"ويطوِّل في الركعة الأولى ما لا يُطِيل": يحتمل أن تكون (ما) نكرة موصوفة؛ أي: تطويلاً لا يطيله "في الركعة الثَّانية"، وأن يكون مصدرية؛ أي: غير إطالته في الركعة الثَّانية.
"وهكذا في العصر، وهكذا في الصُّبح".
* * *
٥٨٣ - قال أبو سعيدٍ الخُدري: كنَّا نَحزرُ قِيامَ رسولِ الله ﷺ كما في الظُّهْرِ والعَصْرِ، فَحَزَرْنَا قِيامَهُ في الرَّكْعَتَيْنِ الأُوْلَيَيْنِ مِنْ الظُّهْرِ قَدْرَ قِراءةِ ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ السَّجْدَة - وفي روايةٍ: في كُلِّ ركعةٍ قَدْرَ ثلاثينَ آية - وفي الأُخْرَيَيْنِ قدر النِّصْفِ مِنْ ذَلِكَ، وفي الرَّكعَتَيْنِ الأُوْلَيَيْنِ مِنَ العَصْرِ على قَدْرِ قِيامِهِ في الأُخرَيَيْنِ مِنَ الظُّهْرِ، وفي الأخْرَيَيْنِ مِنَ العَصْرِ على النِّصْفِ مِنْ ذلك.
"وقال أبو سعيد الخُدري: كُنَّا نَحزِر"؛ أي: نُقدِّر، من (الحَزْر): التقدير.
"قيامَ رسول الله صَلَّى الله تعالى عليه وسلم في الظُّهر والعصر، فحَزَرْنا"؛ أي: قدَّرْنا "قيامه في الركعتين الأوليين من الظهر قَدْرَ قراءة: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ السجدة".
وفي رواية: "في كل ركعة قَدْرَ ثلاثين آية، وفي الأُخريين قَدْرَ النصف من ذلك، وفي الركعتين الأوليين من العصر على قَدْر قيامه في الأُخريين من الظّهر، وفي الأخريين من العصر على النصف من ذلك".
* * *
٥٨٤ - وقال جابر بن سَمُرة: كانَ النَّبيُّ ﷺ يقرأُ في الظُّهْرِ بـ ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَىي﴾ - ويروى: بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ - وفي العَصْرِ نَحْوَ ذلك، وفي الصُّبْح أطولَ مِنْ ذلك.
стр. 527
"قال جابر بن سَمُرة: كان النَّبيّ ﵊ يقرأ في الظُّهر بـ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى﴾ [الليل: ١].
"ويروى: بـ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]، وفي العصر نحو ذلك، وفي الصُّبح أطولَ من ذلك".
* * *
٥٨٥ - وقال جُبَيْر بن مُطْعِمْ: سمعتُ النَّبيَّ ﷺ يقرَأُ في المغرِب بالطُّور.
"وقال جُبير بن مُطعِم: سمعتُ رسولَ الله - صَلَّى الله تعالى عليه وسلم - يقرأ في المغرب بالطُّور": وهذا يدل على أن وقت المغرب باقٍ إلى غروب الشفق؛ لأنَّه ﵊ كان يقرأ على التأنِّي، و (سورة الطور) إذا قَرَأَ على التأنِّي يَقرُب الفراغ منها من غروب الشفق.
* * *
٥٨٦ - وقالت أم الفَضْل بنت الحارِث: سمعتُ النَّبيَّ ﷺ يقرأُ في المغربِ بـ ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾.
"وقالت أم الفضل بنت الحارث": هي أخت ميمونة زوجة النَّبيّ ﵊.
"سمعتُ النبيَّ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم يقرأ في المغرب بـ ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا﴾.
* * *
٥٨٧ - وقال جابر: كانَ مُعاذُ بن جَبَلٍ يُصلِّي مَعَ النَّبيِّ ﷺ ثمَّ يأتِي قَوْمَهُ فيُصَلِّي بهِمْ الصلاةَ، فصلَّى ليلةً مَعَ النَّبيِّ ﷺ العِشَاءَ، ثمَّ أَتى قَوْمَهُ فأَمَّهُمْ فافتَتَحَ
стр. 528
سُورةَ البقرةِ، فانْحَرَفَ رجلٌ فسلَّمَ ثمَّ صلَّى وحدَهُ وانصرفَ، فبلغَ ذلكَ مُعاذاً فقال: إنه مُنافِق، فبلغَ ذلكَ الرجُلَ، فأتَى النَّبيِّ ﷺ فقال: يا رسولَ الله!، إنَّا قَوْمٌ نعملُ بأَيْدينا ونَسْقي بنواضحِنا، وإنَّ مُعاذاً صلَّى بنا البارحةَ فقرأَ البقرةَ فتجوَّزْتُ، فزعم أنِّي مُنافِقٌ، فقالَ النبيُّ ﷺ : "يا معاذُ!، أفتَّانٌ أنت؟ - ثلاثاً - اقرأ: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾، و ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، ونحوهما".
"وقال جابر: كان معاذ بن جبل يصلِّي مع النَّبيّ ﵊، ثم يأتي قومَه فيصلِّي بهم، فصلَّى ليلة مع النَّبيّ ﵊ العشاءَ، ثم أتى قومَه فأمَّهم": هذا يدل على جواز اقتداء المُفترِض بالمتنفِّل، وبه قال الشَّافعي.
"فافتتح بسورة البقرة، فانحرف رجل"؛ أي: مالَ عن الصفِّ وخرجَ منه، والرجل حزم بن أبي كعب (١) الأنصاري.
"فسلَّم، ثم صلَّى وحده"؛ أي: استأنَفَ الصلاةَ منفردًا؛ لأنَّه لم يَعلَم أنه لو فارَقَ بالنية وانفرد وأتَمَّ بلا استئناف لَجازَ له ذلك.
"وانصرفَ"؛ أي: خرجَ من المسجد.
"فبلغَ ذلك معاذاً، فقال: إنه منافق، فبلغ ذلك"؛ أي: قولُ معاذ أنه منافق.
"الرجلَ، فأتى"؛ أي: الرجلُ "النَّبيّ - صَلَّى الله تعالى عليه وسلم، فقال: يا رسولَ الله! إنَّا قومٌ نعمل بأيدينا، ونسقي بنواضحنا" جمع: ناضحة، أنثى: ناضح، وهو ما يُستَقى عليه من البعير.
"وإن معاذاً صلَّى بنا البارحةَ"؛ أي: الليلةَ الماضيةَ.
стр. 529
"فقرأ البقرة، فتجوَّزت من صلاتي"؛ أي: اختصرتها وخفَّفتها، وقيل: أي: ترخَّصت بترك متابعته، وقيل: من (الجَوز) بمعنى: القطع، وهذا يدل على أن للمأموم إذا عَرَضَ له أمرٌ أن يخرجَ من إمامة الإمام ويتمَّها لنفسه.
"فزعم أني منافق، فقال ﵊: يا معاذُ! أفتَّان أنتَ؟ ثلاثاً": استفهام على وجه التوبيخ والإنكار، وأصل الفتنة: الامتحان والابتلاء؛ أي: أتَصرِف النَّاسَ عن دينهم وتَحمِلَهم على الضلال؟!
"اقرأ: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ و ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ ونحوهما": يدل على سُنِّية تخفيفِ الإمامِ الصلاةَ، وأن يقتديَ بأضعفهم.
* * *
٥٨٨ - وقال البَرَاء: سمعتُ النَّبيّ ﷺ يقرأُ في العِشاءَ ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾، وما سمعتُ أحدًا أحسنَ صوتًا منهُ.
"وقال البراء: سمعتُ النَّبيّ ﵊ يقرأ في العشاء ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾، وما سمعتُ أحدًا أحسنَ صوتاً منه".
* * *
٥٨٩ - وقال جابر بن سَمُرة: كانَ رسول الله ﷺ يقرأُ في الفَجرِ بـ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ ونَحْوِهَا.
"وقال جابر بن سَمُرة: كان رسولُ الله صَلَّى الله تعالى عليه وسلم يقرأ في الفجر بـ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ ونحوها".
* * *
٥٩٠ - وعن عَمْرو بن حُرَيْثٍ ﵁: أنَّهُ سَمعَ النَّبيَّ ﷺ يقرأُ في الفَجْرِ
стр. 530
﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾.
"وعن عمرو بن حريث: أنه سمع النبيَّ ﵊ يقرأ في الفجر: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾، يريد: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ ".
* * *
٥٩١ - وعن عبد الله بن السَّائب ﵁ قال: صلَّى لنا رسولُ الله ﷺ الصُّبْحَ بمكَّةَ، فاستفتحَ سُورَةَ (المؤمنين) حتَّى جاءَ ذِكْرُ موسى وهارونَ - أو ذِكْرُ عيسى - أخذَتِ النَّبيَّ ﷺ سَعْلَةٌ فَرَكَعَ.
"وعن عبد الله بن السَّائب أنه قال: صَلَّى لنا رسولُ الله صَلَّى الله تعالى عليه وسلم الصبحَ بمكة، فاستفتح سورةَ المؤمنين" أراد: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١].
"حتى جاء ذكرُ موسى وهارون" أراد به: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا مُوسَى وَأَخَاهُ هَارُونَ﴾.
"أو ذكر عيسى" أراد به: قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ [المؤمنون: ٥٠].
"أخذَتِ النبيَّ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم سَعْلَةٌ"، وهي فَعْلَة من: السُّعال، وهو صوت يكون من وجع الحلق واليبوسة فيه.
قيل: إنما أخذتْه بسبب البكاء؛ أي: بَكَى حتَّى غلبَ عليه السعالُ، ولم يتمكن من إتمام السورة، "فركع".
* * *
٥٩٢ - قال أبو هريرة ﵁: كانَ النَّبيّ ﷺ يَقْرَأُ في الفَجْرِ يومَ الجُمُعَةِ بـ ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ في الرَّكْعَةِ الأُوْلَى، وفي الركعة الثَّانية: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ
стр. 531
حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾.
"وقال أبو هريرة: كان النَّبيّ ﵊ يقرأ في الفجر يومَ الجمعة: بـ ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ في الركعة الأولى، وفي الثَّانية: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ﴾ ".
* * *
٥٩٣ - وقال عُبَيْد الله بن أبي رافعٍ: صلَّى لنا أبو هريرة ﵁ فيه الجُمعة فقرأَ سُورةَ الجُمعةِ في السَّجْدَةِ الأُولَى، وفي الآخرة: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾، فقال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقرأُ بهِمَا يومُ الجُمعة.
"وقال عبيد الله بن أبي رافع: صَلَّى بنا أبو هريرة يومَ الجمعة، فقرأ سورةَ الجمعة في السجدة الأولى"؛ أي: في الركعة الأولى.
"وفي الآخرة: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾، فقال: سمعتُ رسولَ الله صَلَّى الله تعالى عليه وسلم يقرأ بهما يومَ الجمعة".
* * *
٥٩٤ - وقال النُّعمانُ بن بشيرٍ: كانَ رسولُ الله ﷺ يقرأُ في العِيدَيْنِ وفي الجُمعة بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾، وإذا اجتمعَ العيدُ والجُمعةُ في يومٍ واحدٍ قرأَ بهما في الصَّلاتَيْنِ.
"وقال نعمان بن بشير: كان رسولُ الله صَلَّى الله تعالى عليه وسلم يقرأ في العيدين وفي الجمعة ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾ وإذا اجتمع العيد والجمعة في يومٍ واحدٍ قرأ بهما"؛ أي: بتلك السورتَين "في الصلاتين".
* * *
стр. 532
٥٩٥ - وسأل عمرُ بن الخطَاب ﵁ أبا واقدٍ اللَّيثيُّ ﵄: ما كانَ يَقرأُ بِهِ رسولُ الله ﷺ في الأضحى والفطرِ؟، فقال: كانَ يقرأُ فيهما بـ ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾، و ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾.
"وسأل عمرُ بن الخطاب أبا واقد": لم يُعرَف اسمه ولا اسم أبيه.
"اللَّيثي"؛ أي: هو من قبيلة لَيث بن بكر.
"ما كان يقرأ به رسولُ الله - صلَّى الله تعالى عليه وسلم في الأضحى والفطر"؛ أي: أيَّ شيء يقرأ فيهما؟
"فقال: كان يقرأ فيهما بـ: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾، و ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ (١).
* * *
٥٩٦ - وقال أبو هريرة ﵁: إنَّ رسولَ الله ﷺ قرأَ في ركعتي الفجرِ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾.
"وقال أبو هريرة ﵁: أن رسولَ الله - صلَّى الله تعالى عليه وسلم قرأ في ركعتَي الفجر" أراد به: سُنَّة الفجر.
" ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ".
* * *
٥٩٧ - وقال ابن عباسٍ: كانَ رسولُ الله ﷺ يقرأُ في ركعتي الفجر: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ والتي في آل عمران: ﴿تعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾.
"وقال ابن عباس ﵁: كان رسولُ الله صلَّى الله تعالى عليه وسلم يقرأ في ركعتَي الفجر": أراد به: السُّنَّة أيضاً.
стр. 533
"بـ: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ والتي"؛ أي: التي "في آل عمران، أولها: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ الآية".
* * *
مِنَ الحِسَان:
٥٩٨ - وعن ابن عباس ﵄ قال: كانَ رسول الله ﷺ يَفتَتِحُ صلاتَهُ بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، ضعيف.
"من الحسان":
" عن ابن عباس ﵄ قال: كان النَّبيُّ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم يفتتح صلاته بـ ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ "؛ أي: يَجهَر به في أول الفاتحة بحيث يُسمَع، وهذا مذهب الشَّافعي، ومذهب أبي حنيفة: الإسرار به.
(ضعيف)؛ لأنَّه تفرد لإخراجه أبو عيسى لا غير.
* * *
٥٩٩ - عن وائل بن حُجْر أنه قال: سمعتُ النَّبيّ ﷺ قرأَ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، فقالَ: "آمين" مدَّ بها صوْتَهُ.
"وعن وائل بن حُجْر أنه قال: سمعت النبيَّ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم قرأ: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾، فقال: آمين، مدَّ بها صوتَه" فيه: دليل على أنه يجهر بها، وبه قال الشَّافعي.
* * *
٦٠٠ - وعن أبي زُهير النُّميري أنه قال: خرجْنَا معَ رسولِ الله ﷺ ذاتَ ليلةٍ، فأتَيْنَا على رجلٍ قد ألحَّ في المَسألةِ، فقال النَّبيّ ﷺ : "أَوْجَبَ إن خَتَم! "،
стр. 534
فقالَ رجلٌ من القومِ: بأيِّ شيءٍ يختمُ؟، قال: "بآمين".
"وعن أبي زهير النُّمَيري أنه قال: خرجْنَا مع رسول الله صَلَّى الله تعالى عليه وسلم ذاتَ ليلةٍ، فأَتَيْنا على رجل قد ألحَّ"؛ أي: بالَغَ "في المسألة من الله تعالى"؛ أي: في الدعاء والسؤال منه تعالى.
"فقال النَّبيّ ﵊: أَوْجَبَ"؛ أي: أوجبَ إجابةَ دعائه.
"إن خَتَمَ"؛ أي: المسألةَ.
"فقال رجل من القوم: بأيِّ شيءٍ يختم؟ قال: بآمين": وهذا يدل على أن مَن دعا يُستحب أن يقول بعد دعائه: آمين، وإن كان الإمامُ يدعو للقوم يكفي له تأمينُ القوم.
* * *
٦٠١ - عن عائشة ﵂: أنَّ رسول الله ﷺ قرأَ في صلاةِ المغربِ بسورةِ الأعرافِ، فرَّقَها في ركعتين.
"عن عائشة ﵂: أن رسولَ الله صَلَّى الله تعالى عليه وسلم قرأ في صلاة المغرب بسورة الأعراف، فرَّقها في ركعتين"؛ أي: قرأ بعضَها في ركعة وبعضَها الآخر في أخرى، وذلك يحتمل أنه ﵊ قرأ قليلاً منها في الركعة الأولى، فأدرك بذلك الركعةَ في الوقت، ثم قرأ باقيها في الثَّانية، ولا بأسَ بوقوع الثَّانية خارجةً منه.
أو أطلق الراوي (سورة الأعراف) وأراد بعضها، هذا إن قلنا: إن وقت المغرب مضيَّق، وإلا كان ذلك لبيان الجواز واتساع الوقت، كما قال به قوم.
* * *
стр. 535
٦٠٢ - وقال عُقْبة بن عامر: كنتُ أقودُ لرسول الله ﷺ ناقتَهُ في السفَرِ، فقالَ لي: "يا عقبةُ! ألا أُعَلِّمُك خيرَ سورتينِ قُرِئتَا؟ " فَعَلَّمني ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾، قال: فَلَمْ يَرَني سُرِرْتُ بهما جِدًّا، فلمَّا نزلَ لصلاةِ الصبح صلَّى بهما صلاةَ الصُّبح للناسِ، فلمَّا فرغَ التفتَ إليَّ فقالَ: "يا عقبةُ!، كيفَ رأيتَ؟ ".
"وقال عقبة بن عامر: كنت أقود لرسول الله صَلَّى الله تعالى عليه وسلم ناقتَه في السفر، فقال لي: يا عقبةُ! ألا أعلِّمك خير سورتَين قُرِئتا؟ فعلَّمَني: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ ".
تخصيصهما [منه]﵊ بالخيرية باعتبار حال الراوي وما هو فيه من الوقت؛ فإنَّه كان في سفر وقد أظلم عليه الليل، ورآه مفتقراً إلى تعلُّم ما يستعيذ به من شرِّ الليل، ولم يَرَ أسهلَ تعلُّماً وأوفرَ حظًّا في الاستعاذة من هاتين؛ لوجازة لفظهما، واشتمالهما على المعنى الجامع، ولم يفهم عقبة المعنى المراد من تخصيصه ﵊ إياهما، ولذا قال: "فلم يَرَني"؛ أي: النَّبيّ ﵊ "سُرِرتُ بهما جدًّا"؛ وذلك لظنه أن الخيريةَ إنَّما تقع بالطول والقِصَر.
"فلما نزل ﷺ لصلاة الصبح صَلَّى بهما صلاةَ الصبح للناس"؛ تنبيهاً إلى أنهما يسدَّان مسدَّ الطويلتين.
"فلما فرغ" من الصَّلاة "التفتَ إلي فقال: يا عقبة! كيف رأيتَ؟ "؛ أي: كيف رأيتَني قرأتُهما في صلاة الصبح لعِظَم قَدْرهما، فلو لم تكونا عظيمتَي القَدْر لَمَا قرأتُهما فيها؟
* * *
стр. 536
٦٠٣ - وقال جابر بن سَمُرة: كانَ النبيُّ ﷺ يقرأُ في صلاةِ المغربِ ليلةَ الجمعةِ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾، ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾.
"وقال جابر بن سَمُرة: كان النَّبيّ ﵊ يقرأ في صلاة المغرب ليلةَ الجمعة: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ ".
أعلم أن هذا وأشباهَه ليس على الدوام، بل يقرأ في كل وقت شيئاً؛ ليَعلَم النَّاسُ جوازَ ما يقرأ.
* * *
٦٠٤ - وقال عبد الله بن مسعود ﵁: ما أُحصِي ما سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقرأُ في الركعتين بعدَ المغربِ وفي الركعتين قبلَ صلاةِ الفجرِ بـ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾.
"وقال عبد الله بن مسعود: ما أُحصِي ما سمعتُ رسولَ الله صَلَّى الله تعالى عليه وسلم"، (ما) الأولى: نافية، والثانية: موصولة؛ أي: لا أَقدِر أن أعدَّ المرات "التي كان يقرأ في الركعتين بعد المغرب، وفي الركعتين قبل صلاة الفجر بـ ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾: وهذا كناية عن الكثرة.
* * *
٦٠٥ - وقال سليمانُ بن يسارٍ، عن أبي هريرة ﵁: ما صليتُ وراءَ أحدٍ أشبهَ صلاة برسولِ الله ﷺ من فلانٍ، قال سليمانُ: صلَّيتُ خلْفَهُ، فكانَ يُطيلُ الركعتينِ الاُولَيَيْنِ من الظهرِ، ويُخَفِّفُ الأخريينِ، ويُخَفِّف العصرَ، ويقرأُ في الركعتينِ الأوليينِ من المغربِ بِقِصَارِ المُفَصَّلِ، وفي العشاءِ بوسَطِ المُفَصَّلِ،
стр. 537
وفي الصُّبح بطِوالِ المُفَصَّلِ.
"وقال سليمان بن يسار، عن أبي هريرة: ما صلَّيتُ وراءَ أحدٍ أشبهَ صلاةً برسول الله صَلَّى الله تعالى عليه وسلم من فلان"، قيل: هو عليٌّ، وقيل: أمير بالمدينة، وقيل: عمر بن عبد العزيز.
"قال سليمان: فصلَّيت خلفَه"؛ أي: خلفَ ذلك الفلان.
"وكان يطيل الركعتين الأُوليين من الظُّهر، ويخفِّفُ الأُخريين، ويخفِّف العصر، ويقرأ في الركعتين الأُوليين من المغرب بقِصَار المفصَّل": وهو السبع الأخير، سُمي به لكثرة فصوله؛ أي: سُوَره، وقِصَاره مثل: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ﴾ [الزلزلة: ١]، ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١].
"وفي العشاء بأوساط المفصَّل"، أوساطه مثل: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ [البروج: ١]، و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١].
"وفي الصبح بطِوَال المفصَّل"، طواله مثل: (سورة محمد) و (القمر).
وقيل: طِوَاله من سورة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا﴾ [الحجرات: ١]، إلى سورة ﴿عَمَّ﴾، وأوساطه: من ﴿عَمَّ﴾ إلى ﴿وَالضُّحَى﴾، وقِصَاره: من ﴿وَالضُّحَى﴾ إلى آخر القرآن.
* * *
٦٠٦ - وقال عُبادة بن الصَّامت: كنا خلفَ النبيّ ﷺ في صلاةِ الفجرِ، فقرأَ فَثَقُلَتْ عليهِ القراءةُ، فلمَّا فرغَ قالَ: "لعلَّكم تَقْرَؤونَ خلفَ إمامِكُمْ؟! "، قلنَا: نعمْ يا رسولَ الله، قال: "لا تَفعلوا إلَّا بفاتِحَةِ الكتابِ، فإنَّه لا صلاةَ لمن لم يقرأْ بها" وفي روايةٍ قال: "وأنا أقولُ مالي يُنازِعُنِي القرآنُ!، فلا تَقْرؤوا بشيءٍ من القرآنِ إذا جهرتُ إلَّا بِأُمِّ القرآنِ".
стр. 538
"وقال عُبادة بن الصَّامت: كُنَّا خلف النَّبيّ صَلَّى الله تعالى عليه وسلم في صلاة الفجر، فقرأ، فثَقُلَتْ عليه القراءةُ"؛ أي: تعسَّرت؛ لشغل أصوات المأمومين بالقراءة.
"فلما فرغ قال: لعلكم تقرؤون خلف إمامكم؟ قلنا: نعم يا رسولَ الله! قال: لا تفعلوا إلَّا بفاتحة الكتاب"؛ فإنَّه لا صلاةَ لمن لم يقرأ بها.
"وفي رواية: قال: وأنا أقول: ما لي ينازعني القرآن؟! "؛ أي: ينازعني مَن ورائي فيه بقراءتهم على التغالُب؛ يعني: تشوِّش قراءتهم على قراءتي.
"فلا تقرؤوا بشيءٍ من القرآن إذا جهرتُ إلَّا بأم القرآن"، ذهب الشافعي به إلى أن المأمومَ يقرأ الفاتحة خلف الإمام، قلنا: هذا محمول على ابتداء الإسلام.
* * *
٦٠٧ - وعن أبي هريرة ﵁: أن النبيَّ ﷺ انصرفَ من صلاةٍ جهرَ فيها بالقراءةِ، فقال: "هل قرأَ معي أحدٌ منكم آنفًا؟ "، فقالَ رجلٌ: نعم يا رسولَ الله، قال: "إنِّي أقولُ: ما لي أُنازَعُ القرآنَ! "، قال: فانتهى النَّاسُ عن القراءةِ مع النبيِّ ﷺ فيما جهرَ فيه بالقراءة من الصلاةِ حينَ سَمِعُوا ذلكَ من رسولِ الله ﷺ .
"وعن أبي هريرة ﵁: أن رسولَ الله صَلَّى الله تعالى عليه وسلم انصرف"؛ أي: فرغَ "من صلاةِ جهرَ فيها بالقراءة، فقال: هل قرأ معي أحدٌ منكم آنفًا؟ "؛ يعني: الآن.
"فقال رجل: نعم يا رسول الله! قال: إنِّي أقول: ما لي أُنازَع القرآنَ؟! " قيل: على صيغة المجهول؛ أي: أُداخَل في القراءة وأُشارَك فيها وأُغالَب عليها؛ وذلك لأنهم جهروا بالقراءة خلفه، فشغلوه، كأنهم نازَعُوه.
стр. 539
"قال" أبو هريرة: "فانتهى النَّاس عن القراءة"؛ أي: تركوها.
"مع رسول الله صَلَّى الله تعالى عليه وسلم فيما جهر فيه بالقراءة من الصَّلاة حين سمعوا ذلك من رسول الله صَلَّى الله تعالى عليه وسلم" ومَن قال بقراءتها خلفَ الإمام في الجهرية حملَه على ترك الصوت في القراءة خلفَه.
* * *
٦٠٨ - وقال رسولُ الله ﷺ : "إنَّ المُصلِّي يُنَاجي ربَّه، فلينظرْ ما يُناجيه به، ولا يجهرْ بعضُكم على بعضٍ بالقرآنِ".
"عن البَيَاضي أنه قال: قال رسول الله صَلَّى الله تعالى عليه وسلم: إن المصلِّي مناجٍ ربَّه": اسم فاعل من (ناجَى): إذا جرى سِرٌّ وكلامٌ خفيٌّ بين اثنين.
"فَلْينظرْ ما يناجيه به" (ما): استفهامية، والضمير في (ما يناجيه) راجع إلى (الربِّ)، وفي (به) إلى (ما)؛ يعني: فَلْيتأملْ في جواب ما يناجيه به من القول على سبيل التعظيم، ومواطأة القلب اللسانَ، والإقبال إلى الله تعالى، وذلك إنَّما يحصل إذا لم ينازعه صاحبُه بالقراءة.
"ولا يَجهَرْ بعضُكم على بعض بالقرآن"، عدَّى بـ (على) لإرادة معنى الغَلَبة؛ أي: لا يَغْلِبْ ولا يُشوِّشْ بعضُكم بعضاً جاهراً بالقراءة.
* * *
٦٠٩ - وعن أبي هريرة أنه قال: قال النَّبيُّ ﷺ : "إنَّما جُعِلَ الإمامُ ليؤُتَمَّ بِهِ، فإذا كبَّر فكبروا، وإذا قرأَ فَأنصِتُوا".
"وعن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صَلَّى الله تعالى عليه وسلم:
стр. 540
إنما جُعل الإمامُ لِيُؤتَمَّ"؛ أي: ليُقتدَى "به".
"فإذا كبَّر فكبروا، وإذا قرأ فأَنْصِتُوا": يدل على أنه لا يقرأ خلفَ الإمام.
٦١٠ - وقال عبد الله بن أبي أَوْفَى: جاء رجلٌ إلى النبيِّ ﷺ فقال: إني لا أستطيعُ أن آخُذَ من القرآنِ شيئًا، فعلِّمْنِي ما يُجْزِئني، قالَ: "قلْ: سُبحانَ الله، والحمدُ للَّهِ، ولا إلهَ إلا الله، والله أكبرُ، ولا حولَ ولا قوةَ إلا بالله العليِّ العظيم"، قال: يا رسولَ الله!، هذا للَّهِ، فما لي؟، قال: "قلْ: اللهمَّ ارحمني، وعافِنِي، واهدِنِي، وارزُقني".
"وقال عبد الله بن أبي أَوْفَى: جاء رجلٌ إلى النبي ﵊ فقال: إني لا أستطيع"؛ أي: في هذه الساعة "أن آخُذَ من القرآن شيئًا"، وقد دخلت عليَّ وقتُ الصلاة.
"فعلِّمْني ما يُجزِئني"؛ أي: في الصلاة.
"قال: قل: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله"، قال الشافعي: مَن تعذَّر عليه تعلُّم الفاتحة؛ إما لضيق الوقت أو لبلادته، ولم يعلم شيئًا من القرآن بقَدْر آيات الفاتحة وجب عليه أن يأتي بالتسبيح والتهليل بدل الفاتحة، فإذا فرغ من تلك الصلاة لزمَه أن يتعلَّمَها.
وقيل: معناه: لا أستطيع أن آخذَ من القرآن حزبًا أتقرَّب بتلاوته إلى الله في آناء الليل وأطراف النهار؛ والمعنى الأول أنسب بالباب.
(قال: يا رسولَ الله! هذا لله"؛ أي: هذه الكلمات ذِكرُ الله تعالى.
"فمالي؟ " علِّمْني شيئًا يكون لي فيه دعاء واستغفار.
стр. 541
"قال: قل: اللهم ارحمني وعافني واهدني وارزقني".
٦١١ - وعن ابن عبَّاسٍ ﵁: أنَّ النبيَّ ﷺ كانَ إذا قرأ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ قال: "سبُحان ربيَ الأَعلى".
"عن ابن عباس ﵁: أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كان إذا قرأ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ قال: سبحان ربي الأعلى": هذا الحديث - كما في الحديثين الأخيرين - يدل على استحباب الإجابة فيما يُقرَأ من القرآن في الصلاة وغيرها، وإليه ذهب الشافعي، وعند أبي حنيفة: لا يجوز في الصلاة.
٦١٢ - ورُوِيَ عن أبي هُريرة ﵁ أنَّ رسول الله ﷺ قال: "مَنْ قرأَ: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾ فليقلْ: بلى، وأنا على ذلكَ مِنَ الشَّاهِدِينَ، ومَنْ قرأ: ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ فليقلْ: بلى، ومَنْ قرأَ: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾ فليقلْ: آمَنِّا بالله".
"ورُوي عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: مَن قرأ ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ﴾؛ أي: أقضى القاضين، يحكم بينك وبين أهل التكذيب بك يا محمد.
"فليقل: بلى، وأنا على ذلك من الشاهدين، ومَن قرأ ﴿أَلَيْسَ ذَلِكَ﴾؛ أي: الذي جعلَ خَلْقَ الإنسانِ مِن نطفةِ تُمْنَى في الرَّحِم ﴿بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى﴾ فليقل: بلى، ومَن قرأ: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ﴾؛ أي: بعدَ القرآن ﴿يُؤْمِنُونَ﴾ " إذا لم يؤمنوا به، مع أنه معجزةٌ باهرةٌ من بين الكتب المُنزَلَة.
стр. 542
"فليقل: آمنا بالله".
٦١٣ - وعن جابرٍ قال: قرأ رسولُ الله ﷺ على أصحابهِ سورَةَ الرحمنِ فسكَتُوا، فقال: "لقدْ قرأتُها على الجنِّ فكانُوا أحسنَ مَرْدُودًا مِنْكُمْ، كلَّما أَتيتُ على قوله: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ قالوا: لا بشيءٍ من نِعَمِكَ رَبنا نكذبُ، فَلَكَ الحَمْدُ"، غريب.
"وعن جابر أنه قال: قرأ رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم على أصحابه سورة الرحمن، فسكتوا، فقال: لقد قرأتُها على الجن ليلةَ الجن فكانوا أحسنَ مردودًا": مفعول بمعنى المصدر؛ أي: أحسنَ ردًّا وإجابة "منكم"، وإنما نزَّلَ سكوتَهم منزلةَ إجابتهم من حيث اعترافُهم بأن في الإنس والجن مَن هو مكذِّب بآلاء الله، وكذلك في الجن مَن هو معترِف بذلك أيضًا، لكنَّ نفيَهم التكذيبَ عن أنفسهم باللفظ أيضًا أدلُّ على الإجابةِ وقَبولِ ما جاء به الرسول ﵊ من سكوت الصحابة أيضًا، فلذا قال:
(كانوا أحسنَ مردودًا منكم).
"كلما أتيت على قوله: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ ": الخطاب للإنس والجن: بأي نعمة مما أنعم الله عليكم تكذِّبون وتجحدون نِعَمَه بترك شكره وتكذيب رسله وعصيان أمره؟
"قالوا: لا بشيء مِن نِعَمِك ربنا نكذِّب"؛ أي: لا نكذِّب بشيءٍ منها.
"فلك الحمد. غريب".
стр. 543
شرح مصابيح السنة للإمام البغوي
تأليف
المحدث الفقيه ابن الملك الرومي محمد بن عبد اللطيف بن عبد العزيز الكرماني الرومي الحنفي
المتوفى سنة ٨٥٤ هـ - رحمه الله تعالى -
تحقيق ودراسة
لجنة مختصة من المحققين
بإشراف
نور الدين طالب
[المجلد الثاني]
تَابع (٤) كِتابُ الصَّلَاةِ
١٢ - باب الرُكُوع
(باب الركوع)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٦١٤ - قال رسولُ الله ﷺ : "أَقيموا الركوعَ والسجودَ، فوالله إني لأراكم مِن بعدِي".
"من الصحاح":
أنه قال: قال رسول ﷺ "عن أنس الله صلى الله تعالى عليه وسلم: أَقِيموا"؛ أي: أَتِمُّوا "الركوعَ والسجودَ"، وعدِّلوهما، من (أقام العُودَ): إذا قوَّمَه.
"فوالله إني لأَراكم من بعدي"؛ أي: من خلف ظَهري؛ يعني: أَعلَمُ ما تفعلون خلفَ ظهري من نقصان الركوع والسجود، وهو من الخوارق التي أُعطِيَها ﵊، وفيه: حثٌّ على الإقامة ومنع التقصير وترك الطمأنينة فيهما.
٦١٤/ -م - وقال البراء: كانَ ركوعُ النبيِّ ﷺ وَسجودُهُ وجلوسُه بين
стр. 547
السجدَتَيْن، وإذا رَفَعَ من الركوعِ ما خَلَا القيامَ والقُعُودَ قريبًا من السَّواءِ.
"وقال البراء: كان ركوعُ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وسجودُه وجلوسُه"؛ أي: زمانُ ركوعِه ﵊ وسجودِه وجلوسِه "بين السجدتين وإذا رفعَ رأسَه"؛ أي: زمانُ رفعِه "من الركوع ما خلا القيامَ والقعودَ للتشهد"؛ أي: ما عداهما؛ فإنهما كانا طويلَين بالنسبة إلى باقي الأفعال، استثناء من المعنى.
"قريبًا من السواء": خبر (كان)؛ أي: كان قريبًا من التماثُل، لا طويلًا ولا قصيرًا.
٦١٥ - وقال أنس: كانَ رسولُ الله ﷺ إذا قالَ: "سَمِعَ الله لِمَنْ حمدَهُ" قام حتى نقول: قد أَوْهَمَ، ثم يسجدُ ويقعدُ بينَ السجدتينِ حتى نقولَ: قد أوهمَ.
"وقال أنس: كان رسول الله ﵊ إذا قال: سمع الله لمن حمده قام حتى نقول"، قيل: بالرفع: حكاية حال ماضية؛ أي: نظنُّ؛ إذ القولُ قد جاء بمعناه.
"قد أُوهِمَ"، يقال: أَوْهَمْتُ الشيءَ: إذا تركتُه، وأَوْهَمْتُ في الكلام والكتاب: إذا أسقطتُ منه شيئاً.
والمعنى: أنه ﵊ كان يَلبَث في الاعتدال من الركوع زمانا نظنُّ أنه أسقطَ الركعةَ التي ركعَها، وعاد إلى ما كان عليه من القيام.
ويقال: أَوهمتُه: إذا أوقعته في الغلط، وعلى هذا يكون (أُوهِمَ) على صيغة الماضي المجهول؛ أي: أُوقِعَ ﵊ في الغلط ووَقَفَ سهوًا.
"ثم يسجد ويقعد بين السجدتين حتى نقول: قد أُوهِمَ"؛ أي: نظنُّ أنه أَسقطَ السجدةَ.
стр. 548
٦١٦ - وقالت عائشة ﵂: كانَ رسولُ الله ﷺ يُكثرُ أن يقولَ في ركوعُهُ وسجودِهِ: "سبحانَكَ اللهمَّ ربنا وبحمدِك، اللهمَّ اغفرْ لي" يَتَأَوَّلُ القرآنَ.
"وقالت عائشة: كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يُكثر أن يقولَ في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك"؛ إجابةً لقوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ﴾ [الطور: ٤٨].
"اللهم اغفر لي"؛ إجابةً لقوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ﴾ [المؤمنون: ١١٨].
"يتأَوَّل القرآن"؛ أي: يفسِّره، جملة حالية من فاعل (يقول)؛ أي: يقولُ ويَنظرُ ما يَؤُولُ إليه القرآن من التسبيح والحمد والاستغفار.
٦١٧ - وعن عائشة ﵂: أنَّ رسول الله ﷺ كانَ يقولُ في ركوعهِ وسجودِه: "سُبُّوحٌ قُدُّوسٌ ربُّ الملائكةِ والرُّوحِ".
"وعن عائشة: أن رسولَ الله صلى الله تعالى عليه وسلم كان يقول في ركوعه وسجوده سُبُّوح قُدُّوس"؛ أي: منزَّه طاهر عن كل عيب، وهما خبر مبتدأ محذوف؛ أي: ركوعي وسجودي لمن هو سُبُّوح قُدُّوس.
"ربُّ الملائكة والرُّوح"، قيل: هو جبرائيل، وقيل: صنفٌ من الملائكة أفردَه (١) بالذِّكر للتشريف.
٦١٨ - وقال رسولُ الله ﷺ : "ألا إني نُهيتُ أنْ أَقْرَأَ القرآنَ راكعًا أو ساجِدًا، فأمَّا الركوعُ فعظِّمُوا فيهِ الربَّ، وأمَّا السُّجودُ فاجتهدُوا في الدُّعاءِ،
стр. 549
فَقَمِنٌ أن يُستجَابَ لكم".
"عن ابن عباس أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: ألا إني نُهيتُ أن أقرأَ القرآنَ راكعًا وساجدًا"، الناهي هو الله تعالى، وهو نهيُ تنزيهٍ لا تحريم؛ إذ القراءةُ فيهما لا تُبطل الصلاةَ، وخُصَّت القراءة بالقيام أو القعود؛ لأنهما من الأفعال العادية، وبالقراءة يتميزان عن العادة ويتمحَّصان للعبادة، بخلاف الركوع والسجود؛ لأنهما بذواتهما يخالفان العادةَ، ويدلَاّن على الخضوع والعبادة.
"فأما الركوع فعظِّموا فيه الربَّ"، تعظيمه تعالى قول: سبحان ربي العظيم، الأمر للندب لا للوجوب؛ لأنه ﵊ حين علَّم الأعرابيَّ لم يَأمُرْه به.
"وأما السجود فاجتَهِدُوا"؛ أي: بالِغُوا "في الدعاء" بعد قول: سبحان ربي الأعلى.
"فقَمِنٌ": بفتح الميم وكسرها؛ أي: جديرٌ وحقيقٌ "أن يُستجابَ لكم"؛ لأن السجودَ أقربُ ما يكون فيه العبدُ إلى ربه، فيكون الدعاءُ في تلك الحالة أقربَ إلى الإجابة.
٦١٩ - وعن أبي هُريرة ﵁: أن رسولَ الله ﷺ قال: "إذا قالَ الإِمامُ: سمعَ الله لِمَنْ حمدَهُ؛ فقولُوا: اللهم رَبنا لك الحمدُ، فإنَّه مَن وافَقَ قولُه قولَ الملائكةِ غُفِرَ له ما تَقَدَّم من ذنبهِ".
"وعن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال: إذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده فقولوا: ربنا لك الحمد"؛ فإن الملائكة يقولون: ربنا لك الحمد.
стр. 550
"فمَن وافَقَ قولُه قولَ الملائكة غُفر له ما تقدَّم من ذَنْبه".
٦٢٠ - وعن عبد الله بن أبي أَوْفَى ﵁ قال: كانَ رسولُ الله ﷺ إذا رفعَ ظهرَه من الركوع قال: سمعَ الله لمن حمدَه، اللهمَّ ربنا لكَ الحمدُ مِلْءَ السموات، ومِلْءَ الأرضِ، ومِلْءَ ما شئتَ من شيءٍ بعدُ" "وعن عبد الله بن أبي أَوْفَى أنه قال: كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إذا رفع ظَهرَه من الركوع قال: سمع الله لمن حمده، اللهم ربنا لك الحمدُ ملء السماوات" بالنصب: صفة مصدر محذوف، وبالرفع: صفة (الحمد)، وهو اسم ما يأخذه الإناء عند الامتلاء، مجاز عن الكثرة.
"وملء الأرضِ وملء ما شئتَ من شيءٍ بعدُ": إشارة إلى الاعتراف بالعجز عن أداء حق الحمد بعد استفراغ المجهود فيه، فأَحالَ الأمرَ فيه إلى المشيئة، وليس وراء ذلك الحمد مُنتهًى.
٦٢١ - عن أبي سعيدٍ الخُدريِّ ﵁ قال: كانَ رسولُ الله ﷺ إذا رفعَ رأسهُ من الركوع، قال: "ربنا لكَ الحمدُ مِلْءَ السماواتِ ومِلْءَ الأرضِ ومِلْءَ ما شئتَ من شيءٍ بعدُ، أهلَ الثناءَ والمَجْدِ، أَحَقُّ ما قالَ العبدُ، وَكُلُّنا لكَ عبدٌ، اللهم لا مانِعَ لِمَا أَعطيتَ، ولا مُعطيَ لِمَا مَنعتَ، ولا ينفعُ ذا الجَدِّ منكَ الجَدُّ".
"وعن أبي سعيد الخُدري أنه قال: كان رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم إذا رفع رأسَه من الركوع قال: ربنا لك الحمد ملءَ السماواتِ وملءَ الأرضِ وملءَ ما شئتَ من شيءٍ بعدُ"؛ أي: بعدَ السماواتِ والأرضِ.
"أهلَ الثناء" بالنصب: على المدح أو النداء، وبالرفع: خبر مبتدأ محذوف؛
стр. 551
أي: أنتَ أهلُ الثناء.
"والمجد، أحقُّ" بالرفع: خبر مبتدأ محذوف؛ أي: الحمدُ والثناءُ أحقُّ.
"ما قال العبدُ"، ويجوز كونه فعلًا ماضيًا من: أحقَّ؛ أي: أصابَ العبدُ الحقَّ فيما قال بأنك أهلُ الثناءِ والمجدِ، وبجوز أن يكون (أحق) مبتدأ وخبره (اللهم).
"وكلُّنا لك عبدٌ": جملة معترضة بين المبتدأ والخبر.
"اللهم لا مانعَ لِمَا أعطيتَ، ولا مُعطِيَ لِمَا منعتَ، ولا ينفع ذا الجدِّ منك"، الجدُّ: الحظُّ منك والإقبال، وقيل: الغنى والعظمة؛ أي: لا ينفع ذا الغنى والحظ الدنيوي غناؤُه وحظُّه منك؛ أي: بذلك؛ يعني: بدلَ طاعتك وعبادتك، وإنما ينفعُه الإيمانُ والطاعةُ.
٦٢٢ - عن رِفَاعة بن رافعٍ قال: كنا نُصلِّي وراءَ النبيِّ ﷺ ، فلمَّا رفعَ رأْسهُ من الركعةِ قال: "سمعَ الله لمن حَمدَه"، فقالَ رجلٌ وراءَه: ربنا ولكَ الحمدُ حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيهِ، فلما انصرفَ قال: "مَن المُتكلِّم؟!، رأيتُ بضعةً وثلاثينَ مَلَكًا يَبْتَدِرُونَها أيُّهُم يكتُبها أَوَّل".
"عن رِفاعة بن رافع أنه قال: كنا نصلي وراءَ النبي ﵊، فلما رفعَ" رسولُ الله "رأسَه من الركعة قال: سمع الله لمن حمده، فقال رجل وراءَه: ربنا ولك الحمد"؛ أي: لك النعمة ولك الحمد.
"حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، فلما انصرف قال: مَنِ المتكلِّمُ؟ رأيتُ بضعةً وثلاثين مَلَكًا يبتدرونها"؛ أي: يسارعون في كتابة هذه الكلمات.
"أَيُّهُم يكتبها أولَ" بالنصب؛ وهو الأوجه؛ أي: أولَ مرةٍ، ويصعد بها؛ لعِظَم قَدْرها.
стр. 552
مِنَ الحِسَان:
٦٢٣ - قال رسول الله ﷺ : "لا تُجْزِئُ صلاةُ الرجلِ حتى يُقيمَ ظهرَهُ في الركوعِ والسُّجودِ"، صحيح.
"من الحسان":
" عن أبي (١) مسعود الأنصاري أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: لا تُجزِئ صلاةُ الرجل حتى يقيمَ ظَهرَه في الركوع والسجود"، والمراد بإقامة الظهر: الطمأنينة.
"صحيح".
٦٢٤ - وعن عُقْبة بن عامر قال: لمَّا نَزلَتْ: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ قال رسول الله ﷺ : "اجعلُوهَا في ركوعِكُم"، فلما نزلَتْ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ قال: "اجْعَلُوهَا في سجودِكم".
"وعن عقبة بن عامر أنه قال: لمَّا نزلت: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ﴾ قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: اجعلوها في ركوعكم"؛ أي: قولوا في الركوع: سبحان ربي العظيم.
"فلما نزلت: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ قال: اجعلوها في سجودكم"؛ أي: قولوا في السجود: سبحان ربي الأعلى.
стр. 553
٦٢٥ - عن عبد الله بن مسعودٍ ﵁: أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: "إذا ركعَ أحدُكم فقالَ في ركوعِهِ: سبحانَ ربي العظيمِ ثلاثَ مراتٍ؛ فقد تَمَّ ركوعُه، وذلك أَدناهُ، وإذا سجدَ فقالَ في سجودِه: سبحانَ ربي الأَعلى ثلاثَ مراتٍ؛ فقد تمَّ سجودُه، وذلكَ أَدناه"، ليس بمتصلٍ.
"عن عبد الله بن مسعود: أن النبي ﵊ قال: إذا ركع أحدكم، فقال في ركوعه: سبحان ربي العظيم ثلاث مرات فقد تم ركوعُه، وذلك أدناه"؛ أي: أدنى الكمال في العدد.
"وإذا سجد، فقال في سجوده: سبحان ربي الأعلى ثلاث مرات فقد تم سجودُه، وذلك أدناه. ليس بمتصلٍ".
٦٢٦ - عن حُذيفة ﵁: أنه صلَّى مع النَّبيِّ ﷺ ، فكانَ يقولُ في ركوعِهِ: "سبحانَ ربي العظيمِ"، وفي سجودِهِ: "سبحانَ ربي الأَعلى"، وما أتَى على آيةِ رحمةٍ إلَاّ وقفَ وسألَ، وما أَتَى على آيةٍ عذابٍ إلا وقفَ وتَعَوَّذَ. صحيح.
"عن حذيفة: أنه صلى مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فكان يقول في ركوعه: سبحان ربي العظيم، وفي سجوده: سبحان ربي الأعلى، وما أتى على آيةٍ رحمةٍ إلا وقفَ وسألَ"؛ أي: رحمتَه.
"وما أتى على آيةٍ عذابٍ إلا وقفَ وتعوَّذ" بالله من عذابه.
"صحيح".
стр. 554
١٣ - باب السُجود وفَضْله
(باب السجود وفضله)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٦٢٧ - قال رسول الله ﷺ : "أُمِرْتُ أن أَسجُدَ على سبعةِ أَعْظُمٍ: على الجَبْهةِ، واليدَينِ، والرُّكبتَينِ، وأطرافِ القَدَمينِ، ولا نكَفِتَ الثِّيابَ والشَعْرَ".
"من الصحاح":
" عن عبد الله بن عباس أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: أُمرت أن أَسجدَ على سبعة أَعظُم" جمع: العظم؛ يعني: أُمرتُ أن أَضعَ هذه الأعضاءَ السبعةَ على الأرض إذا سجدتُ.
"على الجبهة واليدين"؛ أي: الكفَّين.
"والرُّكبتَين وأطراف القدمَين"، أوجب بعضُهم وضعَ جميعها في السجود؛ أخذًا بظاهر الحديث، وهو أحد قولَي الشافعي، وفي الجديد: الواجب وضع الجبهة فقط، وعليه أكثر الأئمة؛ لأنه ﵊ اقتصر عليه في قصة رِفاعة، فقال: "اسجدْ، فمكِّنْ جبهتَك من الأرض".
ووضعُ الستةِ سُنَّةٌ، والأمرُ محمولٌ على المشترك بين الوجوب والندب؛ توفيقًا بين الحديثين.
"ولا نكَفِتَ": بالنصب؛ أي: نُهينا أن نَضُمَّ "الثيابَ والشَّعرَ"، ونجمعَهما عند الانتشار باليدين؛ احترازًا من الغبار، بل تُترك حتى تقعَ على الأرض؛ ليسجدَ جميعُ الأعضاء والثياب معه.
стр. 555
٦٢٨ - وقال: "اعتدلُوا في السُّجود، ولا يبسُطْ أحدُكم ذراعَيْهِ انبساطَ الكلبِ".
"وعن أنس أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: اعتَدِلُوا فيِ السجود"، وذلك بوضع كفيه على الأرض، ورفعِ مِرْفَقَيه عنها وبطنِه عن فخذيه.
"ولا يَبسُطْ أحدُكم ذراعَيه"؛ أي: لا يَفتَرِشْهما على الأرض في الصلاة.
"انبساطَ الكلب"؛ أي: كافتراشه؛ فإنه يضعُ مِرْفَقَيه وكفيه على الأرض.
٦٢٩ - وعن البَرَاء قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا سجدتَ فضعْ كفيْكَ، وارفَعْ مِرْفَقَيكَ".
"وعن البراء بن عازب أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إذا سجدتَ فضَعْ كفَّيك وارفَعْ مِرْفَقَيك".
٦٣٠ - وقالت مَيْمُونة: كان النبيُّ ﷺ إذا سجدَ جافَى بينَ يديهِ، حتى لو أنَّ بَهْمَةً أرادَتْ أن تمرَّ تحتَ يديْهِ لَمَرَّتْ.
"وقالت ميمونة: كان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم إذا سجد جافَى"، أي: أَبعدَ بين يديه.
"حتى لو أن بَهْمةً": وهي - بفتح الباء وسكون الهاء - ولد الضأن، أكبر من السَّخلة، اسم يقع على الذكر والأنثى.
"أرادت أن تمرَّ تحتَ يدَيه لَمَرَّتْ".
стр. 556
٦٣١ - وقال عبد الله بن بُحَيْنَة: كان رسولُ الله ﷺ إذا سجدَ فرَّج بينَ يديهِ، حتى يبدُوَ بياضُ إبْطَيْهِ.
"وقال عبد الله ابن بُحينة: كان رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم إذا سجدَ فرَّج"؛ أي: وسَّع "بين يدَيه حتى يبدوَ بياضُ إبطَيه".
٦٣٢ - وقال أبو هريرة - رضى الله عنه -: كانَ يقولُ رسولُ الله ﷺ في سجودِهِ: "اللهم اغفرْا لي ذنبي كلَّه، دِقَّه وجِلَّه، وأَوَّلَه وآخرَه، وعلانيتَه وسِرَّه".
"وقال أبو هريرة ﵁: كان رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول في سجوده: اللهم اغفرْ لي ذنبي كلَّه، دقَّه وجِلَّه" بالكسر فيهما، وقد يُضم الجيم؛ أي: دقيقَه وجليلَه؛ أي: صغيرَه وكبيرَه.
"وأولَه وآخرَه، وعلانيتَه وسرَّه".
٦٣٣ - وقالت عائشةُ: فقدتُ ليلةً رسولَ الله ﷺ من الفِراشِ، فالتمستُهُ، فوَقَعَتْ يدي على بطْنِ قدميْهِ - وهو في المسجدِ - وهما منصوبتان، وهو يقول: "اللهم أعوذُ برضاكَ من سخطكَ، وبمُعافاتِكَ من عُقوبَتِكَ، وأَعوذُ بِكَ منكَ، لا أُحصي ثناءً عليك، أنتَ كَما أَثنيتَ على نفْسك".
"وقالت عائشة: فَقدتُ رسولَ الله صلى الله تعالى عليه وسلم ليلةً من الفراش، فالتمستُه"؛ أي: طلبتُه.
"فوقعتْ يدي على بطن قدمَيه، وهو في المسجد"؛ أي: في السجود؛ يعني: في الموضع الذي كان يصلي فيه في حجرتها.
стр. 557
"وهما"؛ أي: قدماه "منصوبتان"، ووقوع يدها على بطن قدَميه وهو في السجود يدل على عدم انتقاض وضوء الملموس، وإلا لَمَا استمرَّ ﵊ بعده في السجود.
"وهو يقول: اللهم إني أعوذ برضاك مِن سَخَطِك"؛ أي: أطلب رضاك وأسألك ألا تسخطَ عليَّ؛ يعني: لا تُؤاخِذْني بفعلٍ يوجب سخطَك، "وبمعافاتك من عقوبتك"؛ أي أطلب أن تعافيني ولا تعاقبني.
"وأعوذ بك منك"؛ أي: أفرُّ إليك من أن تعذِّبني بذنبي وبتقصيري في طاعتك.
"لا أُحصِي ثناءً عليك"؛ أي: لا أُطيقُ ولا أَقدِر أن أُثنيَ عليك كما تستحقُّه وتحبُّه، بل أنا قاصر عن أن يَبلُغَ ثنائي قَدْرَ استحقاقك.
"أنتَ كما أثنيتَ على نفسك" بقولك: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٦) وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [الجاثية: ٣٦ - ٣٧].
٦٣٤ - وقال رسول الله ﷺ : "أَقْربُ ما يكونُ العبدُ مِنْ ربه وهو ساجدٌ، فأكثِروا الدُّعاءَ".
"وعن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: أقربُ ما يكون العبد من ربه": مبتدأ حُذف خبرُه؛ لسدِّ الحالِ، وهو قوله: "وهو ساجد" مَسدَّه؛ يعني: أقربُ حالات العبد من ربه حالَ كونه ساجدًا، وهذا لأن حالةَ السجود تدل على غاية تذللٍ واعترافٍ بعبودية نفسه وربوبية ربه، فكان مظنةَ الإجابة، فأَمرَ ﵊ بإكثار الدعاء بقوله: "فأكَثِرُوا" فيه "الدعاءَ"؛ أي: في السجدة، استدلَّ بعضٌ بهذا الحديث
стр. 558
على أفضلية كثرة السجود من طول القيام.
٦٣٥ - وقال: "إذا قرأَ ابن آدمَ السجدةَ فسجدَ؛ اعتزلَ الشيطانُ يبكي يقولُ: يا ويلتا! أُمِرَ ابن آدمَ بالسجودِ فسجدَ فلهُ الجنةُ، وأُمِرْتُ بالسجودِ فأَبَيْتُ فليَ النارُ".
"وعنه أنه قال ﵊ إذا قرأَ ابن آدمَ السجدةَ"؛ أي: آيةَ فيها سجدةٌ.
"فسجدَ اعتزلَ الشيطانُ"؛ أي: انفصلَ وانحرفَ من عند القارئ الذي يريد وسوستَه، وبَعُدَ إلى جانب آخر.
"يبكي"؛ أي: على خسارته، "ويقول": وهما حالان من فاعل (اعتزل)؛ أي: باكيًا وقائلاً: "يا ويلتا": قيل: أصله: يا ويلي، قُلبت ياء المتكلم تاءً، وزِيدَتْ بعدها ألفُ الندبة، والويل: الحزن والهلاك، فكأنه يقول: يا حزني ويا هلاكي احضرْ فهذا وقتُك وأوانُك، وإنما ينادي بالويل؛ لأنه رأى العبدَ المؤمنَ متقرِّبًا إلى ربه في سجوده، وهو يندم على تركه السجودَ لآدمَ.
"أُمر ابن آدمَ بالسجود، فسجد؛ فله الجنةُ، وأُمرت بالسجود، فأبيتُ؛ فلي النارُ".
٦٣٦ - قال ربيعة بن كعبٍ الأَسْلَمي: كنتُ أبيتُ معَ رسولِ الله ﷺ ، فآتيه بوَضُوئهِ وحاجتِهِ، فقالَ لي: "سَلْ"، فقلْتُ: أسألُكَ مرافقتَكَ في الجنةِ! قالَ: "أَوَ غَيْرَ ذلكَ؟ "، فقلتُ: هو ذاكَ، قال: "فأَعِنِّي على نفسِكَ بكثرةِ السجودِ لِلَّهِ".
стр. 559
"قال ربيعة بن كعب الأسلمي ﵁: كنتُ أَبيتُ مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فأتيتُه بوَضوئه وحاجته، فقال لي" في مقام الانبساط: "سَلْ"؛ يعني: اطلبْ مني حاجة.
"فقلت: أسألك مرافقتَك في الجنة، قال: أَو غير ذلك؟ " بسكون الواو: عطف على مقدَّر، وبرفع (غير)؛ أي: مسؤولك ذلك أو غيرُ ذلك؛ فإن ذلك درجةٌ عاليةٌ؟
وقيل: بفتحها، فالهمزة للاستفهام و (غير) نصب، فالمعنى: أثابتٌ أنتَ على طلبك أم تسأل غيرَ ذلك؟ وهذا الابتلاء والامتحان ليَنظرَ هل يثبتُ على ذلك المطلوب العظيم الذي لا يقابله شيء؛ فإن الثباتَ على طلب أعلى المقامات من أتم الكمالات.
"قلت: هو ذاك"، معناه على تقدير كون (أو) عاطفة: مسؤولي مرافقتك، وعلى تقدير الاستفهام: مسؤولي ذلك لا أتجاوز عنه.
"قال: فاعنِّي على نفسك"؛ أي: كُنْ عونًا لي في إصلاح نفسك لِمَا تطلب.
"بكثرة السجود"؛ أي: أَكثِرِ السجدةَ في الدنيا حتى ترافقَني في الجنة.
وفيه: إشارة إلى أن هذه المرتبةَ العليا لا تحصل بمجرد السجود، بل به مع دعائه ﵊ له إياها من الله تعالى، وفي قوله: (على نفسك): إيذان بأن نيلَ المراتب العَلِيَّة إنما يكون بمخالفة النفس وكسر الشهوة.
٦٣٧ - وقال مَعْدَان بن أبي طَلْحة: لقيتُ ثوبانَ مَوْلَى رسولِ الله ﷺ ، فقلتُ: أخبرني بعملٍ يُدخلني الله به الجنةَ؟، فقال: سألتُ عن ذلكَ رسولَ الله ﷺ فقال: "عليكَ بكثرةِ السجودِ للهِ، فإنَّك لا تسجدُ للهِ سجدةً إلا
стр. 560
رفَعكَ الله بها درجةً، وحطَّ عنكَ بها خَطيئةً".
"وقال مَعدان بن طلحة: لقيتُ ثَوبانَ مولى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فقلت: أخبرْني بعمل يدخلُني": بالرفع، وقيل: بالجزم جواباً للأمر؛ أي: يُدخِلْني.
"الله به الجنةَ، فقال: سألت عن ذلك رسولَ الله ﷺ فقال: عليك بكثرة السجود لله"، أراد به: سجود الصلاة، أو سجود التلاوة، أو الشكر.
"فإنك لا تسجد لله سجدةً إلا رفعَك الله بها درجةً، وحطَّ عنك بها خطيئة".
مِنَ الحِسَان:
٦٣٨ - عن وائل بن حُجْر قال: رأيتُ رسولَ الله ﷺ إذا سجدَ وضعَ ركبتيهِ قَبْلَ يديهِ، وإذا نهضَ رفعَ يديهِ قبلَ ركبتيهِ.
"من الحسان":
" عن وائل بن حُجْر أنه قال: رأيتُ رسولَ الله صلى الله تعالى عليه وسلم إذا سجد وضعَ ركبتَيه قبل يديه"، وعليه الشافعي.
"وإذا نهض"؛ أي: قام "رفع يديه قبل ركبتيه".
٦٣٩ - وعن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: "إذا سجدَ أحدُكم فلا يَبْرُكْ كما يَبرُكُ البعيرُ، وَلْيَضَعْ يديهِ قبلَ ركبتيهِ".
وحديثُ وائل بن حُجْر أثبتُ من هذا، وقيل: هذا منسوخٌ.
"وعن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إذا سجد
стр. 561
أحدُكم فلا يَبْرُكْ كما يَبْرُكُ البعيرُ، وَلْيَضَعْ يدَيه قبل رُكبتَيه"، وبهذا قال أبو حنيفة، فإن قيل: كيف شبَّه وضع الرُّكبة قبل اليدين ببُروك البعير، مع أن البعيرَ يضع يدَيه قبلَ رِجلَيه؟
قلنا: بأن الرُّكبةَ في الإنسان: الرِّجل، وفي الدواب: اليد، فإذا وضع الرَّجلُ رُكبتَه أولًا فقد شابَهَ البعيرَ في البُروك.
"وحديثُ وائلِ بن حُجر أثبتُ من هذا"، ولذا لم يَرَ أكثرُ العلماء العملَ بهذا الحديث، مع أنه رُوي عن أبي هريرة مثلُ حديث وائل، فيُؤخَذ بأقوى روايتيه.
"وقيل: هذا"؛ أي: حديثُ أبي هريرة "منسوخ" بحديث مصعب بن سعيد بن أبي وقاص: كنَّا نضعُ اليدَين قبلَ الرُّكبتَين، فأَمرَنا رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم بأن نضعَ الركبتَين قبلَ اليدَين.
٦٤٠ - وقال ابن عباس ﵁: كان النبيُّ ﷺ يقولُ بين السجدتينِ: "اللهم اغفِرْ لي، وارحَمْني، واهدِنِي، وعافِني، وارزقني".
"وقال ابن عباس: كان النبي ﵊ يقول بين السجدتين: اللهم اغفرْ لي وارحمني واهدِني وعافِني وارزقْني".
٦٤١ - وعن حُذيفة: أن النبيَّ ﷺ كانَ يقولُ بينَ السجدتينِ: "رب اغفرْ لي".
"وعن حذيفة: أن النبي ﵊ كان يقول بين السجدتين: ربِّ اغفرْ لي".
стр. 562
١٤ - باب التَّشهُّدِ
(باب التشهد)
سُمِّي الذِّكرُ المخصوصُ تشهُّدًا؛ لاشتماله على كلمة الشهادة.
مِنَ الصِّحَاحِ:
٦٤٢ - قال ابن عمر: كانَ رسولُ الله ﷺ إذا قعدَ في التشهدِ وضعَ يدَهُ اليُسرى على ركبتِهِ اليُسرى، ووضعَ يدَهُ اليُمْنَى على ركبتِهِ اليُمْنَى، وعقدَ ثلاثةً وخمسينَ، وأشارَ بالسَّبَّابَةِ.
وفي روايةٍ: وضعَ يديهِ على ركبتيْهِ، ورفعَ إصبَعَهُ التي تلي الإِبهامَ اليُمنَى يَدعُو بها، ويدَه اليُسرى على ركبتِهِ باسِطَها عليها.
"من الصحاح":
" عن ابن عمر: كان رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم إذا قعد في التشهُّد وضعَ يدَه اليسرى على ركبته اليسرى، ووضعَ يدَه اليمنى على ركبته اليمنى، وعقد ثلاثةً وخمسين"؛ أي: أخذ إصبعه كما يأخذ المُحاسِب، وهو أن يقبضَ الخِنْصِرَ والبنصِرَ والوسطى ويُرسِلَ المسبحةَ، ويضمَّ الإبهامَ إلى أصل المسبحة.
"وأشار بالسبَّابة"؛ أي: رفعَها عند قوله: لا إله إلا الله؛ ليطابقَ القول والفعل على التوحيد.
"وفي رواية: وضعَ يدَيه على ركبتيه، ورفعَ إصبعَه التي تلي الإبهام يدعو"؛ أي: يشير بها إلى وحدانية الله تعالى بالإلهية، وقيل: أي: يهلِّل، سُمِّي التهليلُ دعاءً؛ لأنه بمنزلته في استجلاب لطفه تعالى.
стр. 563
"ويدَه اليسرى على ركبته باسطَها": بفتح الطاء وضمها، أي: ينشرها "عليها".
٦٤٣ - عن عبد الله بن الزُّبير أنه قال: كانَ رسول الله ﷺ إذا قعدَ يدعو وضعَ يده اليُمنى على فخذِه اليمنى، ويدَه اليُسرى على فخذِه اليُسرى، وأشارَ بإصبعهِ السبَّابةِ، ووضعَ إبهامَه على إصبعِهِ الوسطى، ويُلْقِمُ كفَّه اليُسرى ركبتَه.
"عن عبد الله بن الزبير: أنه قال: كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إذا قعدَ يدعو"، أي: يقرأ: التحيات لله. . . إلى آخره.
"وضع يدَه اليمنى على فخذه اليمنى، ويده اليسرى على فخذه اليسرى وأشار بإصبعه"، يعني: السبَّابة.
"ووضعَ إبهامَه على إصبعه الوسطى، ويُلْقِمُ كفَّه اليسرى ركبتَه"، أي: يُدخل ركبتَه في راحة كفه اليسرى حتى صارت ركبتُه كاللُّقمة في كفِّه.
٦٤٤ - قال عبد الله بن مَسْعود: كنا إذا صلَّينا معَ النبيِّ ﷺ قُلنا: السلامُ على الله - قبلَ عبادِهِ - السلامُ على جبريلَ، السلامُ على ميكائيلَ، السلامُ على فلانٍ، فلما انصرفَ النبيُّ ﷺ ؛ أَقْبَلَ علينا بوجهِهِ فقال: "لا تقولوا: السلامُ على الله، فإنَّ الله هو السلامُ، فإذا جلسَ أحدُكم في الصلاةِ فليقلْ: التحياتُ للهِ والصلواتُ والطيباتُ، السلامُ عليكَ أيها النَّبيّ ورحمةُ الله وبركاتُهُ، السلامُ علينا وعلى عبادِ الله الصالحينَ، فإنه إذا قالَ ذلك، أصابَ كلَّ عبدٍ صالحٍ في السماءَ والأرض، أشهدُ أن لا إله إلا الله، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُه، ثم ليتخَيَّرْ من الدعاءَ أعجبَهُ إليه فيدعو به".
стр. 564
"قال عبد الله بن مسعود: كنا إذا صلينا مع النبي ﵊ قلنا: السلام على الله قبل عباده، السلام على جبرائيل، السلام على ميكائيل، السلام على فلان"؛ أي: على ملَك من الملائكة؛ يعني: كانوا يقولون هذه الكلماتِ عوضًا عن التحيات.
"فلما انصرف النبي صلى الله تعالى عليه وسلم"؛ أي: فرغَ من صلاته "أقبل علينا بوجهه قال: لا تقولوا: السلام على الله"؛ إذ معنى (السلام): هو الدعاء بالسلامة من آفات الدنيا وعذاب الآخرة، وهذا لا يجوز لله.
"فإن الله هو السلام"؛ يعني: هو الذي يخلِّص عبادَه ويحفظهم عن الآفات والضَّرر.
"فإذا جلس أحدُكم في الصلاة فَلْيقلْ": الأمر فيه للوجوب.
"التحيات لله" جمع: تحية، تَفْعِلَة من: الحياة، بمعنى: الإحياء، أو بمعنى: التمليك، يقال: حيَّاك الله؛ أي: ملَّكك الله، أو بمعنى: السلامة من الحدوث ونقائصه، جُمعت لإرادة استغراق الأنواع.
"والصلوات"؛ أي: الصلوات المعروفة وأنواع الرحمة، أو الأدعية التي يراد بها التعظيم.
"والطيبات"؛ أي: من الصلاة والدعاء والثناء، أو المراد منها: الكلمات الطيبات المشتملة على التنزيه والتقديس.
"السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته": وهي اسمٌ لكل خير فائضٍ منه تعالى على الدوام، وإنما جُمعت (البركة) دون (السلام) و (الرحمة)؛ لأنهما مصدران.
"السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين"، قيَّدهم بالصلاح؛ لأن التسليمَ لا يليق بالمُفسِد.
стр. 565
"فإنه إذا قال ذلك أصابَ"؛ أي: ثوابُ ذلك "كلَّ عبدٍ صالحٍ في السماء والأرض، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله"، رُوي: أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لمَّا عرج إلى السماء أَثْنَى على الله بهذه الكلمات، فقال الله تعالى: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، فقال ﵊: "السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين"، فقال جبرائيل: أشهد أن لا إله إلا الله. . . إلخ.
"ثم لِيتخيَّر من الدعاء أعجبَه إليه"؛ أي: أرضاه وأحبَّه من أمر الدِّين والدنيا.
"فيدعو به"، اختار أبو حنيفة روايةَ ابن مسعود في التشهُّد.
٦٤٥ - وقال عبد الله بن عباس: كانَ رسولُ الله ﷺ يعلِّمنا التشهدَ كما يعلِّمنا السُّورةَ من القرآنِ، فكانَ يقولُ: "التحياتُ المُباركاتُ الصَّلواتُ الطَّيباتُ للهِ، سلامٌ عليكَ أَيُّها النبيُّ! ورحمةُ الله وبركاتُهُ، سلامٌ علينا وعلى عبادِ الله الصالحينَ، أشهدُ أنْ لا إله إلا الله وأشهدُ أنَّ محمدًا رسولُ الله".
"وقال عبد الله بن عباس: كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يعلِّمنا التشهُّدَ كما يعلِّمنا السورةَ من القرآن، فكان يقول: التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله، سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله"، اختار الشافعي رواية ابن عباس.