فإذا قال: سمع الله لمن حمده، لم يحنِ أحد منا ظهره"؛ أي: لم يثنِهِ من القومة قاصدًا للسجود.
"حتى يضع النبي ﵊ جبهته على الأرض": فيه دليل على أنَّ السنة في حق المأموم أنَّ يكون فعله بعد فعل الإمام في أفعال الصلاة، لا مقارنًا له.
* * *
٨١٤ - وقال أنس ﵁: صلى بنا رسولُ الله ﷺ ذاتَ يومٍ، فلما قَضى أَقْبَلَ علينا بوجهِهِ فقال: "أَيُّها النَّاس، إني إمامُكم، فلا تَسبقوني بالركوعِ ولا بالسجودِ ولا بالقيامِ ولا بالانصرافِ، فإني أَراكم أَمامي ومِنْ خلْفي".
"قال أنس ﵁: صلى بنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ذات يوم، فلما قضى صلاته، أقبل علينا بوجهه فقال: أيها الناس! إني إمامكم فلا تسبقوني بالركوع، ولا بالسجود، ولا بالقيام، ولا بالانصراف" يريد به: التسليم أو الخروج من المسجد؛ أي: لا تفعلوا هذه الأفعال قبلي، بل اصبروا حتى أفعل، ثم اتبعوني في ذلك.
"فإني أراكم أمامي ومن خلفي"؛ أي: كما أراكم من أمامي أراكم من خلفي، لا تحجبكم عني الخلفية، لعل هذه الحالة تكون حاصلة له في بعض الأوقات حين غلب عليه جهة ملكيته.
* * *
٨١٥ - عن أبي هريرة قال: كانَ رسولُ الله ﷺ يُعلِّمنا يقولُ: "لا تُبادِرُوا الإمامَ، إذا كَبَّر فكبرُوا، وإذا قال: ولا الضَّالين، فقولوا: آمين، وإذا ركعَ فاركعوا، وإذا قال: سَمِعَ الله لمن حَمِدَهُ، فقولوا: اللهم ربنا لك الحمدُ".
стр. 667
"وعن أبي هريرة ﵁ أنَّه قال: كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يعلمنا يقول: لا تبادروا الإمام"، أي: لا تسبقوه.
"إذا كبر فكبروا، وإذا قال: ولا الضالين فقولوا: آمين، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد".
* * *
٨١٦ - وقال "إنما جُعِلَ الإمام لِيُؤتَمَّ بهِ، فلا تختلِفوا عليه، فإذا ركعَ فاركعوا، وإذا قال: سَمِعَ الله لمن حَمِده فقولوا: اللهم ربنا لك الحمدُ، وإذا سجدَ فاسجدُوا، وإذا صلَّى جالسًا فصلُّوا جلوسًا أجمعون".
قال الشيخ الإمام ﵀: وقوله: "فصلُّوا جلوسًا" منسوخٌ بما روي:
"عن أنس أنَّه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إنما جُعل الإمام ليُؤْتم"؛ أي: ليقتدى به.
"فلا تختلفوا عليه"؛ أي: على الإمام في أعمال الصلاة بالتقدم عليه والتأخر عنه بحيث يوهم قطع القدوة.
"فإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا لك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا، وإذا صلى"؛ أي: الإمامُ "جالسًا، فصلوا جلوسًا": جمع جالس، وهو حال بمعنى: جالسين.
"أجمعون": تأكيد للضمير المرفوع في (صلوا).
فيه دليلٌ لمن قال: إذا صلى الإمام قاعدًا لعذر، صلَّى القوم قعودًا، وهو قول أحمد وإسحاق بن راهويه.
"قال الشيخ الإمام ﵀: وقوله: (فصلوا جلوسًا) منسوخٌ لما روي": * * *
стр. 668
٨١٧ - عن عائشة ﵂ قالت: لمَّا ثَقُلَ رسولُ الله وجاءَ بلالٌ يُؤدِنُهُ بالصلاةِ، فقال: "مُرُوا أبا بكرٍ أنَّ يصليَ بالناسِ"، فصلَّى أبو بكر تلك الأيامَ، ثم إنَّ النبيَّ ﷺ وجدَ في نفسه خِفَّةً، فَقَامَ يُهَادَى بين رَجُلَيْنِ، ورجلاه تخُطَّان في الأرض حتى دخلَ المسجدَ، فلمَّا سمعَ أبو بكرٍ حِسَّهُ ذَهَبَ يتأخَّرُ، فَأَوْمَأ إليه رسولُ الله ﷺ أَنْ لا يتأخرَ، فجاءَ حتى جلسَ عن يسارِ أبي بكرٍ ﵁، فكانَ أبو بكرٍ يصلي قائمًا، وكانَ رسولُ الله ﷺ يصلي قاعدًا، يقتدي أبو بكرٍ بصلاةِ رسولِ الله، والناسُ يقتدونَ بصلاةِ أبي بكرٍ، وفي روايةٍ: وأبو بكرٍ يُسمِعُ الناسَ التكبيرَ.
"عن عائشة ﵂ أنها قالت: لما ثقل رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم": هذه عبارة عن اشتداد مرضه ﷺ وتناهي الضعف، وركود الأعضاء عن خفة الحركات.
"جاء بلال يؤْذنه": بسكون الهمزة؛ أي: يعلمه ويخبره.
"بالصلاة"؛ أي: يدعوه إليها.
"فقال: مروا أبا بكر أنَّ يصلي بالناس، فصلى أبو بكر تلك الأيام، ثم إن النبي - عليه الصلاة السلام - وجد في نفسه خفة" أي: قوة وزوال بعض المرض.
"فقام يُهادَى" بفتح الدال؛ أي: يمشي.
"بين رجلين" معتمدًا عليهما من ضعفه، وهما: عباس بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب، وقيل: علي وأسامة؛ يعني: يمشي ﵊ إحدى يديه على عاتق أحدهما، والأخرى على عاتق الآخر.
"ورجلاه تخطان في الأرض"؛ أي: تمدان فيها، ولا يقدر أنَّ يرفعهما عنها من الضعف.
стр. 669
"حتى دخل المسجد، فلما سمع أبو بكر حِسَّه"؛ أي: حركته ﵊، أو صوته.
"ذهب"؛ أي: طفق وقصد.
"بتأخر": عن موضعه؛ ليقوم ﵊ مقامه.
"فأومأ"؛ أي: أشار "إليه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أنَّ لا يتأخر، فجاء حتى جلس عن يسار أبي بكر، فكان أبو بكر يصلي قائمًا، وكان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يصلي قاعدًا؛ يقتدي أبو بكر بصلاة رسول الله ﷺ "؛ أي: يصنع صنيعه.
"والناس يقتدون بصلاة أبي بكر"؛ أي: يصنعون صنيع أبي بكر في أفعال الصلاة، معناه: أنَّ النبي ﵊ صار إمامًا لأبي بكر، وأبو بكر كان إمامًا في أولها، لكن اقتدى به ﵊ بعد مجيئه.
"وفي رواية: يُسمِع أبو بكر الناسَ التكبيرَ"؛ أي: تكبير النبي عليه الصلاة: والسلام.
* * *
٨١٨ - وقال رسول الله ﷺ : "أَمَا يخشى الَّذي يرفعُ رأْسَهُ قبلَ الإِمام أنْ يُحوِّلَ الله رأسَه رأسَ حِمارٍ".
"وعن أبي هريرة أنَّه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أنَّ يحوِّل الله"؛ أي: يقلب الله "رأسَهُ رأسَ حمار": يجوز حمله على الحقيقة، فيكون ذلك مسخًا، ويجوز أنَّ يراد: أنَّ يجعله بليدًا كرأس الحمار الذي هو أبلد الحيوانات.
* * *
стр. 670
مِنَ الحِسَان:
٨١٩ - عن عليٍّ ومُعاذ بن جبَل ﵄ قالا: سمعنا رسول الله ﷺ يقول: "إذا أتى أحدكم الصلاةَ والإمامُ على حالٍ، فليصْنَعْ كما يصنعُ الإمامُ"، غريب.
"من الحسان":
" عن علي ومعاذ بن جبل قالا: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إذا أتى أحدكم الصلاة"؛ أي: نوى وكبر للإحرام.
"والإمام على حال: فليصنع كما يصنع الإمام"؛ أي: فليوافق الإمام فيما هو فيه من القيام أو الركوع أو غير ذلك.
"غريب".
* * *
٨٢٠ - وقال: "إِذا جئتم إلى الصلاةِ ونحنُ سُجودٌ فاسجدوا، ولا تَعُدُّوه شيئًا، ومن أدرك الركعةَ فقد أَدرَكَ الصَّلاةَ".
"عن أبي هريرة أنَّه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إذا جئتم إلى الصلاة ونحن سجود": جمع ساجد.
"فاسجدوا، ولا تعدوه "؛ أي: لا تحسبوه "شيئًا"، يعني: لا تحسبوا ذلك السجود من الركعة التي أدركتم.
"من أدرك الركعة، فقد أدرك الصلاة": في: المراد: صلاة الجمعة، وإلا فغيرها يحصل ثواب الجماعة فيه بإدراك جزء من الصلاة.
وقيل: معنى الركعة هنا: الركوع، ومعنى الصلاة: الركعة " أي: من أدرك الركوع مع الإمام فقد أدرك الركعة.
* * *
стр. 671
٨٢١ - عن أنسٍ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "مَنْ صلَّى لِلهِ أربعين يومًا في جماعةٍ يُدركُ التكبيرةَ الأُولى؛ كُتِبَتْ له براءتانِ: براءةٌ من النارِ وبراءةٌ من النِّفاقِ".
"عن أنس عن النبي ﵊: أنَّه قال: من صلى لله أربعين يومًا في جماعة يدرك التكبيرة الأولى، كُتِب له براءتان؛ براءةٌ من النار"؛ أي: خلاص ونجاة منها.
"وبراءةٌ من النفاق"؛ أي: طهارة منه؛ لأن السعي لإدراك تكبيرة الإحرام دليل على كمال إيمانه وطهارته عن النفاق.
* * *
٨٢٢ - وقال: "مَنْ توضَّأَ فأحسَنَ وُضوءَه، ثم راحَ فوجدَ الناسَ قد صَلَّوا؛ أَعطاهُ الله تعالى مثلَ أجرِ مَنْ صلاها وحَضَرها، لا ينقُصُ ذلك من أُجورهم شيئًا".
"وعن أبي هريرة أنَّه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: من توضأ فأحسن وضوءه، ثم راح"؛ أي: ذهب.
"فوجد الناس قد صلوا، أعطاه الله تعالى مثل أجر من صلاها وحضرها، لا ينقصُ ذلك من أجرهم شيئًا": هذا إذا لم يكن منه تقصيرٌ في تأخير الصلاة من غير عذر، أما لو أخر حضور الجماعة بغير عذر حتى تفوته الجماعة، لم يكن له هذا الثواب.
* * *
٨٢٣ - عن أبي سَعيد الخُدريِّ ﵁ قال: جاءَ رجلٌ وقد صلَّى رسولُ الله ﷺ فقال: "ألا رجلٌ يتصَدَّقُ على هذا، فيُصلِّيَ معه؟ "، فقامَ رجلٌ فصَلَّى معه.
стр. 672
"عن أبي سعيد الخدري أنَّه قال: جاء رجل وقد صلَّى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقال: ألا رجل": الهمزة للاستفهام، و (لا) بمعنى: ليس؛ أي: هل كان رجل "يتصدَّق على هذا" الرجل، "فيصلي معه"؟ ليحصل له ثواب الجماعة، فيكون كأنه قد أعطاه صدقة؛ لأنه جعل ثواب صلاته من واحد إلى سبعة وعشرين.
"فقام رجل، فصلى معه": فيه دليل على أنَّ دلالةَ أحدٍ على الخير وتحريضه عليه صدقة، وعلى أنَّ من صلى بالجماعة يجوز له أنَّ يصلي مرة أخرى بالجماعة، فيكون إمامً أو مأمومًا.
* * *
٢٨ - باب مَنْ صلَّى صلاةً مرَّتَين
(باب من صلى صلاة مرتين)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٨٢٤ - قال جابرٌ ﵁: كان مُعاذُ بن جَبَلٍ ﵁ يُصلِّي مع النَّبيِّ ﷺ ، ثم يأتي قَومَه، فيُصلي بهم.
وقال جابرٌ: كانَ معاذُ بن جَبَل يُصلِّي معَ النبيِّ ﷺ العِشاءَ، ثم يَرجِعُ إلى قومِهِ، فيُصلي بهم العشاءَ، وهي له نافلةٌ.
"من الصحاح":
" قال جابر: كان معاذ بن جبل يصلي مع النبي ﵊، ثم يأتي قومه، فيصلي بهم" بالإمامة، وهذا يدل على أنَّ من صلى بجماعة، ثم أدرك جماعة أخرى، فله أنَّ يصليها ثانيًا معهم، وأن يؤمَّ فيها قومًا.
стр. 673
"وقال جابر ﵁: كان معاذ يصلي مع النبي ﷺ العشاء، ثم يرجع إلى قومه، فيصلي بهم العشاء، وهي له"؛ أي: الصلاة الثانية لمعاذ "نافلة"؛ أي: زائدة؛ لأن معنى النافلة الزيادة، وتلك زائدة؛ لأنه لو لم يصلِّها لا إثمَ عليه.
قيل: جعله من (الصحاح) غير صحيح، فالصواب حمله على أنَّ المؤلف أورد ذلك على وجه البيان لما كان يصليه معاذ ثانيًا.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٨٢٥ - عن يَزيد بن الأَسْوَد أنَّه قال: شَهِدْتُ معَ النبيِّ ﷺ حجَّتَهُ، فصلَّيْتُ معَهُ صلاةَ الصُّبح في مَسجدِ الخَيْفِ، فلمَّا قضى صلاتَهُ وانحرفَ، فإذا هو برجُلَيْنِ في آخرِ القومِ لم يُصَلِّيا مَعَهُ، قال: "عليَّ بهما"، فَجيءَ بهما تُرْعَدُ فرائصُهما قال: "ما مَنَعَكما أنَّ تُصَلِّيا معَنا؟ "، فقالا: يا رسولَ الله! إنَّا كنا صلَّينا في رِحالِنا، قال: "فلا تَفْعلا، إذا صلَّيتُما في رِحالِكما، ثم أتيْتُما مَسجِدَ جماعةٍ، فصلِّيا معهم، فإنها لكُما نافلةٌ".
"من الحسان":
" عن يزيد بن الأسود أنَّه قال: شهدت"؛ أي: حضرت "مع النبي ﵊ حجته": أراد به: حجة الوداع.
"فصليت معه صلاة الصبح في مسجد الخيف": وهو مسجد منى.
"فلما قضى صلاته وانحرف"؛ أي: انصرف ورجع.
"فإذا هو برجلين"؛ أي: النبي ﵊ حاضرٌ مع رجلين في آخر القوم.
"لم يصليا معه قال: عليَّ": اسم فعل؛ أي: ائتوني "بهما"، وأحضروهما عندي.
стр. 674
"فجيء بهما تُرعَدُ"؛ أي: تتحرك "فرائصُهما" من شدة الخوف منه ﵊، جمع فريصة، وهي: اللحم التي بين الجنب والكتف.
"قال: ما منعكما أنَّ تصليا معنا؟ قالا: يا رسول الله! إنا كنا قد صلينا في رحالنا، قال: فلا تفعلا"؛ أي: كذلك لا تفعلا.
"إذا صليتما في رحالكما ثم أتيتما مسجدَ جماعة، فصليا معهم؛ فإنها لكما نافلة": يعلم منه: أنَّ من صلى صلاة ثم أدرك جماعة يصلي تلك الصلاة بهم ويوافقهم فيها أي صلاة كانت عند الشافعي وأحمد، وعند أبي حنيفة في الظهر والعشاء فقط.
* * *
٢٩ - باب السُّنَن وفَضْلها
(باب السنن وفضلها)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٨٢٦ - عن أم حَبيْبة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ : "مَن صلَّى كل يومٍ وليلةٍ ثنتي عشرةَ ركعةً تَطَوُّعًا بني له بيتٌ في الجنةِ، أربعًا قبلَ الظهرِ، وركعتينِ بعدها، وركعتينِ بعدَ المَغربِ، وركعتينِ بعدَ العِشاءَ، وركعتينِ قبلَ صلاةِ الفَجْرِ".
"من الصحاح":
" عن أم حبيبة ﵂": هي أخت معاوية بنت أبي سفيان، زوجة النبي ﵊.
стр. 675
"أنها قالت: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: من صلى كل يوم وليلة ثنتي عشرة ركعة تطوعًا": وهو ما ليس بفريضة، والمراد هنا: السنة.
"بني له بيتٌ في الجنة؛ أربعًا قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء، وركعتين قبل صلاة الفجر"، والمراد بهما: سنة الفجر.
* * *
٨٢٧ - وقال ابن عمر: صليتُ مع رسولِ الله ﷺ ركعتينِ قبل الظُّهرِ، وركعتينِ بعدَها، وركعتينِ بعدَ المَغربِ في بيتِهِ، وركعتينِ بعدَ العِشاءَ في بيته، وحدَّثتني حَفْصة: أنَّ النبيَّ ﷺ كانَ يصلي ركعتينِ خَفيْفتينِ حينَ يطلُعُ الفجرُ.
وفي رواي: وكانَ لا يُصلِّي بعدَ الجمعةِ حتى ينصرِفَ، فيُصلِّي ركعتينِ في بيتِهِ.
"وقال ابن عمر: صليت مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب في بيته، وركعتين بعد العشاء في بيته، وحدثتني حفصة": بنت عمر، زوجة النبي ﵊: "أنَّ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كان يصلي ركعتين خفيفتين في بيته حين يطلع الفجر" يريد بها: سنة الصبح.
"وفي رواية: كان لا يصلي بعد الجمعة حتى ينصرف"؛ أي: يرجع إلى بيته.
"فيصلي ركعتين في بيته": يريد بهما: سنة الجمعة، وسنتها كسنة الظهر، وعليه الشافعي في قول.
* * *
стр. 676
٨٢٨ - وسُئلت عائشةُ ﵂ عن صلاةِ النبيِّ ﷺ من التطوُّعِ، فقالت: كان يُصلِّي في بيتي قبلَ الظُّهرِ أربعًا، ثم يَخرجُ، فيُصلي بالناسِ، ثم يدخلُ فيُصلي ركعتَينِ، ويُصلي بالناسِ المَغربَ، ثم يَدخُلُ فيُصلي ركعتَينِ، ثم يُصلي بالناسِ العِشاء، ثُمَّ يدخُلُ بيتي، فيُصلي ركعتَينِ، وكان يُصلي من اللَّيلِ تِسْعَ ركَعاتٍ فيهنَّ الوِتْرُ، وكانَ يُصلي ليلًا طويلًا قائمًا، وليلًا طويلًا قاعدًا، فكان إذا قرأَ وهو قائمٌ ركعَ وسجدَ وهو قائمٌ، وإذا قرأَ وهو قاعدٌ ركعَ وسجدَ وهو قاعدٌ، وكان إذا طلَعَ الفَجْرُ صلَّى ركعتينِ، ثم يخرجُ، فيُصلي بالناسِ صلاةَ الفَجْرِ.
"وسُئِلت عائشة ﵂ عن صلاة رسول الله ﵊": من التطوع.
"فقالت: كان يصلي في بيتي قبل الظهر أربعًا، ثم يخرج فيصلي بالناس، ثم يدخل فيصلي ركعتين، ثم يخرج فيصلي بالناس العصر، ثم يدخل بيتي، ثم يخرج ويصلي بالناس المغرب، ثم يدخل فيصلي ركعتين، ثم يصلي بالناس العشاء، ثم يدخل بيتي فيصلي ركعتين": فيه دليل على استحباب أداء السنة في البيت.
قيل: في زماننا إظهار السنن الراتبة أولى؛ ليتعلمها الناس، ولا تندرس.
"وكان يصلي من الليل تسع ركعات فيهن الوتر": قيل: الوتر والتهجد هما شيء واحد، وقيل: الوتر غير التهجد.
قيل: إذا صلى أحدٌ أكثر من ثلاث عشرة ركعة، فهل جميعها وتر، أم ركعة واحدة والباقي صلاة الليل؟ فالمفهوم من الأحاديث الواردة في الوتر: أنَّ جميعها وتر وليس صلاة الليل غير الوتر إلا في حق من صلى الوتر قبل النوم، ثم نام فقام وصلى؛ فإن ذلك حينئذ صلاة الليل.
стр. 677
"وكان يصلي ليلًا طويلًا"؛ أي: زمانًا طويلًا من الليل "قائمًا، وليلًا طويلًا قاعدًا، فكان إذا قرأ وهو قائم، ركع وسجد وهو قائم"؛ يعني: إن صلى عن القيام يركع ويسجد عن القيام.
"واذا قرأ وهو قاعد، ركع وسجد وهو قاعد"؛ يعني: إن صلى عن القعود يركع ويسجد عن القعود.
"وكان إذا طلع الفجر، صلَّى ركعتين، ثم يخرج فيصلي بالناس صلاة الفجر".
* * *
٨٢٩ - قالت عائشة ﵂: لم يكنْ النبيُّ ﷺ على شيءٍ من النوافلِ أشدَّ تعاهُدًا منه على ركعتَي الفَجْرِ.
"وقالت عائشة ﵂: لم يكن النبي ﵊ على شيء"؛ أي: لم يكن يتعاهد على شيء.
"من النوافل"؛ أي: من السنن.
"أشد تعاهدًا"؛ أي: تحفظًا ومداومة.
"منه على ركعتي الفجر"؛ أي: سنة الفجر.
* * *
٨٣٠ - وعن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : "ركعتا الفَجْرِ خيرٌ من الدُّنيا وما فيها".
"وعن عائشة ﵂ أنها قالت: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها": من الأموال، لا من الأعمال
стр. 678
الصالحة الصادرة من عباده تعالى.
* * *
٨٣١ - وقال: "صلُّوا قبلَ المَغربِ ركعتينِ، صلُّوا قبلَ المغربِ ركعتينِ"، قال في الثالثة: "لمَنْ شاءَ، كراهية أنَّ يتَّخِذها الناسُ سُنةً".
"وعن عبد الله بن مغفل أنَّه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: صلوا قبل المغرب ركعتين"؛ أي: بعد أذان المغرب قبل الشروع في الفرض.
"صلوا قبل المغرب ركعتين، وقال في الثالثة: لمن شاء كراهيةً"؛ أي: مخافة "أنَّ يتخذها الناس سنة"؛ أي: فريضة؛ إذ قد يطلق عليها كقولهم: الختان سنة.
وشيه دليل على أنَّ أمره ﵊ للوجوب حتى يقوم دليلٌ على خلافه.
قال بعضهم: كان ذلك في أول الإسلام؛ ليعرف به خروج الوقت المنهي، ثم أمروا بعد ذلك بتعجيل المغرب.
وسُئِل ابن عمر عن الركعتين قبل المغرب، فقال ما رأيت أحدًا على عهد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يصليها، وقال إبراهيم النخعي: إنها بدعة.
* * *
٨٣٢ - وقال: "من كان منكم مُصلِّيًا بعدَ الجمُعةِ فليُصَلِّ أربعًا".
"وعن أبي هريرة ﵁ أنَّه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم:
стр. 679
من كان منكم مصليًا بعد الجمعة، فليصل بعدها أربعًا": هذا يدل على كون السنة بعدها أربع ركعات، وعليه الشافعي في قول.
* * *
٨٣٣ - وفي روايةٍ: "إذا صلى أحدُكم الجمُعةَ فليُصلِّ بعدَها أربعًا".
"في رواية: إذا صلى أحدكم الجمعة فليصلي بعدها أربعًا".
* * *
مِنَ الحِسَان:
٨٣٤ - عن أم حَبيبة ﵂ قالت: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "مَن حافظَ على أربعِ ركعاتٍ قبلَ الظهرِ وأربعٍ بعدَها حرَّمَه الله على النارِ".
"من الحسان":
" عن أم حبيبة ﵂ أنها قالت: سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول: من حافظ"؛ أي: داوم وواظب "على أربع ركعات قبل الظهر، وأربع بعدها، حرَّمه الله على النار".
* * *
٨٣٥ - وقال رسول الله ﷺ : "أربعٌ قبلَ الظهرِ ليسَ فيهن تسليمٌ تُفْتَحُ لهنَّ أبوابُ السماءِ"، رواه أبو أَيُّوب.
"عن أبي أيوب الأنصاري أنَّه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: أربع"؛ أي: أربع ركعات "قبل الظهر ليس فيهن تسليم"؛ أي: يصلي بتسليمة واحدة.
стр. 680
"تُفتَحُ لهن أبواب السماء"؛ أي: يرفع بها إلى الحضرة؛ أي: قُبلَتْ.
* * *
٨٣٦ - وروي: أنَّه ﵇ كان يُصلي أربع ركعاتٍ بعد الزوالِ، لا يسلِّمُ إلا في آخرهنَّ، وقال: "إنها ساعةٌ تُفْتَحُ فيها أبوابُ السماءِ فأُحِبُّ أنَّ يصعدَ لي فيها عملٌ صالحٌ".
"عن عبد الله بن السائب: أنَّ النبي ﵊ كان يصلي أربع ركعات بعد الزوال": وهي سنة الظهر التي قبله.
"لا يسلم إلا في آخرهن، وقال" ﷺ :
"إنها"؛ أي: ما بعد الزوال، أنَّثه باعتبار الخبر، وهو: "ساعة تفتح فيها أبواب السماء، فأحب أنَّ يصعد لي فيها عمل صالح".
* * *
٨٣٧ - عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "رحم الله امْرءًا صلى قبلَ العصرِ أربعًا".
"وعن ابن عمر أنَّه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: رحم الله امْرَءًا": يجوز أنَّ يكون دعاءً، ويجوز أنَّ يكون إخبارًا من الله تعالى.
"صلى قبل العصر أربعًا": المراد سنة العصر.
* * *
٨٤٠ - وعن علي ﵁ قال: كانَ رسولُ الله ﷺ يصلي قبلَ العصرِ أربعَ ركعاتٍ يَفْصِلُ بينَهُنَّ بالتسليم على الملائكةِ المقرَّبينَ، ومَن تَبعَهم مِن المسلمينَ والمؤمنين.
стр. 681
"وعن علي ﵁: أنَّ رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - كان يصلي قبل العصر أربع ركعات يفصل بينهن بالتسليم على الملائكة المقربين، ومن تبعهم من المسلمين والمؤمنين": والمراد به التشهد دون السلام.
* * *
٨٤١ - وقال: "مَنْ صلى بعدَ المغربِ ستَّ ركعاتٍ لم يتكلَّمْ فيما بَيْنَهُنَّ بسوءً عُدِلْنَ له بعبادةِ ثنتي عشرةَ سنةً".
"عن أبي هريرة ﵁ أنَّه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: من صلى بعد المغرب ستة ركعات لم يتكلم فيما بينهن بسوء، عُدلْنَ له بعبادةِ ثنتي عشرة سنة"؛ تعني معادلة العبادة القليلة للكثيرة: هو أنها في هذه الحالة وفي هذا الوقت لعلها تتضاعفُ بسببهما أكثر مما تتضاعف بالكثيرة في غيرهما، وأن ثوابها مضاعفًا يعادل ثوابَ الكثيرة غيرَ مضاعف.
قال ابن عباس: الصلاة بين المغرب والعشاء صلاة الأوَّابين.
* * *
٨٤٢ - وعن عائشة ﵂، عن النبيِّ ﷺ قال: "مَنْ صلَّى بعدَ المَغربِ عشرينَ ركعةً بنى الله له بيتًا في الجنةِ".
"وعن عائشة ﵂، عن النبي ﵊: أنَّه قال: من صلى بعد المغرب عشرين ركعة بنى الله له بيتًا في الجنة".
* * *
٨٤٣ - وقالت عائشة ﵂: ما صلَّى رسولُ الله ﷺ العِشاءَ قَطُّ فدخلَ عليَّ إلا صلَّى أربعَ ركعاتٍ أو ستَّ ركعاتٍ.
стр. 682
"وقالت عائشة ﵂: ما صلى رسول الله ﷺ العشاء قط، فدخل عليَّ، إلا صلى أربعَ ركعات، أو ستَّ ركعات"، وهذه الأربع أو الست هي مع الركعتين الراتبتين، وهذه الركعات غير الوتر.
* * *
٨٤٤ - عن ابن عباس، عن النبي ﷺ قال: " ﴿وَإِدْبَارَ النُّجُومِ﴾ الركعتينِ قبلَ الفجرِ، و ﴿وَإِدْبَارَ الْسُّجُودِ﴾ الركعتين بعدَ المغربِ".
"وعن ابن عباس، عن النبي ﵊ أنَّه قال: ﴿وَإِدْبَرَ النُّجُومِ﴾ [الطور: ٤٩] "؛ أي: عقيب ذهاب نجوم الليل.
"الركعتين قبل الفجر": وهما سنة الصبح؛ لأن وقتَ سنة الصبح وقتُ ذهاب النجوم وغروبها.
"و ﴿وَإِدْبَارَ الْسُّجُودِ﴾ "؛ أي: عقيب فريضة المغرب.
"الركعتين بعد المغرب": وهما سنة المغرب، أطلق السجود وأراد به الصلاة إطلاقًا للجزء الأعظم على الكل.
* * *
٣٠ - باب صلاة الليل
(باب صلاة الليل)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٨٤٥ - عن عُروة، عن عائشة ﵂ أنها قالت: كانَ رسولُ الله ﷺ يُصلي فيما بين أنَّ يَفْرُغَ من صلاةِ العشاءِ إلى الفجرِ إحدى عشرةَ ركعةً، يُسلِّم من
стр. 683
كل ركعتينِ، ويُوتِر بواحدةٍ، فيسجدُ السجدةَ من ذلك قدرَ ما يقرأُ أحدكم خمسينَ آيةً قبلَ أنْ يرفعَ رأسَه، فإذا سكتَ المؤذِّنُ من صَلاةِ الفجرِ وتبيَّن له الفجرُ؛ قامَ فركعَ ركعتينِ خفيفتينِ، ثم اضطجَع على شِقِّه الأيمنِ حتى يأتيَهُ المؤذِّنُ للإقامةِ، فيخرجُ.
"من الصحاح":
" عن عروة، عن عائشة ﵂: أنها قالت: كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يصلي فيما بين أنَّ يفرغ من صلاة العشاء إلى الفجر إحدى عشرة ركعة، يسلم من كل ركعتين، ويُوتِرُ بواحدة": مضمومة إلى الشَّفعِ الذي قبلها.
قيل: بنى الشافعيُّ مذهبه في الوتر على هذا الحديث، وقال: إن أكثره إحدى عشر ركعة، والفصل أفضل من الوصل، وجعل وقته ما بين فرض العشاء وطلوع الفجر.
"فيسجد السجدة من ذلك"؛ أي: من المذكور من صلاة الليل، و (من) تبعيضية؛ أي: قد كان بعض سجوده طويلًا.
"قدر ما يقرأ أحدكم خمسين آية قبل أنَّ يرفع رأسه، فإذا سكت المؤذن من صلاة الفجر"؛ أي: فرغ من آذانها.
"وتبيَّن له الفجرُ، قام فركع ركعتين خفيفتين": وهما سنة الصبح.
"ثم اضطجع على شقه الأيمن"؛ للاستراحة عن تعب قيام الليل؛ ليصلي فريضة الصبح على نشاط.
"حتى يأتيه المؤذن للإقامة فيخرج" للصلاة.
* * *
стр. 684
٨٤٦ - وقالت عائشة: كان النبيُّ ﷺ إذا صلى ركعتي الفجر فإنْ كُنْتُ مستيقظةً حدَّثني وإلا اضطجعَ.
"وقالت عائشة ﵂: كان النبي ﵊ إذا صلى ركعتي الفجر": المراد بهما: سنة الفجر.
"فإن كنت مستيقظة حدثني، وإلا"، أي: وإن لم أكن مستيقظة "اضطجع".
فيه دليل على أنَّ الفصل بين السنة وبين الفريضة جائزٌ، وعلى أنَّ الحديث مع الأهل سنة.
* * *
٨٤٧ - وقالت عائشة ﵂: كانَ رسولُ الله ﷺ إذا صلَّى ركعتَي الفجرِ اضطجعَ على شِقِّهِ الأيمنِ.
وقالت: كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إذا صلى ركعتي الفجر، اضطجع على شقه الأيمن".
* * *
٨٤٨ - وقال القاسم بن محمد، عن عائشة ﵂ قالت: كانَ النبيُّ ﷺ يصلي من الليل ثلاثَ عشرةَ ركعةً منها الوِتر، وركعتا الفجرِ.
"وقال القاسم بن محمد": وهو محمد بن أبي بكر الصديق ﵁.
"عن عائشة ﵂: أنها قالت: كان رسول الله ﵊ يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة؛ منها الوِترُ، وركعتا الفجر": والبقيةُ غيرُ أربع الفرض وركعتي السنة؛ لأن السؤالَ عن صلاة التهجد، وإنما ألحقت الوترَ وركعتي الفجر بالتهجد؛ لأن الظاهر أنَّه ﵊ -
стр. 685
كان يصلي الوتر آخر الليل، ويبقى مستيقظًا إلى الفجر، ويصل ركعتي الفجر بتهجُّده.
* * *
٨٤٩ - وقال مسروق: سألتُ عائشةَ ﵂ عن صلاةِ رسولِ الله ﷺ بالليلِ؟، فقالت: سبعٌ وتسعٌ وإحدى عشرةَ سوى ركعتَي الفجرِ.
"قال مسروق: سألت عائشة ﵂ عن صلاة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بالليل، فقالت: سبع، وتسع، وإحدى عشرة ركعة"؛ يعني: كان يصلي في بعض الليالي سبع ركعات مع الوتر، وفي بعضها: تسعًا معه، وفي بعضها: إحدى عشرة معه، وهذا كله "سوى ركعتي الفجر"؛ لأن هذا السؤال أيضًا عن التهجد، والوتر معها، لأنه كان يصلها بالتهجد.
* * *
٨٥٠ - وقالت عائشة ﵂: كانَ النبيُّ إذا قامَ من الليلِ لِيُصلي افتتحَ صلاتَه بركعتينِ خفيفتينِ.
"وقالت عائشة ﵂: كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إذا قام من الليل ليصلي، افتتحَ صلاته بركعتين خفيفتين"؛ ليرتفع عنه الثقل، ويحصل به نشاطٌ في الصلاة، ويعتاد بها، ثم يزيدُ عليها بعد ذلك.
* * *
٨٥١ - وقال أبو هريرة ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: "إذا قامَ أحدُكم من الليل فليفتتحْ صلاتَه بركعتينِ خفيفتينِ".
"وقال أبو هريرة، عن النبي ﵊ أنَّه قال: إذا قام
стр. 686
أحدكم من الليل، فليفتتحْ صلاتَهُ بركعتين خفيفتين"، وهذا إشارة إلى أنَّ من يريد أنْ يَشرَعَ في أمرٍ شرعَ قليلًا قليلًا.
* * *
٨٥٢ - عن ابن عباسٍ ﵄ أنَّه قال: بِتُّ عندَ خالتي ميمونَة ليلةً والنبيُّ ﷺ عندَها، فتحَدَّثَ رسولُ الله ﷺ مع أهلِهِ ساعةً ثم رقدَ، فلمَّا كان ثلثُ الليلِ الآخرُ أو بعضُه قعدَ فنظرَ إلى السماء فقرأ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ حتى خَتَمَ السورةَ، ثم قامَ إلى القِربةِ، فأَطلقَ شِناقَها، ثم صبَّ في الجَفَنة، ثم توضأَ وضوءًا حسنًا بين الوضوءينِ لم يُكْثِرْ وقد أَبْلَغَ، فقامَ يصلي، فقمتُ فتوضأتُ فقمتُ عن يسارِهِ، فأخذَ بأُذُني عن يمينِهِ، فَتَتَامَّتْ صلاتُه ثلاثَ عشرةَ ركعةً، ثم اضطجعَ فنامَ حتى نفخَ، وكان إذا نامَ نفخَ، فآذَنَهُ بلالٌ بالصلاةِ فصلَّى ولم يتوضأ، وكانَ في دعائه: "اللهمَّ اجعلْ في قلْبي نُوْرًا، وفي بصري نورًا، وفي سَمْعي نُورًا، وعن يَميني نُورًا، وعن يَساري نورًا، وفوقي نورًا، وتحتي نورًا، وأَمامي نُورًا، وخلْفي نُورًا، واجعل لي نُورًا - وزاد بعضهم - وفي لِساني نورًا - وذكر - وعصَبي، ولَحمي، ودمي، وشَعْري، وبشَري".
وفي روايةٍ: "واجعل في نفسي نورًا، وأَعظِم لي نورًا".
وفي روايةٍ: "اللهمَّ أَعطني نوُرًا".
وفي روايةٍ: عن ابن عباس أنَّه رقدَ عندَ النبيِّ ﷺ ، فاستيقظَ فتسوَّكَ وتوضأ وهو يقول: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ حتى ختمَ السورةَ، ثم قامَ فصلى ركعتينِ أطالَ فيهما القيامَ والركوعَ والسجودَ، ثم انصرفَ فنامَ حتى نفخَ، ثم فعلَ ذلك ثلاثَ مراتٍ ستَّ ركعاتٍ، كلُّ ذلكَ يَسْتَاكُ ويتوضأُ ويقرأُ هؤلاء الآياتِ، ثم أوترَ بثلاثٍ.
стр. 687
"عن ابن عباس ﵄ أنَّه قال: بتُّ عند خالتي ميمونة" وهي أم المؤمنين "ليلةً والنبيُّ ﵊ عثدها، فتحدث رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم مع أهله ساعة ثم رقد"؛ أي: نام.
"فلما كان ثلث الليل الآخر": صفة (ثلث)؛ أي: بقي ثلثها.
"أو بعضه"؛ أي: بعض الثلث؛ أي: أقل منه.
"قعد فنظر إلى السماء، فقرأ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] حتى ختم السورة، ثم قام إلى القِربةِ"؛ أي: قاصدًا إليها.
"فأطلق"؛ أي: حلَّ "شِناقها": بكسر الشين؛ أي: حبل القربة الَّذي يشدُّ به رأسها.
"ثم صب"؛ أي: أراق الماء منها.
"في الجفنة، ثم توضأ وضوءً حسنًا بين الوُضوءين"؛ أي: من غير إسراف ولا تقتير، يدل هذا على أنَّ ما كان بين طرفي الإفراط والتفريط فهو حسن.
"لم يكثر" إراقة الماء: بيان للوضوء الحسن، وهو إرشاد إلى عدم الإفراط.
"وقد أبلغَ" الماءَ إلى محالِّه المفروضة: إرشاد إلى عدم التفريط.
"فقام وصلى فقمت وتوضأت، فقمت عن يساره، فأخذ بأذني، فأدارني عن يمينه": (عن) هنا بمعنى: الجانب؛ أي: أدارني عن جانب يساره إلى جانب يمينه.
"فتتامَّت صلاته": بتشديد الميم من (تم)؛ أي: صارت صلاته تامة.
"ثلاث عشرة ركعة"، وبه استدل من قال: الوتر ثلاث عشرة ركعة.
стр. 688
"ثم اضطجع، فنام حتى نفخ"؛ أي: تنفس بصوتٍ حتى يسمع منه صوت النفخ، كما يسمع من النائم.
"وكان إذا نام نفخ، فآذنه بلال"؛ أي: أعلمه بالصلاة، فصلى ولم يتوضأ، وهذا من خصائصه؛ لأنه نامت عيناه، ولم ينمْ قلبه، ولا يبطل وضوءه بمثل هذا.
"وكان في دعائه: اللهم اجعل في قلبي نورًا، وفي بصري نورًا، وفي سمعي نورًا": اعلم أنَّ القلب ممرٌّ للفكر في آلاء الله، والبصر محل النظر في آيات الله تعالى، والسمع محل السماع الحق، والشيطان يأتي الناس في هذه الأعضاء، فيوسوسهم بوسوسة شبيهة بظُلمةٍ، فدعا ﵊ أن يدفعها الله بإثبات النور فيها، أراد بالنور ضياء الحق؛ يعني: استعمِلْ هذه الأعضاء مني في الحق، واجعلْ تصرفي وتقلبي فيها على سبيل الصواب.
"وعن يميني نورًا، وعن يساري نورًا": وإنما أورد في هذين الجانبين؛ لأن الأنوار تتجاوز عن قلبه وبصره وسمعه إلى من عن يمينه وشماله من الخلق.
"وفوقي نورًا، وتحتي نورًا، وأمامي نورًا، وخلفي نورًا": وفي عدم إيراد حرف الجر في هذه الجوانب إشارة إلى تمام الإنارة وإحاطته؛ إذ الإنسان تحيط به ظلمات البشرية والشهوات النفسانية لم يتخلص منها إلا بالأنوار الإلهية.
"واجعل لي نورًا": هذا إجمال بعد التفصيل، أراد به نورًا عظيمًا جامعًا للأنوار كلها.
"وزاد بعضهم: وفي لساني نورًا، وذكر"؛ أي: الرواي: "وعصبي ولحمي، ودسي، وشعري، وبشري، وفي رواية: واجعل في نفسي نورًا، وأعظم لي نورًا، وفي رواية: اللهم أعطني نورًا.
وفى رواية ابن عباس: أنَّه رقد عند النبي ﵊ -
стр. 689
فاستيقظ"؛ أي: النبي ﵊ من نومه.
"فتسوك وتوضأ": تجديدًا للوضوء؛ لعدم بطلانه بنومه ﵊.
"وهو يقول: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: ١٦٤] حتى ختم السورة، ثم قام فصلى ركعتين أطال فيهما القيام والركوع والسجود، ثم انصرف فنام حتى نفخ، ثم فعل ذلك": إشارة إلى ما ذكر من قوله: (فتسوك). . . إلى قوله: (حتى نفخ).
"ثلاثَ مرات ستَّ ركعات": قيل: منصوب بإضمار (أعني)، أو بيان لـ (ثلاث)، وكذا "كل ذلك" بيانٌ له أيضًا؛ أي: كل مرة، ويجوز أن يكون مفعولًا.
"يستاك ويتوضأ، ويقرأ هؤلاء الآيات، ثم أوتر بثلاث": ركعات.
وهذا الحديث يدل على أن الركعات الست كانت تهجده، وأن الوتر ثلاث ركعات، وإليه ذهب أبو حنيفة.
* * *
٨٥٣ - وعن زيد بن خالدٍ الجُهَني ﵁ أنه قال: لأَرْمُقَنَّ صلاةَ رسولِ الله ﷺ الليلةَ، فصلَّى ركعتَينِ خفيفتَينِ، ثم صلَّى ركعتينِ طويلتينِ طويلتينِ طويلتينِ، ثم صلى ركعتينِ وهما دونَ اللتينِ قبلَهما، ثم صلَّى ركعتينِ وهما دونَ اللَّتينِ قبلهما، ثم صلى ركعتينِ وهما دونَ اللتينِ قبلهما، ثم صلى ركعتينِ وهما دون اللتينِ قبلَهما، ثم أَوْتَرَ فذلك ثلاثَ عشرةَ ركعةً.
"وعن زيد بن خالد الجهني: أنه قال: لأرمقنَّ"، أي: لأنظرن وأحفظن "صلاةَ رسول الله" - صلى الله تعالى عليه وسلم - بلحاظ عينيَّ "الليلة"؛ أي: في
стр. 690
هذه الليلة حتى أرى كم يصلي.
"فصلى ركعتين خفيفتين، ثم صلى ركعتين طويلتين طويلتين طويلتين": وإنما كرر تأكيدًا لطول الركعتين الموصوفتين.
"ثم صلى ركعتين وهما دون"؛ أي: أقل من الركعتين "اللتين قبلهما، ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين فبلهما، ثم صلى ركعتين وهما دون اللتين قبلهما، ثم أوتر، فذلك ثلاث عشرة ركعة": وهذا يدل على أنه ﷺ أوتر بثلاث؛ لأنه صلى عشرًا في خمس دفعات.
* * *
٨٥٤ - قالت عائشةُ ﵂: لمَّا بَدَّنَ رسولُ الله ﷺ وَثَقُلَ؛ كانَ أكثرُ صلاتِهِ جالسًا.
"وقالت عائشة: لما بدَّن رسولُ الله" صلى الله تعالى عليه وسلم: بالتشديد من (التبدين)، وهو: الكبر والضعف؛ أي: أسنَّ وكبر، ويروى بالتخفيف؛ أي: كثر لحمه، قيل: المختار هو الأول؛ لأنه صلى الله تعالى عليه وسلم لم يُوصَف بكثرة اللحم.
"وثقل"؛ أي: ضعف.
"كان كثير صلاته": في التطوع "جالسًا".
* * *
٨٥٥ - وقال عبد الله بن مَسْعود ﵁: لقد عرفتُ النَّظائرَ التي كانَ النبيُّ ﷺ يقرِنُ بينهن - فذكر عشرينَ سورةً من أولِ المُفَصَّل على تأليفِ ابن مسعودٍ ﵁ سورتينِ في كل ركعةٍ، آخرُهنَّ حم الدُّخان، وعمَّ يتساءلون.
стр. 691
"وقال عبد الله بن مسعود ﵁: لقد عرفت النظائر": جمع النظيرة وهي المثل والشبه؛ أي: السور المماثلة بعضها ببعض في الطول والقصر.
"التي كان النبي ﵊ يقرن"؛ أي: يجمع.
"بينهن": في ركعة.
"فذكر"؛ أي: ابن مسعود.
"عشرين سورة من أول المفصل على تأليف ابن مسعود"؛ أي: على جمعه؛ فإنه جمع القرآن على نسقٍ غير النسق الذي جمع زيد بن ثابت بإذن أبي بكر على خلافته، ورضي به الخلفاء الثلاثة وسائر الصحابة، وهو المتلوُّ الآن المكتوب في المصاحف.
وتأليف ابن مسعود ﵁ غير ملتفت إليه؛ لأنه شاذٌّ جمعه بعد زيد، ولم يتبعه فيه أحد؛ أي: ذكر أنه ﵊ كان يقرأ عشرين سورة في عشر ركعات يقرن بين "سورتين في آخرهن"؛ أي: آخر تلك العشرين سورة: " ﴿حم﴾ الدخان، و ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ ": ذكر أبو داود في "صحيحه" السور التي يقرن بينهن ﵊ في صلاته ﴿الرَّحْمَنُ﴾ و ﴿النَّجْمُ﴾ في ركعة، و ﴿اقْتَرَبَتِ﴾ و ﴿الْحَاقَّةُ﴾ في ركعة، ﴿وَالطُّورِ﴾ ﴿وَالذَّارِيَاتِ﴾ في ركعة، و ﴿إِذَا وَقَعَتِ﴾ و ﴿ن وَالْقَلَمِ﴾ في ركعة، و ﴿سَأَلَ سَائِلٌ﴾ ﴿وَالنَّازِعَاتِ﴾ في ركعة، و ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ﴾ و ﴿عَبَسَ﴾ في ركعة، و ﴿الْمُدَّثِّرُ﴾ و ﴿الْمُزَّمِّلُ﴾ في ركعة، و ﴿هَلْ أَتَى﴾ و ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ في ركعة، و ﴿عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ﴾ ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ﴾ في ركعة، و (الدخان) و ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ﴾ في ركعة.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٨٥٦ - عن حُذيفة ﵁: أنه رَأى رسولَ الله ﷺ يُصلي من الليلِ فكانَ
стр. 692
يقولُ: "الله أكبر - ثلاثًا - ذا الملكوتِ والجَبَرُوتِ والكبرياءِ والعظَمةِ"، ثم استفتحَ فقرأ البقرةَ، ثم ركعَ فكانَ ركوعه نحوًا من قيامه يقول: "سبحان ربي العظيم، سبحان ربي العظيم"، ثم رفع رأسه فكان قِيامُه نحوًا من ركوعِه يقولُ: "لِرَبي الحمدُ"، ثم سجدَ فكان سُجودهُ نحوًا من قيامِهِ يقول: "سبحانَ ربي الأعلى"، ثم رفعَ رأسَه، وكان يقعدُ فيما بينَ السجدتينِ نحوًا من سجودِه يقولُ: "ربِّ اغفرْ لي ربِّ اغفرْ لي"، فصلَّى أربعَ ركعاتٍ قرأَ فيهنَّ البقرةَ وآلَ عمرانَ والنساءَ والمائدةَ.
"من الحسان":
" عن حذيفة: أنه رأى رسولَ الله صلى الله تعالى عليه وسلم يصلي من الليل، فكان يقول: الله أكبر ثلاثًا، ذو الملكوت"؛ أي: الملك.
"والجبروت"؛ أي: العظمة.
"والكبرياء والعظمة، ثم استفتح فقرأ البقرة، ثم ركع فكان ركوعه نحوًا"؛ أي: مثلًا، "من قيامه"، ثم "يقول: سبحان ربي العظيم، ثم رفع رأسه فكان قيامه نحوًا من ركوعه يقول: لربي الحمد، ثم سجد فكان سجوده نحوًا من قيامه يقول: سبحان ربي الأعلى، ثم رفع رأسه، وكان يقعد فيما بين السجدتين نحوًا من سجوده يقول: ربِّ اغفر لي، ربِّ اغفر لي، فصلى أربع ركعات، قرأ فيهن: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة".
* * *
٨٥٧ - عن عبد الله بن عَمرو بن العاص ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَنْ قامَ بعشْرِ آياتٍ لم يُكتبْ من الغافلينَ، ومَن قامَ بمائةِ آيةٍ كُتِبَ من القانتينَ، ومن قامَ بألف آيةِ كُتب من المُقَنْطِرين".
стр. 693
"عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: من قام بعشر آيات"؛ أي: قرأ في صلاته بالليل عشر آيات على التدبر والتأني.
"لم يكتب من الغافلين"؛ لأن من فعل هذا لم يكن غافلًا بل حاضرًا، أو مواظبًا على الطاعة.
"ومن قام بمئة آية، كتب من القانتين"؛ أي: المطيعين على الطاعة، أو المطوِّلين في القيام.
"ومن قام بألف آية، كتب من المُقَنْطِرِينَ"؛ أي: المكثرين الثواب، والمراد بهم: العمال لله تعالى في أرضه؛ لأنهم بلغوا في حيازة الثواب مبلغ المقنطر فحب حيازة الأموال، والمقنطر: صاحب القناطير، كأنه جمع المال فقنطره، من (القنطار)، وهو: سبعون ألف دينار، وقيل: أربعة آلاف دينار، وقيل: مِلْءُ جلد ثور ذهبًا، وقيل: ثمانون ألفًا، وقيل: جملة كثيرة مجهولة المقدار.
* * *
٨٥٨ - وقال أبو هريرة ﵁: كانت قراءَةُ النبيِّ ﷺ بالليلِ يرفعُ طَوْرًا ويخفضُ طَوْرًا.
"وقال أبو هريرة ﵁: كانت قراءة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بالليل يرفع طورًا"؛ أي: يرفع صوته مرة، "ويخفض طورًا".
* * *
٨٥٩ - وعن ابن عباس ﵄ قال: كانت قراءةُ النبيِّ ﷺ على قَدْرِ ما يَسمعُهُ مَن في الحُجرةِ وهو في البيت.
стр. 694
"وعن ابن عباس أنه قال: كانت قراءة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على قدر ما يسمعه"؛ أي: قدر قراءةٍ يسمعه "مَنْ في الحجرة"؛ يعني: لا يرفع صوته كثيرًا، ولا يُسِرُّ بحيث لا يسمعه أحد، وهذا إذا كان يصلي ليلًا، "وهو في البيت"؛ أي: في بيته، وأما في المسجد فكان يرفع صوته فيها أكثر من ذلك.
* * *
٨٦٠ - عن أبي قَتادة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ : "يا أبا بكرٍ، مررتُ بكَ وأنتَ تصلي تخفِضُ صوتَك"، قال: قد أَسْمَعْت مَن ناجَيتُ يا رسولَ الله، وقال لعُمر: "مررتُ بكَ وأنتَ رافعٌ صوتَك"، فقال: أُوقِظُ الوَسْنَان وأَطردُ الشيطانَ، فقال النبيُّ ﷺ : "يا أبا بكرٍ، ارفعْ مِن صوتِكَ شيئًا"، وقال لعمر: "اخفِضْ من صوتِكَ شيئًا".
"وعن أبي قتادة ﵁ أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: يا أبا بكر! مررت بك وأنت تصلي تخفضُ صوتك، قال أبو بكر: قد أسمعتُ من ناجيتُ يا رسول الله"؛ يعني: أناجي ربي، وهو يسمع لا يحتاج إلى رفع الصوت.
"فقال لعمر: مررت بك وأنت رافعًا صوتك، قال: أوقِظُ الوَسْنان"؛ أي: أنبه النائمَ.
"وأطرد الشيطان"؛ أي: أبعده.
"فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: يا أبا بكر! ارفع من صوتك شيئًا، وقال لعمر: اخفض من صوتك شيئًا"، وهذا يدل على أن الإفراط والتفريط غير محمود، بل خير الأمور أوسطها.
* * *
стр. 695
٨٦١ - عن أبي ذر قال: قامَ رسولُ الله ﷺ حتى أَصْبَحَ بآية، والآيةُ: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾.
"وعن أبي ذر ﵁ قال: قام رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم"؛ أي: أحيا الليلَ كله في الصلاة.
"حتى أصبح بآية"؛ أي: كررها متفكرًا في معناها إلى الصبح؛ لما حصل له من الذوق من هذه الآية الشريفة.
"والآية: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨] "، ومعنى الآية: أن عيسى ﵇ ناجى ربه قائلًا: إن تعذب أمتي فإنهم عبادك، والرب إذا عاقب عبده فلا اعتراضَ لأحد عليه، و ﴿وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ﴾؛ أي: إن توفقهم للإيمان والطاعة، ﴿فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ﴾: القوي القادر على ما تشاء، ﴿الْحَكِيمُ﴾: الذي لا يثيب ولا يعاقب إلا عن حكمة وصواب.
* * *
٨٦٢ - وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا صلَّى أحدُكم ركعتي الفجرِ فليضطجعْ على يمينِهِ".
"عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إذا صلى أحدكم ركعتي الفجر، فليضطجعْ على يمينه": هذا في حقِّ من تهجد في الليل وأصابه تعب، فإنه يستحب له أن يضطجع بعد سنة الفجر لحظة؛ ليستريح، ثم يصلي الفريضة على نشاط، ومَنْ لا فلا.
* * *
стр. 696
٣١ - باب ما يقول إذا قام من الليل
(باب ما يقول إذا قام من الليل)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٨٦٣ - قال ابن عباس ﵄: كان النبيُّ ﷺ إذا قامَ من الليلِ يتهجدُ، قال: "اللهم لكَ الحمدُ، أنتَ قَيمُ السماواتِ والأرضِ ومَن فيهنَّ، ولكَ الحمدُ، أنتَ نورُ السماواتِ والأرضِ ومَنْ فيهنَّ، ولكَ الحمدُ أنتَ مَلِكُ السماوات والأرضِ، وَمَن فيهنَّ، ولكَ الحمدُ، أنتَ الحقُّ، ووعدُكَ الحقُّ، ولقاؤُكَ حقٌّ، وقولُكَ حقٌّ، والجنةُ حقٌّ، والنارُ حقٌّ، والنبيونَ حقٌّ، ومحمدٌ ﷺ حقٌّ، والساعةُ حقٌّ، اللهم لكَ أسلمتُ، وبكَ آمنتُ، وعليكَ توكَّلْتُ، وإليك أَنبْتُ، وبك خاصَمْتُ، وإليكَ حاكمْتُ، فاغفر لي ما قدَّمْتُ وما أَخَّرْتُ، وما أسررْتُ وما أعلنتُ وما أنت أعلمُ به مني، أنت المُقَدِّمُ وأنت المؤخِرُ لا إله إلا أنت".
"من الصحاح":
" قال ابن عباس ﵄: كان النبي ﵊ إذا قام من الليل يتهجد"؛ أي: يصلي صلاة الليل، حال من ضمير (قام).
"قال": خبر (كان)؛ أي: كان عند قيامه من الليل متهجدًا يقول، وقيل: إنه جواب (إذا)، والجملة الشرطية خبر (كان).
"اللهم لك الحمد؛ أنت قَيمُ السماوات والأرض"؛ أي: أنت الدائمُ القيام، القائمُ بحفظهما.
"ومن فيهن" من المخلوقات؛ تحفظهم من الآفات، وترزقهم، وإنما قال: (من) دون (ما) تغليبًا للعقلاء.
стр. 697
"ولك الحمد؛ أنت نور السموات والأرض"؛ أى: خالق نورهما، أو منورهما ومظهرهما.
"ومن فيهن"؛ فإن النور هو الذي به ظهور كل شيء، وإضافته إليهما؛ للدلالة على سعة إشراقه؛ أي: أنت الذي بك استضاء الكونُ كله، وخرج من ظلمة العدم إلى ضياء الوجود.
"ولك الحمد؛ أنت ملك السموات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت الحق"؛ أي: أنت الثابت.
"ووعدك الحق، ولقائك حق": والمراد بلقائه تعالى: المصير إلى دار الآخرة وطلب ما عنده تعالى، لا الموت.
"وقولك حق، والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق، ومحمد ﵊ حق، والبعث حق"؛ أي: يوم القيامة.
"اللهم لك أسلمت"؛ أي: أذعنت.
"وبك آمنت"؛ أي: صدقت، وأمَّنت نفسي من عذابك.
"وعليك توكلت، وإليكَ أنبت"، أي: رجعت في جميع أحوالي، وفوَّضت أمري أليك.
"وبك"؛ أي: بحجتك ونصرتك إياي "خاصمت"؛ أي: أخاصم الأعداء من الكفار وأجاهدهم.
"وإليك حاكمتُ"؛ أي: رفعت إليك أمري وجعلتك قاضيًا بيني وبينك، وبين من خالفني فيما أُرسلتُ به من الدين؛ إذ المحاكمةُ رفعُ الأمر إلى القاضي.
"فاغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أنت أعلم به مني؛ أنت المقدِّم، وأنت المؤخِّر، لا إله إلا أنت".
* * *
стр. 698
٨٦٤ - وقالت عائشة ﵂: كانَ - تعني النبيَّ ﷺ إذا قامَ من الليلِ افتتحَ صلاتَه قال: "اللهم ربَّ جبريلَ وميكائيلَ وإسرافيلَ، فاطرَ السماواتِ والأرضِ، عالمَ الغيبِ والشهادةِ، أنتَ تحكُمُ بينَ عبادِكَ فيما كانوا فيه يختلفونَ، اهدِني لما اختُلِفَ فيه من الحقِّ بإذنِكَ، إنكَ تهدي مَن تشاءُ إلى صراطٍ مستقيمٍ".
"وقالت عائشة: كان"؛ يعني: النبي ﵊ تفسير لضمير (كان).
"إذا قام من الليل، افتتح صلاته قال: اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل": الإضافة لتشريف هؤلاء.
"فاطر السموات والأرض"؛ أي: خالقهما.
"عالم الغيب والشهادة": الغيب ضد الشاهد، وهو: الحاضر.
"أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف": اللام بمعنى: إلى؛ أي: اهدني إلى الحق مما اختُلِفَ "فيه من الحق بإذنك"؛ أي: بفضلك وقدرتك، "إنك تهدي من نشاء إلى صراط مستقيم".
* * *
٧٦٥ - وقال رسول الله ﷺ : "من تَعَارَّ من الليلِ فقال: لا إلهَ إلا الله وحدَه لا شريكَ له، له الملكُ ولهُ الحمدُ وهو على كلِّ شيءٍ قديرٌ، سبحانَ الله والحمدُ للهِ ولا إلهَ إلا الله والله أكبرُ ولا حولَ ولا قوةَ إلا بالله العلي العظيم"، ثم قال: "ربِّ اغفر لي - أو قال ثم دعا - استُجيبَ لهُ، فإن توضأَ ثم صلَّى قُبلَتْ صلاتُه".
"عن عبادة بن الصامت أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه
стр. 699
وسلم: من تَعارَّ من الليل": يقال: تعار من الليل إذا استيقظ من نومه مع صوت، وهذه اليقظة تكون مع كلام غالبًا، فأحبَّ ﵊ أن يكون ذلك الكلام تسبيحًا وتهليلًا، ولا يوجد ذلك إلا ممن استأنس بالذكر.
"فقال: لا إله إلا الله وحده"؛ أي: منفردًا.
"لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، وسبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله": معناه: لا انصرافَ عن المعصية ولا قوة على الطاعة إلا بمعونة الله تعالى.
"ثم قال: رب اغفر لي، أو قال: ثم دعا" - شك من الراوي - "استجيب له": والمراد بها: الاستجابة اليقينية؛ لأنْ الاحتماليةَ ثابتةٌ في غير هذا الدعاء.
"فإن توضأ": عطف على (دعا).
"ثم صلَّى، قبلت صلاته": فريضة كانت أو نافلة، وهذه المقبولية اليقينية مرتبةٌ على الصلاة المتعقبة لما قبلها.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٨٦٦ - قالت عائشة ﵂: كان رسولُ الله ﷺ إذا استيقظَ مِن الليلِ قال: "لا إلهَ إلا أنتَ سبحانَكَ، اللهم أستغفرُك لذنبي، وأسألُك رحمتَك، اللهم زِدْني عِلْمًا، ولا تُزِغْ قلْبي بعدَ إذ هديتني، وهَبْ لي من لَدُنْكَ رحمةً، إنَّكَ أنتَ الوهَّابُ".
"من الحسان":
" قالت عائشة: كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إذا استيقظ من
стр. 700
الليل قال: لا إله إلا أنت سبحانك، اللهم أستغفرك لذنبي. وأسألك رحمتك، اللهم زدني علمًا، ولا تُزِغْ قلبي"، أي: لا تميلها من الحق والهدى.
"بعد إذ هديتني، وهب لي من لدنك"؛ أي: أعطني كان عندك
"رحمة"؛ أي: توفيقًا وتثبيتًا للإيمان والهدى.
"إنك أنت الوهاب": وهذا تعليم منه ﵊ للأمة أن يدعوا بهذا الدعاء؛ ليعلموا أن لا يجوز لهم الأمن من مكر الله وزوال نعمته.
* * *
٨٦٧ - عن مُعاذ بن جبَل ﵁، عن النبيِّ ﷺ قال: "ما من مسلمٍ يَبيتُ على ذكرٍ طاهرًا فَيَتَعَارُّ من الليلِ، فيسألُ الله تعالى خيرًا إلا أَعطاهُ إياه".
"عن معاذ بن جبل ﵁، عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: أنه قال: ما من مسلم يبيتُ على ذكر الله طاهرًا"؛ أي: متوضئًا.
"فيتعارُّ من الليل، فيسأل الله تعالى خيرًا، إلا أعطاه إياه".
* * *
٨٦٨ - عن عائشة ﵂ أنها سُئلت: بمَ كان رسولُ الله ﷺ يفتَتِحُ إذا هبَّ من الليلِ؟، فقالت: كانَ إذا هَبَّ من الليلِ كَبَّر عشرًا، وحَمِدَ عشرًا، وقال: "سبحانَ الله وبحمِده" عشرًا، وقال: "سبحانَ الملكِ القُدُّوس" عشرًا، واستغفر عشرًا، وهلَّلَ عشرًا، ثم قال: "اللهم إني أعوذُ بك من ضِيقِ الدنيا، وضِيقِ يوم القِيامةِ" عشرًا، ثم يفتَتِحُ الصلاةَ.
"عن عائشة ﵂ أنها سُئِلت: بم كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يفتتح"؛ أي: يبتدأ "إذا هبَّ من الليل؟ " أي: استيقظ
стр. 701
من النوم في الليل.
"فقالت: كان إذا هبَّ من الليل، كبر الله تعالى عشرًا، وحمد الله تعالى عشرًا، وقال: سبحان الله وبحمده عشرًا، وقال: سبحان الله الملك القدوس عشرًا، واستغفر الله تعالى عشرًا، وهلل عشرًا، ثم قال: اللهم إني أعوذ بك من ضيق الدنيا"؛ أن: من مكارهها وشدائدها من مرض أو دين أو ظلم؛ لأن الأرض تصير عليه ضيقةً بذلك.
"وضيق يوم القيامة عشرًا، ثم يفتتح الصلاة".
* * *
٣٢ - باب التَّحريض على قِيَام اللَّيل
(باب التحريض على قيام اللَّيل)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٨٦٩ - قال رسول الله ﷺ : "يعقِدُ الشيطانُ على قافيةِ رأسِ أحدِكم إذا هو نامَ ثلاثَ عُقَدٍ، يضربُ على كلِّ عُقدةٍ: عليكَ ليلٌ طويلٌ فارقُدْ، فإن استيقظ فذكرَ الله تعالى انحلَّتْ عقدةٌ، فإنْ توضَّأَ انحلَّتْ عُقدةٌ، فإنْ صلى انحلَّتْ عُقدةٌ، فأصبح نَشيطًا طيبَ النفسِ، وإلا أصبحَ خبيثَ النفسِ كسلانَ".
"من الصحاح":
" عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: يعقِد الشيطان": بكسر القاف؛ أي: يشدُّ "على قافية رأس أحدكم"؛ أي: مؤخر رأسه، وقيل: أي: وسطه.
стр. 702
"إذا هو نام ثلاث عقد": جمع عقدة، والمراد بها: عقد الكسل؛ أي: يحمله الشيطان عليه.
قيل: تخصيص القافية به؛ لأنه محل الواهمة، وهي أطوع القوى للشيطان.
"يضرب على كل عقدة: عليك ليل طويل فارقد"؛ يعني: يحبب إليه النوم بقول ذلك.
"فإن استيقظ، فذكر الله، انحلت"؛ أي: انفتحت "عقدة، فإن توضأ، انحلت عقدة، فإن صلى، انحلت عقدة": والتقييد بالثلاث إما للتأكيد، أو لأن ما تنحل به عقدته ثلاثة أشياء: الذكر والوضوء والصلاة، فكأن الشيطان منعه عن كل منها بعقدة، فخالفه في جميع ذلك.
"فأصبح نشيطًا"؛ أي: ذا فرح.
"طيب النفس"؛ لأنه خلص عن قيد الشيطان، وحصَّل رضاء الرحمن.
"وإلا"؛ أي: وإن لم يفعل كذلك، بل أطاع الشيطان، ونام حتى تفوته صلاة الصبح (١).
"أصبح خبيث النفس"؛ أي: محزون القلب متحيرًا في أمره.
"كسلان": لا يحصل له مراده فيما يقصده من أموره؛ لأنه مقيدٌ بقيد الشيطان، ومبعد من رضا الرحمن.
* * *
٨٧٠ - وقال المُغيرة: قامَ النبيُّ ﷺ من الليلِ حتى تَوَرَّمَت قَدَمَاهُ فقيل له:
стр. 703
لِمَ تصنَعُ هذا وقد غفَرَ الله لك ما تقدَّم من ذنْبكَ وما تأخَّرَ؟، قال: "أفلا أكونُ عبدًا شَكورًا".
"قال المغيرة: قام النبي ﵊ من الليل حتى تورَّمت"؛ أي: انتفخت.
"قدماه": من الوجع.
"فقيل له: لم تصنع هذا وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: أفلا أكون عبدًا شكورًا": لنعمة الله علي من غافران ذنوبي، وغير ذلك من أنواع النعم.
* * *
٨٧١ - وقال عبد الله بن مسعود ﵁: ذُكِرَ عندَ النبيِّ ﷺ رجلٌ فقيل: ما زالَ نائمًا حتى أَصْبَحَ - ما قامَ إلى الصلاة - فقال: "بالَ الشيطانُ في أُذُنِهِ".
"وقال عبد الله بن مسعود ﵁: ذكر عند النبي ﵊ رجلٌ، فقيل: ما زال قائمًا حتى أصبح ما قام إلى الصلاة، قال": ﵊: "بال الشيطانُ في أذنه"؛ أي: جعله خبيثًا لا يقبل الخير، وجعله مسخَّرًا ومطيعًا له، يقبل ما يأمره من ترك الصلاة وغيرها.
وقيل: معناه: أنه ملأ سمعه من الكلام الباطل وأحاديث اللغو، فأحدث ذلك في أذنه وقرًا عن استماع دعوة الحق.
وقيل: على حقيقته؛ لما رُوي عن بعض مَنْ نام عن الصلاة أنه رأى في المنام كأن شخصًا أسود جاء فشغر برجله يبول في أذنه.
وعن الحسن البصري: لو ضرب بيده إلى أذنه، لوجدها رطبة.
* * *
стр. 704
٨٧٢ - وقالت أم سَلَمَةَ: استيقظَ رسولُ الله ﷺ ليلةً فَزِعًا يقول: "سبحانَ الله!، ماذا أُنزِل الليلةَ مِن الخزائنِ، وماذا أُنزِل من الفِتَن؟، مَنْ يُوقِظُ صواحِبَ الحُجُراتِ - يريد أزواجَهُ - لكي يُصلِّين؟، رُبَّ كاسيةٍ في الدنيا عاريةٌ في الآخرة".
"قالت أم سلمة: استيقظ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ليلةً فزعًا يقول: سبحان الله! ماذا أنزل الليلة": استفهام معناه التعجب والتعظيم.
"من الخزائن؟ ": أراد بها: الرحمة، عبر عنها بالخزائن؛ لكثرتها.
"وماذا أنزل من الفتن؟ ": أراد بها: العذاب، عبَّر عنه بالفتن؛ لأنها مؤدية إليه؛ أي: كم رحمة نزلت؟ وكم عذاب نزل؟
"من يوقظ": استفهام؛ أي: هل أحدٌ يوقظ؟
"صواحبَ الحجرات - يريد أزواجه - لكي يُصلِّين"؛ ليجدن الرحمة، ويفررن من العذاب.
"ربَّ كاسيةٍ في الدنيا"؛ أي: رب نفس كاسية أو امرأة كاسية في الدنيا من ألوان الثياب.
"عاريةٍ في الآخرة": من أنواع الثواب؛ لكونها غير صالحة في الدنيا، فلا ينفع الشخص في الآخرة إلا العمل الصالح، وهذا عامٌ في الرجال والنساء، فذكر أزواجه؛ لزيادة تخويفهن.
* * *
٨٧٣ - وقال: "ينزلُ ربنا ﵎ كلَّ ليلةٍ إلى السماءِ الدنيا حينَ يبقَى ثلثُ الليلِ الآخرُ يقول: مَن يدعوني فأَستجيبَ له، مَن يسألُني فأُعْطِيَهِ، مَن يستغفرني فأَغفِرَ له".
стр. 705
وفي روايةٍ: "ثم يبسُطُ يديهِ يقول: من يُقرِضُ غيرَ عَدومٍ ولا ظَلُوم؟ حتى ينفجرَ الفجرُ".
[وفي رواية: "يكون كذلك حتى يُضيء الفجر ثم يعلو ربنا إلى كُرسيه"].
"عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخرُ": بالرفع صفة (ثلث)، قيل: هذا متشابه معناه: ينتقل كل ليلة من صفات الجلال إلى صفات الرحمة والكمال.
وقيل: المراد نزول الرحمة والألطاف الإلهية، وقربها من العباد، أو نزول ملك من خواص ملائكته، فينقل حكاية الرب تعالى في ذلك الوقت بأمر الله تعالى.
"يقول: من يدعوني؟ فأستجيبَ له": بالنصب على تقدير (أن) جوابًا للاستفهام.
"من يسألني؟ فأعطيه، من يستغفرني؟ فأغفر له": والتخصيصُ بالليل وبالثلث الآخر منه؛ لأنه وقت التهجد، فيختصُّ بمزيد الشرف والفضل؛ لأن النية تكون فيه أخلص، والرغبة إلى الله تعالى أوفر.
"وفي رواية" عن أبي هريرة: "ثم يبسط يديه"؛ أي: لطفه ورحمته.
"ويقول: من يقرضُ غير عدوم"؛ أي: غير فقير.
"ولا ظلوم": أراد به ذاته تعالى؛ فإنه غني لا يعجز عن أداء حقه، وعادل لا يظلم المقرض ينقص ما أخذه، بل أخذَ يضاعفُ ذلك أضعافًا كثيرة، وإنما وصف تعالى بهذين الوصفين؛ لأنهما المانعان غالبًا من الإقراض، والأولى أن يراد بالقرض هنا: الطاعة؛ مالية كانت، أو بدنية، فمعناه: من يفعل خيرًا يجد