أن بالصلاح تنزل البركة، فبالفساد تزولُ وترتفع.
وكان أبو هريرة ﵁ يقول:
للناس همُّ ولي هَمَّان بينهم. . . همُّ الجِراب وهمُّ الشيخ عثمانا
* * *
٦ - باب الكَرَامَاتِ
" باب الكرامات": جمع كرامة، وهي تشارك المعجزةَ في خَرق العادة، وتفارقها بقدرة الأنبياء عليها متى أرادوها؛ ليسهل عليهم تمهيد الأديان والشرائع، وبأن المعجزة تقترن بالتحدِّي مع عدم المعارضة، بخلاف الكرامة.
مِنَ الصِّحَاحِ:
٤٦٥٠ - قَالَ عَبْدُ الله بن مَسْعُودٍ ﵁: لَقَدْ كُنَّا نَسْمَعُ تَسْبيْحَ الطَّعامِ وهُوَ يُؤكَلُ.
"من الصحاح":
" قال عبد الله بن مسعود ﵁: لقد كنَّا نسمَع تسبيحَ الطعام وهو يؤكل".
* * *
٤٦٥١ - وعَنْ أَنسٍ ﵁: أن أُسَيْدَ بن حُضَيْرٍ وعَبَّادَ بن بِشْرٍ تَحدَّثَا عِنْدَ النَّبيِّ ﷺ في حَاجةٍ لَهُمَا حتى ذَهَبَ مِن الَّليلِ سَاعة، في لَيْلة شَدِيْدةِ الظُّلمةِ، ثُمَّ خَرَجَا مِن عِندِ رَسُولِ الله ﷺ يَنْقَلِبانِ وبيَدِ كُلِّ واحدٍ مِنْهُمَا عُصَيَّةٌ، فأَضَاءَتْ عَصَا أَحدِهِما لَهُمَا حتَّى مَشَيَا في ضَوْئها، حَتى إذَا افترقَتْ بِهِما الطَّريقُ أَضَاءَت
стр. 3257
بالآخرِ عَصاهُ، فمَشَى كُلُّ واحدٍ مِنْهُما في ضَوءِ عَصاهُ حَتَّى بَلَغَ أَهْلَه.
"وعن أنس: أنَّ أُسيد بن حُضير وعبادة بن بشر ﵃ تحدّثا عند النبي ﷺ في حاجةٍ لهما حتى ذهبَ من الليل ساعةٌ في ليلةٍ شديدة الظلمة، ثمَّ خرجا من عند رسول الله ﷺ ينقلبان، وبيد كل واحدٍ منهما عُصَيَّة": تصغير عصا، "فأضاءت عصا أحدِهما لهما حتى مَشَيا في ضوئها، حتى إذا افترقت بهما الطريقُ أضاءت للآخر عصاه، فمشى كلّ واحدٍ منهما في ضوء عصاه حتى بلغَ أهلَه": فضوءُ عصاهما كان كرامةً لهما.
* * *
٤٦٥٢ - وقالَ جابرٌ: لَمّا حَضَرَ أُحُدٌ دَعانِي أبي مِنَ اللَّيلِ فَقال ما أُراني إِلَّا مَقْتُولًا في أَوَّلِ مَن يُقتَلُ مِن أَصحابِ النَّبيِّ ﷺ ، وإنِّي لا أتركُ بعدي أَعَزَّ عليَّ مِنْكَ غيرَ نفسِ رَسُولِ الله ﷺ ، وإنَّ عَلى دينًا فاقْضِ، واستَوْصِ بأخواتِكَ خَيْرًا، فَأَصبَحْنا فَكانَ أَوَّلَ قَتِيْلٍ، ودَفَنته معَ آخرَ في قبرٍ.
"وقال جابرٌ ﵁ لما حَضَر أُحدٌ"؛ أي: حرب أحد، "دعاني أبي من الليل، فقال: ما أُراني"؛ أي: ما أظنني "إلَّا مقتولًا في أول من يقتل من أصحاب النبي ﷺ ، وإني لا أترك بعدي أعزَّ عليَّ منك غيرَ نَفْسِ رسولِ الله ﷺ ، وإنَّ علي دينًا فاقض واستوص بأخواتك"؛ أي: اقبل وصيتي فيهنَّ "خيرًا"؛ أي: استيصاء خيرًا، قيل: كان لجابر تسع أخواتٍ.
"فأصبحنا، فكان أول من قتل"، وكان هذا القول من أبي جابر كرامة.
"ودفنته مع آخرَ في قبَر"؛ أي: مع شخصٍ آخر من المقتولين في قبرٍ واحدٍ، وهذا يدل على أن الاثنين يُدفنان في قبرٍ واحد.
стр. 3258
٤٦٥٣ - وقالَ عَبدُ الرَّحمنِ بن أَبي بَكْرٍ ﵄: إِنَّ أَصحابَ الصُّفَّةِ كانُوا أُناسًا فُقَراءَ، وإِنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ: "مَن كانَ عِندَهُ طَعامُ اثنينِ فلْيَذهبْ بثالثٍ، ومَن كانَ عندَه طَعامُ أَرْبَعةٍ، فليَذهبْ بخامِسٍ، أو سادِسٍ"، وإنَّ أَبا بكرٍ جاءَ بثَلاثةٍ، وانطلقَ النَّبيّ ﷺ بِعَشَرَةٍ، وإنَّ أبا بَكْرٍ تَعَشَّى عِندَ النَّبيِّ ﷺ ، ثُمَّ لَبثَ حتَّى صُلِّيَت العِشاءُ، ثُمَّ رَجَعَ فلبثَ حتَّى تَعَشَّى النَّبيّ ﷺ ، فجاءَ بعدَ ما مَضَى مِن الَّليلِ ما شاءَ الله، قالَتْ له امرأتُهُ: ما حَبَسَكَ عن أَضْيافِكَ؟ قَالَ: أَوَ ما عَشَّيْتِيهم؟ قالَت: أَبَوا حتَّى تَجيءَ، فغضبَ وقالَ: والله لا أَطْعَمُه أَبَدًا، فَحَلفَتِ المَرأةُ أنْ لا تَطعمُه، وحَلَفَ الأَضْياف أَنْ لا يَطَعمُوه، قَالَ أبو بكرٍ ﵁: كانَ هذا مِن الشَّيطانِ، فَدَعا بالطَّعامِ فأكَلَ وأكَلُوا، فجَعَلُوا لا يرفعُون لُقْمَةً إِلَّا رَبَتْ مِن أَسْفلِها أكَثَرُ منها، فقالَ لامرأتِه: يا أُختَ بني فِراس! ما هذا؟ قالَت: وقُرَّةِ عيني، إِنَّها الآنَ لأكثرُ منها قبلَ ذلكَ بِثَلاثِ مِرارٍ، فأكلوا، وبَعَثَ بها إِلى النَّبيِّ ﷺ ، فذُكرَ أَنَّه أكَلَ منها.
"وقال عبد الرحمن بن أبي بكر ﵄: إنَّ أصحاب الصُّفَّة كانوا أناسًا فقراء، وإن النبي ﷺ قال" عند توزيعه إيّاهم على الصحابة: "من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث"؛ معناه: طعام الاثنين يغذّي الثلاثة ويُزيل الضعف عنهم.
"ومن كان عنده طعام أربعة فليذهب بخامسٍ أو سادسٍ، وانَّ أبا بكرٍ": ﵁ "جاء بثلاثةٍ، وانطلق النبي ﷺ بعشرة، وإن أبا بكرٍ تعشى"؛ أي: أكل العشاء "عند النبيِّ ﷺ ، ثمَّ لَبثَ حتى صُلِّيت العشاء، ثمَّ رجع فلبث حتى تعشَّى النبيُّ ﷺ "، في بعضٍ: "حتى نَعِسَ" من النعاس، قيل: هذا أصحّ.
"فجاء بعد ما مضى من الليل ما شاء الله، فقالت له امرأته: ما حبسك عن أضيافك؟ قال: أو ما عشيتهم"، الهمزة للاستفهام، والواو للعطف، التعشية: إعطاء العشاء أحداً.
стр. 3259
"قالت: أَبَوا حتى تجيء، فغضب وقال: والله لا أطعمه"؛ أي: الطعام "أبدًا، فحلفت المرأة أن لا تطعمه، وحلف الأضياف أن لا يطعموه، قال أبو بكر: كان هذا من الشيطان، فدعا" أبو بكرٍ "بالطعام فأكل وأكلوا، فجعلوا لا يرفعون لُقمةً إلا رَبَت"؛ أي: زادَت "من أسفلها أكثر منها"، وضمير التأنيث للطعام.
"وقال لامرأته: يا أخت بني فراس" - بكسر الفاء -: "ما هذا؟! ": وكانت أم عائشة وعبد الرحمن ويقال لها أُم رُومان من بني فراس بن غنم بن مالك بن النضر بن كِنانة.
"قالت: وقرة عيني" بالجر، والواو للقسم، وفي بعضٍ بالنصب: منادى حُذف نداؤه.
"إنها الآن لأكثر منها قبل ذلك بثلاث مِرارٍ، فأكلوا وبَعَثَ بها إلى النبي ﷺ فذكر أنَّه أكل منها".
* * *
مِنَ الحِسَان:
٤٦٥٤ - عَنْ عائِشَةَ ﵂ قالَتْ: لمّا ماتَ النَّجاشِيُّ كُنّا نتَحدَّثُ أَنَّه لا يَزالُ يُرَى على قبرِهِ نورٌ.
"من الحسان":
" عن عائشة ﵂ قالت: لمّا مات النجاشي كنا نتحدث أنَّه لا يزال يُرى على قبره نورٌ".
стр. 3260
٤٦٥٥ - وقالَتْ عائِشَةُ ﵂: لمّا أَرادُوا غَسْلَ النَّبيِّ ﷺ قالُوا: لا نَدري، أنجَرِّدُ رَسُولَ الله ﷺ مِن ثيابهِ كما نُجَرِّدُ مَوتانَا، أَمْ نَغْسِلُه وعَلَيْهِ ثِيابُه؟ فلمّا اختلفُوا ألقَى الله عليهم النَّومَ، حتَّى ما مِنهُم رَجُل إلا وَذَقْنُه في صَدره، ثُمَّ كلَّمَهُم مُكَلِّم مِن نَاحِيَةِ البيتِ لا يَدرُونَ مَن هُوَ: اغِسلُوا النَّبيَّ وعليهِ ثِيابُه، فَقامُوا فَغَسلوهُ وعليهِ قَميصُه، يَصبُّونَ الماءَ فَوْقَ القَميصِ ويُدَلِّكُونهُ بالقَمِيصِ.
"وقالت عائشة ﵂ لما أرادوا غسلَ النبيِّ ﷺ قالوا: لا ندري أنجرِّد رسولَ الله ﷺ من ثيابه كما نجرد موتانا، أم نغسله وعليه ثيابُه؟ فلما اختلفوا ألقى الله عليهم النومَ حتى ما منهم رجلٌ إلا وذَقْنه في صدره، ثمَّ كلّمهم مكلّمٌ من ناحية البيت لا يدرون مَنْ هو: اغسلوا النبي ﷺ وعليه ثيابُه"، هذا بيانٌ لقوله: (كلمهم).
"فقاموا فغسلوه وعليه قميصه يصبُّون الماء فوق القميص، ويَدلكُونه بالقميص"، والحديث يدل على أن غسل الميت وعليه قميصُه مستحب.
* * *
٤٦٥٦ - عَنْ ابن المُنْكَدِرِ: أنَّ سَفِيْنَةَ مَولَى رَسُولِ الله ﷺ أخَطْأ الجيشَ بأرضِ الرُّومِ، أَوْ أُسِرَ، فانطلقَ هارِبًا يلتمِسُ الجيشَ فإذا هو بالأسدِ، فقال: يا أبا الحارثِ! أنا مَولَى رَسُولِ الله ﷺ ، كانَ مِن أَمْري كيْتَ وكيْتَ، فأقبلَ الأَسَدُ، لهُ بصبَصَةٌ، حتَّى قامَ إلى جنبهِ، كلَّما سَمعَ صَوتًا أَهْوَى إِليْهِ، ثُمَّ أَقبلَ يَمْشِي إلى جَنْبهِ حتَّى بَلَغَ الجَيْشَ، ثُمَّ رَجَعَ الأَسَدُ.
"عن ابن المُنْكَدر: أن سفينة ﵁ مولى رسول الله ﷺ أخطأ الجيش"؛
стр. 3261
أي: ضَلَّ الطريقَ فلم يهتد إليهم سبيلًا، "بأرض الروم، أو أُسِرَ فانطلق هاربًا يلتمس الجيشَ، فإذا هو بالأسد فقال: يا أبا الحارث" - كنية الأسد -: "أنا مولى رسول الله ﷺ ، كان من أمري كَيت وكيت، فأقبل الأسد له بَصبَصَة"؛ أي: تحريك ذنب كفعل الكلب تملُّقاً وتذللًا إلى صاحبه "حتى قام إلى جنبه، كلما سمع"؛ أي: الأسد "صوتًا أهوى إليه"؛ أي: قصده.
"ثمَّ أقبل يمشي إلى جنبه حتى بَلَغ"؛ أي: سفينةُ "الجيشَ، ثمَّ رجع الأسد".
* * *
٤٦٥٧ - عَنْ أَبي الجَوْزاءِ ﵁ قال: قُحِطَ أَهْلُ المَدِينَةِ قَحطًا شَدِيْدًا، فَشَكَوْا إِلَى عائِشةَ ﵂ فَقالَت: انظُروا قبرَ النَّبيِّ ﷺ فاجعَلُوا مِنهُ كُوًى إلى السَّماءِ، حتَّى لا يكونَ بينَهُ وبينَ السَّماءِ سَقفٌ، ففعلُوا فمُطِرُوا مَطَرًا حتَّى نبتَ العُشْبُ وسَمِنَتِ الإِبلُ، حتَّى تَفتّقَتْ مِنَ الشَّحم، فسُمِّيَ عامَ الفَتْقِ.
"عن أبي الجَوزاء قال: قحط أهل المدينة قحطًا شديدًا، فشكَوا إلى عائشة ﵂ فقالت: انظروا قبَر النبيِّ ﷺ فاجعلوا منه كوًى"، جمع كوة - بضم الكاف وفتحها -؛ أي: منافذ "إلى السماء حتى لا يكون بينه وبين السماء سَقْفٌ ففعلوا"، يحتمل أن تلك الكُوى كانت وسيلةً إلى الله في الاستسقاء به ميتًا كَهُو حيًا.
"فمُطروا مطرًا"، قيل: يحتمل أن المطر كان بكاءً من السماء لمّا رأت قبره ﷺ ، فسال الوادي من بكائها، قال الله تعالى حكايةً عن الكفار: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾ [الدخان: ٢٩]، فحقيق للسماء أن تبكي على فقد النبي ﷺ .
"حتى أثبت العشب وسَمِنت الإبل حتى تفتَّقت من الشَّحم"؛ أي: انشقت من الشحم، وقيل: أي: انتفخت خَواصِرُها مِن كثرة الرعي.
стр. 3262
"فسمي عام الفَتْق"؛ أي: الخصْب.
* * *
٤٦٥٨ - عَنْ سعِيْدِ بن عَبْدِ العَزيزِ قَالَ: لمّا كانَ أيّامَ الحَرَّةِ لم يُؤَذَّنْ في مَسْجدِ النَّبيِّ ﷺ ثلاثًا ولم يُقَمْ، ولم يَبْرح سعِيْدُ بن المُسَيَّبِ مِن المَسْجدِ، وكانَ لا يَعْرِفُ وقْتَ الصَّلاةِ إلَّا بِهَمْهَمَةٍ يَسمعُها مِن قَبرِ النَّبيِّ ﷺ .
"عن سعيد بن عبد العزيز ﵁ قال: لما كان؛ أي: وقع "أيام الحرة"، (كان) هذه تامة، وأيام الحرة وقعة كانت في المدينة مشهورة في زمن يزيد بن معاوية، وهذه الحرة أرضٌ بظاهرها بها حجارةٌ سودٌ.
"لم يُؤذَّن في مسجد النبيِّ ﷺ ثلاثًا، ولم يُقمَ": الفعلان كلاهما علي بناء المجهول، "ولم يبرح سعيد بن المسيّب المسجدَ"؛ أي: لم يزل من المسجد.
"وكان لا يعرف وقت الصلاة إلا بهمْهَمة": وهي كلامٌ خفي لا يفهم، وقيل: ترديد الصوت في الصَّدر، "يسمعها من قبر النبي ﷺ ".
* * *
٤٧٥٩ - قِيلَ لأبي العاليةِ: سَمعَ أَنسُ بن مالك ﵁ مِن النَّبيِّ ﷺ ؟ قال: خَدَمَهُ عَشْرَ سِنينَ، ودعا لهُ النَّبيُّ ﷺ ، فَكانَ لهُ بُستانٌ يَحمِلُ في كُلِّ سَنةٍ الفاكَهةَ مرَتَّينِ، وكانَ فيها ريحانٌ يجيءُ منهُ ريحُ المِسكِ. غريب.
"قيل لأبي العالية"؛ أي: سُئل منه: "سمع"؛ أي: أسمع - بحذف حرف الاستفهام - "أنسٌ من النبي ﷺ "؛ أي: شيئًا من الأحاديث، كأنه تردَّد فيه بعض الناس بعد وفاته ﷺ .
"قال"؛ أي: أبو العالية: "خدمه"؛ أي: أنسٌ النبيَّ ﷺ "عشرَ سنينٍ، ودعا له النبيُّ ﷺ ، وكان له بستان يحمل في كل سنةٍ الفاكهة مرتين، وكان فيها
стр. 3263
ريحانٌ" نبتٌ معروف "يجيء منه ريحُ المِسْك": فمن كان شأنه هذا، فكيف لا يسمع منه ﷺ شيئاً.
"غريب".
* * *
٧ - باب
(باب في بيان هجرة أصحابه من مكة)
٤٦٦٠ - عَنِ البَراءَ ﵁ قَالَ: أَوَّلُ منَ قَدِمَ عَلَيْنا مِن أَصحابِ رَسُولِ الله ﷺ مُصعَبُ بن عُمَيْر وابن مَكْتومٍ، فَجَعلا يُقْرآنِنا القُرآنَ، ثُمَّ جاءَ عمّارٌ وبلالٌ وسَعْدٌ، ثُمَّ جاءَ عُمَرُ بنَ الخطابِ رضي الله تَعالى عنه في عِشْرِينَ، ثُمَّ جاءَ النَّبيُّ ﷺ ، فَما رَأَيتُ أَهْلَ المَدينةِ فَرِحُوا بشيءٍ فَرَحَهُم بهِ، حتَّى رَأَيتُ الوَلائِدَ والصِّبيانَ يَقُولُونَ: هذا رسولُ الله ﷺ قَدْ جاءَ، فَما جاءَ حتَّى قَرَأْتُ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ في سُورٍ مثلِها.
"من الصحاح":
" عن البراء قال: أولُ مَنْ قدم علينا"؛ أي: أول مَنْ جاء من مكة إلى المدينة "من أصحاب النبيِّ ﷺ مصعبُ بن عُمير وابن أم مَكْتوم، فجعلا يُقْرآننا القرآن"؛ أي: يعلَّماننا القرآن.
"ثم جاء عمارٌ وبلال وسعدٌ، ثمَّ جاء عمر بن الخطّاب ﵃ في عشرين رجلًا، ثمَّ جاء النبي ﷺ فما رأيتُ أهلَ المدينة فرِحوا بشيءٍ فرحَهم به حتى رأيت الولائدِ"، جمع الوليدة وهي الجارية الصغيرة، والذكر وليدٌ فعيلٌ بمعنى مفعول، وقد يطلق على الأَمَة وإن كانت كبيرة.
"والصبيان يقولون: هذا رسوُل الله ﷺ قد جاء، فما جاء حتى قرأت"؛
стр. 3264
أي: تعلَّمت، ذَكَرَ المسبَّب وأراد السبَبَ.
" ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ في سورة"؛ أي: مع سورة أخرج "مثلها" في المقدار، والحديث يُشعر. أن البراء كان من الأنصار، وأن القادمين عليهم كانوا من المهاجرين.
* * *
٤٦٦١ - عَنْ أَبي سَعِيْدٍ الخُدرِيِّ ﵁: أنَّ رَسُولَ الله ﷺ جَلَسَ على المِنْبرِ فَقالَ: "إنَّ عَبْدًا خيَّرهُ الله بينَ أنْ يُؤتيَهُ مِن زَهْرةِ الدُّنيا ما شاءَ وبينَ ما عندَهُ، فاختارَ ما عندَه"، فبَكَى أَبُو بَكرٍ ﵁ قَالَ: فَدَيْناكَ بآبائِنا وأُمَّهاتِنا، فعَجبنا لهُ، وقال النّاسُ: انظرُوا إلى هَذا الشِّيخ، يُخبرُ رَسُولُ الله ﷺ عَنْ عَبدٍ خيَّرَهُ الله بيْنَ أنْ يُؤتِيَهُ مِن زَهْرةِ الدّنيا، وبَيْنَ ما عنْدَهُ، وهوَ يَقَولُ: فَدَيْناكَ بآبائِنا وأُمَّهاتِنا! فكانَ رَسُولُ الله ﷺ هوَ المُخَيَّرُ، وكانَ أبو بَكْرٍ ﵁ أَعْلَمَنا.
"عن أبي سعيدٍ الخُدري ﵁: أنّ رسول الله ﷺ جلس على المنبر فقال: إنَّ عبدًا خيَّره الله تعالى بين أن يؤتيَه الله من زهرة الدنيا"؛ أي: من زينتها "ما شاء، وبين ما عنده، فاختار ما عنده، فبكى أبو بكر ﵁ ": لما علم أن المخيَّر إنما هو رسولُ الله ﷺ ، واختيارُه لمِا عند الله يُؤْذِن بالارتحال والانتقال.
"قال: فديناك بآبائنا وأمهاتنا، فعجبنا له، وقال الناس: انظروا إلى هذا الشيخ يخُبر رسولُ الله ﷺ عن عبدٍ خيره الله بين أن يؤتَيه من زهرة الدنيا وبين ما عنده وهو يقول: فديناك بآبائنا وأمهاتنا": قال الراوي:
"فكان رسول الله ﷺ هو المخير، وكان أبو بكر ﵁ أعلمنا"؛ أي: أكثرُنا علمًا بأنَّ ذلك العبدَ المخيَّرَ هو رسولُ الله ﷺ .
стр. 3265
٤٦٦٢ - عَنْ عُقْبةَ بن عامرٍ ﵁ قَالَ: صلَّى رَسُولُ الله ﷺ على قَتلى أُحُدٍ بَعْد ثَمانِ سِنينَ كالمُودع للأحياءَ والأَمْواتِ، ثُمَّ طَلَعَ المِنْبرَ فقال: "إِنِّي بينَ أَيْديكُم فَرَطٌ، وأَنا عَلَيْكُم شَهيْدٌ، وإِنَّ مَوْعِدكُم الحَوضُ، وإنِّي لأَنظرُ إليهِ من مَقامِي هَذا، وإنِّي قَدْ أُعطِيتُ مفاتيحَ خَزائنِ الأَرضِ، وإنِّي لَسْتُ أخْشَى عليكُم أنْ تُشرِكُوا بَعْدِي، ولكنْ أَخْشَى عليْكُم الدنيا أنْ تَنافسُوا فيها". وزادَ بعضُهم: "فتَقْتَتِلُوا فتَهْلَكُوا كَما هَلَكَ مَن كانَ قبلَكم".
"عن عقبةَ بن عامر ﵁ قال: صلى رسول الله ﷺ على قتلى أحد"؛ أي: استغفر لهم بأمر الله تعالى "بعد ثمان سنين"؛ يعني عند قرب انقضاء عُمُره ﷺ "كالمودعِّ": اسم فاعل من التوديع "للأحياء والأموات"، وكان هذا وداعاً منه ﷺ لهم، وإعلاماً بزيادة درجتهم بعد شهادتهم ببركة دعائه ﷺ ، وهذا يدل على أن الدعاء للميت ينفعه.
"ثمَّ طلع المنبر"؛ أي: عَلَاهُ، "فقال: إني بين أيديكم فَرَط"، وهو بالتحريك: من يتقدم الواردة فيهيئ ما يحتاج إليه الرُّفقة من الدِّلاء وإصلاح الحِياض؛ يعني: أنا سابقكم ومتقدِّمكم لأشفع لكم عند الله، "وأنا عليكم شهيدٌ"؛ أي: رقيبٌ وحفيظ.
"وإن موعدكم الحوض، وإني لأنظر إليه"؛ أي: إلى الحوض الموعود في المحشر "وأنا في مقامي هذا، وإني قد أُعطيت" - علي بناء المجهول - "مفاتيح خزائنِ الأرض"، وهذا إشارةٌ إلى ما فتح الله لأمته من الممالك واستباحوا خزائنَ ملوكها.
"وإني لست أخشى عليكم أن تُشركوا بعدي، ولكن أخشى عليكم الدُّنيا أن تَنافَسوا فيها"؛ أي: ترغبوا في الدنيا وتَميلوا إليها وزهراتهِا كلَّ الميل.
стр. 3266
"وزاد بعضهم: فتقتلوا، فتهلَكوا كما هَلَك من كان قبلكم".
* * *
٤٦٦٣ - وعن عائِشَةَ ﵂ قالَتْ: إنَّ مِن نِعَم الله عَلَيَّ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ تُوفِّيَ في بَيْتِي، وفِي يَوْمِي، وبينَ سَحري ونَحري، وأن الله جَمَعَ بينَ ريقي وريقِهِ عِنْدَ مَوتهِ، دَخَلَ عليَّ عبدُ الرَّحمنِ بن أبي بكرٍ وبيدِهِ سِواكٌ، وأَنا مُسْنِدةٌ رَسُولَ الله ﷺ ، فرأيتُهُ يَنْظُرُ إِلَيه، فعَرَفْتُ أنهُ يُحِبُّ السِّواكَ، فَقُلتُ: آخُذُهُ لَكَ؟ فأَشارَ برأسِهِ أنْ نعمْ، فتَناولْتُهُ، فاشتَدَّ عَلَيهِ فَقلْتُ: أُلَينُه لكَ؟ فأَشارَ برأسِهِ: أن نعمْ، فلَيَّنته، فأَمَرَّهُ على أَسْنانِهِ، وبينَ يديْهِ رَكْوَةٌ فيها ماءٌ، فجعلَ يُدخِلُ يدَهُ في الماءَ فيَمسحُ بها وجْهَهُ ويَقُولُ: "لا إلهَ إلا الله، إنَّ للمَوتِ سَكَراتٍ"، ثُمَّ نَصَبَ يده فجعلَ يقولُ: "في الرَّفيقِ الأَعلَى"، حتَّى قُبضَ ومالَتْ يدُه.
"وعن عائشة ﵂ قالت: إنَّ من نِعَم الله عليَّ أن رسول الله ﷺ توفي في بيتي وفي يومي"، أي: في نَوبتي من القَسَم، "وبين سحري ونحري"، والسحر - بفتحتين وبضم السين ثمَّ السكون -: الرئة، تريد: ما حاذى الرئة من جسدها، وقيل: السحر ما لصق الحلقوم من أعلى البطن؛ أي: أنَّه ﷺ توفي وهو مستندٌ إلى صدرها، وما يحاذي سحرها، والنحر: موضع القلادة من أعلى الصدر.
"وأن الله"، قيل: الصواب بفتح (أن) عطفًا على (أن) المفتوحة، "جمع بين ريقي وريقه عند موته"، ونُثبتُ جمعَه بين ريقهما بقولها: "دخل عليَّ عبد الرحمن بن أبي بكر ﵁ وبيده سواك وأنا مُسندةٌ رسول الله ﷺ فرأيته"؛ أي: النبي ﷺ "ينظر إليه"؛ أي: إلى السواك بيد عبد الرحمن، "وعرفت أنَّه يحب السواك"، أي: يريده، "فقلت: آخذه لك؛ فأشار برأسه: أن نعم": (أن) هذه مفسرة.
стр. 3267
"فتناولتُه فاشتدَّ عليه"؛ أي: السواك على النبي ﷺ لكونه يابسًا.
"فقلت: ألينه لك؟ فأشار برأسه: أن نعم، فلينته بريقي، فأمرَّهُ على أسنانه" - ماضٍ من الإمرار - "وبين يديه رَكوة فيها ماء، فجعل يُدخل يديه في الماء، فيمسح بهما وجهَه ويقول: لا إله إلا الله إنَّ للموت سَكَرات" - بالتحريك - جمع سكرة، وهي الشدة والمشقة.
"ثمَّ نَصَب يده فجعل يقول: في الرفيق الأعلى"، متعلق بمحذوف؛ أي: اجعلني في الرفيق الأعلى قال الأزهري: الرفيقُ هنا جماعة الأنبياء الساكنين أعلى علِّيين، وهو اسمٌ جاء على فعيلٍ، ومعناه الجماعة، يقع على الواحد والجمع؛ أي: اجعلني في أرواحهم الساكنات في حَظبرة القُدْس، أو: اجعلني في مكان الرفيق الأعلى، وأراد بالرفيق الأعلى: نفسَه، وبالمكان: المقام المحمود المخصوص به؛ أي: اجعلني ساكنًا فيه، "حتى قُبض ومالت يدُه".
* * *
٤٦٦٤ - عَنْ عائِشَةَ ﵂ قالَتْ، سَمِعْتُ النَّبيَّ ﷺ يَقُولُ: "ما مِن نبيِّ يمَرضُ إِلَّا خُيرَ بينَ الدُّنيا والآخرةِ"، وكانَ في شكواهُ التي قُبضَ بها أخذَتْهُ بُحَّةٌ شَدِيْدة، فسمعتُهُ يقولُ: "معَ الذينَ أَنْعمْتَ عليهم مِن النَّبيينَ والصِّدِّيقينَ والشُّهداءِ والصّالحينَ"، فعَلِمْتُ أَنَّه خُيرَ.
"عن عائشة ﵂ قالت: سمعتُ النبي ﷺ يقول: ما من نبيِّ يمرض إلا خُيرَ بين الدنيا والآخرة، وكان في شَكْواه"؛ أي: مرضه "الذي قبض فيه"؛ أي: مات "أخذته بحةٌ شديدة"، البحة - بضم الباء وتشديد الحاء -: غِلظة الصوت وخشونته، والمراد هنا: السُّعال.
"فسمعته يقول: مع الذين أنعمت عليهم من النبيين والصديقين والشهداء
стр. 3268
والصالحين، فعلمتُ أنَّه خير"؛ أي: بين البقاء في الدنيا، وبين ما عند الله في الآخرة.
* * *
٤٦٦٥ - عَنْ أَنسٍ ﵁ قَالَ: لمّا ثَقُلَ النَّبيّ ﷺ جَعَلَ يتَغشّاهُ الكَربُ، فقالَتْ فاطِمَةُ ﵂: واكَربَ أَباه! فقالَ لها: "ليسَ على أَبيكِ كَربٌ بعدَ اليومِ"، فلمّا ماتَ قالَتْ: يا أَبَتاهُ! أجابَ ربًّا دَعاه، يا أبتاهُ! مَنْ جَنَّةُ الفِردَوسِ مأواهُ، يا أبتاهُ! إلى جِبْريلَ ننعاهُ، فلمّا دُفِنَ قالَتْ فاطِمَةُ: يا أَنسُ! أَطابَتْ أَنْفُسُكُم أنْ تَحثُوا على رَسُولِ الله ﷺ التُّرابَ؟!.
"عن أنس ﵁ قال: لما ثَقُل النبيُّ ﷺ ؛ أي: اشتد مرضه "جعل يتغشّاه الكَرب"؛ أي: يُغمى عليه من شدة المرض، "فقالت فاطمة: واكربَ أباه، فقال لها: ليس على أبيك كربٌ بعد اليوم"؛ أي: لا يُصيبه بعد اليوم نَصَبٌ ولا وَصَبٌ يجدُ له ألماً إذا أفضى إلى الدار الآخرة والسلامة الدائمة.
"فلما مات قالت: يا أبتاه! ": أصله: (يا أبي) فالتاء أبدلت من الياء، والألف للندبة، والهاء للسَّكت، "أجاب ربًّا دعاه"؛ أي: إلى الآخرة؛ أي: اختار الدار الآخرة على الدنيا.
"يا أبتاه! من جنة الفردوس مأواه"؛ أي: موضع قراره.
"يا أبتاه! إلى جبريل ننعاه"؛ أي: نُظهر خبر موته ﷺ .
"فلمّا دفن قالت فاطمة: يا أنسُ أطابت أنفسُكم أن تحَثُوا على رسول الله - التراب".
стр. 3269
مِنَ الحِسَان:
٤٦٦٦ - عَنْ أَنسٍ ﵁ قَالَ: لمّا قَدِمَ رَسُولُ الله ﷺ المَدينةَ لَعِبَتْ الحَبَشَةُ بحرابهم فرحًا لِقُدومِه.
"من الحسان":
" عن أنس ﵁: لما قدم رسولُ الله المدينة لَعِبت الحبشةُ بحرابهم": - جمع حربة - "فرحًا لقدومه".
* * *
٤٦٦٧ - وقالَ: ما رَأيتُ يَومًا كانَ أحسنَ ولا أَضْوَأَ مِن يَومٍ دَخَلَ عَلَيْنا فيهِ رَسُولُ الله ﷺ ، وما رَأيتُ يَومًا كانَ أَقْبَحَ ولا أَظلَم مِن يَومٍ ماتَ فيهِ.
"وقال: ما رأيتُ يومًا كان أحسنَ ولا أضوءَ من يوم دخل علينا فيه رسولُ الله ﷺ ، وما رأيت يومًا كان أقبحَ ولا أظلمَ من يوم مات فيه".
* * *
٤٦٦٨ - وَقال: لمّا كانَ اليَومُ الَّذي دَخَلَ فيهِ رَسُولُ الله ﷺ المَدينةَ أضاءَ مِنها كُلُّ شَيءٍ، فلمّا كانَ اليَومُ الَّذي ماتَ فيهِ أَظْلمَ مِنها كُلُّ شَيءٍ، وما نفضْنا أَيْدِينا مِنَ التُّرابِ وإنَّا لَفِي دفنِهِ حتَّى أَنْكَرنا قُلوبنا. "وقال: لما كان اليومُ الذي دخل فيه رسولُ الله ﷺ المدينة أضاء منها كلُّ شيءٍ، فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلمَ منها كلُّ شيءٍ، وما نفضنا أيدينا من التراب، وإنّا لَفي دفنه حتى أنكرنا قلوبنا"؛ يعني: ما وجدناها بعد وفاته ﷺ على ما كانت عليه في حياته من الصفاء والرِّقة والألفة لانقطاع الوحي السماوي، والمفارقة عن صحبته التي هي مُوجبة للسعادات الأبدية؛ لأنهم لم يجدوها على ما كانت عليه من التصديق.
стр. 3270
٤٦٦٩ - عَنْ عائِشَةَ ﵂ قالَتْ: لَمّا قُبضَ رَسُولُ الله ﷺ اخْتَلَفُوا في دَفْنِهِ، فقالَ أَبو بَكْرٍ ﵁: سَمِعْتُ مِنْ رَسولِ الله ﷺ شَيْئًا؛ قَالَ: "ما قَبَضَ الله نبَيًّا إِلَّا في المَوْضعِ الَّذِي يُحِبُّ أَنْ يُدفَنَ فِيهِ"، ادفِنُوه في مَوْضعِ فِراشِهِ.
"عن عائشة ﵂ قالت: لما قُبض رسولُ الله ﷺ اختلفوا في دفنه، فقال أبو بكر ﵁: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: ما قَبَضَ الله نبيًا إلا في الموضع الذي يحُبُّ أن يُدفن فيه، ادفنوه في موضع فراشه"، توفي ﷺ يوم الإثنين، ووليَ غَسْلَه وتكفينه: عليٌّ، والعباس، والفضل بن العباس، وأسامة بن زيد ﵃، ونزل في قبره عليّ وأسامة والفضل ﵃.
* * *
٨ - باب
(باب)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٤٦٧٠ - قالَتْ عائِشَةَ ﵂: ما تركَ رَسُولُ الله ﷺ دِينارًا، وَلَا دِرهَمًا، ولا شاةً ولا بَعِيرًا، وَلا أَوْصَى بِشَيْءٍ.
"من الصحاح":
" قالت عائشةُ ﵂: ما تركَ رسولُ الله ﷺ دينارًا ولا درهماً ولا شاةً ولا بعيرًا ولا أوصى بشيء".
* * *
٤٦٧١ - وعَنْ عَمْرِو بن الحارِثِ أَخي جُويريةَ قال: ما تركَ رَسُولُ الله ﷺ -
стр. 3271
عندَ موته دِرهَمًا ولا دِيْنارًا، ولا عَبْدًا ولا أَمَةً، ولا شَيْئًا، إِلَّا بغلَتَهُ البَيْضاءَ، وسِلاحَهُ، وأرضًا جَعَلَها صَدَقةً.
"عن عمرو بن الحارث أخي جُويرية ﵁ قال: ما تَركَ رسولُ الله ﷺ عند موته درهمًا ولا دينارًا ولا عبدًا ولا أَمَةً ولا شيئًا"، يريد بما تركه: ما كان من أموال الفَيء الذي كان يتصرَّفُ فيها تصرف الملَّاك ولم يكن ذلك لغيره، "إلا بغلتَه البيضاء، وسلاحه، وأرضًا جعلها"؛ أي: البغلة والسلاح والأرض. "صدقة"؛ أي: وَقفاً.
* * *
٤٦٧٢ - عَنْ أَبي هُريرَةَ ﵁: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: "لا يَقْتَسِمُ ورثتي دِينارًا، ما تَرَكتُ بَعْدَ نفقةِ نِسائي وَمَؤُنَةِ عامِلي فهو صدقةٌ".
"عن أبي هريرة ﵁: أنّ رسول الله ﷺ قال: لا يَقتسم ورثتي دينارًا، ما تركت بعد نفقة نسائي"، وكانت نفقة نسائه بعده ﵊ من صَفايا أموال بني النضير وفَدَك وخيبر مدةَ حياتهنَّ؛ لكونهن محبوساتٍ عليه، "ومؤنة عاملي"، أراد بالعامل الخليفةَ بعده، "فهو صدقةٌ"؛ يعني الذي فَضَل من نفقة هؤلاء صدقةٌ تُصرَف في مصالح المسلمين، وكان أبو بكر متصرِّفاً في تلك الحصة، ثم عمر كذلك، فلما صارت الخلافة إلى عثمان ﵁ استغنى عنها بماله، فأعطاها مروان وأقاربه، فلم تزل في أيديهم حتى ردَّها عمر بن عبد العزيز.
* * *
٤٦٧٣ - وعن أَبي بَكْرٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لا نُورَثُ، ما تَرَكْناهُ صدقةٌ".
стр. 3272
"وعن أبي بكرٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : لا نُورث، ما تركناه صدقة"، والمراد؛ بعد نفقة نسائه؛ للحديث الذي قبله.
* * *
٤٦٧٤ - عَنْ أَبي مُوْسى ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: "إنَّ الله إذا أَرادَ رَحْمَةَ أُمةٍ مِن عِبادِهِ قَبَضَ نبيَّها قبلَها، فَجَعلَهُ لَها فَرَطًا وسَلَفًا بَيْنَ يَدَيْها، وإذا أرادَ الله هَلَكَةَ أُمةٍ عذَّبَها ونبِيُّها حيٌّ، فأهلكَها وهوَ ينظرُ، فأقَرَّ عينَهُ بهلَكتِها حينَ كذَّبُوه وعَصَوْا أمرَهُ".
"عن أبي موسى ﵃ عن النبيِّ ﷺ أنه قال: إنَّ الله إذا أراد رحمةَ أمةٍ من عباده قَبَضَ نبيَّها قبلها، فجعله لها"؛ أي: ذلك النبي ﷺ لتلك الأمة "فَرَطاً وسَلَفاً بين يديها"، الفرط والسلف بمعنى واحد.
"وإذا أراد هلكة أمةٍ عذَّبها ونبيُّها حيٌّ، فأهلكها وهو ينظر، فأقرَّ عينَه بهلكتها"؛ أي: عين ذلك النبي ﷺ بهلكة تلك الأمة "حين كذَّبوه وعَصَوا أمره".
* * *
٤٦٧٥ - وعَنْ أبي هُريْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "والذي نفسُ مُحَمَّدٍ بيدِهِ، ليأتِيَنَّ عَلَى أَحدِكم يَومٌ ولا يَراني، ثُم لأَنْ يَراني أَحَبُّ إليهِ مِن أهلِهِ ومالِهِ مَعَهُم".
"وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : والذي نفسُ محمدٍ بيده ليأتينَّ على أحدكم يومٌ ولا يرائي، ثمَّ لأنَّ يراني أحب إليه من أهله وماله معهم"، قال أبو إسحاق: في الحديث تقديمٌ وتأخير تقديره: ليأتين على أحدكم يومٌ لأنَّ يراني معهم أحب إليه من أهله وماله ولا يراني، ولعل معناه: لأن يراني
стр. 3273
فيه مع أهله أحب إليه من أهله وماله حالَ كونه لا يراني.
* * *
١ - باب في مَناقبِ قريشٍ وَذِكرِ القَبَائِلِ
" باب مناقب قريش"، جمع منقبة وهي الفضيلة، "وذكر القبائل"، جمع قبيلة.
مِنَ الصِّحَاحِ:
٤٦٧٦ - عَنْ أبي هُريْرَة ﵁: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ: "النّاسُ تَبَعٌ لِقُريشٍ في هذا الشّأنِ، مُسْلِمهُم تَبَعٌ لِمُسلمِهم، وكافرُهم تَبَعٌ لِكافِرِهم".
"من الصحاح":
" عن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﷺ قال: الناس تَبَعٌ لقريش في هذا الشأن"، يريد به الخلافة والإمارة، وقيل: الدِّين، والمعنى: تفضيلهم على القبائل، وتقديمهم في الإمامة والإمارة.
"مسلمهم تَبَعٌ لمسلمهم"، خبرٌ في معنى الأمر؛ أي: مَنْ كان مسلماً فليتبعهم ولا يخرج عليهم.
"وكافرهم تبعٌ لكافرهم"، يعني: أنهم لم يزالوا متبوعين في زمان الكفر لكون أمر الكعبة في أيديهم، وقد علم أن أحدًا من قريش لم يبقَ بعده ﷺ على الكفر، فعلم أن المراد منه: أن الإسلام لم ينقصهم مما كانوا عليه في الجاهلية من الشرف، فهم سادَة في الإِسلام كما كانوا قادةً في الجاهلية.
وقيل: معناه: أنَّ مسلمي قريش قدوةُ غيرهم من المسلمين؛ لأنهم المتقدمون في التصديق، السابقون بالإيمان، وكافرهم قدوةُ غيرهم من الكفار،
стр. 3274
فإنهم أولُ مَنْ ردَّ الدعوة، وكَفَر بالرسول، وأعرض عن الآيات.
* * *
٤٦٧٧ - وعَنْ جابرٍ ﵁: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "النّاسُ تَبَعٌ لِقُريشٍ في الخَيرِ والشَّرِّ".
"وعن جابر ﵁: أن النبي ﷺ قال: الناس تبعٌ لقريش في الخير والشر"؛ أي: في الإسلام والكفر.
* * *
٤٦٧٨ - عَنِ ابن عُمَرَ ﵁، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "لا يزالُ هذا الأَمرُ في قُريْشٍ ما بَقِيَ مِنْهُم اثنانِ".
"وعن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: لا يزال هذا الأمر"؛ أي: الخلافة والولاية "في قريش ما بقي منهم اثنان" واحدٌ خليفة وواحدٌ تَبَع.
* * *
٤٦٧٩ - وعَنْ مُعاوِيةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبيَّ ﷺ يَقُولُ: "إنَّ هذا الأَمرَ في قُريشٍ لا يُعادِيْهم أحد إلَّا كَبَّهُ الله على وجْهِهِ، ما أقامُوا الدِّين".
"وعن معاوية ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: إنَّ هذا الأمر في قريش لا يعاديهم"؛ أي: لا يخالفهم "أحدٌ" في ذلك "إلا كبَّه الله"؛ أي: أسقطه "على وجهه"، يريد: أذلَّه الله، "ما أقاموا الدين"؛ أي: ما داموا يحافظون [على] الدين، يحتمل أنه أراد بالدين: الصلاة لما في الحديث: "ما أقاموا الصلاة".
стр. 3275
٤٦٨٠ - عَنْ جابرِ بن سَمُرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعتُ النَّبيَّ ﷺ يَقُول: "لا يَزالُ الإِسلامُ عَزِيْزًا إلى اثنَيْ عَشَرَ خَلِيفَةً، كلُّهم مِن قُريشٍ".
وفي رِوايَةٍ: "لا يزالُ أمرُ النّاسِ ماضيًا ما وَليَهم اثنا عَشَرَ رَجُلًا كلُّهم مِن قريشٍ".
وفي رِوايَةٍ: "لا يزالُ الدِّينُ قائِمًا حتَّى تَقَومَ السَّاعةُ، أو يكونَ عليهم اثنا عَشَرَ خَليْفَةً كلُّهم مِن قُريْشٍ".
"وعن جابر بن سَمُرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: لا يزال الإِسلامُ عزيزًا إلى اثني عشر خليفةً كلهم من قريش"، يُحمل هذا على العادلين؛ لأن غيَر العادل لا يستحقُّ الخلافة.
"وفي رواية: لا يزال أمرُ الناس"؛ أي: أمر دينهم "ماضيًا" على الصواب والحق "ما وَليهم اثنا عشر رجلًا كلهم من قريش".
"وفي رواية: لا يزال الدِّين قائمًا حتى تقوم الساعة، أو يكون عليهم اثنا عشر خليفة كلهم من قريش".
* * *
٤٦٨١ - وَقالَ: "غِفارُ غَفَرَ الله لها، وأَسْلَمُ سالَمَها الله، وعُصَيَّةُ عَصَتِ الله ورسُولَه".
"وقال ﷺ : غِفار" - بكسر الغين المعجمة - قبيلة "غفر الله لها"؛ أي: أقول في حقهم: غفر الله لها.
"وأسلمُ سالمها الله"؛ أي: صالحها، وإنما دعا لهاتين القبيلتين؛ لدخولهما في الإسلام من غير حرب، وكانت غِفار تنسب إلى سَرِقة الحُجَّاج، فدعا ﷺ لهم بأن يمحوَ الله تلك السيئة عنهم ويغفر لهم.
стр. 3276
"وعُصَية" - بضم العين المهملة وفتح الصاد وتشديد الياء - اسم قبيلة "عصتِ الله ورسوله"، وهم الذين قتلوا القُرّاء عند بئرِ معونة، وكان ﷺ يَقْنُتُ عليهم في صلاته.
* * *
٤٦٨٢ - وقالَ: "قُريْشٌ، والأَنْصارُ، وجُهَيْنةُ، ومُزَيْنةُ، وأَسلمُ، وغِفارُ، وأَشجعُ = مَوالِيَّ، لَيسَ لهم مَوْلًى دُونَ الله ورَسُولهِ".
"وقال ﷺ : قريش والأنصار وجهينة ومزينة وأسلم وغفار وأشجع"، وهم قبائل من قريش، "موالي" بالإضافة إلى ياء المتكلم؛ أي: أحبائي وأنصاري، ومنوناً بلا إضافة؛ أي: بعضهم لبعضٍ أحباء وأنصارٌ، "ليس لهم مولًى دون الله ورسوله".
* * *
٤٦٨٣ - وقالَ: "أسلمُ، وغِفارُ، ومُزَيْنةُ، وجُهَيْنَةُ، خيرٌ مِن بني تميمٍ، ومِن بني عامرٍ، والحَلِيفَيْنِ بني أَسَدٍ وغَطَفانَ".
"وقال ﷺ : أسلم وغفار ومزينة وجهينة خيرٌ من بني تميم، ومن بني عامر والحليفين بني أسد وغَطَفان" - بفتح الغين المعجمة - وهما بدل من الحليفين، أو بيانٌ، وإنما يقال لهم: الحليفان؛ لأنهم تحالفوا على التناصر والتعاون، وأسدٌ - بالتحريك - أبو قبيلة من مضر وهو أبو أسد بن ربيعة بن نزارٍ.
* * *
٤٦٨٤ - عَنْ أَبي هُريْرَةَ ﵁ قَالَ: ما زِلْتُ أُحِبُّ بني تَمِيمٍ مُنْذُ ثَلاثٍ، سَمِعتُ مِن رَسُولِ الله ﷺ يقولُ فيهم، سَمِعتُه يَقُولُ: "هُمْ أَشَدُّ أُمَّتي على
стр. 3277
الدَّجّالِ"، قال: وجاءَتْ صَدَقاتُهم فقالَ رَسُولُ الله ﷺ : "هذه صَدَقاتُ قومِنا"، وكانَتْ سَبيّةٌ منهم عِنْدَ عائِشةَ ﵂ فقالَ: "أعَتْقِيها فإنَّها مِن وَلَدِ إسماعيل".
"وعن أبي هريرة ﵁ قال: ما زِلت أحب بني تميم منذ ثلاثٍ"؛ أي: ثلاث خصال "سمعت" صفة (ثلاث)، والعائد محذوف؛ أي: سمعتها "من رسول الله ﷺ يقول فيهم"؛ أي: يقولها في حقهم، وهي جملةٌ حالية.
"سمعته يقول" بدل من قوله: (سمعت من رسول الله ﷺ )، أو بيانٌ له، وبالجملة فهو تفصيلٌ للخصال الثلاث.
"هم أشد أمتي على الدجال"، هذه إحدى الخصال الثلاث.
"قال: وجاءت صدقاتهم، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: هذه صدقات قومنا": أضاف ﷺ إياهم إلى نفسه تشريفاً لهم، وهذه ثانيتها.
"وكانت سبية"؛ أي: مَسْبية "منهم عند عائشة ﵂ فقال: أعتقيها"، فيه دليل على جواز استرقاق العرب، "فإنها من ولد إسماعيل ﵇ ": جعل ﷺ أباهم من ولد إسماعيل ﵇، وهذه ثالثتها.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٤٦٨٥ - عَنْ سَعْدٍ ﵁، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "مَن يُرِد هَوانَ قُريشٍ أَهانَهُ الله".
"من الحسان":
" عن سعد ﵁ عن النبي ﷺ قال: مَنْ يُرد هوان قريش أهانه الله"، خبرٌ أو دعاء على من يريد هوانهم.
* * *
стр. 3278
٤٦٨٦ - وعَنِ ابن عبّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "اللهمَّ! أَذَقْتَ أوَّلَّ قُريشٍ نَكَالًا فأَذِقْ آخرَهُمْ نَوالًا".
"وعن ابن عباس قال: كان رسول الله ﷺ يقول: اللهم أذقت أولَ قريش نكالًا"؛ أي: عقوبة، وقيل: أراد به القحط والغلاء، "فأذِقْ آخرهم نَوالًا"؛ أي: عطاء وإنعامًا.
* * *
٤٦٨٧ - عَنِ أبي عامِرٍ الأَشْعريِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "نِعْمَ الحَيُّ الأَسْدُ والأَشعريُّونَ، لا يَفِرُّونَ في القَتالِ، ولا يَغُلُّونَ، هُمْ مِنِّي وأَنَا مِنْهُم"، غريب.
"عن أبي عامر الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ نعم الحي الأسد"، وهو بسكون السين: أبو حيّ من اليمن، ويقال لهم: الأزد، وهو بالسين أفصح.
"والأشعريون لا يفرون في القتال ولا يَغُلُّون" - بضم الغين -؛ أي: لا يخونون في المغنم، "هم مني وأنا منهم".
"غريب".
* * *
٤٦٨٨ - وعَنْ أَنسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "الأَزْدُ أَزْدُ الله في الأرْضِ، يرُيدُ النّاسُ أنْ يَضَعُوهم ويَأبَى الله إِلَّا أنْ يرفَعَهم، ولَيأتينَّ على النّاسِ زَمانٌ يَقُولُ الرَّجلُ: يا لَيْتَ أَبي كانَ أَزْدِيًا، ويا ليتَ أمي كانَت أَزْدِيَّةً"، غريب.
"عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ الأزد"، وهو أزد شنوءة حي باليمن، "أزد الله"؛ أي: أهل نصرته "في الأرض"، أضافهم إلى الله؛ لكونهم
стр. 3279
من حزبه وجنوده وأهل نصرة رسوله ودينه.
"يريد الناس أن يضعوهم"؛ أي: يحقروهم ويذلُّوهم "ويأبى الله إلا أن يرفعهم، وليأتين على الناس زمانٌ يقول الرجل: يا ليت أبي كان أزديًّا، ويا ليت أمي كانت أزدية".
"غريب".
* * *
٤٦٨٩ - عَنْ عِمرانَ بن حُصَينٍ ﵁ قَالَ: ماتَ النَّبيّ ﷺ وهوَ يَكْرهُ ثَلاثةَ أحياءً: ثَقيفاً، وبني حَنِيفَةَ، وبني أُمَيَّةَ. غريب.
"عن عِمران بن حُصين ﵁ قال: مات النبي ﷺ وهو يكره ثلاثة أحياء"؛ أي: قبائل؛ "ثقيف وبني حنيفة وبني أمية".
"غريب".
* * *
٤٦٩٠ - عَنِ ابن عُمَرَ ﵁: عَنِ النَّبيِّ ﷺ قال: "في ثَقِيفٍ كذّابٌ ومُبيرٌ"، قيل: الكَذابُ هو المُختارُ بن أبي عُبيدٍ، والمُبيرُ هُوَ الحَجّاج بن يُوْسُفَ، قَالَ هِشامُ بن حَسّانَ: أحْصَوْا ما قتلَ الحَجَّاجُ صَبْرًا فبلَغَ مئةَ ألفٍ وعِشْرينَ ألفًا.
"عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: في ثقيف كَذّابٌ ومُبير"؛ أي: مهلك.
"قيل: الكذاب هو المختار بن أبي عبيد": بن مسعود الثقفي، فإنه كان متدلساً مشغوفاً بطلب الدنيا بالدين، يُظهر الخير ويُضْمر الشر، وكان يبغض عليًا، وقد عُرف ذلك منه، وكان يدَّعي موالاته، وقام طالباً لثأر الحسين، وكان
стр. 3280
غرضُه صرفَ وجوهِ الناس إليه توسُّلًا لطلب الإمارة، وأفسد على قومٍ من الشيعة عقائدَهم، يُنسَبون إليه يقال لهم: المختارية، وقيل: سماه كذاباً؛ لادعائه النبوة بالكوفة.
وعن عليٍّ ﵁ قال رسول ﷺ في حقه: تالله! لو شُقَّ عن قلبه الآن لَوُجِدَت اللاتُ والعزَّى فيه.
"والمبير: هو الحجاج بن يوسف"، لم يكن في الإهلاك أحدٌ مثله.
"قال هشام بن حسان: أحصَوا" - بصيغة الماضي - من الإحصاء؛ أي: عَدَّوا "ما قتل الحجاج صَبْرًا"؛ أي: حبسًا، "فبلغ مئة ألفٍ وعشرين ألفًا" سوى مَنْ قتله محاربةً.
* * *
٤٦٩١ - وَرَوَى مُسْلِمٌ في الصَّحيح: حينَ قتلَ الحَجّاجُ عبدَ الله بن الزُّبيرِ ﵁ قالَت أَسْمَاءُ لهُ: إِنَّ رَسُولَ الله ﷺ حدَّثنا: أنَّ في ثقيفٍ كذّابًا ومُبيرًا، فأَمّا الكَذابُ فرأيناهُ، وأمَّا المُبيرُ فلا أخالُكَ إلا إيَّاه.
"وروى مسلمٌ في الصحيح: حين قتل الحجاج عبد الله بن الزبير" جاءت أمه أسماءُ بنت أبي بكر الصديق ﵃، فرأته مَصلوباً، فحاضت بعد كِبَر سنِّها، وخرج اللبن من ثديها، فدخلت على الحجاج وسألته أن ينزل المصلوب، فقال: خلُّوا بينها وبين جيفته.
"قالت أسماء" بنت الصديق "له"؛ أي: للحجاج: "إن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حدَّثنا أنَّ في ثقيف كذابًا ومبيرًا، فأما الكذاب فرأيناه": أرادت به المختار بن أبي عبيد، "وأما المبير فلا أخالك"؛ أي: لا أظنك.
стр. 3281
"إلا إياه": الضمير يعود إلى المبير.
* * *
٤٦٩٢ - وعَنْ جابرٍ ﵁ قَالَ: قالوا يا رَسُولَ الله! أَخرَقَتْنا نِبالُ ثقيفٍ، فادعُ الله عَلَيهم، قال: "اللهمَّ! اهْدِ ثَقِيفًا".
"وعن جابر ﵁ قال: قالوا: يا رسول الله! أحرقتْنا نبالُ ثقيف"، أي: سهامهم، "فادع الله عليهم قال: اللهم اهد ثقيفًا".
* * *
٤٦٩٣ - عَنْ أَبي هُريَرةَ ﵁ قَالَ: كُنّا عِندَ النَّبيِّ ﷺ فَجاءَهُ رَجُل أَحسبُه مِن قيْسٍ قَالَ: يا رَسُولَ الله! الْعَنْ حِمْيَرًا، فقالَ النَّبيّ ﷺ : "رَحِمَ الله حِمْيَرًا، أفواهُهم سلامٌ، وأيدِيهم طَعامٌ، وهم أَهْلُ أَمْنٍ وإِيمانٍ"، منكر.
"عن أبي هريرة ﵁ قال: كنا عند النبي ﷺ فجاءه رجل أحسبه من قيسٍ" أبو قبيلة من مضر، "قال: يا رسول الله! العن حميرًا" أبو قبيلةٍ من اليمن، "فقال رسول الله ﷺ : رحم الله حميرًا؛ أفواههم سلام"، أي: ذو سلامٍ، أو محل سلام، "وأيديهم طعام"؛ أي: ذات طعام، ويمكن أن يقال: جعل أفواههم نفس السلام، وأيديهم نفس الطعام للمبالغة، "وهم أهل أمن وإيمانٍ".
"منكر"، أي: هذا الحديث منكر، قيل: يحتمل أنه ألحقه بعض أهل المعرفة بالحديث؛ لا أنه من لفظ المؤلف؛ لأنه التزم الإعراض عن ذكر المنكر في هذا الكتاب.
* * *
٤٦٩٤ - عَنْ أَبي هُريْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ الله ﷺ : "مِمَّن أَنْتَ؟ "،
стр. 3282
قُلْتُ: مِن دَوْسٍ، قَالَ: "ما كُنْتُ أُرَى أنَّ في دَوْسٍ أحدًا فيهِ خيرٌ".
"عن أبي هريرة ﵁ قال: قال لي النبيُّ صلى الله تعالى عليه وسلم: ممن أنت؟! قلت: من دوس" قبيلةٌ باليمن من الأزد.
"قال: ما كنت أرى"؛ أي: أظن "أن في دوس أحدًا فيه خيرٌ" * * *
٤٦٩٥ - عَنْ سَلْمان ﵁ قَالَ: قَالَ لي رَسُولُ الله ﷺ : "لا تُبغِضْنِي فتفارِقَ دينَكَ"، قُلْتُ: يا رَسُولَ الله! كيفَ أُبغِضُكَ وبكَ هَدانا الله؟ قال: "تُبغِضُ العربَ فتُبغِضُني"، غريب.
"عن سلمان ﵁ قال: قال لي رسول الله ﷺ : لا تبغضني" - بصيغة النهي - "فتفارق دينك" بنصب (تفارق) جوابًا للنهي.
"قلت: يا رسول الله! كيف أبغضك وقد هدانا الله بك؟ قال: تبغض العرب فتبغضني"، "غريب".
* * *
٤٦٩٦ - عَنْ عُثْمان بن عَفّان ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَن غَشَّ العَربَ لَمْ يَدخلْ في شَفاعَتي، ولَمْ تَنَلْهُ مَوَدَّتي"، غريب.
"عن عثمانَ بن عفان ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : مَنْ غَشَّ العرب"؛ أي: أبغضهم "لم يدخل في شفاعتي، ولم تنلْهُ مودتي"؛ أي: أرده، وإنما قال ﷺ في حق العرب ذلك؛ لأنه نزل القرآن بلغتهم، وبلغتهم تعرف فضيلته؛ لازدياد فصاحة القرآن على فصاحتهم، وأيضًا العرب تحمَّلوا الشريعة، ونقلوها إلى الأمم، وضبطوا أقواله وأفعاله، ونقلوا إلينا معجزاتِه، ولأنهم مادة الإسلام،
стр. 3283
وبهم فُتحت البلاد وانتشر الإسلام في أقطار العالم، ولأنهم أولاد إسماعيل ﵇.
"غريب".
* * *
٤٦٩٧ - وقالَ رَسُول الله ﷺ : "مِنِ اقترابِ السَّاعةِ هَلاكُ العربِ".
"قال ﷺ : من اقتراب الساعة هلاكُ العرب".
* * *
٤٦٩٨ - عَنْ أَبي هُريْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قال: "المُلْكُ في قُريشٍ، والقَضاءُ في الأَنْصارِ، والأَذانُ في الحَبشَةِ، والأَمانةُ في الأَزْدِ"، يَعِني: اليَمينَ.
ويُروَى مَوْقوفًا وهُوَ الأَصحُّ.
"عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: الملك في قريش"، يريد به كون الأموال أو الخلافة فيهم.
"والقضاء"؛ أي: الحكم الجزئي "في الأنصار"، قاله تطييباً لقلوبهم؛ لأنهم آووا ونَصَروا، وبهم قام عمود الإسلام، وفي بلدهم تم أمرُه واستقام، وبنيت المساجد وجُمِّعت الجُمُعات.
"والأذان"؛ أي: أذان زماننا "في الحبشة، والأمانة في الأزد؛ يعني: "اليمن"
"ويروى موقوفًا"؛ يعني: وَقَفه بعضهم على أبي هريرة، ولم يرفعه إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، "وهو الأصح".
стр. 3284
٢ - باب مناقب الصحابة ﵃ -
(باب مناقب الصحابة)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٤٦٩٩ - عَنْ أَبي سَعِيْدٍ الخُدرِيَّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لا تَسُبُّوا أَصحابي، فَلَو أنَّ أَحدَكُم أَنفقَ مِثَلَ أُحُدٍ ذَهَباً ما بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهم ولا نَصِيفَهُ".
"من الصحاح":
" عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : لا تسبُّوا أصحابي": فيه نهيٌ عن سبهم. قال الجمهور: مَنْ سب واحدًا منهم يعزَّر، وقال بعض المالكية: يقتل.
"فلو أنَّ أحدكم أنفق مثلَ أحدٍ ذهبًا ما بَلَغَ مُدَّ أحدهم" - بضم الميم -، وروي: بفتحها: ربع الصاع.
"ولا نصيفه": وهو لغة في النصف؛ كالخميس في الخمس، فالضمير للمد، وقيل: النصيف مكيالٌ دون المد، فالضمير للأحد، والمعنى: لو أنفق أحدكم مثل جبل أحد ذهبًا في سبيل الله ما بلغ ثوابُه ثواب إنفاق أحد من أصحابي مدًا من الطعام ولا نصفه؛ لمقارنة إنفاقِهم مزيد الإخلاصِ وصدق النية، مع ما كانوا في وقت الضرورة وكثرة الحاجة إلى نصرة الدين.
* * *
٤٧٠٠ - عَنْ أَبي بُردَة ﵁، عَنْ أَبيْهِ: قَالَ: رَفَعَ - يعني: النبيَّ ﷺ رأسَهُ إلى السَّماءَ، وكانَ كثيرًا ما يَرفعُ رَأسَه إلى السَّماءَ، فقالَ: "النجومُ أَمَنةٌ
стр. 3285
للسَّماءَ، فإذا ذهبَتِ النَّجومُ أتى السَّماءَ ما تُوعَدُ، وأنا أَمَنةٌ لأصَحابي، فإذا ذهبْتُ أتى أَصحابي ما يُوعَدُونَ، وأَصحابي أَمَنةٌ لأُمَتي، فإذا ذَهَبَ أَصحابي أتى أُمَّتي ما يُوعَدُون".
"عن أبي بردة عن أبيه قال: قال رفع - يعني النبي ﷺ رأسَه إلى السماء - وكان كثيرًا ما يرفع رأسه إلى السماء - وقال: النجوم أمنةٌ": - بالفتحات - مصدر بمعنى الأمن "للسماء"، وقيل: جمع أمين وهو الحافظ، يعني: أنها سببٌ لأمن السماء.
"فإذا ذهبت النجوم"؛ أي: تناثرت، "أتى السماء ما تُوعَدُ" من الانفطار والطَّي كالسِّجِلِّ.
"وأنا أمنةٌ لأصحابي، فإذا ذهبتُ أتى أصحابي ما يوعدون" من كثرة الفتن والاختلافات بينهم.
"وأصحابي أمنةٌ لأمتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمتي ما يوعدون" من ظهور البدع وغلبة أهل الأهواء.
* * *
٤٧٠١ - عَنْ أبي سَعِيدٍ الخُدرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "يأتي على النّاسِ زَمان فيَغْزُو فِئامٌ مِن النّاسِ فيَقُولُونَ: هل فِيْكُم مَن صاحَبَ رَسُولَ الله ﷺ ؟ فيقُولُونَ: نعم، فيُفتَحُ لَهُم، ثُمَّ يَأتِي على النّاسِ زَمان فيَغزُو فِئامٌ مِن النّاسِ فيُقالُ: هَلْ فيكُم مَن صاحبَ أَصحابَ رَسُولِ الله ﷺ ؟ فيقولونَ: نعمْ، فيُفتَحُ لَهُم، ثُمَّ يأتي على النّاسِ زَمان فيَغزو فِئامٌ مِن النّاسِ فيُقالُ: هَلْ فيكُم مَن صاحَبَ مَن صاحَبَ أصحابَ رَسُولِ الله ﷺ ؟ فيقولونَ: نعمْ، فيُفتَحُ لهم".
стр. 3286
وزادَ بعضُهم: "ثُمَّ يَكُونُ البَعْثُ الرّابعُ فيُقالُ: انظُرُوا هَلْ تَرَوْنَ فيهم أَحَدًا رَأَى مَن رَأَى أَحدًا رَأَى أَصحابَ النَّبيِّ ﷺ ؟ فيُوجَدُ الرَّجُلُ فيُفتَحُ لَهُ".
"عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : يأتي على أمتي زمانٌ فيغزو فئام" - بكسر الفاء وبالهمزة -؛ أي: جماعة "من الناس فيقولون"؛ أي: الذين يغزو الفئام لهم: "هل فيكم مَنْ صاحَبَ رسولَ الله ﷺ ؟ فيقولون"؛ أي: الفئام: "نعم، فيُفتح لهم"؛ أي: ينُصرون.
"ثمَّ يأتي على الناس زمان، فيغزو فِئامٌ من الناس، فيقال لهم: هل فيكم من صاحبَ أصحابَ رسولِ الله ﷺ ؛ فيقولون: نعم، فيُفتح لهم"؛ أي: ينصرون.
"ثمَّ يأتي على الناس زمانٌ، فيغزو فِئامٌ من الناس فيقال: هل فيكم مَنْ صاحب أصحابَ رسولِ الله ﷺ فيقولون: نعم، فيفتح لهم"، فيه بيان فضيلة الصحابة والتابعين وتابعيهم ﵃.
"وزاد بعضهم"؛ أي: بعض الرواة: "ثمَّ يكون بعث الرابع"؛ أي: جيش الزمان الرابع، "فيقال: انظروا هل ترون فيهم أحدًا رأى مَنْ رأى أحدًا رأى أصحاب النبي ﷺ ، فيُوجد الرجل، فيفتح له".
* * *
٤٧٠٢ - وعَنْ عِمرانَ بن حُصَيْنٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "خيرُ أُمَّتي قَرني، ثُمَّ الَّذينَ يَلُونهم، ثُمَّ الَّذينَ يَلُونَهم، ثُمَّ إِنَّ بَعْدَهم قَوْمًا يَشهدُونَ ولا يُستَشهَدونَ، ويَخُونُونَ ولا يُؤْتَمَنُون، ويَنذُرُونَ ولا يَفُونَ، ويَظهرُ فيهمُ السّمَنُ".
وفي رِوايةٍ: "ويَحلِفُونَ ولا يُستَحلَفُونَ".
ويرُوَى: "ثُمَّ يَخْلُفُ قومٌ يُحبُّونَ السُّمَانَة".
стр. 3287
"وعن عِمران بن حصين ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : خير أمتي قرني"؛ يعني الصحابة، "ثمَّ الذين يلونهم"؛ يعني: التابعين، "ثمَّ الذين يلونهم"؛ يعني: السلف.
"ثمَّ إن بعدهم قومًا يَشْهدون ولا يُسْتشهدون"؛ أي: يشهدون قبل أن تطلب منهم الشهادة.
"ويخونون ولا يُؤتمنون"؛ أي: لا يجعلون أمناء.
"وينذُرون ولا يَفُون، ويظهر فيهم السِّمن"؛ أي: التكثُّر بما ليس فيهم من الشرف، وقيل: أراد به جمع المال والحرص على الدنيا.
وقيل: هو كنايةٌ عن الغفلة وقلة الاهتمام بأمر الدين، فإنَّ الغالب على أهل السمن أن لا يهتموا برياضة البدن، وتكميل النفس، بل مُعظم هِمَمِهم تناول الحظوظ الدنيوية.
"وفي روايةٍ: يحلفون ولا يستحلفون"؛ أي: يحلفون قبل أن يُستحلفوا.
"ويروى: ثمَّ يخلف قومٌ يحبون السمانة" - بفتح السين -: مصدر سَمُن - بالضم - سَمْناً وسَمِانةً.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٤٧٠٣ - عَنْ عُمَرَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "أكرِمُوا أَصحابي فَإنّهم خِيارُكم، ثُمَّ الذينَ يَلُونهم، ثُمَّ الذينَ يَلُونَهم، ثمَّ يَظهرُ الكَذِبُ، حتَّى إنَّ الرَّجُلَ لَيَحلِفُ ولا يُستحلَفُ، ويَشهدُ ولا يُستشهَدُ، أَلا فمَن سَرَّه بُحبُوحةُ الجَنَّةِ فليَلْزمِ الجَماعةَ، فإنَّ الشَّيطانَ معَ الفَذِّ، وهو من الاثنينِ أَبْعَدُ، ولا يَخلُونَّ رَجُلٌ بامرأةٍ فإن الشَّيطانَ ثالِثُهُما، ومَن سرَّتْهُ حَسَنته وساءَتْهُ سَيئته فهُوَ مؤمِنٌ".
стр. 3288
"من الحسان":
" عن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : أكرموا أصحابي فإنهم خيار أمتي، ثم الذين يلونهم، ثمَّ الذين يلونهم، ثمَّ يظهر الكذب، حتى إنَّ الرجل ليحلف ولا يُستحلف، ويَشْهد ولا يستشهد، ألا" - حرف تنبيه - "من سرَّه بحبوحة الجنة"؛ أي: وسطها وخيارها "فليلزمِ الجماعة": المراد بالجماعة: السواد الأعظم وما عليه الجمهور من الصحابة والتابعين والسلف.
"فإن الشيطان مع الفذِّ": - بتشديد الذال المعجمة -؛ أي: مع المنفرد برأيه دون رأي الجماعة، "وهو"؛ أي: الشيطان "من الاثنين أبعد"؛ أي: بعيد.
"ولا يخلون رجل بامرأةٍ فإن الشيطان ثالثهما، ومن سرته حسنُته وساءته سيئتُه فهو مؤمنٌ"؛ أي: كامل في إيمانه.
* * *
٤٧٠٤ - عَنْ جابرٍ ﵁، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "لا تَمَسُّ النّارُ مُسْلِمًا رآني، أو رَأي مَن رَآني".
"عن جابر ﵁ عن النبي ﷺ قال: لا تمسُّ النارُ مسلمًا رآني، أو رأى مَنْ رآني"، فيه دليلٌ على فضل الصحابة على غيرهم، وفضل التابعين على أتباعهم.
* * *
٤٧٠٥ - عَنْ عبدِ الله بن مُغَفَّلٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "الله الله في أَصحابي، الله الله في أَصحابي، لا تتَّخِذُوهُم غَرَضًا مِنْ بَعْدِي، فمَن أَحبَّهم فبحُبي أَحبَّهم، ومَن أَبغضَهم فَببُغضي أَبغضَهُمِ، ومَن آذاهُم فَقْد آذانِي، وَمَنْ آذانِي فَقَذ آذَى الله، ومَنْ آذَى الله فيُوشِكُ أنْ يَأخُذَه"، غريب.
стр. 3289
"عن عبد الله بن مغفَّل ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : الله الله"؛ أي: اتقوا الله "في أصحابي"؛ يعني: لا تذكُروهم إلا بالتعظيم والتوقير.
"لا تتخذوهم غَرَضًا"؛ أي: لا تجعلوهم هدفًا لكلامكم القبيح "من بعدي": بالطَّعن في سريرتهم، والرمي بالألسن إليهم بما لا يليق بهم.
"فمن أحبَّهم فبحبي أحبهم، ومَنْ أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومَنْ آذاهم فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذى الله تعالى، ومن آذى الله فيوشك أن يأخذه".
"غريب".
* * *
٤٧٠٦ - عَنْ عَبْدِ الله بن بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ "ما مِن أَحدٍ مِن أَصحابي يَمُوتُ بِأَرضٍ إِلَّا بُعِثَ قائدًا ونُورًا لَهُم يومَ القيامةِ"، غريب.
"وعن عبد الله بن بُريدة، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ : ما مِنْ أحدٍ من أصحابي يموت بأرضٍ إلا بُعث"؛ أي: ذلك الأحدُ من أصحابي "قائدًا" لأهل تلك الأرض، "ونورًا لهم يوم القيامة"، "غريب".
* * *
٤٧٠٧ - عَنْ أَنسٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَثَلُ أَصحابي في أَمَّتِي كالمِلْح في الطَّعامِ لا يَصلُحُ الطَّعامُ إلا بالمِلْح".
"عن أنسٍ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : مَثَلُ أصحابي في أمتي كالملح في الطعام، لا يصلح الطعام إلا بالملح"، قال الحسن البصري: فقد ذهب مِلحُنا فكيف نصلح؟
стр. 3290
٤٧٠٨ - عَنْ ابن مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "لا يُبَلِّغُني أحدٌ عَنْ أَحدٍ مِنْ أَصحابي شَيئًا فإنِّي أُحِبُّ أَنْ أَخْرُجَ إليْهِم وأَنا سَليمُ الصّدْرِ".
"عن ابن مسعودٍ ﵁ قال: قال النبي ﷺ : لا يبلغني أحدٌ عن أحد من أصحابي شيئًا"؛ أي: من مساوئهم، "فإني أحبُّ أن أخرُجَ إليهم وأنا سليم الصدر"؛ أي: من الغِلِّ والحقد، وقيل: معناه: أنَّه ﷺ يتمنى أن يخرج من الدنيا وقلبُه راضٍ عن أصحابه من غير حقدٍ على أحدٍ منهم.
* * *
٣ - باب مَناقِبِ أَبي بَكرٍ الصِّديقِ ﵁ -
(باب مناقب أبي بكر ﵁)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٤٧٠٩ - عَنْ أَبي سَعْيدٍ الخُدرِيِّ ﵁، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "إنَّ مِنْ أَمَنِّ النّاسِ عَليَّ في صحبَتِهِ ومالِهِ أبا بكْرٍ، ولَوُ كنتُ مُتَّخِذًا خليلًا مِن أُمتي لاتَّخَذْتُ أبا بكرٍ، ولكنْ أُخُوَّةُ الإِسلامِ ومَودَّتُه، لا يَبقَى في المسجدِ خَوْخةٌ إلا خَوْخَةُ أبي بكرٍ".
وفي روايةٍ: "لو كنْتُ مُتَّخِذًا خَليلًا غيرَ ربي لاتَّخَذْتُ أبا بكرٍ".
"من الصحاح":
" عن أبي سعيد الخدري ﵁ عن النبي ﷺ قال: إنَّ مِنْ أمَنِّ الناس"، وهو أفعل التفضيل من المَنِّ الذي هو العطاء، أي: مِنْ أبذلهم وأسمحهم "عليَّ"؛ أي: لأجلي "في صحبته وماله أبا بكر"، حيث فارق أهلَه وماله، وجعل نفسه وقِايةً له ﷺ .
стр. 3291
"ولو كنت متَّخذًا خليلًا من أمتي": قيل: الخليل من الخُلَّة وهي الصداقة المتخلِّلة في قلب المحب الداعية إلى اطِّلاع المحبوب على سره؛ يعني: لو جاز لي أن أتخذ صديقًا من الخلق يقف عليَّ، "لاتخذت أبا بكر خليلًا"، ولكن لا يَطَّلِع على سري إلا الله، وإنما خصَّصه بذلك؛ لأنه كان أقربَ سرًا من أسرار رسول الله ﷺ ؛ لما روي أنَّه ﷺ قال: "إن أبا بكر لم يفضُل عليكم بصومٍ ولا صلاةٍ، ولكن بشيء كُتِبَ في قلبه".
"ولكن أخوة الإسلام"، اللام فيه للعهد؛ أي: الإِسلام الذي سبق به المسلمين، "ومودته"، أراد به المودة الثابتة بالإسلام، وهذا استدراك عن فحوى الجملة الشرطية، كأنه قال: ليس بيني وبينه خُلَّة، ولكن أخوة الإِسلام ومودته، فإنهما تقومان مقام الخلة.
"لا يبقين في المسجد خَوخةٌ إلا خوخة أبي بكرٍ"، والخوخة - بفتح الخاءين المعجمتين وسكون الواو -: كُوةٌ في الجدار تؤدي الضوء، وقيل: باب صغير يمر كالنافذة الكبيرة بين بيتين أو دارين يُنصب عليهما بابٌ.
وكان هذا القول منه ﷺ في مرضه الذي توفي فيه في آخر خطبة خَطَبها، وفيه تعريض باستخلافه ﷺ إياه بعده.
وهذه الكلمة إنْ أريد بها حقيقتها فالمعنى: الأمر بسدِّ الخوخات التي لأصحاب البيوت الملتصقة بالمسجد إلا خوخة أبي بكر ﵁ تكريمًا له بذلك أولًا، ثمَّ تعريضاً باستحقاقه أمرَ الإمامة دون مَنْ عَداه ثانياً، وإن أريد بها المجاز فهي كناية عن الخلافة وسدِّ أبواب المَقالة دون التطرق إليها، ويؤيد هذا التأويل تقديمُه ﷺ إياه في الصلاة وإباؤه وقوفَ غيره ذلك الموقف الخطير.
"وفي رواية: لو كنت متخذًا خليلًا غير ربي لاتَّخذت أبا بكرٍ خليلًا".
стр. 3292
٤٧١٠ - عن عبدِ الله بن مَسْعود ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "لو كنْتُ مُتَّخِذًا خليلًا لاتَّخَذْتُ أبا بكرٍ خَلِيلًا، ولكنَّهُ أخِي وصاحِبي، وقد اتخذَ الله صاحِبَكم خليلًا".
"عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: لو كنتُ متخذاً خليلًا لاتخذت أبا بكرٍ خليلاً، ولكن أخي وصاحبي، وقد اتخذ الله صاحبَكم خليلًا".
* * *
٤٧١١ - عن عائِشَة ﵂، قالتْ: قَالَ لِي رَسُولُ الله ﷺ في مَرَضهِ: "ادعِي لي أَبا بَكْرٍ أَباكِ، وأَخاكِ، حتى أكتُبَ كتابًا، فإنِّي أخافُ أنْ يتمنَّى مُتَمَن ويقولَ قائلٌ: أنا أَوْلى، وَيأْبَى الله والمؤمنونَ إلا أبا بكرٍ".
"عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ في مرضه: ادعي لي أبا بكر أباك، وأخاك" وهو عبد الرحمن "حتى أكتب كتابًا، فإني أخافُ أن يتمنى متمن ويقول قائل"؛ أي: متمنٍّ: "أنا أولى"؛ أي: أنا أحق بالخلافة ولا يستحقها غيري.
"ويأبى الله والمؤمنون"؛ أي: يأبيان خلافةَ كلِّ أحد "إلا أبا بكر"؛ أي: إلا خلافة أبي بكر.
* * *
٤٧١٢ - عن جُبَير بن مُطعِمٍ ﵁ قال: أتَتِ النَّبيَّ ﷺ امرأةٌ فَكَلَّمَتْهُ في شيءٍ، فأمرَها أنْ ترجعَ إليه، قالت: يا رسولَ الله! أرأيتَ إنْ جئتُ ولم أجدْكَ؟ كأنَّها تريدُ المَوْتَ، قال "فإِنْ لَمْ تَجديني فَأتِي أبا بكرٍ".
стр. 3293
"عن جُبير بن مُطْعِم ﵁ قال: أتتِ النبي ﷺ امرأةٌ فكلمته في شيءٍ، فأمرها أن ترجع إليه"؛ أي: إلى النبي ﷺ مرةً أخرى حتى يعطيَها شيئًا.
"قالت: يا رسول الله! أرأيت"؛ أي: أخبرني "إن جئت ولم أجدك، كأنها تريد الموت، قال: فإن لم تجديني فأتي أبا بكر"، وهذا يدل على خلافته ﵁ عقيبه ﷺ .
* * *
٤٧١٣ - وعن عمرِو بن العاصِ ﵁: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ بعثَه على جَيْشِ ذاتِ السَّلاسِلِ، قَالَ: فأَتيتُه فقُلتُ: أيُّ الناسِ أَحبُّ إليكَ؟ قال: "عائشةُ"، قلتُ: مِن الرِّجالِ؟ قال: "أبوها"، قلتُ: ثُمَّ مَن؟ قال: "عمرُ"، فعدَّ رِجالًا، فَسكتُّ مخافَةَ أنْ يجعلَني في آخرِهم.
"عن عمرو بن العاص ﵁: أن النبي ﷺ بعثه على جيش ذات السلاسل"، بإضافة الجيش إليه، قيل: هو رملٌ منعقد بعضه على بعض، وذلك الجيش لما بعث إلى تلك الأرض كان بها رملٌ على هذا النعت، أو اتفق ملاقاة الفريقين بها فأُضيف إليها؛ أي: جيش أرض ذات السلاسل، وقيل: سميت تلك الغزوة بذلك (١)؛ لأن الفئة المغزوة شد بعضهم بعضاً بالسلاسل للثبات.
"قال: فأتيته فقلت: أيُّ الناس أحب إليك؟ قال: عائشة، قلت: ثمَّ من؟ قال: أبوها، قلت: ثمَّ من؟ قال: عمر، فعدَّ رجالًا، فسكتُّ مخافةَ أنْ يجعلني في آخرهم".
стр. 3294
٤٧١٤ - عن مُحَمَّدِ بن الحَنَفيَّة قال: قلتُ لأَبي: أيُّ النّاسِ خيرٌ بعدَ النبيِّ ﷺ ؟ قال: أبو بكرٍ، قلتُ: ثُمَّ مَن؟ قال: عُمَرُ، وخَشِيتُ أنْ يقولَ: عثمانُ، قلتُ: ثُمَّ أنتَ؟ قال: ما أنا إلا رَجُلٌ مِن المُسلمين.
"عن محمَّد بن الحنفية ﵁ قال: قلت لأبي"؛ أي: لعليٍّ ﵁: "أي الناس خيرٌ بعد النبيِّ ﷺ قال: أبو بكر، قلت: ثم من؟ قال: عمر، وخشيت أن يقول عثمان، قلت: ثمَّ أنت؟ قال: ما أنا إلا رجلٌ من المسلمين".
* * *
٤٧١٥ - عن ابن عُمَرَ ﵁ قال: كُنّا في زَمَنِ النَّبيِّ ﷺ لا نَعدِلُ بأبي بَكْرٍ أَحَدًا، ثُمَّ عُمَرَ، ثُمَّ عُثْمانَ، ثمَّ نترُكُ أَصحابَ النبي ﷺ لا نُفاضلُ بينَهم.
وفي روايةٍ: كُنا نقولُ ورسولُ الله ﷺ حَيٌّ: أَفْضَلُ أُمَّةِ النَّبي ﷺ بعدَه أبو بكرٍ ثُمَّ عُمَرُ ثُمَّ عُثْمانُ.
"عن ابن عمر قال: كنا في زمن النبي ﷺ لا نعدل بأبي بكرٍ أحدًا، ثمَّ عمر، ثمَّ عثمان، ثمَّ نترك أصحاب رسول الله ﷺ ".
قال أبو سليمان الخطابي: وجه ذلك أنه أراد به الشيوخ وذوي الأسنان منهم الذين شاورهم ﷺ إذ أَحْزَنه أمرٌ، وكان عليٌّ ﵁ في زمن رسول الله ﷺ حديثَ السنِّ، ولم يُرِدِ ابن عمر الازدراء به، ولا تأخيره عن الفضيلة بعد عثمان، وفضلُه مشهور لا ينكره هو ولا غيره من الصحابة، وإنما اختلفوا في تقديم عثمان عليه، فذهب الجمهور من السلف من أهل كوفة إلى تقديم عثمان عليه، وذهب أكثر أهل الكوفة إلى تقديمه على عثمان.
"لا تفاضل بينهم"؛ أي: مفاضلة مثلهم، وإلا فأصحابُ النبي ﷺ يتفاضل بعضهم على بعضٍ كأهل بدر وأهل بيعة [الرضوان]، وكعلماء الصحابة.
стр. 3295
"وفي رواية: كنا نقول ورسولُ الله ﷺ حيٌّ: أفضل أمة النبي ﷺ بعده أبو بكر، ثمَّ عمر، ثمَّ عثمان".
* * *
مِنَ الحِسَان:
٤٧١٦ - عن أبي هريرَةَ ﵁ قال: قَالَ رسولُ الله ﷺ : "ما لأَحدٍ عِنْدَنا يدٌ إلا وقد كافَأنَاهُ ما خلا أبا بَكْرٍ، فإنَّ لهُ عندَنا يدًا يُكافئُه الله بِهِ يومَ القِيامةِ، وما نَفَعَني مالُ أَحَدٍ قَطُّ ما نفعَني مالُ أبي بكر، ولو كنتُ مُتَّخِذًا خليلًا لاتخَذْتُ أبا بكرٍ خليلًا، ألا وإنَّ صاحبَكم خليلُ الله".
"من الحسان":
" عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ما لأحدٍ عندنا يدٌ"، أراد باليد: النعمة، "إلا وقد كافأناه"؛ أي: جازيناه "ما خلا أبا بكر"، فإنه قد بذلها كلَّها إياه من المال والنفس والأهل والولد، "فإن له عندنا يدًا يكافئه الله بها يوم القيامة، وما نفعني مالُ أحدٍ قط"، (ما) هذه نافية، "ما نفعني مال أبي بكر"، (ما) هذه مصدرية، ولفظ (مثل) مضمر؛ أي: مثل نفع مال أبي بكر.
"ولو كنت متخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكرٍ خليلًا، ألا وإن صاحبكم"؛ يعني: رسول الله ﷺ "خليل الله".
* * *
٤٧١٧ - وقال عُمَرُ ﵁: أبو بكرٍ سَيَّدُنا وخيرُنا وأحبنا إلى رسولِ الله ﷺ .
"وقال عمر: أبو بكر سيدنا وخيرنا وأحبنا إلى رسول الله ﷺ ".