← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17791

شرح المصابيح لابن الملك

ابن الملك

Полный текст (3 421 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

رسول الله ﷺ ، فبال فقلت: أعطنِي إزاركَ حتَّى أَغسِلَه، قال: إنما يُغسَل"؛ أي: الثوبُ، على وجه المبالغة في الغَسل، وبالدَّلْك مع الإجراء. "من بول الأنثى، ويُنْضَح"؛ أي: يصَبُّ عليه الماء بحيث يصل الماءُ إلى جميع موارده من غير إجراء. "من بول الذَّكر". "وفي رواية: يُغسَل من بول الجارية، ويُرَشُّ من بول الغلام"، بحيث يكون الماءُ أكثرَ منه. قيل في حَدِّه: ليكن الماء مثلَ البول، وظاهر الحديث يدل على الفرق بين بولهما، وهو أن بوله كالماء رقةً وبياضًا، وبولها أصفر ثخين، وتكثر نجاسته بمخالطة رطوبة فرجها، وهي نَجِسة، ولأن المذكور أقوى مزاجًا من الإناث، والرخاوة غالبةٌ على أمزجتهن، فتكون الفضلات الخارجة منهن أشدَّ احتياجًا إلى الغسل. وأيضًا مَسَّت الحاجة إلى التَّخفيف في حق الصبيان؛ لأن العادة جرت بحملهم في المجالس دون الجواري. وفي الحديث: إشارة إلى قول علي بن أبي طالب، وعطاء، والحسن البَصْرِيّ، والشافعي، وأَحمد، وأما مذهب أبي حنيفة وأصحابه أنَّه يُغسل بولهما معًا كسائر النجاسات الغير المرئية. * * * ٣٤٩ - وقال: "إذا وَطِيءَ بنعْلِهِ أحدُكُم الأَذَى فإنَّ التُّرابَ لهُ طَهُورٌ". "وعن أبي هريرة أنَّه قال: قال رسول الله ﷺ : إذا وَطِيءَ"؛ أي: ضرب ومسح. "بنعله أحدُكم الأذى"؛ أي: النجاسة.

стр. 352

"فإن التُّراب له طَهُورًا" فلو مسحه على الأرض فدلكَه بها حتَّى يذهبَ أثرُها جازت الصلاة به. وبه ذهب الأَوْزَاعِيّ، وأبو ثور، والشافعي في قوله القديم. وقال في الجديد: لا بد من غَسله بالماء، ويُؤول الحديث بأنه إذا وَطِيء نجاسة يابسة فتثبَّتَ (١) بنعله غبارُها يزول بالمشي على مكان طاهر. وقال أبو حنيفة: يطهر بالدَّلْك إذا جَفَّت النجاسة عليه؛ بخلاف الرطبة. * * * ٣٥٠ - وسألتِ امرأةٌ أُمَّ سَلَمَة ﵂ فقالت: إنِّي أُطيلُ ذَيْلي، وأَمشي في القَذرِ، فقالتْ أُمُّ سلمَةَ: قال رسولُ الله ﷺ : "يُطَهِّرُهُ ما بَعْدَهُ". "وسألت امرأة"، قيل: هي أم ولد إبراهيم بن عبد الرَّحْمَن. "أم سلمة فقالت: إنِّي أُطيل ذيلي وأمشي في المكان القَذِر"؛ أي: في مكان ذي قذر. "فقالت أم سَلَمة: قال رسول الله ﷺ : يطهِّرُه"؛ أي: الذيلَ. "ما بعده"؛ أي: المكان الذي بعد المكان القَذِر بزوال ما تَثَبَّتَّ بالذيل من القذر يابسًا. فيؤوَّل الحديث بأن السؤال جرى فيما جُرَّ من الثياب على القَذَر اليابس عند تثبُّت شيء منه بها، وإلا فالإجماع انعقد على أن الثوب لا يطهُر بغير الغَسْل إذا أصابته نجاسة. * * *

стр. 353

٣٥١ - عن المِقْدَامِ بن مَعْدِ يْكَرِب ﵁ قال: نَهى رسولُ الله ﷺ عَنْ لُبْسِ جُلودِ السّباعِ والرُّكوبِ عليها. "عن المِقدام بن مَعْدِي كرب أنَّه قال: نهى رسول الله ﷺ عن لبس جلود السِّباع والركوبِ عليها"؛ لأنه من دَأْب السلاطين، وسُنَن الجبابرة، وعمل المشركين، وفيه تكبُّر وزينة لا يَليق هذا بالصلحاء، فيكون نهيَ تنزيه، أو لنجاسة ما عليها من الشعر؛ لأن شعرها لا يطْهُر بالدباغ كما هو ظاهرُ مذهب الشَّافعيّ، فالنهي للتحريم. * * * ٣٥٢ - وعن أبي المَليح عن أَبيه ﵄: أنَّ النبيَّ ﷺ نهى عن جُلُودِ السِّباعِ أنْ تُفْتَرشَ. "وعن أبي المَليح" بفتح الميم: اسمه عامر. "عن أَبيه" اسمه أسامة. "أن النَّبِيّ ﵊ نهى عن جلود السباع أن يُفْتَرشَ"؛ أي: يُبسَط ويجلَسَ عليه لِمَا بيَّنَّا. * * * ٣٥٣ - ورُوي عن أبي المَليح ﵁: أنَّهُ كَرِهَ ثَمنَ جُلُودِ السِّباعِ. "وروي عن أبي المَلِيح أنَّه"؛ أي: النَّبِيّ ﵊. "كرِه ثمنَ جلود السباع"؛ يعني: كُرِه بيعُها وشراؤُها، وذلك قبل الدباغ لنجاستها قبلَه، وأما بعده فيجوز. * * *

стр. 354

٣٥٤ - وعن عبد الله بن عُكَيْم قال: أتانا كتابُ رسولِ الله ﷺ : "أنْ لا تنتَفِعُوا مِنَ المَيْتَةِ بِإِهابٍ ولا عَصَبٍ". قيل: هذا فيما لم يُدبغ لِمَا رُوي: "وعن عبد الله عُكَيم أنَّه قال: أتانا كتاب رسول الله ﷺ أن لا تَنتفِعوا من المَيْتَة بإهاب ولا عَصَب"، فـ (أنْ) هذه مفسِّرة أو مخفَّفة، ذهب بعض أهل الحديث إلى أنَّه ناسخ للأحاديث الواردة في الدباغ، وجمهور العلماء على خلافه؛ لأنه لا يقاوم الأحاديثَ الواردة في هذا الباب صحةً. ثم إنه لم يَلْقَ النَّبِيّ ﷺ ، والظاهر حكايته حالة. "قيل: هذا فيما لم يدبغ لِمَا رُوي": * * * ٣٥٥ - عن عائشة ﵂: أنَّ رسولَ الله ﷺ أَمَرَ أنْ يُسْتَمْتَعَ بِجُلُودِ المَيْتَةِ إذا دُبغَتْ. "عن عائشة: أن رسول الله ﷺ أمرَ أن يُسْتَمتَعَ بجلود الميتة إذا دُبغَت". * * * ٣٥٦ - وعن مَيْمُونة ﵂ قالت: مرَّ على رسولِ الله ﷺ رِجالٌ يَجُرُّون شاة، قال: "لو أخذْتُمْ إهابَهَا"، قالوا: إنَّها مَيْتَةٌ، فقال: "يُطَهِّرُهُ الماءُ والقَرَظُ"، ويُروى: "دِباغُها طُهُورُها". "وعن ميمونة أنها قالت: مر على رسول الله ﷺ رجالٌ يجزُون شاةً، فقال: لو أخذتم إهابَها"؛ أي: لو أخذتموها فدبغتموها لكان حَسَنًا، فـ (لو) للشرط بحذف الجواب، وقيل: للتمني، يعني: ليتكم أخذتم إهابها فانتفعتم به.

стр. 355

"قالوا: إنها ميتة، فقال: يُطَهّره الماء والقَرَظ" بفتح القاف والراء: ورق السَّلَم يُدْبَغ به، يعني: يطهّره خلطُ القَرَظ بالماء ودباغة الجلد به. "ويروى: دِباغُها طُهورها" وهذا يدل على عدم وجوب استعمال الماء بعد الدباغ وفي أثنائه، وهو أحد قولَي الشَّافعيّ. * * * ١٠ - باب المَسْح على الخُفَّيْنِ (باب مسح على الحُفَّيْن) مِنَ الصِّحَاحِ: ٣٥٧ - سُئِلَ عليُّ بن أبي طالب ﵁ عَن المَسْح على الخُفَّيْنِ، فقال: جَعلَ رسولُ الله ﷺ ثلاثةَ أيامٍ ولَيالِيَهُنَّ للمُسافِر، ويومًا وليلةً للمُقيم. "من الصحاح": " سُئل عليّ بن أبي طالب كرم الله وجهه عن المسح على الحُفَّيْن، فقال: جعل رسول الله ﷺ ثلاثةَ أيام ولياليَهنَّ للمسافر، ويومًا وليلة للمقيم"، وهو حجة على مالك، حيث لم يرَ للمقيم مَسْحًا، ولم يقيد للمسافر بمدة. * * * ٣٥٨ - عن المُغيرة بن شُعبة ﵁: أنَّه غَزا معَ رسولِ الله غَزْوَةَ تبوكَ، قال المُغيرةُ: فتبزَّزَ رسولُ الله ﷺ قِبَلَ الغائطِ، فحمَلْتُ معهُ إداوةً، فلمَّا رَجَعَ أخذتُ أُهريقُ على يَدَيْهِ مِنَ الإداوةِ، فغسلَ يَدَيْهِ ووجْهَهُ، وعليهِ جُبَّةٌ مِنْ صوفٍ، ذهبَ يَحْسِرُ عَنْ ذِراعَيْهِ، فضاقَ كُمُّ الجُبَّةِ، فأخرجَ يَدَيْهِ مِنْ تحتِ

стр. 356

الجُبَّةِ، وألقى الجُبَّة على مَنْكِبَيْهِ، وغسلَ ذِراعَيْهِ، ثم مسحَ بناصِيتِهِ وعلَى العِمامةِ، ثم أَهويتُ لأنزِعَ خُفَّيْهِ فقال: "دَعْهُمَا، فإنِّي أدْخَلْتُهُما طاهِرتيْنِ"، فمسحَ عليهِما، ثمَّ ركِبَ ورَكبْتُ، فانتهَيْنَا إلى القَوْمِ وقدْ قامُوا إلى الصَّلاةِ يُصلِّي بهم عبدُ الرَّحمنِ بن عَوْفٍ ﵁ وقدْ ركعَ بهم ركعةً، فلما أحسَّ بالنَّبيِّ ﷺ ذهبَ يتأخَّرُ، فأَوْمأ إليهِ، فأدركَ النَّبيُّ ﷺ إحدى الرَّكعتَيْنِ معهُ، فلمَّا سلَّمَ قامَ النَّبيّ ﷺ وقُمْتُ، فَرَكَعْنا الرَّكْعَةَ التي سَبَقَتْنا. "وعن المغيرة بن شعبة أنَّه غزا مع رسول الله ﷺ غرْوة تبوك"، غيرُ منصرف للعلَمية والتأنيث، وإن جُعل اسمَ الموضعِ جاز الصرف. "قال المغيرة: فتبرَّز رسول الله ﷺ قِبَلَ الغائط" بكسر القاف؛ أي: خرج إلى البرَاز للحاجة. "فحملتُ معه إِداوة" بكسر الهمزة؛ أي: رَكْوَة ليتوضأ منها، وكان خروجه ﵊ لقضاء الحاجة. "قبل الفجر"، وفيه دليل على استحباب تحصيل أسباب الصلاة من الوضوء وغيره قبل دخول الوقت. "فلمَّا رجع"؛ أي: من قضاء الحاجة. "أخذت"؛ أي: شرعت "أُهريقُ"؛ أي: أصبُّ الماء "على يديه من الإداوة، فغسلَ يديه"؛ أي: كفَّيه، "ووجهَه"، وفيه دليل على جواز الاستعانة في الطهارة. "وعليه جُبَّةٌ من صوف"، فيه دليل أن لبس الصوف سنة. "ذهب"؛ أي: شرع "يَحْسِر"؛ أي: يكشف كُميه "عن ذراعيه، فضاق كمُّ الجُبَّة"، بحيث ما قَدِرَ أن يُخرج يده إلى المِرفق عن كمِّ الجبة من غاية ضيقه.

стр. 357

"فأخرج يديه من تحت الجُبَّة، وألقى الجُبَّة على منكبيه، وغسَلَ ذراعيه، ثم مسح بناصيته وعلى العِمامة ثم أهويتُ"؛ أي: قصدت من القيام إلى القعود، يعني: انحنيت. "لأنزعَ خُفَّيه فقال: دعهما"؛ أي: اتركهما ولا تنزِعْهما عن رِجلَيَّ. "فإنِّي أدخلتهما"؛ أي: لبستهما حال كون قدميَّ "طاهرتين"؛ يعني: كنت على وضوء كامل حين لبسْتُهما، فيجوز المسح عليهما. "فمسح عليهما، ثم ركب وركبتُ، فانتهينا"؛ أي: وصلْنا "إلى القوم، وقد قاموا إلى الصلاة يصلي بهم عبد الرَّحْمَن بن عوف"؛ أي: كان هو إمامهم. "وقد ركع"؛ أي: صلى "بهم" رَكعةَ. "فلمَّا أحسَّ" عبدُ الرَّحْمَن. "بالنبي ﷺ "؛ أي: علمَ مجيئَه. "ذهب يتأخَّر"؛ أي: عزم على أن يتأخر من موضعه ليتقدم النَّبِيّ ﵊. "فأومأ"؛ أي: أشار ﵊ "إليه" أن يكون على حالة. "فأدرك النَّبِيّ ﵊ إحدى الركعتين معه"؛ يعني: اقتدى به في ركعتهم الباقية، وفيه دليل جواز اقتداء الأفضلٍ بالمفضول إذا عَلِمَ أركان الصلاة. "فلمَّا سَلَّم قام النَّبِيّ ﵊ وقمتُ، فركعنا"؛ أي: صلَّينا "الركعة التي سبقَتْنا"؛ أي: فاتت عنا مع الإِمام. وجاء في رواية أخرى: أنه ﷺ قال لهم بعد الفراغ منها: "أحسنتم، صلُّوا الصلاة لوقتها"، يعني: لا تؤخِّروها بعد دخول الوقت لانتظار الإِمام، وإنما

стр. 358

يُستحب ترك انتظاره إذا عَلِموا أنَّه يجيء بعد مضيِّ زمان كثير، أو لم يعلموا متى يجيء، أما إذا علموا يُستحبُ الانتظار، وإن كان موضع الإِمام قريبًا من المسجد يُستحب إعلامُه وقتَ الصلاة. * * * مِنَ الحِسَان: ٣٥٩ - قال أبو بَكْرة ﵁، عن رسول الله ﷺ : أنَّهُ رخَّص للمُسافرِ ثلاثةَ أيّامٍ وليالِيَهُنَّ، وللمُقيمِ يومًا وليلةً، إذا تطهَّرَ فلبسَ خُفَّيْهِ أنْ يمسحَ عليهِما. "من الحسان": " قال أبو بَكْرة"، اسمه نُفيع بن الحارث. "عن رسول الله ﷺ أنَّه أَرْخَصَ"؛ أي: جَوَّز "للمسافر ثلاثةَ أيام ولياليَهنَّ، وللمقيم يومًا وليلةً إذا تطهَّر فلَبسَ"، الفاء للتعقيب؛ أي: لبس "خُفَّيه" بعد تمام الطهارة. "أن يمسَح عليهما" متعلِّق بأرخص. * * * ٣٦٠ - وقال صَفوان بن عسَّال ﵁: كانَ رسولُ الله ﷺ يأْمُرُنا إذا كُنَّا سَفْرًا أنْ لا ننزِعَ خِفافَنا ثلاثةَ أيامٍ ولَيالِيَهُنَّ إلَّا مِنْ جنابةٍ، ولكنْ مِنْ غائطٍ وبَوْلٍ ونَوْمٍ. "وقال صفوان بن عسَّال المُرَادي: كان رسول الله ﷺ يأمرُنا إذا كنا سَفْرًا" بسكون الفاء؛ بمعنى: مسافرين. "أن لا ننزِعَ خِفَافنا" جمع خف، يعني: أن نمسحَ عليها.

стр. 359

"ثلاثةَ أيام ولياليَهنَّ إلَّا من جَنَابة"، فإنَّه لا يجوز للمغتسل أن يمسحَ على الخُفِّ، بل يجب عليه النزعُ وغَسلُ الرجلين كسائر الأعضاء، ولما كان قوله: (إلَّا من جنابة) مؤذِنًا بإثبات النزع منها استدركه بالأحداث التي لم يُشرع فيها النزع؛ ليعلم اختصاص وجوب النزع بالجَنابة دون غيرها من أسباب الحدث، فقال: "ولكن مِن غائط"، متعلق بمحذوف؛ أي: ولكن لا ينزعها من غائط. "وبولٍ، ونومٍ" بل نتوضأ ونمسَح عليهما. * * * ٣٦١ - عن المُغيرة بن شُعبة ﵁ أنَّه قال: وضَّأْتُ النَّبيَّ ﷺ في غزوةِ تبوك، فمسحَ أعلى الخُفِّ وأسفله. قال الشيخ الإِمام ﵁: هذا مرسلٌ لا يثبت، ورُوي متصلًا. "عن المغيرة بن شعبة أنَّه قال: وَضَّأْتُ النبيَّ ﵊ "؛ أي: سكبتُ ماء الوُضوء على يديه. "في غرْوة تبوك، فمسح أعْلَى الخُفِّ وأسفلَه"، وبهذا قال الشَّافعيّ، ومالك مسح أعلاه واجب، ومسح أسفله سُنة. "وقال الشيخ الإمام ﵀: هذا مرسَل لا يثبُت"؛ أي: لم يثبت إسناده إلى المغيرة، وإنما رُوي مرسَلًا عن مولاه وزاد كاتب المغيرة، وهو تابعي رواه عنه ﵊ وترك ذكر المغيرة. " وروي متصلًا". * * *

стр. 360

٣٦٢ - عن المُغيرة ﵁ قال: رأيتُ النَّبيَّ ﷺ يمسحُ على الخُفَّيْنِ على ظاهرهِما. "عن المغيرة أنَّه قال: رأيتُ النَّبِيّ ﵊ يمسَح على الخُفَّين على ظاهرهما"، وهو مذهب أبي حنيفة. * * * ٣٦٣ - وعن المُغيرة ﵁ قال: توضَّأ النَّبيّ ﷺ ومسحَ على الجَوْرَبَيْنِ والنَّعْلَيْنِ. "وعن المغيرة أنَّه قال: توضَّأ النَّبِيّ ﵊، ومسحَ على الجَوْرَبَين والنعلين"؛ أي: ونعليهما، فيجوز المسح على الجوربين المنعلين بحيث يمكن متابعة المشي عليهما. قال الخطابي: معناه: والنعلين لبسُهما فوق الجوربين، وقد ضَعَّف أبو داود هذا الحديث. * * * ١١ - باب التَّيمُّم (باب التيمم) مِنَ الصِّحَاحِ: ٣٦٤ - عن حُذَيفة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "فُضلْنا على النَّاسِ بثلاثٍ: جُعِلَتْ صُفُوفُنا كصُفُوفِ الملائكَةِ، وجُعِلَتْ لنا الأرضُ كُلُّهَا مسجدًا، وجُعِلَتْ تُرْبَتُها لنا طَهُورًا إذا لمْ نَجدِ الماءَ".

стр. 361

"من الصحاح": " عن حُذيفة أنَّه قال: قال رسول الله ﷺ : فُضلْنا على الناس"، بصيغة المجهول، يعني: فَضَّلَنا الله تعالى على الأمم السابقة. "بثلاث"؛ أي: بثلاث خِصال لم يكن لهم واحدة منها. "جُعِلَت صفوفُنا"، يعني: وقوفنا في الصلاة صفًا صفًا. "كصفوف الملائكة" فإن الأمم الماضية يقِفُون في صلاتهم كيف اتفق من غير الصف. "وجُعِلَت لنا الأرض كلُّها مسجدًا": ولم يَجُزْ لهم أن يصلُّوا إلَّا في كنائسهم وبيَعهم. "وجُعِلَت تربتُها"؛ أي: تراب الأرض. "لنا طَهورًا"؛ أي: مطهِّرًا. "إذا لم نجد الماء" ولم يَجُزْ ذلك للأمم المتقدمة. * * * ٣٦٥ - وقال عِمْران: كُنَّا في سَفَرٍ معَ النَّبيِّ ﷺ ، فصلَّى بالنَّاسِ، فلمَّا انفتلَ إذا هو برَجُلٍ مُعتزلٍ لم يُصَلِّ مع القومِ، فقال: "ما منعَكَ أنْ تصلِّيَ معَ القومِ؟ "، قال: أصابَتْني جنابةٌ ولا ماءَ قال: "عليكَ بالصَّعيدِ فإنَّه يكفيك". "وقال عِمران: كنَّا في سَفَرٍ مع النَّبِيِّ ﵊ فصلى بالنَّاس، فلما انفتلَ"؛ أي: فرغَ من الصلاة. "إذا هو"؛ أي: النَّبِيّ ﷺ "برجل معتزِلٍ" عن القوم؛ أي: خارج من بينهم، واقفٍ في ناحية.

стр. 362

"لم يصلِّ مع القوم، فقال: ما منعك أن تصلي مع القوم؟ قال: أصابتني جَنابة ولا ماء، قال: عليك بالصَّعِيد"، أي: يَلزم عليك التيمُّم بالصعيد، وهو التُّراب عند الشَّافعيّ، ووجهُ الأرض عند أبي حنيفة، سواءٌ كان عليه التُّراب أولا. "فإنَّه يكفيك"؛ أي: يستغنيك عن الوضوء، ويرفع عنك القضاء، سواء كان من الحَدَث أو من الجَنَابة. * * * ٣٦٦ - وقال عمَّار ﵁: كُنَّا في سَرِيَّةٍ فاجْنَبْتُ، فتمعَّكْتُ فصلَّيْتُ، فذكرتُ للنَّبيِّ ﷺ ، فقال: "إنَّما كانَ يكفيكَ هكذا"، فضربَ النَّبيُّ ﷺ بكَفيْهِ الأرضَ ونفخَ فيهما، ثمَّ مسحَ بهما وجهَهُ وكفَّيْهِ. وفي رواية قال: فأتيتُ النَّبي ﷺ ، فقال: "إنما يَكفيكَ أنْ تضربَ بيَدَيْكَ الأرضَ، ثمَّ تنفُخَ، ثمَّ تمسحَ بهما وجهَكَ وكفَّيْكَ". "قال عمار: كنا في سَرِيَّة"؛ أي: جيش. "فأجْنَبْتُ"؛ أي: صرت جُنُبًا. "فتمعَّكْتُ"؛ أي: تمرَّغْتُ في التُّراب، ظانًّا بأن إيصال التُّراب إلى جميع الأعضاء واجب في الجنابة كالماء. "فصلَّيتُ فذكرتُ للنَّبيِّ ﵊ فقال: إنما يكفيك هكذا، فضرب النَّبِيّ ﷺ بكفيه الأرض ونفخ فيهما"، ليقِل الترابُ الذي حصل في كفيه، "ثم مسح بهما وجهه وكفيه" وهذا يدل على أنَّه يكفي ضربةٌ واحدة للوجه والكفين، وبه قال أَحْمد والأوزاعي.

стр. 363

وأما عند مالك والشافعي وأبي حنيفة: لا يجوز إلَّا بضربتين: ضربةٍ للوجه، وضربةٍ لليدين إلى المرفقين، بدليل حديث ابن عمر المار في آخر (باب مخالطة الجنب). "وفي رواية قال" عمار: "فأتيتُ النَّبِيّ ﷺ فقال: إنما يكفيك أن تضرب بيديك الأرض ثم تنفخ، ثم تمسحَ بهما وجهَك وكفَّيك". * * * ٣٦٧ - عن أبي جُهَيْم بن الحارِث بن الصِّمَّة قال: مَرَرْتُ على النَّبيِّ ﷺ وهو يبولُ، فسلَّمْتُ عليه، فلمْ يَرُدَّ عليَّ حتَّى قامَ إلى جِدارٍ، فحتَّهُ بعَصًا كانت معه، ثمَّ وضعَ يده على الجدارِ، فمسحَ وجهَهُ وذِراعَيْهِ، ثمَّ ردَّ عليَّ. "عن أبي الجُهَيم بن الحارث بن الصِّمَّة"، بكسر الصاد وتخفيف الميم. "أنَّه قال: مررتُ على النَّبِيّ - علبه الصلاة والسلام - وهو يبول، فسلَّمتُ عليه فلم يردَّ عليَّ، حتَّى قام إلى جِدار فحَتَّه"؛ أي: خَدَشَه "بعصًا كانت معه"؛ حتَّى يحصلَ منه التُّراب. "فوضع يديه"؛ أي: ضرَبَ بهما "على الجدار، فمسح وجهه وذراعيه، ثم رَدَّ عليَّ" السلامَ، والحديث يدلُّ على استحباب الطهارة لذِكْر الله تعالى؛ لأن السلام من أسماء الله تعالى، وفي تأخيره ﷺ ردَّ الجواب تعليمٌ بأن رَدَّه من الواجبات المطلَقة، وعلى أن التيمُّمَ لا يصح ما لم يَعْلَق باليد غبارُ التُّراب. وبه قال محمَّد؛ لأنه لو كان مجردُ الضرب كافيًا لم يحثَّ ﷺ الجدار بالعصا. * * *

стр. 364

مِنَ الحِسَان: ٣٦٨ - عن أبي ذرٍّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إنَّ الصَّعيدَ الطَّيبَ وَضُوءُ المسلمِ وإنْ لمْ يجدِ الماءَ عَشْرَ سنِينَ، فإذا وجدَ الماءَ فَلْيُمِسَّهُ بَشَرتَهُ، فإنَّ ذلك خَيْرٌ". "من الحسان": " عن أبي ذر أنَّه قال: قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -: إن الصَّعِيد الطَّيب"؛ أي: التُّراب الطاهر. "وَضوء المسلم" بفتح الواو، يعني: بمنزلة ماء الوضوء في صحة الصلاة به. "وإن لم يجد الماء عَشْرَ سنين"، (إن) للوصل، والمراد منه الكثرة لا المدة المقدَّرة. "فإذا وجد الماءَ فليُمِسَّه"، من الإمساس؛ أي: ليمْسَحْ "بَشَرتَه" بالماء وليوصِلْه إليه، يعني: فليتوضَّأْ. "فإنَّ ذلك خيرٌ"، ليس معناه أن كليهما جائز عند وجود الماء، لكن الوضوء خير له، بل المراد منه أن الوضوءَ واجبٌ عند وجود الماء، ونظيرُه قوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا﴾ [الفرقان: ٢٤] مع أنَّه لا خيريةَ ولا أحسنيةَ لمستقَرِّ أصحاب النَّار. * * * ٣٦٩ - وقال جابرٌ: خَرَجْنا في سفَرٍ، فأصابَ رَجُلًا مِنَّا حجَرٌ فشجَّهُ في رأسِهِ، فاحتلَمَ، فسألَ أصحابَهُ: هَلْ تجدُونَ لي رُخصةً في التَّيمُّم؟ قالوا: ما نجدُ لكَ رُخصةً وأنتَ تقدِرُ على الماءِ، فاغتَسَلَ فمات، فلمَّا قدِمْنا على

стр. 365

رسول الله ﷺ أُخْبرَ بذلك، قال: "قتلُوهُ قتلَهُمُ الله، ألا سألُوا إذْ لم يعلَمُوا، فإنَّما شِفاءُ العِيِّ السُّؤالُ، إنَّما كانَ يَكفيهِ أنْ يتيمَّمَ، ويَعصبَ على جُرْحِهِ خِرْقَةً، ثمَّ يمسحَ عليها، ويغسِلَ سائرَ جسَدِهِ". "قال جابر: خرجْنا في سفر فأصاب رجلًا منا حجرٌ فشجَّه"؛ أي: كَسَرَه. "في رأسه"، ذكر الرأسَ لزيادة التأكيد، فإن الشجَّ هو كسر الرأس. "فاحتلَمَ" الرجلُ؛ أي: أصابته جَنابة وخاف أن يقع الماءُ في الجِرَاحة لو اغتسل. "فسأل أصحابَه: هل تجدون لي رُخْصةً في التيمم؟ قالوا: ما نجد لك رُخْصةً وأنت تقدِرُ على الماء"، هذه جملة حالية. "فاغتسَلَ فماتَ، فلمَّا قَدِمْنا على النَّبِيّ ﷺ أُخبر بذلك، قال: قتلوه"؛ أي: أسند القتل إليهم بطريق المغَايَبَة؛ ليكون أدلَّ على الإنكار عليهم. "قتلهم الله"؛ أي: لعنهم. "ألا سألوا إذا لم يعلموا"، عاتبهم ﵊ بالإفتاء بغير علم، وألحقَ بهم الوعيد بأن دعا عليهم؛ لكونهم مقصِّرين في التأمل في النص، وهو قوله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ [المائدة: ٦]. "فإنما شفاء العِيِّ" بكسر العين: هو التحيُّر في الكلام وغيره. "السؤالُ"، فلمْ يسألوا ولم يتعلَّموا ما لا يعلَمون، فإنَّه لا شفاء لداء الجهل إلَّا التعلُّم. "إنما كانَ يَكفيه"؛ أي: الرَّجل المحتلِم. "أن يتيمَّمَ ويَعْصِبَ"؛ أي: يشدَّ "على جُرحه خِرْقةً" حتَّى لا يصلَ إليه الماء.

стр. 366

"ثم يمسحَ عليها"؛ أي: على الخِرْقة بالماء. "وبغسلَ سائر جسده"، وهذا يدل على الجمع بين التيمُّم وغسل سائر البدَن بالماء دون الاكتفاء بأحدهما، كما هو مذهب الشَّافعيّ رحمه الله تعالى. * * * ١٢ - باب الغُسْل المَسْنون (باب الغسل المسنون) مِنَ الصِّحَاحِ: ٣٧١ - عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا جاءَ أحدكُم الجُمعَة فَلْيَغْتَسِل". "من الصحاح": " عن ابن عمر ﵄ أنَّه قال: قال رسول الله ﷺ : إذا جاء أحدكم الجمعة فليغتسِل" هذا أمر سُنة لا وجوب، والحديث يدل على أنَّ غسلَ يوم الجمعة للصلاة فلا يصح قبلَ الصبح. * * * ٣٧٢ - وقال: "غُسْلُ يومِ الجمعةِ واجِبٌ؛ على كُلِّ مُحْتَلِمٍ"، رواه أبو سعيد الخُدري ﵁. "وعن أبي سعيد الخُدرِيّ أنَّه قال: قال رسول الله ﷺ : غسلُ يومِ الجمعة" من باب إضافة المظروف إلى ظرفه، كمَكْرِ الليل.

стр. 367

"واجبٌ على كل مُحتلِمٍ"؛ أي: بالغٍ مدركِ أوأنَ الاحتلام، والمراد بالوجوب هنا التأكيد والمبالغة في الاستحباب، وهذا لأن القومَ كانوا يعملون في المهنة ويلبَسون الصوف، وكان المسجد ضيقًا متقاربَ السقف، فإذا عَرِقُوا تأذَّى بعضهم برائحة بعض، خصوصًا في بلادهم التي في غاية من الحرارة، فندبهم ﵊ إلى الاغتسال بلفظ الوجوب؛ ليكون أدعى إلى الإجابة. * * * ٣٧٣ - وقال: "حقٌّ على كُلِّ مُسلمٍ أنْ يَغْتَسِلَ في كُلِّ سَبعةِ أيَّامٍ يومًا يَغسِلُ فيه رأسَهُ وجَسَدَهُ"، رواه أبو هريرة ﵁. "وعن أبي هريرة أنَّه قال: قال رسول الله ﷺ : حقٌّ"؛ أي: جديرٌ. "على كل مسلم أن يغتسل في كلِّ سبعة أيام يومًا، يغسل فيه رأسه وجسده"، والمراد: غسل يوم الجمعة. * * * مِنَ الحِسَان: ٣٧٤ - عن سَمُرَة بن جُنْدب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ توضَّأَ يومَ الجمعةِ فَبها ونعْمَتْ، ومن اغتسَلَ فالغُسْلُ أفْضَلُ". "من الحسان": " عن سَمُرة بن جُنْدب أنَّه قال: قال رسول الله ﷺ : مَن توضَّأَ يوم الجمعة فبها"، الباء متعلقة بمقدر؛ أي: فبالشريعة، أو بالرخصة أَخذ. "ونعْمَت"؛ أي: نعمت الخصلة هي.

стр. 368

"ومن اغتسل فالغسل أفضل" والحديث صريح بأن غسل يوم الجمعة سنة. * * * ٣٧٥ - وقال: "مَنْ غَسَّلَ مَيتًا فَلْيَغْتَسِلْ، ومَنْ حَمَلَهُ فَلْيَتَوَضَّأ" رواه أبو هريرة. "وعن أبي هريرة أنَّه قال: قال رسول الله ﷺ : من غسل ميتًا فليغتسل"، وهذا الأمر للاستحباب والنَّدْب؛ لإزالة الرائحة الكريهة التي حصلت له منه، لا أمر إيجاب، وعليه الأكثر. وقيل: أمر وجوب؛ لأنه لا يؤمَن أن يصيبَه شيء من رَشَاش المغسول. "ومن حَمَلَه"؛ أي: الميت. "فليتوضَّأ"؛ أي: ليكنْ على الوضوء حالة حَمْلِه؛ ليمكِنَه الصلاة عليه إذا وضعه، ويجوز أن يكون لمجرد العمل؛ لأنه قُربة. وقيل: معناه: ليجدّد الوضوء احتياطًا؛ لأنه ربما خرج منه ريح لشدة دهشته وخوفه من حمل الجنازة وثقل حملها، وهو لا يعلم بذلك. * * * ٣٧٦ - عن عائشة ﵂: أنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ يغتسِلُ مِنْ أربَعٍ: مِنَ الجَنابةِ، ويومَ الجُمعةِ، ومِنَ الحِجامَةِ، وغُسْلِ الميتِ. "وعن عائشة أن النَّبِيّ ﷺ كان يغتسِل من أربع: من الجَنابة ويومَ الجمعة ومن الحِجَامة" اغتساله من الحِجَامة لإماطة الأذى، ولمَا لا يُؤْمَن أن يصيبه من رشاش الدم، فيستحَبَّ النظافة. "ومن غسل الميت" قيل: معناه: أمرَ الاغتسالَ من غسل الميت، فإنَّه - عليه

стр. 369

الصلاة والسلام - ما غسلَ ميتًا قطُّ، وهذا كرواية أنَّه رجم ماعزًا؛ أي: أمر برجمه. * * * ٣٧٧ - عن قَيْس بن عاصم ﵁: أنَّهُ أسلمَ، فأَمَرَهُ النَّبيّ ﷺ أنْ يغتسِلَ بماءً وسِدْرٍ. "وعن قيس بن عاصم أنَّه أسلم فأمره النَّبِيّ ﵊ أن يغتسل بماء وسِدْر"، ذهب الأكثرون إلى استحباب اغتسال مَن أسلم وغسلَ ثيابه إذا لم يكن لزمَه غسل في حال الكفر. والغرض منه: تطهيره من النجاسة المحتملة على أعضائه من الوسَخ والرائحة الكريهة، وإنما أمر النَّبِيّ ﵊ الغُسْلَ بالماء والسِّدْر للمبالغة في التنظيف؛ لأنه يطيب الجسد، واغتسالُه مؤخر على قول كلمتي الشهادة في الأصح. وعند أَحْمد ومالك: يجب عليه الغسل وإن لم يكن جُنُبًا، وأما إذا أسلمَ وقد جامع أو احتلم في الكفر يفترض عليه الغسل، وإن اغتسل فيه عند الشَّافعيّ؛ لأنه لا يحتاج إلى النية، وهي عبادة لا تصح من الكافر، وعند أبي حنيفة يَكفيه اغتساله فيه. * * * ١٣ - باب الحيض (باب الحيض) مِنَ الصِّحَاحِ: ٣٧٨ - قال أنسٌ ﵁: إنَّ اليهودَ كانُوا إذا حاضَتْ المرأةُ منهُمْ لمْ

стр. 370

يُؤاكِلُوها، فسألَ أصحابُ النَّبيِّ ﷺ النَّبِيَّ ﷺ ، فأنزلَ الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ الآية، فقالَ النَّبِيّ ﷺ : "اصنَعُوا كُلَّ شيءٍ إلَّا النِّكاحَ". "من الصحاح": " وقال أنس: إن اليهود كانوا إذا حاضت المرأةُ منهم لم يؤاكِلُوها"؛ يعني: يحتَرِزون عنها في الأكل والشرب. "فسأل أصحابُ النَّبِيّ ﷺ "، عند عدم المؤاكلة حالةَ الحيض كما يفعل اليهود. "فأنزل الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ﴾ "؛ عن حكم زمان الحيض. ﴿قُلْ هُوَ أَذًى﴾ أي: الحيض قذَر، يتأذَّى الأزواج بمجامعتهن في ذلك الوقت. ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ﴾؛ أي: ابعدوا منهن. ﴿فِي الْمَحِيضِ﴾؛ أي: في مكان الحيض، وهو الفرج، يعني: إنَّ الحيض أذى يتأذى به الزوج في المجامعة فقط، دون المؤاكلة والمجالسة والافتراش معها. "الآية، فقال النَّبِيّ ﵊ اصنعوا"؛ أي: افعلوا. "كلَّ شيء" من المؤاكلة والمجالسة والملامسة والمضاجعة، "إلا النكاح"؛ أي: الجِمَاع، إطلاقًا لاسم السبب على المسبب، وهذا يدل على جواز التمتُّع بالحائض سواءٌ كان فوق الإزار أو تحته دون المجامعة. وبه قال أبو يوسف، ومحمَّد بن الحسن، والشافعي في قوله القديم. * * * ٣٧٩ - وقالت عائشة ﵂: كنتُ أغتَسِلُ أنا والنبيُّ ﷺ مِنْ إناءٍ واحدٍ وكِلانا جُنبٌ، وكانَ يأمُرُني فأتَّزِر، فيُباشِرُني وأنا حائضٌ، وكان يُخرِجَ

стр. 371

رأسَهُ إليَّ وهو مُعتكِفٌ فأغسِلُه وأنا حائض. "وقالت عائشة: كنت أغتسلُ أنا والنبي ﵊ من إناء واحدٍ، وكلانا جُنُب، وكان يأمرني فأتَّزِر"، صوابه: بهمزتين ثانيتهما مقلوب ألفًا كما في: آدم، فإن إدغام الهمزة في التاء لا يجوز؛ أي: أعقد الإزار في وسطي. "فيباشِرُني"؛ أي: فيلامِسُني فوق الإزار. "وأنا حائض"، وإنما أمرَها بالاتِّزار اتقاءً عن موضع الأذى، وهذا يدل على جواز الاستمتاع بما فوق الإزار دونَ تحته. وبه قال أبو حنيفة، ومالك، والشافعي في قوله الجديد. "وكان يُخرج رأسَه إليَّ وهو معتكِفٌ" في المسجد، بأنْ كان باب الحُجْرة مفتوحًا إلى المسجد، فيُخْرج رأسَه منه إلى الحُجْرة وهي فيها. "فأغسِلُه وأنا حائض"، وهذا يدل على أن المعتكِف إذا أخرج بعض أعضائه من المسجد لم يَبطُل اعتكافُه. * * * ٣٨٠ - وقالت: كنتُ أشربُ وأنا حائضٌ، ثمَّ أُناوِلُهُ النَّبيَّ ﷺ ، فيضَعُ فاهُ على مَوضعِ فِيَّ، فيشرَبُ، وأتعَرَّقُ العَرْقَ وأنا حائضٌ، ثم أُناوِلُهُ النبيَّ ﷺ فَيَضَعُ فَاهُ على موضعِ فِيَّ. "وقالت: كنت أشربُ وأنا حائضٌ ثم أناوله"؛ أي: أعطي الإناءَ يدَ "النبيِّ ﵊ فيضع فاه"؛ أي: فمَه. "على موضعِ فيَّ" بتشديد الياء؛ أي: فمي.

стр. 372

"فيشرب، وأتعَرَّقُ العَرْقَ" بفتح العين وسكون الراء؛ أي: أَفْصِلُ اللَّحم بفمي مِن العَرْق، وهو العَظْم الذي عليه اللَّحْم، من قولك: عَرقْتُ العظمَ أَعْرُقه - بالضم - إذا أكلتَ معظم اللحم الذي عليه. "وأنا حائض، ثم أناوله النَّبِيّ ﵊، فيضعُ فاه على موضع فِيَّ"، وهذا يدل على جواز مؤاكلة الحائض ومجالستها، وعلى أنَّ أعضاءَه من اليد والفم وغيرهما ليست بنجسة. * * * ٣٨١ - وقالت: كانَ النبيُّ ﷺ يتَّكِيءُ في حَجْري وأنا حائضٌ، ثمَّ يقرأُ القُرآنَ. "وقالت عائشة: كان النَّبِيّ ﵊ يتَّكِيءُ في حَجْرِي وأنا حائض، ثم يقرأ القرآن". * * * ٣٨٢ - وقالت: قالَ لي النَّبيُّ ﷺ : "ناوِلِيني الخُمْرَةَ مِنَ المسجِدِ"، فقلت: إنِّي حائضٌ! فقال: "إنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ في يدِكِ". "وقالت: قال لي النَّبِيّ ﵊: ناوليني"؛ أي: أعطيني. "الخُمْرَة"، وهي - بالضم - سجادةٌ صغيرة تُعمَل من سَعَف النخل، وتُرمَل بالخيوط. "من المسجد"، حالٌ من النبي ﷺ ، فتكون الخُمْرة في الحجرة والنبي ﵊ في المسجد.

стр. 373

وقيل: حال من الخمرة، فيكون الأمر على العكس. "فقلت: إنِّي حائض فقال: إن حَيضتك"، بفتح الحاء: هي الدفعة من الدم. "ليست في يدك"؛ يعني: ليست يدك نجسةً؛ لأنها لا حيض فيها. وروي بكسر الحاء، وهي الحالة التي تلزَم الحائض، معناه: أن حالتك ومجيء حيضتِك ليست بقدرتك واختيارك. * * * ٣٨٣ - وقالت ميمونة ﵂: كانَ النَّبِيُّ ﷺ يصلي في مِرْطٍ، بعضُهُ عليَّ وبعضُهُ عليهِ، وأنا حائضٌ. "وقالت ميمونة: كان رسول الله ﷺ يصلِّي في مِرْطٍ", وهو شِبْه ملحفة كساء من صوف أو خَزِّ أو غيره، تأتزر به المرأة، وربما ألقته على رأسها ويتلفَّعُ به. "بعضُه عليَّ وبعضُه عليه"؛ يعني: بعض المِرْط ألقاه على كتفه يصلِّي، وبعضُه عليَّ. "وأنا حائض" ملتفَّةٌ به، وهذا يدل على أن أعضاء الحائض سوى الفرج طاهرةٌ، وإلا فالصلاة في مِرْط واحد بعضُه ملقَى على النجاسة، وبعضُه متصلٌ بالمصلي غيرُ جائز. مِنَ الحِسَان: * * * ٣٨٤ - قال أبو هُريرة ﵁، عن النَّبِيّ ﷺ قال: "مَنْ أَتى حائضًا أو امرأةً

стр. 374

في دُبُرِها، أو كاهِنًا فقدْ كفَر بما أُنزِلَ على مُحَمَّدٍ"، ضعيف. "من الحسان": " قال أبو هريرة عن النَّبِيّ ﵊ أنَّه قال: مَن أتى حائضًا"؛ أي: جامعَها، يشمل المنكوحةَ والأَمَة وغيرهما، وكذلك قوله: "أو امرأةً في دُبُرها، أو كاهنًا"؛ أي: أتى كاهنًا، وهو الذي يُخبر عن الكوائن في المستقبَل، ويدَّعي معرفةَ الأسرار. "فقد كفر بما أُنزِلَ على محمَّد"، ويؤوَّل الحديث بالمستَحِلِّ والمُصَدِّق؛ لأن تحليل الحرام كفرٌ، وإلا يكون فاسقًا، فمعنى الكفر حينئذٍ كفرانُ نِعمة الله، أو إطلاق اسم الكفر عليه لكونه من خصال الكفار الذين عادتُهم عصيان الله تعالى. "ضعيف". * * * ٣٨٦ - عن معاذ بن جبل ﵁ قال: سأَلتُ رسولَ الله ﷺ عمَّا يَحِلُّ للرجلِ مِنْ امرأتِهِ وهي حائضٌ؟ قال: "ما فَوْقَ الإِزار، والتَّعفُّفُ عن ذلكَ أفضل" إسناده ليس بقوي. "وعن معاذ بن جبل أنَّه قال: سألت رسول الله ﷺ عما يحِلُّ للرجل من امرأته وهي حائض، قال: ما فوق الإزار والتعفّف"؛ أي: الاحتراز "عن ذلك"؛ أي: عما فوق الإزار. "أفضل، إسنادُه ليس بقوي"، وحكمُه أَيضًا ضعيفٌ لمَا مرَّ أنَّه ﵊ أمرَ عائشة بالاتزار، ويباشِرُها فوق الإزار، ولو كان التعفُّف عما فوق الإزار أفضلَ لتعفَّفَ ﵊ عن ذلك. * * *

стр. 375

٣٨٥ - عن ابن عبَّاس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا وقَعَ الرجلُ بأهلِهِ وهي حائضٌ فلْيَتَصَدَّقْ بنصْفِ دِينارٍ". ويُروى: "إذا كانَ دَمًا أحمرَ فدِيْنارٌ، وإذا كانَ أصفَرَ فنِصْفُ دينارٍ". "عن ابن عباس عن النَّبِيّ ﵊ أنَّه قال: إذا وقعَ الرجلُ"؛ أي: جامعَ "بأهله وهي حائضٌ فليتصدق بنصفِ دينار"، وإنما أمره ﵊ بالتصدُّق بطريق الاستحباب، وعليه الاستغفار. وبه ذهب مالك، والشافعي في قوله الجديد الأصح، وأبو حنيفة، وذهب أَحْمد بن حنبل والقول القديم للشافعي إلى أنَّه بطريق وجوب الكَفارة المذكورة. "ويُروى: إذا كان دمًا أحمرَ فدينارٌ"، وهذا لأن أقلَّ المقادير المتعلقة بالفروج عشرة دراهم، وهو دينار. "وإنْ أصفرَ فنصف دينار"؛ لأن الصفرة متردِّدة بين الحمرة والبياض، فبالنظر إلى الثاني لا يجب بشيء، وبالنظر إلى الأول يجب الكل فينصف. * * * ١٤ - باب المستحاضة (باب المستحاضة) مِنَ الصِّحَاحِ: ٣٨٧ - قالت عائشة ﵂: جاءتْ فاطمةُ بنتُ أبي حُبَيْشٍ ﵂ إلى النبيِّ ﷺ فقالت: يَا رسولَ الله! إنِّي امرأةٌ أُسْتَحاضُ فلا أَطْهُرُ، أَفأدعُ الصَّلاةَ؟ فقال: "لا، إنَّما ذلك عِرْقٌ وليسَ بحَيْضٍ، فإذا أقبَلَتْ حَيْضَتُكِ فدَعي الصَّلاةَ، وإذا أدبَرَتْ فاغسِلي عنكِ الدَّمَ ثمَّ صَلِّي".

стр. 376

"من الصحاح": " قالت عائشة ﵂: جاءت فاطمةُ بنت أبي حُبَيْش إلى النَّبِيّ ﵊ فقالت: يَا رسول الله! إنِّي امرأة أُسْتَحاض"، بصيغة المجهول، يقال: استحيضت المرأةُ فهي مستحاضةٌ: إذا استمرَّ بها الدم بعد أيامها. "فلا أَطْهُر، أفأدع الصلاة؟ "، بهمزة الاستفهام؛ أي: أفأتركُها. "فقال: لا"؛ أي: لا تدَعيها. "إنما ذلك"؛ أي: الذي تشتكينه. "عِرْقٌ" قد انشق، وانفجرَ منه الدم، "وليس بحيض"، فإنَّ دم الحيض دمٌ تميزه القوة المولَّدة بإذن خالقها لأجل الجنين، وتدفعُه إلى الرَّحِم في مجاريه المعتادة ويجتمع فيه، ولذا سُمي حيضًا من قولهم: استحوض الماء: إذا اجتمع، فإذا كثر وامتلأ ولم يكن فيه جنين، أو كان أكثرَ مما يحتمله انصبَّ منه. "فإذا أقبلتْ حِيضَتُك" بالكسر، قيل: اسم للحيض بأن كانت المرأة معتادة؛ أي: إذا كان أيام حيضتك. "فدَعِي الصلاة، وإذا أدبرت"؛ أي: تولت حيضتُك، وجاوزَ دمك أيامَ عادتك. "فاغسلي عنك الدم"؛ أي: دمَ الاستحاضة، واغتسلي مرة واحدة. "ثم صلِّي"، قال الشَّافعيّ: تغسِلُ فرجَها لكل صلاة مفروضة. وعند أبي حنيفة: لوقت كل صلاة، وتشدُّه بعِصابة، وتتوضأ، وتستعجل في أدائها، وهي معذورة في جريان الدم فيها. * * *

стр. 377

مِنَ الحِسَان: ٣٨٨ - عن عُرْوةَ بن الزُّبَيْر ﵄ قال: قال النبيُّ ﷺ لفاطمة بنت أبي حُبَيْشٍ ﵂: "إذا كَانَ دمُ الحَيْضِ فإنَّه دَمٌ أسْوَدُ يُعْرَفُ، فإذا كانَ ذلكَ فأمْسِكي عَنِ الصَّلاةِ، فإذا كانَ الآخَرُ فتَوَضَّئي وصَلِّي، فإنَّما هو عِرْقٌ". "من الحسان": " عن عروة بن الزُّبير أنَّه قال: قال رسول الله ﷺ لفاطمة بنت أبي حُبَيش: إذا كان دمُ الحَيْض"، (كان) هذه تامة. "فإنَّه دمٌ أسودُ"، وذلك باعتبار الأغلب، وإلا فقد يكون أحمر وغيره. "يُعرَف"؛ أي: يعرفه النساء، فإن المستحاضة إذا كانت ذاتَ تمييز، بأن ترى في بعض الأيام دمًا أسود، وفي بعضها دمًا أحمرًا أو أصفر، فالدم الأسود حَيضٌ بشرط ألَاّ ينقص من يوم وليلة، ولا يزيدَ على خمسة عشر يومًا. "فإذا كان ذلك فأمسكي عن الصلاة"؛ أي: اتركيها. "وإذا كان الآخر"؟ بأن كان دمًا أحمرَ أو أصفرَ فدمُ استحاضة، بشرطِ ألَاّ ينقض الدم الأحمر أو الأصفر الواقعُ بين أسودين عن خمسةَ عشر يومًا، فإذا كان كذلك "فتوضَّئِي وصَلِّي، فإنما هو عِرْقٌ" منشقٌّ، فإذا زال شرطٌ من هذه الشروط فليست بمميزة، فإذا كانت كذلك، أو فقدت شرطَ تميزها فليس لها عادة، أو كان فنسيتها تجعل حيضها في أول كل شهر يومًا وليلة في قول، وستة أو سبعة في قول، ثم تؤمَر بالوضوء والصلاة إلى آخر الشهر. * * * ٣٨٩ - عن أُمِّ سَلَمَةَ ﵂: أنَّ امرأةٌ كانت تُهراقُ الدَّمَ على عهدِ رسولِ الله ﷺ ، فاسْتَفْتَتْ لها أُمُّ سَلَمَةَ ﵂ النبيَّ ﷺ ، فقال: "لِتَنْظُرَ

стр. 378

عددَ اللَّيالي والأيَّامِ التي كانتْ تَحيضُهُنَّ مِنَ الشَّهْر قَبْلَ أنْ يُصيبَها الذي أصابَها، فلتُترُك الصَّلاةَ قَدْرَ ذلكَ مِنَ الشَّهْرِ، فإذا خلَّفَتْ ذلكَ فَلْتَغْتَسِلْ، ثُمَّ لِتَسْتَثْفِرْ بثَوْبٍ، ثمَّ لِتُصلِّي". "عن أم سلَمة أن امرأة كانت تُهراقُ" علي بناء المجهول؛ أي: تُهرَاقُ هي. "الدَّمَ" بالنصب على التشبيه بالمفعول؛ أي: صيرت ذات هراقة الدَّم، أو على التمييز، وإن كان معرفة بزيادة اللام، ويجوز الرفع على تقدير تهراق دماؤُها؛ أي: ينصَبُّ، واللام بدل من الإضافة، يعني: صارت مستحاضة. "على عهد رسول الله ﷺ " وكانت معتادة. "فاستفتَتْ لها"؛ أي: سألت لهذه المرأة. "أم سَلَمة النبيَّ ﵊ فقال: لتنظُرْ عددَ الليالي والأيام التي كانت تحيضُهنَّ" مِن باب إجراء المفعول فيه مُجرى المفعول به؛ أي: تحيضُ فيهنَّ. "من الشهر قبلَ أن يُصيبَها الذي أصابها"؛ أي: قبل إصابة الاستحاضة. "فلتترُك الصلاة قدرَ ذلك"؛ أي: قَدْرَ عادة حَيْضها "من الشهر، فإذا خَلَّفَتْ ذلك"؛ أي: جاوزت ذلك القَدْر ودخلت في أيام الاستحاضة "فلتغتسِل، ثم لتَسْتَثْفِر"؛ أي: لتشُدَّ فَرْجَها "بثوبٍ" وكيفيتُه: أن تشدَّ المرأة ثوبًا بين رِجْلَيها بحيث يكون دُبُرها وفرجُها مشدودًا مِن خلف، ويكون أحد طرفي ذلك الثوب مشدودًا من خلف دُبُرها إلى وسَطِها، والطرف الآخر من قُبُلها إلى وسطها منه مشدودًا أيضًا.

стр. 379

"ثم لتصلِّ"، وفيه دليل: أن المستحاضة يجب عليها أن تَسْتَثْفِرَ، وأن تعالجَ نفسها بما يسدُّ المَسْلَك. * * * ٣٩٠ - ويُروى عن عَديّ بن ثابتٍ، عن أَبيه، عن جَدّه، عن النَّبِيّ ﷺ أنَّه قال في المُستَحاضة: "تَدع الصَّلاةَ أيَّامَ أَقرائها التي كانتْ تَحيضُ فيها، ثمَّ تغتسِلُ وتتوضَّأُ عندَ كلّ صلاةٍ، وتصومُ وتُصلِّي". "ويُرْوَى عن عدي بن ثابت، عن أَبيه، عن جده ﵁، عن النَّبِيّ ﵊ أنَّه قال في المستحاضة: تدع الصلاة"؛ أي: تتركُها. "أيامَ أَقْرائِها"، جمع قُرْء، وهو مشترك بين الحَيْض والطُّهْر، والمراد به هنا الحيض بقرينة وصفِها بقوله: "التي كانت تَحيض فيها، ثم تغتسلُ وتتوضَّأ عند كل صلاة، وتصوم وتصلي". * * * ٣٩١ - وقالت حَمْنَة بنت جَحْش: كنت أُستَحاضُ حَيْضةً كثيرةً شديدةً، فجئتُ إلى النبيِّ ﷺ أسْتَفْتيه، فقال: "إنِّي أنْعَتُ لكِ الكُرْسُفَ، فإنَّه يُذْهِبُ الدَّمَ"، فقلتُ: هو أكثرُ مِنْ ذلكَ، قال: "تَلَجَّمي"، قلتُ: هو أكثرُ من ذلك، إنما أثُجُّ ثَجًّا، قال: "إنَّما هيَ رَكْضَةٌ مِنْ رَكضاتِ الشَّيطانِ، فتحَيَّضي سِتةَ في أيَّام أو سَبْعَةَ أيَّام في عِلْم الله، ثمَّ اغْتَسِلي، فَصَلّي أرْبَعًا وعشرينَ ليلةً وأيامَها، أو ثلاثًا وعشرينَ ليلة وأيامَها، وصُومي، وكذلك افعَلي في كلِّ شَهْرٍ كما تحيضُ النساء وكما يَطْهرْنَ، ميقاتَ حَيْضهِنَّ وطُهْرِهِنَّ".

стр. 380

وفي روايةٍ: "وإنْ قَوِيتِ على أنْ تُؤخِّري الظُّهْرَ وتُعَجِّلي العَصْرَ فتَغْتَسِلينَ وتجمعينَ بينَ الصَّلاتينِ، وتُؤخِّرينَ المغْرِبَ وتُعجِّلينَ العِشاءَ، ثم تَغْتَسِلينَ وتجمعينَ بينَ الصَّلاتينِ فافعلي، وصُومي إنْ قَدَرْتِ على ذلك"، قال رسولُ الله ﷺ : "وهذا أَعجَبُ الأَمرَيْنِ إليَّ". "وقالت حَمْنَة بنت جَحْش: كنت أُسْتحاضُ حيضةً كثيرةً شديدةً"؛ يعني: يجري دمي أشدَّ جريًا من دمِ الحيض، والكثرةُ من حيث الوقتُ والدم. "فجئت إلى النَّبِيّ ﵊ أستفتيه"؛ أي: أسأله عن حكمها. "فقال: إنِّي أَنْعَتُ"؛ أي: أصِفُ "لك الكُرْسُفَ"، وهو القطن، لتعالجَ به مقطرَ الدم. "فإنَّه يُذْهِبُ الدم"؛ يعني: استعمليه لعلَّ دمك ينقطع، إنما أمرَها ﵊ باستعمال الكُرْسُف؛ لأنه ظنَّ أن دمها ليس بشديد الجريان. "فقلت: هو أكثرُ من ذلك"؛ أي: من أن ينقطعَ بالكُرْسُف. "قال: تَلَجَّمِي"؛ أي: شُدِّي خِرقةً على هيئة اللّجام كالاستثفار. "فقلت: هو أكثرُ من ذلك، إنما أثجُّ ثَجًّا"؛ أي: أصبُّ الدمَ صبًا. "قال: إنما هي"؛ أي: هذه الحالة، أو هذه العِلَّة "ركضَةٌ"؛ أي: مرة من الرَّكْض، وهو ضربُ الأرض بالرجل حال العدو. "من ركضات الشيطان"؛ يعني: هذه الحالة مما وجدَ الشيطان إليك سبيلَه، ومراده بأن يحيرَك في أمر دينك من الصلاة والصوم وغير ذلك، ويأمرك بتركهما. وإنما أضاف إلى الشيطان؛ لأنه قد وجدَ بذلك طريقًا إلى التَّلْبيس عليها

стр. 381

في أمر دينها وقتَ طُهْرها وصلاتها وصومها حتَّى أنساها ذلك، فصار كأنها ركضةٌ نالتها من رَكَضاته. "فتحيَّضي"؛ أي: اقعدي أيام حَيْضَتك عن الصلاة فيها، واجعلي نفسك حائضًا. "ستةَ أيام أوسبعةَ أيام"، قيل: شكٌّ من الراوي، وقيل: للتخيير، وقيل: على معنى اعتبار حالها بحال مَن هي مثلُها ومثل سِنِّها من نساء أهل بيتها، فإنْ كانت عادةُ مثلِها ستًا فسِتًّا، وإن كانت سبعًا فسبعًا. وقيل: كانت معتادةً نسيت أن عادتها ستًا كانت أو سبعًا، فأمرها ﵊ أن تتحرى وتجتهد وتبني على ما تيقَّنت من أحد العددين بدليل قوله: "في علم الله"؛ أي: فيما علم الله تعالى من أمرك. "ثم اغتسلي فصلِّي أربعًا وعشرين ليلةً وأيامها" إن كانت مدة الحيض ستةً. "أو ثلاثًا وعشرين ليلة وأيامها" إن كانت سبعة. "وصومي، وكذلك افعلي في كل شهر كما تحيضُ النساء وكما يطْهُرْن"؛ يعني: اجعلي حيضتَك بقدْر ما يكون عادة النساء من ست أو سبع، وكذلك طهرك بقدر ما يكون عادة النساء من ثلاث وعشرين، أو أربع وعشرين. "ميقات حيضهن وطهرهن"، نصب على الظرف، يعني: إن كان وقتُ حيضهن في أول الشهر فليكنْ حيضكِ في أول الشهر، وإن كان في وسطه أو آخره فليكن حيضك في ذلك الوقت. "وفي رواية: وإن قدرتِ على أن تؤخِّري الظهر وتُعجِّلي العصرَ فتغتسلين وتجمعين بين الصلاتين" بغسل واحد.

стр. 382

"فافعلي، وصُومي إن قدرتِ على ذلك"، رَخَّصَ ﵊ لها في الجمع بين الصلاتين، لمَّا رأى أن الأمر قد طال بها، وقد جَهَدَها الاغتسالُ لكل صلاة كالمسافر، رُخِّص له في الجمع بين الصلاتين لما يلحقه من مشقة السفر. "قال رسول الله ﷺ : وهذا"؛ أي: أمر الاستحاضة. "أعجَبُ الأمرين إلى"، وهما السفر والاستحاضة. * * *

стр. 383

٤ - كِتابُ الصَّلَاةِ

стр. 384

٤ - كتاب الصلاة (كتاب الصلاة) اشتقاقها من الصِّلى وهو دخول النَّار، والخشبة إذا تعوَّجت عُرضت على النَّار فتقوَّم، وفي العبد اعوجاج لوجود نفسه الأمَّارة بالسوء، والمصلِّي يصيبه من وهج السطوة الإلهية والعظمة الربانية ما يزول به اعوجاجُه، فهو كالمصطلِي بالنار، ومن اصطلى بنار الصلاة وزال بها اعوجاجه لا يُعرض على النَّار ثانية إلَّا تَحِلَّةَ القسم. مِنَ الصِّحَاحِ: ٣٩٢ - عن أبي هريرة ﵁ منه قال: قال رسول الله ﷺ : "الصَّلواتُ الخَمْسُ، والجُمعةُ إلى الجُمعةِ، ورمضانُ إلى رمضانَ، مُكَفِّراتٌ لمَا بينهُنَّ إذا اجْتَنَبَ الكبائرَ". "من الصحاح": " عن أبي هريرة أنَّه قال: قال رسول الله ﷺ : الصلواتُ الخمس، والجمعةُ إلى الجمعة، ورمضانُ إلى رمضان مكفِّرات لما بينهن"، روي: بالإضافة وغيرها؛ أي: الصلوات الخمس مكفِّرةٌ في حق مَن يحافظ عليها، وفي حق الجمعة، والجمعة في حق مَن لم يحافظ عليها، ورمضان في حق من لم

стр. 385

يحافظ عليهما؛ لئلا يردَ أن الخمس إذا كفرت فماذا يكفر الجمعة، أو رمضان بالنسبة إليهما، أو معناه: أن المجموع مكفِّرات لذنوبه الصغائر. "إذا اجتُنبت الكبائر"، على صيغة الماضي المجهول، يعني: إذا اجتنب المصلي والصائم عن الكبائر حتَّى لو أتاها لا يغفر شيءٌ مما بينهن. قال الله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١]، وإنما قال: (إذا) دون (إن)؛ لأن الغالب من المسلم الاجتناب عن الكبائر. * * * ٣٩٣ - وقال: "أرأيتُمْ لو أنَّ نهرًا ببابِ أحدِكُمْ يَغتسِلُ فيهِ كُلَّ يومٍ خَمْسًا، هل يَبقى مِنْ دَرَنه شيءٌ"، قالوا: لا، قال: "فذلكَ مَثَلُ الصَّلواتِ الخَمْسِ يمحُو الله بهِنَّ الخَطايا"، رواه أبو هريرة ﵁. "وعنه عن النَّبِيّ ﵊ أنَّه قال: أَرَأَيْتُم"؛ أي: أخبروني. "لو أنَّ نهرًا بباب أحدِكم يغتسلُ فيه كل يوم خمسًا هل يبقى من درنه"؛ أي: وسخه، (من) فيه زائدة. "شيء؟ قالوا: لا"؛ أي: لا يبقى شيء. "قال: فذلك"؛ أي: النهر المذكور. "مَثَلُ الصلواتِ الخمس يمحو الله بهن الخطايا"؛ جمع خطيئة وهي الذنب؛ أي: يزيل ويغفر ببركة صلوات الخمس الذُّنوبَ الصغائر. * * *

стр. 386

٣٩٤ - عن ابن مَسْعود ﵁: أنَّ رَجُلَا أَصابَ مِنْ امرأةٍ قُبْلةً، فأتى النَّبيَّ ﷺ فأخبَرَهُ، فأنزلَ الله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾، فقالَ الرَّجُلُ: يَا رسولَ الله! ألي هذا خاصةً؟ قال: "لجميعِ أُمَّتي كلِّهم". وفي روايةٍ: "لَمِنْ عملَ بها مِنْ أُمَّتي". "وعن ابن مسعود: أن رجلًا أصاب من امرأة"، حال من قوله: "قُبْلَة"، قيل: ذلك الرَّجل أبو اليَسَر كعب بن عمرو (١) الأَنْصَارِيّ، صحابي مشهور كان يبيع التمر، فاتته امرأة فأعجبته، فقال لها: إن في البيت أجودَ من هذا التمر، فذهب بها إلى بيته فضمَّها إلى نفسه وقبَّلَها، فقالت: اتقِ الله، فندم. "فأتى النبيَّ ﵊ فأخبره"، فقال النَّبِيّ ﵊: أنتظر أمر ربي، فصلى العصر معه. "فأنزل الله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾، قال مقاتل: صلاة الفجر والظهر طرف، وصلاة العصر والمغرب طرف، وقيل أحد طرفيه صلاة الصبح والطرف الآخر صلاة الظهر والعصر؛ لأن ما بعد الزوال من العشي. ﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾، جمع زُلْفة، وهي قطعة من الليل، والمراد صلاة العشاء، يعني: مَن صلى هذه الصلوات الخمس يُغفَر صغائر ذنوبه. " ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]، فقال الرجل: يَا رسول الله! أي هذا؟ "؛ أي: هذه الآية مختصة بي أم لجميع المسلمين؟. "قال: لجميع أمتي كلِّهم".

стр. 387

"وفي رواية: لمن عمل بها من أمتي". * * * ٣٩٥ - عن أنس ﵁ قال: جاء رجلٌ إلى النَّبِيّ ﷺ فقال: يَا رسولَ الله! إنِّي أصَبْتُ حدًّا فأقِمْهُ عليَّ، ولم يسألهُ عنه، وحضَرَتِ الصَّلاةُ، فصلَّى مَعَ رسول الله ﷺ ، فلمَّا قضى النَّبيّ ﷺ الصَّلاةَ قامَ الرجُلُ، فقال: يَا رسولَ الله! إنِّي أصَبْتُ حدًّا فأقِم فيَّ كتابَ الله، قال: "أليسَ قَدْ صلَّيْتَ معنا؟ "، قال: نعم، قال: "فإنَّ الله قَدْ كَفرَ لكَ ذنبَكَ أو حدَّكَ". "عن أنس أنَّه قال: -: جاء رجل فقال: يَا رسول الله! إنِّي أصبتُ حَدًّا". من باب إطلاق اسم المسبب على السبب؛ أي: فعلت شيئًا يوجِب. الحدَّ. "فأقمه عليَّ"، قال أنس: "ولم يسأله"؛ أي: النَّبِيّ ﵊ ذلك الرَّجل "عنه"؛ أي: ذلك الذنب، قيل: لأنه ﵊ عرف ذنبه، وغفرانه بطريق الوحي. "وحضرت الصلاة، فصلى مع رسول الله ﷺ ، فلما قضى النَّبِيّ ﵊ الصلاةَ قام الرجلُ فقال: يَا رسول الله! إنِّي أصبتُ حَدًّا، فأقمْ فيَّ كتاب الله"؛ أي: أقم عليَّ الحدَّ الذي ثبتَ بكتاب الله تعالى. "قال: أليس قد صليتَ معنا؟ قال: نعم، قال: فإن الله تعالى قد غفر لك ذنبك أو حَدَّك"، شكّ من الراوي، فيه دليل على أن الصغائر تُكفَّر بالحسنات، وكذا ما خَفِيَ من الكبائر؛ لعموم قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]. وقوله ﵊: "أتبعِ الحسنةَ السيئةَ تَمْحُها"، وخطيئة

стр. 388

هذا الرَّجل في حكم المخفيِّ؛ لأنه ما بينهَا، أو يكون غفران الكبائر منه بأداء الصلاة حكمًا مختصًّا به. * * * ٣٩٦ - وقال عبد الله بن مَسْعود ﵁: سأَلتُ رسولَ الله ﷺ : أيُّ الأعمالِ أَحَبُّ إلى الله؟ قال: "الصَّلاةُ لوقتِها"، قلتُ: ثمَّ أيٌّ؟ قال: "برُّ الوالِدَيْنِ"، قلتُ: ثمَّ أي؟ قال: "الجهادُ في سبيلِ الله"، قال: حدَّثَني بهنَّ، ولو استَزَدْتُهُ لزادني. "وقال عبد الله بن مسعود: سألت النَّبِيّ ﵊ أي الأعمال أحب إلى الله تعالى؟ قال: الصلاة لوقتها"؛ أي: أداؤها في أول وقتها. "قلت: ثم أي؟ "؛ أي: أيها أحبُّ؟ "قال: بِرُّ الوالدين، قلت: ثم أي؟ قال: الجهادُ في سبيل الله "، وفي حديث أبي ذَر حين سأل: أي العمل خير؟ قال: "إيمانٌ بالله، وجهادٌ في سبيل الله". وقيل في حديث عائشة: "أحسنُ الأعمال الحجُّ"، وغير ذلك من الأحاديث الواردة في أفضل الأعمال. فالتوفيق بين هذه الأحاديث: أنَّه ﵊ أجاب في كلِّ منها بما كان موافقًا لغرض السائل، أو ترغيبًا له فيما هو بصدده، أو إرشادًا له إلى ما هو الأصلَح. "قال": ابن مسعود، "حدَّثَني"؛ أي: النَّبِيّ ﷺ ، "بهنَّ"؛ أي: بالمذكورات من الأفضل فالأفضل. "ولو استزدتُه"؛ أي: لو سألتُه أكثرَ من هذه "لزادني" في الجواب. * * *

стр. 389

٣٩٧ - وقال: "بينَ العبدِ وبينَ الكُفْرِ تَرْكُ الصَّلاة"، رواه جابر. "وعن جابر أنَّه قال: قال رسول الله ﷺ : بينَ العبدِ وبين الكُفْرِ تَرْكُ الصلاةِ"، متعلق (بين) محذوف، تقديرُه: تركُها وصلة بينه وبين الكفر؛ أي: يوصله إليه؛ لأن إقامتها هي الخصلة الفارقةُ بين الفئتين، فالتهاون بحفظها يكاد يُفضي بصاحبه إلى حد الكفر. ومن العلماء من كفَّر تاركها، ومنهم مَن لم يكفِّر، وحملوا الحديث على تركها جحودًا، أو على الزَّجْر والوعيد. * * * مِنَ الحِسَان: ٣٩٨ - عن عُبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "خَمْسُ صَلواتٍ افترضَهُنَّ الله تعالى، مَنْ أحسَنَ وُضُوءَهُنَّ، وصَلَاّهُنَّ لوقتهِنَّ، وأتمَّ رُكُوعَهُنَّ وخُشُوعَهُنَّ؛ كانَ لهُ على الله تعالى عنها أنْ يغفرَ له، ومَنْ لمْ يفعلْ فليسَ له على الله عهدٌ، إنْ شاءَ غفرَ له، وإنْ شاءَ عذَّبَه". "من الحسان": " عن عبادةَ بن الصامت أنَّه قال: قال رسول الله ﷺ : خمس صلوات افترضهنَّ الله تعالى، مَنْ أحسنَ وُضوءَهنَّ"، إحسانه إكمالُه بمراعاة فرائضه وسننه وآدابه. "وصلَاّهنَّ لوقتهن، وأتمَّ ركوعهنَّ وخشوعهنَّ"، وهو حضور القلب وطمأنينةُ الأعضاء، والتواضع. "كان له على الله عهدٌ"، وهو حفظ الشيء ومراعاتُه حالًا فحالًا. "أن يغفرَ له" خبر مبتدأ محذوف، والجملة صفة (عهد) أو بدل منه، أو

стр. 390

يتعلَّق بـ[(عهد) بتقدير الباء الجارة، سمَّى ما كان منه تعالى على طريق المجازاة لعباده عهدًا على جهة مقابلة عهده على العباد، أو لأنه وعدَ القائمين بحفظ عَهْدِه ألَاّ يُعذّبَهم، ووعدُه حقيقٌ بأنه لا يخلفه، فسمى وعدَه عهدًا؛ لأنه أوثقُ من كل عَهْد. "ومن لم يفعل فليس له على الله عهدٌ"، بل يُوكَل إلى مشيئته تعالى. "إن شاء غفر له" فضلاً. "وإن شاء عَذَّبه" عَدْلاً، وهذا صريح بأنه لا يجب عقاب العاصي. * * * ٣٩٩ - وقال: "صلُّوا خَمْسَكُمْ، وصُومُوا شَهْرَكُمْ، وأدُّوا زكاةَ أموالِكُمْ، وأطيعُوا ذا أمْرِكُمْ، تدخُلُوا جنَّةَ ربكُمْ" رواه أبو أُمامة. "وعن أبي أمامة أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: صَلُّوا خَمْسَكم"؛ أي: خمس الصلوات المفروضة عليكم. "وصوموا شهرَكم"؛ أي: رمضان. "وأدُّوا زكاةَ أموالكم، وأطيعوا ذا أَمْرِكم"؛ أي: صاحب أَمْرِكم وهو الخليفة وغيرُه من الأمراء. "تَدْخُلُوا" جواب الأوامر السابقة؛ يعني: فماذا فعلتم هذه الأشياء فجزاؤكم أن تدخلوا "جنةَ ربكم". * * * ٤٠٠ - وقال: "مُرُوا أولادَكُمْ بالصَّلاةِ وهُمْ أبناءُ سَبع سِنينَ، واضرِبُوهُمْ عليها وهُمْ أبناءُ عَشْرِ سنين، وفرِّقوا بينهُمْ في المَضاجِعِ"، رواه سَبْرَة بن مَعْبَد الجُهَنيُّ. "وعن سَبْرَة بن مَعْبَد الجُهَني أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه
следующие страницы →