← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17791

شرح المصابيح لابن الملك

ابن الملك

Полный текст (3 421 стр.). Показаны 3291–3330 · переход к 3296.

стр. 3291

"ولو كنت متَّخذًا خليلًا من أمتي": قيل: الخليل من الخُلَّة وهي الصداقة المتخلِّلة في قلب المحب الداعية إلى اطِّلاع المحبوب على سره؛ يعني: لو جاز لي أن أتخذ صديقًا من الخلق يقف عليَّ، "لاتخذت أبا بكر خليلًا"، ولكن لا يَطَّلِع على سري إلا الله، وإنما خصَّصه بذلك؛ لأنه كان أقربَ سرًا من أسرار رسول الله ﷺ ؛ لما روي أنَّه ﷺ قال: "إن أبا بكر لم يفضُل عليكم بصومٍ ولا صلاةٍ، ولكن بشيء كُتِبَ في قلبه". "ولكن أخوة الإسلام"، اللام فيه للعهد؛ أي: الإِسلام الذي سبق به المسلمين، "ومودته"، أراد به المودة الثابتة بالإسلام، وهذا استدراك عن فحوى الجملة الشرطية، كأنه قال: ليس بيني وبينه خُلَّة، ولكن أخوة الإِسلام ومودته، فإنهما تقومان مقام الخلة. "لا يبقين في المسجد خَوخةٌ إلا خوخة أبي بكرٍ"، والخوخة - بفتح الخاءين المعجمتين وسكون الواو -: كُوةٌ في الجدار تؤدي الضوء، وقيل: باب صغير يمر كالنافذة الكبيرة بين بيتين أو دارين يُنصب عليهما بابٌ. وكان هذا القول منه ﷺ في مرضه الذي توفي فيه في آخر خطبة خَطَبها، وفيه تعريض باستخلافه ﷺ إياه بعده. وهذه الكلمة إنْ أريد بها حقيقتها فالمعنى: الأمر بسدِّ الخوخات التي لأصحاب البيوت الملتصقة بالمسجد إلا خوخة أبي بكر ﵁ تكريمًا له بذلك أولًا، ثمَّ تعريضاً باستحقاقه أمرَ الإمامة دون مَنْ عَداه ثانياً، وإن أريد بها المجاز فهي كناية عن الخلافة وسدِّ أبواب المَقالة دون التطرق إليها، ويؤيد هذا التأويل تقديمُه ﷺ إياه في الصلاة وإباؤه وقوفَ غيره ذلك الموقف الخطير. "وفي رواية: لو كنت متخذًا خليلًا غير ربي لاتَّخذت أبا بكرٍ خليلًا".

стр. 3292

٤٧١٠ - عن عبدِ الله بن مَسْعود ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "لو كنْتُ مُتَّخِذًا خليلًا لاتَّخَذْتُ أبا بكرٍ خَلِيلًا، ولكنَّهُ أخِي وصاحِبي، وقد اتخذَ الله صاحِبَكم خليلًا". "عن عبد الله بن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: لو كنتُ متخذاً خليلًا لاتخذت أبا بكرٍ خليلاً، ولكن أخي وصاحبي، وقد اتخذ الله صاحبَكم خليلًا". * * * ٤٧١١ - عن عائِشَة ﵂، قالتْ: قَالَ لِي رَسُولُ الله ﷺ في مَرَضهِ: "ادعِي لي أَبا بَكْرٍ أَباكِ، وأَخاكِ، حتى أكتُبَ كتابًا، فإنِّي أخافُ أنْ يتمنَّى مُتَمَن ويقولَ قائلٌ: أنا أَوْلى، وَيأْبَى الله والمؤمنونَ إلا أبا بكرٍ". "عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ في مرضه: ادعي لي أبا بكر أباك، وأخاك" وهو عبد الرحمن "حتى أكتب كتابًا، فإني أخافُ أن يتمنى متمن ويقول قائل"؛ أي: متمنٍّ: "أنا أولى"؛ أي: أنا أحق بالخلافة ولا يستحقها غيري. "ويأبى الله والمؤمنون"؛ أي: يأبيان خلافةَ كلِّ أحد "إلا أبا بكر"؛ أي: إلا خلافة أبي بكر. * * * ٤٧١٢ - عن جُبَير بن مُطعِمٍ ﵁ قال: أتَتِ النَّبيَّ ﷺ امرأةٌ فَكَلَّمَتْهُ في شيءٍ، فأمرَها أنْ ترجعَ إليه، قالت: يا رسولَ الله! أرأيتَ إنْ جئتُ ولم أجدْكَ؟ كأنَّها تريدُ المَوْتَ، قال "فإِنْ لَمْ تَجديني فَأتِي أبا بكرٍ".

стр. 3293

"عن جُبير بن مُطْعِم ﵁ قال: أتتِ النبي ﷺ امرأةٌ فكلمته في شيءٍ، فأمرها أن ترجع إليه"؛ أي: إلى النبي ﷺ مرةً أخرى حتى يعطيَها شيئًا. "قالت: يا رسول الله! أرأيت"؛ أي: أخبرني "إن جئت ولم أجدك، كأنها تريد الموت، قال: فإن لم تجديني فأتي أبا بكر"، وهذا يدل على خلافته ﵁ عقيبه ﷺ . * * * ٤٧١٣ - وعن عمرِو بن العاصِ ﵁: أَنَّ النَّبيَّ ﷺ بعثَه على جَيْشِ ذاتِ السَّلاسِلِ، قَالَ: فأَتيتُه فقُلتُ: أيُّ الناسِ أَحبُّ إليكَ؟ قال: "عائشةُ"، قلتُ: مِن الرِّجالِ؟ قال: "أبوها"، قلتُ: ثُمَّ مَن؟ قال: "عمرُ"، فعدَّ رِجالًا، فَسكتُّ مخافَةَ أنْ يجعلَني في آخرِهم. "عن عمرو بن العاص ﵁: أن النبي ﷺ بعثه على جيش ذات السلاسل"، بإضافة الجيش إليه، قيل: هو رملٌ منعقد بعضه على بعض، وذلك الجيش لما بعث إلى تلك الأرض كان بها رملٌ على هذا النعت، أو اتفق ملاقاة الفريقين بها فأُضيف إليها؛ أي: جيش أرض ذات السلاسل، وقيل: سميت تلك الغزوة بذلك (١)؛ لأن الفئة المغزوة شد بعضهم بعضاً بالسلاسل للثبات. "قال: فأتيته فقلت: أيُّ الناس أحب إليك؟ قال: عائشة، قلت: ثمَّ من؟ قال: أبوها، قلت: ثمَّ من؟ قال: عمر، فعدَّ رجالًا، فسكتُّ مخافةَ أنْ يجعلني في آخرهم".

стр. 3294

٤٧١٤ - عن مُحَمَّدِ بن الحَنَفيَّة قال: قلتُ لأَبي: أيُّ النّاسِ خيرٌ بعدَ النبيِّ ﷺ ؟ قال: أبو بكرٍ، قلتُ: ثُمَّ مَن؟ قال: عُمَرُ، وخَشِيتُ أنْ يقولَ: عثمانُ، قلتُ: ثُمَّ أنتَ؟ قال: ما أنا إلا رَجُلٌ مِن المُسلمين. "عن محمَّد بن الحنفية ﵁ قال: قلت لأبي"؛ أي: لعليٍّ ﵁: "أي الناس خيرٌ بعد النبيِّ ﷺ قال: أبو بكر، قلت: ثم من؟ قال: عمر، وخشيت أن يقول عثمان، قلت: ثمَّ أنت؟ قال: ما أنا إلا رجلٌ من المسلمين". * * * ٤٧١٥ - عن ابن عُمَرَ ﵁ قال: كُنّا في زَمَنِ النَّبيِّ ﷺ لا نَعدِلُ بأبي بَكْرٍ أَحَدًا، ثُمَّ عُمَرَ، ثُمَّ عُثْمانَ، ثمَّ نترُكُ أَصحابَ النبي ﷺ لا نُفاضلُ بينَهم. وفي روايةٍ: كُنا نقولُ ورسولُ الله ﷺ حَيٌّ: أَفْضَلُ أُمَّةِ النَّبي ﷺ بعدَه أبو بكرٍ ثُمَّ عُمَرُ ثُمَّ عُثْمانُ. "عن ابن عمر قال: كنا في زمن النبي ﷺ لا نعدل بأبي بكرٍ أحدًا، ثمَّ عمر، ثمَّ عثمان، ثمَّ نترك أصحاب رسول الله ﷺ ". قال أبو سليمان الخطابي: وجه ذلك أنه أراد به الشيوخ وذوي الأسنان منهم الذين شاورهم ﷺ إذ أَحْزَنه أمرٌ، وكان عليٌّ ﵁ في زمن رسول الله ﷺ حديثَ السنِّ، ولم يُرِدِ ابن عمر الازدراء به، ولا تأخيره عن الفضيلة بعد عثمان، وفضلُه مشهور لا ينكره هو ولا غيره من الصحابة، وإنما اختلفوا في تقديم عثمان عليه، فذهب الجمهور من السلف من أهل كوفة إلى تقديم عثمان عليه، وذهب أكثر أهل الكوفة إلى تقديمه على عثمان. "لا تفاضل بينهم"؛ أي: مفاضلة مثلهم، وإلا فأصحابُ النبي ﷺ يتفاضل بعضهم على بعضٍ كأهل بدر وأهل بيعة [الرضوان]، وكعلماء الصحابة.

стр. 3295

"وفي رواية: كنا نقول ورسولُ الله ﷺ حيٌّ: أفضل أمة النبي ﷺ بعده أبو بكر، ثمَّ عمر، ثمَّ عثمان". * * * مِنَ الحِسَان: ٤٧١٦ - عن أبي هريرَةَ ﵁ قال: قَالَ رسولُ الله ﷺ : "ما لأَحدٍ عِنْدَنا يدٌ إلا وقد كافَأنَاهُ ما خلا أبا بَكْرٍ، فإنَّ لهُ عندَنا يدًا يُكافئُه الله بِهِ يومَ القِيامةِ، وما نَفَعَني مالُ أَحَدٍ قَطُّ ما نفعَني مالُ أبي بكر، ولو كنتُ مُتَّخِذًا خليلًا لاتخَذْتُ أبا بكرٍ خليلًا، ألا وإنَّ صاحبَكم خليلُ الله". "من الحسان": " عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ما لأحدٍ عندنا يدٌ"، أراد باليد: النعمة، "إلا وقد كافأناه"؛ أي: جازيناه "ما خلا أبا بكر"، فإنه قد بذلها كلَّها إياه من المال والنفس والأهل والولد، "فإن له عندنا يدًا يكافئه الله بها يوم القيامة، وما نفعني مالُ أحدٍ قط"، (ما) هذه نافية، "ما نفعني مال أبي بكر"، (ما) هذه مصدرية، ولفظ (مثل) مضمر؛ أي: مثل نفع مال أبي بكر. "ولو كنت متخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكرٍ خليلًا، ألا وإن صاحبكم"؛ يعني: رسول الله ﷺ "خليل الله". * * * ٤٧١٧ - وقال عُمَرُ ﵁: أبو بكرٍ سَيَّدُنا وخيرُنا وأحبنا إلى رسولِ الله ﷺ . "وقال عمر: أبو بكر سيدنا وخيرنا وأحبنا إلى رسول الله ﷺ ".

стр. 3296

٤٧١٨ - عن ابن عُمَرَ ﵁ عن رَسولِ الله ﷺ : أَنَّه قَالَ لأَبي بكرٍ ﵁: "أنتَ صاحِبي في الغارِ، وصاحِبي على الحَوْضِ". "عن ابن عمر عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أنَّه قال لأبي بكر: أنتَ صاحبي في الغار، وصاحبي على الحوض". * * * ٤٧١٩ - عن عائِشَةَ ﵂ قالت: قَالَ رسولُ الله ﷺ : "لا ينبغي لقومٍ فيهم أبو بكر أَنْ يَؤُمَّهم غيرُه"، غريب. "وعن عائشة - رضي الله تعالى عنها - قالت: قال رسول الله ﷺ : لا ينبغي لقوم فيهم أبو بكر أنْ يؤمَّهم غيرُه"، فيه دليل على فضله على جميع الصحابة، وتأكيد صحة إمامته وإثبات خلافته. * * * ٤٧٢٠ - وعن عُمَرَ ﵁ قال: أمرَنا رسول الله ﷺ أنْ نتَصدَّقَ، ووافَقَ ذلك مالًا عندي، فقلتُ: اليومَ أَسْبقُ أبا بَكْرٍ، إنْ سبقتُهُ يومًا، قال: فجئتُ بنصفِ مالي، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "ما أَبقيْتَ لأهلِكَ؟ "، فقلتُ: مثلَهُ، وأتى أبو بكرٍ بكلِّ ما عندَهُ فقال: "يا أبا بكرٍ! ما أبقيْتَ لأهلِكَ؟ "، فقال: أبقيْتُ لهم الله ورسولَهُ، قلتُ: لا أَسْبقُه إلى شَيْءً أبدًا. "عن ابن عمر ﵁ قال: أَمرنا رسول الله أن نتصدق، ووافق ذلك"؟ أي: صادف أمرُه ﷺ بالتصدق "عندي مالًا"؛ أي: حصول مال عندي. "فقلت: اليومَ أسبقُ أبا بكر إنْ سبقته يومًا، قال: فجئتُ بنصف مالي، فقال رسول الله ﷺ : ما أبقيتَ لأهلك؟ فقلت: مثله، وأتى أبو بكر بكل ما عنده،

стр. 3297

فقال ﷺ : يا أبا بكر! ما أبقيت لأهلك؟ فقال: أبقيتُ لهم الله ورسوله، قلت: لا أسبقه إلى شيء أبدًا". * * * ٤٧٢١ - وعن عائِشَةَ ﵂: أنَّ أبا بَكْرٍ ﵁ دَخَلَ على رسولِ الله ﷺ فقالَ: "أنتَ عَتيقُ الله من النّارِ، فيَومَئذٍ سُمِّيَ عَتِيقًا". "عن عائشة: أن أبا بكرٍ ﵂ دخل على رسول الله ﷺ فقال: أنت عتيقُ الله من النار، فيومئذٍ سُمِّي عتيقًا"، فَعِيل بمعنى مُفْعَل؛ كحكيم بمعنى مُحْكَم. * * * ٤٧٢٢ - عن ابن عُمَرَ ﵁ قال: قَالَ رسولُ الله ﷺ : "أنا أَوَّلُ مَن تَنْشَقُّ عنه الأرضُ، ثُمَّ أبو بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرُ ثُمَّ آتي أَهْلَ البقيعِ فيُحشرُونَ معي، ثُمَّ أَنتظِرُ أهلَ مَكَّةَ حتى أُحشَرَ بينَ الحَرَمَيْنِ". "عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : أنا أولُ مَنْ تنشق عنه الأرض، ثم أبو بكر"؛ يعني: أحشر أول الخلق، ثم يحشر من أمتي أبو بكر، "ثم عمر، ثمَّ آتي أهلَ البقيع فيحشرون معي، ثم أنتظر أهل مكة حتى أحشر بين الحرمين"؛ أي: حتى أجمع أنا وهم؛ يعني: لي ولهم اجتماع بين الحرمين. * * * ٤٧٢٣ - عن أبي هُرَيرَةَ ﵁ قال: قَالَ رسولُ الله ﷺ "أتاني جِبْريلُ فأخذَ بيدي فأراني بابَ الجَنَّةِ الذي تَدْخُلُ منهُ أُمَّتي"، فقالَ أبو بَكْرٍ ﵁: يا رسولَ الله! وَدِدتُ أَنِّي كُنْتُ معَكَ حتى أَنظُرَ إليه، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "أَما إِنَّكَ يا أبا

стр. 3298

بكرٍ! أَوَّلُ مَن يدخلُ الجَنَّةَ مِن أُمَّتي". "عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : أتاني جبرائيل فأخذ بيدي فأراني بابَ الجنة الذي تَدخل منه أمتي، فقال أبو بكر: يا رسول الله! وددت"؛ أي: تمنيتُ "أني كنت معك حتى انظر إليه"؛ أي: إلى باب الجنة. "فقال رسول الله ﷺ : أَما إنك يا أبا بكر أول من يدخل الجنة من أمتي". * * * ٤ - باب مَناقِبِ عُمَرَ بن الخَطابِ ﵁ - (باب مناقب عمر بن الخطّاب رضي الله تعالى عنه) مِنَ الصِّحَاحِ: ٤٧٢٤ - عن أبي هُريرةَ ﵁ قال: قَالَ رسولُ الله ﷺ : "لقد كانَ فيما قَبْلَكُمْ مِن الأُمم مُحَدَّثونَ، فإنْ يَكُ في أُمتي أَحدٌ فإنَّه عُمَرُ". "من الصحاح": " عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : لقد كان فيمَنْ قبَلكم من الأمم مُحدَّثون"، والمحدث - بفتح الدال وتشديدها - هو المُلْهَم الذي يُلقى الشيء في رُوعه من الملأ الأعلى، فيخبر به فِراسة، يريد ﷺ : قوماً يصيبون في فراستهم إذا ظَنُّوا، فكأنهم حُدِّثوا بشيء فقالوه، فتلك منزلةٌ جليلة من منازل الأولياء. "فإن يك في أمتي أحدٌ فإنَّه عمر"، لم يُرِدْ ﷺ به الترددَ، فإن أمته أفضل الأمم، وحيث وُجد في غيرها ففيها أولى، بل أراد التأكيدَ لفضل عمر، والقطع

стр. 3299

به، يعني: أنَّه كان صادق الظن صافيًا؛ لصفاء قلبه الطاهر الذي هو محلٌ إلهامه تعالى. * * * ٤٧٢٥ - وعن سَعْدِ بن أبي وَقّاصٍ ﵁ قال: استأذَنَ عُمَرُ بن الخَطّابِ على رسولِ الله ﷺ وعِنْدَه نِسْوَةٌ مِن قُرَيْشٍ يُكَلِّمْنَهُ، عاليةً أصواتُهنَّ، فلَمّا استأذنَ عمرُ قُمْنَ فبْادَرنَ الحِجابَ، فدخَلَ عُمَرُ ورسولُ الله ﷺ يَضْحَكُ فقالَ: أَضْحَكَ الله سِنَّكَ يا رسولَ الله! مِمَّ تَضْحَكُ؟ فقالَ النبيُّ ﷺ : "عَجبْتُ مِن هؤلاءَ اللاتي كُنَّ عندي، فلمّا سَمِعْنَ صَوْتَكَ ابتَدَرنَ الحِجابَ"، قال عُمَرُ: يا عَدُوّات أنفُسِهنَّ! أتهَبنني ولا تَهَبن رسولَ الله؟ فقُلنَ: نعَم، أنَتَ أفظُّ وأغلظُ، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "إيْهِ يا ابن الخطابِ! والذي نفسي بيدِهِ، ما لَقِيَكَ الشَّيطانُ سالكًا فَجًّا قطُّ إلا سَلَكَ فَجًا غيرَ فَجِّكَ". "عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: استأذن عمر بن الخطّاب على رسول الله ﷺ وعنده نسوةٌ من قريش يكلِّمْنَه، عالية أصواتهن، فلما استأذن عمرُ قُمنَ فبادَرنَ الحجاب، فدخل عمر ورسول الله ﷺ يضحك، فقال: أضحكَ الله سنَّكَ يا رسول الله، ممَّ تضحك؟ فقال النبي ﷺ : عجبت من هؤلاء اللاتي كنَّ عندي، فلما سمعن صوتك ابتدرن الحجاب، فقال عمر: يا عدوّاتِ أنفسِهنَّ أتهبنني"؛ أي: أتوقرنني وتعظِّمنني "ولا تهبن رسولَ الله ﷺ ؟ فقلن: نعم، أنت أفظُّ وأغلظ"، وفي "الصحاح": الفظ من الرجال: الغليظ الجافي. "فقال رسول الله ﷺ إيهِ": - بكسر الهمزة والهاء - معناه: استزد على ما أنت عليه من التشدُّد والتصلُّب في الدين "يا ابن الخطاب، والذي نفسي بيده ما لَقِيَكَ الشيطانُ سالكًا فجًّا"؛ أي: طريقاً واسعًا "قط إلا سلك فجًا غيرَ فَجِّك"، وفيه تنبيه على صلابة عمر ﵁ في الدين واستمرار حاله على الحق

стр. 3300

المحَض والجد الصِّرف، ولذا كان إذا سلك طريقاً من طرق الدين سلك الشيطان غيره؛ ليأسِه منه، حتى كان بين يدي رسول الله ﷺ كالسيف الصارم إنْ أمضاه مضى، وإن كَفَّه كَفَّ. * * * ٤٧٢٦ - عن جابرٍ ﵁ قال: قَالَ النّبيُّ ﷺ : "دَخَلْتُ الجَنَّةَ فإذا أنا بالرُّمَيْصاء، امرأةِ أبي طَلْحَةَ - وسَمِعْتُ خَشْفَةً، فقلتُ: مَن هذا؛ فقالَ: هذا بلالٌ، ورأيتُ قَصراً بفِنائهِ جاريةٌ فقلتُ: لِمَنْ هذا؟ فقال: لعُمَرَ، فأردْتُ أنْ أدخُلَهَ فأنظرَ إليه فذكرتُ غيرتَكَ"، فقال عُمَرُ ﵁: بِأَبي وأُمِّي يا رسولَ الله! أعليكَ أغارُ؟ "عن جابر ﵁ قال: قال النبي ﷺ : دخلتُ الجنة فإذا أنا بالرُّمَيصاء" - بضم الراء وبالصاد المهملتين - تصغير رَمْصاء، يقال: رجل أرمص وامرأةٌ رمصاء، والرَّمَص - بفتحتين -: وسخ يجتمع في المُوْقِ وجَمَد، وإن سال فَغَمصٌ. "امرأة أبي طلحة": عطف بيان، أو بدل من الرميصاء، وهي أم سليم بنت مِلحان، كانت تحتَ مالك بن النضر فولدت منه في الجاهلية أنس بن مالك، فأسلمت وعَرَضت الإسلام على زوجها، فغضب عليها، وذهب إلى الشام فهلَكَ هنالك، فخطبها أبو طلحة الأنصاريَّ فأبت، فعلم أنه لا سبيل إليها إلا بالإسلام، فأسلم وتزوَّجها وحَسُن إسلامه. "وسمعت خَشَفة"؛ يعني صوت قرع النعل، "فقلت: مَنْ هذا؟ فقال"؛ أي: قائل: "هذا بلالٌ، ورأيت قصرًا بفنائه جارية"، فناء الدار: ما امتد من جوانبها، "فقلت: لمن هذا؟ فقال: لعمر"؛ أي: هذا لعمر.

стр. 3301

"فأردت أن أدخله فأنظر إليه فذكرت غَيرتك، فقال"؛ أي: "عمر: بأبي وأمي"، الباء للتفدية؛ أي: أنت مفدَّى بهما "يا رسول الله! أعليك أغار؟! ". * * * ٤٧٢٧ - وعن أبي سَعيدٍ ﵁ قال: قَالَ رسولُ الله ﷺ : "بينا أنا نائمٌ رأيتُ النّاسَ يُعرَضُونَ عليَّ وعليهم قُمصٌ، مِنْها ما يَبلغُ الثّدْيَ، ومِنْها ما دونَ ذلكَ، وعُرِضَ عليَّ عُمَرُ بن الخَطّابِ ﵁ وعَلَيْهِ قميصٌ يَجرُّه"، قالوا: فما أَوَّلْتَ ذلكَ يا رسولَ الله؛ قال: "الدَّينَ". "عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : بينا أنا نائم رأيت الناس يُعرضون عليَّ وعليهم قُمُصٌ" - بضم الميم - جمع قميص، "منها ما يَبْلُغ الثدي"؛ أي: الصدر، "ومنها ما دون ذلك"؛ أي: أَقصر منه. "وعُرِضَ عليَّ عمر بن الخطّاب وعليه قميصٌ يجرُّه، قالوا: فما أولت ذلك"؛ أي جر القميص لعمر "يا رسول الله؟! قال: الدين"؛ أي: أولته الدين؛ أي: يقيم الدين في زمان خلافته، ويطول زمانُ خلافته. * * * ٤٧٢٨ - وعن ابن عُمَرَ قال: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "بَيْنا أنا نائمٌ أُتيتُ بقَدَحِ لَبن فَشَرِبْتُ، حتى إِنِّي لأَرَى الرِّيَّ يَخْرُجُ في أَظْفاري، ثمَّ أَعْطَيْتُ فَضْلي عُمَرَ بن الخطابِ ﵁ " قالوا: فما أَوَّلْتَهُ يا رسولَ الله؛ قال: "العِلْمَ". "وعن ابن عمر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: بينا أنا نائم أُتيت بقَدَح لبن فشربت، حتى إني لأرى الرِّي يخرج في أظفاري، ثمَّ أَعطيت فضلي عمَر بن الخطّاب، قالوا: فما أوَّلته يا رسول الله؟ قال: العلم"، فالعلم في عالم

стр. 3302

المثال مصور بصورة اللبن بمناسبة أن اللبن أول غذاء البدن وسبب صلاحه، والعلم أول غذاء الروح وسبب لصلاحه، وفي الحديث دليل لمن قال بوجود الري في العلم. * * * ٤٧٢٩ - عن أبي هُرَيرةَ ﵁ قال: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "بَيْنا أنا نائمٌ رأيتُني على قَلِيبٍ عليها دلوٌ، فَنَزَعْتُ منها ما شاءَ الله، ثُمَّ أخذَها ابن أبي قُحافةَ فَنَزَعَ بها ذَنُوبًا أو ذَنُوبينِ، وفي نزعِه ضَعْفٌ والله يغفِرُ لهُ ضَعْفَه، ثُمَّ استَحالَتْ غَربًا، فأخذَها ابن الخَطّابِ، فَلَمْ أَرَ عَبْقريًا مِن النّاسِ يَنزِعُ نزعَ عُمَرَ، حتى ضَرَبَ النّاسُ بعَطَنٍ". "عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: بينا أنا نائم رأيتني على قَليب"، وهي البئر التي لم تُطْو، "عليها دَلو، فنزعت منها ما شاء الله، ثمَّ أخذها"؛ أي: الدلو "ابن أبي قحافة": - بضم القاف -، وهو أبو بكر، "فنزع بها ذنَوباً"، وهو بفتح الذال المعجمة: الدلو العظيمة الملأى ماءً، "أو ذنوبين"، شك من الراوي، أشار به ﷺ إلى قصر مدة خلافته، وهي سنتان وأشهر. "وفي نَزْعه ضعف": لم يُرِدْ به نسبةَ الضعف إليه لتقصيرٍ منه؛ لأنه تحمل من أعباء الخلافة - أي: مشقاتها - ما كانت الأمة تعجَز عن تحملها، ولذا قالت عائشة ﵂: لما توفي رسول الله ﷺ ارتدَّت جُفاةُ العرب وكثر المنافقون، فنزل بأبي ما لو نزل بالجبال الراسيات لقضَّها؛ أي: كسرها، بل هو إشارة إلى أن الفتوح في أيامه أقل منها في أيام عمر. "والله يغفِرُ له ضعفَه"، قيل: دعا ﷺ له بالمغفرة ليتحقق السامعون أن الضعف الذي وُجد في نزعه هو من مقتضى تغيُّر الزمان وقلة الأعوان.

стр. 3303

"ثم استحالت"؛ أي: انقلبت الذنوب وتحولت "غربًا" - بسكون الراء -: الدَّلو العظيمة التي تتخذ من جِلد ثور، "فأخذها ابن الخطاب، فلم أر عبقرياً من الناس"؛ أي: سيدًا قويًا "ينزع نزعَ عمر"؛ أي: كنزعه. "حتى ضرب الناس بِعَطَن": وهو مناخ الإبل حول الماء، ضَربَ النبي ﷺ ذلك مثلًا لاتساع الناس في زمان عمر وما فتح عليهم من الأمصار. * * * ٤٧٣٠ - ورواهُ ابن عُمَرَ، عن رسولِ الله ﷺ وقال: "ثمَّ أخذَها ابن الخَطّابِ مِن يَدِ أبي بَكم فاستحالَتْ في يدِه غَرباً، فلم أَرَ عَبْقَرِيًّا يَفرِي فَريَهُ، حتى رَوِي النّاسُ وضَرَبوا بعَطَنٍ". "ورواه ابن عمر عن رسول الله ﷺ وقال: ثمَّ أخذها ابن الخطاب من يد أبي بكر فاستحالت في يده غرباً، فلم أر عبقريًا يَفْري فَريه"؛ أي: يعمل عمله العجيب، ويقوَى قوته، ويقطع قطعه، وهذا كله إشارة إلى ما أكرم الله تعالى به عمر من امتداد مدة خلافته، ثمَّ القيام فيها بإعزاز الإسلام وحفظ حدوده وتقوية أهله. "حتى روِيَ الناس وضربوا بعطنٍ"؛ أي: حتى رووا وأَرووا إبلَهم، وأبركوها، وضربوا لها عَطَنا. * * * مِنَ الحِسَان: ٤٧٣١ - عن ابن عُمَرَ ﵁ قال: قَالَ رسولُ الله ﷺ : "إنَّ الله وَضَعَ الحَقَّ على لِسانِ عُمَرَ وقلبهِ".

стр. 3304

"من الحسان": " عن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إن الله وضع الحقَّ على لسانِ عمَر وقلبه". * * * ٤٧٣٢ - وقالَ عليٌّ ﵁: ما كُنّا نبعِدُ أنَّ السَّكينَةَ تَنْطِقُ على لِسانِ عُمَرَ. "وقال عليٌّ ﵁: ما كنا نبعد أن السكينة تنطق على لسان عمر"؛ أي: ما كنا نعد بعيدًا أنَّه مُلْهم من الملك، إذ كان ما يقوله حقاً وصواباً، يعني: ينطق بما يستحق أن تَسكُنَ إليه النفوس، وتَطمئن به القلوب، وإنه أمرٌ غيبي أُلقي على لسان عمر، ويحتمل أنَّه أراد بالسكينة: المَلَك الذي يُلْهمه ذلك القول. وفي "شرح السنة": قال ابن عمر: ما نزل بالناس أمرٌ قط فقالوا فيه وقال عمر فيه، إلا نزَلَ القرآنُ على ما قال عمر ﵁ * * * ٤٧٣٣ - عن ابن عبّاسٍ ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "اللهمَّ! أَعِزَّ الإِسلامَ بأبي جَهْلِ بن هشامٍ، أو بعُمَرَ بن الخَطّابِ"، فأَصْبَحَ عُمَرُ فَغَدا على النَّبيِّ ﷺ فأَسْلَمَ، ثمَّ صلَّى في المَسْجدِ ظاهِرًا. "عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: اللهم أعزَّ الإِسلام"؛ أي: قَوِّه وانصره "بأبي جهل بن هشام، أو بعمر بن الخطاب، فأصبح عمرُ فغدا على رسول الله ﷺ فأسلم، ثمَّ صلى"؛ أي: النبي ﷺ "في المسجد ظاهرًا"؛ أي: غير مختفٍ من الناس، وكانوا قبلَ إسلامِ عمر يصلون في خُفية منهم.

стр. 3305

٤٧٣٤ - عن جابرٍ ﵁ قال: قَالَ عُمَرُ ﵁ لأبي بكرٍ: يا خيرَ الناسِ بعدَ رسولِ الله ﷺ ! فقالَ أبو بَكْرٍ: أَما إِنَك إنْ قلتَ ذلكَ، فَلقَدْ سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ يقولُ: "ما طَلَعَت الشَّمْسُ على رَجُلٍ خيرٍ مِن عُمَرَ". "عن جابر ﵁ قال: قال عمر لأبي بكر ﵄: يا خيرَ الناسِ بعد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فقال أبو بكر: أَما إنك إنْ قلت ذلك فلقد سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: ما طلعتِ الشمسُ على رجلٍ خيرٌ من عمر". "غريب". * * * ٤٧٣٥ - عن عُقبةَ بن عامرٍ ﵁ قال: قَالَ رسولُ الله ﷺ : "لو كانَ بَعْدي نبِيٌّ لكانَ عُمَرَ بن الخَطّابِ"، غريب. "عن عقبةَ بن عامر ﵁ قال: قال النبي ﷺ : لوكان بعدي نبيّ لكان عمر ابن الخطاب"، "غريب". * * * ٤٧٣٦ - عن بُرَيْدَةَ قال: خرجَ رسولُ الله ﷺ في بَعْضِ مَغازيه، فلمّا انصَرَفَ جاءَتْ جارَيةٌ سَوْداءُ فقالت: يا رسولَ الله! إنِّي كنتُ نَذَرْتُ: إنْ رَدَّكَ الله صالِحًا أنْ أَضْرِبَ بينَ يَدَيْكَ بالدُّفِّ وأتغَنَّى، فقالَ لها رسولُ الله ﷺ : "إنْ كنتِ نَذَرتِ فاضْرِبي وإلَّا فلا"، فجَعَلَتْ تَضْرِبُ فدَخَلَ أبو بَكْرٍ وهي تَضْرِبُ، ثُمَّ دخلَ عليٌّ وهي تَضْرِبُ، ثُمَّ دَخَلَ عُثْمانُ وهي تَضْرِبُ، ثُمَّ دَخَلَ عُمَرُ فألقَت الدفَّ تَحتَ اسْتِها ثُمَّ قَعَدَتْ عليه، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "إن الشيطانَ ليَخافُ مِنْكَ يا عُمَرُ! إنّي كنْتُ جالِسًا وهي تَضْرِبُ، فدخلَ أبو بَكْرٍ وهي تَضْرِبُ، ثُمَّ دَخَلَ عَلِيٌّ وهي تَضْربُ، ثُمَّ دَخَلَ عُثْمانُ وهي تَضْرِبُ، فلمَّا دَخَلْتَ أَنْتَ ألقَت الدُّفَّ"، غريب صحيح.

стр. 3306

"عن بُريدة ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ في بعض مغازيه فلما انصرف جاءت جاريةٌ سوداءُ فقالت: يا رسول الله! إني كنت نذرت إنْ ردك الله صالحًا"؛ أي: سالمًا "أن أضرِبَ بين يديك بالدُّفِّ وأتغنى، فقال لها رسول الله ﷺ : إن كنت نذرتِ فاضربي، وإلا فلا"، فيه دليلٌ على أن الوفاء بالنذر الذي فيه قربة واجب، والسرور بمقدَمه ﷺ قربة، خصوصًا من الغزو الذي فيه تَهلك الأنفس. وعلى أن ضرب الدف مباح. "فجعلت تضرب، فدخل أبو بكر وهي تضرب، ثم دخل عليٌّ وهي تضرب، ثم دخل عثمانُ وهي تضرب، ثم دخل عمُر ﵃ فألقت الدفِّ تحت اسْتِها"؛ أي: تحت أَليتها "ثم قعدت عليه، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إنَّ الشيطانَ ليخاف مِنكَ يا عمر"، سمى ﷺ ضاربةَ الدف بين يديه شيطانًا؛ لفعلها فعلَ الشيطان من زيادة الضرب على ما حصل به المقصود من السرور؛ لأنه قد حصل بأدنى الضرب، والزيادة عليه من جنس اللهو. "إني كنت جالسًا وهي تضرب، فدخل أبو بكر وهي تضرب، ثم دخل علي وهي تضرب، ثم دخل عثمان وهي تضرب، فلما دخلتَ أنت ألقت "الدف". "غريب". قيل: إنما أمكنها من ضرب الدف؛ لأن نذرها دلَّ على أنها عَدَّت انصرافَه ﷺ على حال السلامة نعمةٌ من نعم الله عليها، فانقلب الأمر فيه من صنعة اللهو إلى صنعة الحق، ومن المكروه إلى المستحب، وإنما ترك ﷺ الأمر في الزيادة إلى حد المكروه؛ ليكون راجعًا إلى حد التحريم، وحدّ انتهائها عما كانت فيه بمجيء عمر ﵁ * * *

стр. 3307

٤٧٣٧ - عن عائِشَةَ ﵂ قالت: كانَ رسولُ الله ﷺ جالِسًا في المَسْجدِ، فسمعْنَا لَغَطًا وصَوْتَ صِبْيَانٍ، فقامَ رسولُ الله ﷺ فإذا حَبَشِيَّة تَزْفِنُ والصِّبْيانُ حَوْلَها، فقال: "يا عائِشَةُ! تعالَيْ فانظري"، فجئتُ فَوَضَعْتُ لَحْيَيَّ على مَنْكِبِ رسولِ الله ﷺ ، فَجَعَلْتُ أَنْظُرُ إليها ما بينَ المَنْكِبِ إلى رأسِهِ، فقالَ لي: "أَمَا شَبعْتِ؟ أَمَا شَبعْتِ؟ "، فَجَعَلْتُ أقولُ: لا؛ لأَنْظُرَ منزلَتي عِنْدَهُ، إذ طَلَعَ عمرُ، فارفَضَّ النَّاسُ عَنْها، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "إنِّي لأَنْظُرُ إلى شياطينِ الجِنِّ والإنسِ قد فَرُّوا مِن عُمَرَ"، قالَت: فَرَجَعْتُ. صحيح غريب. "وعن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ جالسًا، فسمعنا لَغَطًا"، وهو بفتح اللام والغين المعجمة والطاء المهملة: الصوت العالي، وقيل: صوتٌ وضَجةٌ لا يفهم معناه. "وصوت صبيان، فقام رسول الله ﷺ فإذا حبشية تزفن" - بسكون الزاء المعجمة وضم الفاء وكسرها -؛ أي: ترقص "والصبيان حولها"؛ أي: حول الحبشية. "فقال: يا عائشة! تعالي فانظري، فجئت فوضعت لحيي"، واللحْي - بالفتح ثم السكون - مَنبت الأسنان، "على منكب رسول الله ﷺ ، فجعلت أنظر إليها ما بين المنكب إلى رأسه، فقال لي: أما شبعت" - بفتح الهمزة وتخفيف الميم -، "أما شبعت، فجعلت أقول: لا، لأنظر منزلتي عنده، إذ طلع عمر ﵁ فارفضَّ الناس عنها"؛ أي: تفرقوا عن تلك الحبشية من هيَبة عمر ﵁. "فقال رسول الله ﷺ : إني لأنظر إلى شياطين الجن والإنس قد فَرُّوا من عمر، قالت: فرجعت". "غريب". * * *

стр. 3308

٥ - باب مَنَاقِبِ أَبي بَكْرِ وَعُمَرَ ﵄ - (باب مناقب أبي بكر وعمر) مِنَ الصِّحَاحِ: ٤٧٣٨ - عن أبي هُريرَةَ ﵁، عن رسولِ الله ﷺ قال "بينَما رَجُلٌ يَسُوقُ بَقَرَةً إذ أَعْيَا فرَكِبَها، فقالَت: إنَّا لم نُخلَقْ لهذا، إنَّما خُلِقْنا لحِراثةِ الأَرْضِ"، فقالَ النَّاسُ. سُبْحانَ الله! بَقَرَةٌ تَكَلَّمُ؟ فقالَ رسولُ الله ﷺ : "فإنِّي أُومِنُ بهِ أنا، وأبو بَكْرٍ، وعُمَرُ"، وما هُمَا ثَمَّ، وقالَ رسولُ الله ﷺ : "بينَما رَجُلٌ في غَنَمٍ لهُ إذ عَدَا الذئْبُ على شاةٍ منها فأَخَذَها، فأَدْرَكها صاحبُها فاستَنْقَذَها، فقالَ لهُ الذِّئْبُ: فمَن لها يومَ السَّبُعِ يَوْمَ لا راعِىَ لها غيري؟ "، فقالَ النَّاسُ: سُبْحانَ الله! ذِئْبٌ يَتَكلَّمُ، فقالَ النبيُّ ﷺ : "فأنا أوْمِنُ بهِ، وأبو بَكْرٍ، وعُمَرُ"، وما هُما ثَمَّ. "من الصحاح": " عن أبي هريرة ﵁ عن رسول الله ﷺ : بينما رجل يُسوق بقرة إذ أعيا"؛ أي: تعب ذلك الرجل، "فركبها فقالت"؛ أي: البقرة: "إنا لم نخلق لهذا"؛ أي: للركوب، "وإنما خُلقنا لحراثة الأرض"، وفيه دَلالة على أن ركوب البقرة والحمل عليها غير مرضيٍّ. "فقال الناس: سبحان الله! بقرة تكلم"؛ أي: تتكلم - بحذف إحدى التاءين -؟!. "فقال رسول الله ﷺ : فإتي أؤمن به" - أي: بكلم البقرة - "أنا وأبو بكر وعمر ﵃، أراد بذلك تخصيصَهما بالتصديق اليقيني الذي ليس وراءه للتعجب

стр. 3309

مجالٌ، يعني: نحن نصدِّق أن الله قادر على إنطاق البقرة وغيرها من الحيوانات والجمادات، والله على كل شيءٍ قدير. "وما هما ثَمَّ"؛ أي: ليس أبو بكر وعمر ﵄ حاضرين في الموضع الذي تكلم فيه البقرة. "وقال ﷺ : بينما رجلٌ في غنم له إذ عَدا الذئب" - من العَدْوِ - "على شاةٍ منها"؛ أي: من الغنم، "فأخذها فأدركها صاحبُها فاستنقذها"؛ أي: خَلَّصها. "فقال له الذئب: فمن لها"؛ أي: مَنِ الحافظ لها "يومَ السَّبعْ" - بسكون الباء -، قيل: هو اسم عيد كان لهم في الجاهلية يشتغلون فيه بلعبهم فيأكل الذئب غنمهم. وروي بضم الباء، وهو الصحيح، فمعناه: مَنْ لها عند الفتن إذا ترك الناس مواشيهم فيتمكن منها السباع بلا مانع. "يوم لا راعيَ لها غيري، فقال الناس: سبحان الله! ذئب يتكلم، فقال: أؤمن به أنا وأبو بكر وعمر، وما هما ثَمَّ"، وفي الحديث إخبارٌ برسوخ إيمانهما، وبيان وقوع خارقِ العادة لغير نبيٍّ. * * * ٤٧٣٨ - عن ابن عبَّاسٍ ﵁ قالَ: إنِّي لَوَاقِفٌ في قَوْمٍ فَدَعَوا الله لعُمَرَ، وقد وُضعَ على سريرِهِ، إذا رَجُل مِن خَلْفي قد وَضَعَ مِرفَقَهُ على مَنكِبي يقولُ: يَرْحَمُكَ الله، إنِّي لأَرْجُو أَنْ يَجْعَلَكَ الله مَعَ صاحِبَيْكَ؛ لأَنِّي كثيرًا ما كُنْتُ أَسْمَعُ رَسُولَ الله ﷺ يقولُ: "كُنْتُ وأبو بَكْرٍ وعُمَرُ، وفَعْلتُ وأبو بَكْرٍ وعُمَرُ، وانطَلَقْتُ وأبو بَكْرٍ وعُمَرُ، ودَخَلْتُ وأبو بَكْرٍ وعُمَرُ، وخَرَجْتُ وأبو بَكْرٍ وعُمَرُ"، فالتَفَتُّ فإذا عليُّ بن أبي طالبٍ، ﵃ أجمعين.

стр. 3310

"عن ابن عباس ﵄ قال: إني لواقف في قومٍ فدعوا الله" - من الدعاء - "لعمر وقد وضع على سريره"؛ أي: للغسل، وهو جملة حالية، والسرير: ما يوضع عليه الميت. "إذا رجلٌ من خلفي قد وضع مِرفقه على منكبي يقول: يرحمك الله" - خطاب مع عمر -: "إني لأرجو أن يجعلك الله مع صاحبيك"، يريد بهما النبيَّ ﷺ وأبا بكر ﵁، وجَعْلُه معهما إما في الروضة، أو في عالم القُدس. "لأني كثيرًا ما كنت أسمعُ رسولَ الله ﷺ يقول: كنت وأبو بكر"، عطف على الضمير في (كنت) من غير تأكيد بالمنفصل، وكذلك في أخواتها، "وعمر، وفعلتُ وأبو بكر وعمر، وانطلقت وأبو بكر وعمر، ودخلت وأبو بكر وعمر، وخرجتُ وأبو بكر وعمر، فالتفتُّ فإذا عليُّ بن أبي طالب ﵃ ". * * * مِنَ الحِسَان: ٤٧٣٩ - عن أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "إنَّ أَهْلَ الجَنَّةِ لَيَتَراءَوْنَ أَهْلَ عِلِّيينَ، كما تَرَوْن الكَوْكبَ الدُّرِّيَّ في أفقِ السَّماءِ, وإنَّ أبا بَكْرٍ وعُمَرَ لَمِنْهُمْ، وأَنْعَما". "عن أبي سعيد الخدري ﵁: أن النبيَّ ﷺ قال: إنَّ أهلَ الجنة ليتراءون أهلَ عِلِّيين"، وهم الذين في أعلى الأمكنة. وقال مجاهد: إن عِلِّيين السماء السابعة، وقال قَتادة: تحت قائمة العرش اليمنى. "كما ترونَ الكوكبَ الدُّريَّ في أُفق السماء، وإن أبا بكر وعمر لمنهم"؛ أي: من أهل عِلِّيين، والظرف خبر (إن)، والعامل فيه مقدَّر؛ أي: استقرَّ منهم،

стр. 3311

واللام للتأكيد. "وأنعمًا"، عطف على المقدر، معناه: صارا إلى النعيم ودخلا فيه؛ كأَجْنَب وأشمل؛ أي: دخل في الجنوب والشِّمال، وقيل: معناه: زاد منزلة على تلك المنزلة، يقال: أحسنتُ فأنعم؛ أي: فَزِدْ. * * * ٤٧٤٠ - عن أنسٍ ﵁ قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : "أبو بَكرٍ وعُمَرُ سَيدا كُهُولِ أَهْلِ الجَنَّةِ مِن الأَوَّلينَ والآخِرينَ إلا النبيينَ والمُرْسَلينَ". "وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : أبو بكر وعمر سَيدا كُهولِ أهل الجنة من الأوَّلين والآخِرين إلا النبيين والمرسلين"، المواد به الكُهولة قبل دخولها، وإلا فلا كَهْلَ فيها، وقيل: أراد به الحليم العاقل، فإنَّ أهلَها يكونون حُلماء عُقلاء. * * * ٤٧٤٢ - وعن حُذَيْفَةَ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "اقتَدُوا باللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي: أَبي بَكرٍ وعُمَرَ". "وعن حذيفةَ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : اقْتَدُوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر". * * * ٤٧٤٣ - وعن أنسٍ ﵁ قال: كانَ رسول الله ﷺ إذا دَخَلَ المسجد لم يَرْفَعْ أَحَدٌ رأسَه غيرَ أبي بَكْرٍ وعُمَرَ، كَانَا يتبسَّمان إليهِ, ويتبسَمُ إليهما. غريب.

стр. 3312

"عن أنس ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ إذا دخل المسجد لم يرفع أحدٌ رأسه"؛ عود الضمير إلى (أحد) أصوب، وإنما لم يرفعوا رؤوسهم هَيبةً له ﷺ وإجلالًا. "غير أبي بكر وعمر، كانا يتبسَّمان إليه ويتبسم إليهما"، وهذا مجاز عن غاية الانبساط بينهم. "غريب". * * * ٤٧٤٤ - عن ابن عُمَرَ ﵄: أنَّ رسولَ الله ﷺ خَرَجَ ذاتَ يَوْمٍ ودَخَلَ المَسْجدَ وأبو بِكْرٍ وعُمُرُ، أَحَدُهما عن يَميِنه والآخَرُ عن شمالِه، وهوَ آخِذٌ بأَيْدِيهما، فقالَ: "هكذا نُبْعَثُ يومَ القِيامةِ"، غريب. "عن ابن عمَر ﵄: أن رسول الله ﷺ خَرَجَ ذاتَ يوم"؛ أي: من الحُجْرة. "ودخل المسجد وأبو بكر وعمر أحدهما عن يمينه، والآخر عن شماله، وهو آخِذٌ بأيديهما فقال: هكذا نبُعث يوم القيامة"، فيه دليلٌ على فضيلتهما على سائر الناس غير الأنبياء والمرسلين. "غريب". * * * ٤٧٤٥ - عن عبدِ الله بن حَنْطَب: أنَّ النَّبيَّ ﷺ رَأَى أبا بَكْرٍ وعُمَرَ فقال: "هذانِ السَّمْعُ والبَصَرُ"، مرسل. "عن عبد الله بن حَنْطب" - بفتح الحاء والطاء المهملتين -، منهم من يروي بالظّاء المعجمة، ومنهم من يضمهما.

стр. 3313

"أنَّ النبيَّ ﷺ رأى أبا بكر وعمر فقال: هذان السمع والبصر"، إشارة إلى الشيخين، يريد بذلك: أنَّ منزلتهما في الدين منزلَة السمع والبصر. ويؤيد هذا: ما ذهب إليه بعضُهم أن المراد بالأسماع والأبصار في قوله ﷺ : "اللهم متِّعنا بأسماعنا وأبصارنا" أبو بكر وعمر. وقيل: أي: هما في المسلمين بمنزلة العضوين، أو هما في العزة كالعضوين، أو سماهما بذلك؛ لشدة حرصهما على الحق واتباعه. "مرسل"؛ أي: هذا الحديث مرسل؛ لأن عبد الله هذا لم يرَ النبيَّ ﷺ . * * * ٤٧٤٦ - عن أبي سعيدٍ ﵁ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "ما مِن نبَيٍّ إلا وَلَهُ وزيرانِ مِن أَهْلِ السَّماءِ، ووَزيرانِ مِن أَهْلِ الأَرْضِ؛ فأمَّا وزيرايَ من أَهْلِ السَّماءِ فجبْريلُ وميكائيلُ، وأَمَّا وزيرايَ مِن أَهْلِ الأَرْضِ فأبو بَكْرٍ وعُمَرُ". "عن أبي سعيد ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ ما مِنْ نبيٍّ إلا وله وزيران من أهل السماء، ووزبران من أهل الأرض"، الوزير: المؤازِر؛ لأنه يحمل عنه وزِره؛ أي: ثقله، يعني: إذا حَزَبَه أمرٌ - أي: أصابه - شاورهما، كما أن الملَكِ إذا حَزَبَه أمرٌ شاور الوزير. "وأما وزيراي من أهل السماء فجبريل وميكائيل، وأما وزيراي من أهل الأرض فأبو بكر وعمر ﵄، وفيه دليلٌ على فضلهما على سائر الأمة. * * * ٤٧٤٧ - عن أبي بَكْرَة ﵁: أنَّ رَجُلًا قالَ لرسولِ الله ﷺ : رَأَيْتُ كأنَّ ميزانًا نَزَلَ مِن السَّماءِ فوُزِنْتَ أَنْتَ وأبو بَكْرٍ فَرَجْحْتَ أنتَ، ووُزِنَ أبو بَكْرٍ وعُمَرُ

стр. 3314

فَرَجَحَ أبو بَكْرٍ، ووُزِنَ عُمَرُ وعُثْمَانُ فَرَجَحَ عُمَرُ، ثم رُفِعَ الميزانُ، فاستاءَ لها رسولُ الله ﷺ ، يعني فساءَهُ ذلكَ، فقالَ: "خِلافَةُ نبُوَّةٍ، ثُمَّ يُؤْتي الله المُلْكَ مَن يشاءُ". "عن أبي بكرة ﵁: أن رجلًا قال لرسول الله ﷺ : رأيت كأنَّ ميزانًا نزل من السّماء فوُزِنتَ أنتَ وأبو بكر فرجحت أنت، ووزن أبو بكر وعمر فرجح أبو بكر، ووُزن عمر وعثمان فرجَح عمر، ثم رفع الميزان، فاستاء لها"؛ أي: اغتمَّ لهذه الرؤيا "رسولُ الله ﷺ ؛ يعني: فساءه ذلك"؛ أي: أحزنه، هذا تفسير من الراوي. "فقال: خلافة نبوة"؛ أي: هذا خلافة نبوة، "ثم يؤتي الله الملكَ مَنْ يشاء"، أوَّلَ النبيُّ ﷺ رفعَ الميزان بأن زمان الخلافة قليل، ثم يصير إلى المملكة. * * * ٦ - باب مَنَاقِبِ عُثمانَ في عَفَّانَ ﵁ - (باب مناقب عثمان بن عفان ﵁) مِنَ الصِّحَاحِ: ٤٧٤٨ - عن عائِشَةَ ﵂ قالت: كانَ رسولُ الله ﷺ مُضْطَجعًا في بَيْتِه كاشِفًا عن فَخِذَيْهِ أو ساقيْهِ، فاستَأْذَنَ أبو بَكرٍ فأَذِنَ له، وهو على تلكَ الحالِ، فَتَحَدَّثَ، ثُمَّ استَأْذَنَ عُمَرُ فأَذِنَ لهُ وهو كذلكَ، فَتَحَدَّثَ، ثُمَّ اسئَأْذَنَ عُثْمانُ فَجَلَسَ رسولُ الله ﷺ وسَوَّى ثِيابَهُ، فلمَّا خَرَجَ قالت عائِشَةُ ﵂: دخلَ أبو بَكْرٍ فلَمْ تَهْتَشَّ لهُ وَلَمْ تُبَالِه، ثُمَّ دَخَلَ عُمَرُ فلم تَهْتَشَّ لهُ ولم

стр. 3315

تُبَاله، ثُمَّ دَخَلَ عُثْمانُ فَجَلَسْتَ وسَوَّيتَ ثِيابَكَ! فقالَ: "ألا أَسْتَحْيي مِن رَجْلٍ تَسْتَحْيي مِنْهُ المَلائِكَةُ". "من الصحاح": " عن عائشة ﵂ قالت: كان رسول الله ﷺ مضطجعًا في بيته كاشفًا عن فَخِذيه أو ساقيه"، شكٌّ من الراوي، الظاهر أن الثانية هي الصحيحة؛ لأنه لم يكن النبيُّ ﷺ ليكشفَ عن عورته، ويجوز أن يكون المراد بكشف الفخذ كشفه عما عليه من القميص لا المِئْزَر. "فاستأذن أبو بكر، فأذن له وهو على تلك الحال، فتحدث"؛ أي: أبو بكر. "ثم استأذن عمر، فأذن له وهو كذلك، فتحدث"؛ أي: عمر. "ثم استأذن عثمان، فجلس النبيُّ ﷺ وسوَّى ثيابه، فلما خرج قالت عائشة: دخل أبو بكر فلم تهتشَّ له"؛ أي: لم تتحرك لأجله، وأصل الاهتشاش: إظهار البَشاشة والفرح؛ يعني: ما ظهر منك بَشاشة لدخول أبي بكر. "ولم تُباله، ثم دخل عمر فلم تهتشَّ له ولم تباله، ثم دخل عثمان فجلست وسوَّيت ثيابك، فقال: ألا أستحيي من رجلٍ تستحيي منه الملائكة"، المراد من استحياء النبي والملائكة ﵈ من عثمان توقيرُه وتعظيمُه. * * * ٤٧٤٩ - وفي رِوايةٍ: قالَ رسولُ الله ﷺ : "إنَّ عُثْمانَ رَجُل حَييٌّ، وإنِّي خَشِيْتُ إن أذنْتُ لهُ على تِلْكَ الحالةِ أنْ لا يَبْلُغَ إليَّ في حاجتِهِ". "وفي رواية: قال رسول الله ﷺ : إنَّ عثمان رجلٌ حييٌّ" - على وزن فَعِيل - من الحياء.

стр. 3316

"وإني خشيت إنْ أذنت له على تلك الحال أن لا يبلغ"؛ أي: من أن لا يبلغ "إليَّ في حاجته"، أي: في قضاء حاجته، وجواب الشرط محذوف دلَّ عليه (خشيت)، يعني: إنْ أذنت له على تلك الحال أخاف أن يرجع حياءً مني عندما يراني على تلك الهيئة، ولا يعرض إليَّ حاجته. * * * مِنَ الحِسَان: ٤٧٥٠ - عن طَلْحَةَ بن عُبَيْدِ الله ﵁ قال: قالَ النَّبيّ ﷺ : "لِكُلِّ نبيٍّ رَفيقٌ ورفيقي - يعني في الجَنَّةِ - عُثْمانُ"، غريب منقطع. "من الحسان": " عن طلحة بن عبيد الله ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : لكلِّ نبيٍّ رفيقٌ، ورفيقي - يعني: في الجنة - عثمان"، فيه دليل على عظم قدره وارتفاع منزلته. "غريبٌ منقطع". * * * ٤٧٥١ - عن عبدِ الرَّحمنِ بن خَبَّابٍ ﵁ قال: شَهِدْتُ النَّبيَّ ﷺ وهو يَحُثُّ على جَيْشِ العُسْرَةِ، فقامَ عُثْمَانُ فقالَ: يا رسولَ الله! عليَّ مِئَةُ بعيرٍ بأَحْلاسِها وأَقْتابها في سبيلِ الله، ثُمَّ حَضَّ على الجيشِ، فقامَ عُثْمانُ فقال: عليَّ مِئَتا بعيرٍ بأَحْلاسِها وأَقتابها في سبيلِ الله، ثُمَّ حَضَّ على الجيشِ، فقامَ عثمانُ فقالَ: عليَّ ثلاثُ مِئَةِ بعيرٍ بأَحْلاسِها وأَقْتابها في سبيلِ الله، فأنا رَأيتُ رسولَ الله ﷺ يَنْزِلُ عن المِنْبرِ وهو يقولُ: "ما على عُثْمانَ ما عَمِلَ بعدَ هذهِ، ما على عُثْمانَ ما عَمِلَ بعدَ هذهِ".

стр. 3317

"عن عبد الرحمن بن خباب ﵁ قال: شهدت النبي ﷺ وهو يَحُثُّ"؛ أي: يحرِّض "على جيش العُسْرة"؛ وهو جيشُ غزوة تبوك، سمي به لأنها كانت في زمان اشتداد الحر وقلة الزَّاد والمَرْكب، قيل: كان مع النبي ﷺ في تلك الغزوة ثلاثون ألفًا، وهي آخر مغازيه ﷺ ، وفي يوم بدرٍ ثلاث مئة وثلاثة عشر مقاتلًا، وفي يوم أحد سبع مئةٍ، وفي يوم الحديبيَة ويوم خيبر ألفٌ وخمس مئة، وفي يوم الفتح عشرة آلافٍ، وفي يوم حنين اثنا عشر ألفًا. "فقام عثمان فقال: يا رسول الله ﷺ ! "عليَّ مئةُ بعيرٍ بأحلاسها" - جمع حلسٍ بكسر الحاء -: كساء رقيق يجعل تحت البَرْذَعة، "وأَقْتابها" - جمع قَتَب بالتحريك -: وهو رحل صغيرٌ على قدر سنام البعير، يريد: بجميع أسبابها وأدواتها. "في سبيل الله، ثم حَضَّ على الجيش"؛ أي: حث الناس على الغزو وتهيئة أسباب الجيش. "فقام عثمانٌ فقال: عليَّ مائتا بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله، ثم حض على الجيش، فقام عثمانٌ فقال علي: ثلاث مئة بعير بأحلاسها وأقتابها في سبيل الله، فانا رأيت رسول الله ﷺ ينزل عن المنبر وهو يقول: ما على عثمان"، (ما) هذه بمعنى (ليس) فاسمه "ما عمل"، (ما) هذه موصولة، أي: لا عليه بأس الذي عمل "بعد هذه" من الذنوب، فإنها مغفورة مكفَّرة، ويجوز أن تكون مصدرية؛ أي: ما عليه أن لا يعمل بعد هذه من النوافل؛ لأن تلك الحسنة تكفيه عن جميعها. "ما على عثمان ما عمل بعد هذه". * * *

стр. 3318

٤٧٥٢ - عن عبدِ الرَّحمنِ بن سَمُرةَ ﵁ قال: جاءَ عُثْمانُ إلى النَّبيِّ ﷺ بألفِ دينارٍ في كُمِّهِ حينَ جَهَّزَ جَيْشَ العُسْرَةِ، فنَثَرَها في حِجره، فرأَيْتُ النَّبيَّ ﷺ يُقَلِّبُها في حِجْرِهِ وبقولُ: "ما ضَرَّ عُثْمانَ ما عَمِلَ بعدَ اليَوْمِ"، مرتينِ. "عن عبد الرحمن بن سمرة ﵁ قال: جاء عثمان إلى النبي ﷺ بألف دينار في مكة حين جهز جيش العسرة"؛ أي: هيأ جهاز سفره. "فنشرها في حجره، فرأيت النبيَّ ﷺ يقلبها في حجره ويقول: ما ضر عثمان"، (ما) هذه نافية، "ما عمل" فاعل (ضر)؛ أي: الذي عمله من الذنوب، "بعد اليوم مرتين"، ظرفٌ لـ (يقول). * * * ٤٧٥٣ - عن أنسٍ ﵁ قال: لَمّا أُمِرَ رَسُولُ الله ﷺ ببَيْعَةِ الرِّضْوَانِ كانَ عُثْمانُ رَسُولَ رَسُولِ الله ﷺ إلى مَكَّةَ، فَبَايَعَ النَّاسَ، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "إنَّ عُثْمانَ في حاجَةِ الله وحاجَةِ رَسولهِ"، فضرَبَ بإِحْدَى يَدَيْهِ على الأُخرَى، فكانَتْ يَدُ رسولِ الله ﷺ لِعُثْمانَ خَيْرًا مِنْ أَيْدِيهِمْ لِأَنْفُسِهم. "عن أنسٍ ﵁ قال: لما أمرنا رسول الله ﷺ ببيعة الرضوان"، وهي البيعةُ التي كانت تحت الشجرة يومَ الحديبيَة، وإنما سميت بها؛ لأنه نزل في أهلها: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ [الفتح: ١٨]. "كان عثمانُ رسولَ رسولِ الله ﷺ بعثه إلى مكة، فبايع"؛ أي: النبيَّ ﷺ "الناسُ، فقال: إن عثمان في حاجة الله وحاجة رسول الله، فضرب لإحدى يديه على الأخرى"، وجعل إحدى يديه نائبةً عن يد عثمان، قيل: هي يده اليسرى، وقيل: يده اليمنى. "فكانت يُد رسول الله ﷺ لعثمان"؛ أي: كانت إحدى يديه ﷺ في البيعة

стр. 3319

من جهة عثمان "خيرًا من أيديهم لأنفسهم". * * * ٤٧٥٣ - عن ثُمامَةَ بن حَزْنٍ القُشَيْريِّ قال: شَهِدْتُ الدَّارَ حينَ أَشرَفَ عليهم عُثْمانُ فقال: أَنشُدُكم الله والإسلامَ، هل تعلمونَ أنَّ رسولَ الله ﷺ قَدِمَ المَدينةَ وليسَ بها ماءٌ يُستعذبُ غيرُ بئرِ رُومَةَ فقال: "مَن يشتري بئرَ رُومَةَ يَجعل دَلْوَه مع دلاء المُسلمينَ بخيرٍ له منها في الجَنَّةِ؟ "، فاشتريتُها مِن صُلْبِ مالي، فأنتم اليومَ تَمنَعوننَي أنْ أَشْرَبَ منها حتَّى أَشْرَبَ مِن ماءِ البَحْرِ! فقالوا: اللهم! نَعَم، قال: أَنشُدُكم الله والإسلامَ، هل تعلمونَ أنَّ المسجدَ ضاقَ بأهلِهِ فقالَ رسولُ الله ﷺ : "مَن يَشْتري بُقعَةَ آلِ فُلانٍ فيزيدُها في المَسْجدِ بخيرٍ لهُ منها في الجنةِ"، فاشتريْتُها مِن صُلْبِ مالى، فأنتم اليومَ تمنعونَني أنْ أُصلِّيَ فيها ركعتينِ؟ قالوا: اللهم! نَعَم، قال أَنشدُكم الله والإسلامَ، هل تعلمونَ أني جَهَّزتُ جيشَ العُسرةِ مِن مالي؟ قالوا: اللهم! نعم، قال: أَنشدُكم الله والإِسلامَ، هل تعلمونَ أنَّ رسولَ الله ﷺ كانَ على ثَبيرِ مَكَّةَ ومعَهُ أبو بَكْرٍ وعُمَرُ وأنا، فتحرَّكَ الجبلُ حتى تساقطَتْ حِجارَتُه بالحَضيضِ، فركضَهُ برجلِهِ وقال: "اُسْكُن ثَبيرُ، فإنَّما عليكَ نبيٌّ وصدِّيقٌ وشهيدانِ؟ " قالوا: اللهمَّ! نَعَم، قال: الله أكبرُ، شَهِدُوا ورَبِّ الكَعْبةِ أَنِّى شَهيدٌ، ثلاثًا. "عن ثُمامة" - بالضم - "بن حَزْن" - بسكون الزاي - "القشيريّ، قال: شهدت"؛ أي: حضرت. "الدار" وهي الدار التي حُصِرَ (١) فيها عثمان، وقتل فيها، "حين أشرف"؛ أي: اطلع "عليهم عثمان" فقال: أنشدكم الله والإسلام"؛ أي: أسألكم بالله وبالإسلام: "هل تعلمون أنَّ رسول الله ﷺ قدم

стр. 3320

المدينة وليس بها ماءٌ يُستعذب غير بئر رُومة" - بضم الراء - بئرٌ بالمدينة لرجل من بني غفار، وكان يبيع القِربة منها بمدٍّ، فقال رسول الله ﷺ : هل تبيعها بعينٍ في الجنة؟ قال: يا رسول الله! ليس لي ولعيالي عينٌ غيرها فلا أستطيع ذلك، "فقال"؛ أي: النبي ﷺ : "من يشتري بئر رومة، يجعل"، مفعول له أو حال؛ أي: إرادة أن يجعل أو قاصدًا أن يجعل "دَلْوه مع دِلاء المسلمين"؛ أي: مساويًا مع دلائهم في الاستقاء منها، وهذا كناية عن الوقف، "بخير" الباء فيه باء البدل تتعلق بـ (يشتري)؛ يعني: يشتريها بثمنٍ معلوم، ثم يبدلها بخيرٍ حاصل له "منها في الجنة، فاشتريتها من صلب مالي"، قيل: اشتراها بمئة ألف درهم فوقَفَها، وقيل: بخمسة وثلاثين ألف درهم. "فأنتم اليوم تمنعونني أن أشربَ منها حتى أيثرب من ماء البحر"؛ أي: من ماء يُشبه ماء البحر في الملوحة. "فقالوا: اللهم نعم، فقال: أنشدكم الله والإسلامَ هل تعلمون أن المسجد ضاق بأهله؛ فقال رسول الله ﷺ : من يتشري بقعةَ آل فلانٍ فيزيدها في المسجد بخير له منها في الجنة فاشتريتها من صلب مالي، فأنتم اليوم تمنعونني أن أصلي فيها ركعتين، قالوا: اللهم نعم، قال: أنشدكم الله والإسلام هل تعلمون أني جهَّزت جيشَ العسُرة من مالي، قالوا: اللهم نعم، قال: أنشدكم الله والإسلام هل تعلمون أن رسول الله ﷺ كان على ثَبير مكة"، جبلٌ بمكة، "ومعه أبو بكر وعمر وأنا، فتحرَّك الجبل حتى تساقطت حجارته بالحضيض"، وهو القرار من الأرض عند منقطع الجبل، "فركضه"؛ أي: ضرب النبي ﷺ الجبل "برجله، فقال: اسكن ثبير"؛ أي: يا ثبير، "فإنما عليك نبيُّ وصديق" وهو أبو بكر، "وشهيدان"، هما عمر وعثمان. "قالوا: اللهم نعم، قال"؛ أي: عثمان: "الله أكبر"، هذه كلمةٌ يقولها

стр. 3321

المتعجِّب عند إلزام الخصم وتَبْكِيته، وذلك أنه لما أراد أن يظهر لهم أنه على الحق وأن خصماءَه على الباطل على طريقٍ يُلجئهم إلى الإقرار، أورد حديث ثبير مكة، وأنه أحد الشهيدين مستفهمًا عنهم، فأقروا بذلك، وأكَّدوا إقرارهم بقولهم: اللهم، فقال عثمان: الله أكبر؛ تعجُّبًا وتعجيبا وتجهيلًا لهم واستهجانًا بفعلهم. "اشهدوا وربِّ الكعبة أني شهيدٌ ثلاثًا"؛ أي: ثلاث مراتٍ، ظرفٌ لـ (قال: الله أكبر). * * * ٤٧٥٥ - عن مُرَّةَ بن كَعْبٍ قال: سَمِعْتُ رسولَ الله ﷺ ، وذكرَ الفتنَ فقرَّبَها، فَمَرَّ رَجُل مُقَنَّعٌ في ثَوْبٍ، فقالَ: "هذا يومَئذٍ على الهُدَي، فقمْتُ إليهِ فإذا هو عثمانُ بن عفَّانَ ﵁ قال: فأقْبَلْتُ عليهِ بوجهِهِ فقلتُ: هذا؟ قال: "نعم"، صحيح. "عن مرة بن كعبٍ ﵁ قال: سمعت من رسول الله ﷺ وذكر الفتن فقربها"؛ أي: ذكر أنها قريبةٌ. "فمر رجلٌ مقنَّع"؛ أي: مستترٌ "في ثوبٍ فقال: هذا"؛ أي: هذا الرجل المقنع "يومئذٍ"؛ أي: يوم وقوع تلك الفتن "على الهدى، فقمت إليه، فإذا هو عثمان بن عفان، قال"؛ أي: الراوي: "فأقبلت عليه بوجهه"؛ أي: على النبي ﷺ بوجه عثمان، "فقلت: هذا"؛ أي: هذا هو الرجل الذي يومئذٍ على الهدى؛ "فقال: نعم". "صحيح". فيه دليل على كون عثمان مظلومًا. * * *

стр. 3322

٤٧٥٦ - عن عائِشَةَ ﵂: أَنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: "يا عُثْمانُ! إنَّه لعلَّ الله يُقَمِّصُكَ قَمِيصًا، فإنْ أرادوكَ على خَلْعِه فلا تَخْلَعْه لهم". "عن عائشة ﵂: أن رسول الله ﷺ قال: يا عثمان! إنه لعلَّ الله تعالى يُقمِّصُك قميصًا"؛ أي: يُلبسك قميصًا، أراد منه الخلافة هنا. "فإن أرادوك على خَلعه فلا تخلَعْه لهم"؛ يعني: إن الله تعالى سيجعلك خليفة، فإن النَّاس إنْ قصدوا عزلك عنها فلا تعزِل نفسك عنها لأجلهم، فلهذا كان عثمان ما عزل نفسه حين حاصروه يومَ الدار. * * * ٤٧٥٧ - عن ابن عُمَرَ ﵁ قال: ذكرَ رسولُ الله ﷺ فِتْنَةً فقالَ: "يُقتَلُ هذا فيها مَظْلومًا" لعثمانَ. غريب. "عن ابن عمر ﵄ قال: ذكر النبي ﷺ فتنةً فقال: يقتل هذا فيها"؛ أي: في تلك الفتنة "مظلومًا - لعثمان - "؛ أي: قال ذلك لعثمان. "غريب". * * * ٤٧٥٨ - عن أبي سَهْلَةَ ﵁ قال: قال لي عُثْمانُ يومَ الدَّارِ: إنَّ رسولَ الله ﷺ قَد عَهِدَ إليَّ عَهْدًا، وأنا صابرٌ عليهِ. صَحَّ، والله الموفِّقُ. "عن أبي سَهْلَةَ ﵁ قال: قال لي عثمان يوم الدار: إن رسول الله ﷺ قد عَهِدَ إليَّ عهدًا"، قيل: العهد الخلافة، ويحتمل أن يريد بهذا العهد قوله ﷺ : "فإنْ أرادوك على خَلعه فلا تَخْلَعه لهم".

стр. 3323

"وأنا صابرٌ عليه"، أي: على أن لا أخلعها وإن استخلعوني. "صح". * * * ٧ - باب مَنَاقِبِ هؤلاءِ الثَّلاثة ﵃ - (باب مناقب هؤلاء الثلاثة ﵃) مِنَ الصِّحَاحِ: ٤٧٥٩ - عن أنسٍ ﵁: أنَّ النَّبيَّ ﷺ صَعِدَ أحُدًا وأبو بَكرٍ وعُمَرُ وعُثْمانُ ﵃، فَرَجَفَ بهم فَضَرَبَه برِجْلِه، فقالَ: "اثبُتْ أُحُد، فإنَّما عليكَ نبيٌّ وصِدِّيقٌ وشَهيدانِ". "من الصحاح": " عن أنس ﵁: أن رسول الله ﷺ صَعِدَ أُحُدًا وأبو بكر وعمر وعثمان فرجف بهم"؛ أي: تحرك واضطرب أحد. "فضربه برجله فقال: اثْبُت أحد"؛ أي: يا أحد، "فإنما عليكَ نبىٌّ وصديقٌ وشهيدان"، وتحرُّكُ أحُدٍ كان من المباهاة، وفيه معجزة للنبي ﷺ حيث أخبر عن كونهما شهيدين، وكانا كما قال رسول الله ﷺ . * * * ٤٧٦٠ - عن أبي موسى الأَشْعَريِّ ﵁ قال: كنْتُ معَ النَّبيِّ ﷺ في حائطٍ مِن حِيْطانِ المَدينة، فجاءَ رَجُلٌ فاستَفْتَحَ، فقال النبيُّ ﷺ : "افتَحْ لهُ وبشِّرْهُ بالجَنَّةِ"، فَفَتَحْتُ لهُ، فإذا أبو بَكْرٍ، فَبَشَّرْتُه بما قالَ رسولُ الله ﷺ ، فحَمِدَ

стр. 3324

الله، ثُمَّ جاءَ رَجُلٌ فاستَفْتَحَ، فقالَ النَّبيّ ﷺ : "افتَحْ لهُ وبشِّرْهُ بالجَنَّةِ"، ففَتَحْتُ لهُ فإذا عُمَرُ، فأَخْبَرْتُه بما قالَ النَّبيّ ﷺ ، فحَمِدَ الله، ثُمَّ استَفْتَحَ رَجُلٌ، فقال لي: "افتَحْ لهُ وبَشِّرْهُ بالجَنَّةِ على بَلْوَى تُصِيبهُ"، فإذا عُثْمانُ، فأخبرتُه بما قالَ رسولُ الله ﷺ ، فحَمِدَ الله، ثُمَّ قال: الله المستعانُ. "عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: كنت مع النبي ﷺ في حائطٍ من حيطان المدينة"؛ أي: في بستان من بساتينها، "فجاء رجلٌ فاستفتح"؛ أي: طلب فتح الباب، "فقال رسول الله ﷺ : افتحْ له وبشِّره بالجنة، ففتحت له، فإذا هو أبو بكر، فبشَّرته بما قال رسول الله ﷺ ، فحَمِد الله تعالى، ثم جاء رجلٌ فاستفتح، فقال النبيُّ ﷺ : افتحْ له وبشِّره بالجنة، ففتحت له، فإذا هو عمر، فأخبرته بما قال النبي ﷺ ، فحمِدَ الله تعالى، ثم استفتح رجلٌ، فقال لي رسول الله: افتح له وبشِّره بالجنة على بَلْوى"، (على) هنا بمعنى (مع)؛ أي: مع بلوى "تصيبه"، أراد به: ما أصابه يوم الدار من أذى المحاصرة والقتل وغير ذلك مما يكرهه. "فإذا هو عثمان، فأخبرته بما قال رسول الله، فحمد الله تعالى، ثم قال"؛ أي: عثمان بعدما حمد: "الله المستعان": وفي ضمنه تصديق النبي ﷺ فيما أخبر، والاستعانة من الله تعالى في ذلك. * * * مِنَ الحِسَان: ٤٧٦١ - عن ابن عُمَرَ ﵄ قالَ: كُنَّا نقُولُ ورسولُ الله ﷺ حَيٌّ: أبو بَكْرٍ، وعُمَرُ وعُثْمانُ ﵃. "من الحسان": " عن ابن عمر ﵄ قال: كنَّا نقول ورسول الله ﷺ حيٌّ" - جملة معترضة

стр. 3325

بين القول ومقوله -: "أبو بكر وعمر وعثمان"؛ أي: هؤلاء هم المختارون، أو المراد: أنه ما كان يدور على الألسنة إلا ذُكر هؤلاء الثلاثة؛ لعظم منزلتهم عند رسول الله ﷺ . * * * ٨ - باب مَنَاقِبِ عَلِيِّ في أَبي طالب ﵁ - (باب علي بن أبي طالب ﵁) مِنَ الصِّحَاحِ: ٤٧٦٢ - عن سعدِ بن أبي وَقَّاصٍ ﵁ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ لعَليٍّ: "أنتَ مِنِّي بِمَنْزِلةِ هارونَ مِن مُوسَى، إلا أنَّه لا نبَيَّ بعدي". "من الصحاح": " عن سعد بن أبي وقاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ لعليٍّ: أنت منِّي بمنزلة هارون من موسى - عليهما الصلاة والسلام - "، قيل: إنما قال رسول الله ﷺ حين خرج إلى غزوة تبوك ولم يستصحبه، وقال له عليٌّ ﵁: أتخلفني في النساء والذُّرِّية؟ فقال رسول الله ﷺ : "ألا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى". ضرب المثل باستخلاف موسى وهارون على بني إسرائيل حين خرج إلى الطور، ولم يُرِدْ به الخلافة بعد الموت؛ لأن هارون مات قبل موسى، وإنما كان خليفته في حياته في وقتٍ خاصٍّ، فبيَّن ﷺ بقوله: "إلا أنه لا نبي بعدي": أنَّ اتصاله به ليس من جهة النبوة، فبقي الاتصال من جهة الخلافة؛ لأنها تلي النبوةَ في المرتبة. * * *

стр. 3326

٤٧٦٣ - وقال عليٌّ ﵁: والذي فَلَقَ الحَبَّةَ، وبَرَأَ النَّسَمَةَ، إنَّه لَعَهْدُ النَّبيِّ الأُمِّيِّ ﷺ إليَّ: أنْ لا يُحِبني إلا مُؤْمِنٌ، ولا يُبْغِضَنِي إلا مُنافِقٌ. "وقال عليٌّ ﵁ والذي" - الواو للقسم - "فلق الحبة"؛ أي: شَقَّها وأخرج منها النبات، "وَبَرأ النسمة": وهي النَّفْس الإنسانية؛ يعني: خلق الإنسان، وجواب القسم: "إنه لعهد النبيِّ الأمي ﷺ إليَّ"؛ أي: ضمنني "أن لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق". * * * ٤٧٦٤ - عن سَهْلِ بن سَعْدِ: أنَّ رسولَ الله ﷺ قالَ يومَ خَيْبَرَ: "لأَعطِيَنَّ هذهِ الرَّايةَ غدًا رَجُلًا يَفتحُ الله على يَدَيهِ، يُحِبُّ الله ورسولَهُ، ويحبُّهُ الله ورسولُه"، فلَمَّا أَصْبَحَ النَّاسُ غَدَوْا على رسولِ الله ﷺ ، كلُّهم يَرْجُونَ أنْ يُعطَاها، فقالَ: "أينَ عليُّ بن أبي طالب؟ "، فقالوا: هوَ يا رسولَ الله! يشتكي عَيْنَيهِ، قالَ: "فأَرْسِلوا إليهِ"، فأُتيَ بهِ، فبصقَ رسولُ الله ﷺ في عَيْنَيهِ، فبَرَأَ حتى كأنْ لم يكنْ بهِ وَجَعٌ، فأعطاهُ الرايةَ، فقال عليٌّ: يا رسولَ الله! أُقاتِلُهم حتى يكونُوا مثلَنا؟ فقالَ: "انفُذْ على رِسلِكَ حتى تنزِلَ بساحتِهم، ثم ادعُهم إلى الإِسلامِ، وأخبرْهم بما يَجبُ عليهم من حَقِّ الله فِيهِ، فوالله لأَنْ يهديَ الله بكَ رَجُلًا واحِدًا خيرٌ لكَ مِن أنْ تكونَ لكَ حُمْرُ النَّعَمِ". "عن سهل بن سعد: أنه ﷺ قال يوم خيبر: لأعطينَّ هذه الرايةَ غدًا رجلًا يفتح الله على يديه يحب الله ورسوله ويحبُّه الله ورسوله، فلمَّا أصبح الناس غَدَوا على رسول الله ﷺ ؛ أي: أَتوه وقتَ الغداة، "كلهم يرجُوا أن يُعطاها، فقال ﷺ : أين عليُّ بن أبي طالب؟ قالوا: هو يا رسول الله يشتكي عينيه، قال ﷺ : فأرسلوا إليه، فأْتي به، فبصق رسول الله ﷺ ؛ أي: ألقى بُزاقه "في

стр. 3327

عينيه فبرأ"؛ أي: زال الوجعُ عنهما في الحال "حتى كأن لم يكن به وجعٌ، فأعطاه الراية، فقال عليٌّ: يا رسول الله! أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا"؛ أي: أحاربهم حتى يكونوا مسلمين. "قال: انفذ على رِسْلك"؛ أي: امْضِ على رفِقك ولينك، والرِّسل - بكسر الراء - السير اللين والهينة. "حتى تنزل بساحتهم"؛ أي: بأرضهم. "ثم ادعهم إلى الإسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حقِّ الله تعالى فيه"؛ أي: في الإسلام، "فوالله لأَنْ يهدي الله بك رجلًا واحدًا خيرٌ لك من أن يكون لك حُمَرُ النَّعم"، أراد به حُمر الإبل، وهي أعزها وأَنْفَسُها؛ يعني: هداية الله رجلًا بك خيرٌ لك ثوابًا من أن يكون لك حمر النعم فتتصدق بها، وهذا يدل على أن تعليم علمٍ يُهتدَى به خيرٌ من بذل المال وإطعام الطعام صدقةً. * * * ٤٧٦٥ - عن البَرَاءِ ﵁: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قالَ لعليٍّ: "أنتَ مِنِّي وأنا مِنكَ". "عن البراء ﵁: أن النبي ﷺ قال لعليٍّ: أنت مني وأنا منك"، إنما قال هذا القول في حقه؛ لأنه كان ابن عمه الذي ربَّاه أبوه وخَتَنه. * * * مِنَ الحِسَان: ٤٧٦٦ - عن عِمْرانَ بن حُصَينٍ ﵁: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "إِنَّ عليًّا مِنِّي وأنا مِنه، وهوَ وَليُّ كلِّ مؤمنٍ". "من الحسان": " عن عمِران بن حُصين ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: إنَّ عليًا مني وأنا

стр. 3328

منه، وهو وليُّ كلِّ مؤمن"؛ أي: حبيبه. * * * ٤٧٦٧ - عن زيدِ بن أَرْقَمَ، عن النَّبيِّ ﷺ قالَ: "مَن كنتُ مَوْلاهُ فعليٌّ مَوْلاهُ". "عن زيد بن أرقم ﵁ عن رسول الله ﷺ قال: مَنْ كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه"، معناه: من كنت أتولاه فعليٌّ يتولاه؛ من الولي ضد العدو، وقيل: سبب ذلك: أن أسامة بن زيد قال لعلىٍّ: لستَ مولاي، إنما مولاي رسولُ الله ﷺ ، فقال ﷺ الحديثَ. وقال الشافعي: أراد بذلك ولاء الإسلام، وذلك قول الله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [محمد: ١١]: أي: وليُّهم وناصرهم. * * * ٤٧٦٨ - عن حُبْشِيِّ بن جُنَادَةَ قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : "عليٌّ مِنِّي وأنا مِنْ عَليٍّ، ولا يُؤدِّي عني إلا أنا أو عليٌّ". "وعن حُبْشي" - بضم الحاء المهملة ثم السكون - "بن جُنادة" - بضم الجيم -، "قال: قال رسول الله ﷺ : عليٌّ مني وأنا من عليٍّ، ولا يؤدي عني إلا أنا أو عليٌّ"، قيل: كان من عادة العرب إذا أرادوا مصالحةً أو نقضَ عهدٍ أن لا يؤدي ذلك إلا سيدُ القوم، أو مَن هو مِنْ قرابته القريبة، ولا يقبلون ممن سواهم، ولما كان العام الذي أَمر رسول الله ﷺ أبا بكرٍ أن يحج بالناس، رأى ﷺ بعد خروجه أن يبعث عليًا خليفةً عنه في نبذِ عهد المشركين إليهم، وقراءة سورة براءةٍ عليهم، وفيها قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨] إلى غير دْلك من الأحكام، فقال رسول الله ﷺ -

стр. 3329

قوله هذا تكريمًا له بذلك. فمعناه: لا يعبر عما أقول وآمرُ به إلا أنا وعليٌّ، فلما حضر الموسم بعثه أبو بكر مع جَمْعٍ ليبلِّغ عنه ﷺ ذلك، وينادي به المبعوثون معه في الناس. * * * ٤٧٦٩ - وعن ابن عُمَرَ ﷺ : أنَّ رسولَ الله ﷺ آخَى بينَ أَصْحابه، فجاءَه عليٌّ تَدْمَعُ عينَاهُ، فقال: آخيْتَ بينَ أَصْحابكَ، ولم تُؤاخِ بيني وبينَ أحدٍ؟ فقالَ رسولُ الله ﷺ : "أنتَ أخي في الدُّنيا والآخِرَةِ"، غريب. "عن ابن عمر ﵁ قال: آخى رسول الله ﷺ بين أصحابه"؛ أي: جعل بينهم مؤاخاةً في الدين، "فجاء عليٌّ تدمع عيناه، فقال: آخيت بين أصحابك ولم تؤاخ بيني وبين أحدٍ، فقال رسول الله ﷺ : أنت أخي في الدنيا والآخرة". "غريب". * * * ٤٧٧٠ - عن أنسٍ ﵁ قال: كانَ عِنْدَ النَّبيَّ ﷺ طَيْرٌ فقال: "اللهمَّ! ائتِني بأَحَبِّ خَلْقِكَ إليك يأكلُ معي هذا الطَّيْرَ"، فجاءَ عليٌّ ﵁ فأَكَلَ معَهُ. غريب. "عن أنسٍ ﵁ قال: كان عند النبي ﷺ طيرٌ، فقال: اللهم ائتني بأحبِّ خلقك إليك"؛ أي: بمن هو أحبُّهم إليك فيشاركه فيه غيره ﷺ ، يقال: فلان أعقل الناس وأفضلهم؛ أي: مِنْ أعقلهم وأفضلهم، أو أراد: أحب خلقه من بني عمه، إذ كان ﷺ كثيرًا ما يطلق ويريد التقييد، فيعرفه ذوو الفهم بقرينة الأحوال والأوقات. "يأكل معي هذا الطير، فجاء عليٌّ ﵁ فأكل معه". "غريب". * * *

стр. 3330

٤٧٧١ - وقال عليٌّ: كُنْتُ إذا سَأَلْتُ رسولَ الله ﷺ أَعْطاني، وَإذا سَكَتُّ ابتَدَأني. غريب. "وقال عليٌّ ﵁: كنت إذا سألت النبي ﷺ أعطاني، وإذا سكتُّ ابتدأني". "غريب". * * * ٤٧٧٢ - عن عليٍّ ﵁ قال: قالَ رسولُ الله ﷺ : "أَنا دارُ الحِكْمَةِ، وعليٌّ بابُها"، غريب، لا يُعرَفُ هذا عن أَحَدٍ مِن الثقِّاتِ غيرِ شَريكٍ، وإِسْنادُه مُضْطَرِبٌ. "عن عليَّ ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : أنا دار الحكمة وعليٌّ بابها": لعل للشيعة متمسَّكٌ بهذا الحديث في أن أخذ العلم والحكمة منه ﷺ مختصٌّ به لا يتجاوز إلى غيره إلا بواسطته؛ لأن الدار إنما يُدخل فيها من بابها، ولا حجة لهم فيه، إذ ليس دار الجنة بأوسع من دار الحكمة ولها ثمانية أبوابٍ. "غريب، لا يعرف هذا"؛ أي: هذا الحديث "عن أحدٍ من الثقات غير شريك"، وهو شريك بن عبد الله قاضي بغداد، "وإسناده مضطرب"؛ أي: ليس بثابت. * * * ٤٧٧٣ - عن جابرٍ ﵁ قال: دَعَا رسولُ الله ﷺ عَلِيًا يَوْمَ الطَّائِف فانتَجَاهُ، فقالَ النَّاسُ: لقد طالَ نَجْوَاهُ مع ابن عَمِّه، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "ما انتَجَيْتُهُ، ولكنَّ الله انتجَاه". "عن جابر ﵁ قال: دعا رسول الله ﷺ عليًا يوم الطائف"؛ أي: يومَ أَرسل
следующие страницы →