← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 17791

شرح المصابيح لابن الملك

ابن الملك

Полный текст (3 421 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

أحدُكم فلا يَبْرُكْ كما يَبْرُكُ البعيرُ، وَلْيَضَعْ يدَيه قبل رُكبتَيه"، وبهذا قال أبو حنيفة، فإن قيل: كيف شبَّه وضع الرُّكبة قبل اليدين ببُروك البعير، مع أن البعيرَ يضع يدَيه قبلَ رِجلَيه؟ قلنا: بأن الرُّكبةَ في الإنسان: الرِّجل، وفي الدواب: اليد، فإذا وضع الرَّجلُ رُكبتَه أولًا فقد شابَهَ البعيرَ في البُروك. "وحديثُ وائلِ بن حُجر أثبتُ من هذا"، ولذا لم يَرَ أكثرُ العلماء العملَ بهذا الحديث، مع أنه رُوي عن أبي هريرة مثلُ حديث وائل، فيُؤخَذ بأقوى روايتيه. "وقيل: هذا"؛ أي: حديثُ أبي هريرة "منسوخ" بحديث مصعب بن سعيد بن أبي وقاص: كنَّا نضعُ اليدَين قبلَ الرُّكبتَين، فأَمرَنا رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم بأن نضعَ الركبتَين قبلَ اليدَين. ٦٤٠ - وقال ابن عباس ﵁: كان النبيُّ ﷺ يقولُ بين السجدتينِ: "اللهم اغفِرْ لي، وارحَمْني، واهدِنِي، وعافِني، وارزقني". "وقال ابن عباس: كان النبي ﵊ يقول بين السجدتين: اللهم اغفرْ لي وارحمني واهدِني وعافِني وارزقْني". ٦٤١ - وعن حُذيفة: أن النبيَّ ﷺ كانَ يقولُ بينَ السجدتينِ: "رب اغفرْ لي". "وعن حذيفة: أن النبي ﵊ كان يقول بين السجدتين: ربِّ اغفرْ لي".

стр. 562

١٤ - باب التَّشهُّدِ (باب التشهد) سُمِّي الذِّكرُ المخصوصُ تشهُّدًا؛ لاشتماله على كلمة الشهادة. مِنَ الصِّحَاحِ: ٦٤٢ - قال ابن عمر: كانَ رسولُ الله ﷺ إذا قعدَ في التشهدِ وضعَ يدَهُ اليُسرى على ركبتِهِ اليُسرى، ووضعَ يدَهُ اليُمْنَى على ركبتِهِ اليُمْنَى، وعقدَ ثلاثةً وخمسينَ، وأشارَ بالسَّبَّابَةِ. وفي روايةٍ: وضعَ يديهِ على ركبتيْهِ، ورفعَ إصبَعَهُ التي تلي الإِبهامَ اليُمنَى يَدعُو بها، ويدَه اليُسرى على ركبتِهِ باسِطَها عليها. "من الصحاح": " عن ابن عمر: كان رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم إذا قعد في التشهُّد وضعَ يدَه اليسرى على ركبته اليسرى، ووضعَ يدَه اليمنى على ركبته اليمنى، وعقد ثلاثةً وخمسين"؛ أي: أخذ إصبعه كما يأخذ المُحاسِب، وهو أن يقبضَ الخِنْصِرَ والبنصِرَ والوسطى ويُرسِلَ المسبحةَ، ويضمَّ الإبهامَ إلى أصل المسبحة. "وأشار بالسبَّابة"؛ أي: رفعَها عند قوله: لا إله إلا الله؛ ليطابقَ القول والفعل على التوحيد. "وفي رواية: وضعَ يدَيه على ركبتيه، ورفعَ إصبعَه التي تلي الإبهام يدعو"؛ أي: يشير بها إلى وحدانية الله تعالى بالإلهية، وقيل: أي: يهلِّل، سُمِّي التهليلُ دعاءً؛ لأنه بمنزلته في استجلاب لطفه تعالى.

стр. 563

"ويدَه اليسرى على ركبته باسطَها": بفتح الطاء وضمها، أي: ينشرها "عليها". ٦٤٣ - عن عبد الله بن الزُّبير أنه قال: كانَ رسول الله ﷺ إذا قعدَ يدعو وضعَ يده اليُمنى على فخذِه اليمنى، ويدَه اليُسرى على فخذِه اليُسرى، وأشارَ بإصبعهِ السبَّابةِ، ووضعَ إبهامَه على إصبعِهِ الوسطى، ويُلْقِمُ كفَّه اليُسرى ركبتَه. "عن عبد الله بن الزبير: أنه قال: كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إذا قعدَ يدعو"، أي: يقرأ: التحيات لله. . . إلى آخره. "وضع يدَه اليمنى على فخذه اليمنى، ويده اليسرى على فخذه اليسرى وأشار بإصبعه"، يعني: السبَّابة. "ووضعَ إبهامَه على إصبعه الوسطى، ويُلْقِمُ كفَّه اليسرى ركبتَه"، أي: يُدخل ركبتَه في راحة كفه اليسرى حتى صارت ركبتُه كاللُّقمة في كفِّه. ٦٤٤ - قال عبد الله بن مَسْعود: كنا إذا صلَّينا معَ النبيِّ ﷺ قُلنا: السلامُ على الله - قبلَ عبادِهِ - السلامُ على جبريلَ، السلامُ على ميكائيلَ، السلامُ على فلانٍ، فلما انصرفَ النبيُّ ﷺ ؛ أَقْبَلَ علينا بوجهِهِ فقال: "لا تقولوا: السلامُ على الله، فإنَّ الله هو السلامُ، فإذا جلسَ أحدُكم في الصلاةِ فليقلْ: التحياتُ للهِ والصلواتُ والطيباتُ، السلامُ عليكَ أيها النَّبيّ ورحمةُ الله وبركاتُهُ، السلامُ علينا وعلى عبادِ الله الصالحينَ، فإنه إذا قالَ ذلك، أصابَ كلَّ عبدٍ صالحٍ في السماءَ والأرض، أشهدُ أن لا إله إلا الله، وأشهدُ أنَّ محمدًا عبدُهُ ورسولُه، ثم ليتخَيَّرْ من الدعاءَ أعجبَهُ إليه فيدعو به".

стр. 564

"قال عبد الله بن مسعود: كنا إذا صلينا مع النبي ﵊ قلنا: السلام على الله قبل عباده، السلام على جبرائيل، السلام على ميكائيل، السلام على فلان"؛ أي: على ملَك من الملائكة؛ يعني: كانوا يقولون هذه الكلماتِ عوضًا عن التحيات. "فلما انصرف النبي صلى الله تعالى عليه وسلم"؛ أي: فرغَ من صلاته "أقبل علينا بوجهه قال: لا تقولوا: السلام على الله"؛ إذ معنى (السلام): هو الدعاء بالسلامة من آفات الدنيا وعذاب الآخرة، وهذا لا يجوز لله. "فإن الله هو السلام"؛ يعني: هو الذي يخلِّص عبادَه ويحفظهم عن الآفات والضَّرر. "فإذا جلس أحدُكم في الصلاة فَلْيقلْ": الأمر فيه للوجوب. "التحيات لله" جمع: تحية، تَفْعِلَة من: الحياة، بمعنى: الإحياء، أو بمعنى: التمليك، يقال: حيَّاك الله؛ أي: ملَّكك الله، أو بمعنى: السلامة من الحدوث ونقائصه، جُمعت لإرادة استغراق الأنواع. "والصلوات"؛ أي: الصلوات المعروفة وأنواع الرحمة، أو الأدعية التي يراد بها التعظيم. "والطيبات"؛ أي: من الصلاة والدعاء والثناء، أو المراد منها: الكلمات الطيبات المشتملة على التنزيه والتقديس. "السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته": وهي اسمٌ لكل خير فائضٍ منه تعالى على الدوام، وإنما جُمعت (البركة) دون (السلام) و (الرحمة)؛ لأنهما مصدران. "السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين"، قيَّدهم بالصلاح؛ لأن التسليمَ لا يليق بالمُفسِد.

стр. 565

"فإنه إذا قال ذلك أصابَ"؛ أي: ثوابُ ذلك "كلَّ عبدٍ صالحٍ في السماء والأرض، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله"، رُوي: أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لمَّا عرج إلى السماء أَثْنَى على الله بهذه الكلمات، فقال الله تعالى: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، فقال ﵊: "السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين"، فقال جبرائيل: أشهد أن لا إله إلا الله. . . إلخ. "ثم لِيتخيَّر من الدعاء أعجبَه إليه"؛ أي: أرضاه وأحبَّه من أمر الدِّين والدنيا. "فيدعو به"، اختار أبو حنيفة روايةَ ابن مسعود في التشهُّد. ٦٤٥ - وقال عبد الله بن عباس: كانَ رسولُ الله ﷺ يعلِّمنا التشهدَ كما يعلِّمنا السُّورةَ من القرآنِ، فكانَ يقولُ: "التحياتُ المُباركاتُ الصَّلواتُ الطَّيباتُ للهِ، سلامٌ عليكَ أَيُّها النبيُّ! ورحمةُ الله وبركاتُهُ، سلامٌ علينا وعلى عبادِ الله الصالحينَ، أشهدُ أنْ لا إله إلا الله وأشهدُ أنَّ محمدًا رسولُ الله". "وقال عبد الله بن عباس: كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يعلِّمنا التشهُّدَ كما يعلِّمنا السورةَ من القرآن، فكان يقول: التحيات المباركات الصلوات الطيبات لله، سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين، أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا رسول الله"، اختار الشافعي رواية ابن عباس.

стр. 566

مِنَ الحِسَان: ٦٤٦ - عن وائل بن حُجْر ﵁، عن رسول الله ﷺ : ثم جلسَ فافترشَ رجلَهُ اليُسرى، ووضعَ يدَه اليُسرى على فخذ اليُسرى، وحدَّ مِرْفقَه اليُمنى على فخذِه اليُمنى، وقبضَ ثِنتينِ، وحلَّق حلقةً، ثم رفعَ إصبعَهُ، فرأيتُهُ يُحرِّكُها يَدعُو بها. "من الحسان": " عن وائل بن حُجْر ﵁، عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: أنه قال: ثم جلس": هذا عطف على قوله: "وإذا نهض رفع يديه قبلَ ركبتيه" في أول (حِسَان باب السجود). "فافترش رِجلَه اليسرى"، فجلس عليها ونَصَبَ اليمنى. "ووضعَ يدَه اليسرى على فخذه اليسرى، وحدَّ": بتشديد الدال على صيغة الماضي: عطفًا على (وضع)؛ أي: رفعَ. "مِرْفقَه اليمنى على فخذه اليمنى"، وجعلَ عظمَ مِرْفَقه كأنه رأس وتد، من: الحِدَّة، وقيل بتشديد الحاء من: الوحدة؛ أي: كأنه جعله منفردًا عن فخذه. "وقبض ثنتين"؛ أي: الخِنْصِر والبنصِر. "وحلَّق" بتشديد اللام "حلقة"؛ أي: أخذَ إبهامَه بإصبعه الوسطى كالحلقة. "ثم رفعَ إصبعَه"؛ أي: السبَّابة. "فرأيتُه يحرِّكها يدعو"؛ أي: يشير "بها" إلى وحدانية الله تعالى.

стр. 567

٦٤٧ - وعن عبد الله بن الزُّبير: أنَّ النبيَّ ﷺ كانَ يُشيرُ بإصبعِهِ إذا دَعَا، ولا يُحَرِّكها، ولا يُجاوزُ بصرُه إشارَتَهُ. "وعن عبد الله بن الزبير: أن النبي ﵊ كان يشير بإصبعه إذا دعا" المراد به: التشهد. "ولا يحرِّكها": يدل على أنه لا يحرِّك الإصبعَ إذا رفعَها للإشارة، وعليه أبو حنيفة. "ولا يجاوز بصرُه إشارتَه"؛ يعني: لا ينظر إلى السماء حين أشار بإصبعه إلى وحدانية الله تعالى، كما هو عادة بعض الناس؛ [. . .] بل ينظر إلى إصبعه المشيرة إلى ذلك. ٦٤٨ - عن أبي هريرة: أن رجلًا كانَ يدعو بإصبَعَيْهِ، فقالَ رسولُ الله ﷺ : "أَحِّدْ أَحِّدْ". "عن أبي هريرة ﵁: أن رجلًا"، قيل: هو سعد. "كان يدعو"؛ أي: يشير "بإصبعيه، فقال رسول الله ﷺ أَحِّدْ أَحِّدْ": أمر بالوحدة من: التوحيد، وهو القول والشهادة بأن الله واحدٌ؛ أي: أشِرْ بإصبعٍ واحدةٍ؛ لأن المَدعوَّ والمُشارَ إليه واحدٌ، كرَّر للتأكيد، أصله: وَحِّدْ، قُلبت الواو همزة. ٦٤٩ - وعن ابن عمر أنه قال: نهى رسولُ الله ﷺ أن يجلسَ الرجلُ في الصلاةِ وهو مُعتمِد على يدَيه.

стр. 568

ويُروى عنه: نهى أن يعتَمِدَ الرجلُ على يديهِ إذا نهضَ في الصلاةِ. "وعن ابن عمر ﵁: أنه قال: نهى رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم أن يجلسَ الرجلُ في الصلاة وهو معتمدٌ على يدَيه"؛ أي: متكئًا عليهما؛ يعني: نهى أن يضعَهما المصلِّي على الأرض إذا جلس للتشهد، بل يضعهما على رُكبتَيه. "ويُروى: نهى أن يعتمدَ الرجلُ على يدَيه إذا نهض"؛ أي: قامَ "في الصلاة"، بل ينهض على صدور قدميه من غير اعتماد على الأرض، وبه قال أبو حنيفة. ٦٥٠ - قال عبد الله بن مسعود ﵁: كان النبيُّ ﷺ في الركعتين الأُوليينِ كأنه على الرَّضْفِ حتى يقومَ. "قال عبد الله بن مسعود: كان النبي ﵊ في الركعتين الأوليين"؛ أي: فيما بعدهما، وهو التشهُّد الأول من صلاة ذات أربع أو ثلاث. "كأنه على الرَّضْف" جمع: رَضْفَة، وهي الحجارة المحمَّاة على النار. "حتى يقوم"، قيل: كأنه أراد تخفيفَ التشهد الأول وسرعةَ القيام منه إلى الركعة الثالثة.

стр. 569

١٥ - باب الصَّلاةِ على النبيِّ ﷺ وفَضْلِها (باب الصلاة على النبي ﷺ ) مِنَ الصِّحَاحِ: ٦٥١ - قال كعْب بن عُجْرة: سَأَلْنا رسولَ الله ﷺ ، فقُلْنا: يا رسولَ الله!، كيف الصلاةُ عليكم أهْلَ البَيْتِ، فإنَّ الله تعالى قد علَّمنا كيف نُسَلِّمُ عليكَ؟، قالَ: "قولوا: اللهمَّ صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صلَّيت على إبراهيمَ وعلى آل إبراهيمَ، إنَّك حَميدٌ مَجيدٌ، اللهمَّ بارِكْ على محمد وعلى آل محمد، كما باركتَ على إبراهيمَ وعلى آل إبراهيمَ، إنك حَميدٌ مَجيدٌ". "من الصحاح": " قال كعب بن عُجْرة: سألْنا رسولَ الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقلنا: يا رسولَ الله! كيف الصلاةُ عليكم أهلَ البيت" بالنصب: على المدح والاختصاص، أو منادى مضاف. "فإن الله قد علَّمَنا كيف نسلِّم عليك"، قيل: التقدير: قد علَّمنا كيف نصلِّي ونسلِّم عليك في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب:٥٦]، ولكن لا نَعلَم كيف الصلاةُ على أهل بيتك؟ وقيل: معناه: أن الله تعالى قد علَّمَنا بلسانك وبواسطة بيانك كيف نسلِّم عليك، كما بيَّنت لنا في: التحيات السلام عليك أيها النبي، فكيف الصلاةُ عليك وعلى أهل بيتك؟ "قال: قولوا: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، اللهم بارِكْ على محمد"؛ أي:

стр. 570

أثبت عليه ما أعطيته من الشرف والكرامة، "وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد". ٦٥٢ - عن أبي حُمَيدٍ السَّاعِدِيِّ ﵁: قالوا يا رسولَ الله!، كيفَ نُصَلِّي عليكَ؟، قال: "قولوا: اللهمَّ صَلِّ على محمَّدٍ وأزواجِهِ وذُرِّيَّتِهِ، كما صلَّيتَ على آل إبراهيمَ، وبارِكْ على محمَّدٍ وأزواجِهِ وذُرِّيَّتِهِ كما باركتَ على آل إبراهيم، إنَّكَ حَميدٌ مَجيدٌ". "وعن أبي حُميد الساعدي أنه قال: يارسولَ الله! كيف نصلي عليك؟ قال: قولوا: اللهم صلِّ على محمد وأزواجه وذُرِّيَّاته، كما صلَّيت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، وبارِكْ على محمد وأزواجه وذُرِّيَّاته كما باركتَ على إبراهيم، إنك حميد مجيد"، فيه: جواز الصلاة على غير النبي ﷺ بالتبعية. ٦٥٣ - وقالَ رسول الله ﷺ : "مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صلاةً صَلَّى الله عَلَيْه عَشْرًا". "وعن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: مَن صلَّى عليَّ صلاةً صلى الله عليه عشرًا"، الصلاة من الله تعالى على العبد: رحمة الله له. مِنَ الحِسَان: ٦٥٤ - قال رسول الله ﷺ : "مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صلاةً صَلَّى الله عَلَيْهِ عَشْرًا،

стр. 571

وحُطَّتْ عَنْهُ عَشْرُ خَطيئاتٍ، ورُفِعَتْ لهُ عَشْرُ دَرَجاتٍ". "من الحسان": " قال أنس: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: مَنْ صلَّى عليَّ صلاةً صلَّى الله تعالى عليه عشرًا، وحُطَّت عنه عشرُ خطيئات، ورُفعت له عشرُ درجات". ٦٥٥ - وقال: "إنَّ أَوْلَى الناسِ بي يَوْمَ القِيامَةِ أكْثَرُهُمْ عَلَيَّ صَلاةً". "وعن ابن مسعود أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إن أَولى الناس بي"؛ أي أقربَهم مني وأحقَّهم بشفاعتي "يومَ القيامة أكثرُهم عليَّ صلاةً". ٦٥٦ - وقال: "إنَّ لِلَّهِ مَلائِكةً سَيَّاحِينَ في الأَرْضِ يُبَلِّغُوني عَنْ أُمَّتي السَّلامَ". "وعنه: أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال: إن لله ملائكة سيَّاحين"؛ أي: ذاهبين "في الأرض يبلِّغونني عن أمتي السلام". ٦٥٧ - وقال: "ما مِنْ أحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَيَّ إلَاّ رَدَّ الله عَلَيَّ رُوحي حَتَّى أَرُدَّ ﵇". "وعن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: ما مِن أحدٍ يسلِّم عليَّ إلا ردَّ الله عليَّ روحي"، رَدُّ الرُّوحِ: كناية عن إعلام الله

стр. 572

تعالى إياه بأنَّ فلانًا صلَّى عليك. "حتى أردَّ ﵇"؛ يعني: أقول: وعليك السلام. ٦٥٨ - وقال: "لا تَجْعَلُوا قَبْري عِيْدًا، وصَلُّوا عَلَيَّ، فإنَّ صَلاتَكُمْ تَبْلُغُني حَيْثُ كُنْتُم". "وعنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: لا تجعلوا قبري"؛ أي: زيارةَ قبري "عيدًا" نهاهم عن الاجتماع لها اجتماعَهم للعيد زينةً ونزهة، كانت اليهود والنصارى يجتمعون لزيارة قبور أنبيائهم ويشتغلون باللهو والطرب، أو العيد اسم من: الاعتياد؛ أي: لا تجعلوا قبري عادةً ورسمًا كاليهود والنصارى، أو محلَّ اعتيادٍ لذلك؛ لئلا يُظَنَّ بأن دعاء الغائب لا يصل إلى الغائب، ولذا عقَّب بقوله: "وصلُّوا عليَّ؛ فإن صلاتَكم تَبلُغني حيث كنتم"؛ يعني: لا تتكلفوا المعاودة إلى قبري، فقد استغنيتم عنها بالصلاة عليَّ، ولأن اعتيادَ ذلك يُفضي بهم إلى حال يرتفع دونهَا حجابُ الهيبة والتعظيم عن خواطرهم بكثرة الزيارة، ولذا كره بعض العلماء مجاورةَ حَرَم مكة؛ نعم، يُستحب لمن حجَّ زيارةُ الرسول ﵊؛ إذ لا تلحقه مشقة عظيمة لكونه مرةَ في كل سنة أو في العمر. ٦٥٩ - وقال: "رَغِمَ أنفُ رَجُلٍ ذُكِرْتُ عِنْدَهُ فَلَمْ يُصَلِّ عَلَيَّ، وَرَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ دَخَلَ عَلَيْهِ رَمَضانُ ثُمَّ انْسَلَخَ قَبْلَ أَنْ يُغْفَرَ لَهُ، وَرَغِمَ أَنْفُ رَجُلٍ أَدْرَكَ عِنْدَهُ أبَواهُ الكِبَرَ أَوْ أَحَدُهما، فَلَمْ يُدْخِلاهُ الجَنَّةَ". "وعنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: رَغِمَ أنفُ

стр. 573

رجلٍ": هذا دعاء عليه؛ يعني: لحقَه ذلٌّ وهوانٌ؛ مجازاةً بترك تعظيمي بأني: "ذُكرت عندَه فلم يصلِّ عليَّ، ورَغِمَ أنفُ رجلٍ دخلَ عليه رمضان" ولم يتب، ولم يعظِّمه بالمبالغة في الطاعة، حتى يُغفَرَ له بذلك. "ثم انسلخَ"؛ أي: تمَّ الشهرُ وانقضى "قبل أن يُغفَر له، ورَغِمَ أنفُ رجلٍ أدركَ عنده أبواه الكِبَرَ أو أحدُهما، فلم يُدخلاه الجنةَ"؛ أي: لم يعملْ في حقِّهما عملًا يدخل بسببه الجنةَ بأن يخدمَهما، وخاصة عند الكِبَر؛ فإنهما عند الكِبَر أحوجُ إلى مَن يخدمهما. ٦٦٠ - عن أبي طَلْحَةَ: أنَّ رسولَ الله ﷺ جاءَ ذاتَ يومٍ والبشْرُ في وَجْهِهِ، فقالَ: "إنَّه جاءَني جِبْريلُ ﵇ فقال: إنَّ رَبَّكَ يَقولُ: أما يُرْضيكَ يا مُحَمَّدُ أن لا يُصَلِّيَ عليكَ أحدٌ مِنْ أُمَّتِكَ إلَاّ صَلَّيْتُ عَلَيْهِ عَشْرًا، ولا يُسَلِّمُ عليكَ أحَدٌ مِنْ أمَّتِكَ إلا سَلَّمْتُ عَلَيهِ عَشْرًا". "عن أبي طلحة: أن رسولَ الله صلى الله تعالى عليه وسلم جاء ذاتَ يومٍ والبشْرُ" بكسر الباء؛ أي: أثر السرور والبهجة "في وجهه، فقال: إنه"؛ أي: إن الشأنَ. "جاءني جبرائيل ﵇ فقال: إن ربك يقول: أَمَا يُرضيك يا محمدُ أنْ لا يصلي"، (أن) هذه: مصدرية. "عليك أحدٌ من أمتك إلا صلَّيتُ عليه عشرًا، ولا يسلِّم عليك وأحدٌ من أمتك إلا سلَّمتُ عليه عشرًا؟ ". ٦٦١ - وعن أُبَيِّ بن كعْبٍ ﵁ أنَّه قال: قلتُ: يا رسولَ الله!، إني أُكْثِرُ

стр. 574

الصلاةَ عَليكَ، فَكَمْ أَجْعَلُ لَكَ مِنْ صَلاتي؟، فقالَ: "ما شِئْتَ"، قلتُ: الرُّبعَ؟، قال: "ما شِئْتَ، فإنْ زِدْتَ فَهُوَ خَيْرٌ لكَ"، قلتُ: النِّصفَ؟، قالَ: "ما شِئْتَ، فإنْ زِدْتَ فهو خيرٌ لكَ"، قلتُ: فالثُّلُثَيْن؟، قالَ: "ما شئتَ، فإنْ زِدْتَ فهوَ خَيْرٌ لكَ"، قلتُ: أَجْعَلُ لكَ صَلاتي كلَّها؟، قال: "إذًا تُكْفَى هَمَّكَ، ويُكفَّرُ لكَ ذَنْبُكَ". "عن أُبي بن كعب أنه قال: قلت: يا رسولَ الله! إني أُكْثِرُ الصلاةَ عليك، فكم أجعل لك من صلاتي؟ "؛ أي: من دعائي؛ فإن الصلاةَ من الخلق الدعاء؛ يعنى: لي زمان ومدة أدعو إلى الله لنفسي، فكم أصرف من ذلك في الدعاء لك؟ "فقال: ما شئتَ، قلت: الرُّبع؟ قال: ما شئتَ، فإن زدتَ فهو خير لك، قلت: النصفَ؟ قال: ما شئتَ، فإن زدتَ فهو خير لك، قلت: فالثلثَين؟ قال: ما شئتَ، فإن زدتَ فهو خير لك"، فلم يحدَّ له ﵊ حدًّا في ذلك؛ لئلا تلتبسَ الفضيلةُ بالفريضة، ويغلقَ عليه باب المزيد، فلم يزل يفوِّض الاختيارَ إليه مع مراعاة الحب عليه. "قلت: أجعلُ لك صلاتي كلَّها؟ "؛ أي: أصلِّي عليك بدل ما أدعو به لنفسي؟ "قال: إذًا تُكفَى همَّك"، الهم: ما يقصده المرء من أمر الدِّين والدنيا؛ أي: إذا صرفتَ جميعَ زمانك في الصلاة عليَّ كُفيتَ ما يهمُّك من أمر دِينك ودنياك؛ لأن الصلاةَ ﵊ أفضلُ للمرء من الدعاء لنفسه. "ويكفَّر لك ذنبُك". ٦٦٢ - عن فَضالَةَ بن عُبَيْدٍ ﵁ قال: دخلَ رجلٌ فصلَّى، فقالَ: اللهمَّ اغفِرْ لي وارْحَمْني، فقالَ رسول الله ﷺ : "عَجلْتَ أَيُّها المُصَلِّي، إذا صلَّيْتَ

стр. 575

فقعدتَ فاحمَد الله بما هو أهلُهُ، وصَلِّ عَلَيَّ، ثم ادْعُهُ"، قالَ: ثُمَّ صَلَّى رجلٌ آخرُ بَعْدَ ذلكَ، فَحَمِدَ الله، وصلَّى على النبيِّ ﷺ ، فقالَ لهُ النَّبيّ ﷺ : أَيُّها المُصَلِّي!، ادعُ تُجَبْ". "عن فَضَالة بن عُبيد أنه قال: دخل رجلٌ فصلَّى، فقال: اللهم اغفرْ لي وارحمني، فقال رسول الله ﷺ : عَجلْتَ"؛ أي: تركتَ الترتيبَ في الدعاء، لأن مِن شرطِ السائل التقرُّبَ إلى المسؤول عنه قبلَ عرض حاجته بما يوجب له التقرُّب إليه، ثم يتوسَّل بشفيع له بين يديه؛ ليكونَ أحقَّ بالإجابة وأطمعَ بالإصابة، فمَن لم يفعل كذلك فقد استعجل. "أيها المصلِّي، إذا صليتَ، فقعدتَ، فاحمد الله"؛ أي: أَثْنِ عليه "بما هو أهلُه، وصلِّ عليَّ ثم ادْعُهُ، قال: ثم صلَّى رجل آخر بعد ذلك، فحمد الله وصلَّى على النبي ﵊، فقال له النبي ﵊: أيها المصلِّي! ادْعُ تُجَبْ". ٦٦٣ - وقال عبد الله بن مَسْعود ﵁: كنتُ أُصَلِّي، فلمَّا جَلَسْتُ بَدَأْتُ بالثَّناءَ على الله تعالى، ثُمَّ بالصَّلاةِ على النبيِّ ﷺ ، ثُمَّ دَعَوْتُ لِنفْسي، فقالَ النبيُّ ﷺ : "سَلْ تُعْطَهْ، سَلْ تُعْطَهْ". "وقال عبد الله بن مسعود: كنت أصلِّي، فلما جلستُ بدأتُ بالثناء على الله تعالى، ثم الصلاة على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم، ثم دعوت لنفسي، فقال النبي ﵊ سَلْ تعطه، سَلْ تُعْطَه": يحتمل أن يكون هاء السكت وهاء الضمير، وإن لم يُذكر مرجعُه، وتقديره: سَلْ تَعْطَ ما تطلب.

стр. 576

١٦ - باب الدُعاء في التَّشهُدِ (باب الدعاء في التشهد) مِنَ الصِّحَاحِ: ٦٦٤ - قالت عائشةُ ﵂: كانَ رسولُ الله ﷺ يَدْعُو في الصلاة: "اللهمَّ إِنِّي أعوذُ بِكَ منْ عذابِ القَبْرِ، وأعوذُ بِكَ منْ فتنةِ المَسيح الدَّجَّال، وأَعوذُ بِكَ مِنْ فتنةِ المَحْيَا وفتنةِ المَماتِ، اللهمَّ إِنِّي أَعوذُ بِكَ مِنَ المَأثَم والمَغْرَمِ"، فقالَ له قائلٌ: ما أكثرَ ما تستعيذُ مِنَ المَغْرَمَ!، فقال: "إنَّ رجلًا إذا غَرِمَ حدَّثَ فكَذَبَ وَوَعَدَ فأخْلَفَ". "من الصحاح": " قالت عائشة: كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يدعو في الصلاة: اللهم إني أعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال"، سُمي مسيحًا؛ لأن إحدى عينيه ممسوحة؛ أي: ذاهبة، أو ممسوح عن كل خير؛ أي: مُبعَد عنه. أو هو فعيل بمعنى: فاعل، من: المساحة؛ لأنه يمسح الأرضَ بتردُّده فيها؛ أي: يُقدِّرها وَيعدُّها بالذراع والشِّبر، ويقطعها بحيث لا يكون بلد إلا دخلَه غيرَ مكة والمدينة. "وأعوذ بك من فتنة المحيا" المراد منه: الابتلاء مع زوال الصبر والرضا، والوقوع في الآفات، والإصرار على الفساد، وترك متابعة طريق الهُدَى. "وفتنة الممات": سؤال مُنكَر ونكير مع الحَيرة في جوابهما، والخوف من عذاب القبر وما فيه من أنواع العقاب.

стр. 577

"اللهم إني أعوذ بك من المَأثَم": وهو الأمر الذى يَأئَم به الإنسان، أو هو الإثم نفسه، وضعًا للمصدر موضعَ الاسم. "والمَغْرَم": مصدر كـ (الغَرَامة)، وُضع موضعَ الاسم أيضًا، يريد به: مَغْرَم الذنوب والمعاصي، وقيل: المَغْرَم هو الدَّين. "فقال له قائل: ما أَكثَرَ ما تستعيذ"، (ما) الأولى: للتعجب، والثانية: مصدرية؛ أي: ما أكثرَ استعاذتك "من المَغْرَم! فقال" ﵊: "إن الرجلَ إذا غَرِمَ"؛ أي: لزمه دَينٌ. "حدَّث فكَذَبَ"؛ لأنه إذا تقاضاه رَبُّ الذَين ولم يحضره ما يؤدِّي دَينَه يَكذِب؛ ليتخلصَ من يده، ويقول له: لي مالٌ غائبٌ إذا حضرَ أؤدِّي دَينَك. "ووعد" بأن يقول: أعطيك غدًا أو في المدة الفلانية. "فأَخلَفَ" في وعده. ٦٦٥ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا فَرَغَ أَحَدُكُمْ مِنَ التَّشَهُّدِ الآخِرِ فليتعوَّذْ بالله من أَرْبَعٍ: مِنْ عذابِ جهنَّمَ، ومِن عذابِ القَبْرِ، وَمِنْ فتنةِ المَحْيا والمَماتِ، ومِنْ شَرِّ المَسيح الدَّجَّالِ". "عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إذا فرغَ أحدُكم من التشهُّد الأخير فَلْيتعوَّذْ بالله من أربع: من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن شرِّ المسيح الدجال". ٦٦٦ - وعن ابن عبَّاس: أنَّ رسولَ الله ﷺ كان يُعَلِّمهم هذا الدُّعاءَ، كما يُعَلِّمهم السورةَ مِنَ القرآنِ يقولُ: "قولوا: اللهمَّ إنِّي أعوذُ بِكَ مِنْ عذابِ

стр. 578

جهنَّمَ، وأعوذُ بِكَ مِنْ عذابِ القبرِ، وأعوذُ بِكَ مِنْ فتنةِ المسيحِ الدجَّالِ، وأعوذُ بِكَ من فتنةِ المَحْيا والمَماتِ". "وعن ابن عباس: أن رسولَ الله صلى الله تعالى عليه وسلم كان يعلِّمهم هذا الدعاءَ كما يعلِّمهم السورةَ من القرآن، يقول: قولوا: اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، وأعوذ بك من فتنة المحيا والممات"، ذهب طاوس إلى وجوب هذا الدعاء فيها، والجمهور على أنه مستحب. ٦٦٧ - وقال أبو بكر ﵁ للنبيِّ ﷺ : علِّمني دعاءً أَدْعُو به في صَلاتي، قالَ: "قُلْ: اللهمَّ إنِّي ظلَمتُ نفسي ظُلمًا كبيرًا، ولا يَغفرُ الذُّنوبَ إلا أنتَ، فاغفِرْ لي مغفرةً من عندِك وارْحَمْني، إنَّكَ أنتَ الغَفور الرَّحيم". "وقال أبو بكر ﵁ للنبي ﵊: علِّمْني دعاءً أدعو به في صلاتي"؛ أي: عقيبَ التشهُّد؛ لأن ذلك هو محلُّ الدعاء. "قال: قل: اللهم إني ظلمتُ نفسي ظلمًا كبيرًا، ولا يغفر الذنوبَ إلا أنتَ"؛ فإن غفرانَ جميع الذنوب لا يُتصوَّر إلا منه تعالى. "فاغفرْ لي مغفرةً": التنوين يدل على أنه غفرانٌ لا يُكتَنَه كُنهُه، ثم وصفه بقوله: "من عندك" مريدًا بذلك التعظيم؛ لأن ما يكون من عند الله لا يحيطه وصفُ واصفٍ، وقيل: معناه: مِن مَحْضِ فضلِك، لا باستحقاق مني. "وارحمني، إنك أنت الغفور الرحيم".

стр. 579

٦٦٨ - عن عامر بن سَعْدٍ، عن أبيهِ، أنه قال: كنتُ أرى رسولَ الله ﷺ يُسَلِّم عن يَمينهِ وعن يَسارِهِ حتى أَرى بَياضَ خدِّه. "عن عامر بن سعد، عن أبيه أنه قال: كنتُ أرى رسولَ الله صلى الله تعالى عليه وسلم يسلِّم عن يمينه وعن يساره حتى أرى بياضَ خدِّه"؛ أي: صفحةَ وجهِه. ويروى: "يُرى" مجهولًا؛ يعني: أنه كان إذا سلَّم عن يمينه يُرى صفحةُ وجهه، وإذا سلَّم عن اليسار يُرى صفحةُ وجهه منها أيضًا. ٦٦٩ - قال سَمُرَةُ بن جُنْدَبٍ: كانَ النبيُّ ﷺ إذا صلَّى صلاة أقْبَلَ علينا بِوَجْهِهِ. "قال سَمُرة بن جُندب ﵁: كان رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم إذا صلَّى صلاةً أقبلَ علينا بوجهه"؛ أي: يَصرِف وجهَه يمينًا ويسارًا عند التسليم. ٦٧٠ - وقال أنسٌ: كانَ النبيُّ ﷺ ينصرِفُ عن يَمينهِ. "قال أنس ﵁:: كان النبي ﵊ ينصرف عن يمينه"؛ يعني: أنه كان إذا أتمَّ الصلاةَ وأراد أن يقومَ وينصرفَ يَنصرفُ عن جانبه الأيمن تبرُّكا بالتيامُن؛ لأنه مستحبٌّ. ٦٧١ - قال عبدُ الله بن مَسْعود ﵁: لا يجعلُ أحدُكم للشَّيطانِ شيئًا من

стр. 580

صلاتِهِ يَرى أنَّ حقَّاً عليهِ أنْ لا ينصرِفَ إلا عن يَمينهِ، لقدْ رأَيتُ النَّبيَّ ﷺ كثيرًا ينصرِفُ عن يَسارِهِ. "وقال عبد الله بن مسعود: لا يجعل أحدُكم للشيطان شيئًا من صلاته يرى": بضم الياء؛ أي: يظنُّ، وبفتحها؛ أي: يعتقد. "أن حقًّا عليه أن لا ينصرفَ"؛ أي: بعدَ الفراغ من صلاته "إلا عن يمينه"، فمن اعتقد أنه يجب عليه الانصرافُ من جانب الأيمن فقد اعتقد شيئًا غير ما فعلَه رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم، ومَن اعتقد ذلك فقد تابَعَ الشيطانَ، فلم تكنْ صلاتُه كاملةً. "لقد رأيتُ رسولَ الله صلى الله تعالى عليه وسلم كثيرًا ينصرف عن يساره". ٦٧٢ - وقال البَراءُ: كُنّا إذا صَلَّيْنا خلْفَ رسولِ الله ﷺ أحْبَبنا أنْ نكونَ عن يَمينِه، يُقْبلُ علَيْنا بوَجْهِهِ، قالَ: فسمعتُهُ يقولُ: "ربِّ قِني عذابَكَ يَوْمَ تَبْعَثُ عِبادَكَ، أوْ تجمَعُ عبادَكَ". "وقال البراء: كنا إذا صلَّينا خلفَ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أحبَبنا أن نكونَ عن يمينه؛ يُقبل علينا بوجهه" عند التسليم قبل أن يُقبلَ على مَن عن يساره. "قال: فسمعته يقول" بعد التسليم. "رب قني عذابك"؛ أي: احفظني منه. "يوم تبعث عبادك، أو تجمع عبادك": شكٌّ من الراوي.

стр. 581

٦٧٣ - قالت أمُّ سَلَمَةَ: إنَّ النِّساءَ في عَهْدِ رسول الله ﷺ كُنَّ إذا سَلَّمْنَ مِنَ المَكْتوبَةِ قُمْنَ، وثَبَتَ رسولُ الله ﷺ ومَنْ صلَّى مِنَ الرِجالِ ما شاءَ الله، فإذا قامَ رسولُ الله ﷺ قامَ الرِّجالُ. "قالت أم سلمة: إن النساء في عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كُنَّ إذا سَلَّمْنَ من المكتوبة قُمْنَ، وثبت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم"؛ لينصرف النساء كي لا يختلط الرجال بهنَّ. "ومَنْ صلَّى" عطف على (رسول الله)؛ أي: وثبَتَ مَنْ صلَّى. "مِنَ الرجال ما شاء الله"؛ أي: زمانًا شاء الله أن يثبت فيه. "فإذا قام رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قام الرِّجال"، يُعْلَم مِنْ هذا استحباب ثبات الإمام لهذا، واستحباب عدم قيام المأمومين قبل أن يقوم الإمام. ٦٧٤ - وقال جابرُ بن سَمُرَةَ: كَانَ - يعني رسولَ الله ﷺ لا يقومُ من مُصَلَاّهُ الذي يُصلِّي فيه الصُّبحَ حتَّى تَطْلُعَ الشَّمسُ، وكانوا يتحدَّثون، فيأخذونَ في أمْرِ الجاهِلِيَّةِ، لْيَضْحَكونَ، ويتَبَسَّم. "وقال جابر بن سَمُرة: كان؛ يعني: رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم" تفسير لضمير (كان). "لا يقوم من مُصلَاّه الذي يصلِّي فيه الصبح حتى تَطْلُعَ الشمس، وكانوا يتحدثون فيأخذون في أمر الجاهلية"؛ أي: يتحدثون بما جرى عليهم قبل الإسلام.

стр. 582

"فيضحكون ويبتسم": ﵊، فيه دليل على جواز استماع الكلام المباح. مِنَ الحِسَان: ٦٧٥ - عن مُعاذ بن جبَل ﵁ أنه قال: أخذ بيدي رسولُ الله ﷺ فقالَ: "إِنِّي لأحِبُّكَ يا معاذُ! "، فقلتُ: وأنا أُحِبُّكَ يا رسولَ الله!، قالَ: "فلا تَدعْ أنْ تقولَ في دُبُرِ كُل صلاةٍ: ربِّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ، وشكرِكَ، وحُسْنِ عِبَادَتِكَ". "من الحسان": " عن معاذ بن جبل أنه قال: أخذ بيدي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقال: إني لأحبك يا معاذا فقلت: وأنا أحبُّك يا رسول الله! "، مخاطبته ﵊ بالمحبة أشدُّ تأكيدًا من مخاطبة معاذ له بها. "قال: فلا تدع"؛ أي: فلا تترك. "أن تقول في دبر كل صلاة"؛ أي: في عَقِبها. "اللهم": ربِّ. "أعنِّي على ذِكْرِك"، المطلوب منه: شرح الصدور وتيسير الأمور وإليه لَمَحَ قول الكليم: ﴿قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي (٢٥) وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي﴾ إلى قوله: ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا (٣٣) وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا﴾ [طه: ٣٣ - ٣٤]. "وشكرك": المطلوب منه: توالي النِّعم المستجلبة لتوالي الشكر، وإنما طلب المعاونة عليه لأنه عسير جدًا، ولذلك قال تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: ١٣].

стр. 583

"وحسن عبادتك": المطلوب منه: التجرد عما يشغله عن الله تعالى؛ ليفرغ إلى المناجاة. والمذكورات الثلاثة في الحديث غايات، والمطلوب هو البدايات، فذِكْرُ الغايات تنبيهٌ على أنها هي المطالب الأولية وإن كانَتْ نهاياتُ تلك وسائلَ إليها. وهذا يدل على أنَّ مَنْ يحبُّ أحدًا ينبغي أن يريد له كل خير، ويدله على كل خير. ٦٧٦ - وعن عبد الله بن مَسْعود: أنَّ رسولَ الله ﷺ كان يُسَلِّمُ عن يَمينهِ: "السلامُ عليكم ورحمةُ الله"، حتَّى يُرى بياضُ خَدِّهِ الأَيْمَنِ، وعن يَسارِهِ: "السلامُ عَلَيْكُم ورحمةُ الله" حتَّى يُرى بياضُ خَدِّهِ الأَيْسَرِ. "وعن عبد الله بن مسعود: أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كان يسلِّم عن يمينه: السلام عليكم ورحمة الله، حتى يُرى بياضُ خدِّه الأيمن، وعن يساره السلام: عليكم ورحمة الله حتى يُرى بياض خدِّه الأيسر". ٦٧٧ - وعنه قال: كانَ أكثرُ انصِرافِ رسولِ الله ﷺ مِنْ صَلاتِهِ على شِقِّهِ الأَيْسَرِ إلى حُجْرَتِهِ. "وعنه أنه قال: كان أكثرُ انصراف رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من صلاته على شِقِّه الأيسر إلى حجرته"؛ لأن بابها كان على يسار محرابه ﵊.

стр. 584

٦٧٨ - وعن المُغيرة بن شُعبة ﵁، عن رسول الله ﷺ قال: "لا يُصلِّي الإمامُ في المَوْضعِ الذي صَلَّى فيه حتَّى يَتَحَوَّلَ". "عن المغيرة ﵁ عن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: لا يصلِّي الإمام في الموْضعِ الذي صَلَّى فيه"؛ يعني: لا يصلِّي السُّنَّة والنَّافلة في الموضع الذي صَلَّى فيه الفريضة. "حتى يتحوَّلَ"؛ أي: حتى ينتقل منه إلى آخر؛ ليشهد له موضعان بالطاعة يوم القيامة، ولذلك يستحبُّ تكثير العبادة في مواضع مختلفة، والأولى أن يتحوَّل إلى جانب يمينه. ٦٧٩ - عن أنس ﵁: أنَّ النبي ﷺ نهَاهُم أن يَنصَرِفُوا قبلَ انْصِرافِهِ مِنَ الصَّلاة. "عن أنس ﵁: أن النبي ﵊ نهاهُم أن ينصرفوا قبل انصرافه من الصلاة"؛ لتنصرف النساء، ولا يختلط بهنَّ الرجال. ١٧ - باب الذِّكر بعد الصَّلاة (باب الذكر بعد الصلاة) مِنَ الصِّحَاحِ: ٦٨٠ - قال ابن عبَّاس: كنتُ أَعْرِفُ انقِضاءَ صلاةِ رسول الله ﷺ بالتَّكْبيرِ.

стр. 585

"من الصحاح": " قال ابن عباس: كنت أعرف انقضاء صلاة النبي ﵊ "؛ أي: أعرف انتهاءها. "بالتَّكبير"؛ لأنه ﷺ يكبر الله تعالى في الذِّكر المعتاد بعد الصلاة، وأراد بالتكبير: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر. ٦٨١ - وقالت عائشة ﵂: كان رسول الله ﷺ إذا سَلَّمَ لَمْ يَقْعُدْ إلا مِقدارَ ما يقولُ: "اللهمَّ أنتَ السَّلامُ، ومِنْكَ السَّلامُ، تبارَكْتَ يا ذا الجلال والإكرام". "وقالت عائشة: كان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم إذا سلَّم لم يَقْعُدْ" بين الفريضة والنهوض إلى السُّنَّة بعدها. "إلا مِقْدَار ما يقول: اللهم أنت السلام، ومنك السلام"، وإليك يرجع السلام. "تبارَكْتَ يا ذا الجلال والإكرام"، ثم يشتغل بالسُّنَّة. ٦٨٢ - وقال ثَوبان: كانَ النبيُّ ﷺ إذا انصرفَ مِنْ صلاتِهِ اسْتَغْفَرَ ثلاثًا وقالَ: "اللهمَّ أنتَ السلامُ ومنكَ السلامُ، تبارَكْتَ يا ذا الجَلالِ والإِكرامِ". "وقال ثوبان: كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إذا انصرف من صلاته استغفر ثلاثًا، وقال: اللهم أنت السلام ومنك السلام! وإليك يرجع السلام، "تباركت يا ذا الجلال والإكرام".

стр. 586

٦٨٣ - وعن المُغيرة بن شُعبة ﵁: أنَّ النبيَّ ﷺ كانَ يقولُ في دُبُرِ كُلِّ صلاةٍ مَكْتوبَةٍ: "لا إله إلا الله وحدَهُ لا شريكَ له، لَهُ الملكُ ولَهُ الحَمْدُ وهُوَ على كلِّ شيءٍ قَديرٌ، اللهمَّ لا مانِعَ لما أَعْطَيْتَ، ولا مُعْطِيَ لِما مَنَعْتَ، ولا يَنْفَعُ ذا الجَدِّ منكَ الجَدُّ". "وعن المغيرة بن شعبة: أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم كان يقول في دُبُر كلِّ صلاة"؛ أي عقيب كلِّ صلاة. "مكتوبة"؛ أي: مفروضة: "لا إله إلا الله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، اللهم لا مانع لما أعطَيْتَ، ولا مُعطِيَ لما مَنَعْتَ، ولا ينفع ذا الجدِّ منك الجدُّ". ٦٨٤ - وعن عبد الله بن الزُّبير قال: كان رسولُ الله ﷺ إذا سَلَّمَ مِنْ صَلاتِهِ قالَ بصَوْتهِ الأَعْلى: "لا إلهَ إلاّ الله وحدَهُ لا شريكَ لَهُ، لَهُ الملكُ ولهُ الحُمْد وهُوَ على كلِّ شيءٍ قديرٌ، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلا بالله، لا إله إلا الله لا نَعْبُدُ إلا إيَّاهُ، لَهُ النِّعمةُ، ولَهُ الفَضْلُ، ولَهُ الثَّناءُ الحَسَنُ، لا إله إلَاّ الله مُخْلِصينَ لَهُ الدينَ وَلَوْ كَرِهَ الكافِرونَ". "وعن عبد الله بن الزبير: أنه قال: كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إذا سلَّم من صلاته قال بصوته الأعلى: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد وهو على كل شيء قدير، ولا حول ولا قوة إلا بالله، لا إله إلا الله ولا نعبد إلا إياه، له النعمة، وله الفضل، وله الثناء الحَسَنُ، لا إله إلا الله مخلصين له الدين"؛ أي: في حال كوننا مخلصين له الدين، وهو التَّوحيد.

стр. 587

"ولو كره الكافرون"؛ أي: ولو كرهوا كوننا مخلصين لدين الله، وكوننا عابدين له. ٦٨٥ - وعن سَعْدٍ: أنه كان يُعَلِّمُ بنيه هؤلاءِ الكَلماتِ، ويقولُ: إنَّ رسول الله ﷺ كانَ يَتَعَوَّذُ بِهِنَّ دُبُرَ كُلِّ صَلاةٍ: "اللهمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الجُبن، وأَعوذُ بِكَ مِنَ البُخْلِ، وأعوذُ بِكَ مِنْ أَرْذَلِ العُمُرِ، وأَعوذُ بِكَ مِن فِتْنَةِ الدُّنْيا وعذابِ القَبْرِ". "وعن سعد": وهو سعد بن أبي وقاص. "أنه كان يعلّم بنيه هؤلاء الكلمات ويقول: إن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كان يتعوَّذ بهنَّ دُبُرَ الصلاة: اللهم إني أعوذ بك من الجُبن"؛ أي: من خوف الخروج في الغَزاة في سبيل الله تعالى. "وأعوذ بك من البخل"؛ أي: من عدم أداء الزكاة خوفًا من الفقر. "وأعوذ بك من أَرْذَل العُمُر" من الرَّذَالة، وهي الخَسَاسة، و (أرذل العمر): آخره في حال الكبر والعجز، فإنه إذ ذاك يكون خَرِفًا حقيرًا في أعين الناس. "وأعوذ بك من فتنة الدُّنيا وعذاب القبر". ٦٨٦ - وعن أبي هُريرة ﵁. قال: قالوا: يا رسولَ الله!، ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثورِ بالدَّرَجاتِ والنَّعيم المُقيم، صَلُّوا كما صَلَّيْنا، وجاهَدوا كما جاهَدْنا، وأنْفَقوا مِنْ فُضولِ أَمْوالِهِمْ، وَلَيْسَتْ لنا أَمْوالٌ، قالَ: "أفلا أُخْبرُكُمْ بِأَمْرٍ تُدْرِكُونَ بِهِ مَنْ قَبْلَكُمْ، وتَسْبقُونَ مَنْ جاءَ بَعْدَكُمْ، وَلا يَأْتي أَحَدٌ بِمَثْل ما جِئْتُمْ

стр. 588

بِهِ، إلَاّ مَنْ جاءَ بمثْلِهِ!، تُسَبحُونَ في دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ عَشْرًا، وتَحْمَدونَ عَشْرًا، وتُكَبرونَ عَشْرًا". وفي روايةٍ: "تُسَبحُونَ، وَتَحْمَدُونَ، وتُكَبرونَ خَلْفَ كُلِّ صَلاةٍ ثَلاثًا وثَلاثينَ". "وعن أبى هريرة أنه قال: قالوا: يا رسول الله ﷺ ذهب أهل الدُّثور": جمع دَثْرٍ، وهو المال الكثير؛ أي: الأغنياء. "بالدرجات [العلى] والنَّعيم المقيم"؛ أي: العيش الدائم، والمراد به: الجنة. "صلُّوا كما صلَّينا، وجاهدوا كما جاهدنا، وأنفقوا من فُضُول أموالهم، وليسَتْ لنا أموال، قال: أفلا أخبركم بأمر تُدْرِكُون به من قَبْلَكم"؛ أي: في الثَّواب. "وتسبقون مَنْ جاء بعدكم"؛ أي: تسبقون به أمثالكم الذين يقولون هذه الأذكار، فتكون البعدية بحسب الرتبة. "ولا يأتي أحدٌ بمثل ما جئتم به إلا مَنْ جاء بمثله"؛ أي: فعد مثل فعله. "تسبحون في دُبُر كلِّ صلاة عشرًا، وتحمدون عشرًا، وتكبرون عشرًا، وفي رواية: تسبحون وتحمدون وتكبرون خَلْفَ كلّ صلاة ثلاثًا وثلاثين"، قيل: معناه: يكون جميعها ثلاثًا وثلاثين، لكن الأشهر: أنَّ كل واحد من الأذكار يكون ثلاثًا وثلاثين. ٦٨٧ - وعن كعْبِ بن عُجْرَةَ قال: قال رسول الله ﷺ : "مُعَقِّباتٌ لا يَخيبُ قائِلُهُنَّ - أَوْ فاعِلُهُنَّ - دُبُرَ كلِّ صَلاةٍ مَكتوبةٍ: ثَلاثٌ وثَلاثونَ تَسْبيحَةً، وثَلاثٌ

стр. 589

وثَلاثون تَحْميدَةٌ، وأَرْبَعٌ وثَلاثونَ تَكْبيرَةً". "وعن كَعْبِ بن عُجْرَة أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: مُعَقِّباتٌ": موصوفه محذوف، تقديره: كلمات أو دعوات مُعَقِّبات؛ يعني: كلمات تأتي بعَقْبِ بعض، وقيل: سميت بها لأنهنَّ يعقُبن الصلاة. "لا يخيب قائلُهُنَّ"، من الخَيبة، وهو الحرمان والخسران. "أو فاعلُهُنَّ" شكٌّ من الراوي. "دُبُرَ كلِّ صلاة مكتوبة: ثلاثٌ وثلاثون" خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هنَّ ثلاث وثلاثون "تسبيحة"، والجملة خبر (معقبات). "وثلاث وثلاثون تحميدة، وأربع وثلاثون تكبيرة". ٦٨٨ - وعن أبي هريرة قال قال النبيُّ ﷺ : "مَنْ سَبَّحَ الله في دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ ثَلاثاً وثَلاثينَ، وحَمِدَ الله ثلاثاً وثَلاثينَ، وكَبَّرَ الله ثَلاثاً وثَلاثينَ، فَتِلْكَ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ، ثم قالَ تَمامَ المائة: لا إله إلَاّ الله وَحْدَهُ لا شريكَ لَهُ، لَهُ المُلكُ ولَهُ الحَمْدُ، وهُوَ عَلى كلِّ شيءٍ قديرٌ، غُفِرَتْ خَطاياهُ وإنْ كانَتْ مِثلَ زَبَدِ البَحْرِ". "وعن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: مَنْ سبَّحَ الله في دُبُرِ كلِّ صلاة ثلاثاً وثلاثين، وحَمِدَ الله ثلاثاً وثلاثين، وكَبَّرَ الله ثلاثاً وثلاثين، فتلك"؛ أي: التسبيحات والتحميدات والتكبيرات. "تسعة وتسعون، وقال تمامَ المئة" بالنصب، مفعول به لـ (قال)؛ لأنه في المعنى جملة؛ لأن ما بعده عطف بيان له أو بدل، فصحَّ كونه مقول القول. والمراد من (تمام المئة): ما يتم به المئة، ويجوز أن يكون نصبه بالظرفية؛

стр. 590

أي: في وقت تمام المئة، والعامل فيه (قال)، ويجوز رفع (تمام) على أنه مبتدأ وخبره: "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير": فيكون (تمام) مع خبره حالاً من ضمير (سبَّح) فلفظة (قال) على هذا تكون للراوي، وضميره عائد إلى الرسول. "غُفِرَتْ خطاياه، وإن كانت مثل زَبَدِ البَحْرِ"، وهو ما يعلو على وجهه عند هيجانه. مِنَ الحِسَان: ٦٨٩ - عن أبي أُمامَةَ أنه قال: قيلَ: يا رسولَ الله!، أيُّ الدُّعاءِ أَسْمَعُ؟، قالَ: "جَوْفُ الليلِ الآخِرُ، ودُبْرَ الصَّلَواتِ المَكْتوبات". "من الحسان": " عن أبي أمامة أنه قال: قيل: يا رسول الله! أيُّ الدعاء أسمع؟ "؛ أي: أوفق للاستماع، وأولى بالاستجابة. "قال: جَوْف الليل": نصب على الظرفية، خبر مبتدأ محذوف، (الآخر): صفته؛ أي: الدعاء في الجوف الأخير من الليل. أو رفع وهو أكثرُ روايةً على حذف مضاف وإقامته مقامه؛ أي: دعاء جوف الليل الأخير أسمع؛ يعني: ثلثه الأخير، وهو أول الجزء الخامس من أسداس الليل، وقيل: وسط النصف الأخير. "ودُبُر الصلوات المكتويات": عطف على (جوف) تابع له في الإعراب.

стр. 591

٦٩٠ - عن عُقْبَةَ بن عامِرٍ أنَّه قال: أَمَرني رَسولُ الله ﷺ أنْ أَقْرَأَ المُعَوِّذَتَيْنِ في دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ. "عن عقبة بن عامر أنه قال: أمرني رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أن أقرأ المعوِّذَتين في دُبُرِ كلِّ صلاة"؛ أريد بهما: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ "، سُمِّيتا بذلك؛ لأنهما يدفعان الآفة عن قارئهما. ٦٩١ - وعن أنس قال: قال رسول الله ﷺ : "لأَنْ أَقْعُدَ مَعَ قَوْمٍ يَذْكُرونَ الله مِنْ صَلاةِ الغَداةِ حتَّى تَطْلُعَ الشَّمسُ أَحَبُّ إليَّ مِنْ أَنْ أُعْتِقَ أَرْبَعَةً مِنْ وُلْدِ إسْماعيلَ، ولأَنْ أَقْعُدَ مَعَ قَوْمٍ يَذْكُرونَ الله مِنْ صَلاةِ العَصْرِ إلى أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أُعْتِقَ أَرْبَعَةً". "عن أنس أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: لأَنْ أَقْعُدَ"؛ أي: لَقَعُودي. "مع قومٍ يذكرون الله من صلاة الغَدَاة حتى تَطْلُعَ الشَّمس أحبُّ إليَّ من أن أُعْتِقَ أربعةً من وَلَدِ إسماعيل"، وإنما خصَّ ﵊ وَلَدَ إسماعيل؛ لأن العرب أفضل الأمم، وأولاد إسماعيل أفضل العرب؛ لكونه ﵊ منهم، وإطلاق الأرقاء والعتق عليهم على الفرض والتقدير. "ولأَن أقعُدَ مع قومٍ يذكرون الله تعالى من صلاة العصر إلى أن تغرب الشمس أحبُّ إليَّ من أن أُعْتِقَ أربعةً"، وإنما خصَّ هذين الوقتين لشرفهما؛ لأن أحدهما أول النهار والآخَر آخِره، ولاجتماع ملائكة الليل وملائكة النهار في هذين الوقتين.

стр. 592

ووجه تخصيصه بأربعة لأن ما فضله ﵊ على إعتاقهم أربعةُ أشياء: القعود، وكونه مع قوم يذكرون الله، وكون ذلك من الغَداة أو العصر، واستمراره إلى طلوع الشمس أو الغروب. ٦٩٢ - وعن أَنسٍ قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : "مَنْ صَلَّى الفَجْرَ في جَماعَةٍ، ثُمَّ قَعَدَ يَذْكُرُ الله ﷺ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ كانَتْ لَهُ كأَجْرِ حَجَّةٍ وعُمْرَةٍ"، قالَ: قالَ رسولُ الله ﷺ : "تامَّةٍ تامَّةٍ". "وعن أنس أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: من صلَّى الفجر في جماعة، ثم قعد يذكر الله حتى تَطْلُعَ الشَّمس، ثم صلَّى ركعتين"؛ أي: بعد أن تطلع الشَّمس قَدْرَ رُمْحٍ، وهذه الصَّلاة تسمى صلاة الإشراق. "كانت له كَأَجْرِ حَجَّةٍ وعُمْرَةٍ، قال"؛ أي: الراوي: "قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: تامَّة تامَّة": صفته (لحجة وعمرة)، والتكرار للتأكيد. ١٨ - باب ما لا يَجُوزُ من العَمَل في الصَّلاة وما يُباحُ منه (باب ما لا يجوز من العمل في الصلاة وما يباح) مِنَ الصِّحَاحِ: ٦٩٣ - عن مُعاوِيَةَ بن الحَكَمِ ﵁ قالَ: بَيْنا أَنا أُصَلِّي مَعَ رسولِ الله ﷺ إذْ عَطَسَ رَجُلٌ، فَقُلْتُ لَهُ: يَرْحَمُكَ الله، فَرَماني القَوْمُ بِأَبْصارِهِمْ، فَقُلْتُ:

стр. 593

ما شَأْنُكُمْ تَنْظُرُونَ إلَيَّ؟، فَجَعلوا يَضرِبُونَ بأَيْديهمْ عَلى أَفْخاذِهِم، فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ يُصَمِّتُوننَي سَكَتُّ، فَلَمَّا صَلَّى رسولُ الله ﷺ ، فَبأَبي هُوَ وأُمِّي، ما رَأَيتُ مُعَلِّماً قَبْلَهُ ولا بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعليماً مِنْهُ، والله ما كَهَرَني ولا ضَرَبني ولا شَتَمَني، قال: "إنَّ هذهِ الصلاةَ لا يَصْلُحُ فيها شَيءٌ مِنْ كَلامِ النَّاسِ، إنَّما هِيَ التَّسْبيحُ والتَّكْبيرُ وَقِراءَةُ القُرْآنِ" - أو كما قالَ رسولُ الله ﷺ قلتُ: يا رسول الله!، إنِّي حَديثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ، وقَدْ جاءَ الله بالإِسْلامِ، وإِنَّ مِنَّا رِجالاً يَأْتُونَ الكُهَّان؟، قالَ: "فَلا تَأْتِهِم"، قُلتُ: ومِنَّا رِجالٌ يَتَطَيَّرُونَ؟، قالَ: "ذاكَ شَيءٌ يَجِدُونَهُ في صُدورِهِمْ، فَلا يَصُدَّنَّهُمْ"، قلت: ومِنَّا رِجالٌ يَخُطُّونَ؟، قالَ: "كانَ نبِيٌّ مِنَ الأنْبياءِ يَخُطُّ، فَمَنْ وافَقَ خَطَهُ فَذاكَ". "من الصحاح": " عن معاوية بن الحَكَم أنه قال: بينا أنا أصلِّي مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إذ عَطَسَ رجلٌ، فقلت: يرحمك الله، فرماني القوم بأبْصَارهم"؛ أي: أشاروا إليَّ بسرعة التِفَابٍ بأعينهم مِنْ غير كلام. "فقلت: ما شأنكم"؛ أي: حالكم. "تنظرون إليَّ؟! فجعلوا يضربون بأيديهم على أفخاذهم، فلمَّا رأيْتُهُم يُصَمِّتُونني سَكَتُّ، فلما صلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فَبأَبي هو وأُمِّي"، والضمير يعود إلى (رسول الله)؛ أي: هو مُفَدًّا بهما. "ما رأيْتُ مُعَلِّماً قبلَه ولا بعدَه أحسنَ تعليماً منه ﷺ ، والله ما كَهَرَني"؛ أي: ما زجرني رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، (الكَهْر): استقبالك الإنسان بوجهٍ عبوس. "ولا ضَرَبني ولا شَتَمني، قال: إنَّ هذه الصلاة" إشارة إلى جنس الصلاة.

стр. 594

"لا يَصْلُحُ فيها شَيءٌ من كلام الناس"؛ والمراد بـ (كلامهم): ما يجري به الخطاب بينهم. "إنما هي التَّسبيح والتكبير وقراءة القرآن"، استدل به الشافعي على أن تكبير الإحرام جُزْءٌ من الصلاة، قلنا: معناه: إنما هي ذات التَّسبيح والتَّكبير. "أو كما قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم" شَكٌّ من الراوي. "قلت: يا رسول الله! إنِّي حديثُ عَهْدٍ"؛ أي: جديد عَهْدٍ. "بجاهليَّة"؛ يعني: انتقلت من الكفر إلى الإسلام عن قريب، ولم أعرف بعدُ أحكام الدين ما تبطل به الصلاة. "وقد جاء الله بالإسلام"، هذا لا يتعلق بما قبله، بل شروعٌ في ابتداء سؤال منه. "وإنَّ منَّا رجالاً يأتون الكهان": جمع كاهن، وهو مَنْ يتكلم بما هو كائن في المستقبل. "قال: فلا تأتهم، قلت: ومنَّا رجالٌ يتطَيَّرون"؛ أي: يتفاءلون بالطِّير؛ فإن طار في سفرهم طير عن يمينهم يقولون: هذا سفر مبارك، وإن طار في سفرهم عن يسارهم يتشاءمون به. "قال: ذلك شيء يجدونه في صدورهم"؛ أي: في أنفسهم؛ يعني: أنه وَهْمٌ منهم وظَنٌّ وليس له حقيقة وتأثير في جَلْبِ نفع أو دفع ضَرٍّ. "فلا يَصُدَّنهم"؛ آي: فلا يمنعنَّهم هذا الوهم عما يقصدونه ويتوجهون إليه من المقاصد، أو عن الطريق المستقيم. "قلت: ومنَّا رجالٌ يَخُطُّونَ"، وكيفيته: أنَّ الرجل إذا عزم على شغل يأخذ

стр. 595

خشباً ويخطُّ على العجلة خطوطاً كثيرةً بلا حساب على الأرض، أو على الرمل، ثم يمحو خطين خطين، فإن بقي زوج فهي علامة الخير في ذلك الشغل، وإلا فلا. "قال: كان نبي من الأنبياء يَخُطُّ"، قيل: هو دانيال، وقيل: إدريس ﵉. "فمن وافق": قيل: ضمير الفاعل راجع إلى (من)؛ أي: فمن وافق فيما يخطُّ. "خطه"؛ أي: خطُّ ذلك النبي ﷺ . "فذاك"؛ أي: فذاك مصيب. قال الخطابي: يجوز أن يكون النبي ﵊ أراد بقوله: (فذاك) على سبيل الزَّجر عنه؛ لأنهم ما كانوا صادفوا خط ذلك النبي حتى يعرفوا الموافقة من المخالفة؛ لأن خطه كان عَلَماً لنبوته وقد انقضت، والشيء إذا عُلِّق بأمر ممتنع فهو ممتنع. ٦٩٤ - قال عبد الله بن مَسْعودٍ ﵁: كُنا نُسَلِّمُ على النَّبيِّ ﷺ وهُوَ في الصَّلاة، يَرُدُّ عَلَيْنَا، فَلَمَّا رَجَعْنَا مِنْ عِنْدِ النَّجاشِيِّ سَلَّمْنا عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْنا، وقال: "إنَّ في الصلاةِ لَشُغُلاً". "قال عبد الله بن مسعود: كلنا نسلِّم على النبي ﵊ وهو في الصَّلاة، فيردُّ علينا"، قيل: المراد منه: هو الردُّ بالإشارة؛ أي: كان يردُّ علينا بالإشارة قبل رجوعنا من عند النَّجَاشي. "فلمَّا رجعنا من عند النَّجَاشي" هو ملك الحبشة وقد كان هاجر جماعة

стр. 596

من الصحابة من مكة إلى أرض الحبشة حين كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بمكة فَارِّين منها؛ لِمَا يلحقهم من إيذاء الكفار. فلما خرج ﵊ منها إلى المدينة، وسمع أولئك به هاجروا من الحبشة إلى المدينة، فوجدوا النبي ﵊ في الصلاة، ومنهم ابن مسعود، قال: "سَلَّمْنَا عليه، فلم يردَّ علينا وقال: إنَّ في الصلاة لَشُغُلاً"؛ أي: بالقراءة والتَّسبيح والدُّعاء، وذلك مانع من كلام الناس، والتنوين للتهويل، والأكثر على أن ردَّ السلام باللسان مبطل، وقد كان جائزاً في بدء الإسلام ثم حُرِّم. ٦٩٥ - وعن مُعَيقيب: أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ في الرجلِ يُسَوِّي التُّرابَ حَيْثُ يَسْجُدُ قال: "إنْ كانَ فاعِلاً فَواحِدَةً". "وعن معيقيب أن النبي ﵊ قال في الرَّجُل يسوِّي التُّراب حيث يسجد قال: إن كان فاعلاً"؛ أي: إن كان يفعله البَتَّة. "فواحدةً" منصوب بفعل مضمر؛ أي: فليسوِّه مرةً واحدةً، أو ليفعل فعلة واحدةً. ٦٩٦ - عن أبي هريرة ﵁ قال: نَهى النَّبيِّ ﷺ عن الخَصْرِ في الصَّلاةِ. "عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: نهى النبي ﵊ عن الخصر في الصلاة": وهو أن يضع يده على خاصرته، قيل: لأنه صنيع اليهود. وروي في بعض الأخبار: أنَّ إبليس لما هبط إلى الأرض بعد صيرورته مَلْعُوناً هبط على هذه الهيئة.

стр. 597

وقيل: هو أن يأخذ بيده عصاً يتَّكئ عليها. ٦٩٧ - وقالت عائشة: سَأَلْتُ رسولَ الله ﷺ عَنِ الالْتِفاتِ في الصَّلاةِ؟، فقالَ: "هُوَ اخْتِلاسٌ يَخْتَلِسُهُ الشَّيْطانُ مِنْ صَلاةِ العَبْدِ" "وقالت عائشة: سألت رسول الله ﵊ عن الالتفات في الصلاة؟ فقال: هو اختلاس": وهو استلاب الشيء وأخذه بسرعة. "يختِلسُهُ الشيطان من صلاة العبد": يريد به: استلابَ كمالِ صلاته؛ بأن يحمله على هذا الفعل. ٦٩٨ - عن أبي هُرَيْرَةَ ﵁ أنَّ النبيَّ ﷺ قالَ: "لَيَنْتهِيَنَّ أَقْوَامٌ عَنْ رَفْعِهِمْ أَبْصَارَهُمْ عِنْدَ الدُّعاءِ في الصَّلاةِ إلى السَّماءِ أَوْ لَتُخْطَفَنَّ أَبْصَارُهُم". "وعن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - قال: لينتهِيَنَّ": خبر بمعنى الأمر، ويجوز أن يكون جواب قسم؛ أي: ليمتنِعَنَّ. "أقوامٌ عن رفعهم أبصارَهُم عند الدُّعاء في الصَّلاة إلى السَّماء أو لَتُخْطَفَنَّ"؛ أي: لَتُسْلَبن "أبصارهم" إن لم ينتهوا عن ذلك. وفيه إشارة إلى أن المعصية اللاحقة عن عضو يقع العذاب بذلك العضو، وإنما نُهُوا عن رفع الأبصار إلى نحو السماء لِمَا يُوهم ذلك مِنْ نِسْبَةِ العُلُوِّ المكاني إليه تعالى. ٦٩٩ - عن أبي قَتَادَةَ الأَنْصارِي أنه قال: رَأَيْتُ النبيَّ ﷺ يَؤُمُّ الناسَ وأُمامَةُ بنتُ أبي العاصِ عَلى عاتِقِهِ، فإذا رَكَعَ وَضَعَها، وإذا رَفَعَ مِنَ السُّجودِ أَعادَها،

стр. 598

ويروى: رَفَعها. "عن أبي قَتَادة الأنصاري أنه قال: رأيْتُ النبي ﵊ يَؤُمُّ الناس، وأُمَامَةُ بنت أبي العاص على عاتقه"، وكان أبو العاص زوج زينب بنت رسول الله ﷺ . "فإذا رَكَعَ وَضَعَها، وإذا رَفَعَ" رأسه "من السجود أعادها" ويروى: رَفَعَها"، يشبه أن يكون هذا الصَّنيع منه ﵊ لا عن قَصْدٍ وتعمد في الصلاة، بل لعل الصَّبية لكثرة ملابستها له في غير الصلاة كانت تتعلق به، فلا يدفعها عن نفسه. وإذا أراد السجود وهي على عاتقه، وضعها بأن يحطها أو يرسلها إلى الأرض حتى يفرغ من سجوده، فإذا أراد القيام وعادَتْ إلى مثل الحالة الأولى لم يمنعها، حتى إذا قام ﵊ لم يمنعها بل بقيَتْ محمولة. ويحمل الحديث على هذا، لا على التَّعمد بحملها ووضعها وإمساكها في الصلاة مرة بعد أخرى؛ لأن العمل يكثر فيه ويشغل عن الصلاة. ٧٠٠ - وقال رسول الله ﷺ : "إذا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ في الصَّلاةِ فَلْيَكْظِمْ ما اسْتَطَاعَ، فَإنَّ الشَّيطانَ يَدْخُلُ في فيهِ". "وعن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم. إذا تَثَاءَبَ أحدُكُم في الصلاة": يقال: تثاءَبَ الرَّجُل: إذا فَتَحَ فاه من غَلَبة النوم أو الغفلة، أو كثرة امتلاء البطن، وكل ذلك غير مَرضي؛ لأنه يكون سبباً للكسل عن الطاعات والحضور فيها. "فَلْيَكْظِمْ"؛ أي: فليَدْفَع ذلك.

стр. 599

"ما استطاع": بأن يضمَّ شفتيه، أو يضع يده على فيه. "فإن الشَّيطان يدخل في فيه"؛ للوسوسة، وخُصَّ دخوله في الفم؛ لأن الفم إذا انفتح لشيء مكروهٍ للشرع صَار طريقاً للشيطان. ٧٠١ - وقال رسول الله ﷺ : "إنَّ عِفْريتاً مِنَ الجنِّ تَفَلَّتَ البارِحَةَ لِتقْطَعَ عَلَيَّ صَلاتي، فَأَمْكَنَني الله مِنْهُ، فَأَخَذْتُهُ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَرْبطَهُ إلى سارِيَةٍ مِنْ سَواري المَسْجِدِ حَتَّى تَنْظُروا إلَيْهِ كُلُّكُمْ، فَذَكَرْتُ دَعْوَةَ أَخي سُلَيْمانَ: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾، فَرَدَدْتُهُ خاسِئاً". "وعنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إن عِفْرِيْتًا" بكسر العين، هو الخبيث المنْكَر من الجنِّ. "تفلَّتَ"؛ أي: تعرَّضَ لي في صلاتي. "البارحة"؛ أي: الليلة الماضية. "ليقطع عليَّ صلاتي"؛ أي: أراد أن يشغلني في صلاتي بوسوسته فيها. "فأمكَنَني الله منه"؛ أي: أعطاني مَكِنَةً من أَخْذِهِ وقُدْرَة عليه. "فأخذته"، وهذا يدلُّ على أن الشيطان عينه غير نجس، وأن الصلاة لاتبطل بمسِّه. "فأردْتُ أن أَرْبطَهُ"؛ أي: أشدَّه. "على سارية"؛ أي: أسطوانة. "من سواري المسجد حتى تنظروا إليه كلكم"، فيه دلالة على أن المصلِّي لا تبطل صلاته بِخُطُور ما ليس من أفعالها بباله. "فذكرت دعوة أخي سليمان: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ

стр. 600

مِنْ بَعْدِي﴾ فرددته خاسئاً"؛ أي: ذليلاً مطروداً؛ لأن التَّسخير التَّام مختصٌّ به. والحديث يدل على أن رؤية الجنِّ غير مستحيلة، وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف: ٢٧] هو حكم الأعمِّ الأغلب. ٧٠٢ - وقال: "مَنْ نابَهُ شَيْءٌ في صَلاتِهِ فَلْيُسَبحْ، فَإنَّما التَّصْفيقُ لِلنِّساءَ". "وعن سَهْلٍ أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: مَنْ نابه شيء"؛ أي: أصابه أمرٌ. "في صلاته": بأن يدعوه أحد، أو يستأذنه في دخول البيت ولم يعلم أنه في الصلاة. "فليسبح"؛ أي: فليقل: سبحان الله. "فإنما التَّصفيق": وهو ضرب إحدى اليدين على الأخرى. "للنِّساء"؛ يعني: إن كان المصلِّي امرأة فليضْرِبْ بطن كفه اليمنى على ظهر كفه اليسرى؛ لأن صوتهنَّ عورة. ٧٠٣ - وقال: "التَّسْبيحُ لِلرِجالِ، والتَّصْفيقُ لِلنِساءِ". "وعن سهل أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: التَّسبيح للرجال والتَّصفيق للنِّساء".
следующие страницы →