الدِّرْعِ وهوَ يقول: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ ".
"عن ابن عباس ﵄: أن النبي ﷺ قال وهو في قبة"؛ أي: خيمة.
"يوم بدر: اللهم أنشدك عهدك ووعدك"؛ أي: أسألك إيفاء عهدك، وإنجاز وعدك، المشار إليه بقوله: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: ٣٣]، وفي سورتي (الفتح) و (النصر).
"اللهم إن تشأ"؛ أي: عدمَ الإسلام، مفعوله محذوف؛ لدلالة السياق عليه؛ أي: إن تشأ أن لا تُعبَدَ، "لا تُعبَدُ بعد اليوم"؛ لأنه حينئذ لا يبقى على وجه الأرض مسلم.
"فأخذ أبو بكر ﵁ بيده فقال: حسبك يا رسول الله! ألححتَ على ربك"؛ أي: بالغت في الدعاء كلَّ المبالغة.
إلحاحُهُ ﷺ في دعائه تشجيعٌ للمسلمين، وتثبيتٌ لأقدامهم؛ لأنهم كانوا عالمين بأن دعاءه مستجاب البتة، لاسيما إذا بالغ فيه.
وقول أبي بكر هذا يدل على أنه أقوى قلباً من الصحابة، وأوثقهم بإنجاز وعده تعالى.
"فخرج"؛ أي: الرسول ﷺ .
"وهو يثب في الدرع"؛ أي: حال كونه مسرعاً فيها، "وهو يقول: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ﴾ [القمر: ٤٥] "؛ أي: يدبرون.
* * *
٤٥٨٧ - وعنِ ابن عبَّاسٍ ﵁: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ يومَ بَدْرٍ: "هذا جِبريلُ آخِذٌ بِرَأسِ فرَسهِ، عَليهِ أداةُ الحَرْبِ".
стр. 3187
"وعنه: أنَّ النبي ﷺ قال يوم بدر: هذا جبريلُ آخذٌ برأس فرسه عليه أداةُ الحرب"؛ أي: آلته.
* * *
٤٥٨٨ - وقَالَ ابن عبَّاسٍ ﵁: بَيْنَما رَجُلٌ مِنَ المُسْلِميْنَ يومئذٍ يَشتَدُّ في أثَرِ رَجُلٍ مِنَ المُشْرِكينَ أَمَامَهُ، إِذْ سَمِعَ ضَرْبَةً بالسَّوْطِ فَوقَهُ، وصَوْتَ الفَارِسِ يَقُولُ: أقْدِمْ حَيْزومُ! إذْ نظرَ إلى المُشركِ أَمَامَهُ خَرَّ مُسْتَلْقِياً، فنظرَ إليهِ، فإذا هوَ قدْ خُطِمَ أنفُهُ وشُقَّ وجهُهُ كضَرْبةِ السَّوْطِ، فاخْضَرَّ ذلكَ أجْمَعُ، فجاءَ الأَنْصَارِيُّ فَحَدَّثَ رَسُولَ الله ﷺ ، فقال: "صَدَقْتَ، ذلكَ منْ مَدَدِ السَّمَاءَ الثالِثةِ".
"وقال ابن عباس ﵄: بينما رجل من المسلمين يومئذٍ"؛ أي: يوم إذ قامت الحرب.
"يشتدُّ"؛ أي: يعدو.
"في إثر رجل من المشركين أمامَهُ"؛ أي: قُدَّامه.
"إذ سمع"؛ أي: الرجل، (إذ) هنا للمفاجأة.
"ضربةً بالسوط فوقه، وصوتَ الفارس": معطوف على (ضربة).
"يقول: أَقْدِم" بفتح الهمزة: أمرٌ بالإقدام.
"حيزوم" بفتح الحاء المهملة وضم الزاء المعجمة: اسم فرس جبريل، وحرف النداء منه محذوف، وقيل: اسم فرسٍ من خيول الملائكة.
"إذ نظر": بدل من (إذ سمع).
"إلى المشرك أمامه خَرَّ"؛ أي: سقط.
"مستلقياً، فنظر إليه"؛ أي: إلى المشرك.
стр. 3188
"فإذا هو قد خُطِم أنفه"؛ أي: ظهر على أنفه أثر ضربة، و (الخطم) بالخاء المعجمة: الأثر على الأنف.
"وشُقَّ وجهُهُ كضربة السوط، فأخْضرَّ ذلك أجمعُ"؛ أي: صار موضع الضربة كله أسود.
"فجاء الأنصاريُّ، فحدث رسول الله ﷺ فقال: صدقت، ذلك من مددِ السماء الثالثة"؛ أي: مدد ملائكتها.
خُصَّ المدد بأهل السماء الثالثة؛ تنبيهاً على أن المدد كان من كثير من السماوات، أو على أن لأهلها هذا التأثير المخصوص.
* * *
٤٥٨٩ - وقَالَ سَعْدُ بن أبي وَقَّاصٍ ﵁: رأيتُ عنْ يَمينِ رَسُولِ الله ﷺ وعَنْ شِمالِه يَومَ أُحُدٍ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِما ثِيابٌ بِيضٌ، يُقاتِلانِ كأشَدِّ القِتَالِ، مَا رأَيْتُهُما قَبْلُ ولا بَعْدُ، يَعني: جِبريلَ ومِيكائِيلَ ﵉.
"وقال سعد بن أبي وقاص: رأيت عن يمين رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وعن شماله يومَ أُحدٍ رجلين عليهما ثياب بيض، يقاتلان كأشد القتال، ما رأيتهما قبلُ ولا بعدُ؛ يعني: جبريل وميكائيل": تفسير للرجلين.
* * *
٤٥٩٠ - وعَنِ البَراءِ ﵁ قال: بَعثَ النَّبيُّ ﷺ رَهْطاً إِلى أَبي رافِعٍ، فدَخَلَ عليهِ عبدُ الله بن عَتِيكٍ بيتَهُ لَيْلاً وهوَ نائِمٌ فقتَلَهُ، فَقَالَ عَبدُ الله بن عَتِيكٍ: فوضَعْتُ السَّيفَ في بطنِهِ حتَّى أَخَذَ في ظهرِهِ فعرَفْتُ أنِّي قَتَلتُهُ، فَجَعَلْتُ أفتحُ الأبوابَ حتَّى انتهَيْتُ إِلى دَرَجةٍ، فوضَعْتُ رِجْلِي، فوقعْتُ في لَيلةٍ مُقْمِرَةٍ، فانكسَرَتْ سَاقِي،
стр. 3189
فعصَبْتُها بِعِمَامةٍ، فانطلَقْتُ إلى أَصْحَابي فانتَهَيْتُ إلى النَّبيِّ ﷺ فحَدَّثتُهُ فَقَال: "ابْسُطْ رِجْلَكَ"، فبسَطْتُ رِجْلِي فمسَحَها، فكَأنَّها لمْ أشتَكِها قطُّ.
"عن البراء ﵁ قال: بعث النبي ﷺ رهطاً": من الخزرج، والرهط: ما دون العشرة من الرجال لا يكون فيهم امرأة.
"إلى أبي رافع": وهو ابن الحقيق اليهودي، وكان أعدى عدوٍّ للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم، كان يسعى في أذيته، ويهجوه بعدما نقض عهده، وكان له قلعة، فهو ملكها يتحصَّنُ بها.
"فدخل عبد الله بن عَتيكٍ": بفتح العين المهملة وكسر التاء، وهو أمير الرهط.
"بيته ليلاً وهو نائم، فقتله، فقال عبد الله بن عتيك: فوضعت السيف في بطنه حتى أخذ في ظهره، فعرفت أني قتلته، فجعلت"؛ أي: طفقت "أفتح الباب، حتى انتهيت إلى درجة، فوضعت رجلي، فوقعت"؛ أي: من تلك الدرجة.
"في ليلة مقمرة"؛ أي: مضيئة من نور القمر، يقال: أقمرت الليلة: إذا أضاءت.
"فانكسرت ساقي، فعصبتها بعمامة"؛ أي: شددتها بها.
"فانطلقتُ إلى أصحابي، فانتهيتُ إلى النبي ﷺ فحدثته، فقال: ابسطْ رِجلَكَ، فبسطتُ رجلي، فمسحها"؛ أي: مسح رجلي بيده، فصارت صحيحة.
"فكأنما لم أشتكها قط": وفيه دليل على أن الذمي إذا نقض عهده يُقتَلُ.
* * *
٤٥٩١ - وقَالَ جَابرٌ: إنَّا يومَ الخَنْدَقِ نَحفِرُ، فَعَرَضَتْ كُدْيَةٌ شَدِيْدَةٌ، فجَاءُوا النَّبيَّ ﷺ فَقَالُوا: هَذِه كُدْيَةٌ عَرضَتْ في الخَنْدَقِ، فَقَالَ: "أَنَا نازِلٌ، ثُمَّ
стр. 3190
قَامَ وبطنُهُ مَعصُوبٌ بحَجَرٍ، ولَبثْنا ثَلاثَةَ أيَّامٍ لا نَذوقُ ذَواقاً، فأخَذَ النَّبيُّ ﷺ المِعْوَلَ فضَربَ فعَادَ كَثِيْباً أهْيَلَ، فانْكَفأْتُ إلى امرأَتِي فَقُلتُ: هَلْ عِندَكِ شَيءٌ؟ فإنِّي رَأيتُ بالنَّبيِّ ﷺ خَمَصاً شَدِيْداً، فأخْرجَتْ جِراباً فيهِ صَاعٌ مِنْ شَعيرٍ، ولَنَا بُهَيْمةٌ داجِنٌ فذبَحْتُها، وطَحنْتُ الشَّعيرَ، حتَّى جَعَلْنا اللَّحْمَ في البُرْمَةِ، ثُمَّ جِئتُ النَّبيَّ ﷺ فسَارَرْتُهُ فقلْتُ: يا رَسُولَ الله! ذَبَحْنَا بُهَيْمَةً لَنَا، وطَحَنْتُ صَاعًا مِنْ شَعيرٍ، فتَعَالَ أَنْتَ ونَفَرٌ معَكَ، فَصَاحَ النَّبيّ ﷺ : "يَا أَهْلَ الخَنْدَقِ! إنَّ جَابراً صَنَع سُوْراً، فَحَيَّ هَلا بكُمْ"، فقالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لا تُنْزِلُنَّ بُرْمَتَكُمْ، ولا تَخْبزُنَّ عَجينَكُمْ حتَّى أَجِيءَ"، وجاءَ فأخرَجَتْ لهُ عَجيْناً فبَصَقَ فيهِ وبَارَكَ، ثُمَّ عَمَدَ إلى بُرْمَتِنا فبَصَقَ وباركَ، ثُمَّ قالَ: "ادْعِي خابزةً فلتَخْبزْ معَكِ، واقْدَحِي مِنْ بُرْمَتِكُمْ ولا تُنزِلُوها"، وهُمْ ألفٌ، فأُقسِمُ بالله لأَكَلوا حتَّى تَركُوه وانحَرَفوا، وإنَّ بُرْمَتَنا لَتَغِطُّ كَمَا هِيَ، وإنَّ عَجينَنا لَيُخْبَزُ كَمَا هُوَ.
"وقال جابر: إنَّا يوم الخندق نحفرُ، فعرضت"؛ أي: ظهرت.
"كُديةٌ": وهي - بضم الكاف وسكون الدال المهملة -: الأرض الصلبة الغليظة التي لا يعملُ فيها الفأس.
"شديدة، فجاءوا النبي ﷺ ، فقالوا: هذه كُديةٌ عرضت في الخندق، فقال: أنا نازل"؛ أي: في الخندق.
"ثم قام، وبطنُهُ معصوبٌ"؛ أي: مشدود من الجوع.
"بحجر، ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذَواقاً" بالفتح: ما يُذاقُ من المأكول والمشروب.
"فأخذ النبي ﷺ المِعوَلَ": وهو - بكسر الميم وسكون العين المهملة -: الفأس العظيم التي ينقر بها الصخر.
"فضربَ، فعادَ كثيباً"؛ أي: تلاً من الرمل.
стр. 3191
"أَهْيَلَ"؛ أي: سائلاً؛ يعني: ضرب النبي ﷺ تلك الكُديةَ، فصارت كثيباً من الرمل ينصبُّ ويسيل.
"فانكفأت"؛ أي: فانصرفت ورجعت "إلى امرأتي، فقلت: هل عندك شيء؟ فإني رأيت بالنبي ﷺ خَمَصاً"؛ أي: جوعاً.
"شديداً، فأخرجت جِراباً" بكسر الجيم: جلد مُنقَّى عن الشَّعر.
"فيه صاعٌ من شعير، ولنا بُهيمة": تصغير بَهْمة، وهي ولد الضأن، يقع على الذكر والأنثى، وقيل: هي السخلة.
"داجن": وهو ما ألف البيتَ واستأنس.
"فذبحتها، وطحنت الشعير، حتى جعلنا اللحم في البُرمة": وهي القدر من حجر.
"ثم جئت إلى النبي ﷺ ، فساررته"؛ أي: فكلمته سراً.
"وقلت: يا رسول الله! ذبحنا بُهيمة لنا، وطحنت صاعاً من شعير، فتعالَ أنت ونفرٌ معك، فصاح النبيُّ ﷺ : يا أهل الخندق! إن جابراً صنع سُؤْراً"؛ أي: هيأ لكم طعاماً.
"فحيَّ هلا بكم"؛ أي: يا رجال! هلموا وعجلوا إلى الطعام الذي صنع لكم جابر، وهي كلمة مركبة من (حيَّ) و (هل) مثل (خمسة عشر)، ويستوي فيه الواحد والجمع، والمذكر والمؤنث، فإذا وقفتَ عليه قلت: حي هلا، والألف لبيان أن الحركة كالهاء في ﴿كِتَابِيَهْ﴾ و ﴿حِسَابِيَهْ﴾ لأن الألف من مخرج الهاء، ويجوز: (حي هلاًّ) بالتنوين.
"فقال رسول الله ﷺ : لا تنزلنَّ برُمتكم، ولا تَخبزنَّ عجينَكم حتى أجيء، وجاء، فأخرجتُ له عجيناً، فبصق فيه"؛ أي: رمى بالبزاق في العجين.
стр. 3192
"وبارك"؛ أي: دعا بالبركة.
"ثم عَمِدَ"؛ أي: قصد.
"إلى برُمتنا، فبصق وبارك، ثم قال: ادعُ خابزةً، فلتخبزْ معي": قيل: بإعانتي إياها.
خاطب جابراً، ثم عدل إلى خطاب ربةِ البيتِ بقوله: "واقدحي"؛ أي: اغرفي "من برمتكم"، ثم عدل إلى الجمع، فقال: "ولا تنزلوها"، خطاباً للخابزةِ وغيرها على التغليب.
"وهم يومئذ ألفٌ، فأقسمُ بالله لأكلوا حتى تركوه، وانحرفوا"؛ أي: مالوا ورجعوا إلى أماكنهم.
"وإن برُمتنا لتغِطُّ": بكسر الغين المعجمة والطاء المهملة؛ أي: لتفور وتغلي غلياناً، لها صوتٌ، ممتلئة "كما هي، وإن عجيننا ليُخبَزُ كما هو".
* * *
٤٥٩٢ - وقَالَ أَبو قتادَةَ: إنَّ رَسُولَ الله صلى الله ﷺ قالَ لِعمَّارٍ حِينَ يَحفِرُ الخَنْدَقَ، فجَعلَ يَمسحُ رأسَهُ ويقول: "بُؤْسَ ابن سُمَيَّةَ، تَقْتُلُكَ الفِئَةُ البَاغِيَةُ".
"وقال أبو قتادة ﵁: إن رسول الله ﷺ قال لعمار حين يحفرُ الخندقَ، فجعل يمسح رأسه"؛ أي: فأخذ يمسح رأسَ عمار بن ياسر.
"ويقول: بؤس ابن سُمية": (البؤس): الشدة والمشقة، و (سمية) بضم السين وفتح الميم والياء المشددة: اسم أم عمار؛ أي: يا شدة سمية التي تصل إليه، هذا إن رُوي (بؤسَ) بالنصب.
وإن رُوي رفعاً، فخبر مبتدأ محذوف، و (ابن سمية) منادى؛ أي: يصيبك بؤسٌ وشدةٌ يا ابن سمية! "تقتلك الفئة الباغية"؛ يعني: أهل البغي، وهم معاوية
стр. 3193
وقومه، كأنه ﷺ ترحم له من الشدة التي يقع فيها، ثم ظهر صدقه ﷺ ، قتلة أهل معاوية وقومه، وكان مع علي ﵁ في حرب صِفين.
* * *
٤٥٩٣ - وقَالَ سُلَيمانُ بن صُرَدٍ: قالَ النَّبيُّ ﷺ حِيْنَ أُجْلِيَ الأحزابُ عنهُ: "الآنَ نَغزوهُم ولا يَغزوننَا، نحنُ نسَيرُ إليهِمْ".
"وقال سليمان بن صُرَد ﵁: قال النبي ﷺ حين أُجلِيَ الأحزابُ عنه": يقال: أجلوا عن كذا؛ أي: انكشفوا عنه وانفرجوا، والأحزاب: الجماعة التي تجتمع على محاربة الأنبياء، ويوم الأحزاب: يوم الخندق؛ لأن الكفار تحزبوا؛ أي: اجتمعوا على محاربة أهل المدينة.
"الآن نغزوهم، ولا يغزوننا، ونحن نسيرُ إليهم": أخبر النبي ﷺ حين انهزم الأحزاب بأن الظفرَ والنصرةَ قد جاء عليهم في هذه الساعة.
* * *
٤٥٩٤ - وَقَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: لمَّا رَجَعَ رَسُولُ الله ﷺ مِنَ الخَنْدَقِ ووَضَعَ السِّلاحَ واغتَسلَ، أَتاهُ جِبريلُ وهو يَنْفُضُ رَأسَهُ مِنَ الغُبارِ، فقالَ: "لَقَدْ وضَعْتَ السِّلاحَ، والله ما وَضَعتُهُ، اخرُجْ إِليهِمْ"، قالَ النَّبيّ ﷺ : "فأَيْنَ؟ فأشارَ إلى بني قُرَيْظَةَ".
"وقالت عائشة ﵂: لما رجع رسولُ الله ﷺ من الخندق، ووضع السلاح، واغتسل، أتاه جبريلُ وهو ينفضُ رأسَه": النفض: تحريك الشيء؛ ليزول ما عليه من الغبار وغيره؛ يعني: كان النبي ﷺ يمسح رأس جبريل "من الغبار"، والأولى أن يعود الضميران إلى جبريل ﵇.
стр. 3194
"فقال"؛ أي: جبريل للنبي ﵊.
"قد وضعتَ السلاح؟ والله ما وضعته، اخرجْ إليهم"؛ أي: قاصداً إلى بني قريظة، وهم اليهود.
"فقال النبي ﷺ : فأين" أقصد؟ "فأشار إلى بني قريظة".
* * *
٤٥٩٥ - قَالَ أَنسٌ: كَأنِّي أنظُرُ إلى الغُبارِ سَاطِعاً في زُقاقِ بني غَنْمٍ مِنْ مَوْكِبِ جِبريلَ ﵇ حِينَ سَارَ رَسُولُ الله ﷺ إلى بني قُرَيْظَةَ".
"قال أنس ﵁: كأني أنظر الغبار ساطعاً"؛ أي: مرتفعاً.
"في زقاق بني غَنْم": بفتح الغين المعجمة وسكون النون، ويروى بتحريكها: قبيلة من الأنصار؛ أي: في سكنهم.
"من موكب جبريل ﵇"؛ أي: جماعته الذين هو فيهم، والموكب: جماعة الفرسان، وجماعة الركبان أيضاً يسيرون برفق.
"حين سار رسول الله ﷺ إلى بني قريظة".
* * *
٤٥٩٦ - وقَالَ جَابرٌ ﵁: عَطِشَ النَّاسُ يومَ الحُدَيْبيَةِ ورَسُولُ الله ﷺ بيْنَ يَدَيْهِ رَكوَةٌ فتَوضَّأَ مِنها، ثُمَّ أَقْبَلَ النَّاسُ نحوَهُ، قَالُوا: لَيسَ عِنْدَنا مَاءٌ نتَوضَّأُ بهِ ونَشْربُ إِلَاّ ما في رَكْوَتِكَ، فوَضَعَ النَّبيّ ﷺ يَدَهُ في الرَّكْوَةِ، فَجَعَلَ المَاءُ يَفُورُ مِنْ بَيْنِ أَصَابعِهِ كَأَمْثَالِ العُيونِ، قَالَ: فشَرِبنا وتَوضَّأْنا، قيلَ لِجَابرٍ: كَمْ كُنْتُم؟ قَالَ: لوْ كُنَّا مِائةَ ألْفٍ لَكَفانَا، كُنَّا خَمْسَ عَشْرةَ مِئَةً.
"وقال جابر: عطش الناس يوم الحديبية ورسول الله ﷺ بين يديه رَكوة"
стр. 3195
بفتح الراء المهملة: ظرف يتوضأ منها ويشرب.
"فتوضأ منها، ثم أقبل الناس نحوه قالوا: ليس عندنا ماء نتوضأ به ونشرب إلا ما في ركوتك، فوضع النبي ﷺ يده في الركوة، فجعل الماء"؛ أي: طفق.
"يفور"؛ أي: يجيش.
"من بين أصابعه كأمثال العيون، قال: فشربنا وتوضأنا، قيل لجابر: كم كنتم"؛ أي: كم رجلاً كنتم؟
"قالوا: لو كنا مئة ألف لكفانا، كنا خمس عشرة مئة".
* * *
٤٥٩٧ - وقَالَ البَراء بن عازِبٍ ﵁: كُنَّا معَ رَسُولِ الله ﷺ أَرْبَع عَشْرةَ مِئَةً يومَ الحُدَيْبيَةِ، والحُدَيْبيَةُ بِئرٌ، فنَزَحْنَاها، فلَمْ نترُكْ فيها قَطْرةً، فبلَغَ ذَلِكَ النَّبيَّ ﷺ ، فأَتَاها فجَلَسَ على شَفِيرِها، ثُمَّ دَعَا بإناءٍ مِن مَاءٍ فَتَوضَّأَ، ثُمَّ مَضْمَضَ ودَعا، ثُمَّ صَبَّهُ فيها، ثُمَّ قَالَ: "دَعُوها سَاعة"، فأَرْوَوا أنفُسَهُمْ ورِكابَهُمْ حتَّى ارتَحَلوا.
"وقال البراء بن عازب: كنا مع رسول الله ﷺ أربع عشرة مئة يوم الحديبية، والحديبية بئر فنزحناها"؛ أي: استقينا ما في الحديبية.
"فلم نترك فيها قطرة، فبلغ"؛ أي: خبر انقضاء الماء.
"النبيَّ ﵊، فأتاها"؛ أي: الحديبية.
"فجلس على شفيرها"، أي: طرفها.
"ثم دعا بإناء من ماء فتوضأ، ثم مضمض ودعا، ثم صبَّه فيها"؛ أي: ذلك الماء في الحديبية.
стр. 3196
"ثم قال: دعوها ساعة، فأَرْووا أنفسهم وركابهم": وهي الإبل التي يسار عليها.
"حتى ارتحلوا"؛ أي: كانوا هم وركابهم يرتوون منها مدة إقامتهم هناك.
* * *
٤٥٩٨ - وقَالَ عِمْرانُ بن حُصَيْنٍ ﵁: كُنَّا في سَفَرٍ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ ، فاشتَكَى إليهِ النَّاسُ مِنَ العَطشِ، فنزَلَ، فدَعا فُلاناً ودَعا عَليًّا فقال: "اذْهَبا فابتَغِيا المَاءَ"، فانطلَقا فلَقِيا امرأةً بينَ مَزادَتَيْنِ - أو سَطيحَتَيْنِ - مِنْ مَاءٍ، فجَاءَا بها إلى النَّبيِّ ﷺ فاستَنْزَلوها عَنْ بَعيرِها، ودَعا النَّبيّ ﷺ بإناءٍ ففرَّغَ فيهِ منْ أفواهِ المَزادَتَيْنِ، ونُودِيَ في النَّاسِ: اسْقُوا واسْتَقوا، قال: فشَرِبنا عِطَاشاً أَرْبعينَ رَجُلاً حتَّى رَوِينا، فمَلأْنا كُلَّ قِرْبَةٍ مَعَنا وإِداوَةٍ، وايمُ الله لَقْدْ أُقلِعَ عنها وإنَّهُ لَيُخيَّلُ إلَيْنا أنَّها أَشَدُّ مِلأَةً منها حِينَ ابتَدأَ.
"وقال عمران بن حصين ﵁: كنا في سفر مع النبي ﷺ ، فاشتكى إليه الناس من العطش، فنزل فدعا فلاناً، ودعا علياً، فقال: اذهبا فابتغيا"؛ أي: اطلبا.
"الماء، فانطلقا، فتلقيا"؛ أي: استقبلا.
"امرأة بين مزادتين": المَزَادة - بفتح الميم والزاي المعجمة -: وعاء يوضع فيه طعام السفر.
قال الجوهري: المزادة: الراوية.
"أو سطيحتين من ماء": والسطيحة: نوع من المزادة يتخذ من جلدين سُطِحَ أحدهما على الآخر.
"فجاءا بها إلى النبي ﷺ ، فاستنزلوها"؛ أي: طلبوا منها أن تنزل.
стр. 3197
"عن بعيرها، ودعا النبي ﷺ بإناء، ففرَّغ فيه"؛ أي: صب في الإناء.
"من أفواه المزادتين، ونودي في الناس: اسقوا واستقوا"؛ أي: ناولوا الإناء وانزحوا في أوانيكم وقربكم.
"قال: فشربنا عطاشاً": نصب على الحال من الضمير في (شربنا).
"أربعين رجلاً": حال بعد حال، ويجوز أن يكون حالاً من الضمير في (عطاشاً).
"حتى روينا، فملأنا كل قربة معنا وإدَاوَة" بكسر الهمزة: المِطهَرة.
"وايم الله لقد أُقلِع عنها": بصيغة المجهول؛ أي: كُفَّ عن تلك المزادة وترك.
"وإنه"؛ أي: إن الشأن "ليخيَّل"؛ أي: ليظنُّ "إلينا أنها"؛ أي تلك المزادة "أشد ملأً منها حين ابتدئ"؛ يعني: كانت أكثر ماء من تلك الساعة التي كان الناس يبتدؤون بالاستقاء.
* * *
٤٥٩٩ - وقَالَ جَابرٌ ﷺ : سِرْنا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ حتَّى نَزَلنا وادِياً أفْيَحَ، فذهَبَ رَسُولُ الله ﷺ يَقْضي حَاجتَهُ فَلَمْ يرَ شَيئاً يَسْتتِرُ بهِ، وإذا شَجَرتانِ بِشَاطِئِ الوادِي، فانطلَقَ رَسُولُ الله ﷺ إِلىَ إِحْداهُما فأخَذَ بغُصْنٍ مِنْ أَغْصَانِها فَقَال: "انْقادِي عَليَّ بإذنِ الله"، فانقادَتْ مَعَهُ كالبَعيرِ المَخْشوشِ الذي يُصانِعُ قائِدَهُ حتَّى أَتَى الشَّجَرَةَ الأُخرَى، فأخذَ بغُصْنٍ منْ أغصَانِها فقال: "انقادِي عليَّ بإذنِ الله"، فانقادَتْ معهُ كذلك، حتَّى إذا كانَ بالمَنْصَفِ ممَّا بينهُما قال: "التَئِما عليَّ بإذنِ الله"، فالتَأَمَتا، فجلسْتُ أُحدِّثُ نفسِي، فحانَتْ مِنِّي لَفْتَةٌ فإِذَا أنَا برسولِ الله ﷺ مُقبلاً، وإذا الشَّجَرتانِ قدْ افْتَرَقَتَا، فقامَتْ كُلُّ واحِدةٍ منهُما على ساقٍ.
стр. 3198
"وقال جابر: سرنا مع رسول الله ﷺ حتى نزلنا وادياً أفيح"؛ أي: واسعاً.
"فذهب رسول الله ﷺ يقضي حاجته، فلم يرَ شيئاً يستتر به، وإذا شجرتين": روي منصوباً لفعلٍ مضمرٍ؛ أي: رأى رسول الله ﷺ شجرتين، وروي: (شجرتان) مرفوعاً، وهو ظاهر؛ لأنه موضع الخبر مبتدأ، ف (إذا) للمفاجأة.
"بشاطئ الوادي"؛ أي: بطرفه.
"فانطلق رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم"؛ أي: ذهب.
"إلى إحداهما، فأخذ بغصن من أغصانها، فقال: انقادي عليَّ بإذن الله، فانقادت معه": معجزة له ﷺ .
"كالبعير المخشوش": وهو الذي جعل في أنفه الخِشاش، وهو - بكسر الخاء -: عُوَيد يجعل في أنف البعير لينقاد.
"الذي يصانع"؛ أي: يطاوع وينقاد.
"قائده"، والأصل في المصانعة: الرشوة.
"حتى أتى الشجرة الأخرى، فأخذ بغصن من أغصانها، فقال: انقادي عليَّ بإذن الله، فانقادت معه كذلك، حتى إذا كان بالمَنْصَف" بفتح الميم والصاد المهملة: نصف الطريق.
"مما بينهما"؛ أي: بين الشجرتين.
"قال"؛ أي: النبي ﷺ .
"التئما"؛ أي: اجتمعا "علي بإذن الله، فالتأمتا، فجلست أحدث نفسي، فحافت مني لفتة"؛ أي: أتى وقتها، فعلة من (الالتفات)؛ يعني: كنت مشتغلاً بنفسي لا ألتفت إلى شيء، فالتفتُّ بغتةً.
стр. 3199
"فإذا أنا برسول الله ﷺ مقبلاً، وإذا الشجرتان قد افترقتا": بعد اجتماعهما.
"فقامت كل واحدة منهما على ساق"؛ يعني: رأيت تلك المعجزة منه ﷺ .
* * *
٤٦٠٠ - عَنْ يَزيْدَ بن أبي عُبَيْدٍ ﵁ قال: رأيتُ أثَرَ ضَرْبةٍ في سَاقِ سَلَمةَ ابن الأكْوَعِ ﵁ فقلتُ: يا أبا مُسْلمٍ! ما هذِه الضَّرْبةُ؟ قال: ضَرْبةٌ أصَابَتْنِي يومَ خَيْبَرَ، فقالَ النَّاسُ: أُصيْبَ سَلَمَةُ، فأتيتُ النَّبيَّ ﷺ فنَفثَ فيهِ ثَلاثَ نَفَثَاتٍ، فمَا اشْتكَيْتُها حتَّى السَّاعةِ.
"عن يزيد بن أبي عُبيدٍ ﵁ قال: رأيت أثر ضربة في ساق سلمة بن الأكوع فقلت: يا أبا مسلم! ما هذه الضربة؟ قال: ضربة أصابتني يوم خيبر، فقال الناس: أصيب سلمة"؛ أي: مات بسبب الضربة.
"فأتيت النبي ﷺ ، فنفث فيه ثلاث نفثات، فما اشتكيتها حتى الساعة"؛ أي: إلى الآن.
* * *
٤٦٠١ - وقَالَ سهْلُ بن سَعْدٍ ﵁: قالَ رَسُولَ الله ﷺ يومَ خَيْبَرَ: "لأُعْطِيَنَّ هذِه الرَّايةَ غَداً رَجُلاً يَفتحُ الله على يَديهِ يُحبُّ الله ورسولَهُ ويُحبُّهُ الله ورسولُهُ"، فلمَّا أصْبحَ النَّاسُ غَدَوْا على رَسُولِ الله ﷺ ، فَقَال: "أَيْنَ عليُّ بن أبي طالِبٍ؟ "، فقالوا: هوَ يا رَسُولَ الله! يَشْتَكِي عيْنَيْهِ، فأُتِيَ بهِ، فبَصقَ في عَيْنَيْهِ ودَعا لهُ فَبَرَأَ حتَّى كأنْ لَمْ يَكُنْ بهِ وجَعٌ، فأعطاهُ الرايةَ.
"وقال سهل بن سعد ﵁: قال رسول الله ﷺ يوم خبير: لأعطين هذه
стр. 3200
الراية غداً رجلاً يفتح الله"؛ أي: خيبر.
"على يديه، يحب الله ورسوله، ويحبه الله ورسوله، فلما أصبح الناسُ غَدَو على رسول الله ﷺ "؛ أي: أتوه وقت الغداة.
"فقال: أين علي بن أبي طالب؟ فقالوا: هو يا رسول الله يشتكي عينه، فأتي به، فبصق في عينه، ودعا له فبرأ"؛ أي: فشفي.
"حتى كأن لم يكنْ به وجع، فأعطاه الراية": وفيه دليل على فضيلة علي ﵁ على سائر الصحابة.
* * *
٤٦٠٢ - وقَالَ أَنَسٌ ﵁: نَعَى النَّبيّ ﷺ زيداً وجَعْفَراً وابن رَواحةَ لِلنَّاسِ قبلَ أنْ يأتيَهُمْ خبرُهُمْ فَقَالَ: "أخذَ الرَّايةَ زَيْدٌ فأُصيبَ، ثُمَّ أَخَذَ جَعفَرُ فأُصيبَ، ثُمَّ أخذَ ابن رَواحَةَ فأُصيبَ - وعَيْناهُ تَذرِفان - حتَّى أخذَ الرَّايةَ سَيْفٌ منْ سُيوفِ الله - يَعني: خَالدَ بن الوليدِ ﵁ حتَّى فتحَ الله عليهِم".
"وقال أنس ﵁: نعى النبي ﷺ زيداً وجعفراً وابن رواحة للناس"؛ أي: أخبر الناس بموتهم.
"قبل أن يأتيهم خبرهم"؛ أي: الناس خبر موتهم، وفيه دليل على جواز النعي.
"فقال"؛ أي: النبي ﵊.
"أخذ الراية زيد فأصيبَ"؛ أي: مات.
"ثم أخذ جعفرٌ فأصيب، ثم أخذ ابن رواحة فأصيب، وعيناه"؛ أي: عينا رسول الله ﷺ "تذرفان"؛ أي: يسيل منهما الدمع لموت هؤلاء الثلاثة، وفيه
стр. 3201
دليل على جواز البكاء على الميت.
"حتى أخذ الراية سيف من سيوف الله؛ يعني: خالد بن الوليد حتى فتح الله عليهم".
* * *
٤٦٠٣ - وقَالَ عَبَّاسٌ ﵁: شَهِدتُ معَ رَسُولِ الله ﷺ يومَ حُنَيْنٍ، فلمَّا الْتَقَى المُسْلِمُونَ والكُفّارُ وَلَّى المُسْلِمُونَ مُدبرينَ، فطفِقَ رَسُولُ الله ﷺ يَرْكُضُ بَغلتَهُ قِبَلَ الكُفَّارِ وأَنَا آخِذٌ بلِجامِ بَغلةِ رسولِ الله ﷺ أكُفُّها إِرَادَةَ أنْ لا تُسرِعَ، وأَبُو سُفيانَ بن الحَارِثِ ﵁ آَخِذٌ برِكابِ رَسُولِ الله ﷺ ، فنَظَر رَسُولُ الله ﷺ وهوَ على بَغلتِهِ كالمُتطاوِلِ عليْها إلى قِتالهِمْ فقال: "هذا حِينَ حَمِيَ الوَطِيسُ! "، ثُمَّ أَخَذَ حَصَياتٍ فرَمَى بهِنَّ وجُوهَ الكُفَّارِ ثُمَّ قال: "انهَزَموا ورَبِّ مُحَمَّدٍ"، فوالله ما هُوَ إلَّا أنْ رَماهُمْ بحَصَياتِهِ، فما زِلْتُ أرَى حَدَّهُمْ كلِيلاً وأمْرَهُمْ مُدبراً.
"وقال عباس ﵁: شهدت"؛ أي: حضرتُ.
"مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يوم حُنينٍ"؛ أي: يوم وقعة حنين اسم موضع.
"فلما التقى المسلمون والكفار ولَّى المسلمون مدبرين"؛ أي: أدبروا متوجِّهين إلى خلفهم.
"فطفق رسول الله ﷺ يَركُضُ بغلته"؛ أي: يحثها لتعدو "قِبَلَ الكفار"؛ أي: نحوهم.
"وأنا آخذ بلجام بغلة رسول الله ﷺ أكفها"؛ أي: أمنع البغلة.
"إرادة أن لا تسرع": في العدو نحوهم.
стр. 3202
"وأبو سفيان بن الحارث آخذ بركاب رسول الله ﷺ ، فنظر رسول الله ﷺ وهو على بغلته": الواو للحال؛ يعني: نظر ﷺ في حال كونه راكباً على بغلته، والكاف في قوله:
"كالمتطاول عليها": حال من الضمير المرفوع في (على بغلته)؛ أي: كائناً كالغالب القادر على سوقها.
"إلى قتالهم": متعلق بـ (نظر).
"فقال: هذا"؛ أي: هذا الحين.
"حين حمي الوطيس": وهو - بفتح الواو وكسر الطاء -: التنور، وقيل: الضراب في الحرب، وقيل: الوطء الذي يطيس الناس؛ أي: يدقهم، وقيل: حجارة مدورة إذا أُحمِيت لم يقدر أحد أن يطأها، ولم تسمع لغة الوطيس من أحد قبل النبي ﷺ ، عبر به عن اشتباك الحرب واشتدادها وقيامها على ساق.
"ثم أخذ حصيات": جمع حصاة.
"فرمى بهن وجوه الكفار، ثم قال: انهزموا ورب محمدٍ": والرمي وإن صدر في الظاهر منه ﷺ ، لكن الله تعالى نفاه عنه حقيقة؛ دفعاً للسبب، وأضاف إلى نفسه من الحقيقة، إتياناً للمسبب؛ لأنه لا فاعلَ في عالم الوجود إلا الله في الحقيقة بقوله تعالى: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧].
قال الراوي: "فو الله ما هو"؛ أي: ليس انهزام الكفار.
"إلا أن رماهم بحصياته، فما زلتُ أرى حَدَّهم"؛ أي: بأسهم وشدتهم وسيوفهم.
"كليلاً"؛ أي: ضعيفاً.
"وأمرهم مدبراً".
* * *
стр. 3203
٤٦٠٤ - وقِيْلَ للبَراءِ بن عَازِبٍ ﵁: أفَرَرْتُمْ يومَ حُنَيْنٍ؟ قال: لا والله ما ولَّى رَسُولُ الله ﷺ ، ولكنَّ خَرَجَ شُبَّانُ أَصْحابهِ لَيسَ عليهِمْ كثيرُ سِلاحٍ، فلَقُوا قَوماً رُماةً لا يَكادُ يَسقُطُ لهُمْ سَهْمٌ، فرَشَقُوهُمْ رَشْقاً ما يَكادونَ يُخطِئونَ، فأقبَلُوا هُناكَ إِلَى رَسُولِ الله ﷺ ، ورَسُولُ الله ﷺ على بَغلتِهِ البَيْضَاءِ، وأبو سُفيانَ بن الحَارِثِ ﵁ يَقُودُهُ، فنزلَ واستنصَرَ وقال:
"أَنَا النَّبيُّ لا كَذِبْ ... أَنَا ابن عبدِ المُطَّلِبْ"
ثُمَّ صَفَّهُمْ.
"وقيل للبراء: أفررتم يوم حُنين؟ قال: لا والله ما ولى رسول الله ﷺ ، ولكن خرج شبان أصحابه": جمع شاب.
"ليس عليهم كثير سلاح، فلقوا"؛ أي: أبصروا.
"قوماً رماة" بضم الراء: جمع رام.
"لا يكاد يسقط لهم"؛ أي: على الأرض.
"سهم، فرشقوهم"؛ أي: رموهم بالسهام.
"رشقاً ما يكادون يخطئون"؛ أي: في الرمي.
"فأقبلوا هناك إلى رسول الله ﷺ ورسولُ الله على بغلته البيضاء وأبو سفيان بن الحارث يقوده، فنزل"؛ أي: النبي ﷺ عن بغلته.
"واستنصر"؛ أي: طلب النصرة من الله تعالى.
"وقال: أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب": قيل: إنه على سبيل التعريف لا على سبيل المباهاة، وقد كان أصحاب الأخبار من أهل الكتاب يتحدثون بأن النبي ﷺ الموعود به في آخر الزمان من بني عبد المطلب، فذكَّرهم بما اشتهر فيهم؛ ليرجعوا عن قتالهم.
стр. 3204
قال التوربشتي: إن القول ربما صدر عن صاحبه مستقيماً على وزن الشعر من غير تعمد منه، فلا يعدُّ ذلك عليه شعراً، ثم إنه رجز، والرجز خارجٌ من جملة ما يتعاطاه الشعراء على القوانين الموضوعة في العَروض.
"ثم صفهم"؛ أي: المسلمين، يقال: صففت القوم: إذا أقمتهم في الحرب صفاً.
* * *
٤٦٠٥ - قَالَ البَرَاءُ: كُنَّا والله إِذَا احْمَرَّ البَأْسُ نتَّقِي بِهِ، وإنَّ الشُّجاعَ مِنَّا لَلَّذِي يُحاذِي بهِ، يَعني: رسولَ الله ﷺ .
"قال البراء: كنا والله إذا احمرَّ البأسُ"؛ أي: اشتد الحرب، من قولهم: موت أحمر: إذا وُصِف بالشدة، وكذا: سنة حمراء، والعرب تصف عام القحط بالحمرة، واحمرار الحرب كناية عن إراقة الدماء.
"نتقي به"؛ أي: بالنبي ﷺ ؛ أي: نجعله واقياً لنا من العدو.
"وإن الشجاعَ منا لَلذي يحاذي به؛ يعني: بالنبي ﷺ "؛ أي: يوازي منكبه حذو منكبه.
* * *
٤٦٠٦ - وقَالَ سَلَمَةُ بن الأَكْوَعِ ﵁: "غَزَوْنا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ حُنَيْناً، فوَلَّى صَحابةُ رَسُولِ الله ﷺ ، فلمَّا غَشُوا رَسُولَ الله ﷺ نزَلَ عَنِ البَغْلةِ، ثُمَّ قَبضَ قَبْضةً مِنْ تُرابٍ مِنَ الأَرْضِ، ثُمَّ اسَتَقْبَلَ بها وُجُوهَهُمْ، فَقَال: "شَاهَتِ الوُجوهُ"، فَمَا خَلَقَ الله منهُمْ إِنْسَاناً إلَّا مَلأَ عَيْنَيْهِ تُراباً بِتِلْكَ القَبْضةِ، فوَلَّوْا مُدبرينَ.
стр. 3205
"وقال سلمة بن الأكوع: غزونا مع رسول الله ﷺ حُنيناً، فولى صحابة رسول الله ﷺ ، فلما غَشُوا"؛ أي: جاؤوا "رسولَ الله ﷺ "وحفوه، "نزل عن البغلة، ثم قبض قبضة من ترابٍ من الأرض، ثم استقبل به"؛ أي: بالتراب فرمى به.
"وجوههم فقال: شاهت الوجوه"؛ أي: قبحت، دعاء على العدو.
"فما خلق الله منهم إنساناً إلا ملأ عينيه تراباً بتلك القبضة، فولوا مدبرين".
* * *
٤٦٠٧ - عَنْ أَبي هُريْرَةَ ﵁ قَالَ: شَهِدْنا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ حُنَيْناً، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ لِرَجُلٍ مِمَّنْ مَعَهُ يَدَّعِي الإسلامَ: "هَذَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ"، فلمَّا حَضَرَ القِتَالُ قاتَلَ الرَّجُلُ مِنْ أَشَدِّ القِتالِ وكثُرَتْ بهِ الجِراحُ، فجَاءَ رَجُلٌ فقال: يَا رَسُولَ الله! أَرَأَيْتَ الذِي تَحدَّثْتَ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، قَدْ قاتَلَ في سَبيلِ الله مِنْ أَشَدِّ القِتالِ فكثُرَتْ بهِ الجِرَاحُ، فَقَال: "أَمَا إِنَّهُ منْ أَهلِ النَّارِ"، فكادَ بعضُ المُسْلِمِينَ يَرتابُ، فبَيْنَما هُمْ عَلَىَ ذَلِكَ إذْ وَجَدَ الرَّجُلُ أَلَمَ الجِراحِ فَأَهْوَى بيَدِه إلى كِنانتِهِ فانتزَعَ سَهْماً فانتحَرَ بهِ، فاشْتَدَّ رِجَالٌ مِنَ المُسْلِمينَ إلى رَسُولِ الله ﷺ فَقَالوا: يا رسولَ الله! صَدَّقَ الله حَديثَكَ، قَدْ انتحَرَ فُلانٌ وقتلَ نفسَهُ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "الله أَكْبرُ، أَشْهَدُ أَنِّي عَبدُ الله ورَسُولُهُ، يَا بِلالُ! قُمْ فأذِّنْ: لا يَدخلُ الجَنَّةَ إِلَاّ مُؤْمِنٌ، وإنَّ الله لَيُؤيدُ هذا الدِّينَ بالرَّجُلِ الفاجِرِ".
"عن أبي هريرة ﵁ قال: شهدنا مع رسول الله ﷺ حنيناً، فقال رسول الله ﷺ لرجل ممن معه يدَّعي الإسلام"؛ أي: في الظاهر، وهو منافق.
"هذا من أهل النار، فلما حضر القتال قاتل الرجل من أشد القتال،
стр. 3206
فكثرت به الجراح، فجاء رجل فقال: يا رسول الله! أرأيت الذي تحدِّثُ أنه من أهل النار، قد قاتل في سبيل الله من أشد القتال، فكثرت به الجراح، فقال: أما إنه من أهل النار، فكاد بعض الناس يرتاب"؛ أي: فقرب أن يرتاب بعضهم؛ أي: يشك في قوله ﷺ : إنه من أهل النار.
"فبينما هو على ذلك، إذ وجد الرجلُ ألمَ الجراح، فأهوى بيده"؛ أي: قصد بها.
"إلى كنانته": وهو - بكسر الكاف -: ظوف السهم.
"فانتزع"؛ أي: سلَّ "سهماً".
"فانتحر بها"؛ أي: نحر نفسه.
"فاشتد رجال من المسلمين"؛ أي: عدوا قاصدين "إلى رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله! صدق الله حديثك، قد انتحر فلان، وقتل نفسه، فقال رسول الله ﷺ : الله أكبر": هذا كلام يقال عند الفرح.
"أشهد أني عبد الله ورسوله، يا بلال! قم فأذن: لا يدخل الجنة إلا مؤمن، وإن الله ليؤيد"؛ أي: يقوي "هذا الدين": المحمدي، وينصره "بالرجل الفاجر".
* * *
٤٦٠٨ - عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: سُحِرَ رَسُولُ الله ﷺ حتَّى إِنَّهُ لَيُخَيَّلُ إليهِ أَنَّهُ فَعَلَ الشَّيءَ وما فَعَلَهُ، حتَّى كَانَ ذَاتَ يَومٍ عندِي، دَعا الله ودَعاهُ، ثُمَّ قال: "أشَعَرْتِ يَا عَائِشَةُ! أنَّ الله قَدْ أَفتانِي فِيْمَا استفتَيْتُهُ، جَاءَنِي رَجُلانِ، جَلَسَ أحدُهُما عندَ رأْسِي والآخرُ عِندَ رِجْلِي، ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُما لِصَاحبهِ: ما وَجَعُ الرَّجُلِ؟ قالَ: مَطْبوبٌ، قَالَ: ومَنْ طَبَّهُ؟ قَالَ: لَبيدُ بن الأَعْصَمِ اليَهُودِيُّ،
стр. 3207
قَالَ: فِي ماذا؟ قال: في مُشْطٍ ومُشَاطَةٍ وجُفِّ طَلْعَةٍ ذَكَرٍ، قال: فَأَينَ هوَ؟ قَالَ: في بِئْرِ ذَرْوانَ"، فَذَهَبَ النَّبيُّ ﷺ في أُنُاسٍ مِنْ أَصْحَابه إلى البئرِ فَقَال: "هذِهِ البئرُ الَّتي أُريتُها، وكأَنَّ مَاءَها نُقاعَةُ الحِنَّاءِ، وكأَنَّ نَخْلَها رُؤُوسُ الشَّياطِينِ"، فاستخرجَهُ.
"عن عائشة ﵂ قالت: سُحِر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم"؛ يعني: سحره لبيد بن الأعصم اليهودي.
"حتى إنه ليخيل إليه"؛ أي: ليظن.
"أنه فعل الشيء، وما فعله"؛ يعني: غلب عليه النسيان، وقد فعل ذلك في أمر الدنيا، لا في أمر الدين؛ لأن [الأنبياء] معصومون في أمر الوحي، فلا يؤثر فيهم السحر في ذلك.
"حتى إذا كان ذات يوم عندي، دعا الله ودعاه"؛ أي: استجاب دعاءه، وقيل: معناه: دعاء الله مرة بعد أخرى.
"ثم قال: أشعرت"؛ أي: أعلمت "يا عائشة! أن الله قد أفتاني"؛ أي: بيَّن لي.
"فيما استفتيته"؛ أي: فيما طلبت منه بيانه.
"جاءني رجلان، جلس أحدهما عند رأسي، والآخر عند رِجْلي، ثم قال أحدهما لصاحبه: ما وجع الرجل؟ قال: مطبوب"؛ أي: مسحور، والطب: السحو، كنُّوا عن السحر بالطب الذي هو العلاج تفاؤلاً بالبرء، كما كنوا عن اللديغ بالسليم، وقيل: هو من الأضداد.
"قال: ومن طبه؟ قال: لبيد بن الأعصم اليهودي، قال: في ماذا؟ "؛ أي: في أيِّ شيء طبه؟
стр. 3208
"قال: في مشط ومشاطة" بضم الميم: الشعر الذي يسقط من الرأس واللحية عند الامتشاط بالمشط.
"وجُفِّ طلعة ذكر": والجف - بضم الجيم - وعاء الطلع، وهو قشره، ويروى: (في جب طلعة) أراد بالجب: داخل الطلعة، وقيل: طلعةِ ذكرٍ بالإضافة، أراد بالذكر: فحل النخل، وفي بعض بالتنوين صفة وموصوفاً.
"قال: فأين هو؟ قال: في بئر ذروان": وهو - بفتح الذال المعجمة وسكون الراء المهملة -: اسم موضع، وقيل: ذروان بئر المدينة؛ يعني: بئر بالمدينة لبني زريق.
وفي "كتاب مسلم": (بئر ذي أروان).
قيل: وهو الصواب؛ لأن أروان بالمدينة أشهر من ذروان، وذروان على مسيرة ساعة من المدينة.
"فذهب النبي ﷺ في أناس من أصحابه إلى البئر، فقال: هذه البئر التي أُريتها"؛ أي: التي أراني جبريل ﵇ إياها.
"وكأن ماءها نقاعةُ الحنَّاء"؛ أي: متغير لونه، كمثل ماء نقع فيه الحناء.
"وكأن نخلها"؛ أي: نخل تلك البئر، أراد به: طلع النخل، وإنما أضافه إلى البئر؛ لأنه كان مدفوناً فيها.
"رؤوس الشياطين": وإنما شبهه بها لقبح صورته، وكراهة منظره؛ لأن العرب إذا استقبحوا شيئاً يشُبهوه بوجه الشيطان، قال الله تعالى: ﴿طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ﴾ [الصافات: ٦٥].
وقيل: أراد بالشياطين: الحيَّات الخبيثة؛ أي: أنها دقيقة كرؤوس الحيات، والحيةُ لخبثها يقال لها: شيطان.
"فاستخرجه".
стр. 3209
٤٦٠٩ - عَنْ أَبي سَعيدٍ الخُدرِيِّ ﵁ قَالَ: بَيْنما نَحْنُ عِندَ النَّبيِّ ﷺ وهوَ يَقْسِمُ قَسْماً أَتَاهُ ذُو الخُوَيْصِرَةِ، وهوَ رَجُلٌ مِنْ بني تَميمٍ، فَقَال: يا رَسُولَ الله! اعدِلْ، فَقَال: "ويلَكَ! فمَنْ يَعدِلُ إذا لمْ أعدِلْ؟ قدْ خَبْتُ وخَسِرْتُ إِذَا لمْ أكُنْ أعدِلُ"، فَقَال عُمرُ: ائْذَنْ لي أَنْ أَضْرِب عُنُقَهُ، فَقَالَ: "دَعْهُ، فَإِنَّ لهُ أَصْحَاباً يَحقِرُ أَحَدُكُمْ صَلاتَهُ معَ صَلاتِهِمْ، وصِيامَهُ معَ صِيامِهِمْ، يَقْرَؤُوْنَ القُرآنَ لا يُجاوِزُ تَراقِيَهُمْ، يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كما يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيَّةِ، يُنْظَرُ إلى نَصْلِهِ، إلى رِصَافِهِ، إلى نَضيهِ - وهو: قِدْحُهُ - إلى قُذَذِهِ، فلا يُوجدُ فيهِ شيءٌ، قَدْ سَبَقَ الفَرْثَ والدَّمَ، آيتُهُمْ رَجُلٌ أَسْودُ إِحْدَى عضُدَيْهِ مِثْلُ ثَدْيِ المَرأَةِ، أو مِثْلُ البَضْعَةِ تَدَرْدَرُ، ويَخرُجونَ على حِينِ فُرْقَةٍ مِنَ النَّاسِ".
قالَ أبو سَعِيْدٍ: أَشْهَدُ أنَيِّ سَمِعْتُ هذا الحَديْثَ مِنْ رَسُولِ الله ﷺ ، وأَشْهَدُ أنَّ عليَّ بن أبي طالِبٍ ﵁ قاتَلَهُمْ وأَنَا معَهُ، فأمرَ بذلكَ الرَّجُلِ فالتُمِسَ، فأُتِيَ بهِ حتَّى نظَرتُ إليهِ على نَعْتِ النَّبيِّ ﷺ الذي نعَتَهُ.
وفي رِوَايَةٍ: أقبَلَ رَجُلٌ غَائِرُ العَيْنَيْنِ، نَاتِئُ الجَبْهَةِ، كَثُّ اللِّحْيَةِ، مُشْرِفُ الوَجْنتَيْنِ، مَحْلُوقُ الرَّأْسِ، فَقَال: يَا مُحَمَّدُ! اتَّقِ الله، قَالَ: "فمَنْ يُطيعُ الله إذا عَصَيْتُهُ، فَيَأْمَنُني الله على أهلِ الأرضِ فلا تَأْمَنُوني؟ "، فَسَألَ رَجُلٌ قَتْلَهُ فمنعَهُ، فلَمَّا ولَّى قال: "إنَّ مِنْ ضئْضئِ هذا قَوْماً يَقْرَؤُونَ القُرآنَ لا يُجاوِزُ حَناجِرَهُمْ، يَمْرُقونَ مِنَ الإِسلامِ مُروقَ السَّهْمِ مِنَ الرَّمِيَّةِ، فيَقتُلُونَ أهلَ الإِسلامِ، ويَدَعُونَ أهلَ الأوْثَانِ، لَئِنْ أدْرَكْتُهُمْ لأقْتُلنَّهُمْ قَتْلَ عَادٍ".
"عن أبي سعيد الخدري منه قال: بينا نحن عند رسول الله ﷺ وهو يقسم قسماً" بالفتح: مصدر (قسمت الشيء)، سمى الشيء المقسوم - وهو الغنيمة - بالمصدر؛ يعني: أنه ﷺ كان يقسم غنائم حنين بالجعرانة.
"أتاه ذو الخويصرة، وهو رجل من بني تميم": قيل: اسمه حرقوص بن
стр. 3210
زهير التميمي، وهو رئيس الخوارج.
"فقال: يا رسول الله! اعدل، فقال: ويلك! فمن يعدل إذا لم أعدلْ، قد خبتَ وخسرتَ": بضمير المخاطب فيهما؛ يعني: صرت خائباً وخاسراً إذا اعتقدت أني لم أعدل، وذلك لأنه تعالى بعثه رحمة للعالمين، وليقوم فيهم بالعدل، وإذا اعتقد أن الرسول خائن كفر، وأيُّ خسران وخيبة أشد منه؟!
"فقال عمر: ائذن لي أضرب عنقه، قال: دعه؛ فإن له أصحاباً يحقر"؛ أي: يقلل.
"أحدكم صلاتَهُ مع صلاتهم، وصيامَهُ مع صيامهم": وفيه تنبيهُ على أنهم يصلون، وقد نهى عن قتل المصلين.
ووجه الجمع بين منعه ﷺ عن قتله مع قوله: "لئن أدركتهم لأقتلنهم": أن الإباحة عند كثرتهم، وإظهارهم الخلاف، وامتناعهم على الإمام بالسلاح، وهو غير موجود عند المنع، وأول ظهورهم كان في زمان علي ﵁ وقاتلهم حتى قتل كثيراً منهم.
"يقرؤون القرآن لا يجاوز تراقيهم": جمع ترقوة، وهي العظم الذي بين نقرة النحر والعاتق؛ أي: لا يتخلص من ألسنتهم وآذانهم إلى قلوبهم وأفهامهم.
"يمرقون"؛ أي: يخرجون بسرعة.
"من الدين"؛ أي: من طاعة الإمام.
"كما يمرق السهم من الرمية": وهي الصيد الذي تقصده فترميه، ومروق السهم: عبارة عن خروجه إلى الجانب الآخر، وعدم قراره فيها.
"ينظر إلى نصله إلى رِصافه" بكسر الراء: جمع الرَّصفة بالفتح وهي العقب الذي يُلوَى - أي: يشد - على مدخل النصل.
"إلى نضيه": بفتح النون وكسر الضاد المعجمة.
стр. 3211
"وهو قِدْحه": بكسر القاف: هو السهم قبل أن يراش ويركب نصله.
"إلى قُذذه" بضم القاف والذالين المعجمتين: جمع قذة، وهي ريش السهم.
وتفسير النضي بالقدح كأنه من قول بعض الرواة أدرج في الحديث.
قيل: وفيه نظر؛ لأن القدح السهم قبل أن يراش ويركب نصله، ونضي السهم: ما بين الريش والنصل.
"فلا يوجد فيه"؛ أي: في السهم، وقيل: أي: في كل من النصل وأخواته.
"شيء قد سبق الفرث"؛ أي: الروث.
"والدم": وهذه جملة حالية؛ يعني: كما نفذ السهم في الرمية بحيث لم يتعلق به شيء من الفرث والدم، فكذلك دخول هؤلاء في الإسلام، ثم خروجهم منه سريعاً بحيث لم يتأثر فيهم.
قيل: المراد بالنصل: القلب الذي هو المؤثر والمتأثر، فإذا نظرتَ إلى قلبه فلا تجد فيه أثراً مما شرع من العبادات.
وبالرّصاف: الصدر؛ الذي هو محلُّ الانشراح والانفساح بالأوامر (١) والنواهي، وتحمل مشاق التكاليف، فلم ينشرح لذلك، ولم يظهر فيه أثر السعادة.
وبالنضي: البدن؛ أي: أن البدن - وإن تحمل تكاليف الشرع من الصلاة والصوم وغير ذلك - لكنه لم يحصل له من ذلك فائدة.
وبالقذذ: أطراف البدن التي هي بمثابة الآلات لأهل الصناعات، إذا لم يحصل له بها ما يحصل لأهل السعادات.
стр. 3212
"آيتهم"؛ أي: علامتهم.
"رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدي المرأة، ومثل البضعة" بفتح الباء: قطعة اللحم.
"تدردر"؛ أي: تجيء وتذهب وتضطرب من تحريكه، وأصله: تتدردر.
"ويخرجون على خير فرقة من الناس": يريد: علياً وأصحابه ﵃، وفيه دليل على فضله وفضل أصحابه.
وفي بعض: (على حين فُرقة) بضم الفاء، فمعناه: أوان تشتت أمر الناس، واضطراب أحوالهم، وظهور المحاربة، وتكون (على) بمعنى: في، كقوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا﴾ [القصص: ١٥].
"قال أبو سعيد ﵁: أشهد أني سمعت هذا الحديث من رسول الله ﷺ ، وأشهد أن عليَّ بن أبي طالب قاتلهم وأنا معه، فأمر"؛ أي: علي ﵁
"بذلك الرجل"؛ أي: بطلبه.
"فالتُمس"؛ أي: طُلِب.
"فأتي به حتى نظرت إليه، فوجدته على نعت النبي ﷺ الذي نعته"؛ أي: وجدته على الصفة التي وصف ﷺ .
"وفي رواية: أقبل رجل" مكان: (أتاه ذو الخويصرة) في أول هذا الحديث.
"غائر العينين"؛ اسم فاعل من (غارت عينه): إذا دخلت في الرأس.
"ناتئ الجبهة"؛ أي: مرتفعها.
"كَثُّ اللحية": بفتح الكاف وتشديد الثاء المثلثة؛ أي: كثيفها.
"مشرف الوجنتين"؛ أي: عالي الخدين.
стр. 3213
"محلوق الرأس، فقال: يا محمد اتق الله! قال"؛ أي: النبي ﷺ .
"فمن يطيع الله إذا عصيته؟ فيأمِّنني الله"؛ أي؛ يجعلني أميناً.
"على أهل الأرض، ولا تأمنوني؟ ": الخطاب مع ذي الخويصرة وقومه.
"فسأل رجل" من الصحابة "قتله، فمنعه"؛ أي: النبي ﷺ ذلك الرجل عن قتله.
"فلما ولى"؛ أي: رجع ذو الخويصرة.
"قال"؛ أي: النبي ﷺ .
"إن من ضئْضئ هذا قوماً": الضئضئ - بكسر الضادين المعجمتين وبهمزتين -: الأصل، وأشار بهذا إلى ذي الخويصرة التميمي؛ يعني: إن قوماً نعتهم كذا وكذا سيخرجون من الأصل الذي هو منه في النسب، أو هو عليه في المذهب.
"يقرءون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الإسلام مروقَ السهم من الرمية، فيقتلون أهل الإسلام، ويدعون"؛ أي: يتركون.
"أهل الأوثان، لئن أدركتهم لأقتلنهم قتلَ عاد": أراد به: الاستئصال بالإهلاك، كما أُهلكت عاد بالصيحة دون القتل.
* * *
٤٦١٠ - وقَالَ أَبُو هُريرَةَ ﵁: كُنْتُ أدعُو أُمِّي إِلَى الإِسْلَامِ وهيَ مُشرِكَةٌ، فدَعَوْتُها يَوماً، فأسمعَتْنِي في رَسُولِ الله ﷺ ما أكْرَهُ، فأَتيْتُ رَسُولَ الله ﷺ وأَنَا أَبْكِي قُلْتُ: يَا رَسُولَ الله! ادْعُ الله أنْ يَهدِيَ أُمَّ أبي هُرَيْرَةَ، فَقَال: "اللهمَّ! اهْدِ أُمَّ أبي هُرَيْرَةَ"، فخرجتُ مُستبْشِراً بدَعْوةِ نبَيِّ الله ﷺ ، فلمَّا صِرْتُ إلى البَابِ، فإذا هوَ مُجَافٌ، فسمِعَتْ أُمِّي خَشْفَ قَدَمَيَّ، فقالتْ: مَكَانَكَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ!
стр. 3214
وسَمِعتُ خَضْخَضَةَ المَاءِ، فاغتَسَلَتْ، ولبسَتْ دِرْعَها، وعَجلَتْ عنْ خِمارِها، ففَتحَتِ البَابَ، ثُمَّ قَالَت: يا أبا هُرَيْرةَ! أشهدُ أنْ لا إلهَ إلاِّ الله وأشهدُ أنِّ مُحَمَّداً عبْدُهُ ورسُوْلُهُ، فرجَعْتُ إلى رسولِ الله ﷺ وأنا أبكِي مِنَ الفَرح، فحمِدَ الله وقالَ خَيْراً.
"وقال أبو هريرة ﵁: كنت أدعو أمي إلى الإسلام وهي مشركة، فدعوتها يوماً، فأسمعتني في رسول الله ﷺ "؛ أي: في حقه.
"ما أكره"؛ أي: شيئاً أكرهه.
"فأتيت رسول الله ﷺ وأنا أبكي، قلت: يا رسول الله! ادعُ الله أن يهدي أم أبي هريرة، فقال: اللهم اهدِ أمَّ أبي هريرة، فخرجت مستبشراً بدعوة رسول الله ﷺ ، فلما صِرت إلى الباب، فإذا هو مُجافٌ"؛ أي: الباب مغلق مردود.
"فسمعت أمي خشفَ قدمي"؛ أي: صوتهما، وقيل: أي: حركتهما وحسهما.
"فقالت: مكانك"؛ أي: الزم مكانك.
"يا أبا هريرة! وسمعت خضخضة الماء"؛ أي: تحريكه.
"فاغتسلت، وليست درعها"؛ أي: قميصها.
"وعجلت عن خِمارها"؛ أي: عن لبس خمارها.
"ففتحت الباب، ثم قالت: يا أبا هريرة! أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، فرجعت إلى رسول الله ﷺ وأنا أبكي من الفرح، فحمد الله، وقال خيراً".
стр. 3215
٤٦١١ - وقَالَ أَبُو هُريْرَةَ ﵁: إنَّكُمْ تَقُولُون: أَكْثَرَ أَبُو هُرَيْرةَ عَنِ النَّبيِّ ﷺ ، والله المَوعِدُ، وإنِّ إخْوَتِي مِنَ المُهاجِرينَ كانَ يَشغَلُهُمْ الصَّفْقُ بالأسْواقِ، وإنَّ إخْوَتِي مِنَ الأنْصَارِ كَانَ يشغَلُهُمْ عَمَلُ أموالِهِمْ، وكُنْتُ امْرَءاً مِسْكيناً، ألزَمُ رَسُولَ الله ﷺ على مِلْءَ بَطنِي، وقالَ النَّبيّ ﷺ يَوماً: "لَنْ يَبسُطَ أَحَدٌ منكُمْ ثَوْبَهُ حتَّى أقضيَ مَقالتِي هذهِ ثُمَّ يَجمعُهُ إلى صَدرِهِ فيَنسَى منْ مَقالتِي شيئاً أبداً"، فبسَطْتُ نَمِرَةً لَيْسَ عَلَيَّ ثَوْب غيرُهَا، حتَّى قضَى النَّبيّ ﷺ مَقالَتهُ ثُمَّ جَمَعْتُها إلى صَدرِي، فَوالذِي بَعثَهُ بالحَقِّ ما نَسيتُ مِنْ مَقالتِهِ تِلْكَ إلى يَومِي هذا.
"وقال أبو هريرة ﵁: إنكم": خطاب مع الصحابة.
"تقولون: أكثر أبو هريرة"؛ أي: أكثر الرواية.
"عن النبي ﷺ ، والله الموعد"؛ أي: لقاء الله يوم القيامة موعودنا؛ أي: مرجعنا إليه، فيظهر عنده صدق الصادق وكذب الكاذب لا محالة.
"وإن إخوتي من المهاجرين": يريد به: أهل مكة؛ فإنهم كانوا أصحاب تجارات.
"كان يشغلهم الصفق"؛ أي: البيع والشراء.
"بالأسواق": قيل للبيعة: صفقة؛ لضرب اليد على اليد عند عقد البيع؛ يعني: كان يمنعهم اشتغالهم بالتجارات والمعاملات عن كثرة ملازمتهم النبي ﷺ .
"وإن إخوتي من الأنصار": يريد به: أهل المدينة، فإنهم كانوا أصحاب زراعات.
"كان يشغلهم عمل أموالهم"، وأموالهم: المواضع التي فيها نخيلهم.
"وكنت امرأً مسكيناً ألزمُ رسول الله ﷺ على ملء بطني"؛ أي: إذا شبعت لزمته، قيل: المراد منه: امتلاؤه رغبةً وحرصاً في طلب العلم وسماع الحديث
стр. 3216
لا الامتلاء من الطعام، ويحتمل أن يكون كناية عن الفراغة من المعاملات والأمور الدنيوية وعدم المبالاة بها.
"وقال النبي ﷺ يوماً: لن يبسط أحدٌ منكم ثوبه حتى أقضي مقالتي هذه": قيل: كانت مقالة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الدعاء لصحابته بالحفظ والفهم.
"ثم يجمعه"؛ أي: ذلك الثوب.
"إلى صدره، فينسى من مقالتي شيئاً أبداً، فبسطت نَمِرة" بفتح النون وكسر الميم: كساء ملون.
"ليس عليَّ ثوب غيرها، حتى قضى النبيُّ ﷺ مقالته، ثم جمعتها إلى صدري، فوالذي بعثه بالحقِّ ما نسيتُ من مقالته ذلك إلى يومي هذا": قيل: وقد أسلم أبو هريرة سنة سبع من الهجرة، ومكث عنده ثلاث سنين.
* * *
٤٦١٢ - وقَالَ جَرِيْرُ بن عبدِ الله: قالَ لي رَسُولُ الله ﷺ : "ألا تُريحُني منْ ذِي الخَلَصَة؟ "، فقلتُ: بلى يا رَسُولَ الله! وكُنْتُ لا أثبُتُ على الخَيْلِ، فَذَكَرتُ ذلِكَ للنَّبيِّ ﷺ ، فضربَ بِيَدِهِ على صَدرِي حتَّى رَأَيْتُ أثرَ يَدِهِ في صَدرِي، وقَالَ: "اللهمَّ! ثَبتْهُ، واجعلْهُ هَادِياً مَهْدِيًّا"، قَالَ: فَمَا وقَعْتُ عنْ فرَسِي بَعْدُ، فانْطَلقَ في مِئَةٍ وخَمسينَ فارِساً منْ أحْمَسَ، فحرَّقَها بالنَّارِ وكسرَها.
"وقال جرير بن عبد الله: قال لي رسول الله ﷺ : ألا تريحني"؛ أي: ألا تخلِّصني.
"من ذي الخلصة": بيت لخثعم، كان يدعى كعبة اليمامة، وكان فيه صنم يقال له: [ذو] الخلصة، والمعنى: ألا تخرب ذا الخلصة وتكسرها، فأستريح من وجودها.
стр. 3217
"فقلت: بلى، وكنت لا أثبتُ على الخيل"؛ أي: لا أقدر أن أركب على الخيل.
"فذكرت ذلك للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم، فضرب يده على صدري حتى رأيت أثرَ يده في صدري، وقال: اللهم ثبته، واجعله هادياً مهدياً، قال: فما وقعت عن فرسي بعد، فانطلقَ": فيه التفاتٌ من الحضور إلى الغيبة.
"في مئة وخمسين فارساً من أحمس" بالحاء والسين المهملتين: قبائل من قريش، سموا بذلك؛ لأنهم تحمسوا؛ أي: تشددوا في دينهم، والحماسة: الشجاعة.
"فحرقها بالنار، وكسرها".
* * *
٤٦١٣ - وَقَالَ أَنسٌ ﵁: إنَّ رَجُلاً كانَ يكتُبُ للنَّبيِّ ﷺ ، فارتدَّ عن الإِسلامِ، ولحِقَ بالمُشركينَ، فَقَالَ النَّبيّ ﷺ : "إنَّ الأرضَ لا تَقبَلُهُ"، فأخبرَنيِ أبو طَلْحةَ أنَّهُ أتَى الأرضَ التي ماتَ فيها، فوجدَهُ مَنْبُوذاً"، فَقَالَ: مَا شَأنُ هذا؟ فَقَالُوا: دَفنَّاهُ مِراراً فلمْ تَقبَلْهُ الأرضُ.
"وقال أنس ﵁: إن رجلاً كان يكتب للنبي ﷺ "؛ أي: يكتب له الوحي، وهو عبد الله بن أبي السرح، فلما أملى ﵊ قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾ [المؤمنون: ١٢] ووصل إلى قوله: ﴿خَلْقًا آخَرَ﴾ خطر بباله: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾ [المؤمنون: ١٤]؛ تعجباً من تفصيل خلق الإنسان طوراً بعد طور، فأملاها ﷺ كذلك، فقال: إن كان ما يقوله محمد وحياً، فأنا نبي يوحى إلي، فسبقه الحكم الأزلي بكفره.
"فارتد عن الإسلام، ولحق بالمشركين": نعوذ بالله من ذلك.
стр. 3218
"فقال النبي ﷺ : إن الأرض لا تقبله، فأخبرني"؛ أي: قال أنس: أخبرني "أبو طلحة: أنه أتى الأرض التي مات فيها، فوجده منبوذاً"؛ أي: ملقًى على الأرض، "فقال: ما شأن هذا؟ فقالوا: دفنَّاه مراراً، فلم تقبله الأرض".
* * *
٤٦١٤ - وقَالَ أَبُو أيُّوب: خرجَ النَّبيّ ﷺ وقد وَجَبَت الشَّمْسُ، فَسمعَ صَوْتاً فَقَال: "يَهودُ تُعذَّبُ في قبُورِها".
"وقال أبو أيوب: خرج النبي ﷺ وقد وجبت الشمس"؛ أي: سقطت وغربت.
"فسمع صوتاً، فقال: يهود تعذب في قبورها": وهذا يدل على أن عذاب القبر حق.
* * *
٤٦١٥ - وَقَالَ جَابرٌ ﵁: قَدِمَ النَّبيّ ﷺ منْ سَفَرٍ، فلَمَّا كَانَ قُرْبَ المَدينةِ هَاجَتْ رِيحٌ تكادُ أنْ تَدْفِنَ الرَّاكِبَ، فقالَ رَسُولُ الله ﷺ : "بُعِثَتْ هذِه الرِّيحُ لمَوْتِ مُنافِقٍ"، فقَدِمَ المَدِينَةَ، فإذا عَظيمٌ مِنَ المُنافِقينَ قدْ ماتَ.
"وقال جابر ﵁: قدم النبي ﷺ من سفر، فلما كان قرب المدينة هاجت"؛ أي: ثارت.
"ريح تكاد أن تدفن الراكب"؛ أي: يقرب أن يتوارى الراكب من شدة ثورانها.
"فقال رسول الله ﷺ : بعثت هذه الريح لموت منافق": اللام للتوقيت؛ أي: في وقت موت منافق.
стр. 3219
"فقدم المدينة فإذا عظيم من المنافقين قد مات".
* * *
٤٦١٦ - عَنْ أَبي سَعِيْدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قال: خرَجْنا معَ النَّبيِّ ﷺ حتَّى قَدِمْنَا عُسْفانَ، فأَقَامَ بِهَا لَيالِيَ، فقالَ النَّاسُ: ما نحنُ هَاهُنا في شَيءٍ، وإنَّ عِيالَنا لَخُلوفٌ مَا نَأْمَنُ عليهِمْ، فبَلَغَ ذلكَ النَّبيَّ ﷺ ، فَقَال: "والَّذِي نفسِي بيدِه، ما مِنَ المَدينةِ شِعْبٌ ولا نَقْبٌ إلَّا عليهِ مَلَكانِ يَحْرُسَانِها حتَّى تَقْدَموا إليها"، ثُمّ قال: "ارتَحِلُوا"، فارتَحَلْنا، وأقبَلْنا إلى المَدِينةِ، فوَالَّذِي يُحْلَفُ بهِ، ما وَضَعْنا رِحَالَنا حِينَ دَخَلنا المَدِينَةَ حتَّى أَغَارَ عَلَيْنا بنو عَبدِ الله بن غَطَفانَ، ومَا يَهْيجُهُمْ قبلَ ذلكَ شيءٌ.
"قال أبو سعيد الخدري ﵁: خرجنا مع النبي ﷺ حتى قدمنا عُسْفان" بضم العين وسكون السين المهملتين: موضع قريب من المدينة.
"فأقام بها ليالي، فقال الناس: ما نحن هاهنا في شيء، وإن عِيالنا": بكسر العين؛ أي: أهل بيتنا.
"لخُلوفٌ": بضم الخاء المعجمة؛ أي: ليس فيهم إلا النساء من غير الرجال.
"ما نأمن عليهم، فبلغ ذلك النبي ﷺ فقال: والذي نفسي بيده ما في المدينة شِعبٌ": وهو - بكسر الشين المعجمة -: الطريق في الجبل.
"ولا نَقَب" بفتح النون: بمعنى الشعب.
"إلا عليه ملكان يحرسانها"؛ أي: يحفظان المدينة.
"حتى تقدموا"؛ أي: ترجعوا "إليها، ثم قال: ارتحلوا، فارتحلنا وأقبلنا إلى المدينة، فوالذي يحُلَفُ به، ما وضعنا رحالنا حين دخلنا المدينة، حتى
стр. 3220
أغارَ علينا بنو عبد الله بن غطَفْان" بفتح الغين والطاء المهملتين: اسم قبيلة.
"وما يهيجهم"؛ أي: ما يثير بني عبد الله.
"قبل ذلك"؛ أي: قبل الغارة "شيء".
* * *
٤٦١٧ - وقَالَ أَنَسٌ ﵁: أَصَابَتِ النَّاسَ سَنَةٌ على عَهْدِ رَسُولِ الله ﷺ ، فبَبْنا النَّبيّ ﷺ يَخطُبُ في يومِ جُمُعَةٍ فَقَامِ أعْرَابيٌّ فَقَالَ: يا رَسُولَ الله! هَلَكَ المَالُ، وجَاعَ العِيالُ، فادْعُ الله لَنَا، فَرَفعَ يدَيْهِ ومَا نرَى في السَّماءَ قَزَعَةً، فوَالَّذِي نفسِي بيَدِهِ، ما وضَعَهُما حتَّى ثارَ السَّحابُ أمثالَ الجبالِ، ثُمَّ لمْ يَنْزِلْ عنْ مِنبَرِهِ حتَّى رَأَيْتُ المَطَرَ يَتَحادَرُ على لِحيَتِهِ، فمُطِرْنا يومَنا ذلكَ، ومِنَ الغَدِ، ومِنْ بعدِ الغَدِ، حتَّى الجُمْعَةِ الأَخرَى، فقامَ ذلكَ الأعرابيُّ، أو غيرُهُ، فَقَال: يا رسولَ الله! تَهدَّمَ البناءُ، وغَرِقَ المَالُ، فادْعُ الله لَنَا، فرفَعَ يدَيْهِ وقال: "اللهمَّ! حَوالَيْنا ولا علَيْنا"، فَمَا يُشيرُ إلى ناحيةٍ مِنَ السَّحابِ إلَّا انفرَجَتْ، وصَارَتِ المَدِينةُ مِثْلَ الجَوْبَةِ، وسَالَ الوادِي قَناةُ شَهَراً، ولم يَجئْ أَحَدٌ منْ ناحِيَةٍ إلَّا حَدَّثَ بالجَوْدِ.
وفي رِواية: قال: "اللهمَّ! حَوالَيْنا ولا عَلَيْنَا، اللهمَّ! على الآكَامِ والظِّرَابِ وبُطونِ الأوْدِيةِ ومَنابتِ الشَّجرِ"، قال: فأَقلَعَتْ، وخَرَجْنا نمشِي في الشَّمسِ.
"قال أنس ﵁: أصابت الناس سنة"؛ أي: قحط.
"على عهد رسول الله ﷺ ، فبينا النبي ﵊ يخطب في يوم الجمعة، قام أعرابي فقال: يا رسول الله! هلك المال"؛ أي: المواشيء لأنها أكثر أموالهم.
"وجاع العيال، فادعُ الله لنا، فرفع يديه وما نرى في السماء قَزَعة": بفتح
стр. 3221
القاف والزاء المعجمة؛ أي: قطعةً من السحاب.
"فوالذي نفسي بيده ما وضعهما حتى ثار"؛ أي: سطع (١).
"السحاب أمثال الجبال، ثم لم ينزل عن منبره حتى رأيت المطَر يتحادر"؛ أي: يتساقط.
"على لحيته": قيل: يريد أن السقف قد وكف حتى نزل الماء عليه.
"فمُطِرنا يومنا ذلك، ومن الغد، ومن بعد الغد، حتى الجمعة الأخرى، وقام ذلك الأعرابي أو غيره فقال: يا رسول الله! تهدم البناء، وغرق المال، فادعُ الله لنا، فرفع يديه فقال: اللهم حوالينا ولا علينا"؛ أي: أنزل الغيث على موضع النبات، لا على موضع الأبنية.
"فما يشير إلى ناحية من السحاب إلا انفرجت، وصارت المدينة مثل الجوبة": بفتح الجيم وسكون الواو، وهي الفرجة في السحاب، وهنا حذف تقديره: صار جوب المدينة مثل الفرجة في السحاب؛ أي: خالياً عن السحاب.
وقيل: الجوبة: الحفرة المستديرة الواسعة؛ أي: صار الغيم والسحاب محيطاً بآفاق المدينة.
"وسال الوادي قناة": نصب على الحال من فاعل (سأل)، أي: سائلاً مثل القناة "شهراً".
أو على التمييز؛ أي: قدر قناة، فحينئذ تفسير القناة بالرمح أولى منه بالتي تحُفَر في الأرض؛ لأنه قلَّما تبلغ القنى في كثرة مياهها مبلغ السيول، ويجوز أن يكون مصدراً على حذف؛ أي: سيل القناة أو سيلانها في الدوام والاستمرار والقوة.
стр. 3222
"ولم يجئ أحد من ناحية"؛ أي من جانب من جوانب المدينة.
"إلا حدث"؛ أي: أخبر.
"بالجود" بفتح الجيم وسكون الواو: بالمطر الكثير.
"وفي رواية: قال: اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام" بفتح الهمزة الممدودة وكسرها المقصورة: جمع أكمة، وهو ما ارتفع من الأرض.
"والظِّراب" بكسر الظاء المعجمة: الجبال الصغار.
"وبطون الأودية ومنابت الشجر، قال: فأقلعت"؛ أي: انكشفت السحاب، والضمير فيه للسحاب، فإنها جمع سحابة.
"وخرجنا نمشي في الشمس".
* * *
٤٦١٨ - وقَالَ جَابرٌ ﵁: كَانَ النَّبيُّ ﷺ إذا خَطَبَ اسْتَنَد إِلى جِذْعِ نَخلةٍ منْ سَوارِي المَسْجدِ، فَلَمَّا صُنِعَ لهُ المِنَبُر فاستَوَى عليهِ، صَاحَت النَّخلةُ الَّتي كَانَ يَخطُبُ عِندَها حتَّى كَادَتْ أَنْ تَنشَقَّ، فنزَلَ النَّبيّ ﷺ حتَّى أخذَهَا فضَمَّها إليهِ، فجَعَلَتْ تَئِنُّ كَمَا يَئِنُّ الصَّبيُّ الذي يُسَكَّتُ حتَّى استقرَّتْ، قَالَ: "بَكَتْ على مَا كانتْ تَسمَعُ مِنَ الذِّكْرِ".
"وقال جابر ﵁: كان النبي ﷺ إذا خطب استند إلى جذع نخلة"؛ أي: أصلها وساقها.
"من سواري المسجد": جمع سارية، وهي الأُسطُوانة.
"فلما صُنِع له المنبر فاستوى عليه، صاحت النخلة التي كان يخطب عندها حتى كادت أن تنشقَّ، فنزل النبي صلى الله تعالى عليه وسلم حتى أخذها"؛ أي: تلك النخلة.
стр. 3223
"فضمَّها إليه"؛ أي: إلى نفسه.
"فجعلت"؛ أي: شرعت النخلة.
"تئنُّ"؛ أي: تصيح.
"أنينَ الصبي الذي يُسكَّت"؛ أي: يجعل ساكناً.
"حتى استقرت، قال" النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: "بكت"؛ أي: النخلة.
"على ما كانت"؛ أي: على فوت ما كانت "تسمع من الذكر".
* * *
٤٦١٩ - عَنْ سَلَمَة بن الأَكْوَعِ ﵁: أَنَّ رَجُلاً أَكَلَ عندَ رَسُولِ الله ﷺ بشمالِهِ، فقال: "كُلْ بيَمينِكَ"، فَقَال: لا أستطيعُ، قال: "لا استَطَعْتَ"، مَا منعَهُ إلا الكِبْرُ، قَالَ: فما رفعَها إلى فيهِ.
"عن سلمة بن الأكوع ﵁: أن رجلاً": اسمه بُسر ابن راعي العير.
"أكل عند النبي ﷺ بشماله فقال: كل بيمينك، قال: لا أستطيع، قال: لا استطعته": دعاء عليه.
"ما منعه ذلك"؛ أي: ما منع الرجل من الأكل بيمينه.
"إلا الكبر": فيه دليل على أن الأكل باليمين من السنن.
"قال"؛ أي: الراوي.
"فما رفعها"؛ أي: الرجل يمينه.
"إلى فيه" بعد ذلك؛ لدعائه ﷺ عليه.
стр. 3224
٤٦٢٠ - عَنْ أَنسٍ ﵁ أنَّ أَهْلَ المَدينةِ فَزِعُوا مَرّةً، فركِبَ النَّبيّ ﷺ فرساً لأبي طَلحَةً بَطيئاً فكَانَ يَقْطِفُ، فَلمَّا رَجَعَ قَالَ: "وَجَدْنا فرسَكُمْ هذا بَحْراً"، فكانَ بعدَ ذلكَ لا يُجارَى.
وفي رِوَايَةٍ: فَمَا سُبقَ بعدَ ذلكَ اليَومِ.
"عن أنس ﵁: أن أهل المدينة فزعوا مرة، فركب النبي ﷺ فرساً لأبي طلحة بطيئاً، وكان يقطف"؛ أي: يتقارب في الخطوات.
"فلمَّا رجع قال: وجدنا فرسكم هذا بحراً"؛ أي: واسع الجري.
"فكان بعد ذلك لا يُجارَى"؛ أي: لا يُقاوم في الجري، وفي بعض: "لا يُجازى" أي: لا يجازيه فرس يجري معه.
"وفي رواية: فما سُبق" - على صيغة المجهول - "بعد ذلك اليوم".
* * *
٤٦٢١ - وَقَالَ جَابرٌ ﵁: تُوفِّي أَبي وعَليهِ دينٌ، فعَرَضْتُ على غُرَمائِهِ أنْ يَأْخُذُوا التَّمرَ بما عليهِ فأبَوْا، فأتيتُ النَّبيَّ ﷺ فقلتُ: قدْ عَلِمْتَ أنَّ والِدي استُشْهِدَ يومَ أُحُدٍ وتَرَكَ دَيْنا كَثِيراً، وإنِّي أُحِبُّ أنْ يَراكَ الغُرَماءُ، فقالَ لي: "اذهَبْ فبَيْدِرْ كُلَّ تمرٍ على ناحِيةٍ"، ففعلتُ، ثمَّ دعَوْتُهُ، فلمَّا نَظَروا إليهِ كأنّهُمْ أُغْروا بي تلكَ السَّاعةَ، فلمَّا رأَى ما يَصنعونَ طَافَ حولَ أعظَمِها بَيْدَراً ثلاثَ مرَّاتٍ، ثُمَّ جَلَس عليهِ، ثمَّ قال: "اُدْعُ لي أصحابَكَ"، فَمَا زالَ يَكِيلُ لهُمْ حتَّى أَدَّى الله عنْ والِدي أَمَانَتَهُ، وأَنَا أَرْضى أنْ يُؤَدِّيَ الله أمانَةَ والِدي ولا أَرْجِعَ إلى أَخَواتِي بتمرةٍ، فسَلَّمَ الله البَيادِرَ كُلَّها وحتَّى إنِّي أنظُرُ إلى البَيْدَرِ الَّذي كانَ عليهِ النَّبيّ ﷺ كأنَّها لمْ تنقُصْ تَمرةً واحِدةً.
"وقال جابر ﵁: توفي أبي"؛ أي: مات.
стр. 3225
"وعليه دين، فعرضتُ على غرمائه أن يأخذوا التمَر بما عليه، فأبوا"؛ لأنه كان في أعينهم قليلاً، وكانوا يهوداً.
"فأتيت النبي ﷺ فقلت: قد علمتَ أن والدي استشهد يوم أحد، وترك ديناً كثيراً، وإني أحب أن يراك الغرماءُ، فقال لي: اذهبْ فبيدر كلَّ تمر على ناحية"؛ أي: اجعل كل نوع من التمر بيدراً؛ أي: صُبرة واحدة.
"ففعلت، ثم دعوته، فلما نظروا إليه"؛ أي: الغرماء إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم.
"كأنهم أُغْروا بي"؛ أي: أولعوا بي، ولجوا في مطالبتي، وألحوا.
"تلك الساعة، فلما رأى"؛ أي: النبي ﷺ .
"ما يصنعون، طاف حول أعظمها بيدراً ثلاث مرات، ثم جلس عليه، ثم قال: ادعْ لي أصحابك"؛ أي: غرماءك.
"فما زال يكيل لهم حتى أدَّى الله تعالى عن والدي أمانته"؛ أي: دينه، سمى الدين أمانة؛ لأنه ائتمن على أدائه.
"وأنا أرضى أن يؤدي الله أمانة والدي، ولا أرجعُ إلى أخواتي بتمرة، فسلَّم الله البيادر كلها"؛ أي: جعلها سالماً عن النقصان.
"حتى أني أنظر إلى البيدر الذي كان عليه النبي ﷺ ، كأنها": الضمير للقصة.
"لم تنقص تمرة واحدة".
* * *
٤٦٢٢ - وقَالَ جَابرٌ: إنَّ أُمَّ مالِكٍ كَانتْ تُهْدي للنَّبيِّ ﷺ في عُكَّةٍ لَهَا سَمْناً، فيأتِيها بنوهَا فيَسألونَ الأُدْمَ وليسَ عِندَهُمْ شَيءٌ، فتعمِدُ إلى الذِي كانتْ