٣٩٤ - عن ابن مَسْعود ﵁: أنَّ رَجُلَا أَصابَ مِنْ امرأةٍ قُبْلةً، فأتى النَّبيَّ ﷺ فأخبَرَهُ، فأنزلَ الله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾، فقالَ الرَّجُلُ: يَا رسولَ الله! ألي هذا خاصةً؟ قال: "لجميعِ أُمَّتي كلِّهم".
وفي روايةٍ: "لَمِنْ عملَ بها مِنْ أُمَّتي".
"وعن ابن مسعود: أن رجلًا أصاب من امرأة"، حال من قوله: "قُبْلَة"، قيل: ذلك الرَّجل أبو اليَسَر كعب بن عمرو (١) الأَنْصَارِيّ، صحابي مشهور كان يبيع التمر، فاتته امرأة فأعجبته، فقال لها: إن في البيت أجودَ من هذا التمر، فذهب بها إلى بيته فضمَّها إلى نفسه وقبَّلَها، فقالت: اتقِ الله، فندم.
"فأتى النبيَّ ﵊ فأخبره"، فقال النَّبِيّ ﵊: أنتظر أمر ربي، فصلى العصر معه.
"فأنزل الله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾، قال مقاتل: صلاة الفجر والظهر طرف، وصلاة العصر والمغرب طرف، وقيل أحد طرفيه صلاة الصبح والطرف الآخر صلاة الظهر والعصر؛ لأن ما بعد الزوال من العشي.
﴿وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾، جمع زُلْفة، وهي قطعة من الليل، والمراد صلاة العشاء، يعني: مَن صلى هذه الصلوات الخمس يُغفَر صغائر ذنوبه.
" ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤]، فقال الرجل: يَا رسول الله! أي هذا؟ "؛ أي: هذه الآية مختصة بي أم لجميع المسلمين؟.
"قال: لجميع أمتي كلِّهم".
стр. 387
"وفي رواية: لمن عمل بها من أمتي".
* * *
٣٩٥ - عن أنس ﵁ قال: جاء رجلٌ إلى النَّبِيّ ﷺ فقال: يَا رسولَ الله! إنِّي أصَبْتُ حدًّا فأقِمْهُ عليَّ، ولم يسألهُ عنه، وحضَرَتِ الصَّلاةُ، فصلَّى مَعَ رسول الله ﷺ ، فلمَّا قضى النَّبيّ ﷺ الصَّلاةَ قامَ الرجُلُ، فقال: يَا رسولَ الله! إنِّي أصَبْتُ حدًّا فأقِم فيَّ كتابَ الله، قال: "أليسَ قَدْ صلَّيْتَ معنا؟ "، قال: نعم، قال: "فإنَّ الله قَدْ كَفرَ لكَ ذنبَكَ أو حدَّكَ".
"عن أنس أنَّه قال: -: جاء رجل فقال: يَا رسول الله! إنِّي أصبتُ حَدًّا".
من باب إطلاق اسم المسبب على السبب؛ أي: فعلت شيئًا يوجِب. الحدَّ.
"فأقمه عليَّ"، قال أنس: "ولم يسأله"؛ أي: النَّبِيّ ﵊ ذلك الرَّجل "عنه"؛ أي: ذلك الذنب، قيل: لأنه ﵊ عرف ذنبه، وغفرانه بطريق الوحي.
"وحضرت الصلاة، فصلى مع رسول الله ﷺ ، فلما قضى النَّبِيّ ﵊ الصلاةَ قام الرجلُ فقال: يَا رسول الله! إنِّي أصبتُ حَدًّا، فأقمْ فيَّ كتاب الله"؛ أي: أقم عليَّ الحدَّ الذي ثبتَ بكتاب الله تعالى.
"قال: أليس قد صليتَ معنا؟ قال: نعم، قال: فإن الله تعالى قد غفر لك ذنبك أو حَدَّك"، شكّ من الراوي، فيه دليل على أن الصغائر تُكفَّر بالحسنات، وكذا ما خَفِيَ من الكبائر؛ لعموم قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤].
وقوله ﵊: "أتبعِ الحسنةَ السيئةَ تَمْحُها"، وخطيئة
стр. 388
هذا الرَّجل في حكم المخفيِّ؛ لأنه ما بينهَا، أو يكون غفران الكبائر منه بأداء الصلاة حكمًا مختصًّا به.
* * *
٣٩٦ - وقال عبد الله بن مَسْعود ﵁: سأَلتُ رسولَ الله ﷺ : أيُّ الأعمالِ أَحَبُّ إلى الله؟ قال: "الصَّلاةُ لوقتِها"، قلتُ: ثمَّ أيٌّ؟ قال: "برُّ الوالِدَيْنِ"، قلتُ: ثمَّ أي؟ قال: "الجهادُ في سبيلِ الله"، قال: حدَّثَني بهنَّ، ولو استَزَدْتُهُ لزادني.
"وقال عبد الله بن مسعود: سألت النَّبِيّ ﵊ أي الأعمال أحب إلى الله تعالى؟ قال: الصلاة لوقتها"؛ أي: أداؤها في أول وقتها.
"قلت: ثم أي؟ "؛ أي: أيها أحبُّ؟
"قال: بِرُّ الوالدين، قلت: ثم أي؟ قال: الجهادُ في سبيل الله "، وفي حديث أبي ذَر حين سأل: أي العمل خير؟ قال: "إيمانٌ بالله، وجهادٌ في سبيل الله".
وقيل في حديث عائشة: "أحسنُ الأعمال الحجُّ"، وغير ذلك من الأحاديث الواردة في أفضل الأعمال.
فالتوفيق بين هذه الأحاديث: أنَّه ﵊ أجاب في كلِّ منها بما كان موافقًا لغرض السائل، أو ترغيبًا له فيما هو بصدده، أو إرشادًا له إلى ما هو الأصلَح.
"قال": ابن مسعود، "حدَّثَني"؛ أي: النَّبِيّ ﷺ ، "بهنَّ"؛ أي: بالمذكورات من الأفضل فالأفضل.
"ولو استزدتُه"؛ أي: لو سألتُه أكثرَ من هذه "لزادني" في الجواب.
* * *
стр. 389
٣٩٧ - وقال: "بينَ العبدِ وبينَ الكُفْرِ تَرْكُ الصَّلاة"، رواه جابر.
"وعن جابر أنَّه قال: قال رسول الله ﷺ : بينَ العبدِ وبين الكُفْرِ تَرْكُ الصلاةِ"، متعلق (بين) محذوف، تقديرُه: تركُها وصلة بينه وبين الكفر؛ أي: يوصله إليه؛ لأن إقامتها هي الخصلة الفارقةُ بين الفئتين، فالتهاون بحفظها يكاد يُفضي بصاحبه إلى حد الكفر.
ومن العلماء من كفَّر تاركها، ومنهم مَن لم يكفِّر، وحملوا الحديث على تركها جحودًا، أو على الزَّجْر والوعيد.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٣٩٨ - عن عُبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "خَمْسُ صَلواتٍ افترضَهُنَّ الله تعالى، مَنْ أحسَنَ وُضُوءَهُنَّ، وصَلَاّهُنَّ لوقتهِنَّ، وأتمَّ رُكُوعَهُنَّ وخُشُوعَهُنَّ؛ كانَ لهُ على الله تعالى عنها أنْ يغفرَ له، ومَنْ لمْ يفعلْ فليسَ له على الله عهدٌ، إنْ شاءَ غفرَ له، وإنْ شاءَ عذَّبَه".
"من الحسان":
" عن عبادةَ بن الصامت أنَّه قال: قال رسول الله ﷺ : خمس صلوات افترضهنَّ الله تعالى، مَنْ أحسنَ وُضوءَهنَّ"، إحسانه إكمالُه بمراعاة فرائضه وسننه وآدابه.
"وصلَاّهنَّ لوقتهن، وأتمَّ ركوعهنَّ وخشوعهنَّ"، وهو حضور القلب وطمأنينةُ الأعضاء، والتواضع.
"كان له على الله عهدٌ"، وهو حفظ الشيء ومراعاتُه حالًا فحالًا.
"أن يغفرَ له" خبر مبتدأ محذوف، والجملة صفة (عهد) أو بدل منه، أو
стр. 390
يتعلَّق بـ[(عهد) بتقدير الباء الجارة، سمَّى ما كان منه تعالى على طريق المجازاة لعباده عهدًا على جهة مقابلة عهده على العباد، أو لأنه وعدَ القائمين بحفظ عَهْدِه ألَاّ يُعذّبَهم، ووعدُه حقيقٌ بأنه لا يخلفه، فسمى وعدَه عهدًا؛ لأنه أوثقُ من كل عَهْد.
"ومن لم يفعل فليس له على الله عهدٌ"، بل يُوكَل إلى مشيئته تعالى.
"إن شاء غفر له" فضلاً.
"وإن شاء عَذَّبه" عَدْلاً، وهذا صريح بأنه لا يجب عقاب العاصي.
* * *
٣٩٩ - وقال: "صلُّوا خَمْسَكُمْ، وصُومُوا شَهْرَكُمْ، وأدُّوا زكاةَ أموالِكُمْ، وأطيعُوا ذا أمْرِكُمْ، تدخُلُوا جنَّةَ ربكُمْ" رواه أبو أُمامة.
"وعن أبي أمامة أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: صَلُّوا خَمْسَكم"؛ أي: خمس الصلوات المفروضة عليكم.
"وصوموا شهرَكم"؛ أي: رمضان.
"وأدُّوا زكاةَ أموالكم، وأطيعوا ذا أَمْرِكم"؛ أي: صاحب أَمْرِكم وهو الخليفة وغيرُه من الأمراء.
"تَدْخُلُوا" جواب الأوامر السابقة؛ يعني: فماذا فعلتم هذه الأشياء فجزاؤكم أن تدخلوا "جنةَ ربكم".
* * *
٤٠٠ - وقال: "مُرُوا أولادَكُمْ بالصَّلاةِ وهُمْ أبناءُ سَبع سِنينَ، واضرِبُوهُمْ عليها وهُمْ أبناءُ عَشْرِ سنين، وفرِّقوا بينهُمْ في المَضاجِعِ"، رواه سَبْرَة بن مَعْبَد الجُهَنيُّ.
"وعن سَبْرَة بن مَعْبَد الجُهَني أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه
стр. 391
وسلم: مُرُوا"، أمرٌ حُذفت همزته للتخفيف.
"أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين"؛ يعني: إذا بلغ أولادُكم سبعَ سنين فأْمُروهم بأداء الصلاة ليعتادُوا أو يستأنِسُوا بها.
"واضربوهم عليها"، على تركِ الصلاة.
"وهم أبناء عشرِ سنين، وفَرِّقوا بينهم في المضاجع"، جمع المَضْجَع، وهو موضع الجَنْب بالأرض، يعني إذا بلغوا عشر سنين فَرّقوا بين الأخ والأخت في المَضْجَع؛ لأنه يحتمل فيها البلوغ، فربما يغلب الشهوة على المذكور فيفعلون فاحشةً بالإناث، فأمر ﵊ بالتفريق بينهم حَذَرًا من ذلك.
* * *
٤٠١ - وقال: "العَهْدُ الذي بينَنا وبينَهُمُ الصَّلاةُ فمَنْ تركَها فقدْ كَفَر"، رواه بُرَيْدَة.
"وعن بُرَيدةَ أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: العَهْد الذي بيننا وبينهم"؛ أي: بين المنافقين.
"الصلاةُ"، فهي الموجِبة لأمانهم وحَقْن دمائهم، والمشبه لهم بالمسلمين في حضور صلاتهم ولزوم جماعتهم، وانقيادهم للأحكام الظاهرة.
"فمن تركَها"؛ أي: الصلاة.
"فقد كفر"؛ أي: دخل في حكم الكفار لارتفاع ذلك العَهْد فيحل سَفْك دمه.
قال عبد الله بن شَقِيق: كان أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لا يرون شيئًا من الأعمال تركُه كفرٌ غير الصلاة.
* * *
стр. 392
٢ - باب المَواقيْتِ
(باب المواقيت)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٤٠٢ - عن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسولُ الله ﷺ : ما لَمْ يحضُرِ العَصْرُ، ووقْتُ العَصْرِ ما لَمْ تصفَرَّ الشَّمسُ، ووقتُ صَلاةِ المَغربِ إذا غابتِ الشَّمسُ ما لَمْ يَسقُطِ الشَّفَقُ، ووقْتُ صَلاةِ العِشاءَ إلى نِصْفِ اللَّيْلِ الأَوْسَطِ، ووقْتُ صَلاةِ الصُّبْح مِنْ طُلُوعِ الفَجْرِ ما لَمْ تَطْلُعِ الشَّمْسُ، فإذا طَلَعَتِ الشَّمْسُ فأَمْسِكْ عَنِ الصَّلاةِ، فإنَّها تَطْلُعُ بينَ قَرْني الشيطانِ".
"من الصحاح":
" عن عبد الله بن عمرو أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: وَقْتُ الظهر"؛ أي: أولُ وقت الظهر "إذا زالت الشمس"، أي: مالت بعد الاستواء إلى جهة المغرب.
"ما لم يحضُرِ العصر": وهذا يدل على أنْ لا فاصلةَ بين وقتيهما ولا مشترك بينهما، وعلى أن لا كراهة في تأخير الظهر إلى آخر الوقت.
وعند مالك: إذا صار ظلُّ كل شيء مثلَه من موضع الزيادة، كان قَدْر أربع ركعات من ذلك مشتركًا بينهما.
"ووقت العصر ما لم تصفرَّ الشمس"، والمراد منه: وقت الاختيار، لقوله ﵊ في حديث آخر: "مَن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر"، والحديث يدلُّ على كراهة التأخير إلى وقت الاصفرار.
стр. 393
"ووقت صلاة المغرب إذا غابت الشمس ما لم يسقُط"؛ أي: لم يغرب "الشفق"؛ وهو الحمرة التي تلي الشمس بعد الغروب عند الشافعي وأبي يوسف ومحمد، والبياض الذي يكون بعد غروب الحُمْرة عند أبي حنيفة.
وهذا يدل على امتداد وقت المغرب إلى سقوط الشَّفَق، فلو سقط بعضه لا يدخل وقت العشاء كما لا يدخل وقتُ المغرب بغروب بعض القُرْص، وتأخير المغرب إلى آخر الوقت أقلُّ كراهة بالنسبة إلى تأخير العصر.
"ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل الأوسطِ"، صفة الليل؛ أي: بقدْر نصف ليل أوسطَ لا طويلِ ولا قصيرِ، وهذا وقتُ الاختيار أيضًا؛ لأن وقت الجواز يمتد إلى طلوع الفجر.
"ووقت صلاة الصبح من طلوع الفجر"، وهو تبيُّن الخيط الأبيض من الخيط الأسود، ويدخل وقته بأدنى الطلوع.
"ما لم تطلع الشمس": ولا كراهة في تأخيرها إلى آخر الوقت.
"فإذا طلعت الشمس فأمسِك عن الصلاة"؛ أي: اتركْها.
"فإنها"؛ أي: فإن الشمس "تطلع بين قَرْنيَ الشيطان"؛ أي: بين جانبي رأسه، وذلك أن الشيطان يقف عند طلوع الشمس مستدبرًا لها مستقبلًا لسجود مَن يسجد لها؛ ليكون ذلك عبادة له، فنهى - عليه الصلاة السلام - عن الصلاة في هذا الوقت كراهةَ موافقة عُبَّادِ الشمس.
وقيل: المراد بقرنيه: حزباه السابقون واللاحقون بالليل والنهار.
وقيل: هو من باب التخييل، تشبيهًا له بذوات القرون التي تناطح الأشياء؛ لأن اللعين مناطِحٌ للحق ومدافع له.
* * *
стр. 394
٤٠٣ - عن بُرَيْدة: أنَّ رجلًا سألَ النبي ﷺ عنْ وَقْتِ الصَّلاةِ فقال: "صَلِّ مَعَنا هذَيْنِ" يعني: اليَوْمَيْنِ، فلما زالتِ الشَّمْسُ أَمَرَ بلالاً فأذَّنَ، ثم أَمَرَهُ فأقامَ الظُّهْرَ، ثمَّ أَمَرَهُ فأقامَ العَصْرَ والشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ بيضاءُ نقيَّه، تمَ أمَرَهُ فأقامَ المَغْرِبَ حِينَ غابَتِ الشَّمْسُ، ثم أمَرَهُ فأقامَ العِشاءَ حِينَ غابَ الشَّفَقُ ثمَّ أمَرَهُ فأقامَ الفَجْرَ حِينَ طَلَعَ الفجر، فلمَّا أن كانَ اليَوْمُ الثَّاني أمَرَهُ فأبْرَدَ بالطهْرِ فأنْعَمَ أنْ يُبْرِدَ بها، وصلى العَصْرَ والشَّمْسَ مُرتفعةٌ، أخَّرَها فَوْقَ الذي كان بالأمس، وصلَّى المَغْرِبَ قَبْلَ أَنْ يَغيبَ الشَّفَقُ، وصلَّى العِشاءَ بَعْدَما ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ، وصلَّى الفَجْرَ فأسْفَرَ بها، ثمَّ قال: "أينَ السَّائلُ عَنْ وَقْتِ الصَّلاةِ؟ "، فقالَ الرَّجُلُ: ها أنا، يا رسولَ الله، قال: "وَقْتُ صَلاتِكُمْ بينَ ما رأيْتُمْ".
"وعن بريدة: أن رجلًا سأل النبي صلى الله تعالى عليه وسلم عن وقت الصلاة فقال: صل معنا هذين اليومين، فلما زالت الشمس أمر بلالاً فأذن، ثم أمره فأقام الظهر": نصب بنزع الخافض؛ أي: للظهر.
"ثم أمره فأقام العصرَ والشمسُ مرتفعةٌ"؛ أي: في أول وقته.
"بيضاءُ"؛ أي: لم يختلِط بها صفرة.
"نقيةٌ"؛ أي: طاهرة صافية من الاصفرار؛ يعني: أي في أول وقته.
"ثم أمرَه فأقام المغرب حين غابت الشمس، ثم أمره فأقام العشاء حين غاب الشَّفَق، ثم أمره فأقام الفجر حين طلع الفجر، فلما أنْ كان"، (أن) هذه زائدة و "كان" تامة؛ أي: دخلَ "اليومُ الثاني أمرَه فأبردَ بالظهر"، قيل: معنى الإبراد: انكسارُ شدة حَرِّ الظهيرة.
"أنعم أن يبرِد بها"، الباء للتعدية؛ أي: زاد على الإبراد في صلاة الظهر وبالغ فيه حتى تمَّ انكسار الحَر.
"وصلى العصرَ والشمسُ مرتفعةٌ أَخرها"؛ أي: صلاة العصر في اليوم الثاني.
стр. 395
"فوقَ الذي كان" بالأمس.
"وصلى المغرب قبلَ أن يغيب الشفقُ"؛ يعني صلاها في آخر الوقت.
"وصلى العِشاء بعد ما ذهب ثلثُ الليل، وصلى الفجر فأسفرَ بها"، الباء للتعدية؛ أي: صلاها وقت الإسفار، وهو الإضاءة.
"ثم قال: أين السائل عن وقت الصلاة؟ فقال الرجل: أنا"؛ أي: السائل أنا "يا رسول الله، قال: وقتُ صلاتكم بين ما رأيتم"؛ أي: هذا الوقت المقتصِد الذي لا إفراطَ فيه تعجيلًا ولا تفريطَ فيه تأخيراً.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٤٠٤ - عن ابن عبَّاسٍ قال: قال رسول الله ﷺ : "أَمَّني جِبرِيلُ عند بابِ البَيْتِ مَرَّتِيْنِ، فصلَّى بيَ الظُّهْرَ حِينَ زالَتِ الشَّمْسُ وكانَ الفَيْءُ مِثْلَ الشِّراكِ، وصلَّى بيَ العَصْرَ حِينَ كانَ كُلُّ شيءٍ مثلَ ظِلِّه، وصَلَّى بيَ المَغْرِبَ حِينَ أفطَرَ الصَّائمُ، وصلَّى بيَ العِشاءَ حِينَ غابَ الشَّفقُ، وصلَّى بيَ الفَجْرَ حِينَ حَرُمَ الطَّعامُ والشَّرابُ على الصَّائِمِ، وصلَّى بيَ الغَدَ الظُّهْرَ حِينَ كانَ كُلُّ شيءٍ مِثْلَ ظلِّهِ، وصلَّى بيَ العَصْرَ حِينَ كانَ ظِلُّ كُل شيءٍ مِثْلَيْهِ، وصلَّى بيَ المَغْرِبَ حِينَ أفطَرَ الصَّائمُ، وصلَّى بيَ العِشاءَ حِينَ ذهبَ ثُلُثُ الليلِ، وصلَّى بيَ الفَجْرَ حِينَ أسفَرَ، ثمَّ التفتَ إليَّ فقال: يا مُحمَّدُ، هذا وَقْتُ الأنبياءِ مِنْ قبلِكَ، والوقتُ ما بينَ هذينِ الوَقْتَيْنِ".
"من الحسان":
" عن ابن عباس أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: أمَّني جِبْرَائيل"؛ أي: صار إمامًا لي.
стр. 396
"عند باب البيت"؛ أي: الكعبة.
"مرَّتين"؛ أي: في يومين؛ ليعرِّفَني كيفية الصلاة وأوقاتَها.
"فصلى بي"، الباء للمصاحبة والمعية؛ أي: صَلَّى معي "الظهرَ حين زالت الشمس، وكان الفيءُ"؛ أي: الظِلّ الراجع من النقصان إلى الزيادة.
"مِثلَ الشِّرَاك"؛ أي: كان بقدْر شِراك النعل، وهذا على وجه التقدير لا التحديد؛ لأن زوال الشمس لا يتبيَّنُ بأقلَّ ما يُرى من الظل في جانب المشرق، وكان حينئذٍ بمكة هذا القَدْر والظِّلُّ يختلف باختلاف الأزمنة والأمكنة، فكل بلد هو أقربُ إلى خط الاستواء ومعدَّل النهار كان الظل فيه أقصرَ، وكل بلد كان أبعدَ عنهما إلى جانب الشمال كان فيه أطولَ.
"وصلى بي العصرَ حين كان ظِلُّ كل شيء مثلَ ظِلِّه"، معناه: زاد ظِلّ كل شيء عن مثلِه أَدْنىَ زيادة.
"وصلى بي المغربَ حين أفطر الصائم"؛ يعني بعد غروب الشمس؛ لأن الصائم يُفطر في هذا الوقت.
"وصلى بي العِشاء حين غاب الشفق، وصلى بي الفجرَ حين حَرُمَ الطعامُ والشراب على الصائم"؛ يعني: أول طلوع الفجر الثاني.
"وصلَّى بي الغداةَ"؛ أي: صلى في اليوم الثاني "الظهرَ حين كان كلُّ شيء مثلَ ظِلِّه، وصلى بي العصر حين كان ظِلّ كلِّ شيءٍ مثليه، وصلى بي المغرب حين أفطر الصائم، وصلى بي العشاء حين ذهب ثلثُ الليل، وبي الفجر حين أسفرَ"؛ أي: أضاء.
"ثم التفتَ"؛ أي: نظرًا "إليَّ" جبرائيل ﵇.
"فقال: يا محمدا هذا وقت الأنبياء من قبلِك"، إذ المحافظةُ عليه شاقّةٌ على النفس لا يقدِر عليها إلا المراعون للظلال والمنتظِرون للصلوات.
стр. 397
"والوقت"؛ أي: الوقت المستحبُّ الذي لا حرج فيه "ما بين هذين الوقتين"، فيجوز الصلاة في أَوَّلِه وأوسطِه وآخرِه.
* * *
٣ - باب (تَعْجيل الصلاةِ)
(باب تعجيل الصلاة)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٤٠٥ - قال أبو بَرزة الأسْلَميُّ ﵁: كانَ رسولُ الله ﷺ يُصلِّي الهَجيرَ التي تَدْعونهَا الأُولى حينَ تَدْحَضُ الشَّمْسُ، ويُصلِّي العصرَ ثمَّ يجيءُ أحَدُنا إلى رحلِهِ في أقصى المدينةِ والشمسُ حَيَّة، ونسَيتُ ما قالَ في المَغرِبِ، وكانَ يَستحِبُّ أنْ يُؤَخِّرَ العِشاءَ، ولا يُحِبُّ النَّوْمَ قبلَها والحديثَ بعدَها، وكان يَنفتِلُ مِنْ صلاةِ الغَداةِ حينَ يَعرِف الرجُلُ جَليسَهُ، ويقرأ بالستِّينَ إلى المئةِ، وفي روايةٍ: ولا يُبالي بتأخيرِ العِشاء إلى ثُلُثِ اللَّيْل.
"من الصحاح":
" قال أبو بَرْزَة الأسْلَمي: كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يصلِّي الهجيرَ"، وهو الظهرُ في لغة بعض العرب، سُمي الظهر هَجِيراً؛ لأنها تصلَّى في الهاجرة، وهي وقت انتصاف النهار؛ يعني: يصلي صلاة الظهر.
"التي تَدْعُونها"؛ أي: تسمُّونها الصلاة.
"الأولى حين تَدْحَضُ الشمس"؛ أي: تزول عن وسط السماء إلى جهة المغرب؛ لأنها إذا انحطَّت للزوال فكأنها دَحَضَتْ؛ أي: زَلقَتْ.
стр. 398
وغرض الراوي: أن يعرف المخاطَبين أن الهجيرَ والأُولى والظهرَ واحدٌ.
"ويصلي العصر، ثم يرجع أحدُنا إلى رحله"؛ يعني يصلِّي أحدُنا مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم العصرَ، ثم يذهب إلى بيته.
"في أقصى المدينة"؛ أي: آخرها.
"والشمس حَيَّةٌ"؛ أي: باقٍ لونُها على صفاته وقوته لم يتغيَّر إلى الصفرة، وكل ما ضَعُفَ قُوَّته فكأنه قد مات.
قال عوف: وهو راوي هذا الحديث عن أبي بَرْزَة.
"ونسيت ما قال" أبو بَرْزَة.
"في المغرب"؛ أي: في وقت صلاة المغرب.
"وكان"؛ أي: الرسول صلى الله تعالى عليه وسلم.
"يستحبُّ أن يؤخِّر العِشاء"؛ أي: يحبُّ تأخيرَها.
"ولا يحب النوم قبلَها"، بل كان يجلِس ويذكر الله تعالى، فالتأخير بشرط عدم النوم قبلها مستحَبٌ.
"ولا الحديث بعدها"، لا يحبُّ الحديث بعد صلاة العشاء.
"وكان ينفتِلُ"؛ أي: ينصرف، يعني: يفرغُ "من صلاة الغداة"؛ أي: الصبح.
"حين يعرِف الرجل جليسَه"؛ يعني حين يرى كل واحد من الجماعة مَن هو يقرُبه من ضوء الصبح.
"ويقرأ"؛ أي: في صلاة الصبح "بالستين"، الباء زائدة؛ أي: يقرأ فيها ستين آية، وربما يزيد "إلى المئة"، وهذا التفسير أنسَبُ بمذهب الشافعي.
وقيل: معناه: يسَعُ الوقت بعده لقراءة ستين آية إلى المئة، وهذا أنسبُ
стр. 399
بمذهب أبي حَنيفة.
"وفي رواية: لا يبالي بتأخير العِشاء إلى ثلث الليل.
* * *
٤٠٦ - وسُئل جابر ﵁ عَنْ صلاةِ النَّبيِّ ﷺ فقال: كانَ يُصلِّي الظُّهرَ بالهاجرةِ، والعصرَ والشَّمسُ حيَّةٌ، والمغربَ إذا وَجَبَتْ، والعِشاءَ إذا كَثُرَ النَّاسُ عَجَّلَ وإذا قفُوا أخَّر، والصُّبحَ بغَلَسٍ.
"وسُئلَ جابر عن صلاة النبي ﵊ فقال: كان يصلي الظهر بالهاجرة"، وهي شدة الحرارة، يعني يصلي في أول الوقت.
"والعصر"؛ أي: يصلي العصر.
"والشمسُ حَيَّةٌ والمغرب إذا وجَبَت"؛ أي: سقطت الشمس للمغيب.
"والعِشاءَ إذا كَثُرَ الناسُ عَجَّلَ، وإذا قلُّوا أَخَّر"، والجملتان الشرطيتان في محل النصب حالان من الفاعل.
"والصبحَ بغَلَس"؛ وهي ظلمة آخر الليل مختلطة بضوء الصبح، يعني كان يصلي الصبحَ في أول الوقت.
* * *
٤٠٧ - قال أنس ﵁: كُنَّا إذا صلَّيْنا خلْفَ رسولِ الله ﷺ بالظَّهائرِ سجَدْنا على ثِيابنا اتِّقاءَ الحرِّ.
"وقال أنس: كنَّا إذا صلَّينا خلف رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بالظَّهائر"، جمع الظهيرة وهي نصف النهار، أراد به ظهرَ كلِّ يوم، والباء زائدة.
"سجدْنا على ثيابنا اتقاءَ الحَرِّ"؛ أي: احترازًا وحَذَراً من احتراق جباهِنا
стр. 400
من غاية الحرارة؛ يعني: كنا نصلِّي الظهرَ في أول وقته.
وفيه دليل: على أن المصلي لو سجد على ثياب بدنِه يجوز، وإليه ذهب أكثرُ الفقهاء، ولم يجوِّزه الشافعي متأوِّلاً الحديث على ثوب هو غير لابسِه.
* * *
٤٠٨ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا اشتدَّ الحرُّ فأَبرِدُوا بالصَّلاة"، وفي رواية: "بالظُّهرِ، فإنَّ شِدَّةَ الحرِّ مِنْ فَيْح جهنَّمَ".
"عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إذا اشتدَّ الحَرُّ فأبرِدُوا بالصلاة"؛ أي: بصلاة الظهر.
"وفي رواية: بالظهر، فإن شدة الحَرِّ من فَيْح جهنم"، فيحُها سطوعُ حَرِّها وانتشاره، أو غليانها، يعني: شدةُ حَر الصيف من حرارة جهنم، فالإبراد بالظهر في شدة الحَرِّ.
قيل: مندوب لطالب الجماعة أخذًا بهذا الحديث.
وقيل: التعجيل أَولى لحديث خَبّاب أنه قال: "شكونا إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حَرَّ الرَّمْضاء في جباهنا وأَكُفِّنا، فلم يُشْكِنا"؛ أي: لم يُزِلْ شكوانا؛ يعني: لم يرخِّص لنا في التأخير.
* * *
٤٠٨/ -م - "واشْتكَتِ النَّارُ إلى ربها، فقالت: يا ربِّ! أكلَ بعضي بعضاً، فأَذِنَ لها بنفَسَيْنِ: نَفَسٍ في الشتاءِ ونَفَسٍ في الصيف، أشد ما تجدُونَ مِنَ الحرِّ، وأشدُّ ما تجدُونَ مِنَ الزَّمْهرير".
"واشتكت النار إلى ربها": جملة مبينة للأُولى، وإن دخلت الواو بين البيان والمبين.
стр. 401
"فقالت: ربي! كلَ بعضي بعضاً"، اشتكاؤها من أكلِ بعضها بعضاً مَجازٌ عن كثرتها وغليانها بحيث يَضيق عنها مكانُها، فيسعى كل جزء منها في إفناء الآخر واستيلائه على مكانها.
"فأذِنَ لها بنفَسَين"، نفسُها لهبُها وخروجُ ما يَظهَرُ منها.
"نَفَسٍ في الشتاء، ونَفَسٍ في الصيف، أشدُّ"، بالرفع خبر مبتدأ محذوف؛ أي: ذلك أشدّ "ما تَجِدون من الحَرِّ"، بيان الماء الموصول من حرها؛ أي: حرِّ نار جهنم، وروي: بنصب (أشدَّ) صفة لـ (نَفَسَين) أو بدلًا عنه.
"وأشدُّ ما تَجدون من الزَّمْهَرِير"؛ وهو البرد الشديد من زَمْهَريرها، فعُلم منه أن في النار شدةَ الحَرِّ وشدةَ البرد.
قيل: كلٌّ منهما طبقةٌ من طبقات الجحيم، وهذا من جملة الحكمة الإلهية، حيث أظهر آثار الفيح في زمان الحَرِّ، وآثار الزَّمْهَرير في زمان الشتاء لتعودَ الأمزجة بالحَرِّ والبرد، فلو انعكس لم يتحمَّلْه، أو لأن الباطن في الصيف بارد فيقاوم حَرَّ الظاهر، وفي الشتاء حَرٌّ فيقاوم برد الظاهر.
وأما اختلاف حَرِّ الصيف وبرد الشتاء في بعض الأيام فلعله تعالى يأمر بأن تُحفظ تلك الحرارة في موضع، ثم يرسلَها على التدريج حفظاً لأبدانهم وأشجارهم، وكذلك البرد.
* * *
٤٠٩ - وقال أنس ﵁: كان رسولُ الله ﷺ يُصلِّي العَصْرَ والشَّمْسُ مُرتفِعة حيَّة، فيذهبُ الذَّاهبُ إلى العَوالي، فيأْتيهِمْ والشَّمْسُ مُرتفعة، وبعضُ العَوالي مِنَ المدينةِ على أربعةِ أمْيالٍ أو نحوِهِ.
"وقال أنسٌ: كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يصلِّي العصر
стр. 402
والشمسُ مرتفعةٌ حيَّةٌ، فيذهب الذاهبُ"؛ أي: يذهب واحد بعد صلاة العصر "إلى العوالي": جمع عالية وهي أماكن معروفة بأعلى أراضي المدينة.
"فيأتيهم"؛ أي: يرجع إلى المدينة.
"والشمسُ مرتفعةٌ" لم تصفر؛ يعني: كان يصلي العصر في أول وقته.
"وبعض العَوالي من المدينة على أربعة أميال"، جمع ميل، وهو ثلث فرسخ، والفرسخ اثنا عشر ألف خطوة، وكل خطوة ثلاث أقدام.
"أو نحوها"؛ أي: نحو المقدار المذكور يعني: قريب من ذلك، وأبعدُ العوالي من جهة نجد على ثمانية أميال.
* * *
٤١٠ - وعن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "تلْكَ صلاةُ المُنَافِقِ، يجلِسُ يَرْقُبُ الشَّمْس، حتى إذا اصفرَّتْ، وكانتْ بينَ قَرْنيَ الشَّيطانِ؛ قامَ فنقرَ أربعاً لا يذكُرُ الله فيها إلَّا قليلاً".
"وعن أنس أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: تلك"، إشارة إلى المذكور حكمًا؛ أي: صلاةُ العصر التي أُخّرت إلى الاصفرار "صلاةُ المنافقين"، فبيَّنهَا بقوله: "يجلِسُ يرقُبُ الشمس"؛ أي: يرصُد وينتظر دنَوَّ الشمس من المغرب، وهي جملة حالية أو استئنافية.
"حتى إذا اصفرَّت"؛ أي: الشمس.
"وكانت بين قَرنيَ الشيطان" قَرُبَت من الغروب.
"قام فنقَرَ أربعاً"؛ أي: أربع ركعات، من نقرَ الطيرُ الحباتِ إذا لقطَها بمنقاره سريعًا، يعني صلَاّها خفيفة بلا طمأنينة وخشوع ولا رعايةِ تَعْدِيل.
"لا يذكر الله فيها إلا قليلًا"، فإنَّ مَن أخر صلاة العصر إلى الاصفرار فقد
стр. 403
شَبَّه نفسَه بالمنافقين، فإنهم لا يصلُّون عن اعتقاد حقيقتها, ولا يبالون بتأخيرها، فلا ينبغي للمسلم أن يفعل ما يفعلونه.
* * *
٤١١ - وقال: "الذي تفُوتُهُ صَلاةُ العصرِ فكأنَّما وترَ أهلَهُ ومالَهُ"، رواه ابن عمر.
"وعن ابن عمر أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: الذي تفوته صلاة العصر فكأنه وترَ"، مجهولاً؛ أي: نقصَ وأُهْلِك.
"أهلُه ومالُه"؛ يعني فوتُ ثواب صلاة العصر عنه أكثر خساراً من فوت أهله وماله.
وقيل: معناه: فليكن حذرُه من فوتها كحذَره من ذهابهما، وإنما أوعده بهذا؛ لأنه وقت اشتغال الناس بتجاراتهم ومعايشهم لأهليهم ونفوسهم، وذلك مَظِنَّة الفَوت أو التفويت مع ما فيها من الفضيلة.
* * *
٤١٢ - وقال: "مَنْ تَرَكَ صلاةَ العَصْرِ حَبطَ عملهُ"، رواه بُريدة.
"وعن بُرَيدةَ عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: مَن ترك صلاة العصر حَبطَ عملُه"؛ أي: نقص ثوابُ عملِ ذلك اليوم؛ لأنها خاتمة فرائض النهار، فإذا فاتته بقي عمل نهاره أبترَ لا يكمل ثوابه، فتعبيره بالحبوط - وهو البطلان - للتهديد.
* * *
٤١٣ - قال رافِع بن خَدِيج: كُنَّا نُصلِّي المغربَ معَ النَّبيِّ ﷺ ، فينصرِفَ
стр. 404
أحدُنا وأنَّه ليُبصِرُ مَواقِعَ نبلِهِ.
"وقال رافع بن خُدَيج: كنا نصلي المغرب مع النبي ﵊ فينصرفُ أحدُنا"؛ أي: من الصلاة.
"وإنه ليبصِرُ مواقع نبلِه"، جمع موقع: وهو موضع الوقوع، والنبل السهمُ؛ يعني: يصلي المغرب في وقت لو رمى أحدنا سهمه لأبصره أين يقع، وهذا دليل على تعجيل المغرب.
* * *
٤١٤ - وقالت عائشة ﵂: كانُوا يُصلُّونَ العَتَمةَ فيما بينَ أنْ يَغيبَ الشَّفَقُ إلى ثُلُثِ اللَّيْلِ الأولِ.
"وقالت عائشة: كانوا يصلُّون العَتَمة"؛ يعني صلاة العشاء.
"فيما بين أن يغيبَ الشفقُ إلى ثلث الليلِ الأولِ"، ولعل قولها: (العَتَمة) للعشاء قبلَ ورود النهي عن تسميته بذلك، وفيه استحباب تأخير العشاء.
* * *
٤١٥ - وقالت عائشة ﵂: كانَ رسولُ الله ﷺ لَيُصلِّي الصُّبحَ، فتَنصَرِف النِّساءُ مُتَلفِّعات بمُرُوطِهِنَّ ما يُعْرَفْنَ مِنَ الغَلَسِ.
"وقالت عائشة: كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لَيُصَلِّي"، اللام فيه للابتداء، وقد دخل الخبر، وهو جائز عند الكوفية على تقدير مبتدأ محذوف عند البصرية؛ أي: لهو يصلي.
"الصبحَ، فتنصرِف النساءُ متلفِّعات"، نصب على الحال؛ أي: متلحّفَات "بمروطِهَّن": جمع المِرْط وهو المِلْحَفة.
"ما يُعرَفْنَ من الغَلَس" أنها امرأة أم رجل، وبهذا قال الشافعي: التغليس
стр. 405
بالفجر أفضلُ، وعليه الأكثر، وبعضهم ذهب إلى أن الإسفار أفضل.
* * *
٤١٦ - وعن قَتادة، عن أنس: أنَّ نبيَّ الله ﷺ وزيدَ بن ثابتٍ تَسحَّرا، فلمَّا فَرَغا مِنْ سَحُورِهما قامَ نبيّ الله ﷺ إلى الصَّلاةِ فصلَّى، قُلنا لأنس: كَمْ كانَ بينَ فَراغِهِما مِنْ سَحُورِهما ودُخُولهما في الصَّلاةِ؟ قال: قدرُ ما يقرأُ الرجُلُ خمسينَ آيةً.
"عن قَتادة عن أنس: أن نبي الله صلى الله تعالى عليه وسلم وزيدَ بن ثابت تسحرا"؛ أي: أكلا السحور.
"فلما فرغا من سَحُورهما قام نبي الله صلى الله تعالى عليه وسلم إلى الصلاة"؛ أي: إلى صلاة الصبح.
"فصلى، قُلْنا لأنس: كم كان"، (كم) هذه استفهامية مبتدأ وخبرها الجملة؛ أي: كم زمانا كان "بين فراغهما"؛ أي: فراغ النبي ﵊ وزيد بن ثابت.
"من سَحُورِهما وفي خولهما في الصلاة؟ قال: قَدْرَ" بالنصب خبر لـ (كان) المقدرة؛ أي: كان المقدار ما بينهما قَدْرَ.
"ما يقرأ الرجلُ خمسين"، ويجوز الرفع، خبر مبتدأ محذوف، وهذه الفاصلة بين أكلِ السَّحور والدخولِ في الصلاة لا يجوز لكل أحدٍ، وإنما جاز للنبي ﵊ لأنه كان عارفًا بدخول الصبح من طريق الوحي والمعجزة، فإن كان رجلٌ حاذقٌ عارفٌ بدخول الصبح يقينًا بعلم النجوم جاز له هذا التأخير أيضًا إلى هذه المقدار.
* * *
стр. 406
٤١٧ - عن أبي ذَرٍّ ﵁ قال: قال لي النبيُّ ﷺ : "يا أبا ذَرٍّ! كيفَ بِكَ إذا كانتْ عليكَ أُمراءُ يُميتُونَ الصَّلاةَ - أو قال: يُؤَخِّرُونَ الصَّلاةَ؟ "، قلتُ: يا رسولَ الله فما تأمُرُنِي؟ قال: "صَل الصَّلاةَ لِوَقْتِهَا، فإنْ أَدْركتَها معهُمْ فصلِّها؛ فإنَّها لك نافِلَة".
"وعن أبي ذر أنه قال: قال لي النبيُّ صلى الله تعالى عليه وسلم: يا أبا ذر! كيف بك"؛ أي: كيف الحال أو الأمر بك "إذا كانت عليك أُمراءُ": جمع أمير، ومُنع صرفه لألف التأنيث.
"يميتون الصلاة"؛ يعني يضيعونها ويؤخرونها إلى آخر الوقت لعدم المبالاة بها.
"أو قال: يؤخرون الصلاة"، شك من الراوي، وإنما ذكر الأمراء؛ لأنهم كانوا الخطباءَ في ذلك الزمان، والأئمة بالناس؛ يعني: إذا رأيتهم يؤخرونها أفَتُوافِقُهم في التأخير أم لا؟.
"قلت: يا رسول الله! فما تأمرني؟ قال: صَلِّ الصلاةَ لوقتها"؛ أي: في أول الوقت ولا تؤخرها.
"فإن أدركتَها معهم فصلِّهْ"، الهاء للسكت، أو كناية يعود إلى ما أدرك، ويروى: "فصلِّ" و"فصلِّها".
"فإنها لك نافلة" وهذا دليل على أن الصلاة في أول الوقت أفضلُ، ولا يستَحبُّ ترك فضيلة أولِ الوقت؛ لأجل إمام يؤخر الصلاة، وعلى سُنية إعادة الفرض بالجماعة خلافًا لمن كره ذلك، وعلى أن الثاني نقل خلافًا لمن قال: إن الأُولى أو واحدة منهما لا على التعيين نفل.
* * *
стр. 407
٤١٨ - وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ أدركَ ركعةً مِنَ الصُّبْح قبلَ أنْ تطلُعَ الشَّمْسُ فقدْ أدركَ الصُّبْحَ، ومَنْ أدركَ ركعةً مِنَ العَصْرِ قبلَ أنْ تغرُبَ الشَّمْسُ فقدْ أدركَ العَصْر".
"وعن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: مَن أدركَ ركعةً مِن الصبح"؛ أي: بركوعها وسجودها.
"قبلَ أن تطلُعَ الشمس فقد أدرك الصبحَ، ومَن أدركَ ركعةً من العصر قبل أن تغربَ الشمس فقد أدرك العصر"، قيل: معناه فقد أدركَ وقتَها، فإنَّ مَن لم يكن أهلاً للصلاة فصار أهلاً، وقد بقي من الوقت قَدْرُ ركعة لزمته تلك الصلاة.
وقيل: معناه فقد أدرك فضيلةَ تلك الصلاة مع الجماعة.
* * *
٤١٩ - وقال "إذا أَدْرَكَ أحدكمْ سَجدةً مِنْ صلاةِ العصرِ قبلَ أَنْ تغرُبَ الشَّمْسُ فلْيتمَّ صَلاتَهُ، وإذا أدركَ سَجدةَّ مَنْ صَلاةِ الصُّبح قبلَ أنْ تَطْلُعَ الشَّمسُ فلْيتمَّ صَلاتَه"، رواه أبي هريرة.
"وعنه عن النبي ﵊ أنه قال: إذا أدركَ أحدكم سجدةً"؛ أي: ركعة، سميت الركعة سجدة؛ لأن تمامَها بها.
"من صلاة العصر قبل أن تغربَ الشمسُ فليتمَّ صلاتَه"؛ أي: ليمضيَ فيها ولا يقطعها في أثنائها.
"وإذا أدركَ سجدةً من الصبح قبل أن تطلعَ الشمس فليتمَّ صلاته"، والحديث يدل على أن مَن صلى ركعة في الوقت والباقي خارجَه لا يكون كمن صلى الكلُّ خارجَ الوقت.
قيل: يكون جميعها أداءً، وقيل: قضاءً، وقيل: القَدْر الواقع فيه أداء،
стр. 408
والقَدْر الخارج قضاء، وإن من طلعت عليه الشمس وهو في صلاة الصبح، أو غربت وهو في صلاة العصر فإن صلاته لا تبطل، وعند أبي حنيفة: تبطل بالطلوع دون الغروب.
* * *
٤٢٠ - وقال: "مَنْ نَسِيَ صَلاةً أو نامَ عَنْها، فكَفَّارتُها أنْ يُصلِّيَها إذا ذكرها"، رواه أنس، وفي روايةٍ: "لا كفَّارَة لها إلَّا ذلك".
"وعن أنس أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه سلم: من نَسِيَ صلاة أو نام عنها"؛ أي: كان نائماً "حتى تفوتَ الصلاة فكفارتُها أن يصلِّيهَا إذا ذكرها"، وليس عليه إثم إذا قضاها؛ لأنه لا تقصيرَ منه في النسيان والنوم.
"وفي رواية: لا كفارةَ لها إلا ذلك"؛ يعني لا يكفِّرُها غير قضائها، أو لا يلزمه في نسيانها غرامة ولا زيادة تضعيف، ولا كفارة من صدقة كما مِن ترك الصوم من رمضان بلا عُذْر، وكما يلزم المُحْرِم إذا ترك شيئًا من فِدية من دم أو طعام.
والحديث يدلُّ على أن الفائتة المتذكَّرة لا تؤخَّر.
* * *
٤٢١ - وقال: "ليسَ في النَّوْمِ تَفْريطٌ، إنَّما التَّفريطُ في اليَقَظَةِ، فإذا نَسِيَ أحدكمْ الصلاة أو نام عنها فليصلِّها إذا ذكَرها"، رواه أبو قَتادة.
ورواه أبو هريرة ﵁، وزاد: "قالَ الله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ ".
"عن أبي قَتادة أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: ليس في النوم تفريط"؛ أي: تقصير في فوت الصلاة "إنما التقصير في اليقظة"؛ أي:
стр. 409
التقصير إنما يكون إذا لم يكن الرجل نائماً ولا ناسيًا وترك الصلاة عامدًا حتى تفوت.
"فإذا نسي أحدكم صلاةً أو نام عنها فليصلِّها إذا ذَكَرَها، فإن الله تعالى قال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] ": اللام تعني الوقت والحسين؛ أي: وقت ذِكْرِ صلاتي.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٤٢٢ - عن علي كرَم الله وجهه: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال له: "يا عليُّ! ثلاثٌ لا تُؤخِّرْها: الصَّلاةُ إذا أتتْ، والجنازةُ إذا حَضَرَتْ، والأيمُ إذا وجدْتَ لها كفْؤاً".
"من الحسان":
" عن عليٍّ ﵁ أن النبيَّ صلى الله تعالى عليه وسلم قال له: يا علي! ثلاث لا تؤخِّرْها: الصلاةُ إذا آتت"، على وزن حانت، من: آنَ يئين أَيْنًا: إذا دخل الوقت، وقيل: مِن أَنى يَأْنىَ بمعنى: حان.
"والجنازة إذا حضرتْ"، وهذا يدل على عدم كراهة صلاتها في الأوقات المكروهة.
"والأَيم" بتشديد الياء: المرأة بلا زوج بِكرًا كانت أو ثَيبًا.
"إذا وجدتْ لها كفْواً"، وهو المِثْل، وكُفْوُ النكاح أن يكون الرجلُ مثلَ المرأة في الإِسلام والحرية والصلاح والنَّسَب.
* * *
стр. 410
٤٢٣ - وقال ﵇: "الوقْتُ الأوَّلُ مِنَ الصَّلاةِ رِضْوانُ الله، والوقتُ الآخِرُ عَفْوُ الله"، رواه ابن عمر.
"وعن ابن عمر أنه قال: قال رسول الله ﷺ : الوقت الأول من الصلاة"؛ أي: التعجيلُ فيه.
"رضوانُ الله"؛ لأنه عجَّل إلى الله وهو مؤدٍّ إلى رضاه.
"والوقت الآخر عفوُ الله"، وبهذا قال الشافعي: تعجيل الصلوات في أول الأوقات أفضل؛ لأن العفو يتبع التقصير.
وعند أبي حنيفة تأخير الصبح إلى الإسفار، والعصر ما لم تتغير الشمس، والعشاء إلى ما قبل ثلث الليل أفضل؛ لأن في تأخيرهن فضيلةَ انتظارِ الصلاة، وتكثير الجماعة ونحوهما، فالعفو يجيء بمعنى الفضل، قال الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ [البقرة: ٢١٩] يعني: أنفقوا ما فضَلَ عن قُوتكم وقُوتِ عيالكم، فالمعنى: في آخر الوقت فضلُ الله كثير.
* * *
٤٢٤ - وعن أُمِّ فَرْوَة ﵂ قالت: سُئلَ النَّبيّ ﷺ : أيُّ الأعمالِ أفضَلُ؟ قال: "الصَّلاةُ لأِوَّلِ وَقْتِها"، ضعيف.
"عن أم فَرْوَةَ أنها قالت: سئل النبي ﵊: أيُّ الأعمال أفضل؟ قال: الصلاةُ لأولِ وقتِها"، اللام بمعنى (في)؛ أي: في أول وقتها.
"ضعيف".
* * *
стр. 411
٤٢٥ - عن عائشة ﵂ قالت: ما صَلى رسولُ الله ﷺ صَلاةً لِوَقْتِها الآخِرِ مَرَّتَيْنِ حتَّى قبضَهُ الله تعالى.
"عن عائشة أنها قالت: ما صلى رسول الله ﷺ صلاةً لوقتها الآخِرِ مرتين حتى قبضَه الله تعالى"؛ يعني صلى ﵊ كلَّ صلاة في آخر وقتها مرةً واحدة لتعليم آخر وقتها, ولم يصلِّها مرة أخرى في آخر الوقت، بل صلَاّها في أوله، وهذا دليل على فضيلة أولِ الوقت.
* * *
٤٢٦ - وقال: رسول الله ﷺ : "لا تَزالُ أُمَّتي بخيرٍ ما لَمْ يُؤخِّرُوا المَغربَ إلى أنْ تَشتبكَ النُّجومُ"، رواه أبو أيُّوب.
"وعن أبي أيوبَ أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: لا تزال أمتي بخير ما لم يؤخِّروا المغرب إلى أن تشْتَبك النجوم"، واشتباكُها أن يختَلِطَ بعضُها ببعض حتى تفسير السماءُ بطلوعها كالشبابيك، يعني: تكون أمتي مشغولين بالخير إذا عجَّلُوا أداء صلاة المغرب قبل أن تَظهرَ نجوم كثيرة، فإن أَخَّروها إليه لم يكونوا كذلك، وهذا يدل على أن الكراهة بمجرد الطُّلوع.
* * *
٤٢٧ - وقال: "لولا أنْ أشُقَّ على أُمَّتي لأَمرْتُهُمْ أنْ يُؤخِّرُوا العِشاءَ إلى ثُلُثِ اللَّيْلِ أو نِصْفِهِ"، رواه أبو هريرة.
"وعن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: لولا أن أشُقَّ على أمتي لأَمَرْتُهم أن يؤخِّروا العشاء إلى ثلث الليل أو نصفه"، وفيه دليل على فضل تأخير العشاء، وهذا محمول على إرادة انتظار كثرة الناس.
* * *
стр. 412
٤٢٨ - وقال: "أَعتِمُوا بهَذه الصَّلاةِ، فإنكمْ قد فُضلْتُمْ بها على سائر الأُمَم ولمْ تُصَلِّها أُمَّةٌ قَبْلَكُمْ"، رواه مُعاذ بن جبل.
"وعن معاذ بن جبل أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: أَعْتِموُا بهذه الصلاة"؛ أي: أخروا صلاة العشاء إلى العَتَمة، عن الخليل: أنه الثُّلُث الأول من الليل بعد غيبوبة الشفق، وعَتَمةُ الليل ظُلْمَتُه، والإعتامُ التأخير.
"فإنكم قد فُضلْتم بها على سائر الأمم، ولم تصلِّها أمةٌ قبلَكم"، فعظِّموها واجلسِوا ذاكِرين منتظِرين لها إلى أن يذهبَ بعضُ الليل.
وقيل: معناه ادخلُوا في العَتَمة وهي صلاة العِشَاء، والباء في (بهذه) للتعدية؛ يعني: بالغوا في المحافظة على أدائها، ويجوز أن يكون الجار والمجرور حالا؛ أي: أَعْتِمُوا ملابسين بهذه الصلاة.
* * *
٤٢٩ - وقال: النُّعمان بن بشير ﵁: كانَ رسولُ الله ﷺ يُصَلِّيها لِسُقُوطِ القمَرِ ليلةَ الثَّالِثة.
"وقال النعمان بن بَشير: كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يصليها"؛ أي: العشاء.
"لسقوط القمر"؛ أي: لوقت غروبها.
"ليلة الثالثة" من الشهر، وإضافة الليلة إليها بتأويل العشيَّة لئلا يَلزَم إضافة الموصوف إلى الصفة، وعلى رأي الكوفيين لا يحتاج إلى تأويل.
* * *
٤٣٠ - وقال رسول الله ﷺ : "أَسْفِرُوا بالفَجْرِ فإنَّه أعظَمُ للأَجْرِ"، رواه
стр. 413
رافع بن خَدِيج.
"وعن رافع بن خَديج أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: أَسْفِروا بالفجر"؛ أي: صلاة الفجر في وقت الإسفار، وهو إضاءَة الصبح وذهاب الظلمة.
"فإنه أعظمُ للأجر"، فبهذا ذهب أبو حنيفة إلى أن الإسفار بالفجر أفضل.
قيل: معناه طوِّلُوها إلى الإسفار توفيقًا بينه وبين حديث التغْلِيس.
وقيل: معناه أخِّروها إلى ما بعد الفجر الثاني، فإنهم حين أُمروا بالتغليس كانوا يُصلُّونها عند الفجر الأول رغبة في الأجر جمعا بين الحديثين.
* * *
فصل
(فصل)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٤٣١ - قال رسول الله ﷺ : "لنْ يَلجَ النَّارَ أحدٌ صلَّى قبلَ طُلوعِ الشَّمْسِ وقبلَ غروبهَا يعني الفجرَ والعصر.
"من الصحاح":
إنما أفرد هذا الفصلَ عما تقدم؛ لأن أحاديثهَ من جنس آخر.
"عن عمار بن رُوَيبة أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: لن يَلجَ"؛ أي: لن يدخلَ "النارَ أحدٌ صلى قبلَ طلوع الشمس وقبلَ غروبها؛ يعني الفجر والعصر".
* * *
стр. 414
٤٣٢ - وقال ﵇: "مَنْ صَلَّى البَرْدينِ دَخَلَ الجنَّةَ" رواه أبو موسى.
"وعن أبي موسى أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: مَن صلى البَرْدَين"، هما الغداة والعَشِيُّ، والمراد بهما صلاةُ الفجر والعصر، سُمِّيا به لطيبِ الهواء وبَرْدِه فيهما لكونهما في طريق النهار، يعني مَن داوم على أداء هاتين في وقتهما.
"دخل الجَنَّة" خُصَّتا بهذا الفضل؛ لأنهما مشهودتان يشهدُهما ملائكةُ الليل وملائكة النهار، ولأنهما أعسَرُ الصلوات موقعا لكونهما وقتَ التثاقل والتشاغل.
* * *
٤٣٣ - وقال: "يتعاقَبُونَ فيكُمْ ملائكَة باللَّيْلِ وملائكَة بالنَّهارِ، ويَجْتمِعُونَ في صَلاةِ الفَجْرِ وصَلاةِ العَصْرِ، ثمَّ يَعْرُجُ الذينَ باتُوا فيكُمْ فَيسألهُمْ ربُّهُمْ وهو أعلمُ بهم: كيفَ تَركتُمْ عِبادي؟ فيقولونَ: تركناهمْ وهم يُصلُّونَ، وأتَيْنَاهُم وهم يُصلُّونَ" رواه أبو هريرة.
"وعن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: يتعاقَبون فيكم ملائكةٌ بالليل وملائكةٌ بالنهار"؛ يعني: تأتي طائفة منهم عَقِيب أخرى، وهذه الملائكة يَكتُبون أعمال العباد وقيل: غيرهم.
"ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر" وإنما جمعهم الله ليكونوا شهداء لعبادة عباده خص هذين الوقتين؛ لأن العبادة فيهما مع كونهما وقتَ اشتغال وغفلةٍ أدلُّ على الخلوص.
"ثم يعرُجُ الذين باتوا فيكم فيسأَلُهم ربُّهم وهو أعلم بهم، كيف تركتم
стр. 415
عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلُّون"؛ يعني: الصبح.
"وأتيناهم"؛ أي: نزلنا عليهم.
"وهم يصلُّون"؛ يعني: العصر، سؤالُه تعالى عن الملائكة إما لأن يَتَباهى بعباده العاملين، وإما للتوبيخ على القائلين: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ [البقرة: ٣٠].
وفيه تحريضُ الناس على المواظبة على هذين الوقتين.
* * *
٤٣٤ - وقال: "مَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فهو في ذِمَّةِ الله، فلا يَطْلُبنكُمُ الله مِنْ ذِمَّتِهِ بشيءٍ، فإنَّهُ مَنْ يَطْلُبْه مِنْ ذِمَّتِهِ بشيء يُدْرِكْهُ، ثم يَكُبُّهُ على وجهِهِ في نارِ جهنَّمَ"، رواه جُنْدَب القَسْرِيُّ.
"وعن جُنْدَب القُشَيري أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: مَن صلَّى الصبح"؛ أي: صلاة الصبح بإخلاص "فهو في ذمة الله"؛ أي: في أمانه في الدنيا والآخرة، وهذا غير الأمان الذي ثبتَ بكلمة التوحيد، إنما ذكر الصبح؛ لأن فيها كلفة لا يواظِبُها إلا خالصُ الإيمان, فيستحقُّ أن يدخل تحت الأمان.
"فلا يَطْلُبنكم الله مِن ذمته بشيء"، (مِن) بمعنى: لأجل، والمضاف محذوف؛ أي: لأجل تركِ ذمَّته، أو بيانية، الجار والمجرور حال عن شيء ظاهره نَهْيٌ عن مطالبة الله إياهم بشيء من عهده، والمراد النهيُ عما يوجِبُ المطالبةَ، وهو التعرُّضُ بمكروه لمن صلَّى الصبح، أو المراد بالذِّمةِ الصلاةُ الموجِبةُ للذِّمة، يعني: لا تضيعُوا صلاةَ الصبح.
"فإنه": الضمير فيه للشأن.
стр. 416
"مَن يطلُبه مِن ذمته بشيء"؛ يعني مَن يطلبه الله للمؤاخذة بما فَرطَ في حقه والقيام بعهده.
"يُدْرِكه" الله، إذ لا يفوت منه هارب.
"ثم يَكُبُّه"؛ أي: يلقيه "على وجهه في نار جهنم".
* * *
٤٣٥ - وقال: "لو يعلمُ الناسُ ما في النداء والصفِّ الأوَّلِ ثمَّ لمْ يجدُوا إلَّا أنْ يَسْتَهِمُوا عليهِ لاستَهَمُوا عليه، ولو يَعلمونَ ما في التَّهْجير لاستَبقُوا إليهِ، ولو يَعلمونَ ما في العَتَمةِ والصُّبح لأتَوْهما ولو حَبْوًا"، رواه أبو هريرة ﵁.
"وعن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: لو يعلم الناسُ ما في النداء"، يحتمل أن يرادَ به التأذين؛ أي: لو يعلَمون ما فيه من الثواب والأجر، وأن يرادَ به الإقامةُ على حذف المضاف؛ أي: في حضور الإقامة.
"والصف الأول"؛ أي: في الوقوف فيه، والتحريمة مع الإِمام من الثواب.
"ثم لم يجدوا إليه سبيلاً إلا أن يَسْتَهِمُوا عليه"، يقال: استهمَ القوم إذا أخرجوا القُرْعَة بينهم.
"لاستهموا" حرصاً "عليه"، حتى أخذوا المواضع منه بالاستهام.
"ولو يعلَمون ما في التهجير"، وهو الإتيان في الهاجرة للظهر، وقيل: هو التبكير إلى كل صلاة.
"لاستبقُوا"؛ أي: لبادَرُوا "إليه، ولو يعلمون ما في العَتَمة"؛ أي: العِشاء.
стр. 417
"والصبح لأَتَوْهما ولو حَبْواً"؛ أي: ولو كانوا حابين، والحَبْوُ بالسكون: المشيُ على اليدين والركبتين، أو على الاسْتِ كفعل الصبي، وإنما حثَّ عليهما لأنهما مَظِنَّة التفويت.
* * *
٤٣٦ - وقال: "ليسَ صلاةٌ أثقلَ على المُنافِقينَ مِنَ الفَجْرِ والعِشاءِ، ولو يَعلمُونَ ما فيهما لأتَوْهما ولو حَبْواً"، رواه أبي هريرة ﵁.
"وعنه، عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: ليس صلاةٌ أثقلَ على المنافقين من الفجر والعشاء"، وإنما ثَقُلَتا عليهم؛ لأن العِشاء وقتُ الاستراحة، والصبحَ في الصيف وقتُ لَذَّةِ النوم، وفي الشتاء وقتُ شدة البرد.
"ولو يعلمون ما فيهما" من الأجر "لأتَوهما ولو حَبْوًا".
* * *
٤٣٧ - وقال: "مَنْ صَلَّى العِشاءَ في جماعةٍ كانَ كقِيامِ نِصْفِ ليلةٍ، ومَنْ صَلَّى العِشاءَ والفَجْرَ في جماعةٍ كانَ كقيامِ ليلةٍ"، رواه عُثمان بن عفان ﵁.
"وعن عثمان ﵁ أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: مَن صلى العشاء في جماعة كان كقيام نصف ليلة، ومَن صلى العشاء والفجر في جماعة كان كقيام ليلة"، أراد بالقيام إحياء اللَّيل بالصلاة والذِّكر.
* * *
٤٣٨ - وقال: "لا يَغْلِبنكُمْ الأَعرابُ على اسم صلاتِكُمُ المَغرِبِ"، قال: "وتقولُ الأَعرابُ: هي العِشاءُ"، رواه عبد الله المُزَنيُّ.
"وعن عبد الله بن مُغَفَّل أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه
стр. 418
وسلم: لا يغلِبنكم الأعرابُ"، وهم سكان البوادي خاصة، والمراد أعراب الجاهلية.
"على اسم صلاتكم المغربُ" بالرفع: خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هي المغرب، وبالنصب: بتقدير أعني، وبالجر: صفة أو بدل.
"قال: ويقول الأَعْراب: هي العشاء"؛ يعني يسقُون المغرب بالعشاء فلا توافِقوهم في هذه التسمية، بل قولوا: المغرب، واعتادُوا على تسميته بهذا الاسم ليغلب تسميتكم لها على تسميتهم.
* * *
٤٣٩ - وقال: "لا يَغْلِبنكُمْ الأَعرابُ على اسم صلاتِكُمُ العِشاء, فإنَّها في كتابِ الله تعالى العِشاءُ, فإنَّها تُعْتِمُ بحِلابِ الإبلِ"، رواه ابن عمر.
"وعن ابن عمر أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: لا يغلبنكُم الأعرابُ على اسم صلاتكم العشاء، فإنها في كتاب الله"؛ أي: في القرآن.
"العشاءُ"، حيث قال في سورة النور: ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاءِ﴾ [النور: ٥٨].
"فإنها تُعْتَمُ"، مجهولاً، فالضميران للصلاة، ومعلوما فهما للأَعْراب؛ أي: إنما تسمَّى عَتَمَةً.
"بحِلَابِ الإبل"؛ أي: بسبب حِلَابها؛ لأنهم كانوا يؤخِّرون حِلَاب إبلِهم إلى غيبوبة الشفَق، فسمَّوا ذلك الوقت عَتَمةَ مِن باب تسمية الشيء باسم وقتِه، فنهاهم ﵊ عن ذلك تغليبًا لتسمية الله على مصطلحهم.
وأما قوله ﵊ في حديث أبي هريرة: "لو يعلمون ما في العَتَمة"، فيُحمل على أنه قبل نزول تسمية الله تعالى، أو على أن أبا هريرة سمع بلفظ (العِشاء) ونقله بالمعنى، ولم يصل إليه النهي.
* * *
стр. 419
٤٤٠ - عن عليٍّ ﵁: أنَّ رسولَ الله ﷺ قالَ يومَ الخَنْدَقِ: "حَبَسُونا عَنْ الصَّلاةِ الوُسطى صَلاةِ العَصْرِ، مَلأَ الله بُيوتَهُمْ وقُبورهُمْ ناراً".
"وعن عليٍّ ﵁ أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال يوم الخندق"، وهو يومَ اجتمعَ الكفار حول المدينة ليحاربوا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فحفر ﵊ حولها خندقًا.
"حَبَسُونا"؛ أي: منعَنا الكفارُ "عن صلاة الوسطى" باشتغالنا بحفر الخندق؛ لأجل دَفْعهم.
"صلاة العصر": بالجَرِّ بدل من صلاة الوسطى، أو عطف بيان لها، وبهذا ذهب أبو حنيفة وأكثرُ الصحابة على أن صلاة الوسطى هي العصر؛ لأنها بين صلاتين من النهار وصلاتين من الليل، ويؤيده حديثُ ابن مسعود بعده.
"ملأَ الله بيوتَهم وقبورَهم ناراً"، دعاء عليهم بجعِله تعالى النارَ ملازمتَهم في حياتهم في بيوتهم، وفي مماتهم في قبورهم.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٤٤١ - عن ابن مسعود ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ قال: "صلاة الوُسْطَى صَلاةُ العَصْرِ".
"من الحسان":
" عن ابن مسعود أن النبي ﵊ قال: صلاة الوسطى صلاةُ العصر"، وذهب الشافعي ومالك إلى أن صلاة الوسطى صلاةُ الفجر، وذهب جماعة إلى أنها صلاة الظهر، وقيل: صلاة المغرب، وقيل: العشاء.
* * *
стр. 420
٤٤٢ - عن أبي هريرة ﵁، عن النَّبيِّ ﷺ في قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ قال: " تَشْهدُهُ مَلائكَةُ اللَّيْلِ ومَلائكَةُ النَّهارِ".
"وعن أبي هريرة عن النبي ﵊ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْر﴾ "؛ أي: صلاة الصبح سُميت قرآنًا لمَا يُقرأ فيها من القرآن أكثرَ من غيرها.
" ﴿كَانَ مَشْهُودًا﴾ [الإسراء: ٧٨] قال: تشهده"؛ أي: تحضُره "ملائكةُ الليل وملائكةُ النهار".
* * *
٤ - باب الأَذان
(باب الأذان)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٤٤٣ - قال أنس ﵁: ذَكَرُوا النَّارَ والنَّاقوسَ، فَذَكَرُوا اليهودَ والنَّصارَى، فَأُمِرَ بِلالٌ أنْ يشفَعَ الأذانَ، وأنْ يوتِرَ الإقامةَ إلا الإقامة.
"من الصحاح":
لما قَدِمَ النبي ﵊ المدينةَ وبنى المسجد، شاور الصحابة فيما يَجعل عَلَمًا لأوقات الصلاة.
"قال أنس: ذَكَرُوا النارَ والناقوسَ"؛ أي: ذكر جمعٌ منهم إيقادَ النار، وجمع منهم ضَرْبَ الناقوس؛ وهي خشبةٌ طويلة تُضرَبُ بأخرى أقصرَ منها.
"فذكروا اليهود والنصارى"؛ أي: ذكرَ جميع آخرُ بأنَّ النارَ شعارُ اليهود،
стр. 421
والناقوسَ شعارُ النصارى فتلتَبسُ أوقاتنا بأوقاتهم، فتفرَّقوا من غير اتفاق على شيء.
فاهتمَّ عبد الله بن زيد لهمِّ النبي ﵊ فنام، فرأى في المنام أن رجلًا ينادي بالصلاة قائلًا: الله أكبر الله أكبر. . . إلى آخره.
فذكر ذلك له ﵊ فقال: "إن هذا الرؤيا حقٌّ، قم مع بلال فأذنا؛ فإنه أندى صوتًا منك"، فلما أذنا وسمع عمر ﵁ أتى النبي ﵊ فقال: والذي بعثك بالحق نبيا، لقد رأيتُ مثل ما قال، فقال ﵊: "فلله الحمد".
وروي: أنه رأى الأذان في المنام تلك الليلة أحدَ عشرَ رجلًا من أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم.
"فأُمِر بلالٌ" على بناء المجهول؛ أي: أمره ﵊.
"أن يشفع الأذان"؛ أي: يقول كل كلمة مرتين سوى آخرها.
"وأن يوتر الإقامة"؛ أي: يقول كلمة الإقامة مرة سوى التكبير في أولها وآخرها، "لا الإقامة"؛ يعني: إلا قوله: قد قامت الصلاة؛ فإنه يقولها مرتين.
* * *
٤٤٤ - قال أبو مَحْذُورة: ألْقَى عليَّ رسولُ الله ﷺ التَّأذينَ هو بنفْسِهِ، فقال: "قل: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أشهدُ أن لا إلهَ إلا الله، أشهدُ أن لا إلهَ إلا الله، أشهدُ أنَّ مُحَمَّداً رسول الله، أشهدُ أن محمدًا رسولُ الله"، ثمَّ قال: "ارجعْ فمُدَّ مِنْ صَوْتكَ: أشهدُ أنْ لا إله إلا الله، أشهدُ أنْ لا إله إلا الله، أشهدُ أنَّ مُحَمَّداً رسولُ الله، أشهدُ أنَّ مُحمداً رسولُ الله، حيَّ على الصَّلاةِ، حيَّ على الصَّلاة، حيَّ على الفَلاح، حيَّ على الفَلاح، الله أكبر، الله
стр. 422
أكبر، لا إلهَ إلَّا الله".
"وقال أبو محذورة: ألقى علي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم التأذين"؛ أي: لقَّنني كل كلمة من هذه الكلمات.
"هو بنفسه فقال: قل: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، ثم قال: ارجع"؛ أي: بعد قول الشهادتين مرتين مرتين في السرِّ.
"فمد من صوتك"؛ أي: ارفعه.
"وقيل: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة"؛ أي: أسرعوا وأقبلوا وتعالوا مسرعين إليها.
"حي على الصلاة، حي على الفلاح"؛ أي: الخلاص من كلِّ مكروه، والظفر بكل مراد.
وقيل: الفلاح: البقاء، فمعناه: أسرعوا إلى سبب البقاء في الجنة، وهو الصلاة بالجماعة.
"حي على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله": والترجيع في الشهادتين سنةٌ عند الشافعي بهذا الحديث.
وعند أبي حنيفة ليس بسنة؛ لاتفاق الروايات على أن لا ترجيعَ في أذان بلال وعمرو بن أم مكتوم إلى أن توفيا، وأوَّلنا الحديث بأن تعليمه ﵊ أبا محذورة الأذان كان عقيب إسلامه، فأعاد ﵊ كلمة الشهادة وكرَّرها؛ لتثبت في قلبه، فظنها أبو محذورة من الأذان.
* * *
стр. 423
مِنَ الحِسَان:
٤٤٥ - قال ابن عمر ﵄: كانَ الأذانُ على عَهْدِ رسولِ الله ﷺ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، والإقامَةُ مَرَّةً مَرَّةً، غيرَ أنَّهُ يقولُ: قدْ قامَتِ الصَّلاةُ، قَدْ قامَتِ الصَّلاة.
"من الحسان":
" قال ابن عمر ﵁: كان الأذان على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مرتين والإقامة مرة مرة"؛ يعني: يقول المؤذن كل واحدة من كلمات الأذان مرتين مرتين، ومن كلمات الإقامة مرة واحدةً.
"غير أنه يقول: قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة"؛ أي: يقولها مرتين، وهذا يدل على أن الأذان مثنى، والإقامة فرادى.
* * *
٤٤٦ - عن أبي مَحْذورة: أنَّ النَّبيَّ ﷺ عَلَّمَهُ الأذانَ تِسْعَ عَشْرَةَ كلمةً، والإقامةَ سَبع عشْرَةَ كلمةً.
"وعن أبي محذورة أن النبي ﵊ علمه الأذان تسع عشر كلمة"؛ أي: مع الترجيح، والكلمة هنا: الجملة المفيدة، فالتكبيرُ أربعَ مرات، أربعُ كلمات، ثلاث منها تواكيد، والشهادتان أربع مرات ثمان كلمات ثلاث منها تواكيد، والحيعلتان مرتين أربع كلمات المرة الثانية من كل منهما تأكيد، والتكبير الأخير كلمتان الثانية تأكيد، والشهادة كلمة، صار المجموع تسع عشر كلمة.
"والإقامة سبع عشرة كلمة": لأنه لا ترجيعَ فيها، فانحذف عنها أربع كلمات، وزيدت الإقامة شفعًا، فصارت سبع عشرة، وبهذا قال أبو حنيفة.
وعند الشافعي الإقامة إحدى عشرة كلمة؛ لأنه يقول كل كلمة مرة إلا
стр. 424
كلمة الإقامة، كما رواه ابن عمر.
* * *
٤٤٧ - وعن أبي مَحْذورة ﵁ قال: قلتُ: يا رسولَ الله! علِّمْني سُنَّةَ الأذانِ، فذكرَ الأذانَ، وقال بعدَ قولهِ حيَّ على الفَلاحِ: "فإن كانَ في صَلاةِ الصُّبح قُلتَ: الصَّلاةُ خير مِنَ النَّوْمِ، الصَّلاةُ خير مِنَ النَّوْمِ، الله أكبرُ الله أكبرُ، لا إلهَ إلاّ الله".
"وعن أبي محذورة أنه قال: قلت يا رسول الله! علمني سنة الأذان"؛ أي: كيفيته وطريقته في الشرع.
"فذكره" ﵊ "الأذان"؛ أي: كلماته.
"وقال بعد قوله: حي على الفلاح، فإن كان صلاة الصبح قلت: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله".
* * *
٤٤٨ - وعن بِلالٍ ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "لا تُثَوِّبن في شيءٍ مِنَ الصَّلاةِ إلَّا في صَلاةِ الفَجْرِ"، ضعيف.
"وعن بلال أنه قال: قال لي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: لا تُثوبن في شيء من الصلاة إلا في صلاة الفجر": التثويب في أذان الفجر: أن يقول المؤذن بعد قوله: حي على الفلاح: الصلاة خير من النوم مرتين، سمي تثويبا؛ لأنه رجع بهذه الكلمة إلى دعائهم وحثهم بعد ما دعاهم بقوله: حي على الصلاة، من (ثاب): إذا رجع.
"ضعيف".
* * *
стр. 425
٤٤٩ - وعن جابر بن عبد الله: أنَّ رسول الله ﷺ قال لبلال: "إذا أَذَّنْتَ فتَرَسَّلْ، وإذا أقمْتَ فاحْدُرْ، واجعلْ بينَ أذانِكَ وإقامَتِكَ قَدْرَ ما يَفْرغٌ الآكلُ مِنْ أكلِهِ، والشَّارِبُ مِنْ شُرْبهِ، والمُعْتَصِرُ إذا دخلَ لِقضاء حاجتِهِ، ولا تَقُومُوا حتَّى تَرَوْني".
"وعن جابر: أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال لبلال: إذا أذنت فترسَّل"؛ أي: اقطع كلمات الأذان بعضها عن بعض بسكتة خفيفة.
"فإذا أقمت فاحدر"؛ أي: أسرع ألفاظ الإقامة، ولا تسكت بينها.
"واجعل بين أذانك واقامتك قدرَ ما يفرغ الآكل من أكله": قيل: كأنه في العشاء؛ لاتساع وقته.
"والشارب من شربه": كأنه في المغرب لضيق وقته.
"والمعتصر"؛ أي: الحاقن؛ يعني: الذي يؤذيه البول والغائط.
"إذا دخل": الخلاء.
"لقضاء الحاجة": كأنه في الفجر والظهر والعصر؛ لتقارب أوقاتها.
"ولا تقوموا"؛ أي: للصلاة من مجالسكم إذا قام المؤذن.
"حتى تروني"؛ لأن القيام قبل مجيء الإِمام عبثٌ لا فائدةَ فيه.
"ضعيف".
* * *
٤٥٠ - وقال: "مَنْ أذَّنَ فهو يُقيمُ"، رواه زِباد بن الحارِث الصُّدَائيُّ.
"وعن زياد بن الحارث الصُّدائي": بضم الصاد؛ أي: منسوب إلى صُداء، وهي حي من اليمن.