والناقوسَ شعارُ النصارى فتلتَبسُ أوقاتنا بأوقاتهم، فتفرَّقوا من غير اتفاق على شيء.
فاهتمَّ عبد الله بن زيد لهمِّ النبي ﵊ فنام، فرأى في المنام أن رجلًا ينادي بالصلاة قائلًا: الله أكبر الله أكبر. . . إلى آخره.
فذكر ذلك له ﵊ فقال: "إن هذا الرؤيا حقٌّ، قم مع بلال فأذنا؛ فإنه أندى صوتًا منك"، فلما أذنا وسمع عمر ﵁ أتى النبي ﵊ فقال: والذي بعثك بالحق نبيا، لقد رأيتُ مثل ما قال، فقال ﵊: "فلله الحمد".
وروي: أنه رأى الأذان في المنام تلك الليلة أحدَ عشرَ رجلًا من أصحاب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم.
"فأُمِر بلالٌ" على بناء المجهول؛ أي: أمره ﵊.
"أن يشفع الأذان"؛ أي: يقول كل كلمة مرتين سوى آخرها.
"وأن يوتر الإقامة"؛ أي: يقول كلمة الإقامة مرة سوى التكبير في أولها وآخرها، "لا الإقامة"؛ يعني: إلا قوله: قد قامت الصلاة؛ فإنه يقولها مرتين.
* * *
٤٤٤ - قال أبو مَحْذُورة: ألْقَى عليَّ رسولُ الله ﷺ التَّأذينَ هو بنفْسِهِ، فقال: "قل: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أشهدُ أن لا إلهَ إلا الله، أشهدُ أن لا إلهَ إلا الله، أشهدُ أنَّ مُحَمَّداً رسول الله، أشهدُ أن محمدًا رسولُ الله"، ثمَّ قال: "ارجعْ فمُدَّ مِنْ صَوْتكَ: أشهدُ أنْ لا إله إلا الله، أشهدُ أنْ لا إله إلا الله، أشهدُ أنَّ مُحَمَّداً رسولُ الله، أشهدُ أنَّ مُحمداً رسولُ الله، حيَّ على الصَّلاةِ، حيَّ على الصَّلاة، حيَّ على الفَلاح، حيَّ على الفَلاح، الله أكبر، الله
стр. 422
أكبر، لا إلهَ إلَّا الله".
"وقال أبو محذورة: ألقى علي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم التأذين"؛ أي: لقَّنني كل كلمة من هذه الكلمات.
"هو بنفسه فقال: قل: الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، ثم قال: ارجع"؛ أي: بعد قول الشهادتين مرتين مرتين في السرِّ.
"فمد من صوتك"؛ أي: ارفعه.
"وقيل: أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة"؛ أي: أسرعوا وأقبلوا وتعالوا مسرعين إليها.
"حي على الصلاة، حي على الفلاح"؛ أي: الخلاص من كلِّ مكروه، والظفر بكل مراد.
وقيل: الفلاح: البقاء، فمعناه: أسرعوا إلى سبب البقاء في الجنة، وهو الصلاة بالجماعة.
"حي على الفلاح، الله أكبر الله أكبر، لا إله إلا الله": والترجيع في الشهادتين سنةٌ عند الشافعي بهذا الحديث.
وعند أبي حنيفة ليس بسنة؛ لاتفاق الروايات على أن لا ترجيعَ في أذان بلال وعمرو بن أم مكتوم إلى أن توفيا، وأوَّلنا الحديث بأن تعليمه ﵊ أبا محذورة الأذان كان عقيب إسلامه، فأعاد ﵊ كلمة الشهادة وكرَّرها؛ لتثبت في قلبه، فظنها أبو محذورة من الأذان.
* * *
стр. 423
مِنَ الحِسَان:
٤٤٥ - قال ابن عمر ﵄: كانَ الأذانُ على عَهْدِ رسولِ الله ﷺ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ، والإقامَةُ مَرَّةً مَرَّةً، غيرَ أنَّهُ يقولُ: قدْ قامَتِ الصَّلاةُ، قَدْ قامَتِ الصَّلاة.
"من الحسان":
" قال ابن عمر ﵁: كان الأذان على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مرتين والإقامة مرة مرة"؛ يعني: يقول المؤذن كل واحدة من كلمات الأذان مرتين مرتين، ومن كلمات الإقامة مرة واحدةً.
"غير أنه يقول: قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة"؛ أي: يقولها مرتين، وهذا يدل على أن الأذان مثنى، والإقامة فرادى.
* * *
٤٤٦ - عن أبي مَحْذورة: أنَّ النَّبيَّ ﷺ عَلَّمَهُ الأذانَ تِسْعَ عَشْرَةَ كلمةً، والإقامةَ سَبع عشْرَةَ كلمةً.
"وعن أبي محذورة أن النبي ﵊ علمه الأذان تسع عشر كلمة"؛ أي: مع الترجيح، والكلمة هنا: الجملة المفيدة، فالتكبيرُ أربعَ مرات، أربعُ كلمات، ثلاث منها تواكيد، والشهادتان أربع مرات ثمان كلمات ثلاث منها تواكيد، والحيعلتان مرتين أربع كلمات المرة الثانية من كل منهما تأكيد، والتكبير الأخير كلمتان الثانية تأكيد، والشهادة كلمة، صار المجموع تسع عشر كلمة.
"والإقامة سبع عشرة كلمة": لأنه لا ترجيعَ فيها، فانحذف عنها أربع كلمات، وزيدت الإقامة شفعًا، فصارت سبع عشرة، وبهذا قال أبو حنيفة.
وعند الشافعي الإقامة إحدى عشرة كلمة؛ لأنه يقول كل كلمة مرة إلا
стр. 424
كلمة الإقامة، كما رواه ابن عمر.
* * *
٤٤٧ - وعن أبي مَحْذورة ﵁ قال: قلتُ: يا رسولَ الله! علِّمْني سُنَّةَ الأذانِ، فذكرَ الأذانَ، وقال بعدَ قولهِ حيَّ على الفَلاحِ: "فإن كانَ في صَلاةِ الصُّبح قُلتَ: الصَّلاةُ خير مِنَ النَّوْمِ، الصَّلاةُ خير مِنَ النَّوْمِ، الله أكبرُ الله أكبرُ، لا إلهَ إلاّ الله".
"وعن أبي محذورة أنه قال: قلت يا رسول الله! علمني سنة الأذان"؛ أي: كيفيته وطريقته في الشرع.
"فذكره" ﵊ "الأذان"؛ أي: كلماته.
"وقال بعد قوله: حي على الفلاح، فإن كان صلاة الصبح قلت: الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله".
* * *
٤٤٨ - وعن بِلالٍ ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "لا تُثَوِّبن في شيءٍ مِنَ الصَّلاةِ إلَّا في صَلاةِ الفَجْرِ"، ضعيف.
"وعن بلال أنه قال: قال لي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: لا تُثوبن في شيء من الصلاة إلا في صلاة الفجر": التثويب في أذان الفجر: أن يقول المؤذن بعد قوله: حي على الفلاح: الصلاة خير من النوم مرتين، سمي تثويبا؛ لأنه رجع بهذه الكلمة إلى دعائهم وحثهم بعد ما دعاهم بقوله: حي على الصلاة، من (ثاب): إذا رجع.
"ضعيف".
* * *
стр. 425
٤٤٩ - وعن جابر بن عبد الله: أنَّ رسول الله ﷺ قال لبلال: "إذا أَذَّنْتَ فتَرَسَّلْ، وإذا أقمْتَ فاحْدُرْ، واجعلْ بينَ أذانِكَ وإقامَتِكَ قَدْرَ ما يَفْرغٌ الآكلُ مِنْ أكلِهِ، والشَّارِبُ مِنْ شُرْبهِ، والمُعْتَصِرُ إذا دخلَ لِقضاء حاجتِهِ، ولا تَقُومُوا حتَّى تَرَوْني".
"وعن جابر: أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال لبلال: إذا أذنت فترسَّل"؛ أي: اقطع كلمات الأذان بعضها عن بعض بسكتة خفيفة.
"فإذا أقمت فاحدر"؛ أي: أسرع ألفاظ الإقامة، ولا تسكت بينها.
"واجعل بين أذانك واقامتك قدرَ ما يفرغ الآكل من أكله": قيل: كأنه في العشاء؛ لاتساع وقته.
"والشارب من شربه": كأنه في المغرب لضيق وقته.
"والمعتصر"؛ أي: الحاقن؛ يعني: الذي يؤذيه البول والغائط.
"إذا دخل": الخلاء.
"لقضاء الحاجة": كأنه في الفجر والظهر والعصر؛ لتقارب أوقاتها.
"ولا تقوموا"؛ أي: للصلاة من مجالسكم إذا قام المؤذن.
"حتى تروني"؛ لأن القيام قبل مجيء الإِمام عبثٌ لا فائدةَ فيه.
"ضعيف".
* * *
٤٥٠ - وقال: "مَنْ أذَّنَ فهو يُقيمُ"، رواه زِباد بن الحارِث الصُّدَائيُّ.
"وعن زياد بن الحارث الصُّدائي": بضم الصاد؛ أي: منسوب إلى صُداء، وهي حي من اليمن.
стр. 426
"عن النبي ﵊ أنه قال: من أذَّن فهو يقيم"؛ يعني: أن الإقامة حق من أذن، فيكره أن يقيم غيره، وبه قال الشافعي.
وعند أبي حنيفة: لا يكره؛ لما روي أن ابن أم مكتوم ربما كان يؤذن ويقيم بلال، وربما كان عكسه، فالحديث محمولٌ على ما إذا لحقته الوحشة بإقامة غيره.
* * *
٥ - باب فَضْل الأَذان وإجابة المؤذّن
(باب فضل الأذان)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٤٥١ - عن مُعاوية ﵁ أنَّه قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "المؤذَّنُونَ أطولُ النَّاسِ أَعناقاً يومَ القِيامَةِ".
"من الصحاح":
" عن معاوية أنه قال: سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول: المؤذنون أطول الناس أعناقًا يوم القيامة"؛ أي: يكونون سادات، والعرب تصف السادات بطول العنق.
وقيل: معناه: أكثر ثوابًا، يقال: لفلان عنقٌ من الخير؛ أي: قطعة منه.
وقيل: أكثر الناس رجاءً لرحمة الله تعالى؛ لأن من رجا شيئًا أطال عنقه إليه، فالناس حين يكونون في الكرب يكون المؤذنون في الروح يمدون أعناقهم، وينتظرون أن يؤذن لهم في دخول الجنة.
стр. 427
وقيل: معناه: لا يلجمهم العرق عند بلوغه أفواه الناس يوم القيامة.
وروي: (إِعناقا) بكسر الهمزة؛ أي: أشدهم إسراعاً إلى الجنة، من (أعنق): إذا أسرع.
* * *
٤٥٢ - عن أبي هُريرة قال: قال رسول الله ﷺ : وإذا نُودِيَ للصَّلاةِ أَدبَرَ الشَّيطانُ لهُ ضُراط حتَّى لا يَسمعَ التَأذِينَ، فإذا قُضى النِّداءُ أقبلَ، حتَّى إذا ثُوُّبَ بالصَّلاةِ أدبرَ، حتَّى إذا قُضي التثويبُ أقبلَ حتَّى يَخطرَ بينَ المَرءِ ونفسِهِ، يقول: اذكُرْ كذا، واذكُرْ كذا لِمَا لمْ يكُنْ يَذْكُرُ حتَّى يظلَّ الرجلُ لا يَدري كَمْ صَلَّى".
"وعن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إذا نودي للصلاة أدبر الشيطان له ضراط": وهو ريح أسفل الإنسان وغيره.
"حتى لا يسمع التأذين": شبَّه ﵊ شغلَ الشيطان نفسَهُ وإغفالها عن سماع التأذين بالصوت الذي يملأ السمع، ويمنعه عن سماع غيره، وسماه ضراطاً تقبيحاً لتلك الحالة.
وقيل: هذا محمولٌ على الحقيقة؛ لأن الشياطين يأكلون ويشربون، كما ورد في الأخبار، فلا امتناعَ في وجود ذلك منهم خوفاً من ذكر الله تعالى، أو لثقل الأذان عليه، كما يضرط الحمار من ثقل الحمل.
أو المراد: استخفاف العين بذكر الله تعالى من قولهم: أضرط به فلان: إذا استخفَّه.
"فإذا قُضي النداءُ"؛ أي: فرغ المؤذن منه.
"أقبل"؛ أي: الشيطان.
"حتى إذا ثُوِّبَ بالصلاة": من التثويب: الإعلام، والمراد هنا: الإقامة،
стр. 428
سميت به؛ لأنه إعلامٌ بإقامة الصلاة.
"أدبر حتى إذا قُضي التثويبُ"؛ أي: فرغ المؤذن منه.
"أقبل"، ودخل المسجد.
"حتى يخطر بين المرء ونفسه"؛ أي: يدور ويجري في خلده بالوسوسة وحديث النفس.
"يقول"؛ أي: الشيطان للمصلي: "اذكر كذا، واذكر كذا؛ لما لم يكن"؛ أي: لشيء لم يكن المصلي "يذكر" قبل شروعه في الصلاة؛ من ذكر ماله وحسابه، أو بيع وشِرَاء، ونحو ذلك من الأشغال الدنيوية.
"حتى يظَل الرجل": بفتح الظاء؛ أي: يصير من الوسوسة "بحيث لا يدري كم صلى".
* * *
٤٥٣ - وقال: "لا يَسمعُ مَدَى صَوْتِ المؤذِّن جِنٌّ ولا إنسٌ ولا شيءٌ إلَّا شَهِدَ لهُ يومَ القيامَةِ"، رواه أبو سعيد الخُدَرِيُّ ﵁.
"وعن أبي سعيد الخدري أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: لا يسمع مدى صوت المؤذن"؛ أي: غايته.
"جن ولا إنس": تنكيرهما في سياق النفي؛ لتعميم الأحياء والأموات.
"ولا شيء" من الجمادات.
"إلا شهد له يوم القيامة"، وفيه حثٌّ على رفع المؤذن صوته؛ لتكثر شهداؤه، ودلالة على أنه يشهد له ذو [و] العلم وغيرهم.
* * *
стр. 429
٤٥٤ - وقال: "إذا سمعتُمُ المؤذِّنَ فقولُوا مِثْلَ ما يقولُ، ثمَّ صَلُّوا عليَّ، فإنَّه مَنْ صلَّى عليَّ صَلاةً صلَّى الله عليه بها عَشْراً، ثمَّ سَلُوا الله تعالى لي الوَسِيلَةَ، فإنَّها منزِلَة في الجنَّةِ لا تَنْبَغِي إلا لعبدٍ مِنْ عِبادِ الله، وأَرجو أنْ أكُونَ أنا هُوَ، فَمَنْ سألَ لي الوَسِيلَةَ حلَّتْ عليه الشَّفاعَةُ"، رواه عبد الله بن عمرو.
"وعن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن النبي ﵊ أنه قال: إذا سمعتم المؤذن"؛ أي: أذانه.
"فقولوا مثلَ ما يقول": إلا في الحيعلتين.
"ثم صلوا علي"؛ أي: بعد فراغكم منه.
"فإنه من صلى علي صلاةً، صلى الله عليه بها عشراً"؛ أي: أعطاه الله بها عشراً من الرحمة.
"ثم سلوا الله"؛ أي: اطلبو منه.
"تعالى لي الوسيلة": وهي ما يُتوسَّل به إلى الشيء، ويتقرب به إليه.
"فإنها"؛ أي: تلك الوسيلة "منزلةٌ في الجنة"، سميت تلك المنزلة بها؛ لأن الواصل إليها يكون قريبًا منه تعالى فائزًا بلقائه، كالواصلة التي يُتوصل بها إلى الزلفى من الله تعالى.
"لا تنبغي"؛ أي: لا تُستحق "إلا لعبد من عباد الله، وأرجو أن أكون أنا هو": يحتمل أن يكون (هو) من باب وضع الضمير موضع اسم الإشارة؛ أي: أكون أنا ذلك العبد، ويحتمل أن يكون (أنا) مبتدأ، و (هو) خبره، والجملة خبر (أكون)، وإنما قال: (أرجو) تواضعًا؛ لأنه ﵊ إذا كان أفضل الأنام، فلمن يكون ذلك المقام غير ذلك الهمام؟
"فمن سأل لي الوسيلة حلت له الشفاعة"؛ أي: وجبت، وقيل: من
стр. 430
الحلول بمعنى: النزول؛ يعني: استحقَّ أن أشفع له مجازاة لدعائه.
* * *
٤٥٥ - وقال عمر ﵁: قال رسول الله ﷺ : "إذا قالَ المؤذِّنُ: الله أكبر الله أكبر، فقال أحدكمْ: الله أكبر الله أكبر، ثمَّ قالَ: أشهدُ أنْ لا إله إلا الله، قالَ: أشهدُ أنْ لا إله إلا الله، ثمَّ قال: أشهدُ أنَّ مُحمداً رسولُ الله، قال: أشهدُ أنَّ مُحمداً رسولُ الله، ثمَّ قال: حَيَّ على الصَّلاة، قال: لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلا بالله، ثم قالَ: حَيَّ على الفلاحِ، قال: لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلا بالله، ثم قال: الله أكبر الله أكبر، قال: الله أكبر الله أكبر، ثمَّ قال: لا إلهَ إلَّا الله، قال: لا إلهَ إلَّا الله، خالصاً مِنْ قَلْبهِ دخلَ الجَنَّةَ".
"وقال عمر ﵁: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إذا قال المؤذن: الله أكبر الله أكبر، فقال أحدكم: الله أكبر الله أكبر، ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، قال: أشهد أن لا إله إلا الله، ثم قال: أشهد أن محمدًا رسول الله، قال: أشهد أن محمدًا رسول الله، ثم قال: حي على الصلاة قال: لا حول ولا قوة إلا بالله": قيل: معناه: لا انصرافَ عن المعصية إلا بعصمة الله، ولا قوةَ على الطاعة إلا بمعونة الله وتوفيقه.
"ثم قال: حي على الفلاح قال: لا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: الله أكبر الله أكبر قال: الله أكبر الله أكبر، ثم قال: لا إله إلا الله قال: لا إله إلا الله خالصةً من قلبه = دخل الجنة".
* * *
٤٥٦ - وقال: "مَنْ قالَ حِينَ يَسمعُ النداءَ: اللهمَّ ربِّ هذهِ الدَّعوةِ التَّامَّةِ
стр. 431
والصَّلاةِ القائمةِ، آتِ مُحمداً الوَسيلةَ والفَضيلةَ، والدَّرجةَ الرَّفيعةَ، وابعثْهُ مَقاماً مَحموداً الذي وعدْتَهُ يا أَرحم الراحمين، حلَّتْ لهُ شفاعَتِي يومَ القِيامَةِ"، رواه جابر.
"وعن جابر قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: من قال حين يسمع النداء"؛ أي: الأذان.
"اللهم رب هذه الدعوة التامة": سمي الأذان دعوة؛ لأنه يدعو الناس إلى الصلاة والذكر، ووصفها بالتامة؛ لتمامها في طلب الإجابة، أو لأنها آمنة من النسخ والإبدال.
"والصلاة القائمة": وصفها بالقائمة؛ لبقائها إلى يوم القيامة، أو لأنه أمر بإقامتها، فتكون هي قائمة.
"آت"؛ أي: أعطِ "محمداً الوسيلة": فسرها ﵊ بأنها منزلة في الجنة.
"والفضيلة، والدرجة الرفيعة، وابعثه"؛ أي: أرسله وأوصله "مقاماً محموداً الذي وعدته": وهو الموعود في قوله تعالى: ﴿عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ [الإسراء: ٧٩].
وعن ابن عباس؛ أي: مقاماً يحمدك فيه الأولون والآخرون، وتشرف فيه على جميع الخلائق؛ تسألُ فتعطى، وتشفع فتُشفَّع، ليس أحد إلا تحت لوائك.
"حلت له شفاعتي يوم القيامة".
* * *
٤٥٧ - عن أنس ﵁ قال: كانَ رسولُ الله ﷺ يُغيرُ إذا طلَعَ الفجرُ، وكانَ يستمعُ الأذانَ، فإنْ سَمعَ أَذاناً أمسكَ، وإلا أَغارَ، فسمعَ رجُلاً يقولُ: الله أكبر
стр. 432
الله أكبر، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "على الفِطْرَةِ"، ثمَّ قال: أشهدُ أنْ لا إله إلا الله، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "خرجْتَ مِنَ النَّارِ"، فنظروا فإذا هو رَاعِي مِعْزَى.
"وعن أنسٍ أنه قال: كانَ رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم يُغِيرُ"؛ أي: يسِيرُ إلى بلادِ الكفارِ لِلغَارَةِ.
"إذا طلع الفجر"؛ ليعلم أنهم مسلمون أو كفار.
"وكان يستمع الأذان"، ويعرف حالهم به.
"فإن سمع أذانًا أمسك" عن الغارة؛ أي: تركها.
"وإلا"؛ أي: وإن لم يسمع الأذان.
"أغَارَ": من (الإِغَارَةِ)، وهو: النَّهْبُ.
وقيل: استماعه ﵊ للأذان وانتظاره إياه كان حذراً من أن يكون فيهم مؤمنٌ، فَيُغِيرُ ﷺ غَافِلاً عن حَالِه.
"فسمع رجلًا يقول: الله أكبر الله أكبر، فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: على الفطرة"؛ أي: أنت أو هو على الإِسلام؛ لأن الأذان لا يكون إلا للمسلمين.
"ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله، فقال: خرجت من النار"؛ أي: بسبب أنك تركت الشرك بالله بذلك القول.
"فنظروا": بعد فراغه من الأذان.
"فإذا هو راعي مِعزىً": بكسر الميم، وهو من الغنم: خلاف الضأن، اسم جنس.
стр. 433
٤٥٨ - عن سَعْد بن أبي وقَّاص قال: قال رسول الله ﷺ "مَنْ قالَ حِينَ يَسْمَعُ المؤذِّنَ: أشهدُ أنْ لا إلهَ إلَّا الله وحدَهُ لا شَريكَ لهُ، وأشهد أنَّ مُحَمَّدًا عبدُهُ ورسوُلُهُ، رَضيتُ بالله ربًّا، وبمُحَمَّدٍ رسولاً، وبالإِسلام دِينًا غُفِرَ لَهُ ذَنبهُ".
"وعن سعد بن أبي وقاص، عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: أنه قال: من قال حين يسمع المؤذن": المضاف محذوف؛ أي: أذانه.
"أشهد أن لا إله إلا الله وحده"؛ أي: منفردًا.
"لا شريك له": تأكيد لما قبله.
"وأن محمدًا عبده ورسوله، رضيتُ بالله": استئنافٌ، كأنه قيل: ما سبب شهادتك؟ فقال: رضيت بالله ربا، "وبمحمد رسولاً، وبالإِسلام دينًا، غفر له ذنبه"؛ أي: من الصغائر، وهذا يحتمل أن يكون إخبارًا، وأن يكون دعاءً له.
* * *
٤٥٩ - وقال: "بَينَ كُلِّ أذانينِ صَلاةٌ، بينَ كلِّ أذانينِ صَلاةٌ" قال في الثالثة: "لِمَنْ شاء"، رواه عبد الله بن مُغفَّل.
"وعن عبد الله بن مغفَّل، عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: أنه قال: بين كل أذانين"؛ أي: بين الأذان والإقامة.
"صلاة": سماهما أذانين على سبيل التغليب.
"بين كل أذانين صلاة": كرر تأكيدًا؛ للحثِّ على النوافل بينهما؛ لأن الدعاء لا يرد بينهما، لشرف الوقت، فيكون ثواب العبادة فيه أكثر وأفضل.
стр. 434
"ثم قال في الثالثة: لمن شاء"؛ ليعلم أن الصلاة بينهما لا تختصُّ بمن يؤذن ويقيم، بل هو عام للمؤذن وغيره.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٤٦٠ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "الأئمَّةُ ضُمَناء، المُؤذَّنُون أُمناء، فأَرشدَ الله الأئمَّةَ، وغَفَرَ للمؤذِّنين".
"من الحسان":
" عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: الأئمة ضمناء"؛ بمعنى: الضامن؛ يعني: أنهم مُراعُون مُحافظون على القوم صلاتهم؛ لأنها في عهدتهم، كالمتكفّلين لهم صحة صلاتهم وفسادها وكمالها ونقصانها بحكم المتبوعية والتابعية، ولهذا الضمانِ كان ثوابُهم أوفرُ إذا رَعَوا حقها، ووزرُهم أكثر إذا خلوا بها، أو المراد: ضمان الدعاء بأن يعمَّ القومَ به.
"والمؤذنون أمناء": جمع أمين؛ يعني: هم الذين يعتمد الناس عليهم في الصلاة والصيام والإفطار وسائر الوظائف المؤقتة، أو لأنهم يرتقون على أمكنة عالية، فينبغي أن لا يشرفوا على بيوت الناس؛ لكونهم أمناء.
ثم دعا ﵊ لهم بقوله: "فأرشد الله الأئمة"؛ أي: إلى العلم بما تكفلوه، والخروج عن عهدته.
"وغفر الله المؤذنين" ما عسى يكون منهم فيه تفريط في الأمانة التي حملوها من جهة تقديم الأذان على الوقت أو تأخيره سهوًا.
* * *
стр. 435
٤٦١ - وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ أَذَّنَ سبْعَ سِنينَ مُحتسِباً كُتِبَ له بَراءَةٌ مِنَ النَّار".
"وعن ابن عباس ﵄ أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: من أذن سبع سنين محتسباً"؛ أي: طالباً لثواب الله من غير أن يطمع في شيء من الدنيا.
"كتبت له براءة"؛ أي: خلاص "من النار".
* * *
٤٦٢ - وقال: "يَعجَبُ ربُّكَ مِنْ راعي غَنَمٍ في رأْسِ شظِيةٍ للجبَل يُؤَذِّنُ بالصَّلاةِ، ويُصلِّي، فيقولُ الله تعالى: انظُروا إلى عَبْدي هذا، يُؤَذِّن ويُقيمُ الصَّلاة، يخافُ منّي، قدْ غَفَرْتُ لِعَبْدِي، وأدخلْتُهُ الجنَّةَ"، رواه عُقبة بن عامر ﵁.
"وعن عقبة بن عامر أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: يعجب ربك"؛ أي: يرضى؛ لأن التعجبَ عليه تعالى مجاز عن الرِّضا.
وقيل: معناه: يعظم هذا الفعل عند ربك؛ فإن من شأن المتعجب عن شيء أن يعظم عنده ذلك الشيء، والخطاب إما للراوي أو الواحد من الصحابة.
"من راعي غنم في رأس شَظِيّة للجبل": وهي قطعة من رأس الجبل، وقيل: هي الصخرة العظيمة الخارجة من الجبل، كأنها أنفه.
"يؤذن بالصلاة ويصلي": وفائدة تأذينه إعلام الجن والملائكة بدخول الوقت؛ فإن لهم صلاةً أيضًا، وإنما لم يذكر الإقامة؛ لأنها للإعلام بقيام الصلاة، وليس أحد يصلي خلفه حتى يقيم لإعلامه.
"فيقول الله : انظرواه يا ملائكتي "إلى عبدي هذا يؤذن ويقيم الصلاة"؛ أي: يحافظها ويداوم عليها.
стр. 436
"يخاف مني": يفعل ذلك خوفًا من عذابي، لا ليراه أحد.
"قد غفرت لعبدي، وأدخلته الجنة"، وفيه دليل على استحباب الأذان للمنفرد.
* * *
٤٦٣ - وقال ﷺ : "ثلاثة على كُثبانِ المِسْكِ يومَ القِيامَةِ: عبدٌ أدَّى حقَّ الله تعالى وحقَّ مَوْلَاهُ، ورجلٌ أمَّ قَوْمًا وهُمْ بِهِ راضُونَ، ورجل يُنادي بالصَّلواتِ الخمسِ كُلَّ يومٍ وليلةٍ"، رواه ابن عُمر. غريب.
"وعن ابن عمر أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: ثلاثة على كثبان المسك": جمع الكثيب، وهو: الموضع المرتفع أعلى، شكل جبل صغير، وهو في الأصل: التلُّ من الرمل.
"يوم القيامة: عبد أدَّى حقَّ الله وحق مولاه، ورجل أمَّ قومًا وهم به راضون"؛ فبرضاهم يكون ثواب الإِمام أكثر.
"ورجل ينادي بالصَّلوات الخمس"؛ أي: يؤذن "كلَّ يوم وليلة": وإنما أثيبوا بذلك؛ لأنهم صبَّروا أنفسهم في الدنيا على كرب الطاعة، فروَّحهم الله في عرصات القيامة بأنفاس عطرةٍ على تلال مرتفعة من المسك؛ إكراماً لهم بين الناس، لعظم شأنهم وشرف أفعالهم.
"غريب".
* * *
٤٦٤ - عن أبي هُريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ أنَّه قال: "المؤذن يُغْفَرُ لهُ مدَى صَوْتهِ، ويَشْهَدُ له كُلُّ رَطْبٍ ويابسٍ، وشاهِدُ الصَّلاةِ يُكتَبُ له خَمسٌ وعِشْرُونَ صلاةً، ويُكَفَّرُ عنه ما بينهُما".
стр. 437
"عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: المؤذن يغفر له مدى صوته"، مدى الشيء غايته، نصب على الظرف، أو رفع على أنه أقيم مقام الفاعل، والمراد: تكميل المغفرة؛ يعني: إذا كان صوته أبعد تكون مغفرته أكثر.
وقيل: معناه: تغفر ذنوبه لأجله وإن كان يملأ ما بين قدميه وبين ما بلغه صوته من الأرض، والمراد به التمثيل.
"ويشهد له كل رطب ويابس"؛ أي: يشهد له يوم القيامة ما سمع صوته من الحيوانات والجمادات بسماع أذانه، وتحمل شهادتهم على الحقيقة؛ لقدرته تعالى على إنطاقهما، أو على المجاز بقصد المبالغة.
"وشاهد الصلاة"؛ أي: حاضر صلاة الجماعة.
"يكتب له خمسٌ وعشرون صلاةً"؛ أي: ثواب خمس وعشرين، وقد جاء في رواية: (تفضل صلاة الجماعة على صلاة الفدِّ - أي: المنفرد - بسبع وعشرين درجة).
"ويكفر عنه ما بينهما"؛ أي: بين كل صلاة وصلاة.
وقيل: يعطف و (شاهد الصلاة) على (كل رطب ويابس)، وقوله: (ما بينهما)؛ أي: ما بين أذان إلى أذان آخر (١).
* * *
٤٦٥ - وقال عُثمان بن أبي العاص ﵁: قلتُ: يا رسولَ الله! اجعلني إمامَ قَوْمِي، قال: "أنْتَ إمامُهُمْ، واقْتَدِ بأضعفِهِم، واتخِدْ مؤذِّناً لا يأخُذُ على أذانِهِ أجرًا".
стр. 438
"وقال عثمان بن أبي العاص: قلت: يا رسول الله! اجعلني إمام قومي قال: أنت إمامهم"؛ أي: جعلتك إمامهم؛ فيفيد الحدوث، أو أنت كما قلت؛ فيكون للدوام.
"واقتدِ بأضعفهم"؛ أي: تابع أضعفَ المقتدين في تخفيف الصلاة من غير ترك شيء من الأركان؛ يريد: تخفيف القراءة والتسبيحات حتى لا يملَّ القوم.
وقيل: لا تسرع حتى يبلغك أضعفهم، ولا تطوِّلْ حتى لا تثقل عليه.
"واتخذ مؤذناً لا يأخذ على أذانه أجرًا": استدل مَنْ منعَ الاستئجار على الأذان بالحديث، ولا دليلَ له فيه؛ لجواز أنه ﵊ أمر بذلك أخذاً بالأفضل.
* * *
٤٦٦ - وقالت أمُّ سلَمة ﵂: عَلَّمني رسولُ الله ﷺ أنْ أقولَ عِنْدَ أذانِ المغرِبِ: "اللهمَّ هذا إِقْبالُ لَيْلِكَ، وإدْبَارُ نهارِكَ، وأصْواتُ دُعاتِكَ، فاغفِرْ لي".
"وقالت أم سلمة رضي الله عنا: علمني رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: أن أقولَ عند أذان المغرب: اللهم هذا إقبال ليلك"؛ أي: هذا الأوان أوانُ إقبال ليلك.
"وإدبار نهارك"؛ أي: أوان إدباره.
"وأصوات دعاتك": جمع الداعي، وهو: المؤذن هنا.
"فاغفر لي": بحق هذا الوقت الشريف.
* * *
стр. 439
٤٦٧ - ورُوي: أنَّ بِلالًا ﵁ أخذَ في الإقامة، فلمَّا أنْ قالَ: قدْ قامَتِ الصَّلاةُ قال النَّبيّ ﷺ : " أقامَها الله، وأدامَها"، وقالَ في سائرِ الإقامةِ: كنحوِ حديثِ عمر في الأذانِ.
"وروي أن بلال أخذ"؛ أي: شرع "في الإقامة، فلما أن قال ": (لما) شرطية تستدعي فعلًا، فيكون التقدير: فلما انتهى إلى أن قال: (قد قامت الصلاة، قال النبي ﵊: أقامها الله تعالى"؛ أي: ثبَّت الله الصلاة "وأدامها، وقال: في سائر الإقامة"؛ أي: في سائر كلماتها.
"كنحو حديث عمر في الأذان"؛ يعني: وافق المؤذن في كلماته في غير الحيعلتين.
* * *
٤٦٨ - عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يُرَدُّ الدُّعاءُ بينَ الأَذانِ والإقامَةِ".
"وعن أنس ﵁ أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: لا يرد الدعاء بين الأذان والإقامة"، وذلك لشرف الوقت.
* * *
٤٦٩ - وقال: "ثِنْتَانِ لا تُرَدَّانِ: الدُّعاءُ عندَ النِّداءَ، وعِندَ البأْسِ حينَ يَلحَمُ بعضُهم بعضاً"، ويُروى: "وتحتَ المَطَرِ"، رواه سَهْل بن سَعْد.
"وعن سهل بن سعد أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: ثنتان"؛ أي: دعوتان ثنتان.
"لا تردان": بل تستجابان.
стр. 440
"الدعاء عند النداء"؛ أي: الأذان.
"وعند البأس"؛ أي: الحرب مع الكفار.
"وحين يَلحَم": بفتح الياء والحاء المهملة؛ أي: يقتل "بعضهم بعضاً"، ويجوز أن يكون (حين يلحم) بدلاً من (عند البأس).
والمناسبة بين النداء والبأس: أن الأول من خواص الجهاد الأكبر وحثٌّ عليه، والثاني جهاد أصغر.
"ويروى: وتحت المطر"؛ أي: عند نزول المطر.
* * *
٤٧٠ - وقال عبد الله بن عمر ﵁: قالَ رجلٌ: يا رسولَ الله! إنَّ المؤذِّنينَ يفضُلونَنَا، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "قُلْ كما يقولونَ، فإذا انْتَهَيْتَ فسَلْ تُعْطَ".
"وقال عبد الله بن عمرو: قال رجل: يا رسول الله! إن المؤذنين يفضلوننا"؛ أي: حصل لهم فضلٌ ومزيدٌ علينا في الثواب بسبب الأذان.
"فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: قل كما يقولون"، إلا عند الحيعلتين كما ذكرنا من قبل، فيحصل لك الثواب.
"فإذا انتهيت"؛ أي: إذا فرغت.
"فسَلْ"؛ أي: من الله ما تريد.
"تُعطَ"؛ أي: يقبل الله دعاءك، ويعطيك سُؤلك.
* * *
فصل
مِنَ الصِّحَاحِ:
٤٧١ - قال رسول الله ﷺ : "إنَّ بلالاً يُنادي بالليل، فكُلوا واشربُوا حتَّى
стр. 441
يُنادي ابن أُمِّ مَكْتُوم".
(فصل)
"من الصحاح":
إنما أفرد هذا الفصل؛ لأن أحاديثه كلها صحاح، وليست فيه أحاديث مناسبة لصحاح الباب السابق، فكانت مظنة الإفراد.
"عن ابن عمر أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إن بلالاً ينادي بليل"؛ أي: يؤذن فيه، [فـ]ـلا يحرم (١) أكل السحور على الصائم بأذانه.
"فكلوا واشربوا حتى يناديَ ابن أم مكتوم": اسمه عبد الله بن قيس، سمي بذلك؛ لأنه ضرير، وكان ينادي بعد طلوع الفجر الصادق.
* * *
٤٧٢ - وقال: "لا يَمنعنَكُمْ مِنْ سُحورِكُم أذانُ بلالٍ، ولا الفجرُ المُستَطِيلُ، ولكن المُسْتَطِيرُ في الأُفُق"، رواه سَمُرة بن جُنْدُب.
"عن سمرة بن جُندب، عن النبي ﵊ أنه قال: لا يمنعنكم من سحوركم أذانُ بلال ولا الفجرُ المستطيل": وهو الفجر الكاذب يطلع أولاً مستطيلاً صاعداً إلى السماء، ثم يغيب، وبعد غيبته بزمان يسير يظهرُ الفجر الصادق.
"ولكن المستطير"؛ أي: الذي ينتشرُ ضوءه.
"في الأفق" الشرقي، ولا يزال يزداد ضياءً، وإنما لم يذكر صلاة العشاء
стр. 442
مع أنهما لا يمنعانها؛ لأن الظاهر من حال المسلم عدم تأخيرها إليهما؛ لكونه مكروهاً.
* * *
٤٧٣ - وقال مالك بن الحُويرِث ﵁: قدمتُ على رسولِ الله ﷺ أنا وابن عمِّ لي، فقال لنا: "إذا سافَرْتُما فأَذِّنا، وأقِيما، ولْيَؤُمَّكُما أكبَرُكُما".
"وقال مالك بن الحويرث: قدمت على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أنا وابن عم لي، فقال لنا: إذا سافرتما فأذِّنا وأقيما، وليؤمكما أكبركما"، والحديث يدل على أن الأذان لا يختص بالأكبر والأفضل؛ بخلاف الإقامة؛ فإنها يندب فيها إمامة الأكبر رتبة أو سناً.
* * *
٤٧٤ - وقال: "صَلُّوا كما رأَيْتُمُوني أُصلِّي، فإذا حَضَرتِ الصَّلاةُ فلْيُؤَذِّنْ لكُمْ أحدُكُمْ، ثمَّ لِيَؤُمُّكُمْ أكبرُكُمْ".
"وعنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: صلوا كما رأيتموني أصلي"؛ يعني: اجعلوا ركوعكم وسجودكم وسائر أركان الصلاة مثل ما رأيتموني أفعل.
"وإذا حضرت الصلاة، فليؤذنْ لكم أحدكم، ثم ليؤمكم أكبركم".
* * *
٤٧٥ - وقال أبو هريرة ﵁: إن رسولَ الله ﷺ حِينَ قفَلَ مِنْ خَيْبَرَ سارَ ليلةً، حتَّى إذا أدركَهُ الكَرَى عرَّسَ، ونامَ هو وأصحابُهُ، فلمْ يستيقِظْ أحدٌ مِنَ الصَّحابَةِ حتى ضَرَبَتْهُمُ الشَّمْسُ، فكانَ رسولُ الله ﷺ أوَّلَهُمْ استِيقاظاً، فقال:
стр. 443
"اقتادُوا"، فَاقْتَادُوا رَوَاحِلَهُمْ شيئاً، ثمَّ تَوَضَّأَ رسولُ الله ﷺ ، وأمرَ بلالاً فأقامَ الصَّلاةَ، فصلَّى بهِمُ الصُّبْحَ، فلمَّا قَضَى الصَّلاةَ قال: "مَنْ نَسِيَ الصَّلاة فَلْيُصَلِّها إذا ذكرَها، فإنَّ الله تعالى قال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾.
"وقال أبو هريرة: إن رسول الله ﷺ حين قفل من خيبر"؛ أي: حين رجع من غزوة خيبر إلى المدينة.
"سار ليلة حتى إذا أدركه الكَرَى"؛ أي: النوم.
"عرَّس"؛ أي: نزل في آخر الليل للاستراحة.
"ونام هو وأصحابه": عطف على الضمير المرفوع المستتر في (نام).
"فلم يستيقظ أحد من الصحابة حتى ضربتهم الشمس"؛ أي: وقع عليهم حرارتها.
"فكان رسول الله ﷺ أولهم استيقاظاً فقال: اقتادوا"؛ أي: سوقوا رواحلكم من هذا الموضع.
"فاقتادوا رواحلهم شيئاً"؛ يعني: ذهبوا من ثَمَّةَ مسافة قليلة.
"ثم توضأ رسولُ الله، فأمر بلالاً، فأقام الصلاة": وإنما لم يؤذن؛ لأن القوم حضور.
"فصلى بهم الصبح": وإنما لم يقضِ في الموضع الذي استيقظ فيه؛ لترتفع الشمس حتى يخرج وقت الكراهة، وبه قال أبو حنيفة، ومن جَوَّز قضاء الفائتة في الوقت المنهي - وهم الأكثرون - قالوا: أراد أن يتحول عن المكان الذي أصابتهم فيه هذه الغفلة والنسيان.
وقد روي: أنه ﷺ قال: "حولوا عن مكانكم الذي أصابتكم فيه هذه الغفلة".
стр. 444
وفي رواية: "ليأخذ كل واحد من راحلته؛ فإن هذا منزل حضرنا فيه الشيطان".
"فلما قضى الصلاة قال: من نسي الصلاة، فليصلها إذا ذكرها؛ فإن الله تعالى قال: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] ": إضافة المصدر إلى المفعول، واللام بمعنى: الوقت والحين؛ أي: إذا ذكرت صلاتي بعد النسيان.
* * *
٤٧٦ - وقال رسول الله ﷺ : "إذا أُقيمَتِ الصَّلاةُ فلا تقُومُوا حتَّى تَرَوْنِي خَرَجْتُ"، رواه أبو قَتادة.
"وعن أبي قتادة، عن النبي ﷺ : إذا أقيمت الصلاة"؛ أي: نادى المؤذن بالإقامة؛ إقامةً للمسبَّب مقام السبب.
"فلا تقوموا حتى تروني خرجت": هذا يدل على جواز تقديم الإقامة على خروج الإمام.
* * *
٤٧٧ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أُقيمَتِ الصَّلاةُ فلا تأْتُوهَا تَسْعَوْنَ، وَأْتُوها تَمشُون، وعلَيْكُمُ السَّكينَة، فما أدْرَكْتُمْ فصَلُّوا، وما فاتَكُمْ فأَتِمُّوا"، ويُروى: "فإنَّ أحدَكُمْ إذا كانَ يَعْمِدُ إلى الصَّلاةِ فهو في صَلاةٍ".
"وعن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله ﷺ : إذا أقيمت الصلاة فلا تأتوها تسعَون": المراد بالسعي هنا: الإسراع؛ يعني: كونوا في المشي إلى المسجد غير مسرعين وإن خفتم فوتَ الصلاة.
"وأتوها تمشون، وعليكم السكينةَ": نصب على أنها مفعول بها؛ أي:
стр. 445
الزموا السكينة، وهي: الوقار، ومن خاف التكبيرة الأولى، قيل: إنه يسرع، وقيل: يهرول، وقيل: يمشي على وقار؛ للحديث.
"فما أدركتم": الفاء جزاء شرط محذوف؛ أي: إذا بينت لكم ما هو أولى لكم فما أدركتم.
"فصلوا وما فاتكم فأتموا"، ويحصل لكم الثواب كاملاً.
وفيه دليل على أن ما أدركه المرء من صلاة إمامه هو أول صلاته؛ لأن لفظ الإتمام يقع على باقي شيء تقدم أوله، وإلى هذا ذهب الشافعي وأحمد.
"ويروى: فإن أحدكم إذا كان يعتمد"؛ أي: يقصد.
"إلى الصلاة فهو في الصلاة" من حين قصدها؛ لأن المشارِفَ قريبٌ من الشيء كأنه فيه، وهذا إذا لم يقصِّرْ في التأخير.
* * *
٦ - باب المَساجِد ومَواضع الصَّلاةِ
(باب المساجد ومواضع الصلاة)
وهي أعم من المساجد.
مِنَ الصِّحَاحِ:
٤٧٨ - قال ابن عبَّاسٍ: لمَّا دَخَلَ النَّبيّ ﷺ البيتَ دَعا في نواحيهِ كُلِّها، ولم يُصَلِّ حتى خرجَ، فلمَّا خرجَ ركعَ ركعَتَيْنِ في قُبُلِ الكَعْبَةِ، وقال: "هذِهِ القِبْلةُ".
"من الصحاح":
" قال ابن عباس: لمَّا دخل النبي ﷺ البيت"؛ أي الكعبة عام فتح مكة.
стр. 446
"دعا في نواحيه كلها"؛ يعني: وقف في كل جانب من جوانب الكعبة من داخلها ودعا.
"ولم يُصلِّ حتى خرج، فلما خرج ركع"؛ أي: صلى "ركعتين في قُبل الكعبة": بضم القاف؛ أي: مُقدَّمها، والمراد: الجهة التي فيها الباب؛ أي: في مستقبل باب الكعبة.
روي: أنه ﷺ قدم المدينة مستقبلاً بيت المقدس، وكان يحب أن يُوجَّه إلى الكعبة، فأنزل عليه: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ [البقرة: ١٤٤].
"وقال هذه"؛ أي: تلك البقعة "القبلة"؛ أي: أمرها قد استقر على الكعبة، لا تنسخُ بعد اليوم، فصلوا إليها أبداً، فهي قبلتكم.
* * *
٤٧٩ - وقال عبد الله بن عمر: إنَّ رسولَ الله ﷺ دخلَ الكعبةَ هو وأُسامَةُ بن زيدٍ وعُثْمَانُ بن طَلحةَ الحَجَبيُّ وبلالُ بن رَباح، فأغلقَها عليه، ومكثَ فيها، فسألتُ بلالاً حينَ خرجَ: ماذا صنعَ رسولُ الله ﷺ قال: جَعَلَ عَموداً عن يسارِهِ، وعَمودَيْنِ عن يمينِهِ، وثلاثةَ أعمدةٍ وراءَهُ، ثمَّ صلَّى.
"وقال عبد الله بن عمر: إن رسول الله ﷺ دخل الكعبة هو وأسامة بن زيد وعثمان بن طلحة الحجبي وبلال بن رباح، فأغلقها"؛ أي: الكعبة؛ يعني: بابها.
"عليه"؛ أي: على النبي ﷺ ، وفي رواية: (عليهم)، وهو ظاهر.
"ومكث فيها، فسألت بلالاً حين خرج: ماذا صنع رسول الله ﷺ ؟ قال جعل عموداً عن يساره وعمودين عن يمينه وثلاثة أعمدة": جمع عمود.
стр. 447
"ورائه"، والوراء يطلق على الخلف والقدام، فللكعبة يومئذٍ ستة أعمدة، وأما الآن فهي ثلاثة أعمدة؛ لأنه غيَّرها حجاج بن يوسف.
"ثم صلى" ركعتين، وهذا يدل على جواز الصلاة داخل الكعبة، وبه قال الأكثرون، ويتوجَّه كيف شاء.
* * *
٤٨٠ - وعن أبي هُريرة ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "صَلاةٌ في مسجدي هذا خيرٌ مِنْ ألفِ صلاةٍ فيما سِواهُ إلَاّ المسجدَ الحرامِ".
"وعن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله ﷺ : صلاة في مسجدي هذا"؛ يعني: مسجد المدينة.
"خير من ألف صلاة فيما سواه إلا في المسجد الحرام"؛ فإن صلاةَ فيه أفضل من ألف صلاة في مسجدي.
* * *
٤٨١ - وقال: "لا تُشَدُّ الرِّحالُ إلَاّ إلى ثلاثةِ مساجِدَ: المسجدِ الحرامِ، والمسجدِ الأقصى، ومَسجدِي هذا"، رواه أبو سعيد الخُدْرِيُّ ﵁.
"وعن أبي سعيد الخدري أنه قال: قال رسول الله ﷺ : لا تشد الرحال": جمع الرحل، وهو: رحل البعير على قدر سنامه، هذا خبر بمعنى النهي، والمراد نفي الفضيلة التامة؛ يعني: لا فضيلة في شدِّ الرحال إلى مسجد للصلاة فيه.
"إلا إلى ثلاثة مساجد: مسجد الحرام، ومسجد الأقصى"، وصفه بالأقصى؛ لبعده عن المسجد الحرام.
стр. 448
"ومسجدي هذا"؛ يريد: مسجد المدينة، ومزية هذه المساجد؛ لكونها أبنية الأنبياء ومساجدهم، ولهذا قالوا: لو نذر أن يصلي في أحد هذه الثلاثة تعيَّن بخلاف سائر المساجد؛ فإن من نذر أن يصلي في أحدها له أن يصلي في آخر.
* * *
٤٨٢ - وقال: "ما بينَ بَيتي ومِنبَري رَوضةٌ مِنْ رِياضِ الجَنَّةِ، ومِنْبَرِي على حَوْضي"، رواه أبو هريرة.
"وعن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله ﷺ : ما بين بيتي ومنبري": المراد بالبيت: بيت سكناه، وقيل: قبره؛ لما جاء في حديث آخر: "ما بين قبري ومنبري"، ولا تنافيَ بينهما؛ لأن قبره في بيته.
قيل: أراد بذلك المحراب؛ لأنه بين المنبر وبين بيته؛ لأن باب حجرته كان مفتوحاً إلى المسجد.
"روضة من رياض الجنة"؛ يعني: أن العبادة في ذلك الموضع تؤدِّي إلى روضة من رياضها، كما قال ﷺ : "الجنة تحت ظلال السيوف"؛ يريد: أن الجهاد يؤدي إلى الجنة.
قيل: سماه روضة لأن زوَّار قبره وعُمَّار مسجده من الملائكة والإنس والجن مُكِبُّون على الذكر والعبادة، إذا صدرَ عنها فريقٌ ورد آخر.
وقد سمى ﷺ حِلَق الذكر رياضاً في قوله ﷺ : "إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا".
"ومنبري على حوضي"؛ أي: على حافته، وقد رُوي: أنه ﷺ قال: "ومنبري على ترعة حوضي"، وهذا يدل على أن يكون له ﷺ في الآخرة منبر، ويجوز أن يراد به: منبره في الدنيا.
стр. 449
وفيه تنبيهٌ على استمداده من الحوض الزاخر النبوي.
وقيل: فيه تنبيهٌ على مناسبة بينهما من حيث إن المنبر مورد القلوب الصادية في بيداء (١) الجهالة، كما أن الحوض مورد الأكباد الظامئة من حرِّ يوم القيامة، وأن كلاً منهما متعلق بالآخر، لا مطمعَ لأحد في الآخر دون الاتعاظ بالأول، فمن شهد المنبر مستمعاً اليوم يشهد الحوض غداً.
* * *
٤٨٣ - عن ابن عُمر قال: كَانَ رسولُ الله ﷺ يأْتي مسجدَ قُباءٍ كُلَّ سَبْتٍ ماشِياً وراكباً، فيُصلِّي فيهِ ركعَتْينِ.
"وعن ابن عمر أنه قال: كان رسول الله ﷺ يأتي مسجد قُباء" بضم القاف ممدوداً: قرية على ثلاثة أميال من المدينة، قيل: أصحاب الصفة كانوا في ذلك المسجد، فيأتيه ﷺ .
"كلَّ سبت ماشياً وراكباً، فيصلي فيه ركعتين"، وهذا يدل على أن التقرب بالمساجد ومواضع الصلحاء مستحب، وأن الزيارة يوم السبت سنة.
* * *
٤٨٤ - وقال: "أحبُّ البلادِ إلى الله مسَاجِدُها، وأبغضُ البلادِ إلى الله تعالى أسواقُها"، رواه أبو هريرة ﵁.
"وعن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله ﷺ : أحب البلاد": جمع بلد، والمراد منه: مأوى الإنسان.
"إلى الله مساجدها"؛ لأن المسجد موضع الصلاة والذكر.
стр. 450
"وأبغض البلاد إلى الله أسواقها"؛ لأن السوق موضع الغفلة عن الله والحرص والطمع والخيانة، والمراد بحب الله المسجد: إرادة الخير لأهله، وببغضه السوق: خلافها لأهله.
* * *
٤٨٥ - وقال: "مَنْ بنى لله مسجداً بنى الله لهُ بَيْتاً في الجَنَّةِ"، رواه عثمان ﵁.
"وعن عثمان ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : من بنى لله مسجداً"؛ أي: مَعْبَداً، فيتناول معبدَ الكفرة فيكون لله؛ لإخراج ما بنى معبداً لغير الله.
"بنى الله له بيتاً في الجنة".
* * *
٤٨٦ - وقال: "مَنْ غَدا إلى المسجدِ أو رَاحَ، أعدَّ الله لهُ نُزُلَهُ مِنَ الجَنَّةِ كُلَّما غَدا أو راحَ".
"وعن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال: من غدا إلى المسجد"؛ أي: ذهب إليه في الغفلة.
"وراح"؛ أي: ذهب إليه بعد الزوال.
"أعد الله"؛ أي: هيَّأ له "نزله" بضم الزاي وسكونها: ما يهيأ للضيف.
"من الجنة، كلما غدا أو راح": ظرف، وجوابه ما دلَّ عليه ما قبله، وهو العامل فيه، المعنى: كلما استمر غدوه أو رواحه يستمر إعداد نزله في الجنة.
стр. 451
٤٨٧ - وقال: "أعظمُ النَّاسِ أجْراً في الصَّلاةِ أبعَدُهُمْ فأبعَدُهُمْ مَمْشًى، والذي يَنتظِرُ الصَّلاةَ حتَّى يُصَلِّيها مع الإمام أعظمُ أجراً مِنَ الذي يُصَلِّي ثمَّ ينامُ"، رواه أبو موسى ﵁.
"وعن أبي موسى أنه قال: قال رسول الله ﷺ : أعظم الناس أجراً في الصلاة أبعدهم فأبعدهم مَمشى": مصدر ميمي أو اسم مكان؛ يعني: من كان بيته إلى المسجد أبعد مسافة، فأجره أكثر؛ لأن الأجر بقدر التعب.
"والذي ينتظر الصلاة حتى يصليها مع الإمام أعظم أجراً من الذي يصلي"؛ أي: منفرداً، "ثم ينام"، ولا ينتظر الإمام.
* * *
٤٨٨ - وقال جابر: أرادَ بنو سَلِمَةَ أَنْ يَنتقِلُوا إلى قُرْب المسجدِ، فقال النَّبيّ ﷺ : "يا بني سَلِمَةَ! دِيارَكُمْ، تُكْتَبْ آثارُكُمْ، دِيارَكُمْ، تُكْتَبْ آثارُكم".
"وقال جابر: أراد بنو سَلِمة" بكسر اللام: قبيلة من الأنصار.
"أن ينتقلوا إلى قرب المسجد": وكان ديارهم على بعد من المسجد، وكان يلحقهم مشقة من المشي في سواد الليل إلى المسجد؛ خصوصاً عند وقوع المطر، فكره النبي ﷺ انتقالهم إلى قرب المسجد؛ لئلا تعرى جوانب المدينة، فرغبهم فيما عند الله من الأجر على نقل الخطأ.
"فقال النبي ﷺ : يا بني سلمة! ديارَكم" بالنصب على الإغراء؛ أي: الزموا دياركم، ولا تنقلوا عنها.
"تكتب" بالجزم جواب الأمر المقدر؛ أي: حتى تكتب.
"آثاركم": أجر خطاكم؛ فإن لكل خطوة درجة، فما كان الخطأ أكثر يكون الأجر أيضًا أكثر، وبالرفع حال أو استئناف.
стр. 452
"وتكتب آثاركم": كرره للتأكيد.
* * *
٤٨٩ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "سبعة يُظلُّهُمُ الله في ظِلِّهِ يومَ لا ظِلَّ إلاّ ظِلَّهُ: إمامٌ عادلٌ، وشابٌّ نشأَ في عِبادَةِ الله تعالى، ورجُلٌ قلبُهُ مُعَلَّقٌ بالمَسجدِ إذا خَرَجَ مِنْهُ حتَّى يَعودَ إليه، ورجُلَانِ تحابَّا في الله اجتَمَعَا عليهِ، وتَفرَّقا عليه، ورجُلٌ ذكرَ الله خالِياً ففاضَتْ عَيْنَاهُ، ورجُلٌ دَعَتْهُ امرأَةٌ ذاتُ حَسَبٍ وجَمالٍ فقال: إنِّي أَخافُ الله، ورجُلٌ تَصَدَّقَ بصدَقَةٍ فأَخْفاهَا حتَّى لا تعلمَ شِمالُهُ ما تُنْفِقُ يمينُهُ".
"وعن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله ﷺ : سبعة يظلهم الله في ظله"؛ أي: يدخلهم في رحمته ورعايته.
"يوم لا ظلَّ إلا ظله"؛ أي: لا قدرة ولا رحمة في يوم القيامة إلا لله، وقيل: المراد ظل العرش.
"إمام عادل": المراد هنا: من يلي أمور المسلمين من الأمراء وغيرهم.
"وشاب نشأ"؛ أي: نما "في عبادة الله"؛ أي: يكون في العبادة من أول بلوغه من التمييز إلى أن كبر.
"ورجل قلبه معلق بالمسجد إذا خرج منه حتى يعود إليه، ورجلان تحابا في الله"؛ أي: جرى المحبة بينهما لله، لا لغرض دنيوي.
"إن اجتمعا اجتمعا عليه"؛ أي: على التحابِّ في الله.
"وإن تفرقا"، تفرقا "عليه"؛ أي: على ذلك التحابِّ؛ أي: يكون تحابهما في الله غيبةً وحضوراً.
стр. 453
"ورجل ذكر الله خالياً"؛ أي: خاف الله في خلوته من ذنوبه السالفة وتقصيره السابق.
"ففاضت عيناه"؛ أي: جرت دموعه من عينيه خوفاً من عذاب الله؛ لتقصيره في الطاعات، وانهماكه في الشهوات.
"ورجل دعته امرأة" إلى الزنا بها.
"ذات حسب": وهو ما يعده الإنسان [من] مفاخر آبائه، وقيل: الخصال الحميدة له ولآبائه.
"وجمال"؛ أي: لها جمال كامل، والمرأة إذا كانت شريفة ذات خصال حميدة تكون النفس أميل إليها ممن لم تكن بهذه الصفة.
"فقال: إني أخاف الله"، وهذا القول أعم من أن يكون بلسانه أو في قلبه.
"ورجل تصدق بصدقة فأخفاها": هذا محمولٌ على التطوع؛ لأن الزكاة إعلانها أفضل.
"حتى لا تعلمَ شماله ما تنفق يمينه"، وهذا تأكيد ومبالغة في كتم الصدقة وإخفائها؛ فإن نسبة العلم إلى الشمال استعارة، أو معناه: لا يعلم من شماله ما تنفق يمينه، قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢٧١].
* * *
٤٩٠ - وقال: "صلاةُ الرجلِ في الجماعةِ تُضَعَّفُ على صلاتِهِ في بيتِهِ وفي سُوقِهِ خَمْساً وعشرينَ ضعفاً، وذلكَ أنَّهُ إذا تَوَضَّأَ فأحسَنَ الوُضوءَ, ثمَّ خرجَ إلى المسجد لا يُخرجُهُ إلاّ الصَّلاةُ، لم يَخْطُ خُطوةً إلَاّ رُفِعَتْ له بها درجةٌ، وحُطَّ عنهُ بها خَطيئةٌ، فإذا صَلَّى لمْ تَزَلِ الملائكةُ تُصَلِّي عليهِ ما دامَ في
стр. 454
مُصَلَاّهُ: اللهم! صلِّ عليه، اللهم! ارحمْهُ".
وقال: "لا يزالُ أحدُكُمْ في صَلاةٍ ما دامَ ينتظِرها، ولا تزالُ الملائكَةُ تُصلِّي على أحدِكُمْ ما دامَ في المسجدِ تقول: اللهمَّ! اغفِرْ لهُ، اللهمَّ! ارحَمْهُ ما لم يُحدِثْ".
"وعن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله ﷺ : صلاة الرجل في الجماعة تضعف"؛ أي: تزداد الأجر.
"على صلاته في بيته وفي سوقه خمساً وعشرين ضعفاً"؛ أي: مثلاً، والمراد: الكثرة لا الحصر.
"وذلك أنه إذا توضأ فأحسن الوضوء، ثم خرج إلى المسجد لا يخرجه"؛ أي: من بيته إلى المسجد، "إلا الصلاة"، لا شغلَ آخر، جملة حالية.
"لم يخط خطوةً إلا رفعت له بها درجة، وحط عنه بها خطيئة، فإذا صلى لم تزل الملائكة تصلي عليه"؛ أي: تدعو له وتستغفر له.
"ما دام في مصلاه"؛ أي: في الموضع الذي صلى فيه.
"ولا يزال أحدكم في صلاة ما انتظر الصلاة"؛ أي: مادام ينتظرها.
"وعنه، عن النبي ﷺ أنه قال: لا يزال أحدكم في صلاة ما دام ينتظرها، ولا تزال الملائكة تصلي عليه ما دام في المسجد، تقول"؛ أي: الملائكة: "اللهم اغفر له، اللهم ارحمه، ما لم يحدث" بالتخفيف من (الحدث)؛ أي: ما لم يبطل وضوءه؛ لما روي أن أبا هريرة لما روى هذا الحديث قال له رجل من حضرموت: وما الحدث يا أبا هريرة؟ قال: فساء أو ضراط، ومن شدَّد الدال فقد غلط.
стр. 455
٤٩١ - وقال: "إذا دَخَلَ أحدُكُمُ المسجدَ فليَقُلْ: اللهمَّ! افتَحْ لي أبوابَ رَحمَتِكَ، وإذا خرجَ فليَقُل: اللهمَّ! إني أسألُكَ مِنْ فَضْلِكَ".
"وعن أبي سعيد أنه قال: قال رسول الله ﷺ : إذا دخل أحدكم المسجد فليقل: اللهم افتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج فليقل: اللهم إني أسألك من فضلك": لعل السر في تخصيص ذكر الرحمة بالدخول والفضل بالخروج: أن من دخل اشتغل بما يؤلفه إلى الله تعالى وإلى ثوابه وجنته، فناسب أن يذكر الرحمة، فإذا انتشر في الأرض اشتغل بابتغاء الرزق، فناسب أن يذكر الفضل، كما قال تعالى: ﴿فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ [الجمعة: ١٠].
* * *
٤٩٢ - وقال: "إذا دخلَ أحدُكُمُ المسجدَ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ قبلَ أنْ يَجْلِسَ".
"وعن أبي قتادة السلمي أنه قال: قال رسول الله ﷺ : إذا دخل أحدكم المسجد فليركع"؛ أي: فليصل "ركعتين"؛ يعني: تحية المسجد "قبل أن يجلس".
* * *
٤٩٣ - وقال كعب بن مالك ﵁: كانَ رسولُ الله ﷺ لا يَقْدُمُ مِنْ سفَرٍ إلَاّ نهاراً في الضُّحى، فإذا قَدِمَ بدأَ بالمسجدِ، فصلَّى فيهِ ركعَتَيْنِ، ثمَّ جلسَ فيه.
"وقال كعب بن مالك: كان رسول الله ﷺ لا يقدم من سفر إلا نهاراً في الضُّحى": وهو وقت تشرق الشمس، فالسنة إذا رجع من السفر أن يدخل في أول نهاره.
стр. 456
"فإذا قدم بدأ بالمسجد"؛ أي: بدخوله.
"فصلى فيه ركعتين، ثم جلس فيه" لحظة؛ ليزوره المسلمون ويزورهم، ثم يدخل بيته.
* * *
٤٩٤ - وقال رسول الله ﷺ : "مَنْ سَمعَ رجُلاً ينشُدُ ضالَّةً في المسجدِ فَلْيَقُلْ: لا رَدَّها الله عليكَ، فإنَّ المساجِدَ لمْ تُبن لهذا".
"عن أبي هريرة ﷺ أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: من سمع رجلاً ينشد ضالة"؛ أي: يطلبها برفع الصوت.
"في المسجد فليقل: لا ردها الله تعالى عليك؛ فإن المساجد لم تُبن لهذا"؛ أي: لنشدان الضالة، بل لذكر الله تعالى وتلاوة القرآن والوعظ، يعرف منه كراهة كلِّ أمر لم يُبن المسجد لأجله، حتى كره مالك البحث العلمي فيه، وجوَّزه أبو حنيفة وغيره؛ لأنه مما يحتاج إليه الناس؛ لأن المسجد مجمعهم.
* * *
٤٩٥ - وقال: "مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجرةِ المُنْتَنِةَ فلا يَقْرَبن مَسجدَنَا، فإنَّ الملائكَةَ تتأذَّى ممَّا يَتَأَذَّى منهُ الإِنسُ".
"وعن جابر ﵁ أنه قال: قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -: من أكل من هذه الشجرة المنتنة": كالثوم والبصل والكراث.
"فلا يقربن مسجدنا": قيل: النهي يتعلق بكل المساجد، فالإضافة للملابسة، أو التقدير: مسجد أهل ملتنا؛ لأن العلةَ وهي "فإن الملائكة": أريد بهم: الحاضرون مواضع العبادات "تتأذى مما يتأذى منه الإنس" = عامةٌ؛ أي:
стр. 457
توجد في سائر المساجد، فيعم الحكم، ويدل هذا التعليل على أنه لا يدخل المسجد وإن كان خالياً عن الإنسان؛ لأنه محل الملائكة.
* * *
٤٩٦ - وقال: "البُزاقُ في المَسجدِ خَطيئةٌ، وكفَّارتُها دَفْنُها".
"وعن أنسٍ أن النبي ﵊ قال: البزاق في المسجد خطيئة"؛ أي: إلقاء البزاق في أرض المسجد وجدرانه إثمٌ.
"وكفارتها دفنها"؛ يعني: إذا أزال ذلك البراق أو ستره بشيء طاهرٍ عقيبَ الإلقاء، أزال عنه تلك الخطيئة.
* * *
٤٩٧ - وقال: "عُرِضَتْ عليَّ أَعمالُ أُمَّتِي حَسَنُها وسيئُها، فوجدتُ في مَحاسِنِ أعمالِها الأَذَى يُماطُ عنِ الطَّريقِ، ووجدتُ في مَساوئ أعمالِها النُّخَاعةَ في المسجدِ لا تُدْفَنُ".
"وعن أبي ذر أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: عرضت علي أعمال أمتي؛ حسنها وسيئها": بالرفع بدل من (أعمال).
"فوجدت في محاسن أعمالها": جمع (حُسن) - بضم الحاء - على غير قياس.
"الأذى"؛ أي: إزالة الأذى، وهو: ما يتأذى به الناس من حجر أو غيره، واللام فيه للعهد الذهني.
"يماط"؛ أي: يبعد.
"عن الطريق": وهذه الجملة صفته.
стр. 458
"ووجدت في مساوئ أعمالها": جمع السُّوء على غير قياس أيضًا، والباء فيها مقلوبة عن الهمزة.
"النُّخاعة" - بضم النون: البزقة التي تخرج من أصل الفم، والمراد بها: إلقاءُها.
"تكون في المسجد لا تدفن"؛ أي: لا تستر، الجملتان صفة (النخاعة)، أو حال؛ يعني: إماطة الأذى عن الطريق من جملة الحسنات وإلقاء البزاق في المسجد من جملة السيئات.
* * *
٤٩٨ - وقال: "إذا قامَ أحدُكُمْ إلى الصَّلاةِ فلا يَبصُقْ أَمامهُ، فإنما يناجي الله ما دام في مُصلاه، ولا عن يمينه؛ فإن عن يمينه ملَكاً، وليبصُق عن يَسارِهِ أو تحتَ قدَمِهِ فَيَدْفِنُها"، وفي رواية: "أو تحتَ قَدَمِهِ اليُسْرَى".
"عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يبصقْ أمامه"؛ أي: لا يرمي البزاق تلقاءَ وجهه نحو القبلة.
"فإنما يناجي الله تعالى"؛ أي: يخاطبه.
"ما دام في مصلاه"، ومن يناجي أحدٌ لا يبصق نحوه، وتخصيص القبلة مع استواء جميع الجهات بالنسبة إليه تعالى؛ لتعظيمها.
"ولا عن يمينه؛ فإن عن يمينه ملكاً"، وتخصيص يمين المصلي بالملك، وقد قال الله تعالى: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق: ١٧]؛ للإيذان بمزية ملك اليمين على الشمال بالشرف؛ لأنه كاتب الحسنات التي هي علامة الرحمة، فالتنكير للتعظيم؛ أي: ملكاً عظيم الشأن، فكان حقه الإكرام، ولذا قال - عليه
стр. 459
الصلاة والسلام -: "كاتب الحسنات أمير على كاتب السيئات".
قيل: هذا النهي عام في المسجد وغيره.
"وليبصق عن يساره أو تحت قدمه فيدفنها".
"وفي رواية": أبي سعيد "أو تحت قدمه اليسرى".
* * *
٤٩٩ - وقال: "لَعنةُ الله على اليَهودِ والنَّصارَى، اتَّخَذُوا قُبورَ أَنبيائهم مَساجِدَ".
"وعن عائشة ﵂ أنها قالت: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: لعنة الله على اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد": وذلك إما لسجودهم لقبور أنبيائهم تعظيماً لها، وهذا شرك جلي؛ لأن السجود لا يجوز إلا لله، وإما لاعتقادهم أن الصلاة إلى قبورهم أفضل وأعظم موقعاً عند الله؛ لاشتماله عبادةَ الله تعالى وتعظيمَ أنبيائهم، وهذا شرك خفيٌّ من حيث إنه أتى في عبادته بما يرجع إلى تعظيم مخلوق، ولذا قال ﵊: "اللهم لا تجعل قبري وثناً يُعبَدُ".
* * *
٥٠٠ - وقال ﷺ : "ألا فلا تتَّخِذُوا القُبُورَ مساجَدَ، إنِّي أنهاكمْ عَنْ ذلك".
"ألا فلا تتخذوا القبور مساجد": نهى ﵊ أمته عن الصلاة في المقابر؛ احترازاً عن المشابهة لليهود والنصارى.
"إني أنهاكم عن ذلك": تأكيد للنهي قبله، أما من صلَّى في مقبرة، وقصدَ به وصول أثرٍ من آثار عبادته إليه، لا التعظيم والتوجُّه نحوه؛ فجائز.
стр. 460
٥٠١ - وقال: "اجْعَلُوا في بُيوتِكُمْ مِنْ صَلاتِكُمْ، ولا تتَّخِذُوهَا قُبوراً".
"عن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم": مفعول (اجعلوا)؛ أي: اجعلوا بعضَ صلاتكم في بيوتكم.
"ولا تتخذوها قبوراً" بإخلائها عن الصلوات وقراءة القرآن، وهو من باب الاستعارة، أو المراد: لا تجعلوا بيوتكم أوطاناً للنوم الذي هو أخٌ للموت، لا تصلون فيها.
وقيل: إن مثل الذاكر لله ومثل غير الذاكر لله كمثل الحي والميت؛ الساكن في البيوت والساكن في القبور، فالذي لا يصلي في بيته جعله بمنزلة القبر، كما جعل نفسه بمنزلة الميت.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٥٠٣ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ قال: "ما بينَ المَشرقِ والمَغربِ قِبْلةٌ".
"من الحسان":
" عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله ﷺ : ما بين المشرق والمغرب قبلة": المراد به: قبلة أهل المدينة؛ لوقوعها بينهما، وهي إلى طرف الغرب أميلُ.
قال ابن عمر: إذا جعلت المغرب عن يمينك والمشرق عن يسارك فما بينهما قبلة.