← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17791

شرح المصابيح لابن الملك

ابن الملك

Полный текст (3 421 стр.). Показаны 3151–3190 · переход к 3156.

стр. 3151

للأنوار الإلهية التي جعلت في القلب، فأرسل إليه جبريل حتى شق صدره فأخرج منه علقة، وهي التي تكون أمَّ المفاسد والمعاصي في الإنسان. "فقال: هذا حظ الشيطان منك، ثم غسله في طستٍ من ذهب بماء زمزم ثم لأَمَه" بالمد أو القصر؛ أي: جمعه، يقال: لأمتُ الجرح والصدغ: إذا شددته وسوَّيته وأصلحته. "وأعاده إلى مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمه، يعني ظئره" حليمة. "فقالوا: إن محمداً قد قتل، فاستقبلوه وهو منتقع اللون"؛ أي: متغير اللون، يقال: انتقع لونه: إذا تغير من حزن أو فزع. "قال أنس: فكنت أرى أثر المِخيط" بكسر الميم وسكون الخاء المعجمة؛ أي: الإبرة "في صدره". * * * ٤٥٦٧ - وعن جَابرِ بن سَمُرة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إنِّي لأَعرِفُ حَجَراً بمكَّةَ كانَ يُسَلِّمُ عليَّ قبلَ أنْ أُبعَثَ، إنِّي لأَعرِفُهُ الآن". "عن جابر بن سمرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : إني لأعرف حجراً بمكة" قيل: إنه الحجر الأسود، وقيل: غيره. "كان يسلِّم عليَّ قبل أن أبعث إني لأعرفه الآن" قيل: تسليم الحجر مجازٌ معناه: كان يشاهد منه أنه لو كان ناطقاً يشهد بنبوته ويسلِّم عليه. وقيل: حقيقي بأن يخلق الله فيه حياة ونطقاً معجزةً للنبي ﷺ ، كما أن إحياء الموتى معجزةٌ لعيسى ﵇، بل إحياءُ الجماد أقوى، وإنما قيَّد بقوله: (قبل أن أبعث) لأن كل الأحجار كان يسلِّم على النبي ﵊ بعد كونه مبعوثاً؛ لمَا روي عن علي ﵁ أنه قال: كنَّا بمكة، فخرجنا مع

стр. 3152

رسول الله ﷺ إلى بعض نواحيها فلم نمرَّ بشجرة ولا حجر إلا قال: السلام عليك يا رسول الله. * * * ٤٥٦٨ - وقَالَ أَنَسٌ ﵁: إِنَّ أهْلَ مكَّةَ سَألُوا رَسُولَ الله ﷺ أنْ يُريَهُمْ آيةً، فأرَاهُمْ القَمرَ شِقَّتَيْنِ، حتَّى رأَوْا حِراءَ بينهُما. "وقال أنس ﵁: إن أهل مكة"؛ يعني: كفار قريش. "سألوا رسول الله ﷺ أن يريهم آية"؛ أي: ما يدل على نبوته في خرق العادة. "فأراهم القمر شقين" بإشارته إليه. "حتى رأوا حراء"؛ أي: جبل حراء. "بينهما"؛ أي: بين الشقين، قيل: وقد أنكر جمعٌ حديثَ شقِّ القمر بأنه لو صح لتناقلته العوام وأهل السير والتواريخ في كتبهم. وأجيب: بأنه طلبه منه ﷺ قوم خاصٌّ كما حكاه أنس ﵁، فأراهم ذلك ليلاً وأكثرُ الناس نيام ومُستكنُّون بالأبنية، والأيقاظ في البوادي والصحارى قد يتفق اشتغالهم في ذلك الوقت، وقد يُكسف القمر فلا يشعر به كثير من الناس، على أن ذلك كان في قَدْرِ لحظة، ولو دامت هذه الآية حتى يشترك فيها الكل، ثم لم يؤمنوا؛ لاستؤصلوا بالهلاك. والعجب من المنكر أن يخالف النص الصريح، وهو قوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ﴾ [القمر:١ - ٢]. * * *

стр. 3153

٤٥٦٩ - وقَالَ ابن مَسْعُودٍ ﵁: انشقَّ القَمرُ على عهْدِ رَسُولِ الله ﷺ فِرقتَيْنِ: فِرْقَةً فوقَ الجبَلِ، وفِرْقَةً دُونه، فقالَ رَسُولُ الله ﷺ "اشْهَدُوا". "وقال ابن مسعود ﵁: انشق القمر على عهد رسول الله ﷺ فرقتين: فرقة فوق الجبل وفرقة دونه" يريد أنهما تباينا: إحداهما إلى جهة العلو، والأخرى إلى جهة السفل. "فقال رسول الله ﷺ : اشهدوا"؛ أي: على نبوَّتي ومعجزتي، وقيل: معناه احضروا وانظروا. * * * ٤٥٧٠ - عَنْ أَبي هُريْرَةَ ﵁ قَالَ: قالَ أبو جَهْلٍ: هلْ يُعَفِّرُ مُحَمَّدٌ وجْهَهُ بَيْنَ أظهُرِكُمْ؟ فقيلَ: نعمْ، فقالَ: واللَّاتِ والعُزَّى، لَئِنْ رأيتُهُ يفعلُ ذلكَ لأَطأنَّ على رَقَبَتِهِ، فأتَى رَسُوْلَ الله ﷺ وهوَ يُصلِّي، زَعَمَ لِيَطأَ على رَقبَتهِ، فما فَجِئَهُمْ منهُ إِلَّا وهوَ يَنْكِصُ على عَقِبَيْهِ ويَتَّقي بيدَيْهِ، فقيلَ لهُ: ما لكَ؟ فقَالَ: إنَّ بينِي وبينَهُ لخَندقاً منْ نارٍ وهَوْلاً وأجنِحةً، فقالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لوْ دَنا مِنِّي لاخْتَطَفَتْهُ المَلائِكَةُ عُضْواً عُضْواً". "عن أبي هريرة ﵁ قال: قال أبو جهل: هل يعفِّر محمدٌ وجهه"؛ أي: هل يسجد لمعبوده "بين أظهركم؛ "؛ أي: بينكم، تعفير الوجه كناية عن الصلاة. "فقيل: نعم، فقال" أبو جهل. "واللات" وهو اسم صنم بالطائف. "والعزى" اسم شجرة كانت لغطفان يعبدونها. "لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته، فأتى رسولَ الله ﷺ وهو يصلي،

стр. 3154

زعم"؛ أي: قصد أبو جهل "ليطأ" بكسر اللام؛ أي: ليضع رجله "على رقبته" وفي بعض النسخ بالفتح لام تأكيد، و (زعم) جملة حالية. "فما فَجِئهم"؛ أي: فما أتى قومه فجأة. "منه"؛ أي: من النبي ﷺ ، أو من إتيانه إليه. "إلا وهو ينكص" بكسر الكاف؛ أي: يرجع القهقرى. "على عقبيه"؛ أي: على مؤخَّر قدميه. "ويتقي بيديه"؛ أي: يحترز بهما. "فقيل له: ما لك؟ "؛ أي: أيُّ شيء لك؟ (ما) هذه استفهامية. "فقال: إن بيني وبينه لخندقاً من نارٍ وهولاً"؛ أي: خوفاً وأمراً شديداً. "وأجنحة"؛ أي: أجنحة الملائكة. "فقال رسول الله ﷺ : لو دنى"؛ أي: لو قَرُبَ أبو جهل "مني لاختطفته الملائكة"؛ أي: لاستلبته "عضواً عضواً". * * * ٤٥٧١ - وقَالَ عَدِيُّ بن حَاتِمٍ ﵁: بَيْنا أنا عندَ النَّبيِّ ﷺ إذْ أتاهُ رَجُلٌ فشَكا إليهِ الفَاقَةَ، ثُمَّ أتاهُ آخرُ فشَكا إليهِ قَطْعَ السَّبيلِ، فَقَالَ: "يا عَدِيُّ! هلْ رأيتَ الحِيرَةَ؟ "، قَالَ: نَعَم، قَالَ: "فإنْ طَالَتْ بِكَ حَياةٌ فلَتَرَيَنَّ الظَّعينَةَ تَرْتحِلُ مِنَ الحِيرَةِ حتَّى تَطوفَ بالكَعْبةِ لا تَخَافُ أَحَداً إلَّا الله، ولَئنْ طَالَتْ بكَ حَياةٌ لتُفْتَحنَّ كُنوزُ كِسْرَى، ولَئنْ طَالَتْ بِكَ حياةٌ لَتَرَيَنَّ الرَّجُلَ يُخرِجُ مِلْءَ كفِّهِ منْ ذهَبٍ أو فِضّةٍ، يَطلُبُ مَنْ يَقبَلُهُ منهُ فلا يَجِدُ أحداً يَقبَلُهُ منهُ، ولَيلقَيَنَّ الله أحدُكُمْ يومَ يَلقاهْ وليسَ بينَهُ وبينَهُ تَرْجُمانٌ يُترجِمُ لهُ، فلَيقولَنَّ: أَلَمْ أبعَثْ إِليْكَ رَسُولاً

стр. 3155

فيُبلِّغَكَ؟ فيقولُ: بلَى، فيقولُ: ألَمْ أُعطِكَ مالاً وأُفْضلْ عليكَ؟ فيقولُ: بلَى، فيَنظُرُ عنْ يَمينِهِ فلا يرَى إلَّا جهنَّمَ، وينظُرُ عنْ يَسارِهِ فلا يرَى إلَّا جهنَّمَ، فاتَّقُوا النَّارَ ولوْ بشِقِّ تَمْرةٍ، فمَنْ لمْ يَجِدْ فبكلمةٍ طيبةٍ". قالَ عَدِيٌّ: فرأيتُ الظَّعينَة تَرْتحِلُ مِنَ الحِيرَةِ حتَّى تَطوفَ بالكعبةِ لا تخافُ إلَّا الله، وكنتُ فيمَنْ افتتحَ كُنوزَ كِسْرَى بن هُرْمُزَ، ولَئنْ طالَتْ بكُم حَياةٌ لَتَرَوُنَّ ما قالَ النَّبيّ أبو القَاسِمِ ﷺ : يُخرِجُ مِلْءَ كفِّهِ. "وقال عدي بن حاتم: بينا أنا عند النبي ﷺ إذ أتاه رجل فشكى إليه الفاقة" وهي الفقر والحاجة (١). "ثم أتاه آخر فشكى إليه قطع السبيل"؛ يعني: عَدَمَ أمن الطريق. "فقال: يا عدي هل رأيت الحيرة؟ " بكسر الحاء: بلد قديم بظهر الكوفة، ومحلَّةٌ معروفة بنيسابور. "فإن طالت بك حياة فلترين الظعينة" وهي المرأة التي في الهودج. "ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحداً إلا الله"؛ يعني: إن طال عمرك ترى أمن الطريق بحيث تذهب المرأة من الحيرة إلى مكة قاصدةً إلى البيت آمنةً غير خائفة سوى الله تعالى. "ولئن طالت بك حياة لتُفتحَنَّ كنوز كسرى": جمع كنز، وهو المال المدفون، و (كسرى) بكسر الكاف وفتحها: لقب ملوك الفرس. "ولئن طالت بك حياة لترين الرجل يُخرج ملْءَ كفه من ذهب، أو فضة يطلب من يقبله منه فلا يجد أحداً يقبله منه"؛ يعني: ترى الغنى والسعة بين الناس بحيث لا يوجد فقير يقبل شيئاً من الأغنياء.

стр. 3156

"وليلقين الله أحدكم يوم يلقاه وليس بينه وبينه ترجمان" بضم التاء وفتح الجيم وضمها. "يترجم له"؛ أي: يفسر كلامه. "فليقولن: ألم أبعث إليك رسولاً فيبلِّغَك؟ فيقول: بلى، فيقول: ألم أعطك مالاً وأُفْضلْ عليك؟ فيقول: بلى، فينظر عن يمينه فلا يرى إلا جهنم وينظر عن يساره فلا يرى إلا جهنم، فاتقوا النار ولو بشق تمرة" وهذا تحريضٌ على التصدُّق بالمال على المساكين والاجتناب عما لا يحلُّ له أخذُه. "فمن لم يجد فبكلمة طيبة، قال عدي: فرأيت الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف إلا الله، وكنت فيمن افتتح كنوز كسرى بن هرمز، ولئن طالت بكم حياة لتروُنَّ ما قال النبي أبو القاسم ﵊: يُخرج ملْءَ كفه". * * * ٤٥٧٢ - وقَالَ أبو هُريْرَةَ ﵁: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "يَهلِكُ كِسْرَى ثُمَّ لا كِسْرَى بَعْدَهُ، وقَيْصَرُ لَيَهْلِكَنَّ ثمَّ لا يكونُ قَيْصَرُ بعدَهُ، ولَتُنْفِقُنَّ كُنوزَهُما في سَبيلِ الله". "وقال أبو هريرة ﵁: قال النبي ﷺ : يهلك كسرى ثم لا يكون كسرى بعده"؛ يعني: ينقطع ملكه ونسله. "وقيصر" وهو لقب ملك الروم. "ليهلكن ثم لا يكون قيصر بعده، ولتنفقُنَّ كنوزهما في سبيل الله" وجه الجمع بين هذا وبين ما روي أن النبي ﷺ كتب إلى كسرى يدعوه إلى الإسلام فمزق كتابه، فقال ﷺ : "تمزق ملكه"، وكتب إلى قيصر فأكرم كتابه ووضعه في

стр. 3157

مسك، فقال ﷺ : "ثبت ملكه": أن كسرى تمزق ملكه فلم يكن له ملك باقيةٌ أصلاً، وأُنفقت كنوزه في سبيل الله، وأَوْرَثَ الله المسلمين أرضه، وقيصر ثبت ملكه بالروم وانقطع عن الشام واستفتحت خزائنه التي كانت بها، وأُنفقت في سبيل الله، فمعنى: (لا قيصر بعده)؛ يعني: ثبوت ملك قيصر في الجملة بالروم وانقطاعه عن الشام أصلاً. * * * ٤٥٧٣ - وقَالَ: "ليَفتَتِحَنَّ عِصَابةٌ مِنَ المُسلِميْنَ كَنْزَ آلِ كِسْرَى الذِي في الأَبْيَضِ". "وقال لتَفْتحَنَّ" اللام جواب قسم مقدَّرٍ. "عصابةٌ"؛ أي: جماعة. "من المسلمين كنز آل كسرى الذي في الأبيض" يريد به القصر الأبيض الذي كان في المدائن يسمونه سبيد كوشك. * * * ٤٥٧٤ - وعَنْ خَبَّابِ بن الأَرَتِّ ﵁ قَالَ: شَكَوْنا إلى النَّبيِّ ﷺ ، وهوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً لَهُ في ظِلِّ الكَعْبةِ، وقدْ لَقِينا مِنَ المُشرِكِينَ شِدَّةً، فقُلنا: ألا تَدعو الله؟ فقعَدَ وهوَ مُحْمَرٌّ وجهُهُ، قَالَ: "كانَ الرَّجُلُ فيمَنْ كَانَ قبلَكُمْ يُحفَرُ لهُ في الأرضِ فيُجعَلُ فيهِ، فيُجاءُ بالمِنْشَارِ فيُوضَعُ فَوْقَ رَأسهِ فيُشَقُّ باثنَيْنِ، وما يَصُدُّهُ ذلكَ عن دينهِ، ويُمشَطُ بأمشَاطِ الحَدِيدِ ما دُونَ لَحْمهِ مِنْ عَظْمٍ وعَصَبٍ، وما يَصُدُّهُ ذَلكَ عَنْ دِينهِ، والله لَيُتِمَّنَّ الله هذا الأَمرَ، حتَّى يَسيرَ الرَّاكِبُ منْ صَنعاءَ إلى حَضْرَ مَوْتَ لا يخافُ إلَّا الله أو الذِّئبَ على غَنَمِهِ، ولكنَّكُمْ تَسْتَعجلُونَ".

стр. 3158

"وعن خبَّاب بن الأرت ﵁: شكونا إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وهو متوسِّد بردةً"؛ أي: كساءً مخططاً؛ يعني: جاعلٌ لها كالوسادة تحت رأسه. "في ظل الكعبة، وقد لقينا من المشركين شدةً فقلنا: ألا تدعو الله لنا؟ "؛ أي: على المشركين فإنهم يؤذوننا. "فقعد وهو محمرٌّ وجهُه قال: كان الرجل فيمن كان قبلكم يُحفر له في الأرض فيجعل [فيه] فيجاء بالمنشار" وهو آلة تُشقُّ بها الخشبة. فيوضع فوق رأسه فيشق باثنين وما يصدُّه"؛ أي: ما يصرفه "ذلك" العذاب الشديد "عن دينه، ويمشَّط بأمشاط الحديد ما دون لحمه"؛ أي: ما تحت لحمه. "من عظم أو عصب" بيان (ما دون لحمه). "وما يصدُّه ذلك عن دينه، والله لَيَتِمَّنَّ" بفتح اللام للتأكيد. "هذا الأمر"؛ أي: هذا الدين. "حتى يسير الراكب من صنعاء" بلدٌ باليمن. "إلى حضر موت" وهو موضعٌ حضره صالحٌ النبيُّ ﵇ فمات فيه فسمي بهذا الاسم، وقيل: حضر فيه موت جرجس، وقيل: هو اسم قبيلة. "لا يخاف إلا الله تعالى، أو الذئب على غنمه" أشار به ﷺ إلى خلوِّ الطريق والأماكن عن الأعداء، فإنها إذا خلت عن الأعداء ربما ظهر فيها الذئب، يعني: سيزول أذى المشركين عن المسلمين بظهور الدين على الأديان الباطلة. "ولكنكم تستعجلون" وفيه تحريض على الصبر على الأذى، والتحمُّل على المشاق، وعدم الاستعجال في الأمور. * * *

стр. 3159

٤٥٧٥ - وقَالَ أَنسٌ ﵁: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يَدخُلُ على أُمِّ حَرامٍ بنتِ مِلْحانَ، وكَانتْ تحتَ عُبادَةَ بت الصَّامِتِ ﵁، فدَخَلَ عليها يَوماً فأطعَمَتْهُ، ثُمَّ جلسَتْ تَفْلِي رَأْسَهُ، فَنَامَ رَسُولُ الله ﷺ ، ثُمَّ استيقَظَ وهُوَ يَضحَكُ، قالتْ: فقلتُ: وما يُضحِكُكَ يا رَسُولَ الله؛ قال: "نَاسٌ منْ أُمَّتِي عُرِضوا عَليَّ غُزاةً في سَبيلِ الله، يَركَبونَ ثَبَجَ هذا البَحْرِ، مُلوكاً على الأسِرَّةِ" - أوْ: "مِثْلَ المُلوكِ على الأسِرَّةِ" -، فقلتُ: يا رَسُولَ الله! ادْعُ الله أنْ يَجعَلَنِي منهُمْ، فدَعا لَهَا، ثُمَّ وضَعَ رأسَهُ فَنَامَ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ وهوَ يَضحكُ، فقُلتُ: يا رَسُولَ الله! ما يُضحِكُكَ؟ قال: "نَاسٌ منْ أُمّتي عُرِضُوا عَليَّ غُزاةً في سَبيلِ الله" - كمَا قَالَ في الأُولى -، فقُلتُ: يا رَسُولَ الله! ادْعُ الله أنْ يَجعَلَنِي منهُمْ، قَالَ: "أنتِ مِنَ الأوَّلينَ"، فركِبَتْ أُمِّ حَرامٍ البَحرَ في زَمَنِ مُعَاويَةَ، فصُرِعتْ عَنْ دابَّتِها حِيْنَ خَرجَتْ مِنَ البَحرِ فهَلَكَت. "وقال أنس ﵁: كان رسول الله ﷺ يدخل على أم حرام بنت ملحان": قيل: كانت من خالات النبي ﷺ من الرضاع. "وكانت تحت عبادة بن الصامت، فدخل عليها يوماً فأطعمته، ثم جلست تَفْلي رأسه" من القمل. "فنام رسول الله ﷺ ، ثم استيقظ وهو يضحك، قالت. فقلت: ما يضحكك يا رسول الله؟ قال: ناسٌ من أمتي عُرِضوا عليَّ غزاةً في سبيل الله يركبون ثبج هذا البحر"؛ أي: وسطها. "ملوكاً" نصب على الحال من ضمير (يركبون). "على الأسرة": جمع سرير بمعنى السفينة. "أو" قال: "مثل الملوك" نصبه إما حالٌ أو صفة مصدرٍ محذوف؛ أي:

стр. 3160

ركوباً مثل ركوب الملوك "على الأسرة، فقلت: يا رسول الله! ادع الله أن يجعلني منهم، فدعا لها، ثم وضع رأسه فنام، ثم استيقظ وهو يضحك فقلت: يا رسول الله ما يضحكك؟ قال: ناس من أمتي عرضوا عليَّ غزاة في سبيل الله تعالى - كما قال في الأولى - فقلت: يا رسول الله! ادع الله أن يجعلني منهم، قال: أنت من الأولين، فركبت أم حرام البحر في زمن معاوية ﵁ فصرعت"؛ أي: سقطت. "عن دابتها حين خرجت من البحر فهلكت". * * * ٤٥٧٦ - وقَالَ ابن عبَّاسٍ ﵁: إنَّ ضماداً قَدِمَ مَكَّةَ، وكَانَ منْ أَزْدِ شَنُوْءَةَ، وكَانَ يَرْقي مِنْ هذِه الرِّيحِ، فَسَمِعَ سُفَهاءَ أهْلِ مَكَّةَ يقُولُونَ: إنَّ مُحمَّداً مَجنُونٌ، فَقَالَ: لَوْ أنِّي رَأَيْتُ هَذا الرَّجُلَ لَعَلَّ الله يَشْفِيهِ على يَدَيَّ، قَالَ: فلِقَيَهُ فَقَالَ: يا مُحَمَّدُ! إنِّي أَرْقِي منْ هذا الرِّيحِ، فهلْ لكَ؟ فقالَ رَسُولُ الله ﷺ : "إنَّ الحَمْدَ للهِ، نَحْمَدُهُ ونسَتَعينُهُ، مَنْ يَهْدِهِ الله فلا مُضلَّ لهُ، ومَنْ يُضْلِلْ فلا هَادِيَ لهُ، وأَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلَّا الله، وحدَهُ لا شَريكَ لهُ، وأنَّ مُحَمَّداً عبْدُهُ ورَسُولُهُ، أمَّا بَعْدُ"، فَقَالَ: أعِدْ عليَّ كَلِماتِكَ هؤلاءِ، فأعَادَهُنَّ عليهِ رَسُولُ الله ﷺ ثَلاثَ مرَّاتٍ، فَقَالَ: لَقَدْ سَمِعتُ قَوْلَ الكَهَنَةِ وقَوْلَ السَّحَرَةِ وقَوْلَ الشُّعَراءِ، فما سَمِعتُ مِثْلَ كَلِمَاتِكَ هَؤُلاءِ، ولَقدْ بَلَغْنَ نَاعُوْسَ البَحرِ، هَاتِ يَدَكَ أُبايعْكَ عَلَى الإِسلامِ، قَالَ: فبايَعَهُ. "وقال ابن عباس: ﵁ إن ضماداً: بكسر الضاد المعجمة، هو ضمادٌ الأَزْديُّ كان صديقاً للنبي ﷺ وصاحباً له في الجاهلية قبل أن يبعث ﷺ . "قدم مكة"؛ أي: رجع من سفره. "وكان من أَزْدِ شَنُوءَةَ" قبيلة من اليمن.

стр. 3161

"وكان"؛ أي: ضماد "يرقي"؛ أي: يعالج من داءٍ بقراءةٍ ونفث فيه، وهي جملة حالية. "من هذه الريح"؛ يعني: من العلة الحاصلة من مسِّ الجن، قال أبو موسى: الريح هنا بمعنى الجن، سُموا بها؛ لأنهم لا يُرون كالريح. "فسمع سفهاءَ أهل مكة يقولون: إن محمداً مجنون" ولا بُعدَ فيه؛ لأنهم كانوا مجانين، والمجانين إذا كان فيهم عاقل يسمونه مجنوناً لمخالفته إياهم. "فقال: لو أني رأيت هذا الرجل لعل الله يشفيه على يدي، قال: فلقيه فقال: يا محمد! إني أرقي من هذا الريح فهل لك؟ "؛ أي: هل لك من حاجة إلى دوائي؟. "فقال رسول الله ﷺ : إن الحمد لله نحمده" على تخلصي مما ينسبونه إلي من الجنون. "ونستعينه" على الصبر على إيذاء السفهاء. "مَنْ يهده الله فلا مُضلَّ له، ومن يُضْلِلْ فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد" هذا شروعٌ بعد تحميد الله إلى خطاب آخر، ولكن لم يظفر ما ذكر النبي ﵊ "فقال"؛ أي: ضماد حين سمع هذه الكلمات التي يقطر منها ماءُ الحياة: "أعد عليَّ كلماتك هؤلاء، فأعادهن عليه رسول الله ﷺ ثلاث مرات، فقال": ما أحسن وأفصح هؤلاء الكلمات. "لقد سمعت قول الكهنة" جمع كاهن. "وقول السحرة" جمع ساحر. "وقول الشعراء" جمع شاعر. "فما سمعت مثل كلماتك هؤلاء، ولقد بلغنا ناعوس البحر" قيل:

стр. 3162

الناعوس في البحر: ما سكن فيه الأمواج، وهو الوسط؛ أي: انتهى معاني كلماتك هذه إلى سويداء قلبي، وقيل: معناه: بلغنا في سماع كلامك هذا لجةَ بحرٍ لا يتناهى قعره في الفصاحة والبلاغة وكثرة المعاني. قيل: وقع الرواية في كتاب "المصابيح": (بلغنا) وهو غير مستقيم من طريق المعنى، والصواب: (بلغن) وكذا (ناعوس البحر) خطأ لم يسمع في لغة العرب، والصواب: (قاموس البحر)؛ أي: وسطه ومعظمه. "هات"؛ أي: أعطني "يدك أبايعك" بالجزم جواب الأمر. "على الإسلام، قال: فبايعه" انظر إلى كمال حكمة النبي ﷺ كيف داوى ضماداً وشفاه من جنون الجهالات. * * * فصل في المِعْرَاجِ (باب في المِعْراجِ) وهو الدرجة، مفعال من العروج، وجميع أحاديث هذا الباب من "الصحاح" فلذا لم يتعرض لذكره. مِنَ الصِّحَاحِ: ٤٥٧٧ - عَنْ قتادَةَ ﵁، عَنْ أَنسَ بن مالِكٍ ﷺ ، عَنْ مالِكِ بن صَعْصَعَة ﵁: أَنَّ نبيَّ الله ﷺ حدَّثَهُم عَنْ لَيْلَةِ أُسرِيَ بهِ: "بَيْنَما أَنَا في الحَطِيمِ - وربَّما قَالَ: في الحِجْرِ - مُضطَجعاً، إذْ أتانِي آتٍ فشقَّ ما بينَ هذِه إلى هذِه - يَعني: منْ ثُغْرةِ نَحْرِهِ إلى شِعْرتِهِ - فاستخرجَ قَلبي، ثُمَّ أُتيتُ بطَسْتٍ منْ ذَهبٍ مملوءٍ إِيْماناً، فغُسِلَ

стр. 3163

قَلبي، ثُمَّ حُشِيَ، ثُمَّ أُعيدَ - وفي روايةٍ: ثُمَّ غُسِلَ البَطْنُ بماءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ مُلِئَ إِيْمَاناً وحِكْمةً - ثُمَّ أُتيتُ بِدابَّةٍ دُونَ البَغلِ وفوقَ الحِمارِ أبيضَ، يَضَعُ خَطْوَهُ عندَ أقصَى طَرْفِهِ، فحُمِلتُ عليهِ، فانطلقَ بي جِبريلُ، حتَّى أتَى السَّماءَ الدُّنيا، فاسْتفتَحَ، قيلَ: مَنْ هذا؟ قالَ: جِبريلُ، قيل: ومَن معكَ؟ قال: محمّدٌ، قيلَ: وقدْ أُرسِلَ إليه؟ قال: نعم، قيل: مَرحباً بهِ فنِعْمَ المجيءُ جاءَ، ففتَحَ، فلمَّا خَلَصْتُ فإذا فيها آدمُ صَلَواتُ الله عليهِ، فَقَالَ: هذا أَبوكَ آدمُ فسَلِّمْ عليهِ، فسلَّمتُ عليهِ، فردَّ السَّلامَ ثُمَّ قَالَ: مَرحباً بالابن الصَّالحِ والنَّبيِّ الصَّالحِ، ثُمَّ صَعِدَ بي حتَّى أتَى السَّماءَ الثَّانيةَ، فاسْتَفتَحَ، قِيلَ: مَنْ هَذا؟ قَال: جِبريلُ، قِيلَ: ومَنْ معكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قِيلَ: وقَدْ أُرسِلَ إليه؟ قَالَ: نَعمْ، قِيلَ: مَرحباً بهِ فنِعْمَ المَجِيءُ جَاءَ، ففتَحَ، فلمَّا خَلَصْتُ إذا يَحيَى وعيسَى صلواتُ الله عليهما، وهُمَا ابنا خَالَةٍ، قَالَ: هذا يَحيَى وعيسَى فسلِّمْ عليهما، فسَلَّمتُ، فردَّا ثُمَّ قالا: مَرحباً بالأخِ الصَّالح والنَّبيِّ الصَّالحِ، ثُمَّ صَعِدَ بي إلى السَّماءَ الثَّالثةِ، فاسْتفتَحَ، قِيْلَ: مَنْ هذا؟ قَالَ: جِبْريلُ، قِيْلَ: ومَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قِيْلَ: وقدْ أُرسِلَ إِليهِ؟ قَالَ: نعَمْ، قِيلَ: مَرحَباً بهِ فنِعْمَ المَجِيءُ جَاءَ، ففُتِحَ، فلمَّا خَلَصْتُ إذا يُوسُفُ، قَالَ: هذا يُوسُفُ فسَلِّمَ عليهِ، فسَلَّمتُ عليهِ، فردَّ ثُمَّ قَالَ: مَرحَباً بالأخِ الصَّالحِ والنَّبيِّ الصَّالحِ، ثُمَّ صَعِدَ بي حتَّى أتَى السَّماءَ الرَّابعةَ، فاسْتَفتَحَ، قِيْل: مَنْ هذا؟ قَالَ: جِبريلُ، قِيْلَ: ومَنْ معكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قِيْلَ: وقدْ أُرسِلَ إليهِ؟ قَالَ: نَعَمْ، قِيلَ: مَرحَباً بهِ فنِعْمَ المَجِيءُ جَاءَ، ففُتِحَ، فلمَّا خَلَصْتُ فإذا إدْرِيسُ، قَالَ: هذا إدْرِيسُ فسَلِّمَ عليهِ، فسَلَّمتُ عليهِ، فردَّ ثُمَّ قَالَ: مَرحَباً بالأخِ الصَّالحِ والنَّبيِّ الصَّالحِ، ثُمَّ صَعِدَ بي حتَّى أتَى السَّماءَ الخَامِسَةَ، فاستفتَحَ، قِيْل: مَنْ هذا؟ قَالَ: جِبْريْلُ، قِيْل: ومَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ، قِيْلَ: وقدْ أُرسِلَ إليهِ؟ قَالَ: نعَمْ، قِيْلَ: مَرحَباً بهِ فنِعْمَ المَجيءُ جَاءَ، فلمَّا خَلَصْتُ فإذَا هَارونُ، قَالَ: هذا هَارونُ فسَلِّمَ عليهِ، فسَلَّمتُ عليهِ، فردَّ ثُمَّ

стр. 3164

قَال: مَرحَباً بالأخِ الصَّالحِ والنَّبيِّ الصَّالحِ، ثمَّ صَعِدَ بي حتَّى أتَى السَّماءَ السَّادِسةَ، فاستفتَح، قيل: مَنْ هذا؟ قَالَ: جِبريلُ، قِيلَ: ومَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ؟ قِيْل: وقَدْ أُرسِلَ إليهِ؟ قَالَ: نَعمْ، قِيلَ: مَرحَباً بهِ فنِعْمَ المَجِيءُ جَاءَ، فَلَمَّا خَلَصْتُ فإذا مُوسَى، قال: هذا مُوسَى فسَلِّمَ عليهِ، فسَلَّمتُ عليهِ، فردَّ ثُمَّ قَالَ: مَرحَباً بالأخِ الصَّالحِ والنَّبيِّ الصَّالحِ، فلمَّا تَجَاوَزْتُ بكَى، قِيلَ لَهُ: ما يُبكِيكَ؟ قَالَ: أَبْكِي لأنَّ غُلاماً بُعِثَ بعدِي يَدخُلُ الجَنَّةَ منْ أُمَّتِه أكَثَرُ مِمَّنْ يَدخُلُها منْ أُمَّتي، ثمَّ صَعِدَ بي إلى السَّماءَ السَّابعةِ، فاستفتَحَ جِبريلُ، قِيلَ. مَنْ هذا؟ قَالَ: جِبريلُ، قِيْلَ: ومَن مَعَكَ؟ قَالَ: مُحمَّدٌ، قِيْل: وقدْ بُعِثَ إِليْهِ؟ قَالَ: نَعمْ، قِيلَ: مَرحَباً بهِ فنِعْمَ المَجِيءُ جَاءَ، فلمَّا خَلَصْتُ فإذَا إِبْراهيمُ، قَالَ: هَذا أَبُوكَ فسَلِّمْ عليهِ، فسَلَّمْتُ عليهِ، فردَّ السَّلامَ ثُمَّ قَالَ: مَرحباً بِالابن الصَّالحِ والنَّبيِّ الصَّالحِ، ثُمَّ رُفِعَتُ إلى سِدْرَةِ المُنْتَهَى، فإذَا نبَقُها مِثْلُ قِلالِ هَجَرَ، وإِذَا وَرَقُها مِثْلُ آذانِ الفِيَلَة، قَالَ: هذه سِدْرَةُ المُنْتَهَى، فإذا أَرْبَعةُ أَنْهارٍ: نَهرانِ باطِنان، ونَهرانِ ظاهرانِ، قُلتُ: ما هذانِ يا جِبْريلُ؟ قَالَ: أمَّا البَاطِنانِ فَنهرانِ في الجَنَّةِ، وأمَّا الظّاهِرَانِ فَالنِّيلُ والفُراتُ، ثُمَّ رُفِعَ لي البَيْتُ الْمَعْمُورُ، ثُمَّ أُتيتُ بإناءٍ منْ خَمْرٍ وإناءٍ مِنْ لَبن وإناءٍ منْ عَسَلٍ، فأخذتُ اللَّبن، فَقَالَ: هِيَ الفِطرةُ التي أنتَ عليها وأُمَّتُكَ، ثُمَّ فُرِضَتْ عَليَّ الصَّلاةُ خَمسينَ صَلاةً كُلَّ يومٍ، فرَجَعْتُ فمَررْتُ عَلَى مُوسَى فَقَال: بِمَ أُمِرْتَ؟ قُلْتُ: أُمِرْتُ بخَمسينَ صَلاةً كُلَّ يَومٍ، قَالَ: إنَّ أمَّتَكَ لا تَستطيعُ خَمسينَ صَلاةً في كُلِّ يومٍ، وإنِّي والله قدْ جَرَّبْتُ النَّاسَ قَبْلَكَ وعَالَجْتُ بني إِسْرائِيلَ أَشَدَّ المُعَالَجَةِ، فارجِعْ إلى ربك فسَلْهُ التخْفِيفَ لأُمَّتِكَ، فرجَعْتُ، فوضَعَ عنِّي عَشْراً، فرجَعْتُ إلى مُوسَى فَقَال مِثْلَهُ، فرجَعْتُ فوضَعَ عنِّي عَشْراً، فرجَعْتُ إلى مُوسَى فَقَالَ مِثْلَهُ، فرَجَعْتُ فوضَعَ عنِّي عَشْراً، فرجَعْتُ إلى مُوسَى فقالَ مِثْلَهُ، فرجَعتُ فأُمِرْتُ بعَشْرِ صَلواتٍ كُلَّ يَومٍ، فرجَعْتُ إلى مُوسَى فَقَالَ مِثْلَهُ، فرجَعْتُ فأُمِرْتُ بخَمسِ صلواتٍ

стр. 3165

كُلَّ يومٍ، فرجَعتُ إلى مُوسَى فقال: بِمَ أُمِرْتَ؟ قلت: أُمِرْتُ بخَمسِ صَلواتٍ كُلَّ يَومٍ، قال: إنَّ أُمَّتَكَ لا تَستطيعُ خَمسَ صَلواتٍ كُلَّ يومٍ، وإنِّي قدْ جَرَّبْتُ النَّاسَ قَبْلَكَ وعَالَجْتُ بني إِسْرائيلَ أشَدَّ المُعَالجَةِ، فارجِعْ إلى ربكَ فسَلْهُ التخْفِيفَ لأُمَّتِكَ"، قَالَ: "سَأَلْتُ ربي حتَّى استَحْيَيْتُ ولكنِّي أرْضَى وأُسلِّمُ" قال: "فلمَّا جاوَزْتُ نادَى مُنادٍ: أمضَيْتُ فَريضَتِي، وخفَّفْتُ عن عِبادِي". "عن قتادة عن أنس بن مالك عن مالك بن صعصعة: أن نبي الله صلى الله تعالى عليه وسلم حدَّثهم عن ليلة أسري به: بينما أنا نائم في الحطيم - وربما قال: في الحجر - " بكسر الحاء "مضطجعاً" والترديد من الراوي، اشتبه عليه أنه سمع (في الحطيم)، أو (الحجر)، وكثير من علماء العربية يرون (الحجر) و (الحطيم) شيئاً واحداً، ويقولون: سمي حجراً لما حُجر عليه بحيطانه، وسمي حطيماً لأنه حُطم جداره؛ أي: كسر عن مساواة جدار الكعبة. وقال بعضهم: هو غيره. فقال مالك: (الحطيم) ما بين المقام إلى الباب. وقال ابن جريج: هو ما بين الركن والمقام وزمزم، و (الحجر) حيث ينحطم الناس للدعاء؟ أي: ينكسر. وقيل: ما بين الركن الأسود إلى الباب. وقال ابن عباس ﵁: (الحطيم) جدار الكعبة، و (الحجر) ما أحاط به (الحطيم) مما يلي الميزاب من الكعبة. "إذ أتاني آت" يريد به جبريل ﵇. "فشق ما بين هذه إلى هذه، يعني من ثغرة نحره"؟ أي: من نقرة نحره "إلى شعرته" بكسر الشين؛ أي: إلى عانته، والشعرة: منبت شعر العانة. "فاستخرج قلبي" قيل: هذا الشق غير الشق الذي كان في صغره؛ لأن ذاك كان لأن يخرج من قلبه مادة الهوى، ولأن يصير قلبه مثل قلوب الأنبياء، وهذا

стр. 3166

كان لأن يدخل فيه كمال المعرفة والعلم والإيمان، ولأن يصير قلبه مثل قلوب الملائكة. "ثم أُتيت بطست من ذهب مملوءٍ إيماناً" قيل: لعله من باب التمثيل، أو تَمثَّل له الإيمان بصورة الجسم كما تَمثَّل له أرواح الأنبياء بالصور التي كانوا عليها. "فغُسل قلبي" وهذا الغَسل كان لتصفيته وتزييد قابليته لمعرفته ما عجز القلوب عن معرفته. "ثم حُشي" على بناء المجهول؛ أي: مُلئ إيماناً وحكمة بدليل الرواية الأخرى. "ثم أعيد" إلى مكانه. "وفي رواية: ثم غُسل البطن بماء زمزم، ثم مُلئ إيماناً وحكمة". "ثم أتيت بدابة" هي البراق. "دون البغل وفوق الحمار، أبيض، يضع خطوه عند أقصى طَرْفه"؟ أي: عند غاية مدِّ بصره. "فحُملت عليه، فانطلق بي جبريل حتى أتى السماء الدنيا فاستفتح"؟ أي: طلب فتح بابها. "قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد" وفيه إشارة إلى أنه إنما استفتح لكون إنسان معه، ولو انفرد لما طلب الفتح، وإلى أن السماء محروسةٌ لا يقدر أحد أن يمر عليها أو يدخلها إلا بإذن الحارسين. "قيل: وقد أرسل إليه؟ "؟ أي: هل أرسل الله إلى محمد للعروج رسولاً؟. "قال: نعم، قيل: مرحباً به"؟ أي: لقي رحبةً وسعة.

стр. 3167

"فنعم المجيء جاء" وفيه تقديم وتأخير، والمخصوص بالمدح محذوف فيه، تقديره: جاء فنعم المجيءُ مجيئُه. "ففتح"؛ أي: باب السماء الدنيا. "فلما خلصت"؛ أي: وصلت إلى السماء الدنيا. "فإذا فيها آدم ﵊"، (إذا) للمفاجأة. "فقال"؛ أي: جبريل: "هذا أبوك آدم فسلَّم عليه، فسلَّمت عليه فردَّ السلام، ثم قال: مرحباً بالابن الصالح والنبي الصالح" قيل: إنما أُمر بالتسليم على الأنبياء وإن كان أفضل منهم؛ لأنه كان عابراً عليهم، وكان في حكم القائم وهم في حكم القعود، والقائم يسلِّم على القاعد. "ثم صعد بي حتى أتى السماء الثانية فاستفتح قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أُرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحباً به فنعم المجيء جاء، ففتح فلما خلصت إذا يحيى وعيسى وهما ابنا خالة"؛ يعني: كل منهما ابن خالة الآخر؛ لأن عيسى بن مريم بنت عمران، ويحيى بن إيشاع بنت عمران. "قال: هذا يحيى وعيسى فسلِّم عليهما، فسلمت فردَّا، ثم قالا: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم صعد بي إلى السماء الثالثة فاستفتح قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحباً به فنعم المجيء جاء، ففُتح فلما خلصت إذا يوسف، قال: هذا يوسف فسلِّم عليه، فسلَّمت عليه فردَّ ثم قال: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم صعد بي حتى أتى إلى السماء الرابعة فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحباً به فنعم المجيء جاء، ففتح فلما خلصت فإذا إدريس قال: هذا أدريس فسلِّم عليه، فسلَّمت عليه فرد ثم قال: مرحباً بالأخ الصالح

стр. 3168

والنبي الصالح، ثم صعد بي إلى السماء الخامسة فاستفتح قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحباً به فنعم المجيء جاء، ففتح فلما خلصت فإذا هارون قال: هذا هارون فسلِّم عليه، فسلمت عليه فرد، ثم قال: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم صعد بي حتى أتى السماء السادسة، فاستفتح قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحباً به فنعم المجيء جاء، فلما خلصت فإذا موسى قال: هذا موسى فسلِّم عليه، فسلمت عليه فرد السلام، ثم قال: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح، فلما تجاوزت"؟ أي: عن موسى. "بكى قيل له: ما يبكيك؟ فقال: أبكي لأن غلاماً بُعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر مما يدخلها من أمتي" إنما بكى ﵇ إشفاقاً على أمته حيث قصر عددهم عن عدد أمة محمد ﷺ ، لا حسداً عليه؛ لأن ذلك لا يليق بصفات الأنبياء. وأما قوله: (أن غلاماً بعث بعدي) فلم يكن على سبيل الإزراء، بل على معنى تعظيم منة الله على محمد صلى الله تعالى عليه وسلم بذلك بلا طول عمرٍ في عبادته. "ثم صعد إلى السماء السابعة فاستفتح قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحباً به فنعم المجيء جاء، فلما خلصتُ فإذا إبراهيم ﵇، قال: هذا أبوك إبراهيم فسلِّم عليه، فسلَّمت عليه فردَّ السلام، ثم قال: مرحباً بالابن الصالح والنبي الصالح". قيل: المرئيُّ كان أرواح الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - متشكِّلة بصورهم التي كانوا عليها إلا عيسى بن مريم فإنه مرئيٌّ بشخصه، ورؤيتهم على

стр. 3169

الترتيب المذكور تدل على تفاوت منازلهم وعروجهم، وعبورُه ﷺ عن جميعهم يدل على أنه ﷺ أعلى منهم درجةً ورتبةً وعروجاً. "ثم رفعت لي"؛ أي: جُعلت قريبة "سدرة المنتهى" وهي شجرة في أقصى الجنة ينتهي إليها أعمال العباد، أو ينتهي إليها علم الملائكة والرسل. "فإذا نبَقُها" بكسر الباء الموحدة؛ أي: ثمرتها. "مثل قلال هجر": جمع قلة، وهي جرَّة عظيمة، و (هَجَر) بالفتحات: قرية قريبة من مكة كانت يُعمل فيها القِلَالُ مثلُ الحِبَاب. "وإذا ورقها مثل آذان الفيلة" بكسر الفاء وفتح الياء: جمع الفيل، كقِرَدة جمع قردٍ. "قال"؛ أي: جبريل ﵇: "هذا سدرة المنتهى، فإذا أربعة أنهارٍ: نهران باطنان ونهران ظاهران، قلت: ما هذان يا جبريل؟ قال: أما الباطنان فنهران في الجنة" يقال لأحدهما: كوثر وللآخر: نهر الرحمة، وإنما قال: باطنان، لخفاء أمرهما فلا تهتدي العقول إلى وصفهما، أو لأنهما مَخفيَّان عن أبصار الناظرين فلا يُريان حتى يَصُبَّا في الجنة. "وأما الظاهران فالنيل والفرات" والأوجه أنهما النهران المسميان على ما عرفنا بأعيانهما، وتكون مادتهما مما يخرج من أصل السدرة. ويحتمل أن تكون تسميتهما بهذين الاسمين من باب الاستعارة، بأن شبَّههما بنهري الجنة في الهضم والعذوبة، أو من باب تَوافُق الأسماء بأن يكون اسما نهري الجنة موافقتين لاسمي نهر الدنيا. "ثم رفع لي البيت المعمور" قيل: هو بيتٌ في السماء السابعة حيال الكعبة، حرمتُه في السماء كحرمة الكعبة في الأرض، ويقال لهذا البيت أيضاً: صراخ.

стр. 3170

"ثم أُتيت بإناء من خمر وإناء من لبن وإناء من عسل، فأخذت اللبن، فقال: هي الفطرة التي أنت عليها وأمتك" وهي الاستعداد لقبول السعادات الأبدية: أولُها الانقياد للشرع، وآخِرها الوصولُ إلى الله تعالى. "ثم فرضت علي الصلاة خمسين صلاة كل يوم" قيل: كانت كلُّ صلاة منها ركعتين. "فرجعت فمررت على موسى فقال: بم أمرت؟ قلت: أُمرت بخمسين صلاة كل يوم، قال"؛ أي: موسى: "إن أمتك لا تستطيع خمسين صلاة كلَّ يوم وإني والله قد جرَّبت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة"؛ أي: مارستُهم ولقيت الشدة فيما أردت منهم من الطاعة. "فارجع إلى ربك فسله التخفيف لأمتك، فرجعت فوضع عني عشراً" قيل: إنما جاز مراجعته ﷺ ؛ لأن الخمسين لم تكن واجباً قطعاً، وإلا لما جاز المراجعة، وقيل: فرضت ثم نسخت بخمس، وفيه دليلٌ على أنه يجوز النسخ قبل وقوعه. "فرجعت إلى موسى فقال مثله"؛ أي: مثل ما قال أولاً، وهو: (عالجت بني إسرائيل فارجع إلى ربك فسله التخفيف). "فرجعت فوضع عني عشراً، فرجعت إلى موسى فقال مثله، فرجعت فوضع عني عشراً، فرجعت إلى موسى فقال مثله فرجعت فأمرت بعشر صلوات كلَّ يوم وليلة، فرجعت إلى موسى فقال مثله، فرجعت فأُمرت بخمس صلوات كل يوم وليلة، فرجعت إلى موسى فقال: بم أُمرت؟ قلت: أمرت بخمس صلوات كلَّ يوم وليلة، قال: إن أمتك لا تستطيع خمس صلوات كل يوم وإني جربت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة فارجع إلى ربك فسله التخفيف لأمتك، قال: سألت ربي حتى استحييت" فلا أرجع، فإن رجعت

стр. 3171

كنتُ غير راضٍ ولا مسلِّمٍ. "ولكني أرضى" بما قضى الله. "وأسلِّم" أمري وأمرَهم إلى الله. "قال: فلما جاوزت نادى منادٍ: أمضيتُ"؛ أي: أنفذت "فريضتي وخففت عن عبادي" فهي خمس فرائض في التخفيف وخمسون فريضة في التضعيف؛ لقوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: ١٦٠]. * * * ٤٥٧٨ - ورَوَى ثَابتٌ عَنْ أنسِ ﵁: أَنَّ رسُولَ الله ﷺ قالَ: "أُتيتُ بالبُراقِ، وهوَ دابَّةٌ أبيضُ طويلٌ فَوقَ الحِمارِ ودُونَ البَغْلِ، يَقَعُ حافِرُهُ عندَ مُنْتَهىَ طَرْفِهِ، فركِبْتُهُ حتَّى أتيتُ بَيْتَ المَقْدِسِ، فربَطْتُهُ بالحَلْقَةِ التي يَربطُ بها الأَنبيَاءُ"، قَالَ: "ثُمَّ دخلتُ المَسجِدَ فصلَّيْتُ فيهِ رَكعَتَيْنِ، ثُمَّ خَرَجْتُ، فجَاءَنِي جِبريلُ بإناءٍ مِنْ خَمْرٍ وإِناءٍ من لَبن، فاخْتَرتُ اللَّبن، فَقَالَ جِبريْلُ: اختَرْتَ الفِطْرَةَ، ثُمَّ عَرَجَ بنا إلى السَّماءِ". وقَالَ في السَّماءِ الثَّالِثَة: "فإذا أَنَا بيُوسُفَ، إذا هوَ قدْ أُعطِيَ شَطْرَ الحُسْنِ، فَرَحَّبَ بي ودَعا لي بخَيْرٍ". وقالَ في السَّماءِ السَّابعة: "فإذا أنا بإِبْراهيمَ مُسْنِداً ظَهْرَهُ إلى البَيْتِ المَعْمُورِ، وإذا هوَ يَدخُلُهُ كُلَّ يَوْمٍ سَبعونَ ألْفَ مَلَكٍ لا يَعودونَ إليهِ، ثمَّ ذَهبَ بى إلى سِدْرَةِ المُنْتهَى، وإِذَا وَرَقُها كآذانِ الفِيَلَةِ، وإذا ثَمَرُها كالقِلالِ، فلمَّا غَشِيَها من أمْرِ الله ما غَشِيَ تَغيَّرَتْ، فَمَا أَحَدٌ منْ خَلْقِ الله يَستطيعُ أنْ يَنْعَتَها منْ حُسْنِها، وَأوْحى إليَّ مَا أوْحَى، ففَرضَ عَليَّ خَمسينَ صَلاةً في كُلِّ يَوْمٍ ولَيلةٍ، فنزَلْتُ إلى مُوسَى". وقال: "فلمْ أَزَلْ أرْجِعُ بَيْنَ ربي وبَيْنَ مُوسَى حتَّى قَالَ: يَا مُحَمَّدُ! إنَّهُنَّ خَمسُ صَلواتٍ كُلَّ يَوْمٍ وليلةٍ، لكُلِّ صَلاةٍ عَشْرٌ، فذلِكَ خَمْسُونَ صَلاةً، ومَنْ هَمَّ بحَسنةٍ فلمْ يَعْمَلْها كُتِبَتْ لهُ حَسنةً، فإنْ عَمِلَها كُتِبَتْ لهُ عَشْراً، ومَنْ هَمَّ بسَيئةٍ

стр. 3172

فلمْ يَعْمَلْها لمْ تُكْتَبْ شَيئاً، فإنْ عَمِلَها كُتِبَتْ سَيئةً واحِدةً". "وروى ثابت عن أنس ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: أُتيت بالبراق وهي دابة طويل أبيض فوق الحمار دون البغل يقع حافره عند منتهى طرفه، فركبته حتى أتيت بيت المقدس فربطته بالحلقة التي كانت تَربط بها الأنبياء"؛ أي: تَربط الأنبياءُ بالحلقة الدابةَ. "قال: ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين ثم خرجت، فجاءني جبريل بإناء من خمر وإناء من لبن فاخترت اللبن، فقال جبريل: اخترت الفطرة، ثم عرج بنا إلى السماء وقال"؛ أي: النبي ﷺ "في السماء الثالثة: فإذا أنا بيوسف إذ هو قد أُعطي شطر الحسن"؛ أي: نصفه، والمراد هنا البعض مطلقاً؛ لأنه ﷺ كان أملح منه. "فرحب بي"؛ أي: قال: مرحباً. "ودعا لي بخير، وقال في السماء السابعة: فإذا أنا بإبراهيم مسنداً ظهره إلى البيت المعمور، وإذا هو"؛ أي: البيت المعمور "يدخله كلَّ يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه، ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى وإذا ورقها كآذان الفيلة، وإذا ثمرها كالقلال" اختص النبي ﷺ عند ذلك بالقربات العميمة والكرامات الجسيمة فغشي السدرة من أنواع الألطاف ما لا يقدر على وصفه تشرلفاً لحبيبه. "فلما غشيها"؛ أي: جاء السدرة "من أمر الله ما غشي تغيرت"؛ أي: السدرة. "فما أحد من خلق الله يستطيع أنا ينعتها"؛ أي: يصفها "من حسنها، وأوحى إلي ما أوحى، ففَرض عليَّ خمسين صلاة في كلِّ يوم وليلة، فنزلت إلى موسى. وقال: فلم أزل أرجع بين ربي وبين موسى حتى قال: يا محمد

стр. 3173

إنهن خمس صلوات كلَّ يوم وليلة، لكلِّ صلاة عشرٌ فذلك خمسون صلاة"؛ أي: من حيث الثوابُ والأجر. "من هَمَّ بحسنة"؛ يعني: من أراد أن يعمل حسنة. "فلم يعملها، كُتِبت له حسنة، فإن عملها، كُتِبت له عشر"؛ أي: عشر حسنات. "ومن هم بسيئة"؛ أي: أراد أن يعمل سيئة. "فلم يعملها، لم يكتب عليه شيء، فإن عملها، كتبت عليه سيئة واحدة": وهذا من جملة إنعامه الكامل على عباده، ونتائج سبقِ رحمتِهِ على غضبه. * * * ٤٥٧٩ - عنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ أَنسٍ ﷺ قَالَ: كَانَ أَبو ذَرٍّ يُحدِّث: أنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "فُرِجَ عنِّي سَقْفُ بَيتي وأَنَا بمكَّةَ، فنزلَ جِبريْلُ ففَرَجَ صَدرِي، ثُمَّ غَسلَهُ بماءِ زَمْزَمَ، ثُمَّ جاءَ بطَسْتٍ منْ ذَهَبٍ مُمتلِئٍ حِكمةً وإِيْمَاناً فأفرَغَهُ في صَدرِي، ثُمَّ أطبَقَهُ، ثُمَّ أخذَ بيدِي فَعَرَجَ بي إلى السَّماءَ، فلمَّا جِئتُ إِلى السَّماءَ الدُّنْيا قَالَ جِبريلُ لخازِنِ السَّماءَ: افْتَحْ، فلمَّا فَتحَ عَلَوْنا السَّماءَ الدُّنْيا، فإذَا رَجُلٌ قاعدٌ، على يَمينِه أَسْوِدَةٌ، وعلى يَسارِهِ أسْوِدَةٌ، إذا نَظَرَ قِبَلَ يَمينِهِ ضَحِكَ، وإذا نظرَ قِبَلَ شِمالِه بَكَى، فَقَالَ: مَرْحَباً بالنَّبيِّ الصَّالحِ والابن الصَّالح، قُلْتُ لِجبريلَ: مَنْ هذا؟ قَالَ: هذا آدمُ، وهذِه الأَسْوِدَةُ عنْ يَمينِه وعنْ شِمالِهِ نَسَمُ بنيهِ، فأهْلُ اليَمينِ منهُمْ أهْلُ الجَنَّةِ، والأسْوِدَةُ التي عنْ شِمالِهِ أَهْلُ النَّارِ، فإذا نَظَرَ عنْ يَمينِه ضَحِكَ، وإذا نظرَ قِبَلَ شِمالِهِ بَكَى". وقال ابن شِهابٍ ﵁: فأخبرَني ابن حَزْمٍ: أنَّ ابن عبَّاسٍ ﵁ حَيَّةَ

стр. 3174

الأنصارِيَّ كانا يَقُولان: قالَ النَّبيّ ﷺ : "ثمَّ عُرِجَ بي حتَّى ظَهرْتُ بِمُسْتَوًى أَسْمعُ فيهِ صَريفَ الأقلامِ". وقالَ ابن حَزْمٍ وأنسٌ: قَالَ النَّبيّ ﷺ : "ففَرَضَ الله على أُمَّتي خَمسينَ صَلاةً، فرجَعْتُ حتَّى مَرَرْتُ على مُوسَى ﵇، فَرَاجَعَني، فوَضَعَ شَطْرَها"، وقَالَ في الآخرِ: "فراجَعْتُه، فَقَالَ: هِيَ خَمسٌ، وهي خَمْسُونَ، ما يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ، فرجَعْتُ إلى مُوسَى فَقَال: رَاجِعْ ربَّكَ، فَقُلْتُ: اسْتَحْيَيْتُ مِنْ ربي، ثُمَّ انطلَقَ بي حتَّى انتهىَ بي إِلى سِدْرَةِ المُنْتَهَى، وغَشِيَها ألْوانٌ لا أدْرِي ما هِيَ، ثمَّ أُدْخِلْتُ الجَنَّةَ، فإذا فيها جَنَابذُ الُّلؤْلؤِ، وإذا تُرابُها المِسْكُ". "عن ابن شهاب، عن أنس ﵁ قال: كان أبو ذر ﵁ يحدث: أن رسول الله ﷺ قال: فُرِّج": على بناء المجهول؛ أي: شق وكشف. "عني سقف بيتي وأنا بمكة": قيل: التوفيق بين هذه الرواية، وبين رواية أنس: أنه كان في الحطيم: ما ذكر أصحاب الحديث أنه كان للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم معراجان؛ فرواية أنس في معراجه حالة اليقظة، ورواية أبي ذر في معراجه حالة النوم. "فنزل جبريل، ففرَّج صدري، ثم غسله بماء زمزم، ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمةً وإيماناً، فأفرغه"؛ أي: صبَّ ما في الطست. "في صدري، ثم أطبقه"؛ أي: غطاه. "ثم أخذ بيدي، فعرج بي إلى السماء، فلما جئت إلى السماء الدنيا، قال جبريل لخازن السماء: افتح، فلما فتح علونا السماء الدنيا، إذا رجلٌ قاعدٌ على يمينه أسودة": جمع سواد، وهو شخص الإنسان. "وعلى يساره أسودة، إذا نظر قِبَلَ يمينه ضحك، وإذا نظر قِبَلَ شماله

стр. 3175

بكى، فقال. مرحباً بالنبى الصالح والابن الصالح، فقلت لجبريل: من هذا؟ قال: آدمُ، وهذه الأسودة عن يمينه وشماله نَسَمُ بنيه"؛ أي: أرواح أولاده، وقيل: هي الأجسام المصورة في صورة الإنسان. "فأهل اليمين منهم أهل الجنة، والأسودة التي عن شماله أهل النار، فإذا نظر عن يمينه ضحك، وإذا نظر قِبَلَ شماله بكى. وقال ابن شهاب: فأخبرني ابن حزم: أن ابن عباس وأبا حيَّةَ الأنصاري كانا يقولان: قال النبي ﷺ : ثم عرج بي حتى ظهرت"؛ أي: صعدت وعلوت. "لمستوَى": بفتح الواو؛ أي: إلى مكان عالٍ، فاللام بمعنى: إلى، كقوله تعالى: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا﴾ [الزلزلة: ٥]، وقيل: المستوى: المستقرُ، وموضع الاستعلاء، واللام للعلة؛ أي: علوت لاستعلاء مستقر. "أسمع فيه صريفَ الأقلام"؛ أي: صوتها عند الكتابة في جريانها على اللوح، وقيل: المعنى: بلغت في الارتقاء إلى رتبة من العلياء حتى اطلعتُ على تصاريفِ الأحوال وجري المقادير من غير توسط جبريل وغيره من الملائكة ﵈. "وقال ابن حزم وأنس ﵁: قال النبي ﷺ : ففرض الله على أمتي خمسين صلاة، فرجعت حتى مررتُ على موسى، فراجعني، فوضع شطرها"؛ أي: ترك نصفها. "وقال"؛ أي: النبي ﷺ . "في الآخر"؛ أي: في العَودِ الأخير. "فراجعته، فقال"؛ أي: الله تعالى. "هي خمس"؛ أي: بحسب العدد. "وهي خمسون"؛ أي: بحسب الثواب.

стр. 3176

"ما يُبدَّل"؛ أي: ما يُغيَّر. "القولُ لديَّ، فرجعت إلى موسى فقال: راجعْ ربك، فقلت: استحييت من ربي، ثم انْطُلِقَ بي حتى انتُهيَ بي": كلاهما على صيغتي المجهول. "إلى سدرة المنتهى، وغشيها ألوان لا أدري ما هي، ثم أدخلت الجنة فإذا فيها جَنابذ اللؤلؤ": بفتح الجيم: جمع (جُنبذة) بالضم، وهي: القبة. "وإذا ترابها المسك". * * * ٤٥٨٠ - عن عبدِ الله ﵁ قَالَ: لمَّا أُسرِيَ بِرَسُولِ الله ﷺ انتُهِيَ بهِ إلى سِدْرَةِ المُنْتَهَى، وهيَ في السَّماءِ السَّادِسَة، إِليها يَنتهِي ما يُعْرَجُ بهِ مِنَ الأَرضِ فيُقبَضُ مِنْها، وإِليها يَنتهي ما يُهْبَطُ بهِ مِنْ فَوقِها فيُقْبَضُ مِنْها، قَالَ: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾؛ قَالَ: فَراشٌ منْ ذَهَبٍ، قَالَ: فأُعطِيَ رَسُولُ الله ﷺ ثَلاثاً: أُعطِيَ الصَّلواتِ الخَمسَ، وأُعطِيَ خَواتيمَ سُورَةِ البقَرَةِ، وغُفِرَ لمنْ لا يُشرِكُ بالله مِنْ أُمَّتِه شَيئاً المُقْحِمَاتُ. "عن عبد الله ﵁ أنه قال: لما أُسرِي برسول الله ﷺ انتُهِي به إلى سدرة المنتهى، وهي في السماء السادسة": قيل: المشهور المروي عن الجمهور: أنها في السابعة، فلعل السادسة وقع غلطاً من بعض الرواة. "إليها ينتهي ما يُعرَج به من الأرض فيقبض منها، وإليها ينتهي ما يُهبَط به"؛ أي: ينزل. "من فوقها فيقبض منها، قال: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ ": قيل: يغشاها جمٌّ غفير من الملائكة، روي: أنه ﷺ قال: "رأيت على كل ورقة ملكاً قائماً يسبح"، وقيل: رفرفٌ من الطير الخضر، وهي أرواح الأنبياء.

стр. 3177

"قال"؛ أي: ابن مسعود. "فَراش من ذهب": وهي - بفتح الفاء -: طير معروف يتهافت في النار، وهذا لا ينافي ذلك؛ لجواز كون هذا أيضاً مما غشيها، وجعلها من الذهب لصفائها وإضاءتها. ووجه الجمع بين هذا وبين قوله: "وغشيها ألوان لا أدري ما هي": أن الثاني إشارة إلى أنها لا تشبه الأعيان المشهورة المستحضرة في النفوس، فتُنْعَتْ لكم بذكر نظائرها. "قال: فأعطي رسول الله ﷺ ثلاثاً؛ أعطي الصلوات الخمس، وأعطي خواتيم سورة البقرة": قيل: معناه: استجيب له ﵇ مضمون الآيتين الأخيرتين من قوله: ﴿غُفْرَانَكَ رَبَّنَا﴾ [البقرة: ٢٨٥] إلى آخر السورة. وعن الحسن وابن سيرين ومجاهد ﵁: أن الله تعالى تولى إيحاءهما إليه بلا واسطة جبريلَ ليلة المعراج، فهما مكيتان عندهم. "وغُفِر": على صيغة المجهول. "لمن لا يشرك بالله من أمته شيئاً المقحمات (١) ": وهي الذنوب العظام التي تُقحِم أصحابها في النار؛ أي: تلقيهم فيها، وهي الكبائر. * * * ٤٥٨١ - وعن أَبي هُريْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبيُّ ﷺ : "لقدْ رأَيْتُنِي في الحِجْرِ وقريشٌ تَسْألُنِي عنْ مَسْرايَ، فَسَألَتْنِي عنْ أَشْيَاءَ منْ بيتِ المَقْدِسِ لمْ أُثْبتْها، فكُرِبْتُ كَرْباً ما كُرِبْتُ مِثلَهُ، فرفَعَهُ الله لِي أَنظُرُ إليهِ، مَا يَسْألوننِي عَنْ شَيءٍ إِلَاّ أنبأْتُهُمْ، وَلقد رأيْتُنِي في جَماعةٍ مِنَ الأنبياءِ، فإذا مُوسَى قَائِمٌ يُصلِّي، فإذا رَجُلٌ

стр. 3178

ضَرْب جَعْدٌ كأنّهُ منْ رِجالِ شَنُوءَةَ، وإذا عيسَى قائِمٌ يُصلِّي، أَقْربُ النَّاسِ بهِ شَبَهاً عُرْوَةُ بن مَسعودٍ الثَّقَفيُّ، وإذا إِبْرَاهيمُ قائِمٌ يُصلِّي، أشْبَهُ النَّاسِ بهِ صَاحِبُكُمْ - يَعني: نَفْسَهُ - فَحَانَتْ الصَّلاةُ فأَمَمْتُهُمْ، فلمَّا فَرَغْتُ مِنَ الصَّلاةِ قَالَ لِيْ قَائِلٌ: يَا مُحَمَّدُ! هذا مَالِكٌ خَازِنُ النَّارِ فسَلِّمْ عليهِ، فالتَفَتُّ إليهِ، فبَدَأَنِي بالسَّلامِ". "عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : لقد رأيتني": اللام جواب قسم مقدر. "في الحجر"؛ أي: حجر الكعبة. "وقريشٌ تسألني عن مَسْراي" بفتح الميم، مصدر ميمي؛ أي: عن سيري إلى بيت المقدس. "فسألتني عن أشياء من بيت المقدس لم أُثبتها"؛ أي: لم أشاهدها على التعيين. "فكُرِبت"؛ أي: أصابني كربٌ، وهو الغمُّ. "كرباً ما كربت مثله، فرفعه الله"؛ أي: رفع الله بيت المقدس. "لي أنظر إليه"؛ يعني: رفع الحجاب بيني وبينه حتى شاهدته. "ما يسألونني عن شيء إلا أنبأتهم"؛ أي: أخبرتهما. "وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء، فإذا موسى قائمٌ يصلي، فإذا رجلٌ ضربٌ"؛ أي: خفيف اللحم. "جعدٌ، كأنه من رجال شنوءة": قبيلة من اليمن. "وإذا عيسى قائم يصلي، أقربُ الناس به شبهاً عروةُ بن مسعود الثقفي، وإذا إبراهيم قائم يصلي أشبه الناس به صاحبكم؛ يعني: نفسه"؛ أي: نفس النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، هذا التفسير من الراوي.

стр. 3179

"فحانت الصلاة"؛ أي: جاء وقتها. "فأممتهم، فلما فركت من الصلاة قال قائل: يا محمد! هذا مالك خازن النار، فسلِّم عليه، فالتفت إليه، فبدأني بالسلام"؛ ليزيل ما استشعر من الخوف؛ لكونه خازن النار. * * * فصل في المُعْجِزَاتِ (فصل في المعجزات) جمع: معجزة، وهي: أمر بخلاف العادة، يظهر على يدِ من يدَّعي النبوةَ دالاً على صدقة. ٤٥٨٢ - عَنْ أَنسٍ ﵁: أنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ ﵁ قَالَ: نظَرتُ إلى أَقْدَامِ المُشْرِكِينَ على رُؤوسِنَا ونَحْنُ في الغَارِ، فَقُلتُ: يَا رَسُولَ الله! لوْ أنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ إِلَى قَدمِهِ أبْصَرَنا، فَقَالَ: "يَا أَبَا بَكْرٍ! ما ظنُّكَ باثْنَينِ الله ثالِثُهُمَا؟ ". "عن أنس بن مالك: أن أبا بكر الصديق ﵁ قال: نظرت إلى أقدام المشركين على رؤوسنا ونحن في الغار": وهو الكهف في الجبل. "فقلت: يا رسول الله! لو أن أحدهم نظرَ إلى قدمه أبصرنا، فقال: يا أبا بكر! ما ظنك باثنين"؛ يعني: نفسه وأبا بكر. "الله ثالثهما؟ "؛ أي: في المعاونة، واتحاد الضمير في (اثنين) و (ثالثهما) دليلٌ على كرامة أبي بكر وفضيلته. * * *

стр. 3180

٤٥٨٣ - وقَالَ البَراءُ بن عَازِبٍ لأَبِي بَكْرٍ: يَا أَبَا بَكْرٍ! حَدِّثْنِي كَيْفَ صنَعْتُما حِينَ سَرَيْتَ معَ رَسُولِ الله ﷺ ، قال: أسْرَيْنا لَيْلَتَنا ومِنْ الغَدِ حتَّى قَامَ قَائِمُ الظَّهيرَةِ وخَلا الطَّريقُ لا يَمُرُّ فيهِ أَحَدٌ، فرُفِعَتْ لنا صَخْرةٌ طَويْلةٌ لَهَا ظِلٌّ لمْ تأتِ عليهِ الشَّمسُ، فنزَلْنا عِندَهُ، وسَوَّيْتُ للنَّبيِّ ﷺ مَكَاناً بيدِي يَنَامُ عليهِ، وبَسَطْتُ عليهِ فَرْوَةً، وقُلْتُ: نَمْ يَا رَسُولَ الله! وأَنَا أنفُضُ ما حَوْلَكَ، فنامَ، وخَرَجْتُ أنفُضُ ما حَوْلَهُ، فإِذَا أَنَا براعٍ مُقبلٍ، قُلْتُ: أفي غَنَمِكَ لَبن؟ قَالَ: نعَمْ، قُلْتُ: أفتحلِبُ لي؟ قَالَ: نَعَمْ، فأَخَذَ شَاةً فَحَلَبَ في قَعْبٍ كُثْبةً مِنْ لَبن، ومَعِي إِدَاوةٌ حَمَلتُها للنَّبيِّ ﷺ يَرْتَوِي فِيْهَا، يَشْرَبُ ويَتَوضَّأُ، فأتيْتُ النَّبيَّ ﷺ ، فكَرِهْتُ أَنْ أُوقِظَهُ فوافَقْتُهُ حتَّى اسْتَيْقَظَ، فصَبَبْتُ مِنَ المَاءِ على اللَّبن حتَّى بَرَدَ أَسْفَلُهُ، فقُلْتُ: اشرَبْ يَا رَسُولَ الله! فشَرِبَ حتَّى رَضيْتُ، ثُمَّ قَالَ: "ألَمْ يَأْنِ للرَّحِيلِ؟ "، قُلتُ: بَلَى، قال: فارْتحَلْنا بَعْدَ مَا مالَتِ الشَّمْسُ، واتَّبَعَنا سُراقَةُ بن مَالِكٍ، فَقُلْتُ: أُتِينا يَا رَسُولَ الله! فَقَالَ: "لا تَحزَنْ، إنَّ الله مَعنا"، فدَعَا عَلَيْهِ النَّبيُّ ﷺ فارتَطَمَتْ بهِ فرَسُهُ إلى بَطنِها في جَلَدٍ مِنَ الأرْضِ، فَقَال: إِنِّي أَرَاكُمَا دَعُوْتُما عَلَيَّ فادعُوَا لي، فالله لكُمَا أنْ أرُدَّ عنكُما الطَلَبَ، فدَعا لهُ النَّبيُّ ﷺ فَنَجَا، فجَعَلَ لا يَلقَى أَحَداً إلَّا قَالَ: كُفيتُمْ مَا هُنَا، فلا يَلقَى أحداً، إلَّا ردَّهُ. "وقال البراء بن عازب لأبي بكر: يا أبا بكر! حدثني كيف صنعتما حين سَرَيت مع رسول الله ﷺ ": سَرَى وأَسْرَى بمعنى، وهو: السير بالليل. "قال: أسرينا ليلتنا ومن الغد حتى قام قائمُ الظهيرة": وهي نصف النهار. "وخلا الطريقُ لا يمرُّ فيه أحدٌ، فرفعت لنا"؛ أي: ظهرت. "صخرة طويلة لها ظلٌّ، لم تأتِ عليها الشمس، فنزلنا عنده، وسوَّيتُ للنبي ﷺ مكاناً بيدي، ينام عليه"؛ أي: على ذلك المكان. "وبسطتُ عليه فروة"؟ أي: ما يلبس من جلد الضأن وغيره.

стр. 3181

"وقلت: نمْ يا رسول الله! وأنا أنفضُ ما حولك"؟ أي: أحفظ ما حولك، وأحرسك من الأعداء، وأتجسَّس الأخبار من كل وجه. "فنام وخرجت أنفض ما حوله، فإذا أنا براعٍ مقبل، قلت: أفي غنمك لبن؟ قال: نعم، قلت: أفتحلب؟ قال: نعم، فأخذ شاة فحلب في قَعْبٍ" بفتح القاف وسكون العين المهملة: قدح من خشب مقعر، وقيل: قدح صغير. "كُثْبة" بضم الكاف وسكون الثاء المثلثة؛ أي: قدر حلبة، وقيل: ملء القدح. "من لبن، ومعي إداوة": وهي - بكسر الهمزة وفتح الدال المهملة -: المطهرة. "حملتها للنبي ﷺ يرتوي فيها"؛ أي: يكسر عطشه من مائها. "يشرب ويتوضأ، فأتيت النبي ﷺ ، فكرهت أن أوقظه، فوافقته": بتقديم الفاء على القاف؛ أي: فوافقته فيما هو عليه من النوم، ويروى بتقديم القاف من الوقوف؛ أي: صبرتُ، وتوقفت في المجيء إليه. "حتى استيقظ، وصببت من الماء على اللبن حتى برد أسفله، فقلت: اشرب يا رسول الله! فشرب حتى رضيت به، ثم قال"؛ أي: النبي ﷺ . "ألم يأنِ للرحيل؟ "؟ أي: ألم يدخل وقت الارتحال؟ "قلت: بلى، قال: فارتحلنا بعدما مالت الشمس، واتَّبَعَنَا سُراقةُ بن مالك": كافر من كفار قريش. "فقلت: أُتينا يا رسول الله"؛ أي: جاءنا من يطلبنا. "فقال: لا تحزن إن الله معنا، فدعا ﷺ ، فارتطمت به فرسه"؛ أي: ساخت قوائمها.

стр. 3182

"إلى بطنها": كما تسوخُ في الوحل. "في جَلَد": وهو - بفتحتين -: القطعة الغليظة الصلبة. "من الأرض، فقال: إني أراكما"؛ أي: أظنكما. "دعوتما عليَّ، فادعوا لي، فالله لكما"؛ أي: فالله شاهدٌ على أن لا أغْدِرَكُما في الردِّ عنكما، فـ (الله) مبتدأ، والخبر محذوف، وإن نصب فالتقدير: أُشهِد الله. "أن أرد": بحذف الجار؛ أي: بأن أرد. "عنكما الطلب"؛ أي: طلب الكفار. "فدعا له النبي ﵊، فنجا، فجعل لا يلقى أحداً"؛ أي: ما وصل سراقة أحداً من الكفار؛ لطلب النبي ﷺ . "إلا قال. كفيتم"؛ أي: استغنيتم عن الطلب. "ما هاهنا": قيل: (ما) للنفي؛ أي: ليس هاهنا أحد، وقيل: بمعنى: (الذي)؛ أي: كفيتم الذي هاهنا؛ يعني: كفيتم الطلب في هذا الجانب. "فلا يلقى أحداً إلا رده"؛ وفاء بما وعد، ومراعاةً لما عهد. * * * ٤٥٨٤ - وقَالَ أَنَسٌ ﵁: سَمعَ عبدُ الله بن سَلامٍ بِمَقْدَمِ رَسُولِ الله ﷺ وهوَ في أَرْضٍ يَخْترِفُ، فَأَتَى النَّبيَّ ﷺ فَقَالَ: إنِّي سَائِلُكَ عنْ ثلاثٍ لا يعلَمُهُنَّ إلَّا نبيٌّ: فما أَوَّلُ أَشْراطِ السَّاعةِ؟ وما أَوَّلُ طَعَامِ أَهْلِ الجَنَّةِ؟ وما يَنْزِعُ الوَلدَ إلى أبيهِ أوْ إلى أُمِّهِ؟ قَالَ: "أخبَرنِي بهِنَّ جِبريلُ آنِفاً، أمَّا أَوَّلُ أَشْراطِ السَّاعةِ فنارٌ تحشُرُ النَّاسَ مِنَ المَشْرِقِ إلى المَغْرِبِ، وأَمَّا أَوَّلُ طَعَامٍ يأْكُلُهُ أَهْلُ الجَنَّةِ فزِيَادَةُ

стр. 3183

كَبدِ حُوتٍ، وإِذَا سَبَقَ مَاءُ الرَّجُلِ مَاءَ المَرْأةِ نزَعَ الولدَ، وإِذَا سَبَقَ مَاءُ المَرأةِ نزَعَتْ"، قَالَ: أَشْهدُ أنْ لا إِلَهَ إِلَاّ الله وأنَّكَ رَسُولُ الله، ثُمَّ قَالَ: يا رَسُولَ الله! إنَّ اليَهُودَ قومٌ بُهْتٌ، وإنَّهُمْ إِنْ يَعلَمُوا بإسْلامِي قبلَ أَنْ تَسْألَهُمْ يَبْهتوني، فجَاءَت اليَهُودُ، فقال: "أيُّ رَجُلٍ عبدُ الله فيكُمْ؟ "، قالوا: خَيْرُنا، وابن خَيْرِنا، وسَيدُنا وابن سَيدِنا، قال: "أرأَيْتُمْ إنْ أسلَمَ عبدُ الله بن سَلامٍ؟ "، قالوا: أَعَاذَهُ الله مِنْ ذلكَ، فخرجَ عبدُ الله فَقَالَ: أَشْهدُ أنْ لا إِلهَ إلَّا الله وأنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ الله، فَقَالوا: شَرُّنا وابن شَرِّنا، فانتقَصُوهُ، قال: هَذَا الَّذي كُنْتُ أَخَافُ يَا رَسُولَ الله!. "وقال أنس ﵁: سمع عبد الله بن سلام بمقدَمِ رسول الله ﷺ "؛ أي: بقدومه ﷺ . "وهو"؛ أي: عبد الله بن سلام. "في أرض يخترِفُ"؛ أي: يجني الثمرة من الشجر. "فأتى النبيَّ ﷺ ، فقال: إني سائلك عن ثلاث لا يعلمهن إلا نبي، فما أول أشراط الساعة؟ وما أول طعام أهل الجنة؟ وما ينزع الولد"؛ أي: ما يشبهه "إلى أبيه أو إلى أمه؟ قال: أخبرني بهن جبريل آنفاً؛ أما أول أشراط الساعة؛ فنارٌ تحشر الناس من المشرق إلى المغرب، وأما أول طعام يأكله أهل الجنة؛ فزيادةُ كبد الحوت"؛ أي: طرف كبده، وهي أطيب ما يكون من كبده. "وإذا سبق"؛ أي: علا وغلب. "ماءُ الرجل ماءَ المرأة نزع"؛ أي: جذب ذلك السبق "الولدَ" إلى مشابهة الرجل، أو جذب الرجل الولد إلى مشابهته بسبب سبق مائه على مائها. "وإذا سبق ماء المرأة نزعت"؛ أي: جذبت المرأة الولد إلى مشابهتها بسبب غلبة مائها على مائه.

стр. 3184

"قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أنك رسول الله، يا رسول الله! إن اليهود قومٌ بُهْتٌ" بضم الباء ثم السكون: جمع بَهُوت، من بناء المبالغة؛ أي: كثيرُ البهتان؛ يعني: أنهم قوم لا يبالون بالكذبِ والافتراءِ على الناس. "وإنهم إن يعلموا بإسلامي من قبل أن تسألهم عني"؛ أي: قبل سؤالك منهم عن حالي. "يبهتوني"؛ أي: يقولون عليَّ ما لم أفعله. "فجاءت اليهود، فقال: أيُّ رجل عبد الله فيكم؟ قالوا: خيرنا وابن خيرنا، وسيدنا وابن سيدنا، قال: أرأيتم"؛ أي: أخبروني "إن أسلم عبد الله بن سَلامٍ؟ قالوا: أعاذه الله من ذلك، فخرج عبد الله فقال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، فقالوا: شرنا وابن شرنا، فانتقصوه"؛ أي: عابوه وحقروه. "قال"؛ أي: عبد الله بن سلام: "هذا الذي كنت أخاف يا رسول الله". * * * ٤٥٨٥ - وقَالَ أَنسٌ ﵁: إِنَّ رَسُولَ الله ﷺ شَاوَرَنا حِيْنَ بلَغَنا إِقْبالُ أبي سُفْيانَ، فَقَامَ سَعدُ بن عُبادَةَ فَقَالَ: يَا رَسُولَ الله! والّذِي نَفْسِي بيدِهِ، لوْ أمَرْتَنَا أنْ نُخِيضَها البحرَ لأخَضْنَاها، ولوْ أمَرْتَنا أنْ نَضْرِبَ أكبَادَها إلى بَرْكِ الغِمادِ لفعَلْنا، قال: فندَبَ رَسُولُ الله ﷺ النَّاسَ، فانطَلَقُوا حتَّى نزَلُوا بَدْراً، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "هذا مَصْرَعُ فُلانٍ"، ويَضعُ يَدهُ على الأَرْضِ هَاهُنَا وهَاهُنَا، قَالَ: فَمَا مَاطَ أحدُهُمْ عن مَوْضعِ يَدِ رَسُولِ الله ﷺ . "وقال أنس ﵁: إن النبي ﷺ شاورَ حين بلغنا إقبالُ أبي سفيان"؛ أي: حين سمعنا أن أبا سفيان أقبل من مكة مع الجيش للمحاربة.

стр. 3185

مشاورته ﷺ أهل المدينة كان امتحاناً على وثوق عهدهم. "فقام سعد بن عبادة، فقال: يا رسول الله! والذي نفسي بيده لو أمرتنا أن نُخِيضَها"؛ أي: ندخل الخيل والإبل؛ لدلالة الحال عليهما. "البحر لأخضناها"؛ أي: لأدخلناها البحر. "ولو أمرتنا أن نضربَ أكبادها": ضرب أكباد الخيل والإبل كنايةٌ عن تكليفها السير الكثير. "إلى بَرْكِ الغِماد": بكسر الباء الموحدة وفتحها، والفتح أشهر، قال التوربشتي: كسر الباء أصح الروايتين، وبضم الغين المعجمة وكسرها أيضاً: اسم موضع بأقصى اليمن، وقيل: وراء مكة بخمس ليالٍ بناحية الساحل مما يلي اليمن؟ يعني: لو أمرتنا أن نفعلَ خلاف العادة بالسير والقتال إلى موضع ذلك، "لفعلنا"، فكيف لا نسير ونقاتل ببدر مع قربها؟! "قال: فندب"؛ أي: دعا. "رسولُ الله ﷺ الناسَ، فانطلقوا"؛ أي: فذهبوا. "حتى نزلوا بدراً، فقال رسول الله ﷺ : هذا مصرعُ فلان"؛ أي: مقتله. "ويضع يده على الأرض هاهنا وهاهنا، قال: فما ماطَ"؛ أي: ما بعد، وما تجاوز "أحدُهم عن موضع يد رسول الله ﷺ "؛ أي: عن الموضع الذي عيَّنه ﷺ بيده لمصرع كفار قريش في بدر. * * * ٤٥٨٦ - وعَنِ ابن عبَّاسٍ ﵁: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ وهوَ في قُبَّةٍ يَوْمَ بَدْرٍ: "اللهمَّ! أَنشُدُكَ عَهْدَكَ ووعْدَكَ، اللهمَّ! إِنْ تَشَأْ لا تُعبَدُ بعدَ اليومِ"، فأَخَذَ أبو بَكْرٍ بيَدِهِ فَقَالَ: حَسْبُكَ يَا رَسُولَ الله! ألْحَحْتَ على ربك، فخَرجَ وهوَ يَثِبُ في

стр. 3186

الدِّرْعِ وهوَ يقول: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ ". "عن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ قال وهو في قبة"؛ أي: خيمة. "يوم بدر: اللهم أنشدك عهدك ووعدك"؛ أي: أسألك إيفاء عهدك، وإنجاز وعدك، المشار إليه بقوله: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: ٣٣]، وفي سورتي (الفتح) و (النصر). "اللهم إن تشأ"؛ أي: عدمَ الإسلام، مفعوله محذوف؛ لدلالة السياق عليه؛ أي: إن تشأ أن لا تُعبَدَ، "لا تُعبَدُ بعد اليوم"؛ لأنه حينئذ لا يبقى على وجه الأرض مسلم. "فأخذ أبو بكر ﵁ بيده فقال: حسبك يا رسول الله! ألححتَ على ربك"؛ أي: بالغت في الدعاء كلَّ المبالغة. إلحاحُهُ ﷺ في دعائه تشجيعٌ للمسلمين، وتثبيتٌ لأقدامهم؛ لأنهم كانوا عالمين بأن دعاءه مستجاب البتة، لاسيما إذا بالغ فيه. وقول أبي بكر هذا يدل على أنه أقوى قلباً من الصحابة، وأوثقهم بإنجاز وعده تعالى. "فخرج"؛ أي: الرسول ﷺ . "وهو يثب في الدرع"؛ أي: حال كونه مسرعاً فيها، "وهو يقول: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥] "؛ أي: يدبرون. * * * ٤٥٨٧ - وعنِ ابن عبَّاسٍ ﵁: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ يومَ بَدْرٍ: "هذا جِبريلُ آخِذٌ بِرَأسِ فرَسهِ، عَليهِ أداةُ الحَرْبِ".

стр. 3187

"وعنه: أنَّ النبي ﷺ قال يوم بدر: هذا جبريلُ آخذٌ برأس فرسه عليه أداةُ الحرب"؛ أي: آلته. * * * ٤٥٨٨ - وقَالَ ابن عبَّاسٍ ﵁: بَيْنَما رَجُلٌ مِنَ المُسْلِميْنَ يومئذٍ يَشتَدُّ في أثَرِ رَجُلٍ مِنَ المُشْرِكينَ أَمَامَهُ، إِذْ سَمِعَ ضَرْبَةً بالسَّوْطِ فَوقَهُ، وصَوْتَ الفَارِسِ يَقُولُ: أقْدِمْ حَيْزومُ! إذْ نظرَ إلى المُشركِ أَمَامَهُ خَرَّ مُسْتَلْقِياً، فنظرَ إليهِ، فإذا هوَ قدْ خُطِمَ أنفُهُ وشُقَّ وجهُهُ كضَرْبةِ السَّوْطِ، فاخْضَرَّ ذلكَ أجْمَعُ، فجاءَ الأَنْصَارِيُّ فَحَدَّثَ رَسُولَ الله ﷺ ، فقال: "صَدَقْتَ، ذلكَ منْ مَدَدِ السَّمَاءَ الثالِثةِ". "وقال ابن عباس ﵄: بينما رجل من المسلمين يومئذٍ"؛ أي: يوم إذ قامت الحرب. "يشتدُّ"؛ أي: يعدو. "في إثر رجل من المشركين أمامَهُ"؛ أي: قُدَّامه. "إذ سمع"؛ أي: الرجل، (إذ) هنا للمفاجأة. "ضربةً بالسوط فوقه، وصوتَ الفارس": معطوف على (ضربة). "يقول: أَقْدِم" بفتح الهمزة: أمرٌ بالإقدام. "حيزوم" بفتح الحاء المهملة وضم الزاء المعجمة: اسم فرس جبريل، وحرف النداء منه محذوف، وقيل: اسم فرسٍ من خيول الملائكة. "إذ نظر": بدل من (إذ سمع). "إلى المشرك أمامه خَرَّ"؛ أي: سقط. "مستلقياً، فنظر إليه"؛ أي: إلى المشرك.

стр. 3188

"فإذا هو قد خُطِم أنفه"؛ أي: ظهر على أنفه أثر ضربة، و (الخطم) بالخاء المعجمة: الأثر على الأنف. "وشُقَّ وجهُهُ كضربة السوط، فأخْضرَّ ذلك أجمعُ"؛ أي: صار موضع الضربة كله أسود. "فجاء الأنصاريُّ، فحدث رسول الله ﷺ فقال: صدقت، ذلك من مددِ السماء الثالثة"؛ أي: مدد ملائكتها. خُصَّ المدد بأهل السماء الثالثة؛ تنبيهاً على أن المدد كان من كثير من السماوات، أو على أن لأهلها هذا التأثير المخصوص. * * * ٤٥٨٩ - وقَالَ سَعْدُ بن أبي وَقَّاصٍ ﵁: رأيتُ عنْ يَمينِ رَسُولِ الله ﷺ وعَنْ شِمالِه يَومَ أُحُدٍ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِما ثِيابٌ بِيضٌ، يُقاتِلانِ كأشَدِّ القِتَالِ، مَا رأَيْتُهُما قَبْلُ ولا بَعْدُ، يَعني: جِبريلَ ومِيكائِيلَ ﵉. "وقال سعد بن أبي وقاص: رأيت عن يمين رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وعن شماله يومَ أُحدٍ رجلين عليهما ثياب بيض، يقاتلان كأشد القتال، ما رأيتهما قبلُ ولا بعدُ؛ يعني: جبريل وميكائيل": تفسير للرجلين. * * * ٤٥٩٠ - وعَنِ البَراءِ ﵁ قال: بَعثَ النَّبيُّ ﷺ رَهْطاً إِلى أَبي رافِعٍ، فدَخَلَ عليهِ عبدُ الله بن عَتِيكٍ بيتَهُ لَيْلاً وهوَ نائِمٌ فقتَلَهُ، فَقَالَ عَبدُ الله بن عَتِيكٍ: فوضَعْتُ السَّيفَ في بطنِهِ حتَّى أَخَذَ في ظهرِهِ فعرَفْتُ أنِّي قَتَلتُهُ، فَجَعَلْتُ أفتحُ الأبوابَ حتَّى انتهَيْتُ إِلى دَرَجةٍ، فوضَعْتُ رِجْلِي، فوقعْتُ في لَيلةٍ مُقْمِرَةٍ، فانكسَرَتْ سَاقِي،

стр. 3189

فعصَبْتُها بِعِمَامةٍ، فانطلَقْتُ إلى أَصْحَابي فانتَهَيْتُ إلى النَّبيِّ ﷺ فحَدَّثتُهُ فَقَال: "ابْسُطْ رِجْلَكَ"، فبسَطْتُ رِجْلِي فمسَحَها، فكَأنَّها لمْ أشتَكِها قطُّ. "عن البراء ﵁ قال: بعث النبي ﷺ رهطاً": من الخزرج، والرهط: ما دون العشرة من الرجال لا يكون فيهم امرأة. "إلى أبي رافع": وهو ابن الحقيق اليهودي، وكان أعدى عدوٍّ للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم، كان يسعى في أذيته، ويهجوه بعدما نقض عهده، وكان له قلعة، فهو ملكها يتحصَّنُ بها. "فدخل عبد الله بن عَتيكٍ": بفتح العين المهملة وكسر التاء، وهو أمير الرهط. "بيته ليلاً وهو نائم، فقتله، فقال عبد الله بن عتيك: فوضعت السيف في بطنه حتى أخذ في ظهره، فعرفت أني قتلته، فجعلت"؛ أي: طفقت "أفتح الباب، حتى انتهيت إلى درجة، فوضعت رجلي، فوقعت"؛ أي: من تلك الدرجة. "في ليلة مقمرة"؛ أي: مضيئة من نور القمر، يقال: أقمرت الليلة: إذا أضاءت. "فانكسرت ساقي، فعصبتها بعمامة"؛ أي: شددتها بها. "فانطلقتُ إلى أصحابي، فانتهيتُ إلى النبي ﷺ فحدثته، فقال: ابسطْ رِجلَكَ، فبسطتُ رجلي، فمسحها"؛ أي: مسح رجلي بيده، فصارت صحيحة. "فكأنما لم أشتكها قط": وفيه دليل على أن الذمي إذا نقض عهده يُقتَلُ. * * * ٤٥٩١ - وقَالَ جَابرٌ: إنَّا يومَ الخَنْدَقِ نَحفِرُ، فَعَرَضَتْ كُدْيَةٌ شَدِيْدَةٌ، فجَاءُوا النَّبيَّ ﷺ فَقَالُوا: هَذِه كُدْيَةٌ عَرضَتْ في الخَنْدَقِ، فَقَالَ: "أَنَا نازِلٌ، ثُمَّ

стр. 3190

قَامَ وبطنُهُ مَعصُوبٌ بحَجَرٍ، ولَبثْنا ثَلاثَةَ أيَّامٍ لا نَذوقُ ذَواقاً، فأخَذَ النَّبيُّ ﷺ المِعْوَلَ فضَربَ فعَادَ كَثِيْباً أهْيَلَ، فانْكَفأْتُ إلى امرأَتِي فَقُلتُ: هَلْ عِندَكِ شَيءٌ؟ فإنِّي رَأيتُ بالنَّبيِّ ﷺ خَمَصاً شَدِيْداً، فأخْرجَتْ جِراباً فيهِ صَاعٌ مِنْ شَعيرٍ، ولَنَا بُهَيْمةٌ داجِنٌ فذبَحْتُها، وطَحنْتُ الشَّعيرَ، حتَّى جَعَلْنا اللَّحْمَ في البُرْمَةِ، ثُمَّ جِئتُ النَّبيَّ ﷺ فسَارَرْتُهُ فقلْتُ: يا رَسُولَ الله! ذَبَحْنَا بُهَيْمَةً لَنَا، وطَحَنْتُ صَاعًا مِنْ شَعيرٍ، فتَعَالَ أَنْتَ ونَفَرٌ معَكَ، فَصَاحَ النَّبيّ ﷺ : "يَا أَهْلَ الخَنْدَقِ! إنَّ جَابراً صَنَع سُوْراً، فَحَيَّ هَلا بكُمْ"، فقالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لا تُنْزِلُنَّ بُرْمَتَكُمْ، ولا تَخْبزُنَّ عَجينَكُمْ حتَّى أَجِيءَ"، وجاءَ فأخرَجَتْ لهُ عَجيْناً فبَصَقَ فيهِ وبَارَكَ، ثُمَّ عَمَدَ إلى بُرْمَتِنا فبَصَقَ وباركَ، ثُمَّ قالَ: "ادْعِي خابزةً فلتَخْبزْ معَكِ، واقْدَحِي مِنْ بُرْمَتِكُمْ ولا تُنزِلُوها"، وهُمْ ألفٌ، فأُقسِمُ بالله لأَكَلوا حتَّى تَركُوه وانحَرَفوا، وإنَّ بُرْمَتَنا لَتَغِطُّ كَمَا هِيَ، وإنَّ عَجينَنا لَيُخْبَزُ كَمَا هُوَ. "وقال جابر: إنَّا يوم الخندق نحفرُ، فعرضت"؛ أي: ظهرت. "كُديةٌ": وهي - بضم الكاف وسكون الدال المهملة -: الأرض الصلبة الغليظة التي لا يعملُ فيها الفأس. "شديدة، فجاءوا النبي ﷺ ، فقالوا: هذه كُديةٌ عرضت في الخندق، فقال: أنا نازل"؛ أي: في الخندق. "ثم قام، وبطنُهُ معصوبٌ"؛ أي: مشدود من الجوع. "بحجر، ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذَواقاً" بالفتح: ما يُذاقُ من المأكول والمشروب. "فأخذ النبي ﷺ المِعوَلَ": وهو - بكسر الميم وسكون العين المهملة -: الفأس العظيم التي ينقر بها الصخر. "فضربَ، فعادَ كثيباً"؛ أي: تلاً من الرمل.
следующие страницы →