Полный текст (3 421 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.
стр. 456
"فإذا قدم بدأ بالمسجد"؛ أي: بدخوله.
"فصلى فيه ركعتين، ثم جلس فيه" لحظة؛ ليزوره المسلمون ويزورهم، ثم يدخل بيته.
* * *
٤٩٤ - وقال رسول الله ﷺ : "مَنْ سَمعَ رجُلاً ينشُدُ ضالَّةً في المسجدِ فَلْيَقُلْ: لا رَدَّها الله عليكَ، فإنَّ المساجِدَ لمْ تُبن لهذا".
"عن أبي هريرة ﷺ أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: من سمع رجلاً ينشد ضالة"؛ أي: يطلبها برفع الصوت.
"في المسجد فليقل: لا ردها الله تعالى عليك؛ فإن المساجد لم تُبن لهذا"؛ أي: لنشدان الضالة، بل لذكر الله تعالى وتلاوة القرآن والوعظ، يعرف منه كراهة كلِّ أمر لم يُبن المسجد لأجله، حتى كره مالك البحث العلمي فيه، وجوَّزه أبو حنيفة وغيره؛ لأنه مما يحتاج إليه الناس؛ لأن المسجد مجمعهم.
* * *
٤٩٥ - وقال: "مَنْ أَكَلَ مِنْ هَذِهِ الشَّجرةِ المُنْتَنِةَ فلا يَقْرَبن مَسجدَنَا، فإنَّ الملائكَةَ تتأذَّى ممَّا يَتَأَذَّى منهُ الإِنسُ".
"وعن جابر ﵁ أنه قال: قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -: من أكل من هذه الشجرة المنتنة": كالثوم والبصل والكراث.
"فلا يقربن مسجدنا": قيل: النهي يتعلق بكل المساجد، فالإضافة للملابسة، أو التقدير: مسجد أهل ملتنا؛ لأن العلةَ وهي "فإن الملائكة": أريد بهم: الحاضرون مواضع العبادات "تتأذى مما يتأذى منه الإنس" = عامةٌ؛ أي:
стр. 457
توجد في سائر المساجد، فيعم الحكم، ويدل هذا التعليل على أنه لا يدخل المسجد وإن كان خالياً عن الإنسان؛ لأنه محل الملائكة.
* * *
٤٩٦ - وقال: "البُزاقُ في المَسجدِ خَطيئةٌ، وكفَّارتُها دَفْنُها".
"وعن أنسٍ أن النبي ﵊ قال: البزاق في المسجد خطيئة"؛ أي: إلقاء البزاق في أرض المسجد وجدرانه إثمٌ.
"وكفارتها دفنها"؛ يعني: إذا أزال ذلك البراق أو ستره بشيء طاهرٍ عقيبَ الإلقاء، أزال عنه تلك الخطيئة.
* * *
٤٩٧ - وقال: "عُرِضَتْ عليَّ أَعمالُ أُمَّتِي حَسَنُها وسيئُها، فوجدتُ في مَحاسِنِ أعمالِها الأَذَى يُماطُ عنِ الطَّريقِ، ووجدتُ في مَساوئ أعمالِها النُّخَاعةَ في المسجدِ لا تُدْفَنُ".
"وعن أبي ذر أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: عرضت علي أعمال أمتي؛ حسنها وسيئها": بالرفع بدل من (أعمال).
"فوجدت في محاسن أعمالها": جمع (حُسن) - بضم الحاء - على غير قياس.
"الأذى"؛ أي: إزالة الأذى، وهو: ما يتأذى به الناس من حجر أو غيره، واللام فيه للعهد الذهني.
"يماط"؛ أي: يبعد.
"عن الطريق": وهذه الجملة صفته.
стр. 458
"ووجدت في مساوئ أعمالها": جمع السُّوء على غير قياس أيضًا، والباء فيها مقلوبة عن الهمزة.
"النُّخاعة" - بضم النون: البزقة التي تخرج من أصل الفم، والمراد بها: إلقاءُها.
"تكون في المسجد لا تدفن"؛ أي: لا تستر، الجملتان صفة (النخاعة)، أو حال؛ يعني: إماطة الأذى عن الطريق من جملة الحسنات وإلقاء البزاق في المسجد من جملة السيئات.
* * *
٤٩٨ - وقال: "إذا قامَ أحدُكُمْ إلى الصَّلاةِ فلا يَبصُقْ أَمامهُ، فإنما يناجي الله ما دام في مُصلاه، ولا عن يمينه؛ فإن عن يمينه ملَكاً، وليبصُق عن يَسارِهِ أو تحتَ قدَمِهِ فَيَدْفِنُها"، وفي رواية: "أو تحتَ قَدَمِهِ اليُسْرَى".
"عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إذا قام أحدكم إلى الصلاة فلا يبصقْ أمامه"؛ أي: لا يرمي البزاق تلقاءَ وجهه نحو القبلة.
"فإنما يناجي الله تعالى"؛ أي: يخاطبه.
"ما دام في مصلاه"، ومن يناجي أحدٌ لا يبصق نحوه، وتخصيص القبلة مع استواء جميع الجهات بالنسبة إليه تعالى؛ لتعظيمها.
"ولا عن يمينه؛ فإن عن يمينه ملكاً"، وتخصيص يمين المصلي بالملك، وقد قال الله تعالى: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق: ١٧]؛ للإيذان بمزية ملك اليمين على الشمال بالشرف؛ لأنه كاتب الحسنات التي هي علامة الرحمة، فالتنكير للتعظيم؛ أي: ملكاً عظيم الشأن، فكان حقه الإكرام، ولذا قال - عليه
стр. 459
الصلاة والسلام -: "كاتب الحسنات أمير على كاتب السيئات".
قيل: هذا النهي عام في المسجد وغيره.
"وليبصق عن يساره أو تحت قدمه فيدفنها".
"وفي رواية": أبي سعيد "أو تحت قدمه اليسرى".
* * *
٤٩٩ - وقال: "لَعنةُ الله على اليَهودِ والنَّصارَى، اتَّخَذُوا قُبورَ أَنبيائهم مَساجِدَ".
"وعن عائشة ﵂ أنها قالت: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: لعنة الله على اليهود والنصارى؛ اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد": وذلك إما لسجودهم لقبور أنبيائهم تعظيماً لها، وهذا شرك جلي؛ لأن السجود لا يجوز إلا لله، وإما لاعتقادهم أن الصلاة إلى قبورهم أفضل وأعظم موقعاً عند الله؛ لاشتماله عبادةَ الله تعالى وتعظيمَ أنبيائهم، وهذا شرك خفيٌّ من حيث إنه أتى في عبادته بما يرجع إلى تعظيم مخلوق، ولذا قال ﵊: "اللهم لا تجعل قبري وثناً يُعبَدُ".
* * *
٥٠٠ - وقال ﷺ : "ألا فلا تتَّخِذُوا القُبُورَ مساجَدَ، إنِّي أنهاكمْ عَنْ ذلك".
"ألا فلا تتخذوا القبور مساجد": نهى ﵊ أمته عن الصلاة في المقابر؛ احترازاً عن المشابهة لليهود والنصارى.
"إني أنهاكم عن ذلك": تأكيد للنهي قبله، أما من صلَّى في مقبرة، وقصدَ به وصول أثرٍ من آثار عبادته إليه، لا التعظيم والتوجُّه نحوه؛ فجائز.
стр. 460
٥٠١ - وقال: "اجْعَلُوا في بُيوتِكُمْ مِنْ صَلاتِكُمْ، ولا تتَّخِذُوهَا قُبوراً".
"عن ابن عمر ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: اجعلوا في بيوتكم من صلاتكم": مفعول (اجعلوا)؛ أي: اجعلوا بعضَ صلاتكم في بيوتكم.
"ولا تتخذوها قبوراً" بإخلائها عن الصلوات وقراءة القرآن، وهو من باب الاستعارة، أو المراد: لا تجعلوا بيوتكم أوطاناً للنوم الذي هو أخٌ للموت، لا تصلون فيها.
وقيل: إن مثل الذاكر لله ومثل غير الذاكر لله كمثل الحي والميت؛ الساكن في البيوت والساكن في القبور، فالذي لا يصلي في بيته جعله بمنزلة القبر، كما جعل نفسه بمنزلة الميت.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٥٠٣ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ قال: "ما بينَ المَشرقِ والمَغربِ قِبْلةٌ".
"من الحسان":
" عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله ﷺ : ما بين المشرق والمغرب قبلة": المراد به: قبلة أهل المدينة؛ لوقوعها بينهما، وهي إلى طرف الغرب أميلُ.
قال ابن عمر: إذا جعلت المغرب عن يمينك والمشرق عن يسارك فما بينهما قبلة.
стр. 461
٥٠٤ - وقال طَلْق بن علي: خرجْنَا وَفْداً إلى النَّبيِّ ﷺ فبايعناهُ، وصَلَّيْنَا معهُ، وأخبَرْنَاهُ أنَّ بأرضنَا بِيْعةٌ لنا، فقال: "إذا أَتيتُمْ أرضَكُمْ فاكسِروا بِيعَتَكُمْ، وانضَحُوا مَكانهَا بهذا الماءِ, واتَّخِذُوهَا مسجداً".
"وقال طَلْق بن علي: خرجنا وفداً": نصب على الحال؛ أي: حال كوننا وافدين "إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم"؛ أي: قاصدين لتعلم الدين منه.
"فبايعناه، وصلينا معه، وأخبرناه أن بأرضنا بيعة لنا": وهي الموضع الذي تعبد فيه النصارى.
"فقال: إذا أتيتم أرضكم، فاكسروا بيعتكم"؛ أي: غيروا محرابها، وحولوه إلى الكعبة، وقيل: خرِّبوها.
"وانضحوا"؛ أي: رشوا وأريقوا.
"مكانها بهذا الماء": قيل: الإشارة إلى فضل وَضوئه ﵊؛ لما روي: أنه صلى الله تعالى عليه وسلم دعا بماء فتوضأ منه، فتمضمض، ثم صبَّه في إداوة، وقال: "اذهبوا بهذا الماء، فإذا قدمتم بلدكم، فاكسروا بيعتكم، ثم انضحوا مكانها بهذا الماء".
"واتخذوها مسجداً فقلنا: يا نبي الله! إن البلد بعيد، والماء ينشف، فقال: أمدوه من الماء؛ فإنه لا يزيده إلا طيباً".
* * *
٥٠٥ - قالت عائشة ﵂: أمرَ رسولُ الله ﷺ ببناءِ المَساجدِ في الدُّورِ، وأنْ تُنَظَّفَ وتُطَيَّبَ.
"قالت عائشة: أمر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم"؛ أي: أذِن
стр. 462
"ببناء المسجد في الدُّور": جمع الدار، والمراد هنا: المحلات؛ فإنهم كانوا يسمون المحلة التي اجتمعت فيها قبيلةٌ داراً، أو محمولٌ على اتخاذ بيت في الدار للصلاة كالمسجد يصلي فيه أهلُ البيت.
"وأن ينظف"؛ أي: يُطهَّر بإزالة التبن والتراب والقاذورات.
"ويطيب"، أي: يُجعَل فيه الطيب.
* * *
٥٠٦ - وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "ما أُمِرْتُ بتشييدِ المَساجِدِ"، قال ابن عباس: لَتُزَخْرِفُنَّها كما زَخْرَفَتِ اليهودُ والنَّصارى.
"وعن ابن عباس أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: ما أمرت بتشييد المساجد": (ما) نافية، و (تشييدها): رفع بنائها وتطويلها، وقيل: تجصيصها.
"قال ابن عباس: لتزخرفنها": بفتح اللام توطئة للقسم؛ أي: والله لنزينن المساجد.
"كما زخرفت اليهود والنصارى"؛ أي: مساجدهم عندما حرَّفوا وبدَّلوا أمر دينهم، وأنتم تصيرون إلى مثل حالهم من المراءاة والمباهاة بالمساجد بتشييدها وتزيينها.
* * *
٥٠٧ - عن أنس ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: "إنَّ مِنْ أشراطِ السَّاعةِ أنْ يتَبَاهَى النَّاسُ في المساجِدِ".
"وعن أنس أنه قال: قال رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم -: إن
стр. 463
من أشراط الساعة": جمع شرط، وهو: العلامة؛ أي: من علامات القيامة.
"أن يتباهى الناس"؛ أي: يتفاخر.
"في المساجد"؛ أي: في شأنها، فيقول كل واحد: مسجدي أرفع بناء وأكثر زينة من مسجد فلان.
* * *
٥٠٨ - وقال: "عُرِضَتْ عليَّ أُجُورُ أُمَّتي حتَّى القَذَاةَ يُخرِجُها الرجُلُ مِنَ المسجدِ، وعُرِضَتْ عليَّ ذُنُوبُ أُمَّتي، فلمْ أَر ذنباً أعظمَ مِنْ سورَةٍ مِنَ القُرآنِ أو آيةٍ أُوتيَها رجلٌ، ثمَّ نسَيَها".
"وقال ﵊: عرضت علي أجور أمتي"؛ أي: أجور أعمال أمتي.
"حتى القَذاة" بفتح القاف: التبن والتراب وغير ذلك مما يُطهَّر منه المسجد.
"يخرجها الرجل من المسجد"؛ يعني: تطهير المسجد حسنة، ويجوز في (القذاة) الرفع والجر.
"وعرضت علي ذنوب أمتي، فلم أر ذنباً أعظم من سورة من القرآن، أو آية أوتيها رجل"؛ أي: تعلمها.
"ثم نسيها"؛ يعني: يكون ذنبه أعظم من سائر الذنوب الصغائر؛ لأن نسيان القرآن من الحفظ ليس بذنب كبير إن لم يكن عن استخفاف وقلة تعظيم، وإنما قال ﵊ بهذا للتشديد والتحريض على مراعاة حفظ القرآن.
стр. 464
٥٠٩ - وقال: "بَشِّر المشَّائينَ في الظُّلَم إلى المساجِدِ بالنُّور التَّامِّ يومَ القِيامَةِ".
"وعن بريدة الأسلمي أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: بشِّر المشائين": جمع المشَّاء، وهو: كثير المشي.
"في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة": قيل: لو مشى في الظلام بضوء وأرأد به دفع آفات الظلام، فالجزاءُ بحاله، وإلا فلا.
* * *
٥١٠ - وقال: "إذا رأَيتُم الرجل يتعاهد المَسجدَ فاشهدوا له بالإيمان، فإن الله يقول: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ ".
"وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إذا رأيتم الرجل يتعاهد المسجد"؛ أي: يخدمه ويعمره.
وقيل: المراد التردد إليه في أوقات الصلاة وإقامة جماعته، وهذا هو التعهد الحقيقي؛ إذ ذلك عمارته صورة ومعنى.
"فاشهدوا له بالإيمان"؛ أي: بأنه مؤمن.
"فإن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾: قال صاحب "الكشاف": عمارتها: كنسها وتنظيفها وتنويرها بالمصابيح، وتعظيمها واعتيادها للعبادة والذكر، وصيانتها عما لم تُبن له المساجد من أحاديث الدنيا فضلاً عن فضول الحديث.
* * *
٥١١ - قال عُثمان بن مَظْعُون ﵁: قلت: يا رسولَ الله! ائذَنْ لنا في الاخْتِصَاءِ، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "ليسَ مِنَّا مَنْ خَصَى، ولا مَنِ اخْتَصى، إنَّ
стр. 465
خِصَاءَ أُمَّتِي الصِّيامُ"، فقال: ائذَنْ لنا في السِّياحَةِ، فقال: "إنَّ سياحَةَ أُمَّتِي الجهادُ في سَبيلِ الله"، فقال: ائذَنْ لنا في التَّرَهُّبِ، فقالَ: "إنَّ تَرَهَّبَ أُمَّتِي الجُلُوسُ في المَساجِدِ انتِظارَ الصَّلاةِ".
"وقال عثمان بن مظعون": حين أرسله جماعة من أهل الصُّفة؛ ليستأذن لهم في الاختصاء؛ لأنهم يشتهون النساء، ولا طَول لهم بذلك: "يا رسول الله! ائذن لنا في الاختصاء، فقال: رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم"؛ نهياً عن ذلك: "ليس منا"؛ أي: ممن يتمسك بسنتنا ويقتدي بهدينا.
"من خصى"؛ أي: أخرج خصية أحد.
"ولا اختصى": بحذف (من)؛ لدلالة ما قبله عليه؛ أي: أخرج وسلَّ خصية نفسه.
"إن خِصاءَ أمتي الصيام"؛ فإنه يكسر الشهوة، وجعل الصيام خصاءً مجاز؛ لأنه يكاد يلحق الصوام بالخصيان في اشتهاء النكاح.
"فقال"؛ أي: عثمان: "ائذن لنا في السياحة": وهو التردد والسفر في البلاد والذهاب في الأراضي، كفعل عُبَّاد بني إسرائيل.
"فقال: إن سياحة أمتي الجهاد في سبيل الله، فقال: ائذن لنا في الترهُّب": وهو التزهد والتعبد، والمراد به هنا: العزلة عن الناس، والفرار من بينهم إلى رؤوس الجبال والمواضع الخالية، كما فعلت زهاد النصارى، حتى إن منهم من خصى نفسه، ووضع السلسلة في عنقه، وغير ذلك من أنواع التعذيب، فنهى ﵊ المسلمين عنها.
"قال: إن ترهب أمتي الجلوس في المساجد انتظار الصلاة": نصب بأنه مفعول له للجلوس؛ أي: لانتظار الصلاة.
стр. 466
٥١٢ - عن عبد الرحمن بن عائش ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "رأَيتُ رَبي ﵎ في أَحْسَنِ صُورَةٍ، فقال: فيمَ يَخْتَصِمُ المَلأَ الأَعْلَى يا مُحَمَّد؟ قلتُ: أنتَ أَعْلَمُ أَي رَبِّ - مَرَّتَيْنِ - قال: فَوَضَعَ كَفَّهُ بَيْنَ كَتِفَيَّ، فَوَجَدْتُ بَرْدَهَا بَيْنَ ثَدْيَيَّ، فَعَلِمْتُ ما في السَّماءِ والأَرْضِ، ثُمَّ تلا هذه الآية: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾، ثم قال: فِيمَ يَخْتَصِمُ المَلأَ الأَعْلَى يا مُحَمَّد؛ قلتُ: في الكَفَّاراتِ، قالَ: وما هُنَّ؟ قُلْتُ: المَشْيُ على الأقْدَامِ إلى الجماعَاتِ، والجُلُوسُ في المَساجِدِ خَلْفَ الصَّلواتِ، وإبلاغُ الوُضوءِ أماكِنَهُ في المَكَارِهِ، مَنْ يَفْعَلْ ذلكَ يَعِشْ بِخَيْرٍ وَيَمُتْ بِخَيْرٍ، ويكونَ مِنَ خَطِيئَتِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ، ومِنَ الدَّرَجَاتِ إطْعَامُ الطَّعامِ، وبَذْلِ السَّلامِ، وأنْ يَقُومَ بالليلِ والنَّاسُ نِيامٌ، قال: قُلِ: اللهمَّ! إنِّي أَسْأَلُكَ الطَّيبَاتِ، وتَرْكَ المُنْكَراتِ، وحُبَّ المساكين، وأَنْ تَغْفِرَ لي خَطِيئتِي وتَرْحَمَني وتَتُوبَ عَلَيَّ، وإذا أَرَدْتَ فِتْنَةً في قَوْمٍ فَتَوَفَّني غَيْرَ مَفْتُونٍ".
"وعن عبد الرحمن بن عائش أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: رأيت ربي ﵎ في أحسنِ صورة": حال من النبي ﵊؛ أي: رأيته وأنا في تلك الحالة في أحسن صورة وصفة من غاية لطفه تعالى بي وإنعامه علي.
ويحتمل أن يكون حالاً من المرئي؛ فالسلفُ على الإيمانِ بظاهر مثله، وتفويضِ أمر باطنه إليه تعالى.
ثم هذا الحديث مرسل؛ لأن عبد الرحمن بن عائش يرويه عن مالك بن عامر، عن معاذ بن جبل: قال معاذ ﵁: لم يخرج علينا رسول الله ﷺ يوماً لصلاة الغداة حتى كادت الشمس تطلع، فخرج، فصلى بنا صلاة الغداة على العجلة، ثم قال: "قمت الليلة، وصليت ما قدر الله لي أن أصلي، ثم غلبني
стр. 467
النعاس، فوضعت جنبي في المسجد، فرأيت ربي في المنام في أحسن صورة".
"فقال: فيم يختصم الملأ الأعلى يا محمد؟ ": المراد بهم: الملائكة المقربون، وصفوا به لعلوِّ مكانهم، وهو السماوات، أو لعلو منزلتهم عند الله.
واختصامهم: عبارة عن تبادرهم إلى تثبيت تلك الأعمال المكفرة للذنوب والصعود بها إلى السماء، أو عن تقاولهم فيما بينهم في فضل تلك الأعمال وشرفها.
"قلت: أنت أعلم أي رب": وإنما نادى بـ (أي) دون (يا) أدباً؛ لأن (يا) ينادى به البعيد، والله تعالى أقرب من حبل الوريد.
وأما ما روي من النداء بـ (يا) في الدعوات، فلهضم النفس واستبعادها عن مظانِّ الإجابة، وهو اللائق بحال الدعاء.
"مرتين": متعلق بقوله: (فيم يختصم)؛ أي: جرى السؤال من ربي مرتين، والجواب مني مرتين.
"قال: فوضع كفه بين كتفي": وهذا مجاز عن تخصيصه إياه بمزيد الفضل عليه وتكريمه؛ فإن من شأن الملوك إذا أراد أحدهم أن يقرب من نفسه بعضَ خدمه، ويذكر معه بعض أحوال مملكته: أن يضع يده على ظهره؛ تعظيماً لشأنه وتكريماً له.
"فوجدت بردها"؛ أي: برد الكفِّ؛ يعني: راحة لطفه تعالى.
"بين ثديي": أراد به: قلبه، وذلك عبارة عن نزول الرحمة على فؤاده، وانصباب العلوم الوجدانية إلى صدره.
"فعلمت ما في السماوات والأرض": كناية عن سعة علمه الذي فتحه الله تعالى.
"ثم تلا هذه الآية: ﴿وَكَذَلِكَ﴾ "؛ أي: كما نريك يا محمد أحكام الدين
стр. 468
وعجائب ما في السماوات والأرض.
﴿نُرِي إِبْرَاهِيمَ﴾: مضارع في اللفظ، ومعناه الماضي؛ أي: أرينا إبراهيم.
﴿مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾؛ أي: الربوبية والإلهية، ووفقناه بمعرفتها وأرشدناه بما شرحنا صدره.
﴿وَلِيَكُونَ﴾: عطف على مقدر؛ أي: نريه الملك العظيم، وهو عالم المعقولات؛ ليستدلَّ به علينا، وليكون ﴿مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾: في أن لا إله غيري.
"ثم قال تعالى" سائلاً مرة أخرى: "فيم يختصم الملأ الأعلى يا محمد؟ قلت: في الكفارات"؛ أي: الأشياء التي تكفر الذنوب؛ أي: تمحها، وفي رواية ابن عباس: (في الدرجات والكفارات).
"قال: وما هن؟ ": استفهام عن تلك الكفارات، والغرضُ منه إظهار علمه التفصيلي الذي علَّمه تعالى إياه، وأن يخبرها أمته؛ ليفعلوها.
"قلت: المشي على الأقدام إلى الجماعات، والجلوس في المساجد خلف الصلوات، وإبلاغ الوَضوء": بفتح الواو؛ أي: إيصال ماء الوضوء بطريق المبالغة.
"أماكنه"؛ يعني: مواضع الفروض والسنن.
"في المكاره"؛ أي: في شدة البرد، وإنما خصَّ هذه الأشياء بالذكر حثاً على فعلها؛ لأنها دائمة، فكانت مظنة أن تُملَّ.
"ومن يفعل ذلك يعش بخير ويمت بخير، ويكون من خطيئته كيوم ولدته أمه": (يوم) مبني على الفتح؛ لإضافته إلى الماضي؛ يعني: يخرج من ذنوبه الصغائر طاهراً، أما الكبائر ففي مشيئة الله تعالى.
"ومن الدرجات"؛ أي: ومما يرفعها، أو يوصل إليها، فـ (من) هذه للتبعيض.
стр. 469
"إطعام الطعام، وبذل السلام"؛ أي: إفشاؤه على من عرف ومن لم يعرف.
"وأن تقوم بالليل والناسُ نيام"، وإنما عُدَّت هذه الأشياء منها؛ لأنها فضل منه على ما وجب عليه، فلا جرمَ استحقَّ بها فضلاً، وهو علوُّ الدرجات.
قال الله تعالى لمحمد ﷺ : "قل: اللهم إني أسألك الطيبات"؛ أي: الأقوال والأفعال الصالحة.
"وفعل الخيرات، ترك المنكرات، وحب المساكين، وأن تغفر لي وترحمني وتتوب علي، وإذا أردت فتنة"؛ أي: ضلالةً.
"في قوم، فتوفني إليك": فقدِّرْ موتي "غير مفتون"؛ أي: غير ضالٍّ.
* * *
٥١٣ - عن أبي أُمامة ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: "ثلاثةٌ كُلُّهُمْ ضامِنٌ على الله: رَجُلٌ خرجَ غازِياً في سبيل الله، فهو ضامِنٌ على الله حتَّى يَتوفَّاهُ فيُدْخِلَهُ الجنَّةَ أو يَرُدَّهُ بما نالَ مِنْ أَجرٍ أو غنيمةٍ، ورجُلٌ راحَ إلى المسجدِ فهو ضامِنٌ على الله، ورجُلٌ دخلَ بيتَهُ بسلامٍ فهو ضامِنٌ على الله".
"عن أبي أمامة: عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: ثلاثة كلهم"؛ أي: كلُّ واحد منهم.
"ضامن"؛ أي: ذو ضمان، وقيل: بمعنى: مضمون.
"على الله"؛ يعني: وعد الله وعداً لا خُلفَ فيه أن يعطيهم مرادهم.
"رجل خرج غازياً في سبيل الله، فهو ضامنٌ على الله حتى يتوفاه"؛ أي: يقبض روحه؛ إما بالموت، أو بالقتل في سبيل الله.
"فيدخله الجنة، أو يرده بما نال"؛ أي: بما وجده "من أجر أو غنيمة،
стр. 470
ورجل راح"؛ أي: مشى "إلى المسجد، فهو ضامن على الله": أن يعطيه الأجر؛ لئلا يضيعَ سعيه.
"ورجل دخل بيته بسلام"؛ أي: مسلِّماً على أهله.
"فهو ضامن على الله": أن يعطيه البركة والثواب الكثير؛ لما رُوي أنه ﵊ قال لأنس: "إذا دخلت على أهلك فسلِّم، يكون بركةً عليك وعلى أهل بيتك".
وقيل: معناه سالماً من الفتن؛ أي: طلبًا للسلامة منها؛ فإنه يأمن، كقوله تعالى: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾؛ أي: سالمين من العذاب.
وإنما لم يذكر المضمون به في الأُخريين اكتفاءً.
* * *
٥١٤ - وقال: "مَنْ خرجَ مِنْ بيتِهِ مُتطهراً إلى صَلاةٍ مكتوبةٍ فأجرُهُ كأجرِ الحاجِّ المُحرِمِ، ومَنْ خرجَ إلى تَسبيحِ الضُّحى لا يُنصِبُهُ إلَاّ إيَّاهُ فأجرُهُ كأجرِ المُعْتَمِرِ، وصلاةٌ على إثر صلاةٍ لا لَغْوَ بينَهُما كِتابٌ في عِلِّيِّين".
"عن أبي أمامة قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: من خرج من بيته متطهراً إلى صلاة مكتوبة"؛ أي: مفروضة.
"فأجره كأجر الحاج المحرم" في استكمال المثوبات، واستيفاء الأجر من جهة التضعيف، لا بيان المماثلة من سائر الوجوه.
وخُصَّ بأجر الحاج المحرم؛ لأن الإحرامَ شرطُ الحج كالطهارة للصلاة، فكما أن الحاج إذا كان في حالة الإحرام كان عمله أتم وأفضل، كذلك الخارج إلى الصلاة متطهراً، يكون ثوابه أوفر، وسعيه أفضل.
"ومن خرج إلى تسبيح الضحى"؛ أي: إلى صلاة الضحى، وكلُّ صلاة
стр. 471
نافلة فهي تسبيحٌ وسُبحة، كأنها شُبهت بالأذكار في كونها غير واجبة.
"لا ينصبه": من (الإنصاب): الإتعاب.
"إلا إياه": ضمير منفصل منصوب وقع موقع المنفصل المرفوع؛ لأنه استثناء مفرغ؛ يعني: لا يعتبه إلا الخروج إلى تسبيح الضحى.
"فأجره كأجر المعتمر": إشارة إلى أن فضلَ ما بين المكتوبة والنافلة، والخروج إلى كل واحد منهما، كفضل ما بين الحج والعمرة، والخروج إلى كل واحد منهما.
"وصلاة على إِثْر صلاة" بكسر الهمزة ثم السكون، أو بفتحتين؛ أي: عقيبها.
"لا لغو بينهما كتاب"؛ أي: عمل مكتوب في عليين، أو مرفوع فيه، أو سببٌ لكتب اسم عامله.
"في عليين": وهو موضع تكتب فيه أعمال الصالحين، وقيل: هو علم لديوان الخير الذي دُوِّنَ فيه أعمال الأبرار.
* * *
٥١٥ - وقال: "إذا مَرَرْتُمْ برياضِ الجنَّةِ فارتَعوا"، قيلَ: يا رسولَ الله! وما رياضُ الجنَّة؟ قال: "المساجِدُ"، قيل: وما الرَّتْعُ يا رسولَ الله؟ قال: "سُبحانَ الله، والحمدُ لله، ولا إلهَ إلَاّ الله والله أكبر".
"وعن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إذا مررتم برياض الجنة فارتَعوا"؛ أي: انعموا والهوا.
"قيل: يا رسول الله! وما رياض الجنة؟ قال: المساجد، قيل: وما الرتع يا رسول الله؟ قال: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر"؛ فإن هذه
стр. 472
الكلمات لما كانت سبباً للرتع سُمِّيت به.
* * *
٥١٦ - وقال: "مَنْ أتى المسجدَ لشيءٍ فهو حظُّه".
"وعنه عن النبي ﵊ قال: من أتى المسجد لشيء فهو حظه"؛ يعني: من أتى المسجد لعبادة، حصل له الثواب، ومن أتاه لشُغل دنيوي، لا يحصل له إلا ذلك الشُّغل.
* * *
٥١٧ - عن فاطمة الكبرى ﵂ قالت: كانَ رسولُ الله ﷺ إذا دخلَ المسجدَ صَلَّى على مُحمَّدٍ وسَلَّمَ ﵇، وقال: "رَبِّ اغفِرْ لي ذُنوبي، وافتَحْ لي أبوابَ رحمتِكَ"، وإذا خرجَ صلَّى على مُحمَّدٍ وسَلَّمَ، وقال: "رَبِّ اغفِرْ لي ذُنوبي، وافتَحْ لي أبوابَ فضلِكَ"، ليس بمتصل.
"وعن فاطمة الكبرى ﵂": وهي بنت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، وُصِفت بالكبرى؛ لكبر شأنها وفضلها.
"أنها قالت: كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إذا دخل المسجد صلَّى على محمد وسلم"؛ يعني قال: اللهم صلى على محمد وسلم.
"وقال: رب اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك، وإذا خرج صلَّى على محمد وسلم وقال: رب اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب فضلك".
"ليس بمتصل"؛ أي: هذا الحديث ليس بمسند؛ لأن فاطمة الصغرى بنت حسين بن علي تروي هذا الحديث عن جدتها، وهي لم تُدركها.
стр. 473
٥١٨ - وعن عَمْرو بن شُعيب، عن أبيه، عن جدِّه، عن رسول الله ﷺ : أنَّهُ نهى عن تَناشُدِ الأشعارِ في المسجدِ، وعن البيعِ والاشتِراءَ فيه، وأنْ يَتحلَّقَ النَّاسُ يومَ الجمعةِ قبلَ الصَّلاةِ في المسجدِ".
"وعن عمرو بن شُعيب، عن أبيه، عن جده، عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: أنه نهى عن تناشد الأشعار في المسجد": التناشد: أن ينشد كل من المتناشدين شعراً لنفسه أو لغيره، والنهي عن ذلك خاصٌّ بغير الشعر الحسن؛ لأن حسَّان أنشده بحضرة النبي ﵊ في المسجد مستحسناً لما أنشده.
"وعن البيع والاشتراء فيه"؛ أي: في المسجد.
"وأن يتحلق الناس"؛ أي: أن يجلسوا على هيئة الحلقة.
"يوم الجمعة قبل الصلاة في المسجد"، وإنما نهاهم عن ذلك؛ لأنهم إذا تحلقوا فالغالب عليهم التكلم ورفع الصوت، فلا يستمعون الخطبة.
* * *
٥١٩ - وعن أبي هريرة ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إذا رأَيْتُمْ من يبيعُ أو يَبتاعُ في المسجدِ فقولوا: لا أربَحَ الله تجارتَكَ، وإذا رأيتُمْ مَنْ ينشُدُ فيهِ ضالَّة فقولوا: لا ردَّ الله علَيْكَ".
"وعن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال: إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع"؛ أي: يشتري "في المسجد فقولوا: لا أربحَ الله تعالى تجارتك"؛ أي: لا يزيد المال في تجارتك عن أصل مالك.
"وإذا رأيتم من ينشد فيه ضالة فقولوا: لا ردَّها الله تعالى عليك": دعاء
стр. 474
عليه؛ زجراً له عن ترك تعظيم المسجد.
* * *
٥٢٠ - وعن جابر ﵁ قال: نهى رسولُ الله ﷺ أنْ يُسْتَقادَ في المسجدِ، وأنْ يُنْشَدَ فيهِ الأشعارُ، وأنْ تُقامَ فيه الحُدودُ.
"وعن جابر ﵁ أنه قال: نهى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أن يُستقاد"؛ أي: يُقتصَّ.
"في المسجد"؛ لئلا يقطر الدم فيه.
"وأن ينشد"؛ أي: يقرأ "فيه الأشعار، وأن تقام فيه الحدود"؛ لئلا يتلوث المسجد.
* * *
٥٢١ - عن مُعاوية بن قُرَّة، عن أبيه ﵄: أنَّ رسولَ الله ﷺ نَهى عنْ هاتَيْنِ الشَّجرتَيْنِ - يعني البصلَ والثُّومَ - وقال: "مَنْ أكلهُما فلا يَقْرَبن مَسجدَنا"، وقال: "إنْ كنتُمْ لا بُدَّ آكليهِما فأَمِيتُوهُما طَبْخاً".
"وعن معاوية بن قُرَّة، عن أبيه: أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم نهى عن هاتين الشجرتين - يعني: البصل والثوم - وقال: من أكلهما فلا يقربن مسجدنا"؛ أي: مسجد أهل مِلَّتنا.
"وقال: إن كنتم لابد آكليهما، فأميتوهما طبخاً"؛ أي: أنضجوهما حتى تذهبَ رائحتهما الكريهة بالطبخ.
* * *
٥٢٢ - وقال: "الأرضُ كُلُّها مسجدٌ إلَاّ المقبرةَ والحمَّامَ"، رواه أبو سعيد الخُدريُّ.
стр. 475
"وعن أبي سعيد ﵁، عن النبي ﵊ أنه قال: الأرض كلها مسجد"؛ يعني: تجوز الصلاةُ في جميع الأرض من غير كراهة.
"إلا المقبرة والحمام"؛ فإنها تكره فيهما.
* * *
٥٢٣ - عن ابن عمر: أنَّ رسولَ الله ﷺ نهَى أنْ يُصلَّى في سبعةِ مَواطِنَ: في المَزبلةِ، والمَجزرَةِ، والمَقبَرةِ، وقارِعَةِ الطريقِ، وفي الحمَّامِ، وفي مَعاطِنِ الإِبلِ، وفوقَ ظهرِ بيتِ الله تعالى.
"وعن ابن عمر: أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم نهى أن يُصلَّى في سبعة مواطنَ": جمع الموطن، وهو: الموضع.
"في المزبلة": وهو الموضع الذي يكون فيه الزبل، وهو السرجين.
"والمجزرة": وهو الموضع الذي تُجزَر فيه الإبل؛ أي: تذبح؛ لأن هذا المواضع محل النجاسة، فإن صلى فيهما بغير سجادة بطلت، ومع السجادة تكره؛ للرائحة الكريهة.
"والمقبرة"؛ لأنه تشبُّه باليهود.
"وقارعة الطريق": أراد به الطريق الذي يقرعه الناس والدواب بأرجلهم.
"وفي الحمام"؛ لأنه محل النجاسة.
"وفي معاطن الإبل": جمع معطِن بكسر الطاء، وهو الموضع الذي تبرك فيه الإبل عند الرجوع عن الماء، ويستعمل في الموضع الذي تكون فيه بالليل أيضًا.
وهذا ظاهر؛ لأن الرجلَ لا يأمن من ضرر الإبل هناك؛ لأنها شديدةُ النِّفارِ قويةُ الشرادِ، فيها أخلاق خبيثة وخصال شيطانية، إذا نَدَّت لا يقاومها شيء،
стр. 476
فربما تقطع الصلاة وتشوش قلبه، فتمنعه عن الحضور.
"وفوق ظهر بيت الله": فالصلاة فوق ظهره لا تصحُّ عند الشافعي إن لم يكن بين يديه سترة يستقبلها، وعند أبي حنيفة: تصح.
وإنما ذكر الظهر مع الفوق؛ إذ لا تكره الصلاة على موضع هو فوق البيت كجبل أبي قُبيس، وذكر (فوق)؛ لأن الحيطان كلها ظهر البيت.
* * *
٥٢٤ - وقال: "صَلُّوا في مَرابضَ الغنمِ، ولا تُصَلُّوا في أَعطانِ الإِبلِ".
"وعن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: صلوا في مرابض الغنم": جمع المربض بكسر الباء، وهو الموضع الذي تكون فيه الغنم بالليل.
"ولا تصلوا في أعطان الإبل": جمع عطن، وهو مثل المعطن.
قيل: في الفرق بين المرابض الغنم ومعاطن الإبل: إن أصحاب الإبل كانوا يتغوطون ويبولون في المعاطن، فنُهي عن الصلاة فيها لذلك، فلو صلى والمكان طاهر يصح عند الأكثر، وأصحاب الغنم كانوا ينظفون المرابض، فأبيحت فيها لذلك، وإليه ذهب أبو حنيفة.
* * *
٥٢٥ - وعن ابن عباس قال: لعنَ رسولُ الله ﷺ زائراتِ القُبورِ، والمتَّخِذينَ عليها المساجِدَ والسُّرُجَ.
"وعن ابن عباس ﵄ قال: لعن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم زائرات القبور": إنما نهى ﵊ النساء من زيارة القبور؛ لقلة
стр. 477
صبرهن، وكثرة جزعهن.
ذهب بعض العلماء إلى أن هذا قبل ترخيص النبي ﵊ في زيارة القبور، فلمَّا رخَّص دخل في الرخصة الرجال والنساء.
وفي بعض النسخ: (زوارات القبور): جمع: زوَّاة، وهي للمبالغة، يدل على أن من زار منهنَّ على النُّدرة فهي غير داخلة في الملعونات.
"والمتخذين عليها المساجد": إنما حرم اتخاذ المساجد عليها؛ لأن في الصلاة فيها استناناً بسنة اليهود.
"والسرج": جمع سراج، وهو المصباح، وإنما حرم اتخاذ السرج عليها؛ لأنها من آثار جهنم، وفيه تضييع المال بلا نفع، وللاحتراز عن تعظيم القبور، كالنهي عن اتخاذها مساجد.
* * *
٥٢٥/ -م - عن أبي أُمامة الباهلي: أنَّ حَبْراً من اليهود سأل النبيَّ ﷺ : أيُّ البقاع خيرٌ؟ فسكت عنه، وقال: "اسكت حتى يجيء جبريلُ"، فسكت، فجاء جبريل ﵇، فسأله، فقال: ما المسؤول عنها بأعلم من السائل، ولكن أَسالُ ربي تعالى، ثم قال جبريل: يا محمد! إني دنوتُ من الله دُنوًّا ما دنَوتُ منه قطُّ، قال: "كيف كان يا جبريلُ؟ "، قال: كان بينه وبيني سبعون ألف حجابٍ من النور، فقال: "شرُّ البقاع أَسواقها، وخير البقاع مَساجدها"، في نسخةٍ: "بيني وبينه".
"وعن أبي أمامة الباهلي: أن حَبراً": بفتح الحاء على الأشهر؛ أي: عالماً.
"من اليهود سأل النبي ﵊: أي البقاع خير؟ " بكسر
стр. 478
الباء: جمع البقعة، وهي الموضع الذي يجتمع الناس فيه مطلقاً.
"فسكت عنه، وقال ﵊: أسكتُ": على صيغة المتكلم.
"حتى يجيء جبرائيل ﵇، فسكت، وجاء جبرائيل ﵊ فسأله، فقال: ما المسؤول منها بأعلم من السائل، ولكن أسأل ربي ﵎"؛ أي: لكن أرجعُ إلى حضرة ربي، وأسأله عن هذه المسألة.
"ثم قال جبرائيل" بعد رجوعه إلى الحضرة: "يا محمد! إني دنوت"؛ أي: قربت.
"من الله تعالى دنواً ما دنوت مثله قط"؛ يعني: أذن لي بأن أقرب منه تعالى أكثر مما قربت في سائر الأوقات، لعل زيادة تقريبه منه تعالى في هذه المرة؛ لتعظيمه النبي ﵊؛ لأنه أتى من عنده ﵇، وقد يزيد المحب في احترام رسول الحبيب؛ لتعظيمه.
"قال: كيف كان يا جبرائيل؟ قال: كان بيني وبينه"؛ أي: بيني وبين العرش "سبعون ألف حجاب من نور، فقال: شر البقاع أسواقها، وخير البقاع مساجدها".
* * *
٧ - باب السَّتْر
(باب الستر)
هو - بفتح السين - مصدر ستره يستره: إذا غطاه، وبالكسر: واحد الستور والأستار.
стр. 479
مِنَ الصِّحَاحِ:
٥٢٦ - قال عمر بن أبي سَلَمة ﵁: رأيتُ رسول الله ﷺ يُصلِّي في ثَوْبٍ واحِدٍ مُشْتَمِلاً بهِ في بيتِ أُمِّ سَلَمَةَ واضعاً طَرَفَيْهِ على عاتِقَيْهِ.
"من الصحاح":
" قال عمر بن أبي سلمة: رأيت رسول الله ﷺ يصلي في ثوب واحد"؛ أي: إزار طويل.
"مشتملاً به": بأن لفَّه ببدنه.
"في بيت أم سلمة واضعاً طرفيه على عاتقيه"؛ يعني: مُتَّزراً ببعضه، ومُلقياً طرفيه على عاتقيه، فكان بمنزلة الإزار والرداء.
العاتق: ما بين المنكب إلى أصل العنق.
وهذا يدل على جواز الصلاة في ثوب واحد إذا كان يستر ما بين سرته وركبته.
* * *
٥٢٧ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يُصَلِّيَنَّ أحدُكُمْ في ثوبٍ واحدٍ ليسَ على عاتِقَيْهِ مِنْه شيءٌ".
"وعن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: لا يصلينَّ أحدكم في الثوب الواحد ليس على عاتقيه منه شيء"، وهذه الجملة المنفية حال؛ يعني: من صلَّى في ثوب واسع ينبغي له أن يلقي طرفيه على عاتقيه مخالفاً بينهما؛ ليكون آمناً عن انكشاف عورته، ومن صلى ولم يفعل ذلك لا تصحُّ صلاته عند أحمد؛ لظاهر الحديث، والجمهور على صحتها؛ لأن النهي للتنزيه.
стр. 480
٥٢٨ - وعنه: قال رسول الله ﷺ : "إذا صلَّى أحدُكُمْ في ثَوْبٍ فلْيُخالِفْ بطرفَيْهِ على عاتِقَيْهِ".
"وعن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إذا صلى أحدكم في ثوب، فليخالفْ بطرفيه"؛ يعني: فليتزرْ بأحد طرفيه، وليطرحْ طرفه الآخر "على عاتقيه"، فهذا هو المخالفة، هذا إذا كان الثوب واسعاً، فإن ضاق شدَّه على حقويه.
* * *
٥٢٩ - عن عائشة ﵂: أن النَّبيَّ ﷺ صَلَّى في خَميصةٍ لها أَعلامٌ، فنظرَ إلى أعلامِها نَظرةً، فلمَّا انصرفَ قال: "اذهَبُوا بخَميصَتي هذه إلى أبي جَهْمٍ، وائتوني بأنْبجانِيَّةِ أبي جَهْمٍ، فإنَّها ألهتْني آنِفاً عنْ صلاتي".
وفي روايةٍ: "كنتُ أنظُرُ إلى عَلَمِها وأنا في الصَّلاةِ، فأخافُ أن تَفْتِنَني".
"وعن عائشة ﵂: أن النبي ﵊ صلَّى في خميصة": وهي كساء أسود من صوفٍ مربع له علمان، أو خزٍّ معلم في طرفيه، فإن لم يكن معلَّماً فليس بخميصة؛ فقول عائشة: "لها أعلام" على وجه البيان أو التأكيد.
"فنظر إلى أعلامها نظرة، فلما انصرف قال: اذهبوا بخميصتي هذه إلى أبي جهم": وهو ابن حذيفة بن غانم القرشي العدوي.
"وائتوني بأنبجانية أبي جهم": وهي كساء غليظ من صوف بغير عَلَم، منسوب إلى الأنبجان، وهو اسم بلد، وأصحاب الحديث يروونها بكسر الياء، وأهل اللغة يفتحونها.
"فإنها": فإن الخميصة "ألهتني آنفًا"؛ أي: شغلتني في هذه الساعة "عن
стр. 481
صلاتي"، ومنعتني الحضورَ فيها.
قيل: إنما بعثها ﵊ إلى أبي جهم؛ لأن أرسل إليه ﷺ تلك الخميصة بالهدية، فلمَّا كره الصلاة معها لما وجد فيها من الرعونة، ردَّها على صاحبها، وطلب منه بدلها؛ ليطيبَ قلبه.
"وفي رواية: كنت أنظر إلى علمها وأنا في الصلاة، فأخاف أن تفتنني"؛ أي: تمنعني عن الصلاة.
وفي الحديث: إشارةٌ إلى حفظ البصر في الصلاة عما يفتن.
* * *
٥٣٠ - عن أنس ﵁ قال: كانَ قِرامٌ لعائشةَ ﵂ سَتَرَتْ بهِ جانبَ بَيْتِها، فقالَ النَّبيُّ ﷺ : "أَمِيطي عنَّا قِرامَكِ، فإنَّهُ لا تزالُ تصاوِيرُهُ تَعْرِضُ في صَلاتي".
"وعن أنس ﵁ أنه قال: كان قِرام لعائشة": وهو - بكسر القاف - سترٌ رقيق فيه رقم ونقوش، وقيل: من الصوفِ ذي ألوان.
"سترت به جانب بيتها، فقال النبي ﵊: أميطي عنا قِرامك"؛ أي: أبعديه وارفعيه من تلقاء وجهي.
"فإنه": الضمير للشأن أو للقرام.
"لا تزال تصاويره": جمع تصوير؛ بمعنى: الصورة.
"تعرض"؛ أي: تظهر لي "في صلاتي": وتشغلني منها، وفيه إيذان بأن لصور الأشياء الظاهرة تأثيراً في النفوس الزكية.
стр. 482
٥٣١ - وعن عُقْبة بن عامِر ﵁ قال: أُهدِيَ لرسولِ ﷺ فَرُّوجُ حَريرٍ، فلبسَهُ، ثمَّ صلَّى فيهِ؛ ثمَّ انصرَفَ فنزعَهُ نزعاً شديداً كالكارِهِ لهُ، ثم قال: "لا يَنْبَغي هذا للمُتَّقينَ".
"وعن عقبة بن عامر أنه قال: أُهدي لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فَرُّوجُ حرير": بفتح الفاء وتشديد الراء: القباء الذي فيه شقٌّ من خلفه، قيل: المهدي هو مقوقس صاحب الإسكندرية، وقيل: أكيدر صاحب دومة الجندل؛ على اختلاف القولين.
"فلبسه"؛ أي: النبي ﵊ ذلك الفروج.
"ثم صلَّى فيه، ثم انصرف فنزعه نزعاً شديداً كالكارِهِ له"؛ لما رأى فيه من الرعونة.
"ثم قال: لا ينبغي"؛ أي: لا يليق.
"هذا للمتقين": قيل: إنه كان قبل البعثة، وقيل: إنه كان بعد البعثة وقبل التحريم، ويجوز أن يُحمَل على أول التحريم؛ لأنه جاء في رواية أخرى أنه ﵊ صلَّى في قباء ديباج، ثم نزعه وقال: "نهاني عنه جبرائيل ﵇".
* * *
مِنَ الحِسَان:
٥٣٢ - قال سَلَمة بن الأَكْوَع: قلتُ: يا رسولَ الله! إنِّي رجُلٌ أَصيدُ، أفاُصلِّي في القَميصِ الواحِدِ؟ قال: "نعمْ وازْرُرْه ولو بشَوْكةٍ".
"من الحسان":
" قال سلمة بن الأكوع: قلت: يا رسول الله! إني رجل أَصِيدُ": المشهور
стр. 483
أنه من (الاصطياد)، وفي رواية: (أَصْيَد)، وهو الذي في رقبته علةٌ، لا يمكنه الالتفات معها.
"أفأصلِّي في القميص الواحد؟ قال: نعم، وازرره"؛ أي: اجعله مزروراً؛ أي: شد جيبه.
"ولو بشوكة"؛ أي: بقصٍّ، هذا إذا كان القميصُ واسعاً تظهر منه عورته عند الركوع.
* * *
٥٣٣ - وقال: "إنَّ الله لا يقبَلُ صَلاةَ رجُلٍ مُسبلٍ إزارَهُ".
"وعن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إن الله لا يقبل"؛ أي: لا تقعُ عنده كاملةً.
"صلاة رجلُ مسبلٍ إزاره" حتى وصل إلى الأرض من غاية طوله، يفعل ذلك تكبراً واختيالاً بين يدي الله، فكره الشافعي إطالة الذيل في الصلاة كما في غيرها، وجَوَّز مالك ذلك قال: لأن المصلي قائم في موضع واحد، فلا يكون في طول ذيله تكبر؛ بخلاف الماشي، والنهيُ عن ذلك لئلا يتشبث به عند النهوض فيعثر؛ أو يشتغل بإمساكه وتشميره المانع عن الحضور.
* * *
٥٣٤ - وقال: "لا تُقْبَلُ صَلاةُ حائضٍ إلَاّ بِخِمارٍ".
"عن عائشة ﵂ أنها قالت: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: لا تُقبلَ صلاةُ حائض": أراد بها: الحرةُ التي بلغت سنَّ الحيض، [وأنها] جارٍ عليها القلم.
стр. 484
"إلا بخمار"؛ أي: بمقنعة؛ يعني: لا يجوز كشف الرأس للحرة البالغة في الصلاة.
قيل: الأصوب أن يراد بالحائض: مَنْ شأنُها الحيضُ؛ ليتناول الصغيرة أيضًا؛ فإن ستر رأسها شرط صحة صلاتها أيضًا، وفيه دليل على أن رأسها عورة بخلاف الأمة.
* * *
٥٣٥ - وعن أُمِّ سَلَمة: أنَّها سألتْ رسولَ الله ﷺ : أتُصلِّي المرأَةُ في دِرْعٍ وخِمارٍ ليسَ عليها إزارٌ؟ قال: "إذا كانَ الدِّرْعُ سابغاً يُغطِّي ظُهورَ قَدَمَيْها"، ووقفَه جماعةٌ على أُمِّ سَلَمة.
"وعن أم سلمة: أنها سألت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: أتصلي المرأة في درع؟ ": وهو القميص، وقيل: قميصٌ لا كمَّ له.
"وخمار، ليس عليها إزار"؛ أي: ليس تحت قميصها إزار ولا سراويل.
"قال: إذا كان الدرعُ سابغاً"؛ أي: واسعاً بحيث "يغطي"؛ أي: يستر "ظهور قدميها" = جازت صلاتها، يدل على أنهما عورةٌ يجب سترهما.
"ووقفه جماعة على أم سلمة"؛ يعني: قال بعض أصحاب الحديث: إن هذه عبارة أم سلمة، لا عبارة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم.
* * *
٥٣٦ - عن أبي هريرة ﵁: أنَّ النَّبيَّ ﷺ نهى عَنِ السَّدْلِ في الصَّلاةِ، وأنْ يُغطِّي الرجُلُ فاهُ".
"عن أبي هريرة ﵁: أن النبي ﵊ نهى عن السدلِ
стр. 485
في الصلاة": قيل: هو إرسال اليد، وقيل: إرسال الثوب حتى يصيب الأرض من الخيلاء، وقيل: من غير أن يضمَّ جانبيه، وقيل: أن يتلحَّف بثوبه، ويدخل يديه من داخل، فيركع ويسجد وهو كذلك، كانت اليهود تفعله في صلاتهم، فنهى عن التشبه بهم.
"وأن يغطي الرجل"؛ أي: يستر "فاه"، وكان من عادة العرب التلثم بالعمائم على الأفواه، وجعل أطرافها تحت أعناقهم؛ كيلا يصيبهم حر وبرد، فنهوا عنه في الصلاة؛ لمنعه عن القراءة على نعت الكمال، فإن عرض له تثاؤبٌ، جاز التغطية بثوبه، أو يده اليسرى؛ لحديث ورد فيه.
* * *
٥٣٧ - وقال: "خالِفُوا اليَهودَ، فإنَّهُمْ لا يُصَلُّونَ في نِعالِهِمْ ولا في خِفافِهِمْ".
"عن يعلى بن شدَّاد بن أوس، عن أبيه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: خالفوا اليهود؛ فإنهم لا يصلون في نعالهم ولا خِفافهم"؛ يعني: يجوز الصلاة فيهما إذا كانا طاهرين.
* * *
٥٣٨ - قال أبو سعيد الخُدريُّ ﵁: بينما رسولُ الله ﷺ يُصَلِّي بأصحابهِ إذْ خَلَعَ نعلَيْهِ فوضعَهُما عَنْ يَسارِ؛، فلمَّا رأى ذلكَ القومُ ألقَوْا نِعالَهمْ، فلمَّا قضَى رسولُ الله ﷺ صلاتَهُ قال: "ما حَمَلَكُمْ على إلقائكُمْ نِعَالِكُمْ؟ "، قالوا: رأَيْناكَ ألقيتَ نعلَيْكَ، فقال: "إنَّ جِبريلَ أتاني فأخبَرَني أنَّ فيهما قَذَراً"، وقال: "إذا جاءَ أحدُكُم المسجِدَ فلْيَنْظُرْ فإنْ رأَى في نعلَيْه قَذَراً فلْيَمْسَحْهُ، ولْيُصَلِّ فيهِما"، وفي روايةٍ: "خَبَثاً".
стр. 486
"قال أبو سعيد الخدري: بينما رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يصلي بأصحابه إذ خلعَ نعليه"؛ أي: نزعهما من رجليه.
"فوضعهما عن يساره": فيه تعليم للأمة بوضع النِّعالِ على اليسار دون اليمين.
"فلما رأى ذلك القومُ ألقوا نعالهم، فلما قضى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم صلاته قال: ما حملكم على إلقائكم نعالكم؟ قالوا: رأيناك ألقيت نعليك، فقال: إن جبرائيل أتاني فأخبرني أن فيهما قذراً": وهو ما يكرهه الطبعُ من النجاسة وغيرها.
استدل بهذا من صحَّح صلاة الجاهل بنجاسة ثوبه حملاً للقذرِ على النجاسة؛ لأنه ﵊ لم يستأنفْ تلك الصلاة، ومن رأى خلافه حمل القذرَ على ما تكرهه الطباعُ عرفاً كالنخامة والبزاق، فإخباره إياه بذلك؛ كيلا تتلوث ثيابه بشيء مستقذر عند السجود.
"إذا جاء أحدكم المسجد، فلينظر فإن رأى في نعليه قذراً، فليمسحه" بالأرض؛ صيانة للمسجد عن الأشياء القذرة.
"وليصلِّ فيهما": فيه دليل على أن النعل إذا أصابته نجاسة، فمسحت بالأرض حتى ذهب أثرها، جازت الصلاة فيه.
* * *
٥٣٩ - وقال: "إذا صَلَّى أحدُكُمْ فلا يَضَعْ نعلَيْهِ عَنْ يمينِهِ، ولا عَنْ يَسارِهِ فيكونَ على يمينِ غَيْرِهِ، إلَاّ أنْ لا يكونَ عن يَسارِهِ أحدٌ، ولْيَضَعْهُما بينَ رِجْلَيْهِ، أو لِيُصَلِّ فيهِما".
"عن أبي هريرة: أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إذا
стр. 487
صلَّى أحدكم فلا يضعْ" بالجزم جواب (إذا).
"نعليه عن يمينه، ولا عن يساره، فيكونَ" - بالنصب جواب النهي - "على يمين غيره، إلا أن [لا] يكون على يساره أحد"، فيضعهما عن يساره.
"وليضعهما بين رجليه": إن لم يكن وضعهما عن يمينه أو يساره، "أو ليصلِّ فيهما": إن كانا طاهرين.
* * *
٨ - باب السُّتْرة
(باب السترة)
وهي ما يُستر به كائناً ما كان، وقد غلب على ما ينصبه المصلي قدامه من عصا أو سوط أو غير ذلك مما يظهر به موضع سجود المصلي؛ كيلا يمر مارٌّ بينه وبين موضع سجوده.
مِنَ الصِّحَاحِ:
٥٤٠ - قال ابن عمر: كانَ النبيُّ ﷺ يَغْدُو إلى المُصَلَّى وَالعَنَزَةُ بينَ يَدَيْهِ تُحْمَلُ، وَتُنْصَبُ بالمُصَلَّى بينَ يَدَيْهِ، فيُصلِّي إِليها.
"من الصحاح":
" قال ابن عمر: كان رسول الله ﵊ يغدو إلى المصلى والعنزة"؛ أي: رمح قصير.
"بين يديه، تُحمل وتُنصب"؛ أي: تُغرز بالمصلى بين يديه؛ ليعرف موضع سجوده، "فيصلِّي إليها"، وهذا يدل على أن المصلي ينبغي أن يبينَ
стр. 488
موضع صلاته بسجادة، أو يقف قريبا من أُسطُوانة المسجد، أو يغرز عصاً، أو يخط خطاً مثل شكل المحراب.
* * *
٥٤١ - عن عَون بن أبي جُحَيْفة، عن أبيه قال: رأيتُ رسول الله ﷺ بِالأَبْطَح في قُبَّةٍ حَمْرَاءَ مِنْ أدَمٍ، ورأيتُ بلالاً أخذَ وَضُوءَ رسولِ الله ﷺ ، ورأيتُ النَّاسَ يَبْتَدِرُونَ ذلك الوَضوءَ، فمَنْ أصابَ منهُ شيئاً تمسَّحَ بِهِ، ومَنْ لم يُصِبْ أخذَ مِنْ بَلَلِ يَدِ صاحبهِ، ثُمَّ رأيتُ بلالاً أخذَ عَنَزةً فَرَكَزَها، وخرجَ النَّبيُّ ﷺ في حُلَّةٍ حمراءَ مُشَمِّراً صلَّى إلى العَنَزَةِ بالنَّاسِ الظُّهْرَ ركعتَيْنِ، ورأيتُ النَّاسَ وَالدَّوَابَّ يَمُرُّونَ بين يَدَي العَنَزةِ.
"وعن عون بن أبي جُحيفة، عن أبيه: أنه قال: رأيت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بالأَبطح" بفتح الهمزة: مسيلٌ واسع فيه رقاق الحصى لغةً، وهنا علم للمسيل الذي ينتهي إليه السيلُ من وادي منى.
"في قبة حمراء من أَدَم": جمع أديم.
"ورأيت بلالاً أخذ وَضوءَ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم"؛ أي: الماء الذي يتوضأ به رسول الله ﷺ .
"ورأيت الناس يبتدرون"؛ أي: يسرعون.
"ذلك الوَضوء، فمن أصاب منه شيئاً تمسَّح به"؛ أي: مسح به وجهه وأعضاءه؛ لينال بركته ﵊.
"ومن لم يصبْ أخذ من بلل يد صاحبه": قيل: هذا يدل على أن ماء الوضوء طاهر، وقيل: هذا من خصائصه ﵊، ولهذا حجمه أبو طيبة، فشرب في مه ﵊.
стр. 489
"ثم رأيت بلالاً أخذ عنزة، فوكزها"؛ أي: غرزها في الأرض.
"وخرج النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في حُلَّة حمراء": (الحلة): إزار ورداء، ولا يسمى حلة حتى يكون ثوبين.
قيل: تأويله أنه لم تكن تلك الحلة حمراء جميعها، بل كان فيها خطوط حمر؛ لأن الثوب الأحمر من غير أن يكون فيه لون آخر مكروه للرجال؛ لما فيه من المشابهة بالنساء.
"مشمراً": أذيالها.
"وصلَّى إلى العنزة بالناس الظهر ركعتين، ورأيت الناس والدواب يمرون بين يدي العنزة".
* * *
٥٤٢ - عن نافع، عن ابن عمر: كانَ النَّبيُّ ﷺ يُعَرِّضُ راحلتَهُ فيُصلِّي إلَيْهَا، قلتُ: أفَرَأَيْت إذا هَبَّتِ الرِّكابُ؟ قال: كانَ يأخُذُ الرَّحْلَ فَيُعَدِّلُهُ فيُصلِّي إلى آخِرَتِهِ.
"وعن نافع، عن ابن عمر: أنه قال: كان النبي ﵊ يعرض راحلته"، أي: يُنيخُها بين يديه بالعرض حتى تكون معترضة بينه وبين المارة، "فيصلي إليها".
قال نافع: "قلت: أفرأيتَ"؛ أي: أخبرني يا ابن عمر "إذا هبت الركاب"؛ أي: إذا قامت الإبل للسير، فبأي شيء يستر للصلاة؟
"قال: كان يأخذ الرحل فيعدِّله": بتشديد الدال؛ أي: يسويه، وينصبه بين يديه.
стр. 490
"فيصلي إلى آخرته": بالمد؛ أي: آخرة الرجل، وهي خلفه.
* * *
٥٤٣ - وقال رسول الله ﷺ : "إذا وضَعَ أحدَكُمْ بينَ يدَيْهِ مِثْلَ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ فَلْيُصَلِّ، ولا يُبالِ مَنْ مرَّ وراءَ ذلك".
"وعن موسى بن طلحة، عن أبيه، عن رسول الله - صَلَّى الله تعالى عليه وسلم - أنه قال: إذا وضع أحدكم بين يديه مثل مُؤْخِرةِ الرحل": وهي - بضم الميم وسكون الهمزة وكسر الخاء - خشبة عريضة يستند إليها الراكب من خلفه.
"فليصلِّ، ولا يبال بمن مرَّ وراء ذلك".
* * *
٥٤٤ - قال رسول الله ﷺ : "لو يَعلَمُ المارُّ بينَ يَدَي المصلِّي ماذا عليهِ لكانَ أنْ يقفَ أربعينَ خيراً له مِنْ أَنْ يَمُرَّ بينَ يَدَيْهِ" قال الراوي: لا أدري أقال: "أربعينَ يومًا، أو شهرًا، أو سنةً".
"عن أبي جُهيم، عن النَّبيِّ ﵊ أنه قال: لو يعلم المارُّ بين يدي المصلي ماذا عليه"؛ أي: أي شيء عليه من الإثم بسبب مروره بين يديه.
"لكان أن يقف أربعين خيراً له من أن يمرَّ بين يديه.
قال الراوي: لا أدري أربعين يومًا أو شهرًا أو سنة".
ذكر الطحاوي في "مشكل الآثار": أن المراد أربعون سنة، واستدل بحديث أبي هريرة عن النَّبيِّ ﵊: "لو يعلم الذي يمرُّ بين يدي أخيه معترضاً وهو يناجي ربه تعالى، لكان أن يقفَ مكانه مئة عام خيراً من
стр. 491
الخطوة التي خطاها".
ثم قال: هذا الحديث متأخر عن حديث أبي جهيم؛ لأنَّه فيه زيادةُ الوعيد، وذلك لا يكون إلَّا بعد ما أوعدهم بالخفيف.
* * *
٥٤٥ - وقال: "إذا صَلَّى أحدَكُمْ إلى شيءٍ يستُرُهُ مِنَ النَّاسِ فأرادَ أحدٌ أنْ يجتازَ بينَ يدَيْهِ فليَدْفَعْهُ، فَإنْ أبي فلْيُقَاتِلْهُ فَإنمَّا هو شَيْطانٌ".
"عن أبي سعيد أنه قال: قال رسول الله صَلَّى الله تعالى عليه وسلم: إذا صَلَّى أحدكم إلى شيء يستره من النَّاس، فأراد أحد أن يجتاز": من الجواز؛ أي: يعبر.
"بين يديه فليدفعه" بالإشارة، أو وضع اليد على نحره.
"فإن أبي، فليقاتله": أراد به الدفع بعنف، لا القتل؛ فإن قتله عمدًا بظاهر الحديث؛ ففي العمد القصاص، وفي الخطأ الدية، هذا إذا أراد المرور بينه وبين السترة، وإن لم يكن بين يديه سترة، فليس له الدفع؛ لأنَّ التفريطَ منه بتركها.
"فإنما هو شيطان"؛ أي: يفعل فعلَ الشيطان: لأنَّ تشويشَ المصلي فعلُهُ، أو جعله شيطان"؛ لأنَّ الشيطانَ هو المارد من الإنس والجن.
وفيه دليل: على أن العمل اليسير لا يبطل الصَّلاة.
* * *
٥٤٦ - عن أبي هُرَيرَةَ ﵁، عن رسول الله ﷺ [قال]: "تَقطعُ الصَّلاةَ المرأةُ، والحمارُ، والكَلْبُ، وَيَقي ذلك مِثْلُ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ".
"وعن أبي هريرة، عن رسول الله صَلَّى الله تعالى عليه وسلم: أنه قال:
стр. 492
تقطع الصلاةَ المرأةُ والحمارُ والكلبُ": المراد بقطعها هذه الأشياء: شغلُها قلبَ المصلي عن الخشوع والحضور، ولسانه عن التلاوة والذكر، وبدنه عن محافظة ما يجب من أمر الصَّلاة، لا بطلانها، بدليل الأحاديث الثلاثة بعدُ، وعليه الجمهور، وذهب بعض إلى بطلانها؛ لظاهر الحديث.
"ويقي"؛ أي: يحفظ ويدفع.
"ذلك"؛ أي: القطع.
"مثل مؤخرة الرحل": يكون سترة بين يديه، فلا يضره المرورُ وراءها.
* * *
٥٤٧ - قالت عائشة ﵂: كانَ رسولُ الله ﷺ يُصلِّي مِنَ اللَّيْلِ وأنا مُعْتَرِضَةٌ بينهُ وبينَ القِبْلَةِ كاعْتراضِ الجَنازَةِ.
"وقالت عائشة: كان رسول الله صَلَّى الله تعالى عليه وسلم يصلِّي من الليل وأنا معترضة": (الاعتراض): صيرورة الشيء حائلًا بين شيئين، ومعناه هنا: أنا مضطجعة.
"بينه وبين القبلة، كاعتراض الجنازة": والغرض منه بيان أن المرأة لا تقطع الصَّلاة إذا مرت أو اضطجعت بين يدي المصلي.
* * *
٥٤٨ - وقال عبد الله بن عباس ﵁: أقبلتُ راكباً على أتانٍ وأنا يومئذٍ قد ناهزتُ الاحتِلامَ، ورسولُ الله ﷺ يُصلِّي بالنَّاسِ بمِنًى إلى غيرِ جِدارٍ، فمرَرْتُ بينَ يَدَيْ بعضِ الصَّفِّ، فنَزَلَتُ، وأرسَلْتُ الأتانَ تَرتَعُ، ودخلتُ الصفَّ، فلمْ يُنْكِرْ ذلكَ عليَّ أحَدٌ.
стр. 493
"وقال عبد الله بن عباس ﵁: أقبلت"؛ أي: جئت.
"راكباً على أتان"؛ أي: حمارة.
"وأنا يومئذٍ قد ناهزتُ الاحتلام"؛ أي: قاربت البلوغ.
"ورسول الله صَلَّى الله تعالى عليه وسلم يصلِّي بالنَّاس بمنى إلى غيرِ جدارٍ"؛ أي: إلى غير سترة؛ أي: استقبل إلى الصحراء، ولم يكن بين يديه سترة.
"فمررت بين يدي بعض الصف، فنزلت، وأرسلت الأتان ترتع، ودخلت في الصف، فلم ينكر ذلك عليّ أحد"، والغرض منه: أن مرور الحمار بين يدي المصلي لا يقطع الصَّلاة.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٥٤٩ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا صلَّى أحدُكُم فليَجْعَلْ تِلقاءَ وجهِهِ شيئًا، فإن لمْ يجدْ فليَنْصِبْ عصَاه، فإن لمْ يَكُنْ معهُ عصاً فليَخْطُطْ خطًّا، ثمَّ لا يضُرُّهُ ما مرَّ أمامَهُ".
"من الحسان":
" عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صَلَّى الله تعالى عليه وسلم: إذا صلي أحدكم، فليجعلْ تلقاء وجهه شيئًا، فإن لم يجد، فلينصبْ عصاه، فإن لم يكن معه عصاه، فليَخطُطْ خطاً": قيل: يخط من عند قدمه خطاً طويلاً نحو القبلة، سُئِل أحمد عنه فقال: هكذا؛ يعني: عرضًا مثل الهلال.
وقيل: يخط عند موضع سجوده خطاً على العرض مثل جنازة موضوعة بين يديه.
стр. 494
قيل: والأول هو المختار استحباباً.
قال سفيان بن عيينة: رأيت شريكاً صلَّى بنا، فوضع قلنسوته بين يديه.
"ثم لا يضره ما مر أمامه".
* * *
٥٥٠ - وقال ﷺ : "إذا صلَّى أحدَكُمْ إلى سُتْرَة فلْيَدْنُ منها، لا يقطَعِ الشيطانُ عليهِ صلاتَه".
"عن أبي سهل بن أبي حَثْمة أنه قال: قال رسول الله صَلَّى الله تعالى عليه وسلم: إذا صَلَّى أحدكم إلى سترة، فليدنُ منها"؛ أي: فليقرب من السترة، والدنو منها بقدر إمكان السجود، وقيل؛ أدناه أن يكون بين المصلي وبينها ثلاثة أذرع، وبه قال الشَّافعي وأحمد.
"لا يقطعْ الشيطان": بالجزم جواب الأمر، والمراد منه هنا: المار بينه وبين سترته؛ أي: حتَّى لا يشوش "عليه صلاته".
* * *
٥٥١ - وقال المِقْداد بن الأسْوَد: ما رأيتُ رسول الله ﷺ يُصلِّي إلى عمودٍ ولا عُودٍ، ولا شجرةٍ إلَّا جعلَهُ على حاجبهِ الأيمنِ أو الأيسر، ولا يَصْمُدُ له صَمْداً.
"وقال المقداد بن الأسود: ما رأيت رسول الله صَلَّى الله تعالى عليه وسلم يصلِّي إلى عودٍ، ولا عمود، ولا شجرة، إلَّا جعلَهُ على حاجبه الأيمن أو الأيسر، ولا يصمُدُ له صَمْداً": من باب (طلب)؛ أي: لا يطلب مقابلته؛ لئلا
стр. 495
يشابه فعلُهُ عبادةَ الأصنام في التوجُّه إليها كلَّ التوجه، بل يجعلها مائلًا عن يمينه أو يساره.
* * *
٥٥٢ - وقال الفضل بن عباس: أَتانا رسولُ الله ﷺ ونحنُ في باديةٍ لنا ومعه عباس، فصلَّى في صحراءَ ليسَ بينَ يدَيْهِ سُترةٌ، وحمارةٌ لنا وكلْبةٌ تعبَثان بينَ يدَيْهِ، فما بالَى بذلك.
"وقال الفضل بن عباس: أتانا رسول الله صَلَّى الله تعالى عليه وسلم ونحن في بادية لنا، ومعه عباس، فصلَّى في صحراء ليس بين يديه سترة، وحمارةٌ لنا وكلبةٌ": التاء فيهما للوحدة أو للتأنيث.
"تعبثان"؛ أي: تلعبان "بين يديه، فما بالى بذلك"؛ أي: ما التفت إليه، وما اعتدَّ به، والغرضُ منه بيانُ أن مرور الحمار والكلب بين يدي المصلي لا يقطع الصَّلاة.
* * *
٥٥٣ - وقال رسول الله ﷺ : "لا يقطعُ الصَّلاةَ شيءٌ، وادْرَؤُوا ما استطَعتُمْ، فإنَّما هو شَيطانٌ".
"وعن أبي سعيد أنه قال: قال رسول الله صَلَّى الله تعالى عليه وسلم: لا يقطع الصَّلاة"؛ أي: لا يبطلها "شيء": مر بين يدي المصلي.
"وادرؤوا"؛ أي: ادفعوا المارَّ "ما استطعتم، فإنما هو شيطان": قيل: حديث القطع بمرور المرأة وغيرها منسوخٌ بهذا الحديث.
* * *
следующие страницы →