَنَعتَ. "من الصحاح": " عن أنس قال: خدمْتُ النبيَّ ﷺ عشرَ سنين, فما قال لي: أفٍّ": وهو في الأصل: وسخ الأذن والظفر، ويقال لكل ما يتضجر منه ويستثقل: أف له. "ولا لِمَ صنعْتَ"، (لم): حرف يستفهم به، وأصله (لما) حذفت منه الألف؛ أي: لم يقل ﵊ لشيء صنعْتُهُ: لِمَ صنعتَه. "ولا أَلَّا صنعت" (ألا) بفتح الهمزة وتشديد اللام: حرف تحضيض، معناه: لم لا؛ أي: لم يقل لشيء لم أصنعه وكنْتُ مأموراً به: لِمَ لا صنعْتَ، قيل: الحكمة في ذلك: أنه ﷺ كان مشغولاً بتحمل الأحوال لا بتغيرها، وهذا مستند أهل الحق في تفويض الأمر إلى الله تعالى، وعدم الاعتراض على الخلق؛ لأن الفاعل الحقيقي هو الله تعالى. * * * ٤٥٢١ - وقَالَ أَنَسٌ: كانَ رَسُولُ الله ﷺ مِنْ أَحْسنِ النَّاسِ خُلُقاً، فأرسَلَنِي يوماً لِحاجَةٍ، فقلتُ: والله لا أذهبُ، وفي نفسِي أنْ أذهبَ لِما أمرَنِي بهِ رَسُولُ الله ﷺ ، فخَرجتُ حتَّى أمُرَّ على صِبيانٍ وهُمْ يَلعبونَ في السُّوقِ، فإذا رَسُولُ الله ﷺ قدْ

стр. 3118

قَبضَ بِقَفايَ مِنْ ورائِي، قَالَ: فنظرتُ إليهِ وهو يَضحكُ فقال: "يا أُنَيْسُ! ذَهَبْتَ حيثُ أَمَرتُكَ؟ "، قُلتُ: نعمْ، أنا أذهبُ يا رَسُولَ الله! "وقال: كان ﷺ من أحسن الناس خُلُقاً، فأرسلني يوماً لحاجة، فقلت"؛ أي: في نفسي: "والله لا أذهب، وفي نفسي أن أذهَبَ لما أمرني به ﷺ ، فخرجْتُ حتى مررْتُ على صبيان وهم يلعبون في السوق، فإذا رسول الله ﷺ قد قبض"؛ أي: أخذ. "بقفايَ": وهو - مقصوراً - مؤخَّر العنق. "من ورائي"؛ أي: من خلفي. "قال: فنظرت إليه وهو يضحك، فقال: يا أُنَيْس": تصغير أنس. "ذهبْتَ": بحذف همزة الاستفهام؛ أي: أذهبت. "حيث أمرتُكَ، قلت: نعم": وإنما قال: نعم، ولم يذهب بعدُ بناءً على جزم العزم على الذهاب؛ لأن المأمول كالموجود، ولذا صرَّح بقوله: "أنا أذهبُ يا رسول الله". * * * ٤٥٢٢ - وعَنْ أَنسٍ ﵁ قَالَ: كُنتُ أَمشِي معَ رَسُولِ الله ﷺ وعليهِ بُرْدٌ نَجْرانِيٌّ غليظُ الحاشِيَةِ، فأدركَهُ أعرابيٌّ فجَبذَهُ بردائِهِ جَبْذَةً شَدِيدةً، رَجَعَ نبيُّ الله في نَحْرِ الأَعْرابيِّ، حتَّى نَظَرْتُ إلى صَفْحَةِ عاتِقِ رَسُولِ الله ﷺ قد أثَّرَتْ بها حَاشِيَةُ البُرْدِ منْ شِدَّةِ جَبْذَتِه، ثُمَّ قَالَ: يا مُحَمَّدُ! مُرْ لي منْ مالِ الله الذي عِندَكَ، فالتفَتَ إليهِ رَسُولُ الله ﷺ ثُمَّ ضحِكَ، ثمَّ أمرَ لهُ بعَطاءٍ. "وقال: كنت أمشي مع رسول الله ﷺ وعليه بُرْدٌ نَجْرَانيٌّ"؛ أي: منسوب إلى نجران، بلد باليمن، وقيل: موضع بين الشام والحجاز واليمن.

стр. 3119

"غليظُ الحاشية": حاشية كل شيء: طرفه. "فأدركه"؛ أي: النبي ﷺ "أعرابيٌّ فجَبَذَهُ"؛ أي: جرَّ الأعرابيُّ النبي ﷺ . "بردائِهِ" الذي عليه "جبذة شديدة"؛ أي: جَرًّا شديداً بحيث "رجع نبي الله ﷺ في نَحْرِ الأعرابي، حتى نظرْتُ إلى صَفْحَةِ عاتِقِ رسول الله ﷺ قد أثَّرَتْ بها حاشِيَةُ البُرْدِ من شِدَّة جبذته ثم قال: يا محمد! مُرْ لي من مال الله الذي عندك": قيل: هو الزكاة. "فالتفَتَ إليه رسول الله ﷺ ثم ضحك، ثم أمر له بعطاءٍ": وفيه إشارة إلى أن مَنْ وَلِيَ على قوم يُسْتَحَبُّ له الاحتمال من أذاهم. * * * ٤٥٢٣ - عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كانَ النَّبيُّ ﷺ أَحْسنَ النَّاسِ، وأجودَ النَّاسِ، وأشجَعَ النَّاسِ، ولقد فَزِعَ أهلُ المَدِينةِ ذَاتَ لَيلةٍ، فانطلقَ النَّاسُ قِبَلَ الصَّوتِ، فاستقبلَهُم النَّبيّ ﷺ قدْ سَبقَ الناسَ إلى الصَّوتِ، وهو يقول: "لَمْ تُراعُوا، لَمْ تُراعُوا"، وهوَ على فرَسٍ لأبي طَلْحةَ عُرْيٍ ما عليهِ سَرجٌ، في عُنُقِهِ سَيْفٌ، فَقَالَ: "لقدْ وجدْتُهُ بَحْراً". "عن أنس ﵁: كان رسول الله ﷺ أحسَنَ الناس، وأجود الناس, وأشجع الناس، ولقد فَزِع أهل المدينة"؛ أي: استغاثوا. "ذاتَ ليلة"؛ أي: في ليلة. "فانطلق"؛ أي: ذهب. "الناس قِبَل الصَّوت"؛ أي: جانبه. "فاستقبلهم النبي ﷺ ، قد سبق الناس إلى الصوت, وهو يقول: لم تُرَاعُوا,

стр. 3120

لم تُرَاعُوا"، (لم) هنا بمعنى (لا)، والعرب تضع (لم) و (لن) بمعنى (لا)، والرَّوع هو الخوف؛ أي: لا فزع ولا روع فاسكنوا، ويروى: (لن تُرَاعوا) خبراً بمعنى النهي. "وهو"؛ أي النبي ﷺ . "على فرس لأبي طلحة عُرْيٍ": يقال: فرس عُرْيٍ - بالضم وسكون الراء -: إذا لم يكن عليه سَرْج. "وقوله: ما عليه سَرج": وقع تأكيداً وبياناً. "وفي عُنُقِهم سيف فقال: لقد وجدتُهُ بَحْرًا"؛ أي: واسع الجري، يقال للفرس الذي لا ينقطع جريه: بحر؛ تشبيهاً له بالبحر الذي لا ينقطع ماؤه. وقيل: إنما شبهه بالبحر لأن البحر إذا كانت الريح طيبة يستريح مَنْ يركب فيه، فكذلك الفرس إذا كان جواداً غير شموس، يستريح راكبه ويسيره كما يشاء بلا تعب. * * * ٤٥٢٤ - وقَالَ جَابرٌ ﵁: ما سُئِلَ رَسُولُ الله ﷺ شَيئاً قطُّ فَقَالَ: لا. "وقال جابر ﵁: ما سئل رسول الله ﷺ شيئاً قط فقال: لا"؛ يعني: ما كان من شأن النبي ﷺ أن يردَّ السائل، كان يعطى إذا حضر عنده شيء من الأموال، وإلا كان يجيب بنعم. * * * ٤٥٢٥ - عَنْ أَنَسٍ ﵁: أنَّ رَجُلاً سَألَ النَّبيَّ ﷺ غَنَماً بينَ جبلَيْن فأعطَاهُ إيَّاهُ، فأتَى قَوْمَهُ فَقَال: أيْ قومِ! أسْلِمُوا، فَوَالله إنَّ مُحمَّداً ليُعطِي عَطاءً ما يَخافُ الفقرَ.

стр. 3121

"عن أنس ﵁: أن رجلاً سأل النبي ﵊ غَنَماً"؛ أي: قطيعاً من الشاة. "بين جبلين": قيل: كان ذلك الغنم أربعين ألفاً. "فأعطاه إيَّاه، فأتى"؛ أي: الرجل قومَه. "فقال: أَيْ قَومِ": بكسر الميم، أصله قومي، حذفت الياء اكتفاء بالكسرة، و (أي): لنداء القريب. "أسلِمُوا، فوالله إنَّ محمداً ليعطي عطاءً ما يخاف الفقر": والجملة صفة (عطاء). * * * ٤٥٢٦ - عن جُبَيْرِ بن مُطْعِمٍ ﵁: بيْنَمَا هو يَسيرُ معَ رَسُولِ الله ﷺ مَقْفَلَهُ منْ حُنَيْنٍ، فَعَلِقَتِ الأَعْرَابُ يَسْأَلُونَهُ حتَّى اضْطَرُّوهُ إلى سَمُرَةٍ فخطِفَتْ رداءَهُ، فوقَفَ النَّبيُّ ﷺ فقال: "أعطُوني رِدَائِي، لوْ كَانَ لي عَددُ هذِه العِضَاهِ نَعَماً لَقسمْتُهُ بينكُمْ، ثُمَّ لا تَجِدُونَنِي بَخيلاً ولا كَذوباً ولا جَباناً". "عن جبير بن مطعم بينما هو يسير مع رسول الله ﷺ مَقْفَلَهُ" بفتح الميم وسكون القاف وفتح الفاء بعدها: مصدر ميمي، يستعمل في اسم الزمان والمكان، من القُفُول، وهو الرجوع من السفر؛ أي: وقت قُفُوله ورجوعه، أو مكانه. "من حُنَيْن": موضع بين مكة والطائف. "فَعَلِقَتِ الأعراب"؛ أي طفقوا. "يسألونه حتى اضطَرُّوه"؛ أي ألجؤوه. "إلى سَمُرَة": وهو ضَرْب من شجرة الطَّلح، وهو شجر عظام من شجر العِضَاه.

стр. 3122

"فخُطِفَتْ"؛ أي: استَلَبَتِ الشجرة أو الأعراب. "رداؤه، فوقف النبي ﷺ فقال" من غاية لطفه العظيم: "أعطوني ردائي، لو كان بي عددَ": نصب بنزع الخافض؛ أي: كعدد، أو على المصدر؛ أي: بعَدِّ عدد. "هذه العِضَاه" بكسر العين المهملة والضاد المعجمة والهاء: شجر أم غيلان، وقيل: كلُّ شجر له شوك. "نعمٌ" اسم (كان) وخبره (لي) مقدَّماً. "لقسمته بينكم ثم لا تجدوني"؛ أي: لا تعلموني "بخيلاً ولا كذوباً ولا جباناً". * * * ٤٥٢٧ - وعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ إذا صلَّى الغَداةَ جَاءَ خَدمُ المَدِينةِ بآنِيَتِهِمْ فيها المَاءُ، فَمَا يأتُونَ بإناءٍ إلَّا غَمسَ يَدهُ فِيْها، فرُبَّما جَاؤُوهُ في الغَداةِ البَارِدَةِ فيَغمِسُ يَدهُ فيها. "عن أنس ﵁ قال: كان النبي ﷺ إذا صلى الغداة"؛ أي: الصبح. "جاء خدم المدينة": جمع خادم؛ أي: خدم أهلها من جاريةٍ وغلام ونحوِ ذلك. "بآنيتهم": جمع إناء. "فيها الماء، فما يأتون بإناء إلا غمس يده فيها"؛ يعني: كانوا يتبرَّكون بالماء الذي كان يغمس يده صلى الله تعالى عليه وسلم فيه. "فربما جاؤوه في الغداة الباردة فيغمس يده فيها" وفيه دليلٌ على جواز أن يُطلب مثل ذلك مما يُتبرَّك به من العلماء والصُّلحاء. * * *

стр. 3123

٤٥٢٨ - وقَالَ أَنَسٌ ﵁: كانتِ الأمَةُ منْ إِمَاءِ أَهْلِ المَدِينةِ لتَأخذُ بيدِ رَسُولِ الله ﷺ فتنطَلِقُ بهِ حيثُ شاءَتْ. "وقال أنس ﵁ كانت الأمة من إماء أهل المدينة لتأخذ بيد رسول الله ﷺ فتنطلق به"؛ أي: تذهب به "حيث شاءت" والباء للتعدية، يقال: انطلق به: إذا أذهبه؛ يعني: لو دعاه صلى الله تعالى عليه وسلم عبدٌ أو أمة إلى شغل لأجابه بحيث لو كان يأخذ بيده ﷺ فيذهب به حيث شاء. * * * ٤٥٢٩ - وعَنْ أَنَسٍ ﵁: أنَّ امرَأةً كَانتْ في عَقْلِها شيءٌ، فقَالَت: يا رَسُولَ الله! إنَّ لي إليكَ حَاجَةً، فَقَال: "يا أُمَّ فُلانٍ! انظُري أيَّ السِّكَكِ شِئْتِ حتَّى أقْضيَ لكِ حاجَتَكِ"، قال: فخَلا مَعَها في بَعْضِ الطُّرُقِ حتَّى فَرغَتْ منْ حَاجتِها. "وعن أنس ﵁: أن امرأة كان في عقلها شيء"؛ أي: عقلُها ناقصٌ من جنون أو غيره. "فقالت: يا رسول الله! إن لي إليك حاجةً، فقال: يا أم فلان! انظري أيَّ السكك شئت": جمع سكة، وهي بمعنى الزقاق. "حتى أقضي لك حاجتك، فخلا"؛ أي: مضى "معها في بعض الطرق حتى فرغت من حاجتها". * * * ٤٥٣٠ - وعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: لم يكُنْ رَسُولُ الله ﷺ فاحِشاً ولا لعَّاناً ولا سَبَّاباً، كانَ يَقُولُ عندَ المَعْتَبَةِ: "ما لَهُ؟ تَرِبَ جَبينُه". "وعن أنس ﵁ قال: لم يكن رسول الله ﷺ فاحشاً ولا لعاناً ولا سباباً،

стр. 3124

كان يقول عند المعتبة"؛ أي: عند العتاب، من عتب: إذا غضب. "ما له تَرِبَ جبينُه" وفي هذا القول احتمالُ إرادةِ الدعاء له بكثرة السجود لله تعالى. * * * ٤٥٣١ - عَنْ أَبي هُريرَةَ ﵁ قَالَ: قيلَ: يا رَسُولَ الله! ادْعُ على المُشركينَ، قَالَ: "إنِّي لمْ أُبعثْ لعَّاناً، وإنَّما بُعِثتُ رَحْمةً". "وعن أبي هريرة ﵁ قال: قيل: يا رسول الله! ادع على المشركين، قال: إني لم أبعث لعَّاناً"؛ يعني: لو كنتُ أدعو عليهم لبَعُدوا عن رحمة الله، ولصرتُ قاطعاً عن الخير فإني ما بُعثت لهذا. "وإنما بعثت رحمة"؛ أي: ما بعثت إلا رحمةً للعالمين، أما للمؤمنين فظاهرٌ، وأما للكافرين فلأنَّ العذاب رُفع عنهم في الدنيا بسببه، قال الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ [الأنفال: ٣٣]. * * * ٤٥٣٢ - عَنْ أَبي سَعِيْدٍ الخُدْرِيّ ﵁ قال: كانَ النَّبيّ ﷺ أشدَّ حَياءً مِنَ العَذْراءِ في خِدْرِها، فإذا رَأَى شَيئاً يكرَهُهُ عَرَفْناهُ في وجههِ. "عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: كان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أشدَّ حياءً من العذراء"؛ أي: من البكر. "في خدرها"؛ أي: في سترها؛ يعني: كان أكثر حياءً من البكر المخدَّرة التي من شأنها الحياء. "فإذا رأى شيئاً يكرهه عرفناه"؛ أي: كراهتَه "في وجهه". * * *

стр. 3125

٤٥٣٣ - وعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: مَا رأيتُ النبيَّ ﷺ مُستجْمِعاً قطُّ ضاحِكاً حتَّى أَرى منهُ لهَوَاتِهِ، إنَّما كانَ يَتبسَّمُ. "وعن عائشة ﵂ قالت: ما رأيت النبي ﷺ مستجمعاً قط ضاحكاً"؛ أي: ما رأيته ضاحكاً كلَّ الضحك مقبلاً عليه بكلِّيته. "حتى أرى منه لهواته": جمع لهاة، وهي ما في أقصى سقف الفم. "إنما كان يتبسم" دون الضحك. * * * ٤٥٣٤ - وعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: إنَّ رَسُولَ الله ﷺ لمْ يكُنْ يَسرُدُ الحَدِيثَ كَسْردِكُمْ، كانَ يُحدِّثُ حَدِيثاً لو عَدَّهُ العَادُّ لأَحصَاهُ. "وقالت: لم يكن يسرد الحديث كسردكم"؛ يعني: ما كان أحاديثه متتابعةً بعضها على إثر بعض كما هو عادتُكم في التحدُّث باستعجال، بل كان يفصِل بين الكلامين حتى لا يشتبه على المستمع بعضُ كلامه ببعض. "كان يحدِّث حديثاً لو عدَّه العادُّ"؛ أي: لو أراد أن يَعُدَّه بسهولة "لأحصاه"؛ أي: لعدَّه. * * * ٤٥٣٥ - وسُئِلَتْ عَائِشَةُ ﵂: ما كانَ النَّبيُّ ﷺ يَصنعُ في بيتهِ؟ قَالَت: كانَ يَكُونُ في مَهْنَةِ أَهْلِهِ - تَعنِي: خِدمَةَ أَهْلهِ - فإذا حَضرتْ الصَّلاةُ خرجَ إلى الصَّلاة. "وسئلت عائشة ﵂: ما كان النبي ﷺ يصنع في بيته؟ قالت: كان يكون في مهنة أهله" بكسر الميم، وقيل: بالفتح.

стр. 3126

"تعني خدمة أهله"؛ يعني: كان يشتغل بمصالح أهله وعياله. "فإذا حضرت الصلاة"؛ أي: جاء وقتها "خرج إلى الصلاة". * * * ٤٥٣٦ - وعَنْها قَالَتْ: "ما خُيرَ رَسُولُ الله ﷺ بينَ أمرَيْنِ قطُّ إلَّا أخذَ أيسَرَهُما، ما لمْ يكُنْ إِثْماً، فإنْ كانَ إِثْماً كانَ أبعدَ النَّاس منهُ، وما انتقمَ رَسُولُ الله ﷺ لنفسِهِ في شَيءٍ قَطُّ، إلَّا أنْ تُنْتَهكَ حُرمَةُ الله فيَنتقِمَ لله بها. "وعنها: قالت: ما خير رسول الله ﷺ بين أمرين قط إلا أخذ أيسرهما ما لم يكن إثماً، فإذا كان إثماً كان أبعد الناس منه، وما انتقم"؛ أي: ما كان يعاقب أحداً "لنفسه في شيء قط"، أي: في شيء يتعلق بنفسه. "إلا أن تنتهك حرمة الله تعالى" انتهاك الحرمة: تناولُها بما لا يحلُّ، يقال: انتهك محارم الله؛ أي: فعل ما حرَّم الله تعالى عليه. "فينتقم لله بها". * * * ٤٥٣٧ - وقَالَت: ما ضَرَبَ رَسُولُ الله ﷺ شيئاً قطُّ بيدِه، ولا امرأةً، ولا خادِماً، إلَّا أنْ يُجاهِدَ في سَبيل الله، وما نِيلَ منهُ شَيءٌ قطُّ فيَنتقِمَ منْ صَاحِبهِ، إلَّا أنْ يُنتهَكَ شَيءٌ منْ مَحارِمِ الله فيَنتقِمَ لله. "وقالت: ما ضرب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم شيئاً قط بيده، ولا امرأة ولا خادماً، إلا أن يجاهد في سبيل الله تعالى" فإنه ﷺ قتل أبيَّ بن خلف. "وما نيل منه"؛ أي: ما أصابه "شيء قط فينتقم من صاحبه"؛ أي: صاحب

стр. 3127

ذلك الشيء. "إلا أن يُنتهك شيءٌ من محارم الله فينتقم لله تعالى". * * * مِنَ الحِسَان: ٤٥٣٨ - عَن أَنَسٍ ﵁ قَالَ: خَدمتُ رَسُولَ الله ﷺ وأَنَا ابن ثَمانِ سِنينَ، خَدمتُهُ عشرَ سِنينَ، فما لامَنِي على شيءٍ قطُّ أُتيَ فيهِ على يَديَّ، فإنْ لامَنِي لائمٌ منْ أَهْلِهِ قَالَ: "دَعُوهُ فإنَّهُ لو قُضيَ شيءٌ كَان". "من الحسان": " عن أنس ﵁ قال: خدمتُ رسول الله ﷺ وأنا ابن ثمانِ سنين، خدمتُه عشر سنين فما لامني"؛ أي: ما يلومني. "على شيء قط أُتي فيه": صفة لـ (شيء) بمعنى أُهلك وأُتلف، من قولهم: أتى عليهم الدهر؛ أي: أهلكهم وأفناهم والضمير في (فيه) يعود إلى (شيء). "على يدي" حال أو صفة. "فإن لامني لائم من أهله قال: دعوه فإنه لو قُضي شيء لكان". * * * ٤٥٣٩ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالتْ: لمْ يكُنْ رَسُولُ الله ﷺ فاحِشاً ولا مُتفحِّشاً، ولا سخَّاباً في الأَسْواقِ، ولا يَجزِي بالسَّيئةِ السَّيئةَ، ولكن يَعْفُو ويَصفحُ. "عن عائشة رضي الله تعالى قالت. لم يكن رسول الله ﷺ فاحشاً"؛ أي: ذا فحش.

стр. 3128

"ولا متفحشاً"؛ أي: متكلِّفاً ومتعمِّداً في الفحش. "ولا سخَّاباً"؛ أي: كثير الصياح. "في الأسواق، ولا يجزي بالسيئة السيئةَ، ولكن يعفو ويصفح". * * * ٤٥٤٠ - عَنْ أَنَسٍ ﵁ يُحدِّثُ عَنِ النَّبيِّ ﷺ : أنَّهُ كَانَ يَعُودُ المَرِيضَ، ويتْبعُ الجَنَازَةَ، ويُجيبُ دَعوةَ المَمْلُوكِ، ويَركَبُ الحِمَارَ، لقدْ رأيتُهُ يومَ خَيْبَرَ على حِمارٍ خِطامُه لِيفٌ. "عن أنس رضي الله تعالى عنه: كان يحدث عن النبي ﷺ أنه كان يعود المريض ويتبع الجنازة ويجيب دعوة المملوك ويركب الحمار، ولقد رأيته يوم خيبر" موضعٌ بالحجاز. "على حمار خطامُه"؛ أي: زمامه "ليف" بكسر اللام؛ أي: خُوص النخل، وفيه دليلٌ على أن ركوب الحمار سنَّة. * * * ٤٥٤١ - وعن عَائِشَةَ ﵂ قَالَت: كانَ رَسُولُ الله ﷺ يَخْصِفُ نَعلَهُ، ويَخِيطُ ثوبَهُ، ويَعمَلُ في بيتِه كَمَا يَعْمَلُ أحدُكُمْ في بيتِهِ. "عن عائشة ﵂ أنها قالت: كان النبي ﷺ يخصف نعله"؛ أي: يَرْقَعُه. "ويخيط ثوبه، ويعمل في بيته كما يعمل أحدكم في بيته". * * *

стр. 3129

٤٥٤٢ - وقَالَتْ: كَانَ بَشَراً منَ البشَرِ، يَفْلِي ثَوْبَهُ، ويَحلُبُ شَاتَهُ، ويَخدُمُ نفسَهُ. "وقالت: كان ﷺ بشراً"؛ أي: النبيُّ ﷺ خَلْقاً "من البشر" تريد: أنه واحد من أولاد آدم من حيث الظاهرُ، قال الله ﵎: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ [الكهف: ١١٠]. "يفلي ثوبه"؛ أي: يلقط القمل من ثوبه ويطلبه. "ويحلب شاته, ويخدم نفسه". * * * ٤٥٤٣ - وقِيْلَ لِزَيدِ بن ثَابتٍ ﵁: حدِّثْنا أَحَاديثَ رَسُولِ الله ﷺ قَالَ: كُنْتُ جَارَهُ، فكَانَ إذا نزلَ عَلَيهِ الوَحْيُ بعثَ إليَّ فكتَبْتُهُ لَهُ، وكانَ إذا ذَكَرْنا الدُّنْيا ذَكرَها مَعنا، وإذا ذَكَرْنا الآخِرَةَ ذَكَرَها معَنا، وإذا ذكَرْنا الطَّعَامَ ذَكَرَهُ معَنا، فكُلُّ هذا أُحدِّثُكُمْ عنْ رَسُولِ الله ﷺ . "وقيل لزيد بن ثابت: حدَّثنا أحاديثَ رسول الله ﷺ ، قال: كنت جاره" الجار هو الذي يجاورك. "فكان إذا نزل عليه الوحي بعث"؛ أي: أرسل "إلي فكتبته له"؛ أي: الوحي لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم. "فكان إذ ذكرنا الدنيا"؛ أي: شرعنا في ذكرها، "ذكرها معنا"، أي: يوافقنا في ذكرها. "وإذا ذكرنا الآخرة ذكرها معنا، وإذا ذكرنا الطعام ذكره معنا، فكلُّ هذا" إشارة إلى ما ذكر قبل. "أحدِّثكم عن رسول الله ﷺ ". * * * ٤٥٤٤ - عَنْ أَنَسٍ ﵁: أنَّ رَسُولَ الله ﷺ كَانَ إذا صَافحَ الرَّجُلَ لَمْ يَنزِعْ يَدَهُ

стр. 3130

مِنْ يدِهِ حتَّى يَكُونَ هوَ الَّذِي يَنزِعُ يَدَهُ، ولا يَصرِفُ وجهَهُ عنْ وجهِهِ حتَّى يكونَ هوَ الذِي يَصرِفُ وجهَهُ عنْ وجهِهِ، ولمْ يُرَ مُقدِّماً رُكبتَيْهِ بينَ يَدَيْ جَليسٍ لهُ. "عن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ كان إذا صافح الرجل" المصافحة: الأخذ باليد. "لم يَنِزْعْ"؛ أي: لم يجر (١). "يده من يده حتى يكون هو الذي ينزع يده، ولا يصرف وجهه حتى يكون هو الذي يصرف وجهه عن وجهه، ولم يُر مقدِّماً ركبتيه" قيل: كأنهما عبارتان عن رجليه، وتقديمهما عبارةٌ عن مدِّهما؛ أي: لم يكن ﷺ يمدُّ رجليه "بين يدي جليس له" وقيل: معناه: لم يكن مقدِّماً ركبتيه في الجلوس على رُكَب جلسائه، بل يجلس مستوياً في الصف معهم. وقيل: معناه: لم يرفع ركبتيه عند من يجالسه بل يخفضهما تعظيماً لجليسه، وذلك لفرط أدبه ﷺ . * * * ٤٥٤٥ - عَنْ أَنَسٍ ﵁: أنَّ النَّبيَّ ﷺ كَانَ لا يَدَّخِرُ شيئاً لِغدٍ. "وقال: كان لا يدخر شيئاً"؛ أي: لا يبقي شيئاً لغدٍ توكُّلاً على الله تعالى واعتماداً على خزائنه. * * * ٤٥٤٦ - عَنْ جَابرِ بن سَمُرَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ طَويلَ الصَّمْتِ. "عن جابر بن سمرة ﵁ قال: كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم طويل الصمت"؛ أي: كثير السكوت لا يتكلم إلا لحاجة. * * *

стр. 3131

٤٥٤٧ - وعَنْ جَاِبرٍ ﵁ قَالَ: كانَ في كَلامِ رَسُولِ الله ﷺ تَرْتيلٌ وتَرْسِيلٌ. "وعن جابر ﵁ قال: كان في كلام رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ترتيل وترسيل" وهما بمعنًى، وهو التبيينُ والإيضاح في الحروف. * * * ٤٥٤٨ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَت: مَا كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَسْرُدُ سَرْدَكُمْ هَذَا، ولكنَّهُ كانَ يتكلَّمُ بكَلامٍ بَيْنَهُ فَصْلٌ، يَحفظُهُ مَنْ جَلَسَ إليهِ. "عن عائشة ﵂ قالت: ما كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يسرد سردَكم هذا، ولكنه ﷺ كان يتكلم بكلامٍ بينه فصلٌ"؛ أي: كان مفصَّلاً بعضه عن بعض. "يحفظه من جلس إليه". * * * ٤٥٤٩ - وعَنْ عَبدِ الله بن الحَارِثِ بن جَزْءٍ قَالَ: مَا رَأَيْتُ أَحَداً أَكْثرَ تبسُّماً مِنْ رَسُولِ الله ﷺ . "عن عبد الله بن الحارث بن جَزْء" - بفتح الجيم وسكون (١) الزاي المعجمة - "قال: ما رأيت أحداً أكثر تبسُّماً من رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم". * * * ٤٥٥٠ - عَنْ عبدِ الله بن سَلامٍ ﵁ قَالَ: كانَ رَسُولُ الله ﷺ إذا جلَسَ يتحدَّثُ، يُكثِرُ أنْ يرفعَ طَرْفَهُ إلى السَّماءِ. "عن عبد الله بن سلام ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا جلس يتحدث يُكثر أن يرفع طرفه إلى السماء"؛ أي: يكثر النظر إلى السماء حالة التكلم ترقُّباً لهبوط جبرائيل ﵇ بالوحي. * * *

стр. 3132

٤ - باب المَبْعَثِ وَبدْءِ الوَحْيِ (باب المبعث) مِنَ الصِّحَاحِ: ٤٥٥١ - عن عِكْرِمَةَ، عن ابن عبَّاسٍ ﵄ قَالَ: بُعِثَ رَسُولُ الله ﷺ لِأَرْبَعِينَ سَنةً، فمَكثَ بمكَّةَ ثَلاثَ عشْرةَ سَنةً يُوحَى إِليهِ، ثُمَّ أُمِرَ بالهِجرةِ فهَاجَرَ عشْرَ سِنينَ، ومَاتَ وهُوَ ابن ثَلاثٍ وستِّينَ سَنةً. وهو بمعنى البعث مصدرٌ ميمي من بَعَثَ: إذا أرسل، (وبدء الوحي)؛ أي: ابتداء الرسالة. "من الصحاح": " عن عكرمة عن ابن عباس ﵄ قال: بُعث رسول الله ﷺ لأربعين سنة" اللام فيه للتاريخ؛ أي: أُرسل إلى كافة الخلق بعد أربعين سنة. "فمكث بمكة ثلاث عشرة سنة يوحَى إليه، ثم أُمر بالهجرة فهاجر عشر سنين، ومات وهو ابن ثلاث وستين سنة". * * * ٤٥٥٢ - وعَنْ عمَّارِ بن أبي عمَّارٍ، عَنْ ابن عبَّاسٍ ﵄ قَالَ: أَقَامَ رَسُولُ الله ﷺ بمكّةَ خَمْسَ عشْرَة سَنةً، يَسمَعُ الصَّوْتَ ويَرَى الضَّوْءَ سَبعَ سنينَ ولا يَرَى شَيْئاً، وثَمَانِي سِنينَ يُوحى إلَيهِ، وأقامَ بالمدِينةِ عَشْراً. "عن عمار بن أبي عمار عن ابن عباس ﵄ قال: أقام النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بمكة خمس عشرة سنة يسمع الصوت"؛ أي: صوتَ جبرائيل ﵇. "ويرى الضوء"؛ أي. ضياء الضوء في الليالي المظلمة.

стр. 3133

"سبع سنين، ولا يرى شيئاً" سواه من مَلَكٍ وغيره، والسرُّ فيه: أن الملك لا يفارقه ضوءُ الملكية ونورُ الربوبية، فلو رآه ابتداء فربما لم تُطِقْه القوة البشرية الترابية، وعسى أن يحدث من ذلك غشيٌ، فاستؤنس أولاً بالضوء، ثم غشيه الملك بعد ذلك. ويجوز أن يراد بالضوء: انشراح صدره قبل نزول الوحي، فسمَّى الانشراح ضوءاً، ولما تكمَّل انشراحُ صدره بعد وصول العمر إلى الأربعين استعدَّ أن يكون واسطةً بين الله ﵎ وبين خلقه. "وثماني سنين يوحى إليه، وأقام بالمدينة عشراً". * * * ٤٥٥٣ - ويُروَى عَنِ ابن عبَّاسٍ ﵄: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ تُوفِّيَ وهوَ ابن خَمْسٍ وسِتِّينَ سَنةً. "ويروى عن ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ توفي وهو ابن خمس وستين سنة". * * * ٤٥٥٤ - ورُوِيَ عَنْ رَبيعَةَ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: تَوفَّاهُ الله على رأسِ سِتِّينَ سَنةً. "ويروى عن ربيعة عن أنس ﵁ أنه قال: توفَّاه الله تعالى على رأس ستين سنة". * * * ٤٥٥٥ - وعَنِ الزُّبَيْرِ بن عَدِيٍّ ﵁، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قُبضَ رَسُولُ الله ﷺ وهُوَ ابن ثلاثٍ وسِتِّينَ، وأبو بَكْرٍ وهوَ ابن ثلاثٍ وسِتِّينَ، وعُمَرُ وهوَ ابن ثلاثٍ وسِتِّين وقَالَ مُحَمَّدُ بن إِسْمَاعيل: ثَلاثٍ وسِتِّينَ أكثرُ. "وعن الزبير بن عديٍّ عن أنس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: قُبض

стр. 3134

النبي ﷺ وهو ابن ثلاثٍ وستين سنة، وأبو بكر وهو ابن ثلاث وستين، وعمر وهو ابن ثلاث وستين، قال محمد بن إسماعيل" هو البخاري صاحب الصحيح: "ثلاث وستين أكثر"؛ أي: هذه الرواية أكثر وأشهر. * * * ٤٥٥٦ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: أَوَّلُ ما بُدِئَ بهِ رَسُولُ الله ﷺ منَ الوَحْيِ الرُّؤْيا الصَّادِقةُ في النَّومِ، فكَانَ لا يَرَى رُؤْيا إِلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ، ثمَّ حُببَ إِليهِ الخَلاءُ، وكان يَخْلو بِغَارِ حِراءٍ فيَتحَنَّثُ فيهِ - وهو التَّعبُّدُ - اللَّياليَ ذَواتِ العَددِ قبلَ أنْ يَنزِعَ إلى أَهْلِهِ ويتزوَّدَ لذلكَ، ثُمَّ يَرجِعُ إلى خَديجةَ فيتَزوِّدُ لِمِثْلِها، حتَّى جَاءَهُ الحَقُّ وهوَ في غَارِ حِراءٍ، فجَاءَهُ المَلَكُ فَقَال: "اقْرَأْ"، قَالَ: "ما أَنَا بِقارِئٍ"، قَالَ: "فأخذَنِي فغَطَّنِي حتَّى بَلغَ مِنِّي الجَهْدُ، ثُمَّ أرْسَلَني، فَقَال: اقْرَأْ، فَقُلتُ: مَا أَنَا بِقارِئٍ، فأخذَنِي فغَطَّني الثانيةَ حتَّى بلغَ مِنِّي الجَهْدُ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي، فَقَال: اقْرَأَ، قُلْتُ: ما أَنَا بِقارِئٍ, فأخذَنِي فغَطَّنِي الثَّالِثَةَ حتى بَلَغَ مِنِّي الجَهْدُ، ثُمَّ أرسَلَنِي فَقَالَ: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ "، فرجَعَ بها رَسُولُ الله ﷺ يَرْجُفُ فُؤادُهُ، فَدخَلَ على خَديْجَةَ فَقَال: "زَمِّلونِي، زَمِّلوني"، فزَمَّلُوهُ حتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ، فَقَالَ لخَديجةَ ﵂ وأخْبَرَها الخبَرَ: "لقدْ خَشيتُ على نَفْسِي"، فقالتْ خَديجةُ: كلَّا والله لا يُخْزِيكَ الله أبداً، إنّكَ لَتَصِلُ الرَّحمَ، وتَصْدُقُ الحَدِيثَ، وتَحمِلُ الكَلَّ، وتَكْسِبُ المَعْدومَ، وتَقْرِي الضَّيْفَ، وتُعِينُ على نوَائبِ الحَقِّ، ثُمَّ انطلقَتْ بهِ خَديجةُ إلى وَرَقَةَ بن نَوْفَلِ، ابن عمِّ خَديجَةَ، فقالتْ لهُ: يا ابن عمِّ! اسمَعْ مِن ابن أخِيْكَ، فقالَ لهُ وَرَقَةُ: يا ابن أخي! ماذا تَرَى؛ فأخبَرَهُ رَسُولُ الله ﷺ خَبَرَ مَا رَأَى، فَقَالَ وَرَقَةُ: هذا النَّامُوسُ الَّذي أَنْزلَ الله علَى مُوسَى، يا لَيْتَني فيها جَذَعاً، لَيْتَني أكونُ حيًّا إذْ يُخْرِجُكَ قَوْمُكَ، فقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أَوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ؟ "، قَالَ: نعمْ، لمْ يأْتِ

стр. 3135

رَجُلٌ قَطُّ بمِثْلِ مَا جِئْتَ بهِ إِلَّا عُودِي، وإنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُكَ أنْصُرْكَ نصْراً مُؤَزَّراً، ثُمَّ لمْ يَنْشَبْ وَرَقَةُ أنْ تُوفِّيَ، وفَتَرَ الوَحْيُ حتَّى حَزِنَ النَّبيّ ﷺ -فيما بلغنَا- حُزناً غَدَا مِنْهُ مِراراً كيْ يَترَدَّى منْ رُؤُوْسِ شَواهِقِ الجِبالِ، فكلَّما أَوْفَى بذِروَةِ جَبَلٍ لِكيْ يُلقِي نفسَهُ منهُ تبَدَّى لهُ جِبريلُ فَقَال: "يَا مُحَمَّدُ! إنَّكَ رَسُولُ الله حَقاً". فيَسكُنُ لذلكَ جأْشُهُ وتقِرُّ نفسُهُ. "وعن عائشة ﵂ قالت: أولُ ما بدء به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثلَ فَلَقِ الصبح"؛ أي: ضوءه. "ثم حُببَ إليه الخلاء" وهو في الأصل مصدر خلا يخلو، يطلق على الموضع الخالي. "وكان يخلو بغار حراء" بالكسر والمد: جبل بمكة؛ أي: في كهفه. "فيتحنَّث فيه، وهو"؛ أي: التحنُّث "التعبد" تفسير من قول عائشة، ويحتمل أن يكون من كلام الزهري؛ أي: يتعبَّد في ذلك الغار، سُمي التعبد تحنُّثاً؛ لأنه يُلقي به الحِنْثَ والذنب عن نفسه، وأصله: التجنُّب عما يوجب الحنث. "الليالي" نصب على الظرف لـ (يتحنَّث). "ذوات العدد قبل أن ينزع" متعلق بـ (يتحنّث) يعني: يتعبد فيه أياماً قلائل قبل أن يشتد الشوق "إلى أهله"؛ يعني: لا يترك أهله بالكلية، بل كان يجعل لهم منه حظاً. "ويتزوَّد لذلك"؛ أي: يأخذ الزاد قَدْرَ تلك الأيام. "ثم يرجع إلى خديجة" أم فاطمة إذا نَفَدَ زاده. "فيتزود لمثلها"؛ أي: لمثل تلك الأيام. "حتى جاءه الحق"؛ أي: الأمر الحق وهو الوحي، أو رسول الحق وهو جبريل ﵇.

стр. 3136

"وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال: اقرأ، فقال: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطني"؛ أي: عصرني شديداً "حتى بلغ مني الجُهدُ" بضم الجيم ورفع الدال؛ أي: بلغ مني الطاقة مبلغاً هو غايتها. ويروى بالفتح والنصب؛ أي: بلغ مني الغاطُّ جهدي وكربي؛ لأن المغطوط في غاية الكرب والجهد، قيل: إنما غطَّه ليختبره هل يقول من تلقاء نفسه شيئاً إذا اضطر أم لا. "ثم أرسلني، فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ، فقلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة، ثم أرسلني فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾ "؛ أي: جنسَ الإنسان. ﴿مِنْ عَلَقٍ﴾: جمع علقة. ﴿اقْرَأْ وَرَبُّكَ﴾: مبتدأ خبره: ﴿الْأَكْرَمُ﴾ ومحلُّها حالٌ من ضمير (اقرأ)، و (الأكرم) هو الذي لا يوازيه كريم، ولا يعادله في الكرم نظير. ﴿الَّذِي عَلَّمَ﴾؛ أي: الخطَّ. ﴿بِالْقَلَمِ﴾ ويدخل في هذا كلُّ كتابة، وكلُّ قلم، وأول من خَطَّ بالقلم إدريس ﵊. ﴿عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ والمراد: الجنس؛ أي: علَّمهم ما لم يكونوا عالمين به من الهدى والبيان، وما يأتون ويذرون من مصالحهم وصناعاتهم، أو (الإنسان) آدم علَّمه أسماء كلِّ شيء. "فرجع بها"؛ أي: بالقراءة، أو الآية، وقيل: بسبب تلك الغطة. "رسول الله ﷺ يرجف"؛ أي: يضطرب من الخوف "فؤاده" الرجفة: شدة الحركة. "فدخل على خديجة فقال: زملوني"، أي: غطُّوني ودثِّروني، قيل: إنما

стр. 3137

طلب التزميل؛ أي: التستر بالثوب؛ لأنه أصابه رعدةٌ من رؤية الملك وهيبته وعظمة القرآن، والمرتعدُ إذا زمِّل سكن ما به. "زملوني" كرره للتأكيد. "فزمَّلوه حتى ذهب عنه الروع"؛ أي: الفزع. "فقال لخديجة وأخبرها الخبر: لقد خشيت" مقولُ (١) (قال)؛ أي: خشيت "على نفسي" أن يكون ذلك نوعُ تخبُّطٍ من الشيطان. "فقالت خديجة: كلا" للردع؛ أي: امتنعْ عن هذا الكلام؛ يعني: ليس الأمر كما تظن. "والله لا يُخزيك الله تعالى أبداً، إنك لتصِلُ الرحم وتَصْدُقُ الحديث وتحمِلُ الكَلَّ" بفتح الكاف واللام المشددة؛ أي: المنقطع، تريد: إنك تعينُ الضعيف. "وتُكْسِبُ المعدوم" يقال: كسب الرجلُ مالاً وأكسبتُه؛ أي: أعَنْتُه على كسبه، أو جعلته يكسبه، فإن كان من الأول فمعناه: إنك تصلُ إلى كلِّ معدوم وتناله، ولا يتعذَّر عليك لبعده. وإن كان من الثاني فمعناه: إنك تعطي الناس الشيء المعدوم عندهم وتُوصله إليهم، وهذا أولى؛ لأنه أشبه بما قبله من باب التفضيل والإنعام، إذ لا إنعام في أن يكسب هو لنفسه مالاً كان معدوماً عنده، وإنما الإنعام أن يُوْليه غيره. وقيل: المراد بالمعدوم الفقير الذي صار من شدة حاجته وغاية اضطراره كالمعدوم؛ أي: تعطيه. وفي رواية: "وتكسب المُعْدَمَ"؛ أي: تعطى العائل وتمنحه، قيل: وهو الأصوب؛ لأن المعدوم لا يدخل تحت الاختيار.

стр. 3138

وقيل: رواية (المعدوم) صحيحة اتساعاً، مبالغةً في العجز، كقولهم للبخيل أو للجبان: ليس بشيء وإنما ذُكرت لفظة الكسب؛ للاستعارة في زيادة السعي والجد. "وتقري الضيف"؛ أي: تُحسِن إليه. "وتعين على نوائب الحق": جمع نائبة، وهي ما ينوب الإنسان؛ أي: ينزل به من المهمات والحوادث؛ أي: تعين الملهوف على ما أصابه من النوائب. "ثم انطلقت به خديجة إلى ورقة بن نوفل": كان نصرانيًّا بمكة. "ابن عم خديجة فقالت له: يا ابن عم! اسمع من ابن أخيك، فقال له ورقة: يا ابن أخي" وهذا ليس على سبيل الحقيقة، بل للتعظيم والتبجيل. "ماذا ترى؟ فأخبره صلى الله تعالى عليه وسلم خبر ما رأى، فقال ورقة: هذا الناموس الذي أنزل الله تعالى على موسى" قيل: (الناموس): صاحب سرِّ الرجل الذي يُطلعه على باطن أمره ويخصُّه بما يستره عن غيره، والمراد: جبريل ﵊؛ لاختصاصه باطِّلاع الوحي والغيب. "يا ليتني فيها"؛ أي: في النبوة والدعوة. "جذعاً"؛ أي: شاباً، نصب بإضمار كان؛ أي: يا ليتني كنت شاباً باقياً وقت نبوتك ودعوتك، أو نصبٌ على الحال؛ أي: باقٍ فيها جذعاً، والأصل في الجذع: حديث السن. "ليتني أكون حياً إذ يخرجك قومك، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: أو مخرجيَّ هم؟ " قيل: الهمزة للاستفهام، والواو للعطف على مقدَّر؛ أي: أيكون ما قلتَ وهم مخرجيَّ، قوله: (هم) مبتدأ و (مخرجي) خبره قُدِّمَ عليه. "قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عُودِي" فعلٌ ماضٍ

стр. 3139

مجهولٌ من المعاداة، وفي بعضٍ: (إلا أُوذي). "وإن يدركني يومك" يريد به: زمان ظهور دعوته، أو زمانَ يعاديه فيه قومه ويريدون فيه إخراجه. "أنصرك نصراً مؤزراً" بالهمزة المفتوحة والزاء المعجمة المفتوحة قبل الراء المهملة؛ أي: نصراً بالغاً شديداً، من الأزر: القوة. "ثم لم يَنشَب"؛ أي: لم يلبث. "ورقة أن توفي"؛ أي: من أن توفي، حُذف عنه حرف الجر؛ يعني: لم يتعلق ورقة بشيء، ولم يشتغل بعدما تكلم بهذا إلا أياماً يسيره ثم قبض روحه. قيل: هو محكوم عليه بدخول الجنة؛ لأنه كان قائماً على دين عيسى ﵊، وآمن بدين نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم، يدل عليه قوله: (أنصرك). ولمَا روي: أنه ﷺ رآه بعد وفاته في ثياب بيض، وهو يدل على حسن حاله. "وفتر الوحي"؛ أي: انقطع مدة. "حتى حزن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فيما بلغنا" من الأحاديث الدالة على حزنه، وهذا معترِضٌ بين الفعل ومفعوله المطلق وهو: "حزناً غدا منه"؛ أي: ذهب من فتور الوحي "مراراً" وقيل: (عدا) بالعين المهملة؛ أي: جاوز. "كي يتردى"؛ أي: يسقط. "من رؤوس شواهق الجبال": جمع شاهق، وهو الجبل المرتفع. "فكلما أوفى"؛ أي: أشرف واطلع. "بذروة جبل" ذروة كل شيء: أعلاه. "لكي يلقي نفسه منه، تبدى"؛ أي: ظهر.

стр. 3140

"له جبريل" ﵊. "فقال: يا محمد! إنك رسول الله حقاً" مصدر مؤكِّدٌ للجملة السابقة، وهي قوله: (إنك رسول الله)، نُصِبَ بفعلٍ مضمر؛ أي: أحق هذا الكلام حقاً. "فيسكن لذلك جأشه"؛ أي: روع قلبه. "ويقر" من القرار؛ أي: يطمئن. "نفسه" ويزول روعه. * * * ٤٥٥٧ - عَنْ جَابرٍ ﵁: أَنَّهُ سَمعَ رَسُولَ الله ﷺ يُحدِّثُ عَنْ فَترةِ الوَحْي قَالَ: "فبَيْنا أَنا أمشِي إِذْ سَمِعْتُ صوتاً مِنَ السَّماءِ، فرفعتُ بَصَري، فإِذَا المَلَكُ الَّذي جَاءَنِي بحِراءٍ قاعِدٌ على كُرسِيٍّ بيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، فَجُئِثْتُ منهُ رُعْباً، حتَّى هَوَيْتُ إلى الأَرْضِ، فَجِئْتُ أَهْلِي فقُلتُ: زمِّلوني، زمِّلوني، فزمَّلُوني, فأنزَلَ الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ - إلى قوله -: ﴿فَاهْجُرْ﴾، ثُمَّ حَمِيَ الوَحْيُ وتَتَابَعَ". "عن جابر ﵁ أنه سمع النبي ﷺ يحدث عن فترة الوحي قال: فبينا أنا أمشي سمعت صوتاً من السماء، فرفعت بصري فإذا الملك الذي جاءني بحراء قاعدٌ على كرسي بين السماء والأرض، فجُئِثتُ" بهمزة بعد الجيم المضمومة؛ أي: فزعت. "منه رعباً" نصب على المصدر؛ أي: ممتلئاً رعباً، أَو على الحال؛ أي: مرعوباً كلَّ الرعب. "حتى هويت"؛ أي: سقطت. "إلى الأرض، فجئت أهلي فقلت: زمِّلوني، زمِّلوني، فزمَّلوني فأنزل الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ "؛ أي: أَعْلِم الناس بالتخويف من العذاب.

стр. 3141

"إلى قوله: ﴿فَاهْجُرْ﴾ [المدثر: ٥] ثم حمي الوحي وتتابع"؛ أي: اشتد نزوله متتابعاً متواتراً. * * * ٤٥٥٨ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂: أنَّ الحَارِثَ بن هِشامٍ ﵁ سَألَ رَسُول الله ﷺ فَقَال: يا رَسُوْلَ الله! كيفَ يأتِيكَ الوَحْيُ؟ فقالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أحْياناً يأْتِيني مِثْلَ صَلْصَلَةِ الجَرَسِ، وهوَ أَشَدُّهُ عَليَّ، فَيُفْصِمُ عنِّي وقدْ وَعَيْتُ عنهُ ما قَالَ، وأحْياناً يَتمثَّلُ لي المَلَكُ رجُلاً فيُكلِّمُني فأعِي ما يقولُ"، قالت عَائِشَةُ ﵂: ولقدْ رأيتُهُ يَنزِلُ عليهِ الوَحْيُ في اليومِ الشَّديدِ البرْدِ، فيَفْصِمُ عَنهُ وإنَّ جَبينَهُ ليَتَفَصَّدُ عَرَقاً. "عن عائشة ﵂ أن الحارث بن هشام سأل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! كيف يأتيك الوحي؟ "، (كيف) سؤالٌ عن الحال. "فقال النبي ﷺ : أحياناً" جمع (حين)، نصب على الظرفية. "يأتيني مثل صلصلة الجرس"؛ أي: صوته إذا حرِّك، وهذه الصلصلةُ كانت من ضرب أجنحة الملك الذي كان يهبط إليه. قال الخطابي: يريد -والله أعلم- أنه صوتٌ متدارِكٌ يسمعه ولا يثبته عند أول ما يقرع سمعه حتى يتفهم فيتلقَّفه ويعيه، ولذا قال: "وهو أَشَدُّه"؛ أي: إتيانه إياي مثلَ صلصلة الجرس أشدُّ نوعي الوحي "عليَّ، فيَفْصِمُ عني"؛ أي: ينقطع الوحي عني "وقد وعيت عنه"؛ أي: حفظت "ما قال". وإنما حقَّق الوحيَ في هذا النوع بحرف (قد)؛ لبعد الوحي في هذه الحال لصعوبته وعسره فيها.

стр. 3142

"وأحياناً يتمثل لي الملك رجلاً فيكلمني فأعي"؛ أي: فأحفظ "ما يقول" وإنما لم يقل فيه لفظة (قد)؛ لسهولته ويسره. قيل: وقد يكون الوحي بالكلام، ولا يتأتى ذلك إلا بواسطة ملك يتمثَّل في صورة بشر كجبريل تمثَّل في صورة دحية الكلبي. وقد يكون بالرمز والإشارة والكتابة كما قال الله تبارك: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾ [مريم: ١١]، قيل: معناه: أشار، وقيل: كتب. وقد يكون بالإلهام كقوله تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القصص: ٧]. وقد يكون بالتسخير كقوله تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ [النحل: ٦٨]. وقد يكون بالرؤيا، قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: "انقطع الوحي وبقيت المبشِّرات"؛ أي: رؤيا المؤمن. والثلاثة الأخيرة لا تختص بالأنبياء، بل قد تكون للأولياء أيضاً. "قالت عائشة - رضي الله تعالى عنها -: ولقد رأيته ينزل عليه الوحيُ في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه"؛ أي: جبهته. "ليتفصَّد"؛ أي: ليتصبَّب ويسيل. "عرقاً" نصبٌ على التمييز. * * * ٤٥٥٩ - عَنْ عُبَادَةَ بن الصَّامِتِ ﵁ قَالَ: كانَ النَّبيّ ﷺ إِذَا أُنزِلَ عَلَيهِ الوَحْيُ كُرِبَ لِذلِكَ وَتَرَبَّدَ وجْهُهُ. وفي رِوَايةٍ: نَكَسَ رأسَهُ، ونَكَسَ أَصْحَابُهُ رؤسَهُمْ، فلمَّا سُرِّيَ عنهُ رَفَعَ رأسَهُ.

стр. 3143

"عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا نزل عليه الوحي كُرِبَ لذلك"، أي: لنزول الوحي عليه، والكرب: هو الغم الذي يأخذ بالنفس. "وتربَّد وجهه"؛ أي: تلوَّن وتغيَّر فصار كلون الرماد. يحتمل أنه ﷺ كان يهتمُّ بأمر الوحي اهتماماً شديداً، ويهابُ مما يطالَبُ به من حقوق العبودية والقيام بشكر المنعِم، ويخشى على عصاة الأمة أن ينالهم غضبٌ من الله تعالى، فيأخذه الغمُّ حتى يعلم ما يقضى. "وفي رواية: نكس رأسه"؛ أي: نظر إلى الأرض كالمتفكِّر تعظيماً للوحي وإجلالاً له. "ونكس أصحابه رؤوسهم" موافقةً له صلى الله تعالى عليه وسلم في ذلك. "فلما أُتْلِيَ عنه"؛ أي: قطع عنه "الوحي رفع رأسه". * * * ٤٥٦٠ - عَنِ ابن عبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لمَّا نَزلَت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ خَرَجَ النَّبيُّ ﷺ حتَّى صَعِدَ الصَّفا، فَجَعَلَ يُنادِي: "يا بني فِهْرٍ! يا بني عَدِيّ! "، لبُطونِ قُريشٍ، حتَّى اجتمعُوا، فجَعَلَ الرَّجُلُ إذا لمْ يستطِعْ أن يَخرجَ أَرْسَلَ رَسُولاً لِينظُرَ ما هوَ، فجَاءَ أبو لَهَبٍ وقُريشٌ، فقال: "أرأيتُمْ إنْ أخبرتُكُمْ أنَّ خَيْلاً تخرُجُ منْ سَفْحِ هذا الجَبلِ - وفي رِوَايةٍ: أنَّ خَيْلاً تخرجُ بالوادِي تُريدُ أنْ تُغيرَ عليكُم - أكُنتُمْ مُصَدِّقيَّ؟ "، قالوا: نَعَمْ، مَا جرَّبنا عليكَ إلَّا صِدقاً، قَالَ: "فإنِّي نَذِيرٌ لَكُمْ بيْنَ يَدَيْ عذابٍ شَدِيدٍ"، قَالَ أبو لَهَبٍ: تبًّا لكَ، ألِهذا جَمعْتَنا؟ فنزلَتْ: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾. "عن ابن عباس ﵄: لما نزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ [الشعراء: ٢١٤]

стр. 3144

خرج النبي ﷺ حتى صعد الصفا فجعل"؛ أي: طفق "ينادي: يا بني فهرٍ" بكسر الفاء وسكون الهاء: أبو قبيلة من قريش، وهو فهر بن مالك بن النضر بن كنانة. "يا بني عدي" وهو عدي بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر. "لبطون قريش": جمع بطن، وهو دون القبيلة. "حتى اجتمعوا، فجعل الرجل إذا لم يستطع أن يخرج أرسل رسولاً لينظر ما هو، فجاء أبو لهب وقريشٌ، فقال"؛ أي: النبي ﷺ : "أرأيتم"؛ أي: أخبروني. "إن أخبرتكم"؛ أي: أعلمتكم. "أن خيلاً"؛ أي: فرساناً. "تخرج من صفح هذا الجبل"؛ أي: من جانبه وناحيته. "وفي رواية: أن خيلاً تخرج بالوادي تريد أن تُغِير عليكم أكنتم مصدِّقيَّ؟ "؛ أي: هل أنتم تصدقونني أم لا؟. "قالوا: نعم ما جرَّبنا عليك إلا صدقاً، قال: فإني نذير"؛ أي: منذر. "لكم بين يدي"؛ أي: قدام. "عذاب شديد" إما في الدنيا، أو في الآخرة. "قال أبو لهب" للنبي ﷺ : "تباً لك"؛ أي: خسراناً وهلاكاً لك. "ألهذا جمعتنا"؛ أي: لأجل هذا دعوتنا، وروي أنه أخذ حجراً ليرميه بها. "فنزلت: ﴿تَبَّتْ﴾ "؛ أي: خسرت وهلكت.

стр. 3145

﴿يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ عبَّر باليد عن نفسه مجازاً إطلاقاً للجزء على الكل، أو اليد زائدة. ﴿وَتَبَّ﴾ تأكيد للأول. * * * ٤٥٦١ - عَنْ عبدِ الله بن مسعودٍ ﵁ قَالَ: بَيْنما رَسُولُ الله ﷺ يُصلِّي عِندَ الكَعبةِ، وجَمْعُ قُريشٍ في مَجالِسِهِمْ، إذْ قالَ قائِلٌ: أيُّكُمْ يقومُ إِلى جَزورِ آلِ فُلانٍ فيَعْمِدُ إلى فَرْثِها ودَمِها وسَلاها، ثُمَّ يُمْهلُهُ حتَّى إذا سجدَ وضعَهُ بينَ كتِفَيْهِ؟ فانبعَثَ أَشْقَاهُمْ، فلمَّا سَجدَ وَضَعَهُ بينَ كتِفَيْهِ، وثَبَتَ النَّبيّ ﷺ سَاجِداً، فضَحِكوا حتَّى مَالَ بعضُهم على بَعضٍ مِنَ الضَّحِكِ، فانطلقَ مُنطلِقٌ إلى فَاطِمةَ ﵂ فأخبَرَهَا، فأقبلَتْ تسعَى، وثَبَتَ النبيُّ ﷺ سَاجِداً حتَّى ألقَتْهُ عنهُ، وأقبَلَتْ عَليهِمْ تسُبُّهُمْ، فلمَّا قضَى رَسُولُ الله ﷺ الصَّلاةَ قَالَ: "اللهمَّ! عليكَ بقريشٍ"، ثلاثاً - وكانَ إذا دَعا دَعا ثلاثاً، وإذا سألَ سألَ ثلاثاً - اللهمَّ! عليكَ بعَمرِو بن هِشامٍ، وعُتبةَ بن رَبيعةَ، وشَيْبَةَ بن رَبيعةَ، والوليدِ بن عُتْبةَ، وأُميَّةَ بن خَلَفٍ، وعُقْبَةَ بن أبي مُعَيْطٍ، وعُمَارةَ بن الوَليدِ"، قَالَ عبدُ الله: فوَالله لَقَدْ رَأيتُهُمْ صَرْعَى يومَ بَدْرٍ، ثُمَّ سُحِبوا إلى القَلِيبِ قَلِيبِ بَدْرٍ، ثُمَّ قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "وأُتبعَ أَصْحابُ القَلِيبِ لَعنةً". "عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: بينما رسول الله ﷺ قائماً يصلي عند الكعبة وجمعُ قريش في مجالسهم، إذ قال قائل: أيكم يقوم إلى جزور آل فلانٍ" بفتح الجيم وضم الزاء المعجمة قبل المهملة، وهو من الإبل يقع على الذكر والأنثى. "فيعمد"؛ أي: يقصد.

стр. 3146

"إلى فرثها" وهو السرجين ما دام في الكرش. "ودمها وسَلَاها" بفتح السين بالقصر، وهو جلدٌ رقيق يكون فيه الولد من المواشي، فإذا انقطع في البطن هلكت الناقة والولد. "ثم يمهله حتى إذا سجد وضعه بين كتفيه، فانبعث أشقاهم"؛ أي: ذهب أشقى كفار قريش، قيل: هو أبو جهل، وقيل: عقبة بن أبي معيط، جاء بسلا جزور "فلما سجد وضعه بين كتفيه، وثبت النبي ﵊ ساجداً" وإنما ثبت النبي ﷺ ساجداً في الصلاة؛ لأن هذا الصنيع منهم كان قبل تحريم هذه الأشياء من الفرث والدم وذبيحة أهل الشرك، فلم تكن تبطل الصلاة بها. "فضحكوا حتى مال بعضهم إلى بعض من الضحك، فانطلق منطلقٌ إلى فاطمة فأخبرها، فأقبلت تسعى وثبت النبي ﷺ ساجداً حتى ألقته عنه وأقبلت عليهم تسبهم، فلما قضى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الصلاة قال: اللهم عليك بقريش" الباء زائدة، و (عليك) اسم فعل بمعنى: خذ؛ أي: خذهم مقهورين واستأصِلْهم. "ثلاثاً، وكان إذا دعا دعا ثلاثاً وإذا سأل سأل ثلاثاً: اللهم عليك بعمرو ابن هشام وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة وأمية بن خلف وعقبة ابن أبي معيط وعمارة بن الوليد، قال عبد الله ﵁: فوالله لقد رأيتهم صرعى": جمع صراع، أو صريع، نصب على الحال من الضمير المنصوب في (رأيتهم). "يوم بدر ثم سحبوا"؛ أي: جرُّوا. "إلى القليب" وهو البئر قبل أن تُطْوى. "قليب بدر، ثم قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: وأُتبعَ أصحاب القليب لعنة"؛ يعني: لحقتهم اللعنة. * * *

стр. 3147

٤٥٦٢ - عن عَائِشَةَ ﵂ أَنَّها قَالَتْ: يا رَسُولَ الله! هلْ أتَى عَلَيكَ يَومٌ كانَ أَشَدَّ مِنْ يومِ أُحُدٍ؟ قَال: "لقدْ لَقيتُ منْ قومِكِ، وكانَ أشدَّ ما لَقيتُ منهُمْ يومَ العَقَبةِ، إِذْ عَرَضْتُ نفسِي على ابن عبدِ يالِيلَ بن عبدِ كُلالٍ فلمْ يُجِبني إلى مَا أردْتُ، فانطلقتُ وأنا مَهمومٌ على وجْهِي، فلمْ أستَفِق إلَّا بقَرْنِ الثَّعالِبِ، فرفعتُ رأسِي فإذا أنا بسَحابَةٍ قدْ أظلَّتْنِي، فنظَرْتُ فإذا فيها جِبريلُ، فنادَانِي فَقَال: إنَّ الله سَمِعَ قولَ قومِكَ وما ردُّوا عليكَ، وقدْ بعثَ إليكَ مَلَكَ الجِبالِ لِتأْمُرَهُ بما شِئْتَ فيهِمْ"، قَالَ: "فَنَادَانِي مَلَكُ الجِبالِ وسلَّمَ عليَّ، ثمَّ قالَ: يا مُحَمَّدُ! إنَّ الله قدْ سَمِعَ قولَ قومِكَ، وأنا مَلَكُ الجِبالِ، وقدْ بَعَثنِي ربُّكَ إليكَ لِتأْمُرَني بأمْرِكَ، إنْ شِئْتَ أنْ أُطْبقَ عليهِمُ الأخشَبَيْنِ"، فقالَ رَسُولُ الله ﷺ : "بلْ أرجُو أنْ يُخرِجَ الله منْ أصْلابهِمْ مَنْ يعبُدُ الله وحْدَهُ لا يُشرِكُ بهِ شَيئاً". "عن عائشة ﵂ أنها قالت: يا رسول الله! هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟ فقال: لقد لقيت من قومك" بحذف المفعول؛ أي: ما هو أشد من يوم أحد. "وكان أشدُّ ما لقيت منهم" بحذف خبر (كان)؛ أي: ما لقيتُ "يومَ العقبة" وهي التي يضاف إليها الجمرة موضعٌ بمكة، وكان ﷺ وقف يوماً عند العقبة في الموسم يدعو القبائل من العرب إلى الإسلام، فأبوا فاشتد ذلك عليه. "إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن كُلالٍ، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم"؛ أي: كأني مَغْشيٌّ عليه. "على وجهي" متعلق بـ (انطلقت)، وكان ذلك بعد وفاة عمه أبي طالب، وكان أبو طالب ينصره على كفار قريش، فلما مات كان الكفار يؤذونه ﷺ ، فخرج إلى الطائف يدعو ثقيفاً إلى الله فأبوا ذلك، فلما يئس منهم قدم مكة ووجد الكفار أشدَّ مما كانوا عليه من إيذائه ﷺ ومخالفته، إلا شرذمة قليلين آمنوا بالله وصدقوه.

стр. 3148

فلما أراد الله إظهار دينه ونصرة نبيه ذهب إلى الموسم فأجاب رهط من الخزرج أراد الله بهم الخير بما دعاهم إليه وقبلوا منه الإسلام، ثم رجعوا إلى بلادهم فدعوا قومهم إلى الإسلام، فأجابوهم إليه حتى فشا فيهم الإسلام، حتى إذا كان العام المقبل فوصل إلى رسول الله ﷺ اثنا عشر رجلاً منهم بالعقبة، فبايعوه على بيعة النساء، وهو أن لا يشركوا بالله شيئاً ولا يسرقوا ولا يزنوا ... إلخ. "فلم أستفق"؛ أي: لم يزل عني ذلك الغم والحيرة. "إلا بقرن الثعالب" جبل بين مكة والطائف، والباء بمعنى (في). "فرفعت رأسي فإذا أنا" (إذا) للمفاجأة. "بسحابةٍ قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني فقال: إن الله سمع قول قومك وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، قال: فناداني ملك الجبال فسلَّم عليَّ، ثم قال: يا محمد! إن الله قد سمع قول قومك، وأنا ملكُ الجبال، وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك إن شئت أن أطبق عليهم" من الإطباق، وهو جعل الشيء فوق الشيء محيطاً بجميع جوانبه. "الأخشبين" قيل: أخشبا مكة جبلان مُطْبقان بمكة، وهما أبو قبيس والأحمر، قيل: تارةً يضافان إلى مكة، ومرة إلى منى، وكلُّ جبل خشنٍ عظيمٍ فهو أخشب. "فقال رسول الله ﷺ : بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئاً". * * *

стр. 3149

٤٥٦٣ - عن أَنَسٍ ﵁: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ كُسِرَتْ رَباعِيَتُهُ يومَ أُحُدٍ وشُجَّ في رأسِهِ، فجَعلَ يَسْلُتُ الدمَ عنهُ ويقولُ: "كيفَ يُفلِحُ قومٌ شَجُّوا نبيَّهُمْ وكَسَروا رَباعِيَتَهُ؟! ". "عن أنس ﵁: أن رسول الله ﷺ كسرت رباعيته" بفتح الراء وتخفيف الباء؛ أي: سنُّه التي بين الثنية والناب. "يوم أحد" جبل بالمدينة. "وشج في رأسه"؛ أي: كسر رأسه. "فجعل يَسْلُتُ الدمَ عنه"، أي: يزيله ويمسحه. "ويقول: كيف يفلح"؛ أي: يظفر ويفوز. "قوم شجوا رأس نبيهم، وكسروا رباعيته". * * * ٤٥٦٤ - وعَنْ أَبي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "اشتدَّ غضَبُ الله على قَوْمٍ فعلُوا بنبيهِ - يُشيرُ إلى رَباعِيَتِهِ - اشتَدَّ غضَبُ الله على رَجُلٍ يَقْتُلُهُ رَسُولُ الله في سَبيلِ الله". "عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : اشتد غضب الله على قوم فعلوا بنبيه - ويشير إلى رباعيته - اشتد غضب الله على رجل" - وهو أبي بن خلف - "يقتله رسول الله في سبيل الله" وفيه إشعار بأن مَن يقتله من هو رحمةٌ للعالمين لم يكن إلا أشقى الناس. * * * مِنَ الحِسَان: ٤٥٦٥ - عَنْ جَابرٍ ﵁، عَنْ رَسُولِ الله ﷺ : "أُذِنَ لِيْ أَنْ أُحَدِّثَ عنْ

стр. 3150

مَلَكٍ مِنْ مَلائِكةِ الله مِنْ حَمَلَةِ العَرْشِ، إِنَّ مَا بَيْنَ شَحْمَةِ أُذُنِيْهِ إِلى عاتِقِهِ مَسيرةُ سَبْعِ مِئَةِ عامٍ". "عن جابر ﵁ عن رسول الله ﷺ : أذن لي أن أحدث عن ملك من ملائكة الله تعالى من حملة العرش، إن ما بين شحمة أذنيه إلى عاتقه مسيرة سبع مئة عام". * * * ٥ - باب علامات النبوة (باب علامات النبوة) مِنَ الصِّحَاحِ: ٤٥٦٦ - قَالَ أَنَسٍ ﵁: إنَّ رَسُولَ الله ﷺ أَتاهُ جِبريلُ وهوَ يَلعبُ معَ الغِلْمانِ، فأخذَهُ فصَرَعَهُ، فشَقَّ عنْ قلبهِ، فاستخْرَجَ منهُ عَلَقةً فقال: "هَذَا حَظُّ الشَّيطانِ مِنْكَ"، ثُمَّ غَسَلهُ في طَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ بماءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ لأَمَهُ وأَعادَهُ في مَكانِهِ، وجَاءَ الغِلْمانُ يَسْعَوْنَ إلى أُمِّهِ - يعني: ظِئْرَهُ - فقالوا: إنَّ مُحَمَّداً قد قُتِلَ، فاستقبَلُوه وهوَ مُنْتَقِعُ اللَّونِ، قالَ أَنَسٌ ﵁: فكنْتُ أرَى أثرَ ذلك المِخْيَطِ في صَدرِه. "من الصحاح": " قال أنس ﵁: إن رسول الله ﵊ أتاه جبريل وهو يلعب مع الغلمان فأخذه فصرعه"؛ أي: ألقاه "فشق عن قلبه فاستخرج"؛ أي: أخرج "منه علقة" وهي دم غليظ. قيل في سبب الشق: إن الله تعالى أراد أن يقدس قلبه وينوِّره بأنوار ألطاف جلاله تحصيلاً لكمال الاستعداد حالةَ الطفولية، وتهييئاً لقبول الوحي القديم السماوي، فتصير نفسه قدسيةً ملكوتيةً؛ لكونها منقادةً للقلب فكانت قابلةً

стр. 3151

للأنوار الإلهية التي جعلت في القلب، فأرسل إليه جبريل حتى شق صدره فأخرج منه علقة، وهي التي تكون أمَّ المفاسد والمعاصي في الإنسان. "فقال: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله في طستٍ من ذهب بماء زمزم ثم لأَمَه" بالمد أو القصر؛ أي: جمعه، يقال: لأمتُ الجرح والصدغ: إذا شددته وسوَّيته وأصلحته. "وأعاده إلى مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمه، يعني ظئره" حليمة. "فقالوا: إن محمداً قد قتل، فاستقبلوه وهو منتقع اللون"؛ أي: متغير اللون، يقال: انتقع لونه: إذا تغير من حزن أو فزع. "قال أنس: فكنت أرى أثر المِخيط" بكسر الميم وسكون الخاء المعجمة؛ أي: الإبرة "في صدره". * * * ٤٥٦٧ - وعن جَابرِ بن سَمُرة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إنِّي لأَعرِفُ حَجَراً بمكَّةَ كانَ يُسَلِّمُ عليَّ قبلَ أنْ أُبعَثَ، إنِّي لأَعرِفُهُ الآن". "عن جابر بن سمرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : إني لأعرف حجراً بمكة" قيل: إنه الحجر الأسود، وقيل: غيره. "كان يسلِّم عليَّ قبل أن أبعث إني لأعرفه الآن" قيل: تسليم الحجر مجازٌ معناه: كان يشاهد منه أنه لو كان ناطقاً يشهد بنبوته ويسلِّم عليه. وقيل: حقيقي بأن يخلق الله فيه حياة ونطقاً معجزةً للنبي ﷺ ، كما أن إحياء الموتى معجزةٌ لعيسى ﵇، بل إحياءُ الجماد أقوى، وإنما قيَّد بقوله: (قبل أن أبعث) لأن كل الأحجار كان يسلِّم على النبي ﵊ بعد كونه مبعوثاً؛ لمَا روي عن علي ﵁ أنه قال: كنَّا بمكة، فخرجنا مع

стр. 3152

رسول الله ﷺ إلى بعض نواحيها فلم نمرَّ بشجرة ولا حجر إلا قال: السلام عليك يا رسول الله. * * * ٤٥٦٨ - وقَالَ أَنَسٌ ﵁: إِنَّ أهْلَ مكَّةَ سَألُوا رَسُولَ الله ﷺ أنْ يُريَهُمْ آيةً، فأرَاهُمْ القَمرَ شِقَّتَيْنِ، حتَّى رأَوْا حِراءَ بينهُما. "وقال أنس ﵁: إن أهل مكة"؛ يعني: كفار قريش. "سألوا رسول الله ﷺ أن يريهم آية"؛ أي: ما يدل على نبوته في خرق العادة. "فأراهم القمر شقين" بإشارته إليه. "حتى رأوا حراء"؛ أي: جبل حراء. "بينهما"؛ أي: بين الشقين، قيل: وقد أنكر جمعٌ حديثَ شقِّ القمر بأنه لو صح لتناقلته العوام وأهل السير والتواريخ في كتبهم. وأجيب: بأنه طلبه منه ﷺ قوم خاصٌّ كما حكاه أنس ﵁، فأراهم ذلك ليلاً وأكثرُ الناس نيام ومُستكنُّون بالأبنية، والأيقاظ في البوادي والصحارى قد يتفق اشتغالهم في ذلك الوقت، وقد يُكسف القمر فلا يشعر به كثير من الناس، على أن ذلك كان في قَدْرِ لحظة، ولو دامت هذه الآية حتى يشترك فيها الكل، ثم لم يؤمنوا؛ لاستؤصلوا بالهلاك. والعجب من المنكر أن يخالف النص الصريح، وهو قوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر:١ - ٢]. * * *

стр. 3153

٤٥٦٩ - وقَالَ ابن مَسْعُودٍ ﵁: انشقَّ القَمرُ على عهْدِ رَسُولِ الله ﷺ فِرقتَيْنِ: فِرْقَةً فوقَ الجبَلِ، وفِرْقَةً دُونه، فقالَ رَسُولُ الله ﷺ "اشْهَدُوا". "وقال ابن مسعود ﵁: انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ فرقتين: فرقة فوق الجبل وفرقة دونه" يريد أنهما تباينا: إحداهما إلى جهة العلو، والأخرى إلى جهة السفل. "فقال رسول الله ﷺ : اشهدوا"؛ أي: على نبوَّتي ومعجزتي، وقيل: معناه احضروا وانظروا. * * * ٤٥٧٠ - عَنْ أَبي هُريْرَةَ ﵁ قَالَ: قالَ أبو جَهْلٍ: هلْ يُعَفِّرُ مُحَمَّدٌ وجْهَهُ بَيْنَ أظهُرِكُمْ؟ فقيلَ: نعمْ، فقالَ: واللَّاتِ والعُزَّى، لَئِنْ رأيتُهُ يفعلُ ذلكَ لأَطأنَّ على رَقَبَتِهِ، فأتَى رَسُوْلَ الله ﷺ وهوَ يُصلِّي، زَعَمَ لِيَطأَ على رَقبَتهِ، فما فَجِئَهُمْ منهُ إِلَّا وهوَ يَنْكِصُ على عَقِبَيْهِ ويَتَّقي بيدَيْهِ، فقيلَ لهُ: ما لكَ؟ فقَالَ: إنَّ بينِي وبينَهُ لخَندقاً منْ نارٍ وهَوْلاً وأجنِحةً، فقالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لوْ دَنا مِنِّي لاخْتَطَفَتْهُ المَلائِكَةُ عُضْواً عُضْواً". "عن أبي هريرة ﵁ قال: قال أبو جهل: هل يعفِّر محمدٌ وجهه"؛ أي: هل يسجد لمعبوده "بين أظهركم؛ "؛ أي: بينكم، تعفير الوجه كناية عن الصلاة. "فقيل: نعم، فقال" أبو جهل. "واللات" وهو اسم صنم بالطائف. "والعزى" اسم شجرة كانت لغطفان يعبدونها. "لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته، فأتى رسولَ الله ﷺ وهو يصلي،

стр. 3154

زعم"؛ أي: قصد أبو جهل "ليطأ" بكسر اللام؛ أي: ليضع رجله "على رقبته" وفي بعض النسخ بالفتح لام تأكيد، و (زعم) جملة حالية. "فما فَجِئهم"؛ أي: فما أتى قومه فجأة. "منه"؛ أي: من النبي ﷺ ، أو من إتيانه إليه. "إلا وهو ينكص" بكسر الكاف؛ أي: يرجع القهقرى. "على عقبيه"؛ أي: على مؤخَّر قدميه. "ويتقي بيديه"؛ أي: يحترز بهما. "فقيل له: ما لك؟ "؛ أي: أيُّ شيء لك؟ (ما) هذه استفهامية. "فقال: إن بيني وبينه لخندقاً من نارٍ وهولاً"؛ أي: خوفاً وأمراً شديداً. "وأجنحة"؛ أي: أجنحة الملائكة. "فقال رسول الله ﷺ : لو دنى"؛ أي: لو قَرُبَ أبو جهل "مني لاختطفته الملائكة"؛ أي: لاستلبته "عضواً عضواً". * * * ٤٥٧١ - وقَالَ عَدِيُّ بن حَاتِمٍ ﵁: بَيْنا أنا عندَ النَّبيِّ ﷺ إذْ أتاهُ رَجُلٌ فشَكا إليهِ الفَاقَةَ، ثُمَّ أتاهُ آخرُ فشَكا إليهِ قَطْعَ السَّبيلِ، فَقَالَ: "يا عَدِيُّ! هلْ رأيتَ الحِيرَةَ؟ "، قَالَ: نَعَم، قَالَ: "فإنْ طَالَتْ بِكَ حَياةٌ فلَتَرَيَنَّ الظَّعينَةَ تَرْتحِلُ مِنَ الحِيرَةِ حتَّى تَطوفَ بالكَعْبةِ لا تَخَافُ أَحَداً إلَّا الله، ولَئنْ طَالَتْ بكَ حَياةٌ لتُفْتَحنَّ كُنوزُ كِسْرَى، ولَئنْ طَالَتْ بِكَ حياةٌ لَتَرَيَنَّ الرَّجُلَ يُخرِجُ مِلْءَ كفِّهِ منْ ذهَبٍ أو فِضّةٍ، يَطلُبُ مَنْ يَقبَلُهُ منهُ فلا يَجِدُ أحداً يَقبَلُهُ منهُ، ولَيلقَيَنَّ الله أحدُكُمْ يومَ يَلقاهْ وليسَ بينَهُ وبينَهُ تَرْجُمانٌ يُترجِمُ لهُ، فلَيقولَنَّ: أَلَمْ أبعَثْ إِليْكَ رَسُولاً

стр. 3155

فيُبلِّغَكَ؟ فيقولُ: بلَى، فيقولُ: ألَمْ أُعطِكَ مالاً وأُفْضلْ عليكَ؟ فيقولُ: بلَى، فيَنظُرُ عنْ يَمينِهِ فلا يرَى إلَّا جهنَّمَ، وينظُرُ عنْ يَسارِهِ فلا يرَى إلَّا جهنَّمَ، فاتَّقُوا النَّارَ ولوْ بشِقِّ تَمْرةٍ، فمَنْ لمْ يَجِدْ فبكلمةٍ طيبةٍ". قالَ عَدِيٌّ: فرأيتُ الظَّعينَة تَرْتحِلُ مِنَ الحِيرَةِ حتَّى تَطوفَ بالكعبةِ لا تخافُ إلَّا الله، وكنتُ فيمَنْ افتتحَ كُنوزَ كِسْرَى بن هُرْمُزَ، ولَئنْ طالَتْ بكُم حَياةٌ لَتَرَوُنَّ ما قالَ النَّبيّ أبو القَاسِمِ ﷺ : يُخرِجُ مِلْءَ كفِّهِ. "وقال عدي بن حاتم: بينا أنا عند النبي ﷺ إذ أتاه رجل فشكى إليه الفاقة" وهي الفقر والحاجة (١). "ثم أتاه آخر فشكى إليه قطع السبيل"؛ يعني: عَدَمَ أمن الطريق. "فقال: يا عدي هل رأيت الحيرة؟ " بكسر الحاء: بلد قديم بظهر الكوفة، ومحلَّةٌ معروفة بنيسابور. "فإن طالت بك حياة فلترين الظعينة" وهي المرأة التي في الهودج. "ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحداً إلا الله"؛ يعني: إن طال عمرك ترى أمن الطريق بحيث تذهب المرأة من الحيرة إلى مكة قاصدةً إلى البيت آمنةً غير خائفة سوى الله تعالى. "ولئن طالت بك حياة لتُفتحَنَّ كنوز كسرى": جمع كنز، وهو المال المدفون، و (كسرى) بكسر الكاف وفتحها: لقب ملوك الفرس. "ولئن طالت بك حياة لترين الرجل يُخرج ملْءَ كفه من ذهب، أو فضة يطلب من يقبله منه فلا يجد أحداً يقبله منه"؛ يعني: ترى الغنى والسعة بين الناس بحيث لا يوجد فقير يقبل شيئاً من الأغنياء.
следующие страницы →