الأربَعِ": وهي يداها ورجلاها، وقيل: فخذاها وأستاها.
"ثم جَهَدَها"، أي: جامعها.
" فقد وجب الغُسْل وإن لم يُنزل. قال الشيخ الإمام ﵀: وما روي عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ أنه قال: إنما الماء من الماء"؛ أي: وجوب استعمال الماء من أجل خروج الماء الدافق.
"فمنسوخ" بحديث أبي هريرة هذا، وبحديث عائشة ﵂: "إذا التقى الختانان وجب الغُسْل".
"وقال ابن عباس: إنما الماء من الماء": معمول به "في الاحتلام": فإن من رأى في النوم أنه يجامع ثم استيقظ فرأى المني، وجب عليه الغسل، وإلا فلا.
* * *
٢٩٤ - وقالت أُمُّ سُلَيْم: يا رسولَ الله! إنَّ الله لا يَسْتَحْيي مِنَ الحقّ، فهلْ على المرأةِ مِنْ غُسْلٍ إذا احتَلَمَتْ؟ قال: "نعمْ، إذا رأَتِ الماءَ"، فغطَّتْ أُم سَلَمَة وَجْهَهَا وقالت: يا رسولَ الله! أوتَحْتَلِمُ المرأةُ؟ قال: "نعم، تَرِبَتْ يَمينُكِ فبمَ يُشْبهُهَا وَلَدُها؟ إنَّ ماءَ الرجلِ غليظٌ أبيض، وماءَ المرأةِ رقيقٌ أصْفَرُ، فَمِنْ أَيهِما عَلَا وسبقَ يكونُ منهُ الشَّبَهُ".
"وقالت أمُّ سُلَيْم": هي أم أنس بن مالك.
"يا رسول اللْه! إن الله لا يَسْتَحْيي"؛ يعني: لا يمتنع "من الحق" ولا يتركه، وأنا أيضاً لا أستحيى من سؤالي هو حق.
"فهل على المرأة من غُسْلٍ إذا احتَلَمَتْ؟ قال: نعم، إذا رأت الماء، فغطَتْ أمُّ سلمة"؛ أي: سَتَرَتْ.
стр. 317
"وجهها": من استحياء ما سألت أم سليم.
"وقالت: يا رسول الله! أَوَ تَحْتَلِمُ المرأة" ويكون لها منيٌّ ويخرج مَنِيّها كالرجل؟
"قال: نعم، تَرِبَتْ يمينُكِ": هذا دعاء لا يراد وقوعه، بل يُقال عند ذمِّ أحد على فعلٍ أو قولٍ، والمراد: التنبيه والتعجب على استعجابها وإنكارها احتلام المرأة.
"فَبمَ يشبهها ولدها" لأن المشابهة إنما تكون إذا كان الولد جزءاً منها، فيه دلالة على أن لها مَنِيًّا كالرجل.
"إن ماء الرجل غليظٌ أبيضُ، وماء المرأة رقيقٌ أصْفَرُ"، وهذا الوصف باعتبار الغالب وحال السلامة؛ لأن منيَّ الرجل قد يصير رقيقاً بسبب المرض ومحمرًّا بكثرة الجماع، وقد يَبْيَض مَنِيّ المرأة لفضل قوتها.
"فَمِنْ أَيهِمَا عَلَا"؛ أي: غَلَبَ المنيّ فيما إذا وقع منيّهما في الرَّحم معاً.
"أو سبق" وقوع منيه في الرَّحم قبل وقوع مَنِي صاحبه "يكون منه الشبه".
* * *
٢٩٥ - وقالت عائشة ﵂: كانَ رسولُ الله ﷺ إذا اغتَسَلَ مِنَ الجَنابَةِ بدأَ فغسَلَ يَدَيْهِ، ثمَّ توضَّأ كما يتوضَّأُ للصلاةِ، ثمَّ يُدخِلُ أصابعَهُ في الماء فيُخَلَّلُ بها أُصولَ شعرِه، ثمَّ يَصُبّ على رأْسِهِ ثلاثَ غَرَفَاتٍ بيدَيْهِ، ثمَّ يُفيضُ الماءَ على جِلْدِهِ كلِّه، ويُروى: يبدأُ فيغسِلُ يدَيْهِ قبلَ أنْ يُدْخِلَهُمَا الإناءَ، ثمَّ يُفْرغ بيمينِهِ على شمالِهِ، فيغسِلُ فرجَهُ، ثمَّ يتوضَّأُ.
"وقالت عائشة: كان رسول الله ﷺ إذا اغْتَسَلَ من الجنابة بدأَ بغسل يديه"؛ أي: كفيه.
стр. 318
"ثم يتوضَّأ كما يتوضَّأ للصلاة، ثم يُدْخِلُ أصابعه في الماء فيخلِّل بها أصول شعره، ثم يصُبُّ الماء على رأسه ثلاث غَرَفَات بيدَيْهِ، ثم يُفِيْض الماء"؛ أي: يَصُبُّه "على جلده كله".
"ويُروى: يَبْدَأُ فَيَغْسِلُ يديه قبل أن يُدْخِلَهُمَا الإناء، ثم يُفْرغُ الماء"؛ أي: يصبُّه "بيمينه على شماله، فيغسِلُ فرجَهُ ثم يتوضَّأ".
* * *
٢٩٦ - وعن ابن عباس ﵁: أنَّه قال: قالت مَيْمُونة ﵂: وضعتُ للنبي ﷺ غسْلاً فَسَتَرْتُهُ بِثَوْبٍ، وَصَبَّ على يَدَيْهِ فَغَسَلَهُما، ثُمَّ أَدْخَل يَمينَهُ في الإناءَ، فَأفْرَغَ بها على فَرجِهِ، ثم غسَلَهُ بِشمَالِهِ، ثم ضربَ بشِمالِهِ الأرضَ، فدلَكَها دلْكاً شديداً، ثم غسلَهَا، فمضمضَ واستنْشَقَ، وغسلَ وجهَهُ وذِرَاعَيْهِ، ثم أَفْرَغَ على رأْسِهِ ثلاث حَفَنَاتٍ مِلءَ كَفَّيهِ، ثم غسلَ سائرَ جسدِهِ، ثم تَنَحَّى فغَسَلَ قَدَميْهِ، فناولْتُهُ ثوباً فلم يأخُذْهُ، فانطلقَ وهو يَنْفُض يَدَيْهِ.
"وعن ابن عباس أنه قال: قالت ميمونة: وضعْتُ للنبي ﷺ غسلاً" بضم الغين، هو الماء الذي يُغْتَسَل به.
"فَسَتَرْتُهُ بثوب"؛ أي: ضربْتُ له ﵊ سِتْراً يغتسل بها وراءه كيلا يراه أحد.
"فصبَّ على يديه فغسَلَهُما، ثم أدخل يمينَهُ في الإناء فأفْرَغَ"؛ أي: صَبَّ بها "على فَرْجِهِ، ثم غَسَلَهُ بشماله، ثم ضرب بشماله الأرض فَدَلَكَها دلكاً شديداً"؛ أي: مسح يده على الأرض؛ لتزول منها الرائحة الكريهة.
"ثم غسلها فمضمض واستنشق وغسل وجهه وذراعيه، ثم أفرَغَ على
стр. 319
رأسه ثلاث حَفَنَات" بالفتحات: جمع حَفْنَة.
"مِلْءَ كفيه": ذكره بعدها لتأكيدها.
"ثم غسل سائر جسده، ثم تنحَّى"؛ أي: تباعد من مكان الغسل.
"فغسل قدميه" إن كان لم يغسلهما حين توضَّأ.
"فناولته"؛ أي: أعطيته.
"ثوباً" لينشف به أعضاءه.
"فلم يأخذه"؛ أي: الثوب؛ احترازاً عن تنشيف الأعضاء، فإذاً يكون ترك التنشيف سُنَّة.
"فانطلق"؛ أي: فمشى.
"وهو ينفض يديه"؛ أي: يحركهما في المشي كما هو عادة أهل القوة عند مشيهم.
قيل: ليس نفضها لإزالة ما على يديه من الماء؛ لأن نفضَ اليد في الوضوء والغسل مكروه لما فيه من إماطة أثر العبادة.
وقيل: نفضها لإزالة الماء المستعمل عنه، فعلى هذا لا يكون النَّفض فيهما مكروهاً.
* * *
٢٩٧ - وقالت عائشة ﵂: إن امرأةً سأَلت النبيَّ ﷺ عن غُسلِها مِنَ المَحيضِ، فأمَرَهَا كيفَ تغتَسِلُ، ثمَّ قال: "خُذِي فِرْصة مِنْ مِسْكٍ فتطهري بها"، قالت: كيفَ أتطهَّرُ بها؟ قال: "سُبحانَ الله! تطهرِّي بها"، قالت: كيفَ أتطهَّرُ بها؟ فَاجْتَذَبْتُهَا إليَّ فقلتُ: تتَبَّعي بها أثرَ الدمِ.
"وقالت عائشة ﵂: إن امرأة سألَت النبي - عليه الصلاة
стр. 320
والسلام - عن غسلها من المحيض"؛ أي: الحيض.
"فأمرها"؛ أي: النبي ﷺ تلك المرأة أن تغتسل.
"كيف تغتسل"؛ أي: كغسلها من الجنابة.
"ثم قال: خذي فِرْصَة" بكسر الفاء، هو قطعة من صوف أو قطن أو غيره.
و (من) في: "مِنْ مِسْك" للتَّبيين لمقدَّر؛ أي: فِرْصَة مطيَّبة من مسك.
"فتطهري": فتطيبي.
"بها"؛ أي: بالفِرْصَة، فاستعمليها في الموضع الذي أصابه دم الحيض حتى يصير مُطَيَّباً.
"قالت: كيف أتطهَّر بها؟ قال: سبحان الله! تطهري بها، قالت: كيف أتطهَّر؟ ".
قالت عائشة ﵂: "فَاجْتَذَبْتُها إليَّ"؛ أي: قربتها إلى نفسي.
"فقلت"لها سراً: "تتبعي بها"؛ أي: بالفِرْصة.
"أثر الدم": لقطع رائحة الأذى.
* * *
٢٩٨ - وقالت أم سَلَمَة: قلت: يا رسول الله! إنِّي امرأةٌ أشُدُّ ضَفْرَ رأْسي، أفأنْقُضُهُ لِغُسْلِ الجَنابةِ؟ فقال: "لا، إنَّما يكفيكِ أنْ تَحْثِي على رأْسِكِ ثلاثَ حَثَيَاتٍ، ثمَّ تُفيضينَ علَيْكِ الماءَ فتطْهُرين".
"وقالت أم سلمة: قلت: يا رسول الله! إني امرأة أَشُدُّ ضَفْرَ رأسي"، "الضفر": نَسْجُ شعر الرأس، وإدخال بعضه في بعض؛ أي: أجعل نسج شعر رأسي شديداً.
стр. 321
"أفأنقضه" وأفرقه "لغسل الجنابة؟ قال: لا، إنما يكفيك أن تَحْثي"؛ أي: تصبي.
"على رأسك" بالكفِّ "ثلاث حَثَيَات" أو بظَرْف ثلاث مرات، وليس المراد منه الحصر في ثلاث، بل إيصال الماء إلى الشعر، فإن وصل إلى ظاهره وباطنه بمرة، فالثلاث سنة، وإلا فالزيادة واجبة حتى يصل إليها، ولا يجب نقض الضَّفائر إذا تخللها الماء، وإلا فيجب، وعند النخعي يجب مطلقاً.
"ثم تُفِيْضيْنَ"؛ أي: تَصبين.
"عليك الماء"؛ أي: على سائر أعضائك.
"فتطْهُرِيْنَ"؛ أي: فتصيرين بعد إيصال الماء إلى جميع أعضائك طاهرة.
* * *
٢٩٩ - وقال أنس: كانَ النبي ﷺ يتوضَّأ بالمُدِّ، ويغتَسِلُ بالصَّاع إلى خَمْسَةِ أَمدادٍ.
"وقال أنس: كان النبي ﵊ يتوضأ بالمُدِّ"، وهو رطل وثلث رطل بالبغدادي، أو رطلان على اختلاف في مقدار الصاع.
"ويغتسل بالصَّاع": وهو أربعة أمداد وكان غسله يصل "إلى خمسة أمداد".
* * *
٣٠٠ - وعن مُعاذةَ ﵂ قالت: قالت عائشة ﵂: كُنْتُ أغتسِلُ أنا ورسولُ الله ﷺ مِنْ إناء واحد بيني وبَيْنَهُ، فيبادِرُني، فأقول: دع لي، دع لي، قالت: وهُما جُنُبان.
стр. 322
"وعن مُعَاذَة أنها قالت: قالت عائشة ﵂: كنْتُ أغتسِلُ أنا ورسولُ الله ﷺ من إناء واحد" يوضع "بيني وبينه": وهو واسع الرأس نجعل أيدينا فيه ونأخذ الماء.
"فيبادرني"؛ أي: يسبقني بأخذ الماء ويأخذ قَبْلي.
"فأقول: دع لي، دع لي"؛ أي: اترك لي الماء.
"قالت"؛ أي: عائشة، وقيل: أي: معاذة، وهو أنسب.
"وهما"؛ أي: الرسول وعائشة.
"جُنُبان" وهذا يدل على أن الماء الذي يُدْخِل الجنب فيه يده طاهر ومُطَهِّر سواء فيه الرجل والمرأة.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٣٠١ - عن عائشةَ ﵂ قالت: سُئِلَ رسولُ الله ﷺ عن الرَّجُلِ يجدُ البَلَلَ ولا يَذكُرُ احتِلاماً؛ قال: "يغتَسِلُ"، وعَنِ الرَّجلِ يرى أنَّهُ قَدِ احْتَلَمَ ولا يجدُ بللاً؟ قال: "لا غسْلَ عَلَيْهِ"، قالَتْ أُمُّ سُليم: هَلْ على المرأةِ تَرى ذلك غسْل؟ قال: "نعَمْ، إنَّ النِّساءَ شَقَائِقُ الرِّجالِ".
"من الحسان":
" عن عائشة أنها قالت: سئل رسول الله ﷺ عن الرجل يجد البلل"؛ أي: يجد المني إذا استيقظ.
"ولا يَذْكُرُ احتلاماً"؛ أي: لا يذكر أنه جامع أحداً في النوم.
"قال: يغتسل. وعن الرجل يرى"؛ أي: يظن.
стр. 323
"أنه قد احتلم ولا يجد بللاً، قال: لا غسْلَ عليه، قالت أم سليم: هل على المرأة ترى ذلك"؛ أي: الاحتلام أو البلل.
"غسل؟ قال: نعم، إن النساء شقائق الرجال"؛ أي: نظائرهم وأمثالهم في البشرية والخَلْق والطباع، وكأنهن شُقِقْنَ من الرجال، وحواء خُلِقَتْ من آدم وشُقَّتْ منه؛ يريد أن المرأة والرجل من أصل واحد هو آدم، فيجب الغسل عليها بما يجب عليه.
* * *
٣٠٢ - وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسولُ الله ﷺ : "إذا جاوَزَ الخِتَانُ الخِتَانَ وجَبَ الغُسلُ".
"وعن عائشة أنها قالت: قال رسول الله ﷺ : إذا جَاوَزَ الختانُ الختانَ": وهو موضع القطع من فرج الذَّكَر والأنثى، ومجاوَزَةُ ختانهما: كناية لطيفة عن الإيلاج.
"وجب الغسل".
* * *
٣٠٣ - وقال أبو هريرة: قال رسول الله ﷺ : "تحتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جنابَةٌ، فاغسِلُوا الشَّعرَ، وَأَنْقُوا البَشَر"، ضعيف.
"وقال أبو هريرة: قال رسول الله ﷺ : تحت كل شَعَرة" بفتحات متواليات.
"جنابة" فلو بقيت شعرة واحدة لم يصل إليها الماء بَقِيَت جنابته.
"فاغسلوا الشعر"؛ أي: أوصلوا الماء إليها.
стр. 324
"وأَنْقُوا البَشَرَة": وهي ظاهر الجلد؛ أي: نظفوها من الوسخ، فلو كان في موضعٍ وسخٌ بحيث لا يصل الماء إلى ما تحته، لم ترتفع الجنابة.
"ضعيف".
* * *
٣٠٤ - وقال علي - رضى الله عنه -: إنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "مَنْ تركَ مَوْضعِ شَعرةٍ من الجنابَةِ لَمْ يَغْسِلْهَا؛ فُعِلَ بها كذا وكذا من النَّار"، قال علي ﵁: فمِنْ ثَمَّ عاديتُ رأسي.
"وقال علي ﵁: إن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - قال: من ترك مَوْضع شَعْرَة من الجنابة لم يَغْسِلْهَا فُعِلَ بها"؛ أي: بتلك الشعرة.
"كذا وكذا من النار"، وهذا إما كناية عن أقبح ما يُفعل به، أو إيهام عن شدة الوعيد.
"قال علي: فمن ثَمَّ"؛ أي: من أجل هذا التهديد.
"عاديت رأسي"؛ أي: عاملت معه معاملة المعادي، بأن قطعت شعور رأسي مخافة أن لا يصل الماء إلى جميع شعري.
* * *
٣٠٥ - قالت عائشة ﵂: كان النبي ﷺ لا يتوضَّأ بعدَ الغُسْلِ.
"وقالت عائشة: كان النبي ﵊ لا يتوضأ بعد الغسل" اكتفاء بتوضئه في ابتداء الغسل، أو باندراج ارتفاع الحدث الأصغر تحت ارتفاع الحدث الأكبر بإيصال الماء إلى جميع أعضائه.
* * *
стр. 325
٣٠٦ - وقالت عائشة ﵂: كانَ رسول الله ﷺ يغسِلُ رأْسَهُ بالخِطْمِيِّ وهو جُنُب، يجتزئُ بذلك، ولا يصبُّ عليه الماءَ.
"وقالت عائشة: كان النبي ﵊ يغسل رأسه بالخِطْمِي" بكسر الخاء، معروف.
"وهو جُنُب": جملة حالية.
"يجتزئ بذلك"؛ أي: يكتفي بالماء المخلوط به الخِطْمي عن رأسه.
"ولا يصبُّ عليه"؛ أي: على رأسه.
"الماء": بعد ذلك لإزالة الخِطمي، بل يتركه بحاله؛ قصداً للتَّبرد، ثم يصب على سائر بدنه لترتفع الجنابة.
* * *
٣٠٧ - عن يَعْلى بن أُمية: أنَّ النبي ﷺ قال: "إنَّ الله حَيي سِتِّير يُحبُّ الحَياءَ والتسترَ، فإذا اغْتَسَلَ أحدكمْ فليَسْتَتِرْ".
"وعن يعلى: أن نبي الله ﷺ قال: إن الله حَيي" بياءين الأولى مخففة والثانية مشددة؛ أي: كريم تارك للقبائح، يعامل عباده معاملة الحييِّ بالعفو والصَّفْح.
"سِتِّير"؛ أي: ساتر للعيوب والذنوب، لا يهتك أستارهم.
"يحب الحياء والتستر"؛ أي: يحبُّ هاتين الصفتين من عباده، فإنهما خصلتان تفضيان به إلى التَّخلق بأخلاق الله.
"فإذا اغتسل أحدكم فليستتر"؛ أي: فليجعل لنفسه سِتْراً كيلا يراه أحد.
* * *
стр. 326
٧ - باب مُخالَطة الجُنُب وما يُباح لَهُ
" باب مخالطة الجنب"؛ أي: مجالسته ومؤاكلته ونحو ذلك.
"وما يباح له"؛ أي: يحل.
مِنَ الصِّحَاحِ:
٣٠٨ - قال أبو هُريرة ﵁: لَقِيني رسولُ الله ﷺ وأنا جُنُب، فأخذَ بيدي فمشيتُ معَهُ حتى قعدَ، فَانْسَلَلْتُ فأتيتُ الرحلَ فاغتسلتُ، ثمَّ جئتُ وهو قاعدٌ، فقال: "أينَ كنتَ يا أبا هِر؟ "، فقلت له: لَقِيتَني وأنا جُنُب، فكرِهْتُ أنْ أُجالِسَكَ وأنا جُنُب، فقال: "سُبْحَانَ الله، إِنَّ المُؤْمِنَ لا يَنْجُس".
"من الصحاح":
" قال أبو هريرة: لقيني رسول الله ﷺ وأنا جُنُب، فأخذ بيدي فمشيْتُ معه حتى قعد، فانْسَلَلْتُ"؛ أي: ذهبت بخُفية.
"فأتيت الرَّحْل"؛ أي: البيت؛ لأن بيوتهم كانت محلاً للرحال.
"فاغتسلت، ثم جِئْتُ وهو قاعد"، وفيه دليل على جواز مصافحة الجنب، ومخالطته، وتأخير الاغتسال، والسعي في حوائجه.
"فقال: أين كنت يا أبا هر" كان اسمه في الإسلام عبد الرحمن هذه الكنية وضعها النبي ﵊ حين رأى في ثوبه شيئًا يحمله فقال: "ما هذا يا عبد الرحمن؟ " فقال: هرة.
"فقلت له: لقيتني وأنا جُنُب، فكرهْتُ أن أجالسك وأنا جُنُب" فمشيْتُ واغتسلْتُ.
"فقال" ﵊ تعجباً: "سبحان الله! إن المؤمن لا ينجَسُ"
стр. 327
بفتح الجيم؛ أي: لا تصير عينه نجاسة، وهذا غير مختصٍّ بالمؤمن، بل الكافر كذلك.
وأما قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨]، فالنَّجاسة في اعتقاداتهم، لا في أصل خِلْقَتِهم، وما روي عن ابن عباس ﵁: أن أعيانهم نجسة كالخنزير، وعن الحسن: من صافحهم فليتوضأ، فمحمول على المبالغة.
* * *
٣٠٩ - وذكر عُمرُ - رضى الله عنه - لِرسولِ الله ﷺ أنَّهُ تُصيبُهُ الجَنابةُ مِنَ اللَّيْلِ، فقالَ لهُ رسولُ الله ﷺ : "توضَّأ، واغْسِلْ ذَكَرَكَ، ثمَّ نَمْ".
"وذكر عمر - رضى الله عنه - لرسول الله ﷺ أنه تصيبه الجنابة من الليل، فقال له رسول الله ﷺ : توضَّأ واغسِلْ ذَكَرَكَ ثم نَمْ".
* * *
٣١٠ - وقالتْ عائشةُ ﵂: كانَ رسولُ الله ﷺ إذا كانَ جُنُباً فأرادَ أنْ يأكل أوْ يَنَامَ توضَّأ وُضُوءَهُ للصَّلاةِ.
"وقالت عائشة: كان رسول الله ﷺ إذا كان جُنُباً فأراد أن يأكُلَ أو ينام توضَّأ وضُوُءَهُ للصلاة".
* * *
٣١١ - وقال رسول الله ﷺ : "إذا أتى أحدكمْ أهلَهُ، ثمَّ أرادَ أنْ يعودَ فليتوضَّأ بينَهُمَا وُضُوءاً"، رواه أبو سعيد الخدري.
"وعن أبي سعيد الخدري أنه قال: قال رسول الله ﷺ : إذا أتى أحدكمْ أهلَهُ"؛ أي: جامعها.
стр. 328
"ثم أراد أن يعود" إلى الجماع.
"فليتوضَّأْ بينهما"؛ أي: بين الإتْيَانينِ وضوءاً؛ لأن هذا أطيب وأكثر للنَّشاط والتَّلذذ.
وفي هذا الحديث وحديث عمر وعائشة: إشارة إلى أنه يستحبُّ للجُنُب أن يغسلَ ذَكَرَه ويتوضأ كما يتوضأ للصلاة إذا أراد أن يأكل أو يشرب أو يجامع مرة أخرى أو ينام.
* * *
٣١٢ - وقال أنس - رضى الله عنه -: كانَ النبيُّ ﷺ يطوفُ على نِسائِهِ بِغُسْل واحدٍ.
"وقال أنس - رضى الله عنه -: كان النبي ﵊ يطوفُ على نسائه"؛ أي: يجامعهنَّ.
"بِغُسْلٍ واحد" وهذا يدل على أن الجُنُب يجوز له أن يجامع مرةً أخرى من غير أن يغتسل لكل مجامعة، ويكفيه لجميع الوطئات غسل واحد.
فإن قيل: أقل القسم ليلة لكل امرأة، فكيف كان يطوف على نسائه في ليلة واحدة؟
فالجواب: أن القسم في حقه ﵊ كان تكرماً وتبرعاً لا وجوباً، وعلى قول من ذهب بوجوبه يحمل على أنه كان برضائِهنَّ.
* * *
٣١٣ - وقالت عائشة ﵂: كانَ النبيُّ ﷺ يَذْكرُ الله على كُلِّ أَحيَانِهِ.
"وقالت عائشة: كان النبي ﷺ يَذْكرُ الله على كل أَحْيَانِهِ": حين الطهارة
стр. 329
والحدث والجنابة، والذِّكْرُ: منه ما يكون بالقلب، وما يكون باللسان، وما يكون بهما، والأول أعلى، وهو المشار إليه في هذا الحديث.
وهو المراد بالذِّكر الكثير في قوله تعالى: ﴿اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٤١]، فالرسول ﵊ يذكر الله في جميع أوقاته، ففي وقت الجنابة ودخول الخلاء يقتصر على الذِّكْرِ القلبي.
وفيه إشارة: إلى أن العبد ينبغي له أن لا يخلو عن ذِكْرِ؛ تعالى ساعة.
* * *
٣١٤ - وقال ابن عبَّاسٍ ﵁: خرجَ النبيُّ ﷺ مِنَ الخلاء، فأتِيَ بطعامٍ، فَذَكرُوا لهُ الوُضُوءَ، فقال: "أُريدُ أنْ أُصلِّيِ فأتوضَّأَ؟ ".
"وقال ابن عباس: خرج رسول الله ﷺ من الخَلَاءَ فأتي بطعامٍ، فذكروا له الوضوء"؛ أي: قالوا له: أتتوضأ ثم تأكل.
"فقال: أريد" بحذف همزة الاستفهام؛ أي: أأريد.
"أن أصلي فأتوضأ" بالنصب جواباً للاستفهام الإنكاري؛ والمعنى: لا أريد أن أصلي حتى أفتقر إلى الوضوء.
وأشار بهذا: أن الوضوء شُرِعَ لإقامة الصلاة لا لأكل الطعام، قاله تيسيراً للأمة وتعليماً للرخصة لا لنفي الفضيلة.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٣١٥ - قالت مَيْمُونة ﵂: أجْنَبْتُ أنا ورسولُ الله ﷺ ، فاغْتَسَلْتُ مِنْ جَفْنَة وفضَلَ فيها فَضْلَةٌ، فجاءَ النبي ﷺ لِيَغْتَسِلَ مِنْهَا، فقلتُ: إنِّي
стр. 330
قد اغْتَسَلْتُ منها، فاغْتسَلَ، وقال: "إنَّ الماءَ ليسَ علَيْهِ جَنَابَة"، وفي رواية: "إنَّ الماءَ لا يُجْنِب".
"من الحسان":
" قالت ميمونة ﵂: أجنبت أنا"؛ أي: صرْتُ جُنُباً.
"ورسول الله ﷺ فاغتسلْتُ من جَفْنَةٍ": وهي القَصْعَةُ الكبيرة.
"وفَضَلَتْ فيها"؛ أي: في الجَفْنَةِ.
"فَضْلَةٌ، فجاء النبي ﷺ ليغتسل منها، فقلت: إني قد اغتسلت منها" حسبت ميمونة أنَّ الماء ينجس بالنَّجاسة الحكمية كالنَّجاسة الحقيقية؛ لأنها كانت أدخلَتْ فيها يدها.
"فاغتسل" ﵊ منها.
"وقال" تنبيهًا لها على الحكم: "إن الماء ليس عليه جَنَابة" فلا يخرجُ عن كونه مُطَهِّرًا إذا لم ينوِ المغتسلُ بإدخال يده في الإناء رفع الجنابة من كَفّه.
"وفي رواية: إن الماءَ لا يُجْنِبُ"، أي: لا يأخذ حكم الجنابة، فلا يصير بمثل هذا الفعل إلى حالةِ لا يستعمل.
* * *
٣١٦ - وقالت عائشة ﵂: كان رسولُ الله ﷺ يُجنِبُ فيغتَسِلُ، ثمَّ يستَدْفِئَ بي قبلَ أن أَغْتَسِل.
"وقالت عائشة ﵂: كان رسول الله ﷺ يُجنِبُ"؛ أي: يصير جُنُباً.
"فيغتسل ثم يستدفئ"؛ أي: يستسخن.
стр. 331
"بي قبل أن أغتسل"؛ يعني: يضع أعضاءه على أعضائي من غير حائلٍ؛ ليجد حرارة من أعضائي فتزول عنه البرودة.
وفيه دليلٌ على عدم نجاسة بَدَنِ الجُنُب، وعلى جواز المخالطة والمماسة.
* * *
٣١٧ - وقال علي ﵁: إنَّ رسولَ الله ﷺ كانَ يخرجُ مِنَ الخلاءِ، فيُقْرِئُنا القُرآنَ، ويأكلُ معنَا اللحمَ، وكان لا يحجُبُهُ - أو لا يحجُزُهُ - عَنْ قِراءةِ القُرآنِ شيءٌ ليسَ الجنابة.
"وقال علي - كرم الله وجهه -: إن رسول الله ﷺ كان يخرج من الخلاء فَيُقْرِئُنا"؛ أي: يعلّمُنا "القرآن ويأكل معنا اللَّحم وكان لا يحجُبُه أو لا يحجزُه": شكّ من الراوي؛ أي: لا يمنعه.
"عن قراءة القرآن شيء ليس الجنابةَ"؛ أي: إلا الجنابة.
* * *
٣١٨ - وعن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يقرأُ الجُنُبُ ولا الحائضُ شيئاً مِنَ القُرآنِ".
"وعن ابن عمر أنه قال: قال رسول الله ﷺ : لا تَقْرَأ الحائض "على صيغة النهي.
"ولا الجُنُبُ شيئاً من القرآن"، لا القليل ولا الكثير، وبه قال الشافعي، إلا أن يقول: بسم الله، والحمد لله، على قَصْدِ الذِّكْرِ، وجَوَّزَ مالك قراءة القرآن للحائض لخوفِ النسيان، وللجنب بعض آيةٍ دون إتمامها.
стр. 332
وعن أبي حنيفة روايتان؛ أحدهما كمالك، وأصحُّهما كالشافعي.
* * *
٣١٩ - وقالت عائشة ﵂: قال رسول الله ﷺ : "وَجِّهُوا هذه البُيوتَ عَنِ المسجدِ، فإنِّي لا أُحِلُّ المسجدَ لحائضٍ ولا جُنُبٍ".
"وقالت عائشة: قال رسول الله ﷺ : وجهوا هذه البيوت"؛ أي: حَوّلوا أبوابها.
"عن المسجد": إلى جانب آخر كي لا يمرَّ الجنب والحائض.
"فإني لا أحلُّ المسجد لحائض ولا جنب"، قيل: هذا فيمن يتَّخذ تأخيرَ الاغتسال عادة تهاوناً، وإلا فالجنب غير ممنوعٍ من العُبور فيه على قول مالك والشافعي دون المُكْث خلافاً لأحمد، وعند أبي حنيفة يحرُمُ المرورُ فيه.
* * *
٣٢٠ - وقال: "لا تدخُلِ الملائكَةُ بيتاً فيهِ صُورة ولا كلبٌ ولا جُنُب" رواه علي.
"وعن عليٍّ - رضى الله عنه - عن رسول الله ﷺ أنه قال: لا تدخل الملائكة"؛ أي: الملائكة النازلة على العباد بالرحمة والبركة والزيارة واستماع الذّكْرِ، لا الكَتَبة فإنهم لا يفارقون المكلَّفين في أحوالهم السيئة والحسنة، لقوله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: ١٨]؛ يعني: هم لا يدخلون.
"بيتاً فيه صورة"؛ أي: صورة حيوانٍ على شيءٍ مرتفعٍ من الأرض كالجدار والستر لشبه ذلك البيت ببيوت الأصنام، وأما صورة الحيوان في البساط وما يُجْلَسُ عليه وتوضَعُ عليه الرّجْلُ فلا بأس به، وكذا صورةُ غير الحيوان من الأشجار وغيرها.
стр. 333
"ولا كلب"؛ أي: ولا بيتاً فيه كلب؛ لأنه نجسٌ، والملائكة أطهار مكرَّمون، وخُصَّ عمومه بكلب الماشية والزَّرع والصَّيد لمسيس الحاجة.
"ولا جنب"؛ أي: جُنُبٌ يتهاون في الغُسْل حتى يمرَّ عليه وقتُ الصلاة، ويجعل ذلك دَأْباً وعادةَ له؛ لأنه مستخفّ بالشرع.
* * *
٣٢١ - وعن عمَّار بن ياسر - رضى الله عنه -: أنَّ النبي ﷺ قال: "ثلاثةٌ لا تَقْرَبُهُمُ الملائكةُ: جيفةُ الكافِرِ، والمتضمِّخُ بالخَلوقِ، والجُنُبُ إلَاّ أن يتوضَّأ".
"عن عمار بن ياسر: أن رسول الله ﷺ قال: ثلاثة لا يقربهم الملائكة: جيفة الكافر"؛ أي: جسده الذي هو بمنزلتها، حيث لا يحتَرِزُ عن النجاسات كالخمر والخنزير والدم ونحوها سواء كان حياً أو ميتاً.
"والمتضَمِّخ"؛ أي: المتلطِّخ.
"بالخَلوق"، وهو - بفتح الخاء المعجمة - طِيْبٌ معروفٌ متَّخذٌ من الزعفران وغيره من أنواع الطيب، ويغلب عليه حمرةٌ مع صفرة، وقد أبيحَ تارةً ونُهي عنه أخرى، وهو الأكثر، وهو مختص بالرجال دون النساء، وإنما لا تقربه الملائكة لما فيه من التَّشبُّه بالنساء والتوسُّع والرعونة.
"والجنب"؛ أي: لا يقربه الملائكة أيضاً.
"إلا أن يتوضَّأ"، أراد به الوضوء المتعارف كما مرَّ، وهذا تهديدٌ وزجْرٌ عن تأخير الغسل كي لا يعتاد.
وقيل: يحتمل أن يريد بالوضوء هنا الغُسْل.
* * *
стр. 334
٣٢٢ - وفي الكتاب الذي كتبَهُ رسولُ الله ﷺ لعمْرِو بن حَزْم: "وأَنْ لا يَمَسَّ القُرآنَ إلَاّ طاهِر".
"وفي الكتاب الذي كتبه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لعَمِرو بن حَزْم: أن لا يمسَّ القرآن إلا طاهر"؛ أي: لا يجوز حملُ المصحَفِ ولا مَسُّه إلا طاهراً.
* * *
٣٢٣ - وقال ابن عمر ﵁: مَرَّ رجل على النبي ﷺ وهو يَبُولُ، فسلَّمَ علَيْهِ، فلمْ يَرُدَّ عليهِ حتَّى كادَ الرَّجُلُ أنْ يتوارى، فضَربَ بيدَيْهِ على الحائطِ ومسحَ بهِما وجهَهُ، ثمَّ ضربَ ضَربَة أُخرى فمسحَ ذراعَيْهِ، ثمَّ رَدَّ على الرَّجُلِ السَّلامَ، وقال: "إنَّهُ لمْ يمنَعْني أنْ أرُدَّ عليكَ السَّلامَ إلَاّ أنِّي لَمْ أَكُنْ على طُهْرٍ".
وروي: أنه لمْ يَرُدَّ علَيْهِ حَتَّى توضَّأ، ثمَّ اعتذَرَ إليْهِ فقال: "إنِّي كَرِهْتُ أنْ أَذْكُرَ الله إلَاّ على طُهْرٍ".
"وقال ابن عمر ﵁: مرَّ رجل"، قيل: هو من المهاجرين قُنْفُذ بن عُمَير المطَّلبي.
"على النبي ﷺ وهو"؛ أي: النبي ﵊.
"يبول، فسَلَّم عليه"؛ أي: الرجل على النبي ﷺ .
"فلم يرُدَّ عليه"؛ أي: النبي ﵊ على الرجل.
"حتى كاد الرجل أن يتوارى"؛ أي: قرب أن يستتر ويغيب.
"ضرب ﷺ بيديه على الحائط" للتيمم.
"ومسح بهما وجهَهُ، ثم ضرب ضربة أخرى فمسح ذراعيه، ثم رَدَّ على
стр. 335
الرجل السلام وقال: إنه لم يمنعني أن أردَّ عليك السلام إلا أني لم أكن على طُهْرٍ"، فيه دليل على أن من قَصَّرَ في الرَّدِّ لعذرِ يُستحبُّ أن يعيده ويعتذِرَ إليه، ويخبره أنه أَخَّرَه لعذر.
"وروي: أنه لم يردَّ عليه حتى تَوَضَّأ، ثم اعتذرَ إليه فقال: إني كرهتُ أن أذكر الله إلا على طُهْرٍ": فيه دليلٌ على أنه يستحبُّ أن يكون ذِكْرُ الله على الوضوء أو التيمم؛ لأن السلام اسم من أسمائه تعالى.
والتوفيق بين هذا وحديث عليٍّ: أنه ﵊ كان يخرجُ من الخلاء فَيُقْرِئُنا القرآنَ= أنه ﷺ أخذ في ذلك بالرخصة تيسيراً على الأمة، وفي هذا بالعزيمة.
* * *
٨ - باب أحكام المِيَاهِ
(باب أحكام المياه)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٣٢٤ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يَبُولَّنَ أحدكُمْ في الماء الدَّائِم الذي لا يَجري ثمَّ يغتَسِلُ فيهِ".
"من الصحاح":
" عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله ﷺ : لا يبولَنَّ أحدكم في الماء الدَّائم"، أي: الرَّاكد.
"الذي لا يجري" صفة ثانية للماء مؤكّدة للأولى.
стр. 336
"ثم يغتسلُ فيه"، وهذا لأنَّ الماء الواقف إن كان دون القُلَّتين ينجس، فلا يجوز الاغتسال منه، وإن كان قُلَّتين فلعلَّه يتغيَّرُ به فيصير نَجِساً بالتغير، وكذا إن كَثُرَ غايةَ الكثرة، إذ لو جُوِّزَ البول فيه لبال واحدٌ بعد واحد فيتغيَّر من كثرة البول.
* * *
٣٢٥ - وقال: "لا يَغتسِلُ أحدكمْ في الماء الدَّائم وهو جُنُبٌ"، رواه أبو هريرة ﵁.
"وقال: لا يغتسل أحدكم في الماء الدائم وهو جنب"، وهذا النهي إنما يكون في الماء الذي دون القلتين؛ لأنه يصير مستعملاً باغتسال الجنب، فحينئذ قد أفسدَ الماء على الناس لأنه لا يصحُّ الاغتسال والتوضّؤ منه بعد ذلك.
* * *
٣٢٦ - وقال جابر: نَهى رسولُ الله ﷺ أنْ يُبالَ في الماءَ الرَّاكِدِ.
"وقال جابر ﵁: نهى رسول الله ﷺ أن يبال في الماء الرَّاكد"؛ أي: الواقف.
* * *
٣٢٧ - وقال السَّائب بن يَزيد: ذهَبَتْ بي خالَتي إلى النبيِّ ﷺ فقالت: يا رسولَ الله! إنَّ ابن أُخْتِي وَجِع، فَمسحَ برأْسي، فدعا لي بالبَرَكةِ، ثم توضَّأ، فَشَرِبْتُ مِنْ وَضُوئهِ، ثمَّ قُمْتُ خلفَ ظهرِهِ، فنظرتُ إلى خاتَم النّبوَّةِ بينَ كتِفَيْهِ مِثْلَ زِرِّ الحَجَلَةِ.
"وقال السَّائب بن يزيد: ذهبت بي خالتي إلى النبي ﵊، فقالت: يا رسول الله! إن ابن أختي وَجِع" بكسر الجيم؛ أي: مريضٌ.
стр. 337
"فمسح رأسي ودعا لي بالبركة، ثم توضَّأ فشربْتُ من وَضوئه" بفتح الواو؛ أي: من ماء وضوئه.
عدمُ نهيه ﵊ عن شربه يدلُّ على طهارة الماء المستعمَل، والمانع: حملُهُ على التَّداوي، أو على أنه شرب من فَضْلِ وضوئه، لا ما انفصل من أعضاء وضوئه.
"ثم قمت خلف ظهره، فنظرت إلى خاتم النبوة": وهو طابعه الذي خُتمت به النبوة، وهو أثرٌ كان"بين كتفيه مثلَ" نصب على نزع الخافض؛ أي: كمِثْلِ.
"زر الحَجَلَة" (الزرُّ) بتقديم الزاي المكسورة على الراء المشددة: واحدُ الأزرار التي يُشَدُّ بها على ما يكون في حَجَلَةِ العَرُوس، وهي بيتٌ كالقُبّة يُستَرُ بالثياب ويكون له أزرار كِبار.
وقيل: بتقديم الراء المهملة على الزاي: بمعنى البَيْض، والحَجَلَة هي القَبَجَة، وهي طائر معروف، وبيضها فيه نقوش تضرب إلى الحمرة؛ أي: شَبَّه خاتم النبوة بزر حجل العروس، أو بيض القَبَج، كان ذلك عَلَما من أعلام النبوة نُعِتَ به في الكتب المنزلة يُعلَم به أنه النبي الموعود، المُبَشَرِ به فيها.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٣٢٨ - عن ابن عمر ﵁: أن رسولَ الله ﷺ قال: "إذا كانَ الماءُ قُلَّتيْنِ لَمْ يَحْمِل نَجساً"، ويروى: "فإنَّه لا يَنْجُس".
"من الحسان":
" عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: إذا كان الماء قُلَّتين"، (القُلَّة):
стр. 338
جَرة كبيرة معروفة بالحِجاز تَسَع مئتين وخمسين رَطْلاً بالبغدادي، فالقُلَّتان خمس مئة رَطْل، وقيل: ست مئة رطل.
"لم يحمِلْ نَجَساً"؛ أي: لا يقبَلُ نجاسة، بل يدفعها عن نفسه، يقال: فلان لا يحمِلُ ضَيماً؛ أي: يمتنع عن قَبوله: إذا كان يأباه ويدفعه عن نفسه.
"ويروى: فإنه لا ينجُسُ"، وهذا بشرط ألا يتغيَّر بها، فإن تغيَّر بها ينجس؛ لقوله ﵊: "خُلِقَ الماء طَهوراً لا ينجِّسه شيء إلا ما غير طعمه أو ريحه".
وهذا الحديث يدلُّ بمنطوقه على أنَّ الماء البالغ قُلَّتين لا ينجس بملاقاة النجاسة، وبمفهومه يدلّ على أن ما دونه ينجس بالملاقاة وإن لم يتغيَّر، فمن قال بحجيّة المفهوم كالشافعي خص عمومَ واحدٍ من الحديثين بالأخرى؛ يعني: خصَّ عموم منطوق الأول بمنطوق الثاني، وعموم منطوق الثاني بمفهوم الأول، ومن لم يقل بحجيَّته أَجْرَى الثاني على عمومه، والظاهر أنه يكون مخصصاً للأول عنده.
* * *
٣٢٩ - وقال أبو سعيد الخُدرِيّ ﵁: قيلَ: يا رسولَ الله! أنتوضَّأ مِنْ بِئْرِ بُضاعَةَ، وهِيَ بئرٌ تُلْقَى فيها الحِيَضُ ولُحومُ الكلابِ والنتنُ؟ فقالَ ﷺ : "إنَّ الماءَ طَهُورٌ لا يُنَجِّسُهُ شيءٌ".
"وقال أبو سعيد الخدري: قيل: يا رسول الله! أنتوضأ من بئر بُضاعَةَ" بضم الباء وأجيز كسرها، وحكي أيضاً: بالصاد المهملة، دار بني ساعدة بالمدينة، وهم بطنٌ من الخزرج.
"وهي بئر": معروفة بالمدينة.
стр. 339
"تُلْقَى فيها الحِيَض" بكسر الحاء وفتح الياء: جمع حِيْضة - بكسر الحاء وسكون الياء - وهي الخِرْقة التي تستعملها المرأة في دم الحيض.
"ولحوم الكلاب والنَّتن"؛ وهو الرائحة الكريهة، والمراد به هنا: الشيء المنِتنُ كالعَذِرَةِ والجِيْفَة.
قيل: كانت السيول تَكْسَحُ الأقذار من الطرق والأفنية، وتحملُها وتلقيها في هذه البئر، وكان ماؤها كثيراً سيَّالاً يجري بها، فسألوا عن حكمها في الطهارة والنجاسة.
"فقال رسول الله ﷺ : إن الماء طهور لا ينجِّسه شيء" قيل: الألف واللام في (الماء) للعهد الخارجي، فتأويله: أن الماء الذي تسألون عنه وهو ماءُ بئر بُضَاعة طاهر؛ لأنه أكثر من قُلَّتين، فلا يخالف حديث ابن عمر.
قال أبو داود: مددْتُ فيه ردائي، فإذا عرضُهُ ستَّةُ أَذْرُعٍ.
* * *
٣٣٠ - ورُوي عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "خُلِقَ الماءُ طَهوراً لا يُنجِّسُهُ إلَاّ ما غيَّرَ طعمَهُ أو ريحَهُ".
"وروي عن النبي ﵊ " في جواب السؤال المذكور "أنه قال: خُلِقَ الماء طَهوراً لا ينجِّسُه شيء إلا ما غَيَّرَ طَعْمَه أو ريحه"، قاس الشافعى اللونَ على الطَّعْمِ والريح المنصوص عليهما في الحديث.
* * *
٣٣١ - وقال أبو هريرة ﵁: "سألَ رجل رسولَ الله ﷺ فقال: يا رسولَ الله! إنَّا نركبُ البحرَ، ونحمِلُ مَعَنَا القليلَ مِنَ الماء، فإنْ تَوَضَّأنَا بهِ عَطِشْنَا، أفنتوضَّأ بماء البحر؛ فقالَ رسولُ الله ﷺ : " هُوَ الطَّهُورُ ماؤُهُ، والحِلُّ مَيْتَتُهُ".
стр. 340
"وقال أبو هريرة: سألَ رجلٌ رسول الله ﷺ فقال: يا رسولَ الله! إنا نركب البحر ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضَّأنا به عَطِشْنَا، أفتوضأ بماء البحر؟ فقال رسول الله ﷺ : هو"؛ أي: البحر.
"الطَّهور ماؤه"؛ أي: المطهِّر؛ لأنهم سألوه عن تطهير مائه لا عن طهارته، وهذا يدل على أن التوضؤ بماء البحر جائز مع تغير طعمه ولونه، ولما سُئِلَ النبي ﷺ عن ماء البحر وعَلِمَ جهلَهُم بحكم مائه، قاسَ جهلهم بحلّ صيده مع عموم قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣]، فزاد في الجواب: "والحل مِيْتَتُهُ": فالحوت حلال بالاتفاق، والسرطان أيضاً في أصحِّ القولين، وكذلك ما يعيش في الماء والبَر، فأما ما لا يعيش في البر ففيه ثلاثة أقوال:
أحدها: أن جميعه حلال، والثاني: حرام، والثالث: ما يؤكَل شبهه في البَر يؤكَل، وما لا فلا.
* * *
٣٣٢ - عن أبي زيد، عن عبد الله بن مَسْعود ﵁: أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ لَهُ ليلةَ الجن: "ما في إداوَتك؟ "، قال: قلت: نبَيذٌ، قال: "تمرةٌ طيبة وماءٌ طَهُور"، فتوضَّأ مِنْهُ.
قال الإمام: هذا ضعيف، وأبو زيد مجهولٌ، وقد صحَّ:
"وعن أبي زيد، عن عبد الله بن مسعود: أن النبي ﵊ قال له ليلةَ الجن"، وهي الليلة التي جاءت الجِنُّ رسول الله ﷺ ، وذهبوا به إلى قومهم ليتعلموا منه الدين، وكان معه ﵊ عبد الله بن مسعود، وفي رواية: معه زيد بن ثابت.
"ما في إداوتك؟ "؛ أي: أيُّ شيءٍ في مِطْهَرتك.
стр. 341
"قال"؛ أي: ابن مسعود.
"قلت: نبيذٌ"، وهو التمر أو الزبيب المنبوذ؛ أي: المُلْقَى في الماء.
"قال: تمرة طيبة وماء طَهور فتوضأ منه"، يدل على أن التوضُّؤ بنبيذ التمر جائزٌ، وبه قال أبو حنيفة خلافاً للشافعي إذا تغيَّر.
"وهذا ضعيفٌ، وأبو زيد مجهول، وقد صح": * * *
٣٣٣ - عن عَلْقمة، عن عبد الله بن مَسْعُود - رضى الله عنه - قال: لَمْ أكُنْ ليلةَ الجنّ مَعَ رسولِ الله ﷺ .
"عن علقمةَ، عن عبد الله بن مسعود أنه قال: لم أكن ليلة الجنِّ مع رسول الله ﷺ "، فلم يكن ما رُوي عنه ثابتاً، ولئن ثبتَ فلم يكن نبيذاً متغيراً، بل كان ماء مُعَداً للشرب، كانوا يفعلون ذلك ليجتذب ملوحة مائهم فيكون أوفقَ وأنفع لأمزجتهم.
* * *
٣٣٤ - عن كبْشَة بنت كعْب بن مالك ﵁، وكانت تحت ابن أبى قَتادة: أنَّ أبا قتادة دخلَ عليها، فسكبَتْ لهُ وَضوءاً، فجاءتْ هِرَّةٌ تشربُ مِنْهُ، فأصغَى لها الإناءَ، قالت: فرآني أنظُرُ إليه، فقال: أتعجبين يا بنتَ أخي؟ قالت: فقلت: نعم، فقال: إنَّ رسولَ الله ﷺ قال: "إنِّها لَيْسَتْ بنجَسٍ، إنَّها مِنَ الطَّوَّافينَ عليكُمْ والطَّوافاتِ".
"وعن كبشة ﵂ بنت كعب بن مالك، وكانت تحت ابن أبي قتادة"؛ أي: كانت زوجته، وكان اسم ابن أبي قتادة عبد الله.
стр. 342
"أن أَبا قَتادة دخل عليها"؛ أي: على كبشة.
"فسكبتْ له"؛ أي: صبَّت لأبي قَتادة.
"وَضوءًا" بفتح الواو؛ أي: ماءً الوضوء في إناء.
"فجاءت هرة تشرب منه، فأصغى لها الإناء"؛ أي: أمالَه إليها ليسهُلَ عليها شربُه منه.
"قالت: فرآني" أبو قتادة "أنظر إليه، فقال: أتعجبين يَا ابنة أخي" شربَها من وَضوئي؟ وهذا على عادة العرب، فإن بعضهم يقول لبعض: يَا أخي، وإن كانا ابني عمين "فقالت: قلت: نعم، فقال:
إن رسول الله ﷺ قال: إنها"؛ أي: الهرة.
"ليست بنجَس إنها"؛ أي: لأنها "من الطَّوَافين عليكم"؛ أي: في منازلكم، ويقع عليها ثِيابكم وأبدانكم، فلو كانت نَجِسَة لأُمرتم بالمجانبة عنها وإخراجها من البيوت.
"أو الطَّوافات"، شك من الراوي، شبَّهها بالمماليك وخَدَمَة البيت الذين يطوفون للخِدْمة، قال تعالى: ﴿طَوَّافُونَ عَلَيْكُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النور: ٥٨]، وألحقها بهم لأنها خادمة أَيضًا حيث تقتلُ المؤذِيات، أو لأن الأجر في مواساتها كالأجر في مواساتهم، وهذا يدل على أن سُؤْرها طاهر، وبه قال الشَّافعيّ، وعند أبي حنيفة مكروه.
* * *
٣٣٥ - وعن عائشة ﵂ قالت: رأيتُ رسولَ الله ﷺ يتوضَّأُ بفَضْلِها.
стр. 343
"وعن عائشة أنها قالت: رأيت رسول الله ﷺ يتوضأ بفضلها"؛ أي: فضلِ الهرة؛ أي: بما بقي في الإناء بعد شربها.
* * *
٣٣٦ - وقال جابر: سُئِلَ رسولُ الله ﷺ : أنتوضَّأُ بما أفْضَلَتِ الحُمُر؟ قال: "نعم، وبما أَفْضَلَتِ السِّباعُ كُلُّها".
"وقال جابر: سُئِلَ رسول الله ﷺ : أنتوضَّأ بما أَفْضَلَتِ الحُمُر؟، جمع حمار؛ أي: أبقت من فُضَالة مشروبها.
"قال: نعم، وبما أفضلتِ السباع كلُّها" و (ما) في كلا الموضعين موصولة، وهذا يدل على أن سُؤْر السباع طاهر، وبه قال الشَّافعيّ إلَّا سُؤْرَ الكلب والخنزير، وعند أبي حنيفة سُؤْرُ كلِّها نَجِس.
* * *
٣٣٧ - وقالت أُمّ هانئ: اغتسلَ هو - تعني: رسولَ الله ﷺ وَمَيْمُونة في قَصْعَةٍ فيها أثرُ العَجين.
"قالت أم هانئ" بالهمزة؛ هي أخت علي بن أبي طالب.
"اغتسلَ رسول الله ﷺ هو وميمونةُ في قَصْعَة فيها أثرُ العجين"؛ وهو الدقيق المعجون بحيث لم يكن أثرُه في تلك القَصْعة كثيرًا مغيرًا للماء، فإنْ كان كثيرًا مغيرًا للماء جازت الطهارةُ به أَيضًا عند أبي حنيفة خلافًا للشافعي.
* * *
стр. 344
٩ - باب تَطْهير النَّجاسات
(باب تطهير النجاسات)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٣٣٨ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا شرِبَ الكلْبُ في إناءَ أحدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعًا".
"من الصحاح":
" عن أبي هريرة أنَّه قال: قال رسول الله ﷺ : إذا شربَ الكلبُ في إناء أحدِكم فليغسِلْه سبعا"، وفيه حجةٌ لمالك حيث يغسله سبعًا من غير تراب.
* * *
٣٣٩ - وقال: "طُهُورُ إناءَ أحدِكُمْ إذا وَلَغَ فيهِ الكلبُ أنْ يغسلَهُ سَبع مَرَّاتٍ أُولاهُنَّ بالتُّرابِ"، رواه أبو هريرة ﵁.
"وعن أبي هريرة أنَّه قال: قال رسول الله ﷺ : طُهور إناء أحدكم"، بضم الطاء، بمعنى التطهير أو الطهارة.
"إذا ولغ فيه الكلب"؛ أي: شرب منه بلسانه.
"أن يغسله سبع مراتٍ أُولاهن بالتراب"؛ أي: معه.
وفي رواية أخرى: "أُخراهن بالتراب"، فيجب استعمال التُّراب في مرة من السبعة أيةَ مرةٍ كانت، وهذا لأن التُّراب طَهور في التيمم، والماء طَهور، فيجب استعمال الظهورين في ولوغ الكلب؛ لكون نجاسته أغلظَ النجاسات، ولو ولغ كلبان أو كلب واحد سبع مرات، فالصحيح أنَّه يكفي للجميع سبعٌ،
стр. 345
وهذا مذهب الشَّافعيّ.
وعند أبي حنيفة: يغسل من ولوغه ثلاثًا بلا تقصير كسائر النجاسات.
* * *
٣٤٠ - وقال أبو هريرة: قامَ أعرابيٌّ، فبالَ في المَسْجد، فتناوَلَهُ النَّاسُ، فقالَ النبيُّ ﷺ : "دَعُوهُ، وأهريقُوا على بَولهِ سَجْلًا - أَوْ ذَنُوبًا - مِنْ ماءٍ، فإنَّما بُعِثتمْ مُيَسِّرينَ، ولم تُبْعَثُوا مُعَسِّرين".
ويُروى: أنَّه دَعاهُ فقال: "إنَّ هذهِ المساجِدَ لا تَصْلُحُ لشيءٍ مِنْ هذا البَوْلِ ولا القَذَرِ، وإنَّما هِيَ لِذِكْرِ الله، والصَّلاةِ، وقراءَةِ القُرآن"، أو كما قالَ رسولُ الله ﷺ .
"وقال أبو هريرة: قام أعرابي فبال في المسجد، فتناولَه"؛ أي: فأخذه الناس" ليضربوه.
"فقال النَّبِيُّ ﵊: دَعُوه"؛ أي: اتركوه فإنَّه معذور؛ لأنه لم يعلم عدمَ جواز البول في المسجد.
"وأَهَريقوا"؛ أي: صبُّوا "على بوله سَجْلًا" بفتح السين: هو الدلو الذي فيه الماء قل أو كثر.
"أو ذَنوبًا" بفتح الذال: هو الدلو الملأى، قيل: (أو) فيه للشك من الراوي، وهو الأظهر، ويحتمل أن يكون للتخيير؛ يعني: خيَّرهم بين أن يُهْرِقوا فيه سَجْلًا غير ملآن، أو ذَنوبًا ملآنَ.
"من ماء"، قيل: (من) زائدة للتأكيد؛ لأن السَّجْل والذَّنْوب لا يكونان إلَّا من الماء.
وقيل: للتبيين؛ لاحتمال أن يكونا من ماء وغيره، وهذا قول مَن يجوِّز
стр. 346
التطهير بغير الماء.
والحديث يدل على أن الأرض إذا أصابها نجاسةٌ مائعة فصُبَّ عليها الماء حتَّى غلبها طَهُرت، وبه قال الشَّافعيّ.
وعند أبي حنيفة: لا تطهير حتَّى يُحفَر ذلك التُّراب، فإن وقع عليها الشَّمس وجفَّت وذهبت أثرُها طَهُرَت عنده من غير حفر ولا صبِّ ماء، وعلى أن غسالة النجاسات طاهرة إذا لم تتغيَّر، وإن لم تكن مُطهَّرة، ولولاه لكان المصبوب على البول أكثرَ تنجيسًا للمسجد من البول نفسه.
"إنما بُعثتم ميسِّرين": مسهِّلين على النَّاس.
"ولم تُبعثوا معسِّرين"، فعليكم بالتيسير أيتُها المِلة.
"ويروى: أنَّه دعاه"؛ أي: النَّبِيّ ﵊ ذلك الأعرابي.
"فقال: إن هذه المساجد لا تصلح"؛ أي: لا تليق "لشيء من هذا البول"، اسم الإشارة فيه للتحقير.
"ولا القذَر"، وهو بفتح الذال المعجمة: ما يتنفَّر منه الطبع كالنجاسات والأشياء المنتنة، فذِكْرُه بعد البول يكون تعميمًا بعد التخصيص.
"إنما هي"؛ أي: المساجد "لذِكْرِ الله والصلاة وقراءة القرآن، أو كما قال رسول الله ﷺ " شك من الراوي أنَّه ﵊ قال هذه الكلمات، أو قال شيئًا آخر مثلَها.
* * *
٣٤١ - قالت أسماءُ بنت أبي بكر: سألتِ امرأةٌ رسولَ الله ﷺ : أرأَيْتَ إحدانا إذا أصابَ ثَوْبَها الدَّمُ مِنَ الحَيْضَةِ؟ فقالَ رسولُ الله ﷺ : "إذا أصابَ ثَوْبَ إحْداكُنَّ الدَّمُ مِنَ الحَيْضَةِ فَلْتَقْرُصْهُ، ثمَّ لتَنْضَحْهُ بماءً، ثمَّ تُصلِّي فيه".
стр. 347
وفي رواية: "حُتِّيه، ثم اقْرُصيهِ، ثم اغسِليهِ بالماء".
وفي روايةٍ: "ثُمَّ رُشِّيهِ بالماءِ، وصلِّي فيه".
"قالت أسماء بنت أبي بكر ﵂: سألت امرأةٌ رسولَ الله ﷺ ، قالت: يَا رسول الله! أرأَيتَ"؛ أي: أخبر.
"إحدانا"؛ أي: عن حال إحدانا بحذف المضاف.
"إذا أصابَ ثوبَها الدمُ من الحِيضة"، - بكسر الحاء؛ أي: الخِرْقَة، وقد يكون اسمًا من الحَيْض ونوعًا منه، ويفرَّق بينهما بالقرائن السابقة، وبالفتح المرة، تريد أنها يصيبها من دم الحيض شيءٌ.
"كيف تصنع؟ فقال رسول الله ﷺ : إذا أصاب ثوبَ إحداكن الدمُ من الحَيْضة فلتقرُصْه": فلتمسحه بيدها مسحًا شديدًا قبل الغُسْل حتَّى تتفتَّت.
"ثم لتنضَحْه"؛ أي: لتغسِلْه "بماءٍ" بأن تصبَّه عليه شيئًا فشيئًا حتَّى يذهبَ أثرُه تحقيقًا لإزالة النجاسة.
"ثم لتصلِّ فيه"؛ أي: في ذلك الثوب، فإنَّه لا بأس بعد هذا؛ لأن إزالة لون الدم متعسِّر، وفيه دليل على تعيُّن الماء في إزالة النجاسة.
"وفي رواية: حُتِّيه"؛ أي: حكيه.
"ثم اقرُصِيه"، والقَرْصُ أبلغُ من الحتِّ؛ لأنه الدلك بأطراف الأصابع والأظفار، مع صبِّ الماء.
"ثم اغسليه بالماء وصلِّي فيه".
* * *
٣٤٢ - عن سُليمان بن يَسار قال: سأَلتُ عائشةَ عن المَنيِّ يُصيبُ الثَّوبَ، فقالت: كنتُ أغسِلُهُ مِنْ ثَوْبِ رسولِ الله ﷺ ، فيخرُجُ إلى الصَّلاةِ وأثَرُ
стр. 348
الغَسْلِ في ثَوْبهِ.
"وعن سليمان بن يَسَار أنَّه قال: قال: سألت عائشة عن المَنيِّ يصيب الثوب، فقالت: كنت أغسِلُه من ثوب رسول الله ﷺ ، فيخرج إلى الصلاة وأثرُ الغَسْل في ثوبه"، وفيه دليل على نجاسة المَنِيِّ، وهو قول أبي حنيفة ومالك.
* * *
٣٤٣ - وعن عَلقمة والأسود، عن عائشة ﵂ قالت: كنتُ أفركُ المنيَّ مِن ثَوْبِ رسولِ الله ﷺ ، ثمَّ يُصَلِّي فيه.
"وعن علقمةَ والأسود، عن عائشة أنها قالت: كنت أفرُكُ المَنِيِّ"؛ أي: أدلكُه وأمسحه "من ثوب رسول الله ﷺ "، حتَّى يذهبَ أثره.
"ثم يصلي فيه"، وفيه دليل على طهارة المَنِيِّ، وهو مذهب الشَّافعيّ وأَحمد، إذ لو كان نجسًا لما طهر الثوب بفرْكِه إذا يبسَ كالعَذِرَة.
وحديث غَسله لا ينافي حديث فَرْكه؛ لأنه للاستحباب والنظافة، كما يُغسل الثوب من النُّخَامة والمُخَاط جمعًا بينهما.
* * *
٣٤٤ - عن أُمِّ قَيْس بنت مِحْصَن ﵂: أنَّها أتت بابن لها غيرٍ لمْ يكُل الطَّعامَ إلى رسولِ الله ﷺ ، فأجْلَسَهُ رسولُ الله ﷺ في حَجْرِه، فبالَ على ثَوْبهِ، فدعا بماءٍ فنضَحَهُ ولم يغسِلْهُ.
"عن أم قيس بنت مِحْصَن: أنها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام إلى رسول الله ﷺ ، فأجلَسه رسول الله ﵊ في حَجْرِه"؛ أي: قدَّامَه.
стр. 349
"فبال" ذلك الابن "على ثوبه" ﵊.
"فدعا بماء"؛ أي: طلبه، "فنضحه"؛ أي: أسألَ الماء على ثوبه حتَّى غلبَ عليه، "ولم يغسِلْه"؛ أي: لم يبالغ في الغَسْل بالرش والدَّلْك لانعدام عفونة بوله.
* * *
٣٤٥ - وعن ابن عبَّاس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا دُبغَ الإِهابُ فقدْ طَهُرَ".
"عن ابن عباس أنَّه قال: قال رسول الله ﷺ : إذا دُبغَ الإهاب" وهو الجلد الغير المدبوغ.
"فقد طَهُرَ"، وهذا بعمومه حُجة على مالك في قوله: جلد الميت لا يطهر بالدباغ.
وعلى الشَّافعيّ في قوله: جِلد الكلب لا يطهر بالدباغ، واستثنى بعمومه الآدميَّ تكريمًا له، والخنزيرَ لنجاسة عينه.
* * *
٣٤٦ - وقال عبد الله بن عبَّاس ﵄ تُصُدِّقَ على مَولاةٍ لمَيْمُونةَ بشاةٍ، فماتَتْ، فَمَرَّ بها رسولَ الله ﷺ فقال: "هَلَاّ أَخَذْتُمْ إهابَهَا فدبَغْتُمُوهُ فانتفَعْتُمْ بهِ؟، فقالوا: إنَّها مَيْتَةٌ، فقال: "إنَّما حَرُمَ أكْلُها".
"وقال عبد الله بن عباس: تُصُدِّقَ"؛ أي: دُفعت صدقة.
"على مولاةٍ"؛ أي: عتيقةٍ.
الميمونة بشاةٍ، فماتت، فمرَّ بها رسول الله ﷺ فقال: هلَاّ"؛ أي: لمَ
стр. 350
لا "أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به، فقالوا: إنها ميتة، فقال: إنما حَرُمَ"؛ أي: من الميتة.
"أَكْلُها" وأما جلدها فيجوزُ دباغتُه، ويطهر بها حتَّى يجوز استعماله في الأشياء الرطبة، والوضوء منه والصلاة معه وعليه.
* * *
٣٤٧ - وقالت سَوْدَة ﵂ زَوجُ النَّبِيّ ﷺ : ماتَتْ لنا شاةٌ، فَدَبَغْنَا مَسْكَها، ثم ما زِلْنَا ننَبذُ فيهِ حتَّى صارَ شَنًّا.
"وقالت سَوْدَة زوج النَّبِيّ ﷺ : ماتت لنا شاة فدبَغْنا مَسْكَها" - بفتح الميم -: أي: جِلدها.
"ثم ما زلنا ننبذ فيه"؛ أي: نتخذ فيه نقيعًا من تمر وغيره ليَحْلُو.
"حتَّى صارت شَنًّا" - بفتح الشين -؛ أي: سِقاء خَلَقًا، يعني: عتيقًا بكثرة الاستعمال، وهو أشدُّ تبريدًا للماء من الجديد، وفيه بيان طهارة الجلد المدبوغ.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٣٤٨ - عن لُبابة بنت الحارِث قالت: كانَ الحُسَيْنُ بن عليٍّ ﵄ في حَجْرِ رسولِ الله ﷺ ، فَبَالَ، فقلتُ: أعْطِنِي إزارَكَ حتَّى أغسِلَهُ، قال: "إنَّما يُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الأنثى، ويُنْضَحُ مِنْ بَوْلِ الذَّكَرِ".
وفي روايةٍ: "يُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الجاريَةِ، ويُرَشُّ مِنْ بَوْلِ الغُلامِ".
"من الحسان":
" عن لُبابةَ بنت الحارث أنها قالت: كان الحسين بن عليّ ﵄ في حَجْر
стр. 351
رسول الله ﷺ ، فبال فقلت: أعطنِي إزاركَ حتَّى أَغسِلَه، قال: إنما يُغسَل"؛ أي: الثوبُ، على وجه المبالغة في الغَسل، وبالدَّلْك مع الإجراء.
"من بول الأنثى، ويُنْضَح"؛ أي: يصَبُّ عليه الماء بحيث يصل الماءُ إلى جميع موارده من غير إجراء.
"من بول الذَّكر".
"وفي رواية: يُغسَل من بول الجارية، ويُرَشُّ من بول الغلام"، بحيث يكون الماءُ أكثرَ منه.
قيل في حَدِّه: ليكن الماء مثلَ البول، وظاهر الحديث يدل على الفرق بين بولهما، وهو أن بوله كالماء رقةً وبياضًا، وبولها أصفر ثخين، وتكثر نجاسته بمخالطة رطوبة فرجها، وهي نَجِسة، ولأن المذكور أقوى مزاجًا من الإناث، والرخاوة غالبةٌ على أمزجتهن، فتكون الفضلات الخارجة منهن أشدَّ احتياجًا إلى الغسل.
وأيضًا مَسَّت الحاجة إلى التَّخفيف في حق الصبيان؛ لأن العادة جرت بحملهم في المجالس دون الجواري.
وفي الحديث: إشارة إلى قول علي بن أبي طالب، وعطاء، والحسن البَصْرِيّ، والشافعي، وأَحمد، وأما مذهب أبي حنيفة وأصحابه أنَّه يُغسل بولهما معًا كسائر النجاسات الغير المرئية.
* * *
٣٤٩ - وقال: "إذا وَطِيءَ بنعْلِهِ أحدُكُم الأَذَى فإنَّ التُّرابَ لهُ طَهُورٌ".
"وعن أبي هريرة أنَّه قال: قال رسول الله ﷺ : إذا وَطِيءَ"؛ أي: ضرب ومسح.
"بنعله أحدُكم الأذى"؛ أي: النجاسة.
стр. 352
"فإن التُّراب له طَهُورًا" فلو مسحه على الأرض فدلكَه بها حتَّى يذهبَ أثرُها جازت الصلاة به.
وبه ذهب الأَوْزَاعِيّ، وأبو ثور، والشافعي في قوله القديم.
وقال في الجديد: لا بد من غَسله بالماء، ويُؤول الحديث بأنه إذا وَطِيء نجاسة يابسة فتثبَّتَ (١) بنعله غبارُها يزول بالمشي على مكان طاهر.
وقال أبو حنيفة: يطهر بالدَّلْك إذا جَفَّت النجاسة عليه؛ بخلاف الرطبة.
* * *
٣٥٠ - وسألتِ امرأةٌ أُمَّ سَلَمَة ﵂ فقالت: إنِّي أُطيلُ ذَيْلي، وأَمشي في القَذرِ، فقالتْ أُمُّ سلمَةَ: قال رسولُ الله ﷺ : "يُطَهِّرُهُ ما بَعْدَهُ".
"وسألت امرأة"، قيل: هي أم ولد إبراهيم بن عبد الرَّحْمَن.
"أم سلمة فقالت: إنِّي أُطيل ذيلي وأمشي في المكان القَذِر"؛ أي: في مكان ذي قذر.
"فقالت أم سَلَمة: قال رسول الله ﷺ : يطهِّرُه"؛ أي: الذيلَ.
"ما بعده"؛ أي: المكان الذي بعد المكان القَذِر بزوال ما تَثَبَّتَّ بالذيل من القذر يابسًا.
فيؤوَّل الحديث بأن السؤال جرى فيما جُرَّ من الثياب على القَذَر اليابس عند تثبُّت شيء منه بها، وإلا فالإجماع انعقد على أن الثوب لا يطهُر بغير الغَسْل إذا أصابته نجاسة.
* * *
стр. 353
٣٥١ - عن المِقْدَامِ بن مَعْدِ يْكَرِب ﵁ قال: نَهى رسولُ الله ﷺ عَنْ لُبْسِ جُلودِ السّباعِ والرُّكوبِ عليها.
"عن المِقدام بن مَعْدِي كرب أنَّه قال: نهى رسول الله ﷺ عن لبس جلود السِّباع والركوبِ عليها"؛ لأنه من دَأْب السلاطين، وسُنَن الجبابرة، وعمل المشركين، وفيه تكبُّر وزينة لا يَليق هذا بالصلحاء، فيكون نهيَ تنزيه، أو لنجاسة ما عليها من الشعر؛ لأن شعرها لا يطْهُر بالدباغ كما هو ظاهرُ مذهب الشَّافعيّ، فالنهي للتحريم.
* * *
٣٥٢ - وعن أبي المَليح عن أَبيه ﵄: أنَّ النبيَّ ﷺ نهى عن جُلُودِ السِّباعِ أنْ تُفْتَرشَ.
"وعن أبي المَليح" بفتح الميم: اسمه عامر.
"عن أَبيه" اسمه أسامة.
"أن النَّبِيّ ﵊ نهى عن جلود السباع أن يُفْتَرشَ"؛ أي: يُبسَط ويجلَسَ عليه لِمَا بيَّنَّا.
* * *
٣٥٣ - ورُوي عن أبي المَليح ﵁: أنَّهُ كَرِهَ ثَمنَ جُلُودِ السِّباعِ.
"وروي عن أبي المَلِيح أنَّه"؛ أي: النَّبِيّ ﵊.
"كرِه ثمنَ جلود السباع"؛ يعني: كُرِه بيعُها وشراؤُها، وذلك قبل الدباغ لنجاستها قبلَه، وأما بعده فيجوز.
* * *
стр. 354
٣٥٤ - وعن عبد الله بن عُكَيْم قال: أتانا كتابُ رسولِ الله ﷺ : "أنْ لا تنتَفِعُوا مِنَ المَيْتَةِ بِإِهابٍ ولا عَصَبٍ".
قيل: هذا فيما لم يُدبغ لِمَا رُوي:
"وعن عبد الله عُكَيم أنَّه قال: أتانا كتاب رسول الله ﷺ أن لا تَنتفِعوا من المَيْتَة بإهاب ولا عَصَب"، فـ (أنْ) هذه مفسِّرة أو مخفَّفة، ذهب بعض أهل الحديث إلى أنَّه ناسخ للأحاديث الواردة في الدباغ، وجمهور العلماء على خلافه؛ لأنه لا يقاوم الأحاديثَ الواردة في هذا الباب صحةً.
ثم إنه لم يَلْقَ النَّبِيّ ﷺ ، والظاهر حكايته حالة.
"قيل: هذا فيما لم يدبغ لِمَا رُوي": * * *
٣٥٥ - عن عائشة ﵂: أنَّ رسولَ الله ﷺ أَمَرَ أنْ يُسْتَمْتَعَ بِجُلُودِ المَيْتَةِ إذا دُبغَتْ.
"عن عائشة: أن رسول الله ﷺ أمرَ أن يُسْتَمتَعَ بجلود الميتة إذا دُبغَت".
* * *
٣٥٦ - وعن مَيْمُونة ﵂ قالت: مرَّ على رسولِ الله ﷺ رِجالٌ يَجُرُّون شاة، قال: "لو أخذْتُمْ إهابَهَا"، قالوا: إنَّها مَيْتَةٌ، فقال: "يُطَهِّرُهُ الماءُ والقَرَظُ"، ويُروى: "دِباغُها طُهُورُها".
"وعن ميمونة أنها قالت: مر على رسول الله ﷺ رجالٌ يجزُون شاةً، فقال: لو أخذتم إهابَها"؛ أي: لو أخذتموها فدبغتموها لكان حَسَنًا، فـ (لو) للشرط بحذف الجواب، وقيل: للتمني، يعني: ليتكم أخذتم إهابها فانتفعتم به.
стр. 355
"قالوا: إنها ميتة، فقال: يُطَهّره الماء والقَرَظ" بفتح القاف والراء: ورق السَّلَم يُدْبَغ به، يعني: يطهّره خلطُ القَرَظ بالماء ودباغة الجلد به.
"ويروى: دِباغُها طُهورها" وهذا يدل على عدم وجوب استعمال الماء بعد الدباغ وفي أثنائه، وهو أحد قولَي الشَّافعيّ.
* * *
١٠ - باب المَسْح على الخُفَّيْنِ
(باب مسح على الحُفَّيْن)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٣٥٧ - سُئِلَ عليُّ بن أبي طالب ﵁ عَن المَسْح على الخُفَّيْنِ، فقال: جَعلَ رسولُ الله ﷺ ثلاثةَ أيامٍ ولَيالِيَهُنَّ للمُسافِر، ويومًا وليلةً للمُقيم.
"من الصحاح":
" سُئل عليّ بن أبي طالب كرم الله وجهه عن المسح على الحُفَّيْن، فقال: جعل رسول الله ﷺ ثلاثةَ أيام ولياليَهنَّ للمسافر، ويومًا وليلة للمقيم"، وهو حجة على مالك، حيث لم يرَ للمقيم مَسْحًا، ولم يقيد للمسافر بمدة.
* * *
٣٥٨ - عن المُغيرة بن شُعبة ﵁: أنَّه غَزا معَ رسولِ الله غَزْوَةَ تبوكَ، قال المُغيرةُ: فتبزَّزَ رسولُ الله ﷺ قِبَلَ الغائطِ، فحمَلْتُ معهُ إداوةً، فلمَّا رَجَعَ أخذتُ أُهريقُ على يَدَيْهِ مِنَ الإداوةِ، فغسلَ يَدَيْهِ ووجْهَهُ، وعليهِ جُبَّةٌ مِنْ صوفٍ، ذهبَ يَحْسِرُ عَنْ ذِراعَيْهِ، فضاقَ كُمُّ الجُبَّةِ، فأخرجَ يَدَيْهِ مِنْ تحتِ