القاف والزاء المعجمة؛ أي: قطعةً من السحاب.
"فوالذي نفسي بيده ما وضعهما حتى ثار"؛ أي: سطع (١).
"السحاب أمثال الجبال، ثم لم ينزل عن منبره حتى رأيت المطَر يتحادر"؛ أي: يتساقط.
"على لحيته": قيل: يريد أن السقف قد وكف حتى نزل الماء عليه.
"فمُطِرنا يومنا ذلك، ومن الغد، ومن بعد الغد، حتى الجمعة الأخرى، وقام ذلك الأعرابي أو غيره فقال: يا رسول الله! تهدم البناء، وغرق المال، فادعُ الله لنا، فرفع يديه فقال: اللهم حوالينا ولا علينا"؛ أي: أنزل الغيث على موضع النبات، لا على موضع الأبنية.
"فما يشير إلى ناحية من السحاب إلا انفرجت، وصارت المدينة مثل الجوبة": بفتح الجيم وسكون الواو، وهي الفرجة في السحاب، وهنا حذف تقديره: صار جوب المدينة مثل الفرجة في السحاب؛ أي: خالياً عن السحاب.
وقيل: الجوبة: الحفرة المستديرة الواسعة؛ أي: صار الغيم والسحاب محيطاً بآفاق المدينة.
"وسال الوادي قناة": نصب على الحال من فاعل (سأل)، أي: سائلاً مثل القناة "شهراً".
أو على التمييز؛ أي: قدر قناة، فحينئذ تفسير القناة بالرمح أولى منه بالتي تحُفَر في الأرض؛ لأنه قلَّما تبلغ القنى في كثرة مياهها مبلغ السيول، ويجوز أن يكون مصدراً على حذف؛ أي: سيل القناة أو سيلانها في الدوام والاستمرار والقوة.
стр. 3222
"ولم يجئ أحد من ناحية"؛ أي من جانب من جوانب المدينة.
"إلا حدث"؛ أي: أخبر.
"بالجود" بفتح الجيم وسكون الواو: بالمطر الكثير.
"وفي رواية: قال: اللهم حوالينا ولا علينا، اللهم على الآكام" بفتح الهمزة الممدودة وكسرها المقصورة: جمع أكمة، وهو ما ارتفع من الأرض.
"والظِّراب" بكسر الظاء المعجمة: الجبال الصغار.
"وبطون الأودية ومنابت الشجر، قال: فأقلعت"؛ أي: انكشفت السحاب، والضمير فيه للسحاب، فإنها جمع سحابة.
"وخرجنا نمشي في الشمس".
* * *
٤٦١٨ - وقَالَ جَابرٌ ﵁: كَانَ النَّبيُّ ﷺ إذا خَطَبَ اسْتَنَد إِلى جِذْعِ نَخلةٍ منْ سَوارِي المَسْجدِ، فَلَمَّا صُنِعَ لهُ المِنَبُر فاستَوَى عليهِ، صَاحَت النَّخلةُ الَّتي كَانَ يَخطُبُ عِندَها حتَّى كَادَتْ أَنْ تَنشَقَّ، فنزَلَ النَّبيّ ﷺ حتَّى أخذَهَا فضَمَّها إليهِ، فجَعَلَتْ تَئِنُّ كَمَا يَئِنُّ الصَّبيُّ الذي يُسَكَّتُ حتَّى استقرَّتْ، قَالَ: "بَكَتْ على مَا كانتْ تَسمَعُ مِنَ الذِّكْرِ".
"وقال جابر ﵁: كان النبي ﷺ إذا خطب استند إلى جذع نخلة"؛ أي: أصلها وساقها.
"من سواري المسجد": جمع سارية، وهي الأُسطُوانة.
"فلما صُنِع له المنبر فاستوى عليه، صاحت النخلة التي كان يخطب عندها حتى كادت أن تنشقَّ، فنزل النبي صلى الله تعالى عليه وسلم حتى أخذها"؛ أي: تلك النخلة.
стр. 3223
"فضمَّها إليه"؛ أي: إلى نفسه.
"فجعلت"؛ أي: شرعت النخلة.
"تئنُّ"؛ أي: تصيح.
"أنينَ الصبي الذي يُسكَّت"؛ أي: يجعل ساكناً.
"حتى استقرت، قال" النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: "بكت"؛ أي: النخلة.
"على ما كانت"؛ أي: على فوت ما كانت "تسمع من الذكر".
* * *
٤٦١٩ - عَنْ سَلَمَة بن الأَكْوَعِ ﵁: أَنَّ رَجُلاً أَكَلَ عندَ رَسُولِ الله ﷺ بشمالِهِ، فقال: "كُلْ بيَمينِكَ"، فَقَال: لا أستطيعُ، قال: "لا استَطَعْتَ"، مَا منعَهُ إلا الكِبْرُ، قَالَ: فما رفعَها إلى فيهِ.
"عن سلمة بن الأكوع ﵁: أن رجلاً": اسمه بُسر ابن راعي العير.
"أكل عند النبي ﷺ بشماله فقال: كل بيمينك، قال: لا أستطيع، قال: لا استطعته": دعاء عليه.
"ما منعه ذلك"؛ أي: ما منع الرجل من الأكل بيمينه.
"إلا الكبر": فيه دليل على أن الأكل باليمين من السنن.
"قال"؛ أي: الراوي.
"فما رفعها"؛ أي: الرجل يمينه.
"إلى فيه" بعد ذلك؛ لدعائه ﷺ عليه.
стр. 3224
٤٦٢٠ - عَنْ أَنسٍ ﵁ أنَّ أَهْلَ المَدينةِ فَزِعُوا مَرّةً، فركِبَ النَّبيّ ﷺ فرساً لأبي طَلحَةً بَطيئاً فكَانَ يَقْطِفُ، فَلمَّا رَجَعَ قَالَ: "وَجَدْنا فرسَكُمْ هذا بَحْراً"، فكانَ بعدَ ذلكَ لا يُجارَى.
وفي رِوَايَةٍ: فَمَا سُبقَ بعدَ ذلكَ اليَومِ.
"عن أنس ﵁: أن أهل المدينة فزعوا مرة، فركب النبي ﷺ فرساً لأبي طلحة بطيئاً، وكان يقطف"؛ أي: يتقارب في الخطوات.
"فلمَّا رجع قال: وجدنا فرسكم هذا بحراً"؛ أي: واسع الجري.
"فكان بعد ذلك لا يُجارَى"؛ أي: لا يُقاوم في الجري، وفي بعض: "لا يُجازى" أي: لا يجازيه فرس يجري معه.
"وفي رواية: فما سُبق" - على صيغة المجهول - "بعد ذلك اليوم".
* * *
٤٦٢١ - وَقَالَ جَابرٌ ﵁: تُوفِّي أَبي وعَليهِ دينٌ، فعَرَضْتُ على غُرَمائِهِ أنْ يَأْخُذُوا التَّمرَ بما عليهِ فأبَوْا، فأتيتُ النَّبيَّ ﷺ فقلتُ: قدْ عَلِمْتَ أنَّ والِدي استُشْهِدَ يومَ أُحُدٍ وتَرَكَ دَيْنا كَثِيراً، وإنِّي أُحِبُّ أنْ يَراكَ الغُرَماءُ، فقالَ لي: "اذهَبْ فبَيْدِرْ كُلَّ تمرٍ على ناحِيةٍ"، ففعلتُ، ثمَّ دعَوْتُهُ، فلمَّا نَظَروا إليهِ كأنّهُمْ أُغْروا بي تلكَ السَّاعةَ، فلمَّا رأَى ما يَصنعونَ طَافَ حولَ أعظَمِها بَيْدَراً ثلاثَ مرَّاتٍ، ثُمَّ جَلَس عليهِ، ثمَّ قال: "اُدْعُ لي أصحابَكَ"، فَمَا زالَ يَكِيلُ لهُمْ حتَّى أَدَّى الله عنْ والِدي أَمَانَتَهُ، وأَنَا أَرْضى أنْ يُؤَدِّيَ الله أمانَةَ والِدي ولا أَرْجِعَ إلى أَخَواتِي بتمرةٍ، فسَلَّمَ الله البَيادِرَ كُلَّها وحتَّى إنِّي أنظُرُ إلى البَيْدَرِ الَّذي كانَ عليهِ النَّبيّ ﷺ كأنَّها لمْ تنقُصْ تَمرةً واحِدةً.
"وقال جابر ﵁: توفي أبي"؛ أي: مات.
стр. 3225
"وعليه دين، فعرضتُ على غرمائه أن يأخذوا التمَر بما عليه، فأبوا"؛ لأنه كان في أعينهم قليلاً، وكانوا يهوداً.
"فأتيت النبي ﷺ فقلت: قد علمتَ أن والدي استشهد يوم أحد، وترك ديناً كثيراً، وإني أحب أن يراك الغرماءُ، فقال لي: اذهبْ فبيدر كلَّ تمر على ناحية"؛ أي: اجعل كل نوع من التمر بيدراً؛ أي: صُبرة واحدة.
"ففعلت، ثم دعوته، فلما نظروا إليه"؛ أي: الغرماء إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم.
"كأنهم أُغْروا بي"؛ أي: أولعوا بي، ولجوا في مطالبتي، وألحوا.
"تلك الساعة، فلما رأى"؛ أي: النبي ﷺ .
"ما يصنعون، طاف حول أعظمها بيدراً ثلاث مرات، ثم جلس عليه، ثم قال: ادعْ لي أصحابك"؛ أي: غرماءك.
"فما زال يكيل لهم حتى أدَّى الله تعالى عن والدي أمانته"؛ أي: دينه، سمى الدين أمانة؛ لأنه ائتمن على أدائه.
"وأنا أرضى أن يؤدي الله أمانة والدي، ولا أرجعُ إلى أخواتي بتمرة، فسلَّم الله البيادر كلها"؛ أي: جعلها سالماً عن النقصان.
"حتى أني أنظر إلى البيدر الذي كان عليه النبي ﷺ ، كأنها": الضمير للقصة.
"لم تنقص تمرة واحدة".
* * *
٤٦٢٢ - وقَالَ جَابرٌ: إنَّ أُمَّ مالِكٍ كَانتْ تُهْدي للنَّبيِّ ﷺ في عُكَّةٍ لَهَا سَمْناً، فيأتِيها بنوهَا فيَسألونَ الأُدْمَ وليسَ عِندَهُمْ شَيءٌ، فتعمِدُ إلى الذِي كانتْ
стр. 3226
تُهْدي فيه للنَّبيِّ ﷺ فتَجدُ فيهِ سَمْناً، فما زالَ يُقيمُ لَهَا أُدْمَ بيتِها حتَّى عَصَرَتها، فأتَتِ النَّبيَّ ﷺ فَقَالَ: "عصرتيها؟ "، قالتْ: نعمْ، قَالَ: "لوْ تَركْتِيها ما زالَ قائِماً".
"وقال جابر ﵁: إن أمَّ مالك كانت تهدي للنبي ﷺ "؛ أي: ترسل.
"في عُكَّةٍ لها سمناً": و (العكة) بضم العين المهملة وتشديد الكاف: وعاء من جلد مستدير مختص بالسمن والعسل، وبالسمن أخص.
"فيأتيها بنوها، فيسألون الأُدم" بضم الهمزة: ما يؤتدم.
"وليس عندهم شيء، فتعمد إلى الذي كانت تهدي فيه للنبي ﷺ ، فتجد فيه سمناً، فما زال"؛ أي: ذلك السمن الذي في العكة.
"يقيم لها أدم بيتها": ببركة رسول الله ﷺ .
"حتى عصرتها"؛ أي: العكة.
"فأتت النبي ﷺ فقال: عصرتيها؟ ": الياء للإشباع.
"قالت: نعم، قال: لو تركتيها"؛ أي: لو تركت ما فيها من السمن وما عصرتها.
"ما زال" أدم بيتك "قائماً"؛ فإن البركة تترك في شيء ولو كان قليلاً، فإذا تركت فيه كثر ذلك القليل.
* * *
٤٦٢٣ - وقَالَ أَنسٌ ﵁: قَالَ أبو طَلْحَةَ لأُّمِّ سُلَيْمٍ: لَقَدْ سَمِعتُ صَوْتَ رسولِ الله ﷺ ضَعيفاً أعرِفُ فيهِ الجُوعَ، فهَلْ عِندَكِ منْ شيءٍ؟ قَالَتْ: نعمْ، فأخرجَتْ أَقْرَاصاً منْ شَعِيْرٍ، ثُمَّ أخرجَتْ خِماراً لَهَا فلَفَّتِ الخُبزَ ببعضهِ، ثمَّ دَسَّتْهُ تحْتَ يَدِي، ولَاثَتْنِي ببعضهِ، ثمَّ أرسَلَتْنِي إلى رسولِ الله ﷺ ، قَالَ:
стр. 3227
فذهبتُ بهِ، فوجَدْتُ رَسُولَ الله ﷺ في المَسجدِ ومعهُ نَاسٌ، فقُمْتُ فسلَّمتُ عليهِمْ، فقالَ لي رَسُولُ الله ﷺ : "أرسلكَ أبو طَلْحَةَ؟ "، قُلْتُ: نعمْ، قَالَ: "بطعامٍ؟ "، قُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ لِمَنْ مَعَهُ: "قُوموا"، فانطلَقَ، وانطَلَقْتُ بَيْنَ أيْدِيهِمْ، حتَّى جِئْتُ أَبَا طَلْحَةَ فأخبَرْتُهُ، فَقَالَ أبو طَلْحَةَ: يا أُمَّ سُلَيْمٍ! قدْ جَاءَ رَسُولُ الله ﷺ بالنَّاسِ وليسَ عِندَنا ما نُطْعِمْهُمْ، فقَالَتْ: الله ورسُولُهُ أَعْلَمُ، فانطلقَ أبو طَلْحَةَ حتَّى لَقِيَ رَسُولَ الله ﷺ ، فأقبَلَ رَسُولُ الله ﷺ وأبو طَلْحَةَ معهُ، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "هَلُمِّي يا أُمَّ سُلَيْم! ما عِنْدَك"، فأتَتْ بذلك الخبزِ، فأَمَر به رَسُول الله ﷺ فَفُتَّ، وعَصَرَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ عُكَّةً، فأَدَمَتْهُ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ الله ﷺ فيهِ مَا شَاءَ الله أنْ يقولَ، ثُمَّ قال: "ائْذَنْ لِعَشَرةٍ"، فأذِنَ لهُمْ، فأكَلوا حتَّى شَبعوا ثُمَّ خرَجوا، ثُمَّ قال: "ائْذَنْ لِعَشَرةٍ، ثُمَّ لِعَشَرةٍ"، فأكَلَ القَومُ كُلُّهُمْ وشَبعُوا، والقومُ سَبعونَ أو ثَمانونَ رَجُلاً.
ويُروى أَنَّه قال: "ائْذَنْ لِعَشَرةٍ"، فدَخَلوا فَقَالَ: "كُلوا، وسَمُّوا الله"، فأَكَلوا حتَّى فَعَلَ ذلك بِثَمانينَ رَجُلاً، ثمَّ أَكَلَ النَّبيّ ﷺ وأهلُ البيتِ وتَرَكَ سُؤْراً.
ويُروى: فجَعَلْتُ أنظُرُ: هلْ نَقَصَ منها شَيءٌ؟!.
ويُروَى: ثُمَّ أَخَذَ ما بَقِيَ فجَمَعَهُ، ثُمَّ دَعا فيهِ بالبَرَكَةِ، فَعَادَ كَمَا كَانَ، فقال: "دُونَكُمْ هذا".
"قال أنس ﵁: قال أبو طلحة لأم سليم": هي أم أنس.
"لقد سمعتُ صوتَ رسول الله ﷺ ضعيفاً أعرف فيه الجوع، فهل عندك من شيء؟ قالت: نعم، فأخرجت أقراصاً من شعير، ثم أخرجت خماراً لها": وهو ما تستر المرأة [به] رأسها.
"فلفت الخبز ببعضه"؛ أي: جمعته ببعض الخمار.
стр. 3228
"ثم دسَّته"؛ أي: أخفته.
"تحت يدي، ولاثَتْني ببعضه"؛ أي: عصبت ببعض الخمار على رأسي.
"ثم أرسلتني إلى رسول الله ﷺ ، قال: فذهبت به فوجدت رسول الله ﷺ في المسجد ومعه الناس، فسلمت عليهم، فقال لي رسول الله ﷺ : آرسلك أبو طلحة؟ قلت: نعم، قال: بطعام؟ قلت: نعم، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لمن معه: قوموا، فانطلق، وانطلقتُ بين أيديهم حتى جئت أبا طلحة، فأخبرته، فقال أبو طلحة: يا أم سليم! قد جاء رسول الله ﷺ بالناس، وليس عندنا ما نطعمهم، فقالت: الله ورسوله أعلم، فانطلق أبو طلحة حتى لقي رسول الله ﷺ ، فأقبل رسول ﷺ وأبو طلحة معه، فقال رسول الله ﷺ : هلمي"؛ أي: عجِّلي وأحضري.
"يا أم سليم ما عندك": من الطعام.
"فأتت بذلك الخبز، فأمر به رسول الله ﷺ فَفُتَّ"؛ أي: كسر وجعل فتيتاً؛ أي: قطعاً صغاراً.
"وعصرت أمُّ سليم عكَةً فأَدَمَتْهُ"؛ أي: جعلت السمن الذي في العكة إداماً لذلك الفتيت.
"ثم قال رسول الله ﷺ فيه ما شاء الله أن يقول، ثم قال" رسول الله ﷺ لأبي طلحة:
"ائذن لعشرة، فأذن لهم، فأكلوا حتى شبعوا، ثم خرجوا، ثم قال: ائذن لعشرة، ثم لعشرة، فأكل القوم كلهم وشبعوا، والقوم سبعون، أو ثمانون رجلاً": قيل: إنما لم يأذن للكل مرة واحدة؛ لأن الجمع الكثير إذا نظروا إلى طعام قليل يزداد حرصهم على الأكل، ويظنون أن ذلك الطعام لا يشبعهم، فإذا كان كذلك فالحرصُ عليه ممحقة للبركة، وإذا كان الأمر بالعكس، فلا يهيج
стр. 3229
حرصهم عليه، وتطمئن نفوسهم، فعند ذلك نزولُ البركة متوقعٌ من عند الله، فلهذه الحكمة قال: ائذن لعشرة عشرة.
وقيل: يحتمل أن يكون لضيق بالمنزل.
"ويروى: أنه قال: ائذن لعشرة، فدخلوا فقال: كلوا، وسموا الله، فأكلوا حتى فعل ذلك بثمانين رجلاً، ثم أكل النبي ﷺ وأهل البيت، وتركوا سُؤْراً": بالهمزة؛ أي: بقية من الطعام.
"ويروى: فجعلت أنظر؛ هل نقص منها شيء؟ ويروى: ثم أخذ ما بقي فجمعه، ثم دعا فيه بالبركة، فعاد كما كان، فقال: دونكم هذا"؛ أي: خذوه وكلوه، اسم فعل للأمر.
* * *
٤٦٢٤ - وقَالَ أَنسٌ ﵁: أُتِىَ النَّبيّ ﷺ بإناءٍ وهَوَ بالزَّوْراءِ، فوَضَعَ يَدهُ في الإِناءِ فجعَلَ الماءُ يَنبُعُ منْ بينِ أَصَابعِهِ، فتوضَّأَ القَوْمُ، قال قَتادةُ ﵁: قُلتُ لِأَنَسٍ: كمْ كنتُمْ؟ قالَ: ثَلاثَ مَئِةٍ، أوْ زُهَاءَ ثَلاثَ مِئَةٍ.
"وقال أنس ﵁: أُتي النبيُّ ﷺ بإناء وهو بالزَّوراء" بفتح الزاء المعجمة وسكون الواو: وهي دار عثمان ﵁، موضعٌ بالمدينة، وفي الأصل: البئر البعيدة القعر، قيل: سميت بذلك؛ لبعدها عن المدينة.
"فوضع يده في الإناء، فجعل الماء ينبع"؛ أي: ينصب.
"من بين أصابعه، فتوضأ القوم": قال النووي: في كيفية هذا النبع قولان:
أحدهما: أن الماء يخرج من بين أصابعه، وينبع من ذاتها، وهو قول أكثر العلماء، وهذا أعظم [في] المعجزة من نبعه من حجر.
стр. 3230
وثانيها: أنه تعالى أكثر الماء في ذاته، فصار يفور من أصابعه.
"قال قتادة: قلت لأنس: كم كنتم؟ قال: ثلاث مئة، أو زُهاء ثلاث مئة": بضم الزاء المعجمة وبالمد؛ أي: مقدارها.
* * *
٤٦٢٥ - عَنْ عبدِ الله بن مَسْعودٍ ﵁ قَالَ: كُنَّا نعُدُّ الآياتِ برَكَةً، وأنتُمْ تَعُدُّونَها تَخْوْيفاً، كُنَّا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ في سَفَرٍ فَقَلَّ المَاءُ، فَقَالَ: اطلُبوا فَضْلةً من مَاءٍ، فَجَاءُوا بإناءٍ فيهِ مَاءٌ قليلٌ، فأدْخَلَ يَدَهُ في الإِناءِ ثُمَّ قَالَ: "حَيَّ على الطَّهورِ المُبارَكِ، والبَرَكَةُ مِنَ الله"، فلقدْ رأيتُ الماءَ يَنبُعُ منْ بينِ أَصَابعِ رَسُولِ الله ﷺ ، ولَقدْ كُنَّا نسمعُ تسبيح الطَّعامِ وهوَ يُؤْكَلُ.
"وعن عبد الله بن مسعود ﵁ أنه قال: كنا نعد الآيات": جمع آية، وهي العلامة، والمراد بها: المعجزات، سميت آية؛ لأنها علامة على نبوته ﷺ .
"بركةً، وأنتم تعدُّونها تخويفاً": قيل: أراد ابن مسعود بذلك أن عامة الناس لا ينفع فيهم الآيات التي نزلت بالعذاب والتخويف، وأن خاصتهم - وهم الصحابة - ينتفعون بالآيات المقتضية للبركة.
"كنا مع رسول الله ﷺ في سفر، فقلَّ الماء، فقال: اطلبوا فضلةً من ماء، فجاءوا بإناء فيه ماء قليل، فأدخل يده في الإناء، ثم قال: حيَّ على الطهور المبارك"؛ أي: هلموا إليه وأسرعوا.
"والبركة من الله": وأصل البركة: الثبات والدوام.
"ولقد رأيت الماء ينبع من بين أصابع رسول الله ﷺ ، ولقد كنا نسمع تسبيحَ الطعام وهو يؤكل": وإنما سبح؛ لأنه كان خير طعام؛ لكونه مأكول خير الأنبياء.
стр. 3231
٤٦٢٦ - قَالَ أَبُو قَتادَةَ ﵁: خَطَبنا رَسُولُ الله ﷺ فَقَالَ: "إنَّكمْ تَسيرُونَ عَشيَّتكُمْ ولَيْلَتكُمْ، وتأْتونَ المَاءَ إنْ شَاءَ الله غَداً"، فانطلقَ الناسُ لا يَلْوِي أَحدٌ على أَحدٍ، قال أبو قَتادَةَ ﵁: فبَيْنَما رَسُولُ الله ﷺ يَسيرُ حتَّى ابْهارَّ اللَّيلُ، فمَالَ عنْ الطَّريقِ، فوَضَعَ رَأْسَهُ ثُمَّ قَالَ: "احْفَظُوا علَيْنا صَلاتَنا"، وَكَانَ أوَّلَ مَنْ استَيْقَظَ رَسَولُ الله ﷺ والشَّمْسُ في ظَهْرِهِ، ثُمَّ قَالَ: "ارْكَبُوا"، فركِبنا، فسِرْنا، حتَّى إذا ارتفَعَتِ الشَّمسُ نزَلَ، ثُمَّ دَعا بمِيضأَةٍ كانتْ معِي فيها شَيءٌ منْ ماءٍ، فتوضَّأَ مِنْهَا وُضُوءاً دُونَ وُضوءٍ، قال: وبقيَ فيها شَيءٌ منْ مَاءٍ، ثُمَّ قال: "احْفَظْ علَيْنا مِيضَأَتَكَ فسيَكونُ لَهَا نبَأٌ"، ثُمَّ أَذَّنَ بِلالٌ بالصَّلاةِ، فصَلَّى رسولُ الله ﷺ ركعتَيْنِ، ثُمَّ صَلَّى الغَداةَ، ورَكِبَ ورَكِبنا مَعَهُ، فانتَهَينا إلى النَّاسِ حِينَ امتدَّ النَّهارُ وحَمِيَ كُلُّ شيءٍ وهُمْ يقولون: يا رَسُولَ الله! هَلَكْنا عَطَشاً، فقال: "لا هُلْكَ عَلَيْكُمْ"، ودَعا بالمِيضأَةِ، فَجَعلَ يَصُبُّ وأبو قَتادَةَ يَسقيهِمْ، فلمْ يَعْدُ أنْ رَأَى النَّاسُ ماءً في المِيضأَةِ فتكَابُّوا عليها، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أحْسِنوا المَلأَ، كلُّكُمْ سَيَرْوَى"، قال: ففعلَوا، فجَعَلَ رَسُولُ الله ﷺ يَصُبُّ ويَسقِيهِمْ، حتَّى ما بَقِيَ غَيْرِي وغَيْرُ رَسُولِ الله ﷺ ، ثُمَّ صَبَّ فقالَ لي: "اشرَبْ"، فقلتُ: لا أشرَبُ حتَّى تَشْرَبَ يا رَسُولَ الله! قَالَ: "إنَّ سَاقِيَ القَومِ آخِرُهُمْ شُرْباً"، قال: فشرِبْتُ وشَرِبَ، قال: فأتَى النَّاسُ المَاءَ جامِّينَ رِواءً.
"وقال أبو قتادة ﵁: خطبنا رسول الله ﷺ فقال: إنكم تسيرون عشيتكم وليلتكم، وتأتون الماء إن شاء الله غداً، فانطلق الناس لا يلوي أحدٌ على أحد"؛ أي: لا يميل ولا يلتفت إليه، بل يمشي كلُّ واحد على حدته من غير مراعاة صحبةِ أصحابهِ اهتماماً بطلب الماء وحرصاً عليه.
"قال أبو قتادة: فبينما رسول الله ﷺ يسير حتى ابهارَّ الليل"؛ أي:
стр. 3232
انتصف، (البُهْرَة) بالضم: وسط كل شيء.
"فمال عن الطريق، فوضع رأسه، ثم قال" لأصحابه:
"احفظوا علينا صلاتنا"؛ أي: وقت صلاتنا.
"فكان أول من استيقظ رسول الله ﵊، والشمس في ظهره، ثم قال: اركبوا، فركبنا فسرنا حتى إذا ارتفعت الشمس، نزل ﷺ ، ثم دعا بميضأة" بكسر الميم: مطهرة كبيرة يتوضأ بها.
"كانت معي، فيها شيء من ماء، فتوضأ منها وضوءاً دون وضوء"؛ أي: دون وضوئه الذي كان يكثر فيه إراقة الماء؛ يعني: توضأ وضوءاً وسطاً لقلة الماء، وقيل: أراد: أنه استنجى في هذا الوضوء بالحجر لا بالماء.
"قال: فبقي فيها شيء من ماء، ثم قال ﷺ : احفظ علينا مِيضأتك، فسيكون لها نبأ"؛ أي: خبر، والمراد هنا: أن يكون لها شأنٌ يتحدث به الناس.
"ثم أذن بلال بالصلاة، فصلى رسول الله ﷺ ركعتين، ثم صلى الغداة": وفي تأخيره ﷺ قضاء الصلاة دليلٌ على أن من نام عن صلاة، أو نسيها، لا يجب عليه القضاء على الفور، وعلى استحباب مفارقة الموضع الذي ترك فيه المأمور، أو ارتكب فيه المنهي، واستحباب الإتيان بالمتروك في موضع آخر ترغيماً للشيطان.
"فركب وركبنا معه، فانتهينا إلى الناس حين امتدَّ النهار"؛ أي: ارتفع.
"وحمي كلُّ شيء"؛ أي: اشتدت حرارته.
"وهم يقولون: يا رسول الله! هلكنا وعطشنا، فقال: لا هُلْك عليكم": و (الهلك) بالضم وسكون اللام: اسمٌ للهلاك.
"ودعا بالميضأة، وجعل يصب وأبو قتادة يسقيهم، فلم يَعْدُ أن رأى
стр. 3233
الناس"؛ أي: لم يتجاوز رؤيتهم "ما في الميضأة"؛ يعني: قصروا الرؤية عليه.
"فتكابُّوا عليها"؛ أي: ازدحموا على الميضأة مُكِباً بعضهم على بعض.
"فقال رسول الله ﷺ : أحسنوا الملأ" بفتح الميم واللام: الخُلُق.
"كلُّكم سيُروى، قال"؛ أي: الراوي.
"ففعلوا"؛ أي: فعل الناس بعضهم مع البعض إحسانَ الخلق.
"فجعل رسول الله ﷺ يصبُّ وأيسقيهم، حتى ما بقي غيري وغير رسول الله ﷺ ، ثم صبَّ، فقال لي: اشرب، فقلت: لا أشرب حتى تشربَ يا رسول الله! فقال: إن ساقي القوم آخرهم شُرباً، قال: فشربت وشرب، قال: فأتى الناس الماء"؛ أي: من الماء؛ يعني: انصرفوا عنه.
"جامِّين"؛ أي: مستريحين، جمع جامٍّ، وهو المستريح، من (الجَمَام) بالفتح، وهو الراحة، وقيل: أي: مجتمين من (الجمِّ)، قال الله تعالى: ﴿وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا﴾ [الفجر: ٢٠]؛ أي: كثيراً.
"رِواء" بكسر الراء: جمع راوٍ، وهو الذي رَوِيَ من الماء، أو جمع: ريان.
* * *
٤٦٢٧ - عَنْ أَبي هُريْرَةَ ﵁ قَالَ: لمَّا كَانَ يَومُ غَزوةِ تَبوكَ أَصَابَ النَّاسَ مَجَاعَةٌ، فَقَالَ عُمرُ ﵁: يَا رَسُولَ الله! ادْعُهُمْ بفَضْلِ أزْوادِهمْ، ثمَّ ادْعُ الله لهُمْ عليها بالبَرَكَةِ، فقال: "نعَمْ" فدَعا بنطَعٍ فبُسِطَ، ثُمَّ دَعا بفَضْلِ أزْوادِهمْ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَجيءُ بكَفِّ ذُرَةٍ، ويَجيءُ الآخرُ بكَفِّ تَمْرٍ، ويَجيءُ الآخَرُ بكِسْرةٍ، حتَّى اجتمَعَ على النَّطَعِ شَيءٌ يَسيرٌ، فدَعا رَسُولُ الله ﷺ بالبَرَكَةِ، ثُمَّ قَالَ: "خُذوا في أَوْعيَتِكُمْ"، فأخَذوا في أوْعِيَتهِمْ حتَّى مَا تَرَكوا في العَسْكَرِ وِعاءً إلَّا مَلَؤُوهُ،
стр. 3234
قَالَ: فأكَلوا حتَّى شَبعوا، وفَضَلَتْ فَضْلَةٌ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أَشْهَدُ أَنْ لا إلهَ إلَّا الله وأنِّي رَسُولُ الله، لا يَلْقَى الله بهِما عبدٌ غَيْرَ شَاكٍّ فيُحْجَبَ عن الجَنَّةِ".
"قال أبو هريرة ﵁: لما كان يوم غزوة تبوك أصاب الناسَ مَجاعةٌ": بفتح الميم؛ أي: جوع.
"فقال عمر ﵁: يا رسول الله! ادعهم بفضل أزوادهم": جمع زاد، وهو الطعام الذي يُتَّخذُ للسفر؛ يعني: اطلب منهم أن يأتوا ببقية أزوادهم.
"ثم ادع الله لهم عليها بالبركة": قيل: هي ثبوت الخير الإلهي في شيء، وذلك إما أن يجعل الله القليل مشبعاً بقدرته بالبركة القديمة، وإما بزيادته في أجزائه زيادةً غير محسوسة ابتلاء للآكلين.
"فقال: نعم، فدعا بنطعٍ فبُسطَ، ثم دعا بفضل أزوادهم، فجعل الرجل يجيء بكفِّ ذرة، ويجيء الآخر بكف تمر، ويجيء الآخر بكسرة، حتى اجتمع على النطع شيءٌ يسير، فدعا النبي ﷺ بالبركة، ثم قال: خذوا في أوعيتكم، فأخذوا في أوعيتهم، حتى ما تركوا في العَسْكِر وعاءً إلا ملؤوه، قال: فأكلوا حتى شبعوا، وفضلت فضلةٌ، فقال النبي ﷺ : أشهد أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله، لا يلقى الله بهما"؛ أي: بالشهادتين.
"عبدٌ غيرُ شاكٍّ"؛ أي: غير متردد في الإسلام، يجوز رفع (غير) على أنه صفة (عبد)، ونصبه على أنه حال.
"فيحجبَ": بالنصب جواب النفي؛ يعني: من لقي الله بالشهادتين من غير ترددٍ وشكٍّ فلا يحجب "عن الجنة" البتَّةَ.
* * *
٤٦٢٨ - وقَالَ أَنسٌ ﵁: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ عَروساً بزَيْنَبَ، فعَمَدَتْ أُمِّي
стр. 3235
أُمُّ سُلَيْمٍ إلى تَمْرٍ وسَمْنٍ وأَقِطٍ، فَصَنَعَتْ حَيْساً فجعلَتْهُ في تَوْرٍ، فَقَالتْ: يَا أَنَسُ! اذهَبْ بهذا إلى رَسُولِ الله ﷺ فقُلْ: بَعَثَتْ بهذا أُمِّي إليكَ، وهيَ تُقْرِئُكَ السَّلامَ، وتَقُولُ: إنَّ هَذا لكَ مِنَّا قَلِيلٌ يَا رَسُولَ الله! فذهبْتُ فقلتُ، فَقَالَ: "ضَعْهُ"، ثُمَّ قَالَ: "اذهَبْ فادْعُ لي فُلاناً وفُلاناً وفُلاناً - رِجالاً سمّاهُمْ -، وادْعُ مَنْ لَقِيتَ"، فدعَوْتُ مَنْ سَمَّى ومَنْ لَقِيتُ، فرجعتُ، فإذا البَيْتُ غَاصٌّ بأهلِهِ، قِيلَ لِأَنَسٍ: كَمْ كَانَ عَدَدَكُمْ؟ قال: زُهاءَ ثَلَاثِ مِئَةٍ، فَرَأَيتُ النَّبيَّ وَضَعَ يَدَهُ على تِلْكَ الحَيْسَةِ، وتَكلَّمَ بَما شَاءَ الله، ثُمَّ جَعَلَ يَدعُو عَشَرَةً عَشَرةً يأْكُلونَ منهُ ويقولُ لهُمْ: "اذْكُروا اسمَ الله عَلَيْهِ، ولْيأْكُلْ كُلُّ رَجُلٍ مِمَّا يَليهِ"، قال: فَأَكَلوا حتَّى شَبعوا، فخَرَجَتْ طَائِفةٌ ودَخلَتْ طَائِفةٌ حتَّى أكَلوا كلُّهُمْ، فقالَ لي: "يا أنسُ! ارْفَعْ"، فرفَعْتُ، فَمَا أدْرِي حِينَ وضَعْتُ كَانَ أكثرَ أمْ حينَ رَفَعْتُ!.
"وقال أنس ﵁: كان النبي ﷺ عروساً بزينب"؛ أي: متزوجاً بها.
"فعمدت"؛ أي: قصدت.
"أمي أمُّ سليم إلى تمرٍ وسمنٍ وأَقِطٍ، فصنعت حَيْساً": وهو تمر يخلط بسمنٍ وأقطٍ.
"فجعلته في تَورٍ": وهو: إناء يشرب فيه.
"فقالت: يا أنس! اذهبْ بهذا إلى رسول الله ﷺ فقل: بعثَت بهذا إليك أمي، وهي تقرئك السلام، وتقول: إن هذا لك منا قليلٌ يا رسول الله، فذهبت وقلت، فقال: ضعه، ثم قال: اذهب، فادعُ لي فلاناً وفلاناً وَفلاناً رجالاً سماهم، وادعُ لي من لقيت، فدعوت من سمى، ومن لقيتُ، فرجعتُ فإذا البيتُ غاصٌّ"؛ أي: ممتلئٌ.
"بأهله، قيل لأنسٍ: عددكم كم كانوا": جمع الضمير نظراً إلى معنى العدد؛ لزيادته على الواحد.
стр. 3236
"قال: زُهاء ثلاث مئة"؛ أي: قدرها.
"قرأيت النبيَّ ﷺ وضع يده على تلك الحيسة، وتكلم بما شاء الله، ثم جعل يدعو عشرةً عشرةً يأكلون منه، ويقول لهم: اذكروا اسم الله، وليأكل كلُّ رجلٍ مما يليه، قال: فأكلوا حتى شبعوا، فخرجت طائفة، ودخلت طائفة حتى أكلوا كلهم، فقال لي: يا أنس! ارفع، فرفعت، فما أدري حين وضعتُ كان أكثر، أم حين رفعتُ".
* * *
٤٦٢٩ - قَالَ جَابرٌ ﵁: غَزَوْتُ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ ، وَأَنَا على نَاضحٍ قدْ أعْيا فلا يَكَادُ يَسيرُ، فَتَلاحَقَ بِي النَّبيّ ﷺ فَقَالَ: "ما لِبَعيرِكَ؟ "، قُلْتُ: قدْ عَييَ، فتخلَّفَ رَسُولُ الله فَزَجَرَهُ ودَعا لَهُ، فما زالَ بينَ يَدَي الإِبلِ قُدَّامَها يَسيرُ، فَقَالَ لِي: "كيفَ تَرى بَعيرَكَ؟ "، قلتُ: بخَيْرٍ، قدْ أصابَتْهُ بَرَكَتُكَ، قال: "أفَتَبيعُنِيهِ بِوُقِيَّةٍ؟ "، فبعْتُهُ على أنَّ لي فَقارَ ظهرِهِ إلى المدينةِ، قَالَ: فلمَّا قَدِمَ رَسُولُ الله ﷺ المَدِينةَ غَدَوْتُ عليهِ بالبَعيرِ، فأعْطَانِي ثَمْنَهُ، ورَدَّهُ عليَّ.
"قال جابر ﵁: غزوت مع رسول الله ﷺ وأنا على ناضح": وهو: بعير يُستقَى عليه الماء.
"قد أعيا"؛ أي: عجز عن السير وغيره.
"فلا يكاد يسير، فتلاحقَ بي النبي ﷺ ، فقال: ما لبعيرك؟ قلت: قد عَييَ، فتخلَّف رسول الله ﷺ فزجره، فدعا له، فما زال بين يدي الإبل قُدَّامها يسير": ببركة دعائه ﷺ .
"فقال لي: كيف ترى بعيرك؟ قلت: بخير، قد أصابته بركتك، قال: أفتبيعنيه بوقيةٍ؟ "؛ أي: بأربعين درهماً.
"فبعته على أن لي فَقارَ ظهرِهِ"؛ أي: ركوب فقار ظهره.
стр. 3237
"إلى المدينة، فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة غدوت عليه بالبعير، فأعطاني ثمنه وردَّه"؛ أي: البعير "عليَّ": وفيه دليل على جواز استثناء بعض منفعة المبيع مُدةً.
* * *
٤٦٣٠ - عَنْ أَبي حُمَيْدٍ ﵁ قَالَ: خَرَجْنا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ غَزْوَةَ تَبوكَ، فأتَيْنا وادِي القُرَى على حَديقةٍ لامْرأةٍ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "اخْرُصُوهَا"، فخَرَصْناهَا، وخَرَصَها رَسُولُ الله ﷺ عَشَرَةَ أوْسُقٍ وقال: "أَحْصِيْهَا حتَّى نرَجِعَ إِلَيكِ إِنْ شَاءَ الله "، وانْطَلَقْنا حتَّى قَدِمْنَا تَبوكَ، فقالَ رَسُولُ الله ﷺ : "ستَهُبُّ عَلَيكُمُ اللَّيلةَ رِيحٌ شَديدةٌ، فلا يَقُمْ فيها أَحدٌ، فمَنْ كَانَ لَهُ بَعيرٌ فلْيَشُدَّ عِقالَهُ"، فهَبَّتْ رِيحٌ شَديدةٌ، فَقَامَ رَجَلٌ فحَملَتْهُ الرِّيحُ حتَّى ألْقَتْهُ بجَبَلَ طَيئٍ، ثُمَّ أقبَلْنا حتَّى قَدِمنا وادِي القُرَى، فَسَألَ رَسُولُ الله ﷺ المَرأَةَ عنْ حَديقتِها، "كَمْ بَلَغَ تمرُها؟ "، فَقَالت: عَشَرَةَ أوْسُقٍ.
"عن أبي حُميَدٍ ﵁ أنه قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ غزوة تبوك، فأتينا وادي القرى": اسم موضع.
"على حديقة"؛ أي: بستان.
"لامرأة، فقال رسول الله ﷺ : اخرصوها"؛ أي: قدِّروها.
"فخرصناها، وخرصها النبي ﷺ عشرة أوسقٍ، وقال: أحصيها"؛ أي: احفظيها وعديها إلى كم يبلغ ثمرها.
"حتى نرجع إليك إن شاء الله، وانطلقنا حتى قدمنا تبوك، فقال رسول الله ﷺ : ستهب عليكم الليلة ريحٌ شديدةٌ، فلا يقم فيها أحدٌ، من كان لى بعيرٌ فليشدَّ عقاله، فهبت ريحٌ شديدةٌ، فقام رجلٌ فحملته الريح حتى ألقته بجبلي طي": أحدهما
стр. 3238
سلمى، والآخر أَجَأٌ، وهما بأرض نجد.
"ثم أقبلنا حتى قدمنا وادي القرى، فسأل رسول الله ﷺ المرأةَ عن حديقتها، كم بلغ ثمارها؟ فقالت: عشرة أوسق".
* * *
٤٦٣١ - وقَالَ أَبُو ذَرٍّ، قَالَ رَسُول الله ﷺ : "إنَّكُمْ ستَفْتَحُونَ مِصْرَ، وهيَ أَرْضٌ يُسمَّى فيها القِيراطُ، فإذا فتَحتُموها فأحْسِنوا إلى أَهلِها فإنَّ لَهَا ذِمَّةً ورَحِماً - أَوْ قَالَ: ذِمَّةً وصِهْراً - فإِذَا رَأيتُمْ رجُلَيْنِ يَخْتصِمَانِ في مَوْضعِ لَبنةٍ فاخْرُجْ مِنْهَا"، قَالَ: فَرَأَيْتُ عبدَ الرَّحمنِ بن شُرَحْبيلَ بن حَسَنةَ وأَخاهُ رَبيعةَ يَخْتصِمانِ في مَوْضعِ لَبنةٍ فخرجْتُ منها.
"قال أبو ذر ﵁: قال رسول الله ﷺ : إنكم ستفتحون مصرَ، وهي أرض يسمى فيها القيراط": قيل: تسمية القيراط لم تختصَّ بأهل مصر، بل يشاركهم فيها البدو والحضر من بلاد العرب، وإنما الإشارة بها إلى كلمة يستعملها أهل مصر في المسابة وإسماع المكروه، فيقولون: أعطيتُ فلاناً قراريط؛ أي: سمَّعته المكروه، واذهب لأعطيك قراريطك؛ أي: سبابك، حكاه الطحاوي عنهم، وهو أعلم بلهجة أهل بلده؛ لأنه منهم.
"فإذا فتحتموها، فأحسنوا إلى أهلها"؛ أي: بالصفح والعفو عمَّا تنكرون، ولا يحملنكم حدة لسانهم فيما يذكرون من المساوئ على الإساءة.
"فإن لهم ذمةً"؛ أي: ذماماً وعهداً حصل لهم بإبراهيم ابن النبي ﷺ من مارية القبطية؛ فإنها من أهل مصر.
"ورحماً": من قِبَلِ هاجرَ أم إسماعيل ﵇؛ فإنها من أهل مصر أيضًا.
стр. 3239
"أو قال: ذمةً وصهراً": فعلى هذه الرواية الصهر يختص بمارية، والذمة بهاجر.
"فإذا رأيتم رجلين يختصمان في موضع لبنة، فاخرجْ منها": والقياس: فاخرجوا منها، لعل النبي ﷺ التفت عند الأمر بالخروج إلى أبي ذرٍّ الراوي، وخصَّه بهذا الأمر دون غيره؛ شفقةً عليه من وقوعه في الفتنة لو أقام ثمة بينهم، وقد وقع ذلك في آخر عهد عثمان ﵁ حين عتبوا عليه ولايةَ عبد الله بن سعد بن أبي سرح أخيه من الرضاعة، وكان منهم ما كان.
"قال" أبو ذر: "فرأيت عبد الرحمن بن شُرَحبيل": بضم الشين وفتح الراء وسكون الحاء المهملتين، وفي بعض بالفتح وبالجيم.
"ابن حسنة وأخاه ربيعة يختصمان في موضع لبنة فخرجت منها".
* * *
٤٦٣٢ - عَنْ حُذَيْفَةَ ﵁، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "في أَصْحَابي - وفي رَوِايَةٍ: في أُمَّتِي - اثنا عَشَرَ مُنافِقاً، لا يَدخُلونَ الجَنَّةَ ولا يَجِدونَ رِيحَها حتَّى يَلِجَ الجمَلُ في سَمِّ الخِياطِ، ثَمانِيةٌ منهُمْ تَكفِيهِم الدُّبَيْلَةُ: سِراجٌ مِنَ النارِ تَظهرُ في أكتافِهِمْ حتَّى تَنْجُمَ في صُدورِهِم".
"عن حذيفة ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: في أصحابي": الصحابة: لا تُطلَق إلا على من صَدَقَ في إيمانه، وإطلاقها على من يستر النفاق إنما هو بطريق المجاز؛ لتشبههم بالصحابة، وإدخالهم أنفسَهم في زمرتهم، ولذا قال: في أصحابي، ولم يقل: من أصحابي.
"وفي رواية: في أمتى اثنا عشر منافقاً، لا يدخلون الجنة، ولا يجدون ريحها حتى يلجَ الجمل"؛ أي: يدخل.
стр. 3240
"في سمِّ الخِياط": بكسر الخاء: الإبرة؛ أي: في ثقبها؛ يعني: لا يدخلون الجنة أبداً؛ لأن دخول الجمل في ثقبة الإبرة محال، والمعلق بالمحال محالٌ.
"ثمانية منهم تكفيهم"؛ أي: تمنعهم وتطردهم.
"الدُّبيلَةُ": بالموت، وهي - بضم الدال المهملة وفتح الباء الموحدة ثم السكون - في الأصل: الداهية، وتستعمل في القرحة، فسرها ﷺ بقوله: "سراج من نار، يظهر في أكتافهم حتى ينجُم": بضم الجيم؛ أي: يظهر.
"في صدورهم": لعله أراد بها: ورماً حاراً يحدث في أكتافهم بحيث يظهر أثرُ تلك الحرارة وشدة لهبها في صدورهم.
قصد ﷺ بهذا القول تنبيهَ أصحابه الصديقين؛ لئلا يأمنوا من مكرهم، وهم الذين كانوا قد قصدوا أن يمكروا به ﷺ ليلةَ العقبة مرجعَهُ من غزوة تبوك متلثمين، وكان الرسول ﷺ منقطعاً في تلك الليلة عن جماعة المسلمين مع حذيفة وعمار آخذاً في طريق الثنية، وهم في بطن الوادي، فسمع ﷺ خشفة القوم من ورائه، فأمر حذيفة أن يزجرهم، فاستقبلَ حذيفة وجوهَ رواحلهم بمحجن كان معه ضرباً، فرعبهم الله حين أبصروا حذيفة، فانقلبوا مسرعين على أعقابهم، فأدرك حذيفة النبيَّ ﷺ فقال له: "هل عرفت واحداً منهم؟ " قال: لا، فإنهم كانوا متلثمين، ولكن أعرف رواحلهم، فقال ﷺ : "إن الله أخبرني أسماءهم، وأسماء آبائهم، وسأخبرك بهم إن شاء الله تعالى عند الصباح"، فمن ثمة كانوا يراجعون حذيفة في أمر المنافقين، قيل: أسرَّ النبيُّ ﷺ أمرَ هذه الفئة المشؤومة؛ لئلا تهيج الفتنة من تشهيرهم.
* * *
٤٦٣٣ - عَنْ جابرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ يَصْعَدُ الثَّنِيَّةَ ثَنيَّةَ المُرارِ فإنَّهُ يُحَطُّ عنهُ ما حُطَّ عنْ بني إسْرائيلَ"، فكانَ أوَّلَ مَنْ صَعِدَها خَيْلُنا
стр. 3241
خَيْلُ بني الخَزْرَجِ، ثمَّ تَتامَّ النَّاسُ، فقالَ رَسُولُ الله ﷺ : "وكُلُّكُمْ مَغفورٌ لهُ إِلَاّ صاحِبَ الجَملِ الأحمرِ"، فَأتَيْنَاهُ فقُلنا لهُ: تَعَالَ يَستغفِرْ لكَ رَسُولُ الله ﷺ ، فقال: والله لأَنْ أَجِدَ ضَالَّتِي أحبُّ إليَّ منْ أنْ يَستغفِرَ لِي صاحِبُكُمْ، وكَانَ رَجُلاً يَنشُدُ ضَالَّةً لهُ.
"عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ من يصعد": روي بالرفع على جعل (من) استفهاماً، وبالجزم شرطاً، وهو الأشبه.
"الثنيةَ": وهي في الجبل كالعقبة فيه، وقيل: الطريق العالي فيه.
"ثنيةِ": بدل مما قبلها، أو عطف بيان.
"المرار" - بالحركات الثلاث -: اسم موضعبين مكة والمدينة من طريق الحديبية، حثهم ﷺ على صعودها؛ لأنها عقبةٌ شاقةٌ؛ إما لقربها من العدو، أو لصعوبة طريقها، فلهذا قال:
"فإنه يحطُّ عنه ما حُطَّ"؛ أي: مثل الحط الذي حُطَّ "عن بني إسرائيل" حين امتثلوا قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ﴾ [البقرة: ٥٨]، وهذا غاية المبالغة في حطِّ ذنوب ذلك الصاعد، وإلا فخطيئة المؤمن كيف تكون مثل خطيئتهم العظيمة حين خالفوا أمر موسى وعبدوا العجل؟!
"فكان أول من صعدها خيلنا خيل بني الخزرج، ثم تتام الناس"؛ أي: جاؤوا كلهم، واجتمعوا على صعودها.
"فقال رسول الله ﷺ : وكلكم مغفورٌ له إلا صاحب الجمل الأحمر، فأتيناه فقلنا له: تعال يستغفرْ لك رسولُ الله ﷺ ، فقال: والله لأن أجد ضالتي أحبَّ إليَّ من أن يستغفر لي صاحبكم، وكان"؛ أي: صاحبُ الجمل "رجلاً ينشد ضالَّةً له".
стр. 3242
مِنَ الحِسَان:
٤٦٣٤ - عَنْ أَبي مُوْسَى الأَشْعرِيِّ ﵁ قَالَ: خَرَجَ أبو طَالِبٍ إِلى الشَّامِ، وخَرجَ مَعَهُ النَّبيّ ﷺ في أَشْياخٍ منْ قُريشٍ، فلمَّا أشْرَفوا على الرَّاهِبِ، هَبَطوا فحَلُّوا رِحَالَهُمْ، فخرجَ إليهِم الرَّاهِبُ، وكانوا قَبْلَ ذلكَ يَمُرُّونَ بهِ فَلا يَخرُجُ إليهِمْ، قَالَ: فهُمْ يَحُلُّونَ رِحَالَهُمْ، فجَعَلَ تتخلَّلُهُم الرَّاهِبُ حتَّى جَاءَ فأخذَ بيدِ رَسُولِ الله ﷺ ، قال: هذا سَيدُ العَالَمِينَ، هذا رَسُولُ رَبِّ العَالَمِينَ، يَبعثُهُ الله رَحْمَةً للعَالَمينَ، فقالَ لهُ أَشْياخٌ منْ قُريشٍ: مَا عِلْمُكَ؟ قال: إنَّكُمْ حِينَ أشْرَفْتُم مِنَ العَقَبةِ لم يَبْقَ شَجرٌ ولا حجرٌ إلَّا خَرَّ سَاجِداً، ولا يَسجَدانِ إِلَاّ لِنَّبيٍّ، وإِنِّي أَعْرِفُهُ بَخَاتَمِ النُّبوَّةِ أَسْفَلَ مِنْ غُضْروفِ كتِفِهِ مِثْلَ التُّفَّاحةِ، ثُمَّ رَجَعَ فَصَنَعَ لهُمْ طَعَاماً، فلمَّا أَتاهُمْ وكانَ هوَ في رِعْيَةِ الإبلِ قَالَ: أَرْسِلوا إليْهِ، فأقبَلَ وعلَيهِ غَمامَة تُظِلُّهُ، فلمَّا دَنا مِنَ القَومِ وجَدَهُمْ قدْ سَبقوهُ إلى فَيْءِ الشَّجَرَةِ، فلمَّا جَلَسَ مالَ فَيْءُ الشَّجرةِ عَلَيْهِ فَقَال: انظُروا إلى فَيْءِ الشَّجَرةِ مَالَ عليهِ، فَقَالَ: أنشُدُكُم الله، أيُّكُمْ ولِيُّهُ؟ قَالُوا: أَبُو طَالِبٍ، فلمْ يَزَلْ يُناشِدُهُ حتَّى رَدَّهُ أَبُو طَالِبٍ، وبعثَ معهُ أَبُو بَكرٍ ﵁ بِلالاً، وزوَّدَهُ الرَّاهِبُ مِنَ الكَعْكِ والزَّيْتِ.
"من الحسان":
" عن أبي موسى ﵁ قال: خرج أبو طالب إلى الشام، وخرج معه النبيُّ ﷺ في أشياخ من قريش، فلما أشرفوا"؛ أي: اطلعوا.
"على الراهب": وهو الزاهد من النصارى، قيل: اسم ذلك الراهب بحيرا، وكان أعلم النصارى، وكان موضعه ببصرى من بلاد الشام.
"هبطوا"؛ أي: نزلوا.
"فحلوا رحالهم"؛ أي: فتحوها.
"فخرج إليهم الراهب، وكانوا قبل ذلك يمرُّون به، فلا يخرج إليهم،
стр. 3243
قال"؛ أي: الراوي.
"فهم يحلُّون رحالهم، فجعل يتخللهم الراهبُ"؛ أي: يدخل وسطهم.
"حتى جاء، فأخذ بيد رسول الله ﷺ قال: هذا سيد العالمين، وهذا رسول رب العالمين، يبعثه الله رحمةً للعالمين، فقال له أشياخ من قويش: ما علمك؟ فقال: إنكم حين أشرفتم من العقبة"؛ أي: وقت ظهوركم منها.
"لم يبقَ شجرٌ ولا حجرٌ إلا خرَّ ساجداً، ولا يسجدان إلا لنبيٍّ، وإني أعرفه بخاتم النبوة أسفلُ من غضروف كتفه": وهو: اللحم الذي بين الكتفين.
"مثل التفاحة، ثم رجع، فصنع له طعاماً، فلما أتاهم به"؛ أي: بالطعام.
"وكان هو"؛ أي: النبي صلى الله تعالى عليه وسلم.
"في رعية الإبل، فقال"؛ أي: الراهب.
"أرسلوا إليه"؛ أي: إلى النبي ﷺ .
"فأقبل وعليه غمامةٌ تظله، فلما دنا من القوم"؛ أي: قرب منهم.
"وجدهم قد سبقوه إلى فيء شجرة"؛ أي: إلى ظلها.
"فلما جلس مالَ فيءُ الشجرة عليه، فقال: انظروا إلى فيء الشجرة مال عليه، فقال: أنشدكم الله"؛ أي: أطلب منكم بالله.
"أيكم وليُّه؟ "؛ أي: قريبه.
"قالوا: أبو طالب، فلم يزل"؛ أي: الراهب.
"يناشده"؛ أي: أبا طالب؛ يعني: يقول له: بالله سألتك أن ترد محمداً إلى مكة، وتحفظه من العدو، قيل: كان الراهب يخاف أن يذهبوا به إلى الروم، فيصلَ إليه الضرر منهم، فلذلك ناشده.
"حتى ردَّه أبو طالب": إلى مكة.
стр. 3244
"وبعث معه أبو بكر بلالاً، وزَّوده الراهبُ من الكعك والزيت".
* * *
٤٦٣٥ - عَنْ عَلِيِّ بن أبي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: كُنْتُ مَعَ رَسُولِ الله ﷺ بِمَكَّةَ، فخرَجْنا في بعضِ نَواحِيها، فَمَا اسْتَقْبَلَهُ جَبَلٌ ولا شَجَرٌ إِلَاّ وهوَ يقولُ: السَّلامُ عليكَ يَا رَسُولَ الله!.
"وعن عليٍّ بن أبي طالب - كرم الله وجهه - قال: كنت مع النبي ﷺ بمكة، فخرجنا في بعض نواحيها، فما استقبله جبلٌ ولا شجر إلا وهو يقول: السلام عليك يا رسول الله"! * * *
٤٦٣٦ - عَنْ أَنَسٍ ﵁: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ أُتِيَ بالبُراقِ لَيْلةَ أُسْرِيَ بهِ مُلْجَماً مُسْرَجاً، فاسْتَصْعَبَ عليهِ، فَقَالَ لهُ جبريلُ: "أَبمُحَمَّدٍ تفعلُ هذا؟ فَمَا ركِبَكَ أَحَدٌ أكرمُ على الله مَنْهُ"، قَالَ: فارْفَضَّ عَرَقاً. غريب.
"عن أنس ﵁ عن النبي ﷺ قال: أتي بالبراق ليلة أُسرِي به مُلجَماً"؛ أي: مشدوداً عليه اللجام.
"مُسرَجاً": موضوعاً عليه السرج؛ أي: كان مهيئاً للركوب.
"فاستصعبَ عليه"؛ أي: البراق على النبي ﷺ ، ولم يمكنه من الركوب.
"فقال له جبريل: أبمحمدٍ تفعل هذا؟ فما ركبك أحدٌ أكرم على الله منه"؛ أي: من محمد.
"قال: فأرْفَضَّ عرقاً"؛ أي: سأل منه العرق.
"غريب".
стр. 3245
٤٦٣٧ - وعَنْ بُرَيْدةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لمَّا انتهَيْنا إلى بيتِ المَقْدِسِ قالَ جِبريلُ بأُصبُعِهِ، فخَرَقَ بها الحَجرَ، فشدَّ بهِ البُراقَ".
"وعن بريدة ﵁ قال: قال: رسول الله ﷺ لما انتهينا إلى بيت المقدس قال جبرائيل بإصبعه"؛ أي: أشار بها.
"فخرق بها الحجر"؛ أي: ثقب ثقباً نافذاً.
"فشدَّ به البراق".
* * *
٤٦٣٨ - عن يَعلى بن مُرَّة الثَّقَفيِّ قَالَ: ثَلاثةُ أَشْيَاءَ رأَيْتُها مِنْ رَسُولِ الله ﷺ : بَيْنا نحنُ نَسيرُ معهُ إِذ مَرَرْنا ببَعِيرٍ يُسْنَى عَلَيهِ، فلَمَّا رَآهُ البَعيرُ جَرْجَرَ، فوضَعَ جِرانَهُ، فوقَفَ عليهِ النَّبيّ ﷺ فَقَال: "أينَ صاحِبُ هذا البعيرِ؟ "، فجَاءَهُ، فَقَالَ: "بِعْنِيهِ"، فَقَالَ: بلْ نَهَبُهُ لكَ يَا رَسُولَ الله! وإنَّهُ لِأَهلِ بيتٍ ما لهُمْ مَعيشَةٌ غيرُهُ، فقال: "أَمَّا إِذَ ذَكَرتَ هذا منْ أمْرِهِ فإنَّه شَكا كَثْرَةَ العملِ وقِلَّةَ العَلَفِ، فأحْسِنوا إليهِ"، ثُمَّ سِرْنا حتَّى نزَلْنا مَنْزِلاً، فَنَامَ النَّبيُّ ﷺ ، فجَاءَتْ شَجَرةٌ تَشُقُّ الأَرْضَ حتَّى غَشِيَتْهُ، ثُمَّ رَجَعَتْ إلى مَكانِها، فلمَّا استيقظَ رَسُولُ الله ﷺ ذَكَرْتُ لهُ، فقال: "هِيَ شَجرةٌ استأْذَنَتْ ربَّها في أَنْ تُسَلِّمَ على رَسُولِ الله ﷺ ، فأذَنِ لَها"، قال: ثُمَّ سِرْنا، فمَرَرْنا بماءٍ، فأتَتْهُ امرأَةٌ بابن لَهَا بهِ جِنَّةٌ، فأخذَ النَّبيّ ﷺ بمَنْخِرِهِ، ثُمَّ قَالَ: "اخرُجْ، إنِّي مُحَمَّد رَسُولُ الله ﷺ "، ثمَّ سِرْنا، فلمَّا رَجَعْنا مَرَرْنا بذلكَ المَاءِ، فَسَألَها عَنْ الصَّبيِّ، فَقَالَتْ: والَّذِي بعثَكَ بالحَقِّ، ما رأَيْنا منهُ رَيْباً بَعْدَك.
"عن يَعلى بن مُرَّة الثقفي ﵁ قال: ثلاثة أشياء رأيتها من رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: بينا نحن نسير معه إذ مررنا ببعيرٍ يُسْنَى عليه"؛ أي: يُستقَى الماء.
стр. 3246
"فلما رآه البعير جَرجَر"؛ أي: صوَّت وصاح، وقيل: أي: ردد الصوت.
"فوضع جِرانه": وهو بكسر الجيم باطن العنق، وقيل: مقدم العنق من المذبح إلى المنحر.
"فوقف عليه النبيُّ ﷺ فقال: أين صاحب هذا البعير؟ فجاءه فقال: بعنيه، فقال: بل نهبه لك يا رسول الله، وإنه لأهل بيت ما لهم معيشةٌ غيره، قال: أما إذا ذكرت هذا من أمره، فإنه شكا كثرةَ العملَ وقلة العلفَ، فأحسنوا إليه، ثم سرنا حتى نزلنا منزلاً، فنام النبي ﷺ ، فجاءت شجرةٌ تشقُّ الأرضَ حتى غشيته"، أي: النبي ﷺ ، وأظلته.
"ثم رجعت إلى مكانها، فلما استيقظ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ذكرت له فقال: هي شجرةٌ استأذنت ربها في أن تسلم على رسول الله ﷺ ، فأذن لها، قال: ثم سِرْنا فمررنا بماءٍ"؛ أي: بقبيلةٍ.
"فأتته امرأةٌ بابن لها به جِنةٌ": بكسر الجيم؛ أي: بالابن جنونٌ.
"فأخذ النبي ﷺ بمنخره، ثم قال" للجنون:
"اخرجْ؛ فإني محمد رسول الله، ثم سرنا فلما رجعنا مررنا بذلك الماء، فسألها عن الصبي فقالت: والذي بعثك بالحق نبياً ما رأينا منه"؛ أي: من الصبي "رَيْباً"؛ أي: مكروهاً، وقيل: أي: شكاً؛ يعني: ما رأينا منه ما أوقعنا في الشك من حاله.
"بعدك"؛ أي: بعد مفارقتك عنا.
* * *
٤٦٣٩ - وَقَالَ ابن عبَّاس ﵄: إنَّ اَمْرأةً جَاءَتْ بابن لَهَا إلَى رَسُولِ الله ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ الله! إنَّ ابني بهِ جُنونٌ، وإِنَّهُ يأخُذُهُ عِنْدَ غَدائِنا وعَشائِنا، فمَسَحَ رَسُولُ الله ﷺ صَدْرَهُ ودَعا، فثَغَّ ثَعَّةً، وخرجَ منْ جَوْفِهِ مثلُ الجَرْوِ الأَسْودِ يَسعَى.
стр. 3247
"وقال ابن عباس ﵄: إن امرأةً جاءت بابن لها إلى رسول الله ﷺ ، فقالت: يا رسول الله! إن ابني به جنونٌ، وإنه ليأخذه عند غدائنا وعشائنا"؛ أي: عند صباحنا ومسائنا.
"فمسح رسول الله ﷺ صدره، ودعا، فثَعَّ ثعةً": بتشديد العين؛ أي: قاء قيئةً.
"وخرج من جوفه مثل الجِرو الأسود": والجِرو - بكسر الجيم -: ولد الكلب وغيره من السباع.
"يسعى": حالٌ من الجرو؛ أي: يتحرك ويمشي، وفيه دليل على جواز الرقية إذا لم يكن فيها غير اسم الله تعالى.
* * *
٤٦٤٠ - عَنْ أَنسٍ ﵁ قَالَ: جَاء جِبريلُ إلى النَّبيِّ ﷺ وهو جالِسٌ حَزينٌ، قدْ تَخضَّبَ بالدَّمِ مِنْ فِعْلِ أهلِ مَكَّةَ، قَالَ: يا رَسُولَ الله! هَلْ تُحبُّ أنْ نُريَكَ آَيَةً؟ قال: "نَعَمْ"، فنَظَرَ إلى شَجرةٍ منْ ورائِهِ فَقَال: "ادعُ بِهَا"، فدَعا بها، فجاءتْ، فقامَتْ بينَ يَدَيْهِ، فقال: مُرْهَا فلْتَرجِعْ، فَأَمَرَها، فَرجَعَتْ، فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "حَسْبي، حَسْبي".
"عن أنس ﵁ قال: جاء جبرائيل ﵇ إلى النبي ﷺ وهو جالس حزينٌ، قد تخضَّب بالدم من فعل أهل مكة": وذلك كان يوم أُحُدٍ من كسر رَباعيته.
"قال: يا رسول الله! هل تحب أن نريك آية؟ "؛ أي: علامة لصحة نبوتك، قيل: قاله جبريل ﵇ لتردده ﷺ في نبوته؛ لأنه كان في أَول الأمر.
"قال: نعم، فنظر إلى شجرة من ورائه، فقال جبريل: ادعُ بها، فدعا
стр. 3248
بها، فجاءت، فقامت بين يديه، فقال: مرها فلترجعْ، فأمرها فرجعت، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: حسبي حسبي"؛ أي: كفاني في تسليتي عمَّا لقيته من حزني هذه الكرامةُ من ربي.
* * *
٤٦٤١ - وقَالَ ابن عُمَرَ ﵁: كُنَّا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ في سَفَرٍ، فأقبَلَ أَعْرَابيٌّ، فَلَمَّا دَنا قَالَ لهُ رَسُولُ الله ﷺ : "تشهدُ أنْ لا إِلهَ إلَّا الله وحْدَهُ لا شَريكَ لهُ، وأنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ ورسولُهُ؟ "، قَالَ: ومَنْ يَشْهَدُ عَلَى مَا تَقُولُ؟ قَالَ: "هذِهِ السَّلَمَةُ"، فَدَعَاهَا رَسُولُ الله ﷺ وهوَ بِشَاطِئِ الوَادِي، فَأَقبَلَتْ تَخُدُّ الأَرْضَ حتَّى قامَتْ بينَ يَدَيْهِ، فاستَشْهَدَها ثَلَاثاً، فَشَهِدَتْ ثَلاثاً أَنَّه كَمَا قَالَ، ثُمَّ رَجَعَتْ إلى مَنْبتِها.
"قال ابن عمر: كنَّا مع رسول الله ﷺ في سفرٍ فأقبل أعرابيٌّ، فلما دنا قال له رسول الله ﷺ : تشهد": بحذف حرف الاستفهام.
"أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمداً عبده ورسوله؟ قال: ومن يشهد على ما تقول؟ قال: هذه السَّلَمة": وهي بفتحتين: شجرة من العضاه، ورقُها القرظُ الذي يُدَبغ به الجلد، وبكسرها: الحجر.
"فدعاها رسول الله ﷺ وهو بشاطئ الوادي"؛ أي: كان ﷺ واقفاً بطرفه.
"فأقبلتْ تَخُدُّ الأرضَ": بضم الخاء المعجمة وتشديد الدال المهملة؛ أي: تشقها.
"حتى قامت بين يديه، فاستشهدها ثلاثاً، فشهدت ثلاثاً: أنه كما قال، ثم رجعتْ إلى منبتها".
стр. 3249
٤٦٤٢ - وعن ابن عبَّاسٍ ﵄ قَالَ: جَاءَ أَعْرَابيٌّ إلى رَسُولِ الله ﷺ فَقَالَ: بِمَ أَعْرِفُ أَنَّكَ نبيٌّ؛ قَالَ: "إِنْ دَعَوْتُ هذا العِذْقَ منْ هذهِ النَّخْلَةِ يَشْهَدُ أنِّي رَسُولُ الله"، فدَعاهُ رَسُولُ الله ﷺ ، فَجَعلَ يَنزِلُ منَ النَّخْلَةِ حتَّى سَقَطَ إلى النَّبيِّ ﷺ ، ثمَّ قال: "ارجِعْ"، فَعَادَ، فَأَسْلَمَ الأَعْرابيُّ. صَحَّ.
"عن ابن عباسٍ ﵄ قال: جاء أعرابيٌّ إلى رسول الله ﷺ فقال: بم أعرف أنك نبيٌّ؟ قال: أن دعوتُ": بفتح الهمزة.
"هذا العِذْقَ" بكسر العين المهملة: العرجون بشماريخه.
"من هذه النخلة": والعذق من النخل بمنزلة العنقود من العنب.
"يشهد أني رسول الله، فدعاه رسولُ الله ﷺ ، فجعل ينزل من النخلة حتى سقطَ إلى النبي ﷺ ، ثم قال: ارجعْ فعاد، فأسلمَ الأعرابيُّ"، "صح".
* * *
٤٦٤٣ - عَنْ أبي هُريْرَةَ ﵁ قَالَ: جَاءَ ذِئبٌ إلى رَاعِي غَنْمٍ فأخذَ منها شَاةً، فطَلبَهُ الرَّاعِي حتَّى انتزَعَها منهُ، قَالَ: فصَعِدَ الذِّئبُ على تَلِّ فأقْعَى واسْتَقَّر وقال: عَمَدْتُ إلى رِزْقٍ رَزَقَنِيهِ الله أَخَذْتُهُ ثمَّ انتزَعْتَهُ منِّي؟ فقالَ الرَّجلُ: تالله إنْ رأيتُ كاليومِ! ذِئبٌ يَتكلَّمُ؟ فقالَ الذِّئبُ: أَعْجَبُ منْ هذا رَجُلٌ في النَّخَلاتِ بينَ الحَرَّتَيْنِ يُخْبرُكُمْ بِمَا مَضَى وبمَا هوَ كَائِنٌ بعدَكُمْ، قال: وكَانَ الرَّجُلُ يَهُودِياً، فجَاءَ إِلى النَّبيِّ ﷺ ، فأخبرَهُ وأسلَمَ، فصَدَّقَهُ النَّبيّ ﷺ ، ثُمَّ قَالَ النبيُّ ﷺ . "إنَّها أَمَاراتٌ بينَ يَدَي السَّاعَةِ، فقدْ أَوْشَكَ الرَّجُلُ أنْ يَخرُجَ فلا يَرجِعَ حتَّى تُحدِّثَهُ نَعْلاهُ وسَوْطُه بِمَا أَحْدَثَ أَهْلُهُ بَعْدَهُ".
"عن أبي هريرة ﵁ قال: جاء ذئبٌ إلى راعي غنمٍ، فأخذ منها شاةً، فطلبه الراعي حتى انتزعها منه، قال: فصعد الذئبُ على تلٍّ فأقْعَى"؛ أي:
стр. 3250
جلس مقعياً، وهو: أن يجلس على وركيه، وينصب يديه.
"واستثفرَ"؛ أي: أدخل ذنبه بين رجليه.
"وقال: عمدت إلى رزقٍ رزقنيه الله، أخذته، ثم انتزعته مني، فقال الرجل: تالله إن رأيتُ كاليوم"؛ أي: ما رأيت أعجوبةً كأعجوبةِ اليوم، فحُذِف الموصوف، وأُقِيمت الصفة مقامه، ثم حُذِف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، وقيل: معناه وتقديره: ما رأيت ذئباً يتكلم مثل الذئب الذي رأيته في اليوم.
"ذئب": خبر مبتدأه محذوف، كأنه قيل: وأي شيءٍ هو؟ فقال: هو ذئب.
"يتكلم فقال الذئبُ: أَعْجَبُ من هذا رجلٌ في النَّخَلات بين الحرَّتين"؛ أي: بين الحجرين، والحرةُ: حجارة سُود بين جبلين.
"يخبركم بما مَضَى وما هو كائنٌ بعدكم، قال: فكان الرجل يهودياً فجاء إلى النبيِّ ﷺ فأخبره وأسلم فصدَّقه النبيَّ ﷺ ، ثم قال: إنها"؛ أي: إن الحال التي رأيتُها "أمارات"؛ أي: علامات "بين يدي الساعة قد أوشك الرجل"؛ أي: قرب "أن يخرجَ فلا يرجع حتى تحدِّثَه نعلاه وسوطه بما أحدث أهله بعده"؛ أي: بعد أن يخرج.
* * *
٤٦٤٤ - عَنْ أبي العَلاءِ عَنْ سَمُرَةَ بن جُنْدَبٍ ﵁ قَالَ: كُنَّا معَ النَّبيِّ ﷺ نتَداول منْ قَصْعَةٍ مِنْ غُدْوَةٍ حتَّى اللَّيلِ، تَقُومُ عَشَرةٌ وتَقْعُدُ عَشَرةٌ، قُلنا: فَمَا كانتْ تُمَدُّ؟! قَالَ: منْ أيِّ شَيءٍ تَعْجَبُ؟ ما كانتْ تُمَدُّ إلَّا مِنْ هَاهُنَا، وأَشَارَ بيدِهِ إِلى السَّماءَ.
стр. 3251
"عن أبي العلاء، عن سمُرة بن جندَب ﵄: قال: كنا مع رسول الله ﷺ نتداولُ من قصعةٍ"؛ أي: نتناوب بأكل الطعام منها.
"من غدوةٍ حتى الليل"؛ يعني: طولَ النهار.
"تقوم عشرة وتقعد عشرة، قلنا: فما كانت تُمد"، على صيغة المجهول؛ من الإمداد؛ أي: فأي شيء كانت القصعة تُزاد طعاماً، يعني: من أين يكثُر الطعام فيها طولَ النهار.
"قال"؛ أي: النبيُّ ﷺ : "من أي شيء تعجب"؛ يعني: لا تعجب.
"ما كانت تُمد إلا من هاهنا، فأشار بيده إلى السماء"؛ يعني: لا يكون كثرة الطعام فيها إلاّ من عالم القُدرة بنزول البركة فيما فيها منه.
* * *
٤٦٤٥ - عَنْ عبدِ الله بن عَمْرٍو ﵁: أَنَّ نبيَّ الله ﷺ خَرَجَ يومَ بَدْرٍ في ثَلَاثِ مِئَةٍ وخَمْسةَ عَشَرَ، فقال: "اللهمَّ! إنَّهُمْ حُفاةٌ فاحْمِلْهُمْ، اللهمَّ إنَّهُمْ عُراةٌ فاكْسُهُمْ، اللهمَّ إنَّهُمْ جِياعٌ فأَشْبعْهُمْ"، ففَتحَ الله لَهُ، فانقَلَبوا وما منهُمْ رَجُلٌ إِلَاّ وقدْ رَجَعَ بجَمَلٍ أو جَمَلَيْنِ، واكتَسَوا وشَبعوا.
"عن عبد الله بن عمرو: أن النبي ﷺ خرج يوم بدرٍ في ثلاث مئة وخمسة عشر" رجلاً، "فقال: اللهم إنهم حفاة": جمع الحافي "فاحملهم"؛ أي: أعطِ كلَّ واحدٍ منهم المركوب.
"اللهم إنَّهم عُراة": جمع العاري "فاكسهم"؛ أي: أعطهم كساء.
"اللهم إنهَّم جياع": جمع الجائع "فأشبعهم، ففتح الله له"؛ أي: للنبي ﷺ "فانقلبوا"؛ أي: انصرفوا "وما منهم رجلٌ إلاّ وقد رجع بجملٍ أو جملين واكتسوا وشَبعوا".
стр. 3252
٤٦٤٦ - عَنِ ابن مَسْعُودٍ ﵁، عَنْ رَسُولِ الله ﷺ قال: "إنَّكُمْ مَنصورُونَ ومُصِيْبُونَ ومَفتوحٌ لَكُمْ، فمَنْ أَدْرَكَ ذلكَ منكُمْ فليَيَّقِ الله، ولْيأْمُرْ بالمَعْروفِ، ولْيَنْهَ عَنِ المُنكَرِ".
"عن ابن مسعودٍ ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: إنكم منصورون": على الأعداء، "ومصيبون"؛ أي: الغنيمة، "ومفتوحٌ لكم"؛ أي: يفتح لكم البلاد الكثيرة.
"فمن أدرك ذلك منكم فليتقِ الله وليأمُرْ بالمعروف ولْيَنْهَ عن المنكر"، قيل: أي: عن الغُلول.
* * *
٤٦٤٧ - وَعَنْ جَابرٍ ﵁: أنَّ يَهودِيَّةً مِنْ أَهلِ خَيْبَرَ سَمَّتْ شَاةً مَصْلِيَّةً، ثمَّ أهدَتْها لِرَسُولِ الله ﷺ فأَخذَ رَسُولُ الله ﷺ الذِّرَاعَ فأَكَلَ منها، وأكلَ رَهْطٌ منْ أَصْحَابهِ معهُ، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "ارْفَعوا أيْدِيَكُمْ"، وأَرْسَلَ إلى اليَهودِيَّةِ، فدَعَاها فقال: "سَمَمْتِ هذِه الشاةَ؟ "، فقالت: مَنْ أخبَرَكَ؟ فقال: "أخبَرَنِي هذِه في يَدِي"، يَعني: الذِّراعَ، قالتْ: نعَمْ، قلتُ: إنْ كانَ نبَيًّا فلنْ يَضُرَّهُ، وإنْ لمْ يكُنْ نبيًّا اسْتَرَحْنا منهُ، فعفَا عَنْهَا رَسُولُ الله ﷺ ولمْ يُعاقِبْها.
"عن جابر ﵁: أن يهوديةً"، وهي زينب بنت الحارث "من أهل خيبر سَمَّت شاةً"؛ أي: جعلت فيها سماً.
"مَصْلِيَّة"؛ أي: مشوية؛ من صليت اللحم - بتخفيف اللام -: شويته بالصَّلا، وهي النار.
"ثم أهدتها لرسول الله ﷺ ، فأخذَ رسولُ الله ﷺ الذراعَ فأكل منها، وأكل رهطٌ من أصحابه معه، فقال رسولُ الله ﷺ : ارفعوا أيديكم، وأرسل إلى
стр. 3253
اليهوديَّة فَدَعاها، فقال: سَمَمْتِ هذه الشاةَ؟ فقالت: مَنْ أخبرك؟! قال: أخبرتني هذه في يدي": حال من (هذه)؛ أي: مستقرةً فيها.
"الذراع": خبر مبتدأ محذوف.
"قالت: نعم، قلت: إن كان نبياً فلن يضرَّه، وإن لم يكن نبياً استرحنا منه، فعفى عنها"؛ أي: عن هذه المرأة "رسولُ الله ﷺ ، ولم يعاقبها".
وفي رواية: "أنه ﷺ أمر بقتلها فَقْتلت".
وجه التوفيق بين الروايتين: أنه عفا عنها أولاً، ثم لما مات بِشْر بن البراء من الأَكلة التي ابتلعها أَمَرَ ﷺ بقتلها، فقُتلت في الحال.
* * *
٤٦٤٨ - عَنْ سَهْلِ بن الحَنْظَلِيَّةِ: أنَّهُمْ سَارُوا مَعَ رَسُولِ الله ﷺ يَومَ حُنَيْنٍ، فأطْنَبُوا السَّيْرَ حتَّى كَانَ عَشِيَّةً، فجَاءَ فَارِسٌ فقال: يا رَسُولَ الله! إنِّي طَلعْتُ عَلَى جَبَلِ كَذا وكَذا، فإذا أَنَا بهَوازِنَ على بَكْرَةِ أَبيهِمْ بظُعُنِهِمْ وَنعَمِهِمْ، اجْتَمَعُوا إِلَى حُنَيْنٍ، فتبسَّمَ رَسُولُ الله ﷺ وقال: "تِلكَ غَنيمَةُ المُسلِمِينَ غداً إنْ شَاءَ الله"، ثُمَّ قال: "مَنْ يَحْرُسُنا الَّليلةَ؟ "، قالَ أَنسُ بن أبي مَرْثَدٍ الغَنَوِيُّ: أَنَا يا رَسُولَ الله! قال: "اركَبْ"، فركبَ فرَساً لهُ فقال: "استقْبلْ هذا الشِّعْبَ حتَّى تكونَ في أَعْلاهُ"، فلمَّا أَصْبَحْنا خَرَجَ رَسُولُ الله ﷺ إلى مُصَلَاّه فركَعَ ركعَتَيْن ثُمَّ قال: "هلْ حَسِسْتُمْ فارِسَكُمْ؟ "، فقالَ رَجُلٌ: ما أَحْسَسْنا، فثُوِّبَ بالصَّلاة، فجعَل رَسُولُ الله ﷺ وهو يُصلي يَلْتَفِتُ إلى الشِّعْبِ، حتى إذا قَضَى الصَّلاةَ قال: "أبشِروا فقدْ جاءَ فارِسُكُمْ"، فجعَلْنا نَنْظُرُ إلى خِلالِ الشَّجرِ في الشِّعْبِ، وَإِذَا هوَ قدْ جاءَ حتَّى وَقَفَ على رَسُوِل الله ﷺ فقال: إِنِّي انطلَقْتُ حتَّى كُنْتُ في أَعْلَى هذا الشِّعْبِ حَيْثُ أمرَنِي رَسُولُ الله ﷺ ، فلمَّا أَصبحْتُ طَلَعْتُ الشِّعْبَيْنِ
стр. 3254
كليهما فلمْ أرَ أَحَداً، فقالَ لهُ رسولُ الله ﷺ : "هلْ نزلْتَ الليلةَ؟!، قال: لا، إلَّا مُصَلِّيا أوْ قَاضيَ حَاجَةٍ، قالَ رَسُولُ الله ﷺ : "فلا عَلَيْكَ أنْ لا تَعْمَلَ بَعْدَها".
"وعن سهل بن الحَنْظلية: أنهم ساروا مع رسول الله ﷺ يومَ حُنينٍ فأطنبوا السير"؛ أي. بالغوا فيه وأطالوه.
"حتى كان عشية، فجاء فارسٌ فقال: يا رسول الله! إنِّي طَلَعت على جبل كذا"؛ أي: أتيته، "فإذا أنا بهوازن" قبيلة من قيس "على بَكْرة أبيهم"؛ أي: جاؤوا بأجمعهم، يقال: جاؤوا على بَكْرة أبيهم: للجماعة إذا جاؤوا جميعاً بلا تخلُّف أحدٍ منهم.
"بظُعُنهم": الظُّعْن - بضم الظاء المعجمة وسكون العين المهملة - جماعة الرجال، أو النساء الذين يظعنون، والمراد بها الهودج معهنَّ.
"ونعمهم اجتمعوا إلى حُنين، فتبسَم رسولُ الله ﷺ وقال: تلك غنيمةُ المسلمين غداً إن شاء الله، ثم قال: مَنْ يحرسنا"؛ أي: مَنْ يكون حارساً لنا "الليلة؟ قال أنس بن أبي مرثد الغَنَوي: أنا يا رسول الله، قال: اركب، فركب فرساً له فقال: استقبلْ هذا الشِّعب"، وهو بالكسر: الطريق في الجبل.
"حتّى تكون في أعلاه، فلمَّا أصبحنا خرج رسولُ الله ﷺ إلى مصلَّاه، فركع ركعتين، ثم قال: هل حسستم"؛ أي: هل أدركتم بالحر "فارسَكم"، يريد به: أنس بن أبي مرثد الغنويّ الذي أرسله ليتفحَّص عن حال العدو.
"فقال رجل: يا رسول الله! ما أحسسنا، فَثُوِّبَ بالصلاة"؛ أي: أقيم بها، "فجعل"؛ أي: طَفِق "رسولُ الله ﷺ وهو يصلّي": الواو للحال؛ أي: حال كونه مصلِّياً "يلتفت إلى الشِّعب"، وفيه دليل على أن الالتفات في الصلاة لا يبُطلها.
"حتّى إذا قضى الصلاةَ"؛ أي: فَرَغ منها "قال: أبشِروا، فقد جاء فارسُكم، فجعلنا ننظُر إلى خِلال الشَّجر في الشِّعب، فإذا هو قد جاء حتى
стр. 3255
وقف على رسول الله ﷺ ، فقال: إِنِّي انطلقت حتى كنت في أعلا هذا الشَّعب حيث أمرني النبي ﷺ ، فلما أصبحت طلعت الشِّعبين كليهما، فلم أر أحداً، فقال له ﷺ : هل نزلتَ الليلة"؛ أي: عن فرسك؟ "قال: لا، إلا مصلِّياً أو قاضيَ حاجةٍ، قال رسول الله ﷺ : فلا عليكَ أن لا تعمل بعدها"؛ أي: فلا بأس عليك في ترك العمل الصالح سوى الفرائض بعد هذه الليلة؛ لأنه قد حَصَل لك فضيلة كافية، وهذه بشارةٌ له منه ﷺ بأن الله قد غفر له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخر.
* * *
٤٦٤٩ - وعن أَبي هُريْرَةَ ﵁ قَالَ: أتيْتُ النَّبيَّ ﷺ بتَمَراتٍ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ الله! ادْعُ الله فيهِنَّ بالبَرَكَةِ، فضَمَّهُنَّ ثُمَّ دَعا لِي فيهنَّ بالبَرَكَةِ، قال: "خُذهُنَّ فاجعَلْهُنَّ في مِزْوَدِكَ، كُلَّمَا أَرَدْتَ أنْ تأخُذَ منهُ شَيْئاً فأدْخِلْ فيهِ يَدَكَ فخُذْهُ، ولا تَنْثُرْهُ نَثْراً"، فقدْ حَمَلْتُ منْ ذلكَ التَّمرِ كَذا وكَذا مِنْ وَسْقٍ في سَبيلِ الله، فكُنَّا نَأْكُلُ مِنهُ ونُطْعِمُ، وكانَ لا يُفارِقُ حِقْوِي حتَّى كانَ يَوْمُ قَتْلِ عُثمانَ فإنَّهُ انقطَعَ.
"عن أبي هريرة ﵁ قال: أتيتُ النبيَّ ﷺ بتمراتٍ فقلت: يا رسولَ الله! ادعُ الله فيهنَّ بالبركة، فضمَّهنَّ ثم دعا لي فيهن"؛ أي: في التمرات "بالبركة، قال: خذهنَّ فاجعلْهُن في مِزْودك" - بكسر الميم - هو ما يجعل فيه الزَّاد.
"كلَّما أردتَ أن تأخذ منه شيئاً فأدخِلْ فيه يدَك فخذه، ولا تنشره نشراً، فقد حملت من ذلك التمر كذا وكذا من وسقٍ": وهو ستون صاعاً "في سبيل الله تعالى، فكنَّا نأكل منه ونُطعم، وكان لا يفارق حقوي"؛ أي: مَعْقِد إزاري، "حتى كان يوم قتلِ عثمان، فإنَّه"؛ أي: المِزْود "انقطع مني"؛ أي: سقط وضاع، وفيه إشارة إلى أن الفساد إذا شاع وكثُر بين الناس ارتفعت البركة، كما
стр. 3256
أن بالصلاح تنزل البركة، فبالفساد تزولُ وترتفع.
وكان أبو هريرة ﵁ يقول:
للناس همُّ ولي هَمَّان بينهم. . . همُّ الجِراب وهمُّ الشيخ عثمانا
* * *
٦ - باب الكَرَامَاتِ
" باب الكرامات": جمع كرامة، وهي تشارك المعجزةَ في خَرق العادة، وتفارقها بقدرة الأنبياء عليها متى أرادوها؛ ليسهل عليهم تمهيد الأديان والشرائع، وبأن المعجزة تقترن بالتحدِّي مع عدم المعارضة، بخلاف الكرامة.
مِنَ الصِّحَاحِ:
٤٦٥٠ - قَالَ عَبْدُ الله بن مَسْعُودٍ ﵁: لَقَدْ كُنَّا نَسْمَعُ تَسْبيْحَ الطَّعامِ وهُوَ يُؤكَلُ.
"من الصحاح":
" قال عبد الله بن مسعود ﵁: لقد كنَّا نسمَع تسبيحَ الطعام وهو يؤكل".
* * *
٤٦٥١ - وعَنْ أَنسٍ ﵁: أن أُسَيْدَ بن حُضَيْرٍ وعَبَّادَ بن بِشْرٍ تَحدَّثَا عِنْدَ النَّبيِّ ﷺ في حَاجةٍ لَهُمَا حتى ذَهَبَ مِن الَّليلِ سَاعة، في لَيْلة شَدِيْدةِ الظُّلمةِ، ثُمَّ خَرَجَا مِن عِندِ رَسُولِ الله ﷺ يَنْقَلِبانِ وبيَدِ كُلِّ واحدٍ مِنْهُمَا عُصَيَّةٌ، فأَضَاءَتْ عَصَا أَحدِهِما لَهُمَا حتَّى مَشَيَا في ضَوْئها، حَتى إذَا افترقَتْ بِهِما الطَّريقُ أَضَاءَت
стр. 3257
بالآخرِ عَصاهُ، فمَشَى كُلُّ واحدٍ مِنْهُما في ضَوءِ عَصاهُ حَتَّى بَلَغَ أَهْلَه.
"وعن أنس: أنَّ أُسيد بن حُضير وعبادة بن بشر ﵃ تحدّثا عند النبي ﷺ في حاجةٍ لهما حتى ذهبَ من الليل ساعةٌ في ليلةٍ شديدة الظلمة، ثمَّ خرجا من عند رسول الله ﷺ ينقلبان، وبيد كل واحدٍ منهما عُصَيَّة": تصغير عصا، "فأضاءت عصا أحدِهما لهما حتى مَشَيا في ضوئها، حتى إذا افترقت بهما الطريقُ أضاءت للآخر عصاه، فمشى كلّ واحدٍ منهما في ضوء عصاه حتى بلغَ أهلَه": فضوءُ عصاهما كان كرامةً لهما.
* * *
٤٦٥٢ - وقالَ جابرٌ: لَمّا حَضَرَ أُحُدٌ دَعانِي أبي مِنَ اللَّيلِ فَقال ما أُراني إِلَّا مَقْتُولًا في أَوَّلِ مَن يُقتَلُ مِن أَصحابِ النَّبيِّ ﷺ ، وإنِّي لا أتركُ بعدي أَعَزَّ عليَّ مِنْكَ غيرَ نفسِ رَسُولِ الله ﷺ ، وإنَّ عَلى دينًا فاقْضِ، واستَوْصِ بأخواتِكَ خَيْرًا، فَأَصبَحْنا فَكانَ أَوَّلَ قَتِيْلٍ، ودَفَنته معَ آخرَ في قبرٍ.
"وقال جابرٌ ﵁ لما حَضَر أُحدٌ"؛ أي: حرب أحد، "دعاني أبي من الليل، فقال: ما أُراني"؛ أي: ما أظنني "إلَّا مقتولًا في أول من يقتل من أصحاب النبي ﷺ ، وإني لا أترك بعدي أعزَّ عليَّ منك غيرَ نَفْسِ رسولِ الله ﷺ ، وإنَّ علي دينًا فاقض واستوص بأخواتك"؛ أي: اقبل وصيتي فيهنَّ "خيرًا"؛ أي: استيصاء خيرًا، قيل: كان لجابر تسع أخواتٍ.
"فأصبحنا، فكان أول من قتل"، وكان هذا القول من أبي جابر كرامة.
"ودفنته مع آخرَ في قبَر"؛ أي: مع شخصٍ آخر من المقتولين في قبرٍ واحدٍ، وهذا يدل على أن الاثنين يُدفنان في قبرٍ واحد.
стр. 3258
٤٦٥٣ - وقالَ عَبدُ الرَّحمنِ بن أَبي بَكْرٍ ﵄: إِنَّ أَصحابَ الصُّفَّةِ كانُوا أُناسًا فُقَراءَ، وإِنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ: "مَن كانَ عِندَهُ طَعامُ اثنينِ فلْيَذهبْ بثالثٍ، ومَن كانَ عندَه طَعامُ أَرْبَعةٍ، فليَذهبْ بخامِسٍ، أو سادِسٍ"، وإنَّ أَبا بكرٍ جاءَ بثَلاثةٍ، وانطلقَ النَّبيّ ﷺ بِعَشَرَةٍ، وإنَّ أبا بَكْرٍ تَعَشَّى عِندَ النَّبيِّ ﷺ ، ثُمَّ لَبثَ حتَّى صُلِّيَت العِشاءُ، ثُمَّ رَجَعَ فلبثَ حتَّى تَعَشَّى النَّبيّ ﷺ ، فجاءَ بعدَ ما مَضَى مِن الَّليلِ ما شاءَ الله، قالَتْ له امرأتُهُ: ما حَبَسَكَ عن أَضْيافِكَ؟ قَالَ: أَوَ ما عَشَّيْتِيهم؟ قالَت: أَبَوا حتَّى تَجيءَ، فغضبَ وقالَ: والله لا أَطْعَمُه أَبَدًا، فَحَلفَتِ المَرأةُ أنْ لا تَطعمُه، وحَلَفَ الأَضْياف أَنْ لا يَطَعمُوه، قَالَ أبو بكرٍ ﵁: كانَ هذا مِن الشَّيطانِ، فَدَعا بالطَّعامِ فأكَلَ وأكَلُوا، فجَعَلُوا لا يرفعُون لُقْمَةً إِلَّا رَبَتْ مِن أَسْفلِها أكَثَرُ منها، فقالَ لامرأتِه: يا أُختَ بني فِراس! ما هذا؟ قالَت: وقُرَّةِ عيني، إِنَّها الآنَ لأكثرُ منها قبلَ ذلكَ بِثَلاثِ مِرارٍ، فأكلوا، وبَعَثَ بها إِلى النَّبيِّ ﷺ ، فذُكرَ أَنَّه أكَلَ منها.
"وقال عبد الرحمن بن أبي بكر ﵄: إنَّ أصحاب الصُّفَّة كانوا أناسًا فقراء، وإن النبي ﷺ قال" عند توزيعه إيّاهم على الصحابة: "من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث"؛ معناه: طعام الاثنين يغذّي الثلاثة ويُزيل الضعف عنهم.
"ومن كان عنده طعام أربعة فليذهب بخامسٍ أو سادسٍ، وانَّ أبا بكرٍ": ﵁ "جاء بثلاثةٍ، وانطلق النبي ﷺ بعشرة، وإن أبا بكرٍ تعشى"؛ أي: أكل العشاء "عند النبيِّ ﷺ ، ثمَّ لَبثَ حتى صُلِّيت العشاء، ثمَّ رجع فلبث حتى تعشَّى النبيُّ ﷺ "، في بعضٍ: "حتى نَعِسَ" من النعاس، قيل: هذا أصحّ.
"فجاء بعد ما مضى من الليل ما شاء الله، فقالت له امرأته: ما حبسك عن أضيافك؟ قال: أو ما عشيتهم"، الهمزة للاستفهام، والواو للعطف، التعشية: إعطاء العشاء أحداً.
стр. 3259
"قالت: أَبَوا حتى تجيء، فغضب وقال: والله لا أطعمه"؛ أي: الطعام "أبدًا، فحلفت المرأة أن لا تطعمه، وحلف الأضياف أن لا يطعموه، قال أبو بكر: كان هذا من الشيطان، فدعا" أبو بكرٍ "بالطعام فأكل وأكلوا، فجعلوا لا يرفعون لُقمةً إلا رَبَت"؛ أي: زادَت "من أسفلها أكثر منها"، وضمير التأنيث للطعام.
"وقال لامرأته: يا أخت بني فراس" - بكسر الفاء -: "ما هذا؟! ": وكانت أم عائشة وعبد الرحمن ويقال لها أُم رُومان من بني فراس بن غنم بن مالك بن النضر بن كِنانة.
"قالت: وقرة عيني" بالجر، والواو للقسم، وفي بعضٍ بالنصب: منادى حُذف نداؤه.
"إنها الآن لأكثر منها قبل ذلك بثلاث مِرارٍ، فأكلوا وبَعَثَ بها إلى النبي ﷺ فذكر أنَّه أكل منها".
* * *
مِنَ الحِسَان:
٤٦٥٤ - عَنْ عائِشَةَ ﵂ قالَتْ: لمّا ماتَ النَّجاشِيُّ كُنّا نتَحدَّثُ أَنَّه لا يَزالُ يُرَى على قبرِهِ نورٌ.
"من الحسان":
" عن عائشة ﵂ قالت: لمّا مات النجاشي كنا نتحدث أنَّه لا يزال يُرى على قبره نورٌ".
стр. 3260
٤٦٥٥ - وقالَتْ عائِشَةُ ﵂: لمّا أَرادُوا غَسْلَ النَّبيِّ ﷺ قالُوا: لا نَدري، أنجَرِّدُ رَسُولَ الله ﷺ مِن ثيابهِ كما نُجَرِّدُ مَوتانَا، أَمْ نَغْسِلُه وعَلَيْهِ ثِيابُه؟ فلمّا اختلفُوا ألقَى الله عليهم النَّومَ، حتَّى ما مِنهُم رَجُل إلا وَذَقْنُه في صَدره، ثُمَّ كلَّمَهُم مُكَلِّم مِن نَاحِيَةِ البيتِ لا يَدرُونَ مَن هُوَ: اغِسلُوا النَّبيَّ وعليهِ ثِيابُه، فَقامُوا فَغَسلوهُ وعليهِ قَميصُه، يَصبُّونَ الماءَ فَوْقَ القَميصِ ويُدَلِّكُونهُ بالقَمِيصِ.
"وقالت عائشة ﵂ لما أرادوا غسلَ النبيِّ ﷺ قالوا: لا ندري أنجرِّد رسولَ الله ﷺ من ثيابه كما نجرد موتانا، أم نغسله وعليه ثيابُه؟ فلما اختلفوا ألقى الله عليهم النومَ حتى ما منهم رجلٌ إلا وذَقْنه في صدره، ثمَّ كلّمهم مكلّمٌ من ناحية البيت لا يدرون مَنْ هو: اغسلوا النبي ﷺ وعليه ثيابُه"، هذا بيانٌ لقوله: (كلمهم).
"فقاموا فغسلوه وعليه قميصه يصبُّون الماء فوق القميص، ويَدلكُونه بالقميص"، والحديث يدل على أن غسل الميت وعليه قميصُه مستحب.
* * *
٤٦٥٦ - عَنْ ابن المُنْكَدِرِ: أنَّ سَفِيْنَةَ مَولَى رَسُولِ الله ﷺ أخَطْأ الجيشَ بأرضِ الرُّومِ، أَوْ أُسِرَ، فانطلقَ هارِبًا يلتمِسُ الجيشَ فإذا هو بالأسدِ، فقال: يا أبا الحارثِ! أنا مَولَى رَسُولِ الله ﷺ ، كانَ مِن أَمْري كيْتَ وكيْتَ، فأقبلَ الأَسَدُ، لهُ بصبَصَةٌ، حتَّى قامَ إلى جنبهِ، كلَّما سَمعَ صَوتًا أَهْوَى إِليْهِ، ثُمَّ أَقبلَ يَمْشِي إلى جَنْبهِ حتَّى بَلَغَ الجَيْشَ، ثُمَّ رَجَعَ الأَسَدُ.
"عن ابن المُنْكَدر: أن سفينة ﵁ مولى رسول الله ﷺ أخطأ الجيش"؛