← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17791

شرح المصابيح لابن الملك

ابن الملك

Полный текст (3 421 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

الخطوة التي خطاها". ثم قال: هذا الحديث متأخر عن حديث أبي جهيم؛ لأنَّه فيه زيادةُ الوعيد، وذلك لا يكون إلَّا بعد ما أوعدهم بالخفيف. * * * ٥٤٥ - وقال: "إذا صَلَّى أحدَكُمْ إلى شيءٍ يستُرُهُ مِنَ النَّاسِ فأرادَ أحدٌ أنْ يجتازَ بينَ يدَيْهِ فليَدْفَعْهُ، فَإنْ أبي فلْيُقَاتِلْهُ فَإنمَّا هو شَيْطانٌ". "عن أبي سعيد أنه قال: قال رسول الله صَلَّى الله تعالى عليه وسلم: إذا صَلَّى أحدكم إلى شيء يستره من النَّاس، فأراد أحد أن يجتاز": من الجواز؛ أي: يعبر. "بين يديه فليدفعه" بالإشارة، أو وضع اليد على نحره. "فإن أبي، فليقاتله": أراد به الدفع بعنف، لا القتل؛ فإن قتله عمدًا بظاهر الحديث؛ ففي العمد القصاص، وفي الخطأ الدية، هذا إذا أراد المرور بينه وبين السترة، وإن لم يكن بين يديه سترة، فليس له الدفع؛ لأنَّ التفريطَ منه بتركها. "فإنما هو شيطان"؛ أي: يفعل فعلَ الشيطان: لأنَّ تشويشَ المصلي فعلُهُ، أو جعله شيطان"؛ لأنَّ الشيطانَ هو المارد من الإنس والجن. وفيه دليل: على أن العمل اليسير لا يبطل الصَّلاة. * * * ٥٤٦ - عن أبي هُرَيرَةَ ﵁، عن رسول الله ﷺ [قال]: "تَقطعُ الصَّلاةَ المرأةُ، والحمارُ، والكَلْبُ، وَيَقي ذلك مِثْلُ مُؤْخِرَةِ الرَّحْلِ". "وعن أبي هريرة، عن رسول الله صَلَّى الله تعالى عليه وسلم: أنه قال:

стр. 492

تقطع الصلاةَ المرأةُ والحمارُ والكلبُ": المراد بقطعها هذه الأشياء: شغلُها قلبَ المصلي عن الخشوع والحضور، ولسانه عن التلاوة والذكر، وبدنه عن محافظة ما يجب من أمر الصَّلاة، لا بطلانها، بدليل الأحاديث الثلاثة بعدُ، وعليه الجمهور، وذهب بعض إلى بطلانها؛ لظاهر الحديث. "ويقي"؛ أي: يحفظ ويدفع. "ذلك"؛ أي: القطع. "مثل مؤخرة الرحل": يكون سترة بين يديه، فلا يضره المرورُ وراءها. * * * ٥٤٧ - قالت عائشة ﵂: كانَ رسولُ الله ﷺ يُصلِّي مِنَ اللَّيْلِ وأنا مُعْتَرِضَةٌ بينهُ وبينَ القِبْلَةِ كاعْتراضِ الجَنازَةِ. "وقالت عائشة: كان رسول الله صَلَّى الله تعالى عليه وسلم يصلِّي من الليل وأنا معترضة": (الاعتراض): صيرورة الشيء حائلًا بين شيئين، ومعناه هنا: أنا مضطجعة. "بينه وبين القبلة، كاعتراض الجنازة": والغرض منه بيان أن المرأة لا تقطع الصَّلاة إذا مرت أو اضطجعت بين يدي المصلي. * * * ٥٤٨ - وقال عبد الله بن عباس ﵁: أقبلتُ راكباً على أتانٍ وأنا يومئذٍ قد ناهزتُ الاحتِلامَ، ورسولُ الله ﷺ يُصلِّي بالنَّاسِ بمِنًى إلى غيرِ جِدارٍ، فمرَرْتُ بينَ يَدَيْ بعضِ الصَّفِّ، فنَزَلَتُ، وأرسَلْتُ الأتانَ تَرتَعُ، ودخلتُ الصفَّ، فلمْ يُنْكِرْ ذلكَ عليَّ أحَدٌ.

стр. 493

"وقال عبد الله بن عباس ﵁: أقبلت"؛ أي: جئت. "راكباً على أتان"؛ أي: حمارة. "وأنا يومئذٍ قد ناهزتُ الاحتلام"؛ أي: قاربت البلوغ. "ورسول الله صَلَّى الله تعالى عليه وسلم يصلِّي بالنَّاس بمنى إلى غيرِ جدارٍ"؛ أي: إلى غير سترة؛ أي: استقبل إلى الصحراء، ولم يكن بين يديه سترة. "فمررت بين يدي بعض الصف، فنزلت، وأرسلت الأتان ترتع، ودخلت في الصف، فلم ينكر ذلك عليّ أحد"، والغرض منه: أن مرور الحمار بين يدي المصلي لا يقطع الصَّلاة. * * * مِنَ الحِسَان: ٥٤٩ - عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا صلَّى أحدُكُم فليَجْعَلْ تِلقاءَ وجهِهِ شيئًا، فإن لمْ يجدْ فليَنْصِبْ عصَاه، فإن لمْ يَكُنْ معهُ عصاً فليَخْطُطْ خطًّا، ثمَّ لا يضُرُّهُ ما مرَّ أمامَهُ". "من الحسان": " عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صَلَّى الله تعالى عليه وسلم: إذا صلي أحدكم، فليجعلْ تلقاء وجهه شيئًا، فإن لم يجد، فلينصبْ عصاه، فإن لم يكن معه عصاه، فليَخطُطْ خطاً": قيل: يخط من عند قدمه خطاً طويلاً نحو القبلة، سُئِل أحمد عنه فقال: هكذا؛ يعني: عرضًا مثل الهلال. وقيل: يخط عند موضع سجوده خطاً على العرض مثل جنازة موضوعة بين يديه.

стр. 494

قيل: والأول هو المختار استحباباً. قال سفيان بن عيينة: رأيت شريكاً صلَّى بنا، فوضع قلنسوته بين يديه. "ثم لا يضره ما مر أمامه". * * * ٥٥٠ - وقال ﷺ : "إذا صلَّى أحدَكُمْ إلى سُتْرَة فلْيَدْنُ منها، لا يقطَعِ الشيطانُ عليهِ صلاتَه". "عن أبي سهل بن أبي حَثْمة أنه قال: قال رسول الله صَلَّى الله تعالى عليه وسلم: إذا صَلَّى أحدكم إلى سترة، فليدنُ منها"؛ أي: فليقرب من السترة، والدنو منها بقدر إمكان السجود، وقيل؛ أدناه أن يكون بين المصلي وبينها ثلاثة أذرع، وبه قال الشَّافعي وأحمد. "لا يقطعْ الشيطان": بالجزم جواب الأمر، والمراد منه هنا: المار بينه وبين سترته؛ أي: حتَّى لا يشوش "عليه صلاته". * * * ٥٥١ - وقال المِقْداد بن الأسْوَد: ما رأيتُ رسول الله ﷺ يُصلِّي إلى عمودٍ ولا عُودٍ، ولا شجرةٍ إلَّا جعلَهُ على حاجبهِ الأيمنِ أو الأيسر، ولا يَصْمُدُ له صَمْداً. "وقال المقداد بن الأسود: ما رأيت رسول الله صَلَّى الله تعالى عليه وسلم يصلِّي إلى عودٍ، ولا عمود، ولا شجرة، إلَّا جعلَهُ على حاجبه الأيمن أو الأيسر، ولا يصمُدُ له صَمْداً": من باب (طلب)؛ أي: لا يطلب مقابلته؛ لئلا

стр. 495

يشابه فعلُهُ عبادةَ الأصنام في التوجُّه إليها كلَّ التوجه، بل يجعلها مائلًا عن يمينه أو يساره. * * * ٥٥٢ - وقال الفضل بن عباس: أَتانا رسولُ الله ﷺ ونحنُ في باديةٍ لنا ومعه عباس، فصلَّى في صحراءَ ليسَ بينَ يدَيْهِ سُترةٌ، وحمارةٌ لنا وكلْبةٌ تعبَثان بينَ يدَيْهِ، فما بالَى بذلك. "وقال الفضل بن عباس: أتانا رسول الله صَلَّى الله تعالى عليه وسلم ونحن في بادية لنا، ومعه عباس، فصلَّى في صحراء ليس بين يديه سترة، وحمارةٌ لنا وكلبةٌ": التاء فيهما للوحدة أو للتأنيث. "تعبثان"؛ أي: تلعبان "بين يديه، فما بالى بذلك"؛ أي: ما التفت إليه، وما اعتدَّ به، والغرضُ منه بيانُ أن مرور الحمار والكلب بين يدي المصلي لا يقطع الصَّلاة. * * * ٥٥٣ - وقال رسول الله ﷺ : "لا يقطعُ الصَّلاةَ شيءٌ، وادْرَؤُوا ما استطَعتُمْ، فإنَّما هو شَيطانٌ". "وعن أبي سعيد أنه قال: قال رسول الله صَلَّى الله تعالى عليه وسلم: لا يقطع الصَّلاة"؛ أي: لا يبطلها "شيء": مر بين يدي المصلي. "وادرؤوا"؛ أي: ادفعوا المارَّ "ما استطعتم، فإنما هو شيطان": قيل: حديث القطع بمرور المرأة وغيرها منسوخٌ بهذا الحديث. * * *

стр. 496

٩ - باب صِفَة الصَّلاةِ (باب صفة الصَّلاة) مِنَ الصِّحَاحِ: ٥٥٤ - عن أبي هريرة ﵁: أَنَّ رجلًا دخل المسجدَ ورسولُ الله ﷺ جالِسٌ في ناحِيَةِ المسجدِ، فصَلَّى، ثمَّ جاءَ فسلَّمَ عليهِ، فقالَ رسولُ الله ﷺ "وعلَيْكَ السَّلام، ارْجِعْ فصَلِّ فإنَّكَ لمْ تُصَلِّ"، فرجَعَ فصلَّى، ثمَّ جاءَ فسلَّمَ، فقال: "وعليكَ السَّلام، ارْجِعْ فصلِّ، فإنَّكَ لمْ تُصلِّ"، فقال: يا رسول الله! عَلِّمْني فقال: "إذا قُمْتَ إلى الصَّلاةِ فأسبغِ الوُضوءَ، ثمَّ استقبل القِبلةَ، فكبرْ، ثمَّ اقرأ ما تيسَّرَ معكَ مِنَ القُرآن، ثمَّ اركعْ حتَّى تَطمئنَّ راكعاً، ثمَّ ارفَعْ حتَّى تَسْتَوِي قائمًا، ثمَّ اسجُدْ حتَّى تَطمئنَّ ساجِداً، ثُمَّ ارفعْ حتَّى تطمئنَّ جالساً، ثمَّ اسجُدْ حتَّى تَطمئنَّ ساجداً، ثمَّ ارفعْ حتَّى تَسْتَوِيَ قائمًا، ثمَّ افعلْ ذلك في صَلاتِكَ كُلِّها". "من الصحاح": " عن أبي هريرة أن رجلًا دخل المسجد، ورسولُ الله صَلَّى الله تعالى عليه وسلم جالسٌ في ناحيته المسجد"؛ أي: في جانب منه. "فصلَّى، ثم جاء فسلَّم عليه ﷺ ، فقال رسول الله ﵊: وعليك السلام، ارجعْ فصلِّ؛ فإنَّك لم تصلِّ"؛ أي: صلاة صحيحة، يدل على أنَّ اسم الصَّلاة لا يقع إلَّا على الصحيحة دون الفاسدة. "فرجع فصلَّى، ثم جاء فَسلم، فقال: وعليك السلام، ارجعْ فصلِّ؛ فإنَّك لم تصل، فرجع فصلَّى، ثم جاء فسلم، فقال: وعليك السلام، ارجعْ

стр. 497

فصلِّ؛ فإنَّك لم تصل": فعل ذلك ثلاث مرات. "فقال"؛ أي: الرجل. "علمني يا رسول الله، فقال: إذا قمت إلى الصَّلاة"؛ أي: إذا أردت القيام إليها. "فأسبغ الوضوء"؛ أي: أتممه؛ يعني: توضأ وضوء تاماً مشتملاً على فرائضه وسننه. "ثم استقبل القبلة فكبّر"؛ أي: تكبيرة الإحرام. "ثم اقرأ بما تيسر معك"؛ أي: اقرأ ما تعلم من القرآن، وقيل: أراد الفاتحةَ إذا كان يحسنها، وإليه ذهب الشَّافعي. "ثم اركع حتَّى تطمئن راكعاً، ثم ارفع حتَّى تستوي قائمًا، ثم اسجد حتَّى تطمئن ساجداً، ثم ارفع حتَّى تطمئن جالساً، ثم اسجد حتَّى تطمئن ساجداً": فيه دلالة ظاهرة على وجوب الطمأنينة في جميع أركان الصَّلاة، ومنهم من ذهب إلى أنها سنة، وأوَّله على نفي الكمال. "ثم ارفع حتَّى تستوي قائمًا، ثم افعل في صلاتك كلها": وفي أمره بفعل ذلك في صلاته كلها دليل على وجوب القراءة في كلِّ الركعات كوجوب الركوع والسجود، وإليه ذهب الشَّافعي. * * * ٥٥٥ - وقالت عائشة ﵂: كان رسول الله ﷺ يَسْتَفْتِحُ الصَّلاةَ بالتكبيرِ والقِراءةَ بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وكانَ إذا ركعَ لمْ يُشْخصْ رأْسَهُ ولمْ يُصَوِّبْهُ، ولكنْ بينَ ذلك، وكانَ إذا رفعَ رأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ لمْ يَسْجُدْ حتَّى يَسْتَوِيَ قَائِماً، وكانَ إذا رفعَ رأسَهُ مِنَ السَّجْدَةِ لمْ يَسْجُدْ حتَّى يَسْتَوِيَ جالِساً،

стр. 498

وكانَ يقولُ في كُلِّ ركعتَيْنِ التَّحِيَّات، وكانَ يَفرشُ رِجْلَهُ اليُسرى ويَنْصِبُ رِجْلَهُ اليُمنى، وكانَ يَنْهَى عَنْ عُقْبَةِ الشَّيطانِ، ويَنهى أَنْ يَفْتَرِشَ الرَّجُلُ ذِراعَيْهِ افْتِراشَ السَّبُعِ، وكانَ يَخْتِمُ الصَّلاةَ بالتسليم. "وقالت عائشة: كان رسول الله صَلَّى الله تعالى عليه وسلم يستفتحُ الصلاةَ بالتكبيرِ"؛ أي: يجعل تكبيرة التحريم فاتحتها. "والقراءةَ"؛ أي: يبتدأ القراءة "بالحمدُ": بالرفع على الحكاية وإظهار ألف الوصل. "لله رب العالمين"؛ فيقرأ هذه السورة، وهذا لا يمنع تقديم دعاء الاستفتاح؛ لأنَّه لا يسمى قراءة عُرفاً، ولا يدل على أن التسمية ليست من الفاتحة؛ إذ المراد: أنه كان يبتدأ بقراءة السورة التي مفتتحها ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ كما يقال: ابتدأت بـ (البقرة). "وكان إذا ركع لم يشخص رأسه"؛ أي: لم يرفعه. "ولم يصوِّبه"؛ أي: ولم ينكسه. "ولكن بين ذلك"؛ أي: يجعل رأسه بين التصويب والتشخيص بحيث يجعل ظهره وعنقه كالصفحة الواحدة. "وكان إذا رفع رأسه من الركوع، لم يسجدْ حتَّى يستوي قائمًا، وكان إذا رفع رأسه من السجدة، لم يسجدْ حتَّى يستوي جالساً": فيه دليل على وجوب الاعتدال؛ لأنَّ فعله ﵊ في الصَّلاة للوجوب ما لم يُعارَضْ بالندب؛ لقوله ﵊: "صلوا كما رأيتموني أصلي". "وكان يقول"؛ أي: يقرأ في كل ركعتين "التحية": سُمّي الذكرُ المعين تحيةً وتشهداً؛ لاشتماله عليهما. "وكان يفرش رجله اليسرى، وينصب رجله اليمنى": بحيث يضع أصابع

стр. 499

رجله اليمنى على الأرض، ويرفع عقبها. "وكان ينهى عن عُقبةِ الشيطان": وهي الإقعاء، قيل في تفسيره: هو أن يضعَ أليته على عقبيه بين السجدتين. وقيل: أن يضع وركه على الأرض، وينصبَ ركبتيه بحيث تكون قدماه عليها. وقيل: عقبة الشيطان: أن يقدم إحدى الرجلين على الأخرى في القيام. وقيل: هي ترك عقبيه غير مغسولين في الوضوء. "وينهى أن يفرشَ الرجلُ ذراعيه"؛ أي: عن إلصاقهما بالأرض في السجود. "افتراشَ السبع"؛ أي: كافتراشه؛ لما فيه من التهاون بأمر الصَّلاة، بل ينبغي أن يضع كفّه، ويرفع مرفقه عن الأرض. "وكان يختم الصَّلاة بالتسليم"، وفيه دليل على وجوب التسليم أيضًا؛ لما ذكرنا. * * * ٥٥٦ - وقال أبو حُمَيد السَّاعِدِيُّ في نَفَرٍ مِنْ أصحابِ رسول الله ﷺ : أنا أحفظُكُمْ لصَلاةِ رسول الله ﷺ ، رأيتُهُ إذا كبَّرَ جعلَ يدَيْهِ حِذاء مَنْكِبَيْهِ، وإذا ركعَ أمكَنَ يدَيْهِ مِنْ رُكبتَيْهِ، ثمَّ هَصَرَ ظهرَهُ، فإذا رفعَ رأسَهُ استوَى حتَّى يعودَ كُلُّ فَقارٍ مكانهُ، فإذا سجدَ وضعَ يدَيْهِ غيرَ مُفْتَرِشٍ ولا قَابضهِما، واستقبَلَ بأطرافِ أصابعِ رِجلَيْهِ القِبلَةَ، فإذا جلسَ في الرَّكْعَتَيْنِ جلسَ على رِجلِهِ اليُسرَى ونصَبَ اليُمنى، فإذا جلسَ في الرَّكعةِ الأخيرة قدَّمَ رِجلَهُ اليُسرَى وَنصبَ الأخرى وَقعدَ على مَقْعَدَتِهِ.

стр. 500

"وقال أبو حميد الساعدي في نفرٍ"؛ أي: في جماعة "من أصحاب رسول الله صَلَّى الله تعالى عليه وسلم: أنا أحفظكم لصلاة رسول الله صَلَّى الله تعالى عليه وسلم، رأيته إذا كبَّر جعل يديه حِذاءَ منكبيه"؛ أي: إزاءه. "وإذا ركع أمكن يديه من ركبتيه"؛ أي: وضع كفيه على ركبتيه وقبضهما. "ثم هصر"؛ أي: ثنى وعوج. "ظهره": ثنياً شديداً في استواء رقبته وظهره. "فإذا رفع رأسه، استوى حتَّى يعودَ كلُّ فَقارٍ": بفتح الفاء؛ أي: مفاصل الصُّلب. "مكانه"؛ أي: موضعه، ويستقر كل عضو في مقره. "فإذا سجد وضع يديه غيرَ مفترش": نصب على الحال؛ أي: غير واضع مرفقه على الأرض. "ولا قابضَهما": عطف على (غير)؛ أي: غيرَ قابض أصابع يديه، بل يبسطها قِبَلَ القِبلة. "واستَقبلَ بأطراف أصابع رِجلَيه القِبلةَ، فإذا جلس في الركعتين"؛ أي: الأولَيين "جلس على رِجله اليسرى ونصبَ اليمنى، فإذا جلس في الركعة الآخرة قدَّم رِجلَه اليسرى"؛ أي: أخرجَها من تحت وِركه إلى جانب الأرض "ونصبَ الأخرى، وقعد على مَقْعَدَتِه". * * * ٥٥٧ - وقال سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه: أنَّ رسولَ الله ﷺ كانَ يرفعُ يدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ إذا افتَتَحَ الصَّلاةَ، وإذا كبَّرَ للرُّكُوعِ، وإذا رفعَ رأسَهُ منَ

стр. 501

الرُّكُوعِ رفَعَهُما كذلك، وقال: "سَمعَ الله لمنْ حَمِدَهُ ربنا ولكَ الحمدُ"، وكانَ لا يفعلُ ذلكَ في السُّجودِ. "وقال سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه: إن رسول الله صَلَّى الله تعالى عليه وسلم كان يرفع يديه حَذْوَ مَنْكِبَيه إذا افتتحَ الصلاةَ، وإذا كبَّر للركوع، وإذا رفع رأسَه من الركوع" رفعَهما كذلك. "وقال: سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد، وكان لا يفعل ذلك"؛ أي: رفعَ اليدين "في السجود"؛ يعني: لا يرفع يدَيه إذا قصدَ السجودَ. * * * ٥٥٨ - وقال نافعٌ: كانَ ابن عُمَر إذا دخلَ الصَّلاة كبَّرَ ورفعَ يدَيْهِ، وإذا ركعَ رفعَ يدَيْهِ، وإذا قالَ سَمعَ الله لمنْ حَمِدَهُ رفعَ يدَيْهِ، وإذا قامَ مِنَ الرَّكعتَيْنِ رفعَ يدَيْهِ، ورفعَ ذلك ابن عمرَ إلى نبي الله ﷺ . "وقال نافعٌ: كان ابن عمر إذا دخل الصلاةَ كبَّر ورفعَ يديه، وإذا ركعَ رفعَ يدَيه، وإذا قال: سمع الله لمن حمده رفعَ يدَيه، فإذا قام من الركعتين"؛ أي: من الركعة الثَّانية إلى الركعة الثالثة "رفعَ يدَيه"، ورفعُهما في هذا الموضع ليس في مذهب الشَّافعي، بل مذهبه: أن يرفعَ يدَيه عند تكبيرة الافتتاح، وإذا ركع، وإذا رفع رأسَه من الركوع، وعند أبي حنيفة: لا يرفع إلَّا عند تكبيرة الإحرام. "ورفعَ ذلك ابن عمر"؛ أي: رفعَ ابن عمر رفعَ اليدين في هذه المواضع "إلى النَّبيّ ﵊ "؛ أي: قال: إنه صَلَّى الله تعالى عليه وسلم فعلَ ذلك كلَّه. * * *

стр. 502

٥٥٩ - وروى مالك بن الحُويرِث: عن رسول الله ﷺ رفعَ اليَدَيْنِ إذا كبَّرَ، وإذا ركعَ، وإذا رفَعَ رأْسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ، وقال: حتَّى يُحاذي بِهِما أُذُنيهِ. وفي روايةٍ: "إلى فُروعَ أُذُنيهِ". "وروى مالك بن الحُوَيرث، عن رسول الله صَلَّى الله تعالى عليه وسلم: رفعَ اليدين إذا كبَّر، وإذا ركعَ، وإذا رفع رأسَه من الركوع، وقال: حتَّى يحاذيَ بهما أُذنيَه". "وفي رواية: فروعَ أُذنيَه"؛ أي: أعلاهما، وفرع كل شيء: أعلاه. وقيل: فرع الأُذن: شحمته. رفع اليدين عند تكبيرة الافتتاح حذاءَ أُذنيَه عند أبي حنيفة، وعند الشَّافعي: حِذاءَ منكبَيه، وذُكر: أن الشَّافعي حين دخل مصرَ سأله أهلُ مصر عن كيفية رفع اليدين عند التكبير، فقال: يرفع يديه بحيث يكون كفَّاه حذاءَ منكبَيه، وإبهاماه شحمتَي أذنيه، وأطراف أصابعه فرعَي أُذنيَه؛ لأنَّه جاء في رواية: "رفع اليدين إلى المَنكِبَين"، وفي رواية: "إلى الأُذنيَن"، وفي رواية: "إلى فروع الأُذنيَن"، ففعل ما ذكر فيه؛ جمعاً بين الروايات الثلاث. * * * ٥٦٠ - وعن مالك بن الْحُويرِثِ: أَنَّهُ رَأَى رسول الله ﷺ يُصَلِّي، فإذا كانَ في وِتْرٍ مِنْ صَلاتِهِ لمْ يَنْهَضْ حتَّى يَسْتَوِيَ قَاعِداً. "وعن مالك بن الحُوَيرث: أنه رأى النبيَّ ﵊ يصلِّي، فإذا كان في وِترٍ"؛ أي: في الركعة الأولى والثالثة "من صلاته لم ينهض"؛ أي: لم يَقُمْ "حتَّى يستويَ قاعداً"؛ أي: حتَّى يَقرُب إلى الجلوس، وهذا يدل على سُنِّية جلسة الاستراحة، وبه قال الشَّافعي. * * *

стр. 503

٥٦١ - وعن وائل بن حُجْرٍ: أَنَّهُ رَأَى النَّبيَّ ﷺ رَفَعَ يدَيْهِ حينَ دخلَ في الصَّلاةِ وكبَّرَ، ثمَّ التَحفَ بِثَوْبهِ، ثمَّ وضعَ يدَهُ اليُمنى على اليُسرَى، فلمَّا أرادَ أنْ يركَعَ أخرجَ يَدَيْهِ مِنَ الثَّوْبِ، ثمَّ رفعَهُمَا وكبَّرَ فركَعَ، فلمَّا قالَ: "سَمعَ الله لمنْ حَمِدَه" رفعَ يَدَيْهِ، فلمَّا سجدَ سجدَ بَيْنَ كَفَّيْه. "وعن وائل بن حُجْر: أنه رأى النبيَّ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم رفعَ"؛ أي: رافعاً يدَيه. "حين دخل في الصَّلاة وكبَّر، ثم التحفَ"؛ أي: تستَّر "بثوبه"؛ أي: يريد أنه كان يخرج يديه من كمَّيه إذا كبَّر للإحرام، فإذا فرغ من التكبير أدخلَ يدَيه في كمَّيه. "ثم وضع يده اليمنى على اليسرى، فلما أراد أن يركع أخرج يدَيه من الثوب، ثم رفعَهما وكبَّر فركع، فلما قال: سمع الله لمن حمده رفعَ يدَيه، فلما سجدَ سجدَ بين كفَّيه"؛ أي: وضع كفَّيه بإزاء مَنْكِبَيه في السجود، ولعل التحافَ يدَيه بكُمَّيه لبرد شديد، أو لبيان أن كشفَ اليدين عند التكبير غيرُ واجب. * * * ٥٦٢ - وقال سَهْل بن سَعْد: كانَ النَّاسُ يُؤْمَرُونَ أَنْ يضعَ الرَّجُلُ اليَدَ اليُمنى على ذِرَاعِهِ اليُسرى في الصَّلاةِ. "وقال سهل بن سعد: كان النَّاس يُؤمَرون أن يضعَ الرجلُ اليدَ اليمنى على ذراعه اليسرى في الصَّلاة"، وفيه حجة على مالك في الإرسال. * * * ٥٦٣ - وقال أبو هريرة ﵁: كانَ رسولُ الله ﷺ إذا قامَ إلى الصَّلاةِ يُكَبرُ حِينَ يقومُ، ثمَّ يُكَبرُ حِينَ يَركعُ، ثُمَّ يقولُ: "سَمعَ الله لمنْ حَمِدَه" حِينَ يَرفعُ صُلبَهُ

стр. 504

مِنَ الرَّكعةِ، ثمَّ يقولُ وهو قائمٌ: "ربنا لكَ الحمدُ"، ثمَّ يُكبرُ حِينَ يَهوي، ثمَّ يُكبرُ حِينَ يرفعُ رأْسَهُ، ثمَّ يكبرُ حِينَ يسجُدُ، ثمَّ يكبرُ حِينَ يَرْفَعُ رأْسَهُ، ثمَّ يَفعلُ ذلكَ في الصَّلاةِ كُلِّهَا حتَّى يَقْضيَهَا، ويُكَبرُ حِينَ يَقُومُ من الثِّنتيْنِ بعدَ الجُلوسِ. "وقال أبو هريرة ﵁: كان رسول الله صَلَّى الله تعالى عليه وسلم إذا قام إلى الصَّلاة يكبر حين يقوم، ثم يكبر حين يركع، ثم يقول: سمع الله لمن حمده"، معناه: قيل: الله حمدَ مَن حمدَه، اللام في (لمن) للمنفعة، والهاء في (حمده) للكناية، وقيل: للسَّكينة والاستراحة. "حين يرفع صُلبَه من الركعة"؛ أي: من الركوع. "ثم يقول وهو قائم: ربنا لك الحمد، ثم يكبر حين يَهْوِي"؛ أي: ينزل إلى السجود. "ثم يكبر حين يرفع رأسه، ثم يكبر حين يسجد، ثم يكبر حين يرفع رأسَه، ثم يفعل ذلك في الصَّلاة كلِّها حتَّى يقضيَها"؛ أي: يُتمَّها. "وبكبر حين يقوم مِنَ الثنتين بعد الجلوس". * * * ٥٦٤ - وقال رسول الله ﷺ : "أفضلُ الصَّلاةِ طولُ القُنُوتِ". "عن جابر أنه قال: قال رسول الله صَلَّى الله تعالى عليه وسلم: أفضلُ الصَّلاة طولُ القُنوت"؛ أي: ذاتُ طول القيام؛ يعني: أفضلُ الصلاةِ صلاةٌ فيها طولُ القيام والقراءة، استدل به أبو حنيفة والشافعي على أن طولَ القيام أفضلُ من كثرة السجود ليلاً كان أو نهارًا، وذهب بعضهم إلى أن الأفضلَ في النهار كثرةُ السجود. * * *

стр. 505

مِنَ الحِسَان: ٥٦٥ - قال أبو حُمَيْد السَّاعِدِيُّ في عَشَرَةٍ مِنْ أصحابِ النَّبيِّ ﷺ : أنا أعلَمُكُمْ بصلاةِ رسولِ الله ﷺ ، قالوا: فَاعْرِضْ، قال: كان رسول الله ﷺ إذا قامَ إلى الصَّلاةِ رفعَ يدَيْهِ حتَّى يُحاذيَ بهِما مَنْكِبَيْهِ، ثم يُكَبرُ، ثمَّ يقرأُ، ثمَّ يكبرُ، ويرفعُ يدَيْهِ حتَّى يُحاذِيَ بهِما مَنْكِبَيْهِ، ثمَّ يركعُ ويضعُ راحَتَيْهِ على رُكْبَتَيْهِ، ثم يعتدِلُ فلا يُصبي رأسَهُ ولا يُقْنِعُ، ثمَّ يرفعُ رأسَهُ فيقولُ: "سمعَ الله لمنْ حَمِدَه"، ثمَّ يرفعُ يدَيْهِ حتَّى يُحاذِي بهما مَنْكِبَيْهِ مُعتدلاً، ثمَّ يقولُ: "الله أكبرُ"، ثمَّ يَهْوِي إلى الأرضِ ساجداً، فيُجافي يديهِ عنْ جَنْبَيْهِ، ويفتح أصابعَ رِجْلَيْهِ، ثمَّ يرفعُ رأسَهُ، وتثْني رِجْلَهُ اليُسْرى، فيقعُدُ عليها، ثمَّ يعتدِلُ حتَّى يرجعَ كُلُّ عظم في موضعِه مُعتدِلاً، ثم يسجُدُ، ثمَّ يقولُ: "الله أكبر"، ويرفعُ ويَثْني رِجلَهُ اليُسرى فيقعُدُ عليها، حتَّى يرجِعَ كُلُّ عظمٍ إلى موضعِهِ، ثمَّ ينهضُ، ثمَّ يصنعُ في الركعةِ الثانيةِ مِثْلَ ذلكَ، ثمَّ إذا قامَ مِنَ الركعتَيْنِ كبَّرَ ورفعَ يدَيْهِ حتَّى يُحاذِيَ بهِما مَنْكِبَيْهِ كما كبَّرَ عندَ افتِتاحِ الصَّلاةِ، ثمَّ يصنعُ ذلكَ في بقيَّةِ صلاتِهِ، حتَّى إذا كانَتِ السَّجدةُ التي فيها التَّسليمُ أخَّرَ رِجْلَهُ اليُسرى، وقعدَ مُتورَساً على شِقِّه الأيسرِ، ثمَّ سَلَّم، قالوا: صدَقتَ، هكذا كانَ يُصلِّي، صحيح. وفي روايةٍ من حديث أبي حُمَيْد: ثمَّ ركعَ فوضعَ يدَيْهِ على رُكبَتَيْهِ كأنَّه قابضٌ عليهِما، ووتَّرَ يدَيْهِ فنحَّاهما عَنْ جنبَيْهِ، وقال: ثمَّ سجدَ فأمكنَ أنفَهُ وجبهتَهُ الأرضَ، ونحَّى يدَيْهِ عنْ جنبَيْهِ، ووضعَ كفَّيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ، وفرَّجَ بينَ فخذَيْهِ غيرَ حامِلٍ بطنَهُ على شيءٍ مِنْ فخِذَيْهِ حتَّى فرغَ، ثمَّ جلسَ فَافْتَرَشَ رِجلَهُ اليُسرى، وأَقبلَ بِصدْرِ اليُمنى على قِبْلتِه، ووضَعَ كفَّه اليُمنى على رُكبتِهِ اليُمنى، وكفَّهُ اليُسرى على رُكبتِهِ اليُسرى، وأشارَ بإصبعِهِ، يعني: السَّبَّابَة. وفي روايةٍ: وإذا قعدَ في الركعتَيْنِ قعدَ على بَطْنِ قَدَمِهِ اليُسرى، ونصبَ

стр. 506

اليُمنى، وإذا كانَ في الرابعةِ أفْضى بِوَرِكِهِ اليُسرى إلى الأرضِ، وأخرجَ قَدَمَيْهِ مِنْ ناحيةٍ واحدة. "من الحسان": " قال أبو حُميد الساعدي في عشرة"؛ أي: بين عشرة أَنْفُسٍ "من أصحاب رسول الله صَلَّى الله تعالى عليه وسلم: أنا أعلمُكم بصلاة رسول الله صَلَّى الله تعالى عليه وسلم، قالوا: فاعرِضْ"؛ أي: بين علمَك بصلاته ﵊ إن كنتَ صادقاً فيما تدَّعيه. "قال: كان رسولُ الله صَلَّى الله تعالى عليه وسلم إذا قام إلى الصَّلاة يرفع يديه حتَّى يحاذيَ بهما مَنْكِبَيه، ثم يكبر، ثم يقرأ، ثم يكبر ويرفع يديه حتَّى يحاذيَ بهما مَنْكِبَيه، ثم يركع ويضع راحتَيه على رُكبتَيه، ثم يعتدل"؛ أي: يستوي "قائمًا، فلا يصبي"؛ أي: لا يخفض. "رأسَه ولا يُقْنِع"؛ أي: لا يرفعه حتَّى يكونَ أعلى من جسده. "ثم يرفع رأسَه فيقول: سمع الله لمن حمده، ثم يرفع يديه حتَّى يحاذيَ بهما مَنْكِبَيه معتدلاً، ثم يقول: الله أكبر، ثم يَهْوِي"؛ أي: ينزل. "إلى الأرض ساجداً، فيجافي يدَيه"؛ أي: فيُبعد مِرْفَقَيه "عن جنبيه، ويفتخ" - بالخاء المعجمة - "أصابعَ رِجلَيه"؛ أي: يَثنِيها ويُلينها. "ثم يرفع رأسَه ويَثنِي رِجلَه اليسرى"؛ أي: يعوجها إلى باطن الرجل، "فيقعد عليها، ثم يعتدل حتَّى يرجع كل عظم في موضعه معتدلاً، ثم يسجد، ثم يقول: الله أكبر، ويرفع ويثني رجله اليسرى، فيقعد عليها، ثم يعتدل حتَّى يرجعَ كل عظم إلى موضعه"، وفيه: دليل على سُنِّية جلسة الاستراحة. "ثم ينهض"؛ أي: يقوم. "ثم يصنع"؛ أي: يفعل "في الركعة الثَّانية مثل ذلك، ثم إذا قام عن

стр. 507

الركعتين كبَّر ورفع يديه حتَّى يحاذيَ بهما مَنْكِبَيه، كما كبَّر عند افتتاح الصَّلاة، ثم يصنع ذلك في بقية صلاته، حتَّى إذا كانت السجدة التي فيها التسليم أخَّر رجلَه اليسرى، وقعد متورَكاً على شقه الأيسر"؛ أي: مفضياً بوِركه اليسرى إلى الأرض غير قاعد على رِجليه. "ثم يسلِّم، قالوا: صدقتَ، هكذا كان يصلِّي. صحيح"، أراد بهذا (الصحيح): ما ذكره في آخر خطبة الكتاب، لا ما ذكره الشيخان. "وفي رواية من حديث أبي حُميد: ثم ركع فوضع يدَيه على رُكبتَيه كأنه قابضٌ عليهما، ووتَّر يديه"؛ أي: جعلهما كالوَتَر من: التوتير، وهو جعل الوَتَر على القَوس. "فنحَّاهما"؛ أي: أَبعدَهما "عن جنبيه"، حتَّى كان يدُه كالوَتَر وجنبُه كالقَوس. "وقال: ثم سجد فأَمكنَ أنفَه وجبهتَه الأرض"؛ أي: وضعهما على الأرض مع الطمأنينة. "ونَحَّى"؛ أي: أَبعدَ "يدَيه عن جنبيه، ووضع كفَّيه حَذْوَ مَنُكِبَيه، وفرَّج"؛ أي: فرَّق "بين فخذيه غيرَ حاملٍ"؛ أي: غيرَ واضعٍ "بطنَه على كل شيء من فخذيه حتَّى فرغ" من السجود. "ثم جلس فافترش رِجلَه اليسرى، وأقبل بصدر اليمنى على قِبلته"؛ أي: وجَّه أطرافَ أصابع رِجله اليمنى إلى القِبلة. "ووضع كفَّه اليمنى على ركبته اليمنى، وكفه اليسرى على ركبته اليسرى، وأشار بإصبعه"؛ يعني: السبَّابة. "وفي رواية: إذا قعد في الركعتين قعد على بطن قدمه اليسرى ونصب اليمنى، وإذا كان في الرابعة أفضى"؛ أي: أوصلَ

стр. 508

"بوِرْكِه اليسرى إلى الأرض، وأخرج قدمَيه من ناحية واحدة"، وفيه: دليل للشافعي على سُنية التورُّك في القعدة الثَّانية. * * * ٥٦٦ - وعن وائل بن حُجْر: أَنَّهُ أبصَرَ النَّبيُّ ﷺ حِينَ قامَ إلى الصَّلاةِ رفعَ يدَيْهِ حتَّى كانتا بِحِيَالِ مَنْكِبَيْهِ، وحاذَى إبْهَامَيْهِ أُذُنيهِ، ثُمَّ كَبَّرَ. وفي روايةٍ: يرفعُ إبْهَامَيْهِ إلى شَحْمَةِ أُذُنيهِ. "وعن وائل بن حُجْر: أنه أبصرَ النبيَّ ﵊ حين قام إلى الصَّلاة رفعَ يدَيه حتَّى كانتا بحِيَال مَنْكِبَيه"؛ أي: تلقاءَهما. "وحاذَى إبهامَيه أُذنيَه، ثم كبَّر". "وفي رواية: يرفع إبهامَيه إلى شحمة أُذنيَه": وهي ما لانَ من أسفلهما. ٥٦٧ - وعن قَبيْصة بن هُلْب، عن أبيه أنَّه قال: كانَ رسولُ الله ﷺ يَؤُمُّنا فيأخُذُ شِمالَهُ بيمينهِ. "وعن قَبيصة بن هُلْب، عن أبيه أنه قال: كان رسول الله صَلَّى الله تعالى عليه وسلم يؤمُّنا، فيأخذ شمالَه"؛ أي: كوعَه الأيسرَ "بيمينه"؛ أي: بكفه اليمنى، وهذا عند القيام. * * * ٥٦٨ - وعن رِفاعة بن رافِع قال: جاء رجُلٌ فصلَّى في المسجدِ، ثمَّ جاءَ فسلَّمَ على النَّبيِّ ﷺ ، فقال النَّبيّ ﷺ : "أعَدْ صَلاتَكَ، فإنَّكَ لمْ تُصَلِّ"، فقال: علِّمْني - يا رسولَ الله! - كيفَ أصلِّي؟، فقال: "إذا توجَّهْتَ إلى القِبلةِ فكبرْ،

стр. 509

ثمَّ اقرأْ بأُمِّ القرآنِ، وما شاءَ الله أنْ تقرأَ، فإذا ركَعْتَ فاجعَلْ راحتَيْكَ على رُكبتَيْكَ، ومكِّنْ رُكُوعَكَ، وامدُدْ ظَهْرَكَ، فإذا رفعتَ فأقِمْ صُلْبَكَ، وارفَعْ رأْسَكَ حتَّى ترجعَ العِظامُ إلى مَفاصِلِها، فإذا سَجَدْتَ فَمَكِّنْ للسجُودِ، فإذا رَفَعْتَ فَاجلِسْ على فَخِذِكَ اليُسرى، ثمَّ اصنَعْ ذلكَ في كُلِّ ركعةٍ وسَجْدَةٍ حتَّى تطمئن". وفي روايةٍ: "إذا قُمْتَ إلى الصَّلاةِ فتوضَّأْ كما أمرَكَ الله، ثمَّ تشهَّدْ فأقِمْ، فإن كانَ معكَ قُرآن فأقْرَأْ، وإلَاّ فاحْمَدِ الله وكبرْهُ وهَلِّلْهُ، ثمَّ ارْكَعْ". "وعن رِفاعة بن رافع: أنه قال: جاء رجل، فصلَّى في المسجد، ثم جاء فسلَّم على النَّبيّ ﵊، فقال النَّبيّ ﵊: أَعِدْ صلاتَك؛ فإنَّك لم تصلِّ"؛ وذلك لعدم كمالها وتفاحُش نقصانها. "فقال"؛ أي: الرجلُ: "علِّمْني يا رسولَ الله كيف أصلِّي، قال: إذا توجَّهت إلى القِبلة فكبّر، ثم اقرأ بأم القرآن"؛ أي: بالفاتحة، سُميت بأم القرآن؛ لأنها أوله في التلاوة والكتابة. "وما شاء الله أن تقرأ"؛ أي: ما رزقَك الله من القرآن بعد الفاتحة. "فإذا ركعتَ فاجعلْ راحتَيك على رُكبتَيك، ومكِّن ركوعَك"؛ أي: اركعْ ركوعاً تامًّا مع الطمأنينة. "وامدُدْ ظَهرَك، فإذا رفعتَ فأَقِمْ صلبَك وارفْع رأسَك حتَّى ترجعَ العظامُ إلى مفاصلها، وإذا سجدتَ فمكِّن للسجود"؛ أي: اسجد سجوداً تاماً مع الطمأنينة. "فإذا رفعتَ فاجلسْ على فخذك اليسرى، ثم اصنعْ ذلك في كل ركعة وسجدة حتَّى تطمئنَّ"، يريد به: الجلوس في آخر الصَّلاة؛ فإنَّه موضعُ الاستقرار؛ يعني: حتَّى تفرغ.

стр. 510

"وفي رواية: إذا قمتَ إلى الصَّلاة فتوضَّأ كما أمرك الله، ثم تشهَّدْ"؛ أي: بعدَ الفراغ من الوضوء قل: أشهد أن لا إله إلَّا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. وقيل: أي: أذِّنْ؛ لأنَّه مشتملٌ على كلمتَي الشهادة. "فأَقِمْ"، يريد به: الإقامة للصلاة، وقيل: معنى (تشهد)؛ أي: احضرْ وانوِ وكبر وأحضرْ قلبَك واستَقِمْ. "وإن كان معك قرآن فاقرأ، وإلا"؛ أي: وإن لم يكن معك قرآن "فاحمدِ الله"؛ أي: قل: الحمد لله. "وكبره"؛ أي: قل: الله أكبر. "وهلِّله"؛ أي: قل: لا إله إلَّا الله. "ثم اركع". * * * ٥٦٩ - عن الفضل بن عبَّاس أنَّه قال: قال رسول الله ﷺ : "الصلاةُ مَثْنَى مَثْنَى، تَشَهَّدُ في كُلِّ ركعتَيْنِ، وتَخَشَّعُ، وتَضَرَّعُ، وتَمَسْكَنُ، ثمَّ تُقْنِعُ يديك - يقول: ترفعُهما - إلى رَبكَ مُستقبلاً ببُطُونهِما وجهَكَ، وتقولُ: يا ربِّ يا ربِّ، ومَنْ لمْ يفعلْ ذلكَ فهو خِداجٌ". "عن الفضل بن عباس ﵄ أنه قال: قال رسول الله صَلَّى الله تعالى عليه وسلم: الصلاةُ مثنى مثنى"؛ يعني: الصَّلاة تُصلَّى ركعتين ركعتين، وهذا في النوافل عند الشَّافعي؛ إذ الأفضلُ أن يسلّم من كل ركعتين ليلاً كان أو نهارًا. وعند أبي حنيفة: الأفضل أن تصلّي أربع ركعات بتسليمة ليلاً كان أو نهاراً.

стр. 511

"تشهَّد": مصدر منوَّن، وكذا المعطوفات بعده؛ أي: ذات تشهُّد. "في كل ركعتين وتخشَّع": وهو سكون الظاهر والباطن، وطمأنينة الرجل بحيث لا يتحرك ولا يلتفت يميناً وشمالاً. "وتضرَّع" إلى الله تعالى. "وتَمَسْكَن": وهو إظهارُ الرجلِ المسكنةَ من نفسه. "ثم تُقنِع يدَيك، يقول"؛ أي: الراوي: معناه: "ترفعهما إلى ربك" لطلب الحاجة، وقيل: (يقول) مقول المصنف، وفاعله (النَّبيّ) ﵊، (ترفعهما) يكون تفسيراً لقوله: (ثم تُقنِع يديك). "مستقبلًا ببطونهما وجهَك وتقول: يا ربِّ! يا ربِّ! ومَن لم يفعل ذلك"؛ أي: الأشياءَ المذكورةَ في الصَّلاة "فهو خِدَاج" بكسر الخاء المعجمة؛ أي: فعل صلاته ناقص غير كامل، وقيل: تقديره: فهي منه ذات خِدَاج؛ أي: صلاة ذاتُ خِدَاج، ووصفها بالمصدرِ نفسِه مبالغة، والمعنى: أنها ناقصة. * * * ١٠ - باب ما يَقْرأُ بعد التكبيرِ (باب ما يقرأ بعد التكبير) مِنَ الصِّحَاحِ: ٥٧٠ - قال أبو هُرَيرَةَ ﵁: كانَ رسول الله ﷺ يَسْكُتُ بين التَّكْبيرِ وَبَيْنَ القِرَاءَةِ إسْكَاتَةً فقلت: بِأبي وَأُمِّي يا رَسُولَ الله! إسْكَاتُكَ بين التَّكْبيرِ وَالقِرَاءَةِ ما تَقُولُ؟، قال: أقولُ: "اللهم بَاعِدْ بَيْني وَبَيْنَ خَطَايَايَ كما بَاعَدْتَ بين المَشْرِقِ

стр. 512

وَالمَغْرِبِ، اللهم نَقِّنِي من الخَطَايَا كما يُنَقَّى الثَّوْبُ الأَبْيَضُ من الدَّنسِ، اللهم اغسِلْ خَطَايَايَ بِالمَاء وَالثَّلْج وَالبَرَدِ". "من الصحاح": " قال أبو هريرة: كان رسول الله صَلَّى الله تعالى عليه وسلم يَسكُت" من: أَسكَتَ بمعنى: سَكَتَ. "بين التكبير وبين القراءة إسكاتة"، والمراد به: ترك الجهر، لا ترك الكلام أصلًا. "فقلت: بأبي وأمي"، الباء: للتفدية؛ أي: أنتَ مُفدى بأبي وأمي. "يا رسولَ الله! إسكاتك": منصوب بفعل مُضمَر؛ أي: أسألك عن إسكاتك. "بين التكبير والقراءة ما تقول فيها؟ قال: أقول: اللهم باعِدْ بيني وبين خطاياي كما باعدتَ بين المشرق والمغرب، اللهم نقِّني"؛ أي: طهِّرْني "من الخطايا والذنوب كما يُنقَّى الثوبُ الأبيضُ من الدنسَ"؛ أي: الوَسَخ. "اللهم اغسلْ خطاياي بالماء والثلج والبَرَد"، ذلك كلُّه مبالغة في التطهير؛ لا لأنه يحتاج إليها؛ أي: طهِّرْني من الخطايا بأنواع مغفرتك، التي هي في محو الذنوب بمثابة هذه الأشياء في إزالة الأدناس. قيل: خص الثلج والبَرَد بالذِّكر؛ لأنهما ماءان مقطوران على خلقتهما، لم يُستعملا ولم تَنَلْهما الأيدي، ولم تَخُضْهُما الأَرْجُلُ كسائر المياه التي خالطت التراب، وجرت في الأنهار وجُمعت في الحِيَاض، فهما أحقُّ بكمال الطهارة. * * * ٥٧١ - وقال عليّ بن أبي طالب ﵁: كان رسولُ الله ﷺ إذا قامَ إلى

стр. 513

الصَّلاةِ - وفي رواية: كان إذا افتتحَ الصلاةَ - كبَّرَ، ثمَّ قالَ: "وجَّهْتُ وجْهِيَ للذي فطرَ السَّماواتِ والأرضَ حنيفاً مسلمًا، وما أنا مِنَ المُشْركِينَ، إنَّ صَلاتي ونُسُكي ومَحْيايَ ومَماتي لله رَبِّ العالمينَ لا شَريكَ لهُ، وبذلكَ أُمِرْتُ، وأنا منَ المُسلمينَ، اللَّهمَّ أنتَ المَلِكُ لا إله إلَّا أنتَ، سُبحانك وبحمْدِكَ، أنتَ رَبيَ وأنا عبدُكَ، ظلَمتُ نفْسي، واعترفْتُ بذَنْبي، فاغفِرْ لي ذُنوبي جميعًا، إنَّهُ لا يَغفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أنتَ، واهْدِني لأحسَنِ الأخلاقِ، لا يهدي لأَحسَنِها إلَّا أنتَ، واصْرِفْ عنِّي سَيئَها، لا يَصْرِفُ عنِّي سَيئها إلَّا أنتَ، لبيْكَ وسَعْدَيْكَ، والخَيْرُ كُلُّهُ في يَدَيْكَ، والشَّرُّ ليسَ إليكَ، أنا بكَ وإليكَ، تَباركتَ وتعالَيْتَ، أستَغْفِرُكَ وأتُوبُ إليكَ"، وإذا ركعَ قال: "اللَّهمَّ لكَ ركَعْتُ، وبكَ آمنْتُ، ولكَ أسْلَمْتُ، خشعَ لكَ سَمْعي، وبَصَري، ومُخِّي، وعَظْمي، وعَصَبي"، وإذا رفعَ رأسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ قال: "اللَّهمَّ ربنا لكَ الحَمْدُ مِلءَ السَّماواتِ ومِلْءَ الأرضِ وما بينهُما، ومِلءَ ما شِئْتَ مِنْ شيءٍ بعدُ"، وإذا سجدَ قال: "اللَّهمَّ لكَ سَجدْتُ، وبكَ آمنْتُ، ولكَ أسلَمْتُ، سجَدَ وجْهِي للذي خلقَهُ وصوَّرَهُ، وشَقَّ سَمْعَهُ وبصَرَهُ، فتباركَ الله أحسَنُ الخالِقينَ"، ثمَّ يكونُ مِنْ آخِرِ ما يقوله بين التشَهُّدِ والتَّسْليم: "اللهمَّ اغفرْ لي ما قَدَّمْتُ، وما أخَّرْتُ، وما أسْرَرْتُ، وما أعْلَنْتُ، وما أسْرَفْتُ، وما أنتَ أعلم بهِ منِّي، أنتَ المُقَدِّمُ وأنتَ المُؤخِّرُ، لا إله إلَّا أنتَ". وفي روايةٍ: "والشرُّ ليسَ إليكَ، والمَهدِيُّ مَنْ هدَيتَ، أنا بكَ وإليكَ، لا مَنْجا مِنكَ ولا ملْجأ إلَّا إليكَ، تباركتَ وتعالَيْتَ". "وقال عليّ بن أبي طالب: كان رسول الله صَلَّى الله تعالى عليه وسلم إذا قام إلى الصَّلاة قال، وفي رواية: كان إذا افتتح الصلاةَ كبَّر ثم قال: وجَّهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض"؛ أي: صَرَفتُ وجهي وعملي ونيَّتي إلى

стр. 514

الذي خلقهما، وأعرضت عما سواه. "حنيفاً": نُصب على الحال من ضمير (وجهت)؛ أي: مائلاً عن كل دينٍ باطلٍ إلى الإسلام ثابتاً عليه، وهو عند العرب قد غلب على مَن كان على مِلَّة إبراهيم صلوات الله وسلامه على نبينا وعليه، وقيل: هو المُسلِم المستقيم. "وما أنا من المشركين، إن صلاتي"؛ أي: عبادتي "ونُسُكي"؛ أي: تقرُّبي، أو حَجِّي، وجمعَ بينهما كما في قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢]. "ومحياي"؛ أي: حياتي. "ومماتي"؛ أي: موتي. "لله" تعالى، لا تصرُّفَ لغيره فيهما، أو ما أنا عليه من العبادة في حياتي ما أموت عليه خالصةٌ لوجه الله. "ربِّ العالمين، لا شريكَ له، وبذلك أُمرت وأنا من المسلمين"؛ أي: المنقادين والمطيعين لله. "اللهم أنتَ المِلكُ لا إلهَ إلَّا أنتَ سبحانك": اسمٌ أُقيم مقامَ المصدر، وهو التسبيح، منصوب بفعل مضمر، تقديره: أُسبحك تسبيحاً، أُنزِّهك تنزيهاً من كل السوء والنقائص، وأُبعدك ممَّا لا يليق بحضرتك من أوصاف المخلوقات من الأهل والولد. "وبحمدك"، قيل: تقديره: أُسبحك تسبيحاً ملتبساً ومقترناً بحمدك؛ فالباء للملابسة، والواو زائدة. وقيل: الواو بمعنى: مع؛ أي: أُسبحك مع حمدك، أو وبحمدك أُسبحك؛ أي: لك الحمد على توفيقك إياي على تسبيحك. "أنت ربي وأنا عبدك، ظلمتُ نفسي" بالغفلة.

стр. 515

"واعتَرفتُ"؛ أي: أَقررتُ "بذنبي فاغفرْ لي ذنوبي جميعاً، إنه لا يَغفر الذنوبَ إلَّا أنت، واهدِني لأحسن الأخلاق"، اللام بمعنى (إلى)؛ يعني: أعطِني أحسنَ الأخلاق في عبادتك. "لَّا يهدي لأحسنها إلَّا أنت، واصرفْ عني سيئَها"؛ أي: سيئَ الأخلاق. "لا يصرف عني سيئَها إلَّا أنت، لبَّيك" معناه: دواماً على طاعتك وإقامةً عليها مرةً بعد أخرى، من (ألبَّ بالمكان): أقام به، وألَبَّ على كذا: إذا لم يفارقه، ولم يُستعمل إلَّا مثنى بمعنى التكرير للتكثير، فلذلك وجب إضمار ناصبه، كأنه قال: ألبَّ إلباباً بعد إلباب، وقيل: معناه: اتجاهي إليك، من قولهم: داري تَلُبُّ دارَك؛ أي: تواجهها. "وسعدَيك"؛ أي: ساعدتُ طاعتَك مساعدةً بعد مساعدة، وهما الموافقة. "والخير كلُّه في يديك"؛ أي: كلُّه عندك كالشيء المُوثوق به المقبوض عليه، لا يُدرَك منه شيءٌ ما لم تسبق به كلمتُك. "والشر ليس إليك"؛ أي: لا يُتقرَّب به إليك أو لا يُنسَب إليك على الانفراد، وهذا لرعاية الأدب. "أنا بك وإليك"؛ أي: أنا أعوذ بك وأتوجَّه إليك. "تباركتَ" من: البركة، وهي الكثرة؛ أي: زاد خيرُك وكَثُرَ في خلقك. "وتعاليتَ"؛ أي: تعظَّمت عن توهُّم الأوهام وتهوّر الأفهام. "أستغفرك وأتوب إليك، وإذا ركع قال: اللهم لك ركعتُ، وبك آمنتُ، ولك أسلمتُ"؛ أي: لك ذللتُ وانقدتُ، أو لك أخلصتُ وجهي، أو لك خَذلتُ نفسي وتَركتُ أهواءَها. "خشعَ"؛ أي: خضعَ وتواضَعَ وأطاعَ لك "سمعي وبصري": هذا غاية

стр. 516

الخشوع لله تعالى بذِكر معظم بنيَّة الحيوان، وتخصيص السمع والبصر من بين الحواس؛ لأنَّ أكثرَ الآفات بهما، فإذا خشعتا قلَّت الوساوس. "ومُخّي وعظمي وعصبي": وهم عُمُد بنيَّة الحيوان وأطنابها، والعَصَب خزانة الأرواح النفسانية أيضاً، واللحم والشحم غادِ ورائحٌ. "وإذا رفع رأسَه من الركوع قال: اللهم ربنا لك الحمد، ملءَ السماوات والأرض وما بينهما، وملءَ ما شئتَ من شيء بعدُ"؛ أي: بعدَ السماواتِ والأرضِ، هذا غاية الحمد لله تعالى؛ حيث حمدُه ملء مخلوقاته الموجودة، وملء ما يشاء من خلقه من المعدومات الممكنة المغيَّبة. "وإذا سجد قال: اللهم لك سجدتُ، وبك آمنتُ، ولك أسلمتُ، سجد وجهي للذي خلقَه وصوَّره، وشقَّ سمعه وبصره، فتبارك الله أحسن الخالقين"؛ أي: المصوِّرين والمقدِّرين. "ثم يكون من آخر ما يقول بين التشهُّد والتسليم: اللهم اغفرْ لي ما قدمتُ" من سيئة "وما أخَّرتُ" من عمل، قال تعالى: ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾، أو المراد بهما: جميع ما فَرَطَ مني، أو ما قدمتُ قبل النبوة وما أخرتُ بعدها، أو ما أخَّرتَه في علمك ممَّا قضيتَه عليّ. "وما أسررتُ وما أعلنتُ وما أسرفتُ": مبالغة في طلب الغفران من الله تعالى، والإسراف: مجاوزة الحَدِّ. "وما أنتَ أعلم به مني"؛ أي: من ذنوبي التي لا أعلمها. "أنتَ المقدّم"؛ أي: الموفِّق لبعض عبادك على الطاعات. "وأنتَ المؤخّر"؛ أي: الذي يخذل البعض عن الطاعات وعن التوفيق للخيرات، أو المعنى: أنت الرافع والخافض والمُعِز والمُذِلّ. "لَّا إله إلَّا أنت".

стр. 517

وفي رواية: "والشر ليس إليك، والمَهديُ مَن اهَدَيتَ، أنا بك وإليك، لا مَنْجَى منك": مقصور لا ممدود ولا مهموز، مصدر ميمي، أو اسم مكان؛ أي: لا مَهْرَبَ من عذابك. "ولا مَلْجَأ" بالهمزة وبدونه؛ أي: لا مخلص لمن طالبته. "إلَّا إليك تباركت". * * * ٥٧٢ - عن أنس ﵁: أنَّ رجُلاً جاءَ إلى الصَّلاةِ وقدْ حَفَزَهُ النَّفَسُ، فقال: الله أكبرُ، الحمدُ لله حَمداً كثيراً طَيباً مُباركاً فيه، فلمَّا قضَى رسولُ الله ﷺ صلاتَهُ، فقال: "أيكُمُ المُتكَلِّمُ بالكلماتِ؟، لقدْ رأيتُ اثنَيْ عَشَرَ مَلَكاً يَبْتَدِرُونهَا، أيهُمْ يرفعُها". "وعن أنس: أن رجلًا جاء إلى الصَّلاة وقد حَفَزَه"؛ أي: جَهَدَه النَّفَس من شدة السعي إلى الصَّلاة لإدراكها. "فقال: الله أكبر، الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه"؛ أي: حمداً جُعلت البركة فيه؛ يعني: حمداً كثيراً غايةَ الكثرة. "فلما قضى رسول الله صَلَّى الله تعالى عليه وسلم صلاتَه قال: أيكم المتكلم بالكلمات؟ لقد رأيتُ اثني عشر ملَكاً يبتدرونها"؛ أي: ثوابَ هذه الكلمات. "أيُّهم يرفعها"؛ يعني: سبق بعضهم بعضاً في كتابة هذه الكلمات، ورفعها إلى حضرة الله تعالى؛ لعِظَم قَدْرها، وتخصيصُ العدد نؤمن به ونُفوِّض إلى عالمه. * * *

стр. 518

مِنَ الحِسَان: ٥٧٣ - عن عائشة ﵂ قالت: كانَ النَّبيُّ ﷺ إذا افْتَتَحَ الصَّلاةَ قال: "سُبحانَكَ اللَّهمَّ وبحمدكَ، وتباركَ اسمكَ، وتعالى جَدُّكَ، ولا إلهَ غيرُك"، ضعيف. "من الحسان": " عن عائشة أنها قالت: كان النَّبيّ ﵊ إذا افتتح الصلاةَ قال: سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك"؛ أي: زاد بركة اسمك في السماوات والأرض؛ إذ وجدَ كلَّ خيرٍ مَن ذَكَرَ اسمَك. "وتعالى جَدُّك"؛ أي: علا ورفع عظمتك على عظمة غيرك غايةَ العُلوّ والرِّفعة. "ولا إله غيرك". "ضعيف"، قيل: ضعَّفه عند قليل من الصحابة، لكنَّه حديثٌ حسن عالي الإسناد قوي عند أكثرهم، أخذ به عمر وعبد الله بن مسعود وغيرهما من فقهاء الصحابة، وذهب إليه الأجلَّة من العلماء، كأبي حنيفة وأصحابه، وسفيان الثوري وأحمد بن حنبل. * * * ٥٧٤ - عن جُبَيْر بن مُطْعِم: أنَّهُ رأى رسولَ الله ﷺ يُصَلِّي صَلاةً قال: "الله أكبرُ كبيرًا، الله أكبر كبيرًا، الله أكبر كبيرًا، والحمدُ لله كثيرًا ثلاثًا، وسُبحانَ الله بُكرةً وأَصيلاً ثلاثًا، أعوذُ بالله مِنَ الشَّيطانِ الرَّجيم، مِنْ نفخِهِ ونَفْثِهِ وهَمْزِه". "عن جُبير بن مُطعِم: أنه رأى رسولَ الله صَلَّى الله تعالى عليه وسلم يصلِّي صلاةً قال: الله أكبر كبيراً": منصوب بإضمار فعل، أو على حال أو صفة

стр. 519

لمحذوف؛ أي: تكبيراً كبيراً. "الله أكبر كبيراً، الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً": صفة لموصوف مقدَّر؛ أي: حمداً كثيراً "ثلاثًا". "وسبحان الله بُكرةً"؛ أي: في أول النهار "وأصيلاً"؛ أي: في آخر النهار، منصوبان على الظرف، والعامل (سبحان). "ثلاثاً"، خصَّ هذين الوقتين؛ لاجتماع ملائكة الليل وملائكة النهار فيهما. "أعوذ بالله من الشيطان من نَفْخِه": بدل اشتمال، وهو إثارته الشرَّ فيه من الخُيَلاء والغضب والكِبْر، سَمَّى ذلك نفخاً لِمَا يوسوس إليه الشيطان في نفسه، فيعظمها عنده، ويحقر النَّاسَ في عينيه حتَّى يدخله الزهو، ويبقى كالذي نُفخَ فيه. "ونفثِه"؛ أي: ممَّا يأمر النَّاسَ وإنشاء الشِّعر المذموم ممَّا فيه هَجْوُ مُسلِمٍ أو كفرٌ أو فسقٌ؛ لأنَّه كالشيء الذي يُنفَث من الفم كالرُّقية. وقيل: النَّفْث: السِّحر الذي هو من الضلالات الشيطانية، كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ [الفلق: ٤]. "وهَمْزِه"؛ أي: من جعلِه أحداً مجنوناً، وقيل: الهَمْز: الوسوسة، كقوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ﴾ [المؤمنون: ٩٧]. * * * ٥٧٥ - عن سَمُرة بن جُنْدُب: أنَّهُ حفِظَ عن رسولِ الله ﷺ سكتتَيْنِ: سَكتَة إذا كَبَّرَ، وسَكْتَةً إذا فرغَ مِنْ قراءةِ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، فصدَّقَهُ أُبيُّ بن كَعْبٍ.

стр. 520

"عن سَمُرة بن جُندب: أنه حفظَ عن رسول الله صَلَّى الله تعالى عليه وسلم سكتتَين: سكتةً إذا كبَّر"، وفائدتها: أن يفرغَ المأمومُ من النيَّة وتكبيرة الإحرام؛ لئلا يفوتَه سماعُ بعض الفاتحة. "وسكتةً إذا فرغ من قراءة: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ "، والغرض منها: أن يقرأَ المأمومُ الفاتحةَ بعد فراغ الإمام منها، ويرجعَ الإمامُ إلى التنفُّس والاستراحة. "فصدَّقه أُبي بن كعب"، وهاتان السكتتان سُنَّةٌ عند الشَّافعي وأحمد، والثانية مكروهة عند أبي حنيفة ومالك. * * * ٥٧٦ - وقال أبو هُريرة ﵁: كانَ رسولُ الله ﷺ إذا نهضَ من الرَّكعةِ الثانيةِ استفتحَ القِراءةِ بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ولمْ يسكُت. "وقال أبو هريرة: كان رسول الله صَلَّى الله تعالى عليه وسلم إذا نهضَ"؛ أي: قامَ "من الركعة الثَّانية" إلى الثالثة "استفتح القراءة بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ولم يَسكُت"؛ وذلك لأنَّ هذا الموضعَ ليس من الموضعَين اللذَين روى فيهما السكتة. * * * ١١ - باب القِراءةِ في الصلاة (باب القراءة في الصَّلاة) مِنَ الصِّحَاحِ: ٥٧٧ - قال رسول الله ﷺ : "لا صلاةَ لمْن لمْ يقرأْ بفاتِحَةِ الكِتابِ".

стр. 521

ويروى: "لِمَنْ لمْ يقرأْ بأُمَ القُرآنِ فصاعِداً". "من الصحاح": " عن عبادة أنه قال: قال رسول الله صَلَّى الله تعالى عليه وسلم: لا صلاةَ لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب"، "ويروى: لمن لم يقرأ بأم القرآن"، سُميت الفاتحة به؛ لِمَا ذكرْنا أنها أولُه وأصلُه. "فصاعداً" من: الصعود، وهو الارتقاء من سفل إلى علو، ومعناه هنا: الزائد، نُصب على الحال؛ أي: حالَ كون قراءته زائداً على أم القرآن. * * * ٥٧٨ - وعن أبي هريرة ﵁ عن النَّبيِّ ﷺ قال: "مَنْ صلَّى صلاةً لم يَقْرأْ فيها بأُمِّ القُرآنِ فهيَ خِداج ثلاثاً، غيرُ تمامٍ"، وقيل لأبي هريرة ﵁: إنَا نكونُ وراءَ الإمام؟، قال: اقْرَأ بها في نفَسِكَ، فإني سمعتُ النبيَّ ﷺ يقولُ: "قال الله : قَسَمْتُ الصَّلاةَ بَيْني وبينَ عَبْدي نِصْفَيْنِ، ولعَبْدِي ما سألَ، وإذا قالَ العبدُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قال الله: حَمَدني عَبْدي، وإذا قالَ: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قالَ الله: أَثنَى عليَّ عَبْدي، وإذا قالَ: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قال: الله تعالى مَجَّدَنِي عَبْدي، وإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ قال: هذا بَيْني وبَيْنَ عَبْدي، ولعَبْدِي ما سألَ، وإذا قال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ قال: هذا لِعَبْدِي، وَلعَبْدِي ما سألَ". "وعن أبي هريرة، عن النَّبيِّ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: مَن صلَّى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خِدَاجٌ"؛ أي: صلاتُه ناقصةٌ. "ثلاثًاً"؛ أي: قالها ثلاثاً. "غير تام"، قيل: تأكيد، وقيل: هو من قول المصنف، ذكره تفسيراً للخِدَاج.

стр. 522

"فقيل لأبي هريرة: إنا نكون وراءَ الإمام، قال: اقرَأْ بها"؛ أي: بأم القرآن "في نفسك"؛ أي: سرًّا غير جهر، وإليه ذهب الشَّافعي. "فإني سمعتُ النبيَّ ﵊ يقول: قال الله تعالى: قَسَمتُ الصلاةَ"؛ أي: الفاتحةَ؛ سُميت صلاةً لِمَا فيها من القراءة، وكونها جزءاً من أجزائها. "بيني وبين عبدي نصفَين"، وحقيقة القِسمة هنا راجعة إلى المعنى، لا إلى مَتلوّ اللفظ؛ لأنَّ نصفَها ثناءٌ، وهو إلى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، ونصفَها دعاء ومسألةٌ؛ وهو: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ ولو كان من قسمة الحروف لَزادَ النصف الأخير زيادةً بينةً. "ولعبدي ما سأل، فإذا قال العبد: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ قال الله تعالى: حمدني عبدي". "وإذا قال: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ قال الله تعالى: أثنَى عليَّ عبدي". "وإذا قال: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ قال: مجَّدني عبدي"، التمجيد: نسبة إلى المجد، وهو الكَرَم، وقيل: العَظَمة. "وإذا قال: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ "؛ أي: نطلب العونَ على الأمور منك. "قال: هذا بيني وبين عبدي"؛ لأنَّ قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ له تعالى، و ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ للعبد، "ولعبدي ما سأل. وإذا قال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ "؛ يعني به: كل فعل وقول ونية برضاء الله تعالى. ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ من الأنبياء والأولياء. ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ﴾؛ يعني: اليهود. ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾؛ يعني: النصارى.

стр. 523

"قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل": وهذا يرشد إلى سرعة إجابته تعالى. * * * ٥٧٩ - وعن أنس: أن النَّبيَّ ﷺ وأبا بكرٍ وعمرَ ﵄ كانوا يفتَتِحُونَ الصَّلاةَ بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾. "وعن أنس ﵁: أن النَّبيَّ ﵊ وأبا بكر وعمر كانوا يستفتحون الصلاةَ"؛ أي: يبتدئونها "بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ "؛ أي: لا بسورة أخرى. وقيل: معناه: أنهم يسُّرون بالبسملة كما يسرُّون بالتعوُّذ، ثم يجهرون بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾. وهذه الأحاديث تدل على وجوب قراءة الفاتحة على مَن يَقدِر عليها. * * * ٥٨٠ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا أمَّنَ الإمامُ فأمنُوا، فإنَّه مَنْ وافَقَ تأمينُهُ تأمينَ الملائكةِ غفِرَ له ما تقدمَ مِن ذنبه". وفي روايةٍ: "إذا أمَّنَ القارِئُ فأمِّنُوا، فإنَّ الملائكةَ تؤمِّنُ، فمنْ وافَقَ تأمينُهُ تأمينَ الملائكة غفِرَ له ما تقدَّمَ مِنْ ذَنْبهِ". وفي روايةٍ: "إذا قالَ الإمامُ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقولوا: آمين، فإن الملائكةَ تقولُ: آمين، وإن الإمامَ يقولُ: آمين، فمَنْ وافَقَ تأمينُهُ تأمِينَ الملائكةِ غفِرَ لَهُ ما تقدمَ مِنْ ذَنْبهِ". "وعن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صَلَّى الله تعالى عليه وسلم: إذا

стр. 524

أمَّنَ" بتشديد الميم "الإمامُ فأمِّنُوا"؛ أي: قولوا: آمين، مقارناً لتأمين الإمام. "فإن الملائكةَ يُؤمِّنون معكم، فمَن وافَقَ تأمينُه تأمينَ الملائكة"؛ أي: في الإخلاص والخشوع، وقيل: في الإجابة، وقيل: في الوقت؛ وهو الصحيح. اختُلف في هؤلاء الملائكة؛ قيل: هم الحَفَظَة، وقيل: غيرهم. "غُفر له ما تقدَّم من ذَنْبه". وفي رواية: "إذا أمَّنَ القارئ فأَمِّنُوا؛ فإن الملائكةَ تؤمِّن، فمَن وافَقَ تأمينُه تأمينَ الملائكة غُفر له ما تقدَّم من ذَنْبه". وفي رواية: "إذا قال الإمام: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقولوا: آمين" مدًّا وقصراً، معناه: اسمعْ واستَجِبْ، أو معناه: كذلك فَلْيكنْ، أو اسم من أسمائه تعالى (١). "فإن الملائكة تقول: آمين، فمَن وافَقَ تأمينُه تأمينَ الملائكة غُفر له ما تقدَّم من ذَنْبه". * * * ٥٨١ - وعن أبي مُوسَى الأَشْعَري، عن رسول الله ﷺ قال: "إذا صلَّيْتُمْ فأقِيمُوا صفوفَكُمْ، ثمَّ لْيؤمَّكُمْ أحدَكُمْ، فإذا كَبَّرَ فكبرُوا، وإذا قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقُولُوا: آمين يُجبْكُمُ الله، فإذا كَبَّرَ وركعَ فكبرُوا وارْكَعُوا، وإذا قالَ: سَمعَ الله لِمَنْ حَمِدَه فقولُوا: اللَّهمَّ رَبنا لَكَ الحَمْدُ، يسمَعِ الله لَكُمْ". وفي روايةِ: "وإذا قرأَ فأنْصِتُوا". "وعن أبي موسى الأشعري، عن رسول الله صَلَّى الله تعالى عليه وسلم

стр. 525

أنه قال: إذا صلَّيتُم فأقِيموا"؛ أي: سوُّوا "صفوفَكم، ثم ليؤمَّكم أحدكم، فإذا كبَّر فكبروا"، يريد: أن موافقةَ الإمام واجبةٌ. "وإذا قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ فقولوا: آمين يُجبْكم الله" بالجزم: جواب الأمر بالقول. "وإذا كبَّر وركع فكبروا واركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد، يسمعِ الله لكم" بكسر العين؛ أي: يَقْبَلْه، وكان مجزوماً لجواب الأمر، حُرِّك بالكسر. قال أبو حنيفة ومالك وأحمد: يكتفي الإمام بقوله: سمع الله لمن حمده، ولا يقول: ربنا لك الحمد؛ لأنَّ القِسمةَ بين الذِّكرين تقطع الشركة. "وفي رواية: فإذا قرأ فأنصتوا"؛ أي: اسكتوا. قال أبو حنيفة: لا يقرأ المأمومُ خلفَ الإمام، بل يسكت (١). * * * ٥٨٢ - عن أبي قَتادة: أنَّ النَّبيَّ ﷺ كانَ يقرأُ في الظُّهْرِ في الأُولَيَيْنِ بأُمِّ الكِتابِ وسُورتَيْنِ، وفي الرَّكعَتَيْنِ الأُخْرَيَيْنِ بأُمِّ الكِتابِ، ويُسْمِعُنا الآيةَ أحياناً، ويُطيلُ في الرَّكعةِ الأُولى ما لا يُطيلُ في الرَّكعةِ الثَّانية، وهكذا في العَصْرِ، وهكذا في الصُّبْحِ. "وعن أبي قتادة: أن النَّبيّ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم كان يقرأ في الظُّهر في الأوليين بأمِّ الكتاب وسورتين، وفي الركعتين الأخريين بأمِّ الكتاب، ويُسمعنا الآيةَ أحياناً": يحتمل أنه ﵊ كان يُسمعهم إياها ليعلموا السورةَ التي هو فيها، فيقرؤوا نحوَها من السُّوَر في نحوها من الصلوات.

стр. 526

"ويطوِّل في الركعة الأولى ما لا يُطِيل": يحتمل أن تكون (ما) نكرة موصوفة؛ أي: تطويلاً لا يطيله "في الركعة الثَّانية"، وأن يكون مصدرية؛ أي: غير إطالته في الركعة الثَّانية. "وهكذا في العصر، وهكذا في الصُّبح". * * * ٥٨٣ - قال أبو سعيدٍ الخُدري: كنَّا نَحزرُ قِيامَ رسولِ الله ﷺ كما في الظُّهْرِ والعَصْرِ، فَحَزَرْنَا قِيامَهُ في الرَّكْعَتَيْنِ الأُوْلَيَيْنِ مِنْ الظُّهْرِ قَدْرَ قِراءةِ ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ السَّجْدَة - وفي روايةٍ: في كُلِّ ركعةٍ قَدْرَ ثلاثينَ آية - وفي الأُخْرَيَيْنِ قدر النِّصْفِ مِنْ ذَلِكَ، وفي الرَّكعَتَيْنِ الأُوْلَيَيْنِ مِنَ العَصْرِ على قَدْرِ قِيامِهِ في الأُخرَيَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ، وفي الأخْرَيَيْنِ مِنَ العَصْرِ على النِّصْفِ مِنْ ذلك. "وقال أبو سعيد الخُدري: كُنَّا نَحزِر"؛ أي: نُقدِّر، من (الحَزْر): التقدير. "قيامَ رسول الله صَلَّى الله تعالى عليه وسلم في الظُّهر والعصر، فحَزَرْنا"؛ أي: قدَّرْنا "قيامه في الركعتين الأوليين من الظهر قَدْرَ قراءة: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ السجدة". وفي رواية: "في كل ركعة قَدْرَ ثلاثين آية، وفي الأُخريين قَدْرَ النصف من ذلك، وفي الركعتين الأوليين من العصر على قَدْر قيامه في الأُخريين من الظّهر، وفي الأخريين من العصر على النصف من ذلك". * * * ٥٨٤ - وقال جابر بن سَمُرة: كانَ النَّبيُّ ﷺ يقرأُ في الظُّهْرِ بـ ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَىي﴾ - ويروى: بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ - وفي العَصْرِ نَحْوَ ذلك، وفي الصُّبْح أطولَ مِنْ ذلك.

стр. 527

"قال جابر بن سَمُرة: كان النَّبيّ ﵊ يقرأ في الظُّهر بـ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [الليل: ١]. "ويروى: بـ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]، وفي العصر نحو ذلك، وفي الصُّبح أطولَ من ذلك". * * * ٥٨٥ - وقال جُبَيْر بن مُطْعِمْ: سمعتُ النَّبيَّ ﷺ يقرَأُ في المغرِب بالطُّور. "وقال جُبير بن مُطعِم: سمعتُ رسولَ الله - صَلَّى الله تعالى عليه وسلم - يقرأ في المغرب بالطُّور": وهذا يدل على أن وقت المغرب باقٍ إلى غروب الشفق؛ لأنَّه ﵊ كان يقرأ على التأنِّي، و (سورة الطور) إذا قَرَأَ على التأنِّي يَقرُب الفراغ منها من غروب الشفق. * * * ٥٨٦ - وقالت أم الفَضْل بنت الحارِث: سمعتُ النَّبيَّ ﷺ يقرأُ في المغربِ بـ ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾. "وقالت أم الفضل بنت الحارث": هي أخت ميمونة زوجة النَّبيّ ﵊. "سمعتُ النبيَّ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم يقرأ في المغرب بـ ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾. * * * ٥٨٧ - وقال جابر: كانَ مُعاذُ بن جَبَلٍ يُصلِّي مَعَ النَّبيِّ ﷺ ثمَّ يأتِي قَوْمَهُ فيُصَلِّي بهِمْ الصلاةَ، فصلَّى ليلةً مَعَ النَّبيِّ ﷺ العِشَاءَ، ثمَّ أَتى قَوْمَهُ فأَمَّهُمْ فافتَتَحَ

стр. 528

سُورةَ البقرةِ، فانْحَرَفَ رجلٌ فسلَّمَ ثمَّ صلَّى وحدَهُ وانصرفَ، فبلغَ ذلكَ مُعاذاً فقال: إنه مُنافِق، فبلغَ ذلكَ الرجُلَ، فأتَى النَّبيِّ ﷺ فقال: يا رسولَ الله!، إنَّا قَوْمٌ نعملُ بأَيْدينا ونَسْقي بنواضحِنا، وإنَّ مُعاذاً صلَّى بنا البارحةَ فقرأَ البقرةَ فتجوَّزْتُ، فزعم أنِّي مُنافِقٌ، فقالَ النبيُّ ﷺ : "يا معاذُ!، أفتَّانٌ أنت؟ - ثلاثاً - اقرأ: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾، و ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، ونحوهما". "وقال جابر: كان معاذ بن جبل يصلِّي مع النَّبيّ ﵊، ثم يأتي قومَه فيصلِّي بهم، فصلَّى ليلة مع النَّبيّ ﵊ العشاءَ، ثم أتى قومَه فأمَّهم": هذا يدل على جواز اقتداء المُفترِض بالمتنفِّل، وبه قال الشَّافعي. "فافتتح بسورة البقرة، فانحرف رجل"؛ أي: مالَ عن الصفِّ وخرجَ منه، والرجل حزم بن أبي كعب (١) الأنصاري. "فسلَّم، ثم صلَّى وحده"؛ أي: استأنَفَ الصلاةَ منفردًا؛ لأنَّه لم يَعلَم أنه لو فارَقَ بالنية وانفرد وأتَمَّ بلا استئناف لَجازَ له ذلك. "وانصرفَ"؛ أي: خرجَ من المسجد. "فبلغَ ذلك معاذاً، فقال: إنه منافق، فبلغ ذلك"؛ أي: قولُ معاذ أنه منافق. "الرجلَ، فأتى"؛ أي: الرجلُ "النَّبيّ - صَلَّى الله تعالى عليه وسلم، فقال: يا رسولَ الله! إنَّا قومٌ نعمل بأيدينا، ونسقي بنواضحنا" جمع: ناضحة، أنثى: ناضح، وهو ما يُستَقى عليه من البعير. "وإن معاذاً صلَّى بنا البارحةَ"؛ أي: الليلةَ الماضيةَ.

стр. 529

"فقرأ البقرة، فتجوَّزت من صلاتي"؛ أي: اختصرتها وخفَّفتها، وقيل: أي: ترخَّصت بترك متابعته، وقيل: من (الجَوز) بمعنى: القطع، وهذا يدل على أن للمأموم إذا عَرَضَ له أمرٌ أن يخرجَ من إمامة الإمام ويتمَّها لنفسه. "فزعم أني منافق، فقال ﵊: يا معاذُ! أفتَّان أنتَ؟ ثلاثاً": استفهام على وجه التوبيخ والإنكار، وأصل الفتنة: الامتحان والابتلاء؛ أي: أتَصرِف النَّاسَ عن دينهم وتَحمِلَهم على الضلال؟! "اقرأ: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ و ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ ونحوهما": يدل على سُنِّية تخفيفِ الإمامِ الصلاةَ، وأن يقتديَ بأضعفهم. * * * ٥٨٨ - وقال البَرَاء: سمعتُ النَّبيّ ﷺ يقرأُ في العِشاءَ ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾، وما سمعتُ أحدًا أحسنَ صوتًا منهُ. "وقال البراء: سمعتُ النَّبيّ ﵊ يقرأ في العشاء ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾، وما سمعتُ أحدًا أحسنَ صوتاً منه". * * * ٥٨٩ - وقال جابر بن سَمُرة: كانَ رسول الله ﷺ يقرأُ في الفَجرِ بـ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ ونَحْوِهَا. "وقال جابر بن سَمُرة: كان رسولُ الله صَلَّى الله تعالى عليه وسلم يقرأ في الفجر بـ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ ونحوها". * * * ٥٩٠ - وعن عَمْرو بن حُرَيْثٍ ﵁: أنَّهُ سَمعَ النَّبيَّ ﷺ يقرأُ في الفَجْرِ

стр. 530

﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾. "وعن عمرو بن حريث: أنه سمع النبيَّ ﵊ يقرأ في الفجر: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾، يريد: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ ". * * * ٥٩١ - وعن عبد الله بن السَّائب ﵁ قال: صلَّى لنا رسولُ الله ﷺ الصُّبْحَ بمكَّةَ، فاستفتحَ سُورَةَ (المؤمنين) حتَّى جاءَ ذِكْرُ موسى وهارونَ - أو ذِكْرُ عيسى - أخذَتِ النَّبيَّ ﷺ سَعْلَةٌ فَرَكَعَ. "وعن عبد الله بن السَّائب أنه قال: صَلَّى لنا رسولُ الله صَلَّى الله تعالى عليه وسلم الصبحَ بمكة، فاستفتح سورةَ المؤمنين" أراد: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١]. "حتى جاء ذكرُ موسى وهارون" أراد به: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ﴾. "أو ذكر عيسى" أراد به: قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ [المؤمنون: ٥٠]. "أخذَتِ النبيَّ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم سَعْلَةٌ"، وهي فَعْلَة من: السُّعال، وهو صوت يكون من وجع الحلق واليبوسة فيه. قيل: إنما أخذتْه بسبب البكاء؛ أي: بَكَى حتَّى غلبَ عليه السعالُ، ولم يتمكن من إتمام السورة، "فركع". * * * ٥٩٢ - قال أبو هريرة ﵁: كانَ النَّبيّ ﷺ يَقْرَأُ في الفَجْرِ يومَ الجُمُعَةِ بـ ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ في الرَّكْعَةِ الأُوْلَى، وفي الركعة الثَّانية: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ
следующие страницы →