من النوم في الليل.
"فقالت: كان إذا هبَّ من الليل، كبر الله تعالى عشرًا، وحمد الله تعالى عشرًا، وقال: سبحان الله وبحمده عشرًا، وقال: سبحان الله الملك القدوس عشرًا، واستغفر الله تعالى عشرًا، وهلل عشرًا، ثم قال: اللهم إني أعوذ بك من ضيق الدنيا"؛ أن: من مكارهها وشدائدها من مرض أو دين أو ظلم؛ لأن الأرض تصير عليه ضيقةً بذلك.
"وضيق يوم القيامة عشرًا، ثم يفتتح الصلاة".
* * *
٣٢ - باب التَّحريض على قِيَام اللَّيل
(باب التحريض على قيام اللَّيل)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٨٦٩ - قال رسول الله ﷺ : "يعقِدُ الشيطانُ على قافيةِ رأسِ أحدِكم إذا هو نامَ ثلاثَ عُقَدٍ، يضربُ على كلِّ عُقدةٍ: عليكَ ليلٌ طويلٌ فارقُدْ، فإن استيقظ فذكرَ الله تعالى انحلَّتْ عقدةٌ، فإنْ توضَّأَ انحلَّتْ عُقدةٌ، فإنْ صلى انحلَّتْ عُقدةٌ، فأصبح نَشيطًا طيبَ النفسِ، وإلا أصبحَ خبيثَ النفسِ كسلانَ".
"من الصحاح":
" عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: يعقِد الشيطان": بكسر القاف؛ أي: يشدُّ "على قافية رأس أحدكم"؛ أي: مؤخر رأسه، وقيل: أي: وسطه.
стр. 702
"إذا هو نام ثلاث عقد": جمع عقدة، والمراد بها: عقد الكسل؛ أي: يحمله الشيطان عليه.
قيل: تخصيص القافية به؛ لأنه محل الواهمة، وهي أطوع القوى للشيطان.
"يضرب على كل عقدة: عليك ليل طويل فارقد"؛ يعني: يحبب إليه النوم بقول ذلك.
"فإن استيقظ، فذكر الله، انحلت"؛ أي: انفتحت "عقدة، فإن توضأ، انحلت عقدة، فإن صلى، انحلت عقدة": والتقييد بالثلاث إما للتأكيد، أو لأن ما تنحل به عقدته ثلاثة أشياء: الذكر والوضوء والصلاة، فكأن الشيطان منعه عن كل منها بعقدة، فخالفه في جميع ذلك.
"فأصبح نشيطًا"؛ أي: ذا فرح.
"طيب النفس"؛ لأنه خلص عن قيد الشيطان، وحصَّل رضاء الرحمن.
"وإلا"؛ أي: وإن لم يفعل كذلك، بل أطاع الشيطان، ونام حتى تفوته صلاة الصبح (١).
"أصبح خبيث النفس"؛ أي: محزون القلب متحيرًا في أمره.
"كسلان": لا يحصل له مراده فيما يقصده من أموره؛ لأنه مقيدٌ بقيد الشيطان، ومبعد من رضا الرحمن.
* * *
٨٧٠ - وقال المُغيرة: قامَ النبيُّ ﷺ من الليلِ حتى تَوَرَّمَت قَدَمَاهُ فقيل له:
стр. 703
لِمَ تصنَعُ هذا وقد غفَرَ الله لك ما تقدَّم من ذنْبكَ وما تأخَّرَ؟، قال: "أفلا أكونُ عبدًا شَكورًا".
"قال المغيرة: قام النبي ﵊ من الليل حتى تورَّمت"؛ أي: انتفخت.
"قدماه": من الوجع.
"فقيل له: لم تصنع هذا وقد غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: أفلا أكون عبدًا شكورًا": لنعمة الله علي من غافران ذنوبي، وغير ذلك من أنواع النعم.
* * *
٨٧١ - وقال عبد الله بن مسعود ﵁: ذُكِرَ عندَ النبيِّ ﷺ رجلٌ فقيل: ما زالَ نائمًا حتى أَصْبَحَ - ما قامَ إلى الصلاة - فقال: "بالَ الشيطانُ في أُذُنِهِ".
"وقال عبد الله بن مسعود ﵁: ذكر عند النبي ﵊ رجلٌ، فقيل: ما زال قائمًا حتى أصبح ما قام إلى الصلاة، قال": ﵊: "بال الشيطانُ في أذنه"؛ أي: جعله خبيثًا لا يقبل الخير، وجعله مسخَّرًا ومطيعًا له، يقبل ما يأمره من ترك الصلاة وغيرها.
وقيل: معناه: أنه ملأ سمعه من الكلام الباطل وأحاديث اللغو، فأحدث ذلك في أذنه وقرًا عن استماع دعوة الحق.
وقيل: على حقيقته؛ لما رُوي عن بعض مَنْ نام عن الصلاة أنه رأى في المنام كأن شخصًا أسود جاء فشغر برجله يبول في أذنه.
وعن الحسن البصري: لو ضرب بيده إلى أذنه، لوجدها رطبة.
* * *
стр. 704
٨٧٢ - وقالت أم سَلَمَةَ: استيقظَ رسولُ الله ﷺ ليلةً فَزِعًا يقول: "سبحانَ الله!، ماذا أُنزِل الليلةَ مِن الخزائنِ، وماذا أُنزِل من الفِتَن؟، مَنْ يُوقِظُ صواحِبَ الحُجُراتِ - يريد أزواجَهُ - لكي يُصلِّين؟، رُبَّ كاسيةٍ في الدنيا عاريةٌ في الآخرة".
"قالت أم سلمة: استيقظ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ليلةً فزعًا يقول: سبحان الله! ماذا أنزل الليلة": استفهام معناه التعجب والتعظيم.
"من الخزائن؟ ": أراد بها: الرحمة، عبر عنها بالخزائن؛ لكثرتها.
"وماذا أنزل من الفتن؟ ": أراد بها: العذاب، عبَّر عنه بالفتن؛ لأنها مؤدية إليه؛ أي: كم رحمة نزلت؟ وكم عذاب نزل؟
"من يوقظ": استفهام؛ أي: هل أحدٌ يوقظ؟
"صواحبَ الحجرات - يريد أزواجه - لكي يُصلِّين"؛ ليجدن الرحمة، ويفررن من العذاب.
"ربَّ كاسيةٍ في الدنيا"؛ أي: رب نفس كاسية أو امرأة كاسية في الدنيا من ألوان الثياب.
"عاريةٍ في الآخرة": من أنواع الثواب؛ لكونها غير صالحة في الدنيا، فلا ينفع الشخص في الآخرة إلا العمل الصالح، وهذا عامٌ في الرجال والنساء، فذكر أزواجه؛ لزيادة تخويفهن.
* * *
٨٧٣ - وقال: "ينزلُ ربنا ﵎ كلَّ ليلةٍ إلى السماءِ الدنيا حينَ يبقَى ثلثُ الليلِ الآخرُ يقول: مَن يدعوني فأَستجيبَ له، مَن يسألُني فأُعْطِيَهِ، مَن يستغفرني فأَغفِرَ له".
стр. 705
وفي روايةٍ: "ثم يبسُطُ يديهِ يقول: من يُقرِضُ غيرَ عَدومٍ ولا ظَلُوم؟ حتى ينفجرَ الفجرُ".
[وفي رواية: "يكون كذلك حتى يُضيء الفجر ثم يعلو ربنا إلى كُرسيه"].
"عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: ينزل ربنا ﵎ كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخرُ": بالرفع صفة (ثلث)، قيل: هذا متشابه معناه: ينتقل كل ليلة من صفات الجلال إلى صفات الرحمة والكمال.
وقيل: المراد نزول الرحمة والألطاف الإلهية، وقربها من العباد، أو نزول ملك من خواص ملائكته، فينقل حكاية الرب تعالى في ذلك الوقت بأمر الله تعالى.
"يقول: من يدعوني؟ فأستجيبَ له": بالنصب على تقدير (أن) جوابًا للاستفهام.
"من يسألني؟ فأعطيه، من يستغفرني؟ فأغفر له": والتخصيصُ بالليل وبالثلث الآخر منه؛ لأنه وقت التهجد، فيختصُّ بمزيد الشرف والفضل؛ لأن النية تكون فيه أخلص، والرغبة إلى الله تعالى أوفر.
"وفي رواية" عن أبي هريرة: "ثم يبسط يديه"؛ أي: لطفه ورحمته.
"ويقول: من يقرضُ غير عدوم"؛ أي: غير فقير.
"ولا ظلوم": أراد به ذاته تعالى؛ فإنه غني لا يعجز عن أداء حقه، وعادل لا يظلم المقرض ينقص ما أخذه، بل أخذَ يضاعفُ ذلك أضعافًا كثيرة، وإنما وصف تعالى بهذين الوصفين؛ لأنهما المانعان غالبًا من الإقراض، والأولى أن يراد بالقرض هنا: الطاعة؛ مالية كانت، أو بدنية، فمعناه: من يفعل خيرًا يجد
стр. 706
جزاءً" كاملًا عندي.
"حتى ينفجر الفجر": يطلع، وفيه دلالة على امتداد وقت ذلك اللطف.
* * *
٨٧٤ - وقال: "إنَّ في الليلِ ساعةً لا يوافقُها رجلٌ مسلمٌ يسألُ الله تعالى خيرًا، مِن أمرِ الدنيا والآخرةِ إلا أَعطاهُ إيَّاهُ، وذلكَ كلَّ ليلةٍ".
"وعن جابرك ﵁ أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إن في الليل ساعة لا يوافقها رجلٌ مسلمٌ يسأل الله خيرًا من أمر الدنيا والآخرة إلا أعطاه الله إياه، وذلك كلَّ ليلة": بنصب (كل) بالظرفية، وهو خبر (ذلك)؛ أي: ساعة الإجابة لا تختصُّ ببعض الليل دون بعض، بل هي في جميع الليالي، فليتهجد العبدُ في إحياء كل ليلة أو بعضها، لعله يصادف تلك الساعة.
* * *
٨٧٥ - وقال: "أَحبُّ الصلاةِ إلى الله صلاةُ داوُدَ، وأَحبُّ الصيامِ إلى الله صيامُ داودَ، كانَ ينامُ نصفَ الليلِ، ويقومُ ثُلُثَهُ، وينامُ سُدسَه، ويصومُ يومًا، ويُفْطِرُ يومًا".
"عن عبد الله بن عمرو ﵁ قال: قال رسول الله قال الله تعالى عليه وسلم: أحب الصلاة إلى الله"؛ أي: في النوافل.
"صلاة داود، وأحب الصيام إلى الله صيام داود، كان ينام نصف الليل"؛ أي: نصفه الأول.
"ويقوم": بعد ذلك "ثلثه، وينام سدسه": الآخر، ثم يقوم عند الصبح، وإنما صار هذا النوع أحبَّ؛ لأن النفس إذا نامت الثلثين من الليل تكون أخفَّ وأنشط في العبادة.
стр. 707
"ويصوم يومًا ويفطر يومًا"؛ فإن ذلك أشق على النفس؛ لأنها تصادف مألوفها في يوم، وتفارقه في آخر.
* * *
٨٧٦ - وقالت عائشة ﵂: كانَ - تعني رسولَ الله ﷺ ينامُ أولَ الليلِ ويُحيي آخِرَهُ، ثم إنْ كانت له حاجةٌ إلى أهلهِ قضَى حاجتَه، ثم ينامُ، فإن كانَ عندَ النداءِ الأولِ جُنبًا وثبَ فأفاضَ عليهِ الماءَ، وإن لم يكنْ جنبًا توضأَ للصلاةِ، ثم قال ركعتينِ.
"قالت عائشة ﵂: كان - تعني: رسول الله ﷺ ": تفسير لضمير (كان).
"ينام أول الليل، ويحيي آخره، ثم إن كانت له" بعد إحيائه الليلَ "حاجة إلى أهله"؛ أي: أراد مباشرة أزواجه.
"قضى حاجته"؛ أي: فعلها.
"ثم ينام"، وإنما ذكرت لفظة (ثم)؛ ليعلم أن الجدير به ﵊ تقديم العبادة على الشهوة والعادة.
"فإن كان عند النداء الأول جُنبًا"؛ أي: عند أذان بلال؛ فإنه كان يؤذن نصف الليل.
"وثب"؛ أي: قام من النوم مستعجلًا.
"فأفاض عليه الماء"؛ أي: اغتسل.
"وإن لم يكن جنبًا، توضأ للصلاة، ثم صلَّى ركعتين"؛ أي: يبتدأ بهما، كما ذكر في صلاة الليل.
* * *
стр. 708
مِنَ الحِسَان:
٨٧٧ - عن أبي أُمامة قال، قال رسول الله ﷺ : "عليكم بقيامِ الليلِ فإنه دَأبُ الصالحينَ قبلَكم، وهو قُرْبَةٌ لكم إلى رَبكم، وَمَكْفَرةٌ للسيئاتِ ومَنْهَاةٌ عن الإثمِ".
وفي رواية: "وَمَطرَدَة الداءِ عن الجسدِ".
"من الحسان":
" عن أبي أمامة ﵁ أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: عليكم بقيام الليل؛ فإنه دأبُ الصالحين قبلكم"؛ أي: عادتهم، يجوز أن يراد بهم: الأنبياء الماضون.
"وهو قربة لكم إلى ربكم ومَكفرة": بفتح الميم مصدر بمعنى اسم الفاعل؛ أي: ساترة "للسيئات"، وكذا "منهاة"؛ أي: ناهٍ "عن الإثم"؛ يعني: خصلة تكفر سيئاتكم، وتنهاكم عن المحرمات، وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥].
* * *
٨٧٨ - وقال: "ثلاثةٌ يضحكُ الله إليهم: الرجلُ إذا قامَ باللَّيلِ يُصلِّي، والقومُ إذا صفُّوا في الصلاةِ، والقومُ إذا صفُّوا في قتالِ العدوِّ".
"وعن أبي سعيد الخدري ﵁ أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: ثلاثة يضحك الله إليهم"؛ أي: ينظر إليهم نظرَ الرضاء البالغ والرحمة السابغة.
"الرجلُ إذا قام بالليل يصلي، والقومُ إذا صفوا في الصلاة، والقومُ إذا صفوا في قتال العدو".
* * *
стр. 709
٨٧٩ - وقال: "أقربُ ما يكونُ الربُّ مِن العَبْدِ في جوفِ الليلِ الآخرِ، فإن استطعتَ أنْ تكونَ ممن يذكرُ الله في تلكَ الساعةِ فَكُنْ"، صحيح.
"وعن عمرو بن عبسة ﵁ أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: أقرب ما يكون الربُّ من العبد في جوف الليل الآخر": صفة لـ (جوف)؛ أي: في النصف الآخر من الليل.
"فإن استطعتَ أن تكون ممن يذكر الله في تلك الساعة فكنْ"، وإنما كان هذا الوقت شريفًا؛ لأنه الوقت الذي ينادي الله تعالى فيه عباده فيقول: من يدعوني فأستجيب له.
"صحيح".
* * *
٨٨٠ - وقال: "رحمَ الله رجلًا قامَ من الليلِ فصلَّى، وأَيقظَ امرأتَه فَصَلَّتْ، فإن أَبَتْ نضحَ في وجهِهَا الماءَ، رحمَ الله امرأةً قامَتْ من الليلِ فصلَّتْ، وأيقظَتْ زوجَها فإن أبَى نضحَت في وجهِه الماءَ".
"وعن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: رحم الله رجلًا قام من الليل فصلى وأيقظ أهله"؛ يعني: امرأته.
"فصلت، فإن أبت نضح"؛ أي: رشَّ "في وجهها الماء، رحم الله امرأة قامت من الليل فصلت وأيقظت زوجها، فإن أَبى نضحت في وجهه الماء"، وهذا يدل على أن إكراهَ أحدِ على خير يجوزُ، بل يستحب.
* * *
٨٨١ - وعن أبي أُمَامة أنه قال: قيل: يا رسولَ الله!، أيُّ الدعاءَ أَسْمَعُ؟
стр. 710
قال: "جوفَ الليلِ الآخرَ، ودُبُرَ الصلواتِ المكتوباتِ".
"وعن أبي أمامة ﵁ أنه قال: قيل: يا رسول الله! أيُّ الدعاء أسمع؟ "؛ أي: أقرت إلى أن يسمعه الله؛ أي: يتقبله.
"قال: جوفَ الليل": بنصب (جوف) على الظرفية؛ أي: الدعاء في جوف الليل.
"الآخر": ويروى: برفعه بتقدير حذف المضاف؛ أي: دعاء جوف الليل.
قال الخطابي: المراد: ثلث الآخر، وهو الجزء الخامس من أسداس الليل.
"ودبر الصلوات المكتوبات"؛ أي: عقيبها، عطف على (جوف).
* * *
٨٨٢ - وقال: "إن في الجنةِ غُرَفًا يُرَى ظاهِرُها من باطِنها، وباطنُها من ظاهِرها أَعَدَّها الله لمن أَلانَ الكلامَ، وأَطْعَمَ الطعامَ، وتابعَ الصيامِ، وصلى بالليلِ والناسُ نيامٌ".
وفي روايةٍ: "لِمَنْ أَطَابَ الكلامَ".
"وعن أبي مالك الأشعري أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إن في الجنة غرفًا": جمع غرفة، وهو: البناء على علو.
"يرى ظاهرها من باطنها، وباطنها من ظاهرها أعدها الله"؛ أي: هيأها "لمن ألان الكلام"؛ أي: لمن له خلقٌ حسن مع الناس.
"وأطعم الطعام، وتابع الصيام"؛ أي: أكثر منه بعد الفريضة بحيث تابع بعضها بعضًا، ولا يقطعها رأسًا.
"وصلى بالليل والناس نيام": جمع نائم.
стр. 711
"وفي رواية: لمن أطاب الكلام".
* * *
٣٣ - باب القَصْد في العمَل
(باب القصد في العمل)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٨٨٣ - قال أنس ﵁: كَانَ رسولُ الله ﷺ يُفْطِرُ من الشهرِ حتى نظُنَّ أن لا يصومَ منه، ويصومُ حتى نظُنَّ أن لا يفطرَ منه شيئًا، وكانَ لا تشاءُ أن تراهُ من الليلِ مصليًا إلا رأيتَهُ، ولا نائمًا إلا رأيتَه.
أي: الاقتصاد والتوسط فيه بلا إفراط ولا تفريط.
"من الصحاح":
" قال أنس: كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يفطر": أيامًا كثيرة.
"من الشهر حتى نظن أن لا يصوم منه، ويصوم حتى نظن أن لا يفطر منه شيئًا"، ثم يفطر؛ يعني: لا يصوم أبدًا، ولا يفطر أبدًا.
"وكان لا تشاء": (لا) بمعنى: ليس، أو بمعنى: لم؛ أي: ليس تشاء، أو لم تكن تشاء "تراه من الليل مصليًا إلا رأيته" مصليًا.
"ولا نائمًا"؛ أي: لا تشاء تراه من الليل نائمًا، "إلا رأيته" نائمًا، أو معناه: لا تشاء تراه مصليًا إلا رأيته غير مصلٍّ، ولا نائمًا إلا رأيته غير نائم.
* * *
стр. 712
٨٨٤ - وقال رسول الله ﷺ : "أحبُّ الأعمالِ إلى الله تعالى أَدْوَمُها وإن قَلَّ".
"وعن عائشة أنها قالت: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: أحبُّ الأعمال إلى الله تعالى أدومها وإن أقل"؛ أي: العمل، وإنما كان العمل الذي يُداوَم عليه أحبَّ؛ لأن النفس تألف به، ويدوم بسببه الإقبالُ على الله تعالى، ولهذا ينكر أهل التصوف ترك الأوراد، كما يُنكَر ترك الفرائض.
* * *
٨٨٥ - وقال: "خذوا من الأعمالِ ما تُطِيقونَ، فإن الله لا يَمَلُّ حتى تَمَلُّوا".
"وعنها ﵂، عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: خذوا من الأعمال ما تطيقون"؛ يعني: لا تحملوا على أنفسكم أورادًا كثيرة بحيث لا تقدرون على مداومتها، فتتركونها.
"فإن الله لا يمل": معنى المَلال من الله تعالى: ترك إعطاء الثواب؛ أي: لا يقطع الثواب والرحمة عنكم.
"حتى تملوا"، وتتركوا عبادته، وقيل: معناه: لا ينقطع عنكم فضله حتى تملوا سؤاله.
* * *
٨٨٦ - وقال: "لِيُصَلِّ أحدُكم نشاطَه، فإذا فَتَرَ فليقعُدْ".
"وعن أنس ﵁ أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: ليصلي أحدُكم نشاطَه"؛ أي: وقت نشاطه بالعبادة.
стр. 713
"فإذا فتر"؛ أي: ضعف.
"فليقعد"؛ فإن الله تعالى لا ينبغي أن يناجي عن ملالة.
* * *
٨٨٧ - وقال: "إذا نَعِسَ أحدُكم وهو يصلي فَلْيَرْقُدْ حتى يذهبَ عنه النومُ، فإنَّ أحدكم إذا صلى وهو ناعسٌ لا يدري لعلَّه يستغفرُ فَيَسُبُّ نفسَهُ".
"وعن عائشة ﵂ أنها قالت: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إذا نعس أحدكم"؛ أي: نام.
"وهو يصلي فليرقد"؛ أي: فلينم.
"حتى يذهب عنه النوم"؛ أي: ثقله.
"فإن أحدكم إن صلى وهو ناعس": النعاس: أول النوم.
"لا يدري": مفعوله محذوف؛ أي: لا يدري أيَّ شيء يصدر عنه من غلبة النوم.
"لعله يستغفر"؛ أي: يقصد أن يستغفر لنفسه بأن يقول: اللهم اغفر لي.
"فيسب نفسه": بأن يقول: اللهم اعفر لي، والعفر: هو التراب، فيكون دعاءً عليه بالذل.
* * *
٨٨٨ - وقال: "إن الدينَ يُسْرٌ، ولن يُشَادَّ الدينَ أحدٌ إلا غَلَبَه، فسدِّدوا وقارِبُوا، وأَبشِروا، واستَعِينوا بالغَدْوَةِ والرَّوْحَةِ وشيءٍ من الدُّلْجَة".
"وعن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إن الدين"؛ أي: دين الله الذي أمر به عباده، وهو الإسلام.
стр. 714
"يسر"؛ أي: مبني على اليسر والسهولة، لم يكلفهم الله في الدين ما يشق عليهم، قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، وقال أيضًا: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: ١٨٥]، فلا ينبغي لأحد أن يحمل على نفسه مشقة عظيمة في العبادات.
"ولن يشاد الدين أحد"؛ أي: لن يقوم بشدة بما لم يُؤمَر به، ولم يجبْ عليه.
"إلا غلبه"؛ أي: غلب الدينُ عليه، وعجز عن قضاء حقوقه.
"فسددوا": الفاء جواب شرط مقدر؛ أي: إذا عرفتم ما في المشادة من الفتور عن العمل، فاطلبوا بأعمالكم السَّداد؛ أي: الصواب في الأمر والعدل فيه.
وقيل: أي: الزموا السداد، والمراد: الطريقة التي لا حرجَ فيها في أعمالكم.
"وقاربوا"؛ أي: اقتصدوا في الأمور الشرعية كلها، واتركوا الغُلوَّ والتقصير فيها.
"وأبشروا"؛ أي: بالجنة، وافرحوا، ولا تحزنوا؛ فإن الله تعالى كريم يرضى عنكم بأداء فرائضه، ويعطيكم الثواب العظيم بالعمل القليل.
"واستعينوا بالغدوة": بالفتح: المرة من الغد، وهو: السير أول النهار.
"والرَّوحة": المرة من الرواح، وهو: السير آخر النهار.
"وشيء من الدُّلجة": وهي اسم من (الادِّلاج) بتشديد الدال، وهو: السير في آخر الليل.
وقيل: اسم من (الإدْلاج) بسكون الدال، وهو: السير في أول الليل.
стр. 715
يعني: استعينوا بالطاعة على تحصيل الجنة ونعيمها في أول النهار وآخره، وبشيء من الليل، وكأن هذا بيان لقوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود: ١١٤].
وهذا تحريضٌ على طاعة الله تعالى في هذه الأوقات الشريفة.
* * *
٨٨٩ - وقال: "مَنْ نامَ عن حزبهِ، أو عن شيءٍ منه فقرأهُ فيما بينَ صلاةِ الفجرِ وصلاةِ الظهرِ، كُتِبَ له كأنما قرأ من الليلِ".
"وعن عمر ﵁ أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: من نام عن حِزْبه"؛ أي: عن ورده من الليل من قراءة أو صلاة فاته فيها.
"أو عن شيء منه"؛ أي: نام عن بعض من حزبه.
"فقرأه فيما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر، كُتب له كأنما قرأه من الليل"؛ لأن ما قبل الظهر كأنه من جملة الليل؛ ولهذا تصحُّ نية الصوم فيه.
* * *
٨٩٠ - وقال: "صَلِّ قائمًا، فإن لم تستَطِعْ فقاعدًا، فإن لم تستَطِعْ فعلى جَنبٍ".
"وعن عمران بن حُصين أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: صلِّ قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب": فيجوز ترك القيام بشرط العجز عنه، وكذلك ترك القعود، والانتقال منه إلى الاضطجاع، وهذا في الفريضة، وأما في النوافلة؛ فيجوز القعود مع القدرة على القيام.
* * *
стр. 716
٨٩١ - وقال: "مَن صلَّى قاعِدًا فله نصفُ أجرِ القائِمِ، ومَن صلَّى نائمًا فله نصفُ أجرِ القاعدِ"، رواهما عِمْران بن حُصين.
"وعن عمران أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: من صلَّى قاعدًا، فله نصفُ أجر القائم، ومن صلَّى نائمًا"؛ أي: مضطجعًا، "فله نصفُ أجر القاعد"، وهذا محمول على المتنفل قاعدًا مع قدرته على القيام؛ لأن التنفل قاعدًا مع العجز يكون ثوابه كثوابه قائمًا.
وقيل: في حق المفترض المريض الذي أمكنه القيام مع شدة مشقة وزيادة في المرض.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٨٩٢ - قال رسول الله ﷺ : "من أَوَى إلى فِراشِهِ طاهرًا يذكرُ الله تعالى حتى يدركَه النُّعاسُ؛ لم يتقلَّبْ ساعةً من الليلِ يسألُ الله شيئًا من خيرِ الدنيا والآخرةِ، إلا أَعطاه إياه".
"من الحسان":
" عن معاذ بن جبل ﵁ أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من أوى" - بهمزة مقصورة - "إلى فراشه"؛ أي: أتى إلى فراشه "طاهرًا"؛ أي: متوضئًا.
"يذكر الله حتى يدركه النعاسُ، لم يتقلب"؛ أي: على فراشه.
"ساعة": بالرفع؛ أي: لم تمض ساعةٌ، وبالنصب: فالمعنى: لم يتردد ذلك الرجل في فراشه في ساعةٍ "من الليل، يسأل الله تعالى شيئًا من خير الدنيا والآخرة، إلا أعطاه إياه".
* * *
стр. 717
٨٩٣ - وقال: "عجِبَ ربنا من رجلينِ: رجلٌ ثارَ عن وِطائه ولِحافِه من بينِ حِبه وأهلِه إلى صلاتهِ فيقولُ الله لملائكَتِه: انظروا إلى عبدي ثارَ عن فِراشِه ووِطائِه من بينِ حِبه وأهلِه إلى صلاتِه، رغبةً فيما عندي وشفَقًا مما عندي، ورجلٌ غزا في ممبيلِ الله فانهزمَ مع أصحابهِ، فعلمَ ما عليهِ في الانهزامِ وما لَهُ في الرجوعِ، فرجعَ حتي هُريقَ دَمُه، فيقولُ الله تعالى لملائكَتِه: انظروا إلى عبدي رجعَ رغبةً فيما عندي، وشفقًا مما عندي حتى هُريقَ دمهُ".
"عن عبد الله بن مسعود: أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: عجب ربنا"؛ أي: رضي وأثاب.
وقيل: أي: عظم ذلك عنده، وكبر لديه، فسماه عجبًا مجازًا؛ لأن التعجب يكون مما خفي سببه، ولا يخفى عليه تعالى سببُ شيء.
"من رجلين: رجلٌ ثار"؛ أي: قام.
"عن وِطائه": بكسر الواو؛ أي: عن فراشه اللين.
"ولِحافه": بكسر اللام: وهو ثوب النوم الذي يكون فوق النائم.
"من بين حِبه": بكسر الحاء؛ أي: محبوبه.
"وأهله، إلى صلاته، فيقول الله تعالى لملائكته: انظروا إلى عبدي ثار عن فراشه ووطائه من بين حبه وأهله إلى صلاته رغبةً فيما عندي": من الثواب والجنة.
"وشفقًا"؛ أي: خوفًا.
"مما عندي": من العذاب والعقوبة بالنار.
"ورجل غزا في سبيل الله، فانهزم مع أصحابه، فعلم ما عليه" من الإثم "في الانهزام، وما له" من الثواب "في الرجوع"، والإقبال على محاربة الكفار.
стр. 718
"فرجع حتى هريق دمه"؛ أي: صُبَّ.
"فيقول الله تعالى لملائكته: انظروا إلى عبدي رجع رغبةً فيما عندي وشفقًا مما عندي حتى هريقَ دمه".
* * *
٣٤ - باب الوِتْر
(باب الوتر)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٨٩٤ - قال رسول الله ﷺ : "صلاة الليل مَثْنَى مَثْنَى، فإذا خشِيَ أحدُكم الصُّبحَ صلَّى ركعةً واحدةً تُوتر له ما قد صلَّى".
"من الصحاح":
" عن ابن عمر ﵁ أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: صلاة الليل مثنى مثنى"؛ أي: يسلم من كل ركعتين، استدل به أبو يوسف ومحمد والشافعي على أن الأفضل في نافلة الليل مثنى مثنى.
"فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة واحدة تُوتر له ما قد صلَّى"؛ أي: يجعل هذه الركعة الصلاة التي صلاها في الليل وِترًا بعد أن كانت شفعًا، والحديث حجة للشافعي في قوله: الوتر ركعة واحدة.
* * *
٨٩٥ - وقال: "الوِتْر ركعةٌ من آخِر اللَّيل".
стр. 719
"وعن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: الوتر ركعة من آخر الليل"؛ أي: أقل الوتر ركعة، وآخر وقتها: آخر الليل.
* * *
٨٩٦ - وقالت عائشة ﵂: كان رسولُ الله ﷺ يُصلِّي من اللَّيلِ ثلاثَ عشرةَ ركعةً يُوتِرُ من ذلكَ بخمسٍ لا يَجلِسُ في شيءٍ إلا في آخرِها.
"وقالت عائشة ﵂: كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يصلي من الليل ثلاث عشر ركعة": ثمان ركعات منها بأربع تسليمات.
"يوتر من ذلك بخمس"؛ أي: يصلي خمس ركعات من ذلك بنية الوتر.
"لا يجلس" للتشهد، "إلا في آخرها"، وإليه ذهب الشافعي في قول.
* * *
٨٩٧ - عن سَعْد بن هشام ﵁ أنه قال: انطلقْنا إلى عائشةَ ﵂ فقلتُ: يا أمَّ المؤمنينَ، أَنْبئيني عن خُلُقِ رسولِ الله ﷺ ؟، قالت: أَلَستَ تَقْرأُ القُرآنَ؟، قلت: بلى، قالَت: فإن خُلُقَ نبيِّ الله ﷺ كانَ القرآنَ، قلتُ: يا أمَّ المؤمنينَ، أَنبئيني عن وِتْرِ رسولِ الله ﷺ ؟، قالت: كُنَّا نُعِدُّ لَهُ سواكَه وطَهُورَه، فَيَبعثُه الله ما شاءَ أن يبعثَه من الليلِ، فَيتسوَّكُ ويتوضَّأ ويُصلِّيَ تسعَ ركعاتٍ لا يَجلِسُ فيها إلا في الثامنةِ، فَيذكُر الله، ويَحمَدُه، ويدعُوه، ثم ينهضُ ولا يُسلِّم فيصلي التاسعةَ، ثم يقعدُ فَيذكرُ الله، ويحمدُه، ويدعُوه، ثم يسلِّمُ تسليمًا يُسمِعُنا، ثم يُصلِّي ركعتَينِ بعدَ ما يُسلِّمُ وهو قاعدٌ، فتلكَ إحدى عشرةَ ركعةً، فَلَمَّا أَسَنَّ وأخذَ اللَّحْمَ أَوترَ بسبعٍ، وصنَعَ في الركعتينِ مثلَ صَنيعِه في الأُولى، فتلْكَ تسعٌ يا بنيَّ، وكانَ النبيُّ ﷺ إذا صلى صلاةً أحبَّ أن يُداومَ عليها، وكان إذا غلبَهُ نومٌ أو وجعٌ عن قيامِ الليلِ صلى من النهارِ ثنتي عشرةَ ركعةً، ولا أعلمُ
стр. 720
نبيَّ الله ﷺ قرأَ القرآنَ كلَّه في ليلةٍ، ولا صلَّى ليلةً إلى الصُّبح، ولا صامَ شهرًا كاملًا غيرَ رمضان.
"وعن سعد بن هشام ﵁ أنه قال: انطلقنا إلى عائشة ﵂، فقلت: يا أم المؤمنين! أنبئيني"؛ أي: أخبريني.
"عن خلق رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم"؛ أي: عن طبعه ومُروءته.
"قالت: ألست تقرأ القرآن؟ قلت: بلى، قالت: فإن خلق نبي الله كان القرآن"؛ أي: كان ﵊ متمسكًا بآداب القرآن وأوامره ونواهيه، وما يشمل عليه من المكارم والمحاسن والألطاف.
قيل: ذلك إشارة إلى مثل قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ [الأعراف: ١٩٩] الآية، و ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠]، ﴿وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ [لقمان: ١٧ ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ﴾ [المائدة: ١٣] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على تهذيب الأخلاق.
وقيل: معناه: كان خلقه مذكورًا في القرآن؛ إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤].
"قلت: يا أم المؤمنين! أنبئيني عن وتر رسول الله ﵊، قالت: كنا نُعد": من الإعداد؛ أي: نهييء له ﵊ "سواكه وطَهوره"؛ أي: ماء وضوئه.
"فيبعثه الله"؛ أي: يوقظه من النوم.
"ما شاء أن يبعثه"؛ أي: في الوقت الذي شاء بعثه فيه "من الليل، فيتسوك ويتوضأ، ويصلي تسع ركعات، لا يجلس فيها إلا في الثامنة، فيذكر الله تعالى"؛ أي: يقرأ التشهد.
стр. 721
"ويحمده": فالحمد إذن لمطلق الثناء؛ إذ ليس في التحيات لفظ الحمد.
"ويدعوه، ثم ينهض"؛ أي: يقوم.
"ولا يسلم، فيصلي التاسعة، ثم يقعد، فيذكر الله تعالى ويحمده ويدعوه، ثم يسلم تسليمًا يسمعنا"؛ أي: يرفع صوته بالتسليم بحيث نسمعه.
"ثم يصلي ركعتين بعدما يسلم، وهو قاعد": قال النووي: الصواب أنهما لبيان جواز الصلاة بعد الوتر، وبيان جواز النفل قاعدًا.
"فتلك إحدى عشرة ركعة، فلما أسن"؛ أي: كبر.
"وأخذ اللحمَ"؛ أي: ضعف.
"أوترَ بسبع، وصنع في الركعتين مثل صنيعه في الأولى"؛ يعني: صلاهما قاعدًا، كما كان يصنع قبل أن أسنَّ.
"فتلك تسعٌ يا بني، وكان نبي الله ﷺ إذ صلَّى صلاة أحبَّ أن يداوم عليها، وكان إذا غلبه نوم أو وجع عن قيام الليل، صلَّى من النهار ثنتي عشرة ركعة، ولا أعلم نبي الله ﷺ قرأ القرآن كله في ليلة، ولا صلَّى ليلة إلى الصبح، ولا صام شهرًا كاملًا غيرَ رمضان".
* * *
٨٩٨ - عن عبد الله بن عُمر قال: قال رسول الله ﷺ : "اجْعَلوا آخرَ صلاتِكم باللَّيلِ وِتْرًا".
"وعن ابن عمر أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا": وهذا يدل على أن السنة ختم صلاة الليل بالوتر.
* * *
стр. 722
٨٩٩ - وقال: "بادِرُوا الصُّبحَ بالوترِ".
"وعنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: بادروا الصبح بالوتر"؛ أي: أسرعوا بأداء الوتر قبل الصبح، قيل: لا وترَ بعد الصبح، وعليه مالك وأحمد.
* * *
٩٠٠ - عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "مَن خافَ أن لا يقومَ مِن آخرِ الليلِ، فليُوترْ أولَّه، ومن طَمِعَ أن يقومَ آخِرُهُ فليُوترْ آخِرَ الليلِ، فإن صلاةَ آخرِ الليلِ مشهودةٌ، وذلكَ أفضلُ".
"وعن جابر أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: من خاف أن لا يقوم من آخر الليل": (من) فيه للتبعيض، أو بمعنى: في.
"فليوتر أوله"؛ أي: ليصلي الوتر في أول الليل، وأمره بالإيتار عند خوف الفوت يدلُّ على وجوبه، وإليه ذهب أبو حنيفة.
"ومن طمع أن يقوم آخره، فليوتر آخر الليل، فإن صلاة آخر الليل مشهودة"؛ أي: محضورة تحضرها ملائكة الرحمة.
"وذلك"؛ أي: الإيتار في آخر الليل "أفضل".
* * *
٩٠١ - وقالت عائشة ﵂: "مِن كُلِّ الليلِ أَوْتَرَ رسولُ الله ﷺ مِن أوَّلِ اللَّيلِ وأَوْسَطِه وآخرِه، وانتهى وِتْرُه إلى السَّحَرِ".
"وقالت عائشة ﵂: من كلِّ الليل أوترَ رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم؛ من أول الليل": (كان) الأولى تبعيضية، و (من) الثانية بدل
стр. 723
منها، أو بيان لمعنى التبعيضية، ويجوز أن تكون الأولى ابتدائية، والثانية بيانًا لـ (كل)، وهذا أوجه.
"وأوسطه وآخره وانتهى وتره إلى السحر".
* * *
٩٠٢ - وقال أبو هريرة ﵁: أَوْصاني خليلي بثلاثٍ: صيامِ ثلاثةِ أيامٍ مِن كلِّ شهرٍ، وركعتي الضحى، وأن أُوتِرَ قبلَ أن أنامَ.
"وقال أبو هريرة ﵁: أوصاني خليلي"؛ يعني: رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم.
"بثلاث"؛ أي: بثلاث خصال.
"صيام ثلاثة أيام من كل شهر"؛ يعني: أيام البيض، وهي: الثالث عشر والرابع عشر والخاص عشر من الشهر.
"وركعتي الضُّحى، وأن أوتر قبل أن أنام"، والإيتارُ قبل النوم إنما يستحب ممن لا يثقُ بالانتباه في آخر الليل، فإن وثق، فآخرُ الليل أفضل.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٩٠٣ - عن غُضَيف بن الحارث قال: قلت لعائشة ﵂: أرأيتِ رسولَ الله ﷺ كانَ يغتسلُ من الجنابةِ في أولِ الليلِ أَمْ في آخرِه؟، قالت: رُبَّما اغتسل في أولِ الليلِ ورَبَّما اغتسلَ في آخره، فقلت: الحمدُ للهِ الذي جعلَ في الأمرِ سَعَةً، قلتُ: كانَ يُوتِرُ في أولِ الليلِ أَمْ في آخِرِه؟، قالت: رُبَّما أَوترَ في أولِ الليلِ ورُبَّما أوترَ في آخرِه قلتُ: الحمد لله الذي جعل في الأمر سعَةً،
стр. 724
قلت: كانَ يجهرُ بالقراءةِ أم يَخفِت؟، قالت: رُبَّما جهَرَ ورُبَّما خَفَتَ، قلت: الله أكبر، الحمد لله الذي جعلَ في الأمرِ سَعَةً.
"من الحسان":
" عن غضيف بن الحارث أنه قال: قلت لعائشة: أرأيت"؛ أي: أخبريني "رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كان يغتسل من الجنابة في أول الليل، أم في آخره؟ قالت: ربما اغتسل في أوَّل الليل، وربما اغتسل في آخره، فقلت: الحمد لله الذي جعل في الأمر"؛ أي: في أمر الشرع.
"سعة"؛ أي: سهلًا.
"قلت: كان يوتر في أول الليل، أم في آخره؟ قالت: ربما أوتر"؛ أي: صلى الوتر.
"في أول الليل، وربما أوتر في آخره، فقلت: الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة، قلت: كان يجهر بالقراءة، أم يخفت؟ "؛ أي: يُسِرُّ بها.
"قالت: ربما يجهر به، وربما خفَت، قلت: الله أكبر، الحمد لله الذي جعل في الأمر سعة".
* * *
٩٠٤ - وسُئلت عائشة ﵂: بِكَم كانَ رسول الله ﷺ يُوتِر؟، قالت: كان يُوتر بأربعٍ وثلاثٍ، وستٍ وثلاثٍ، وثمانٍ وثلاثٍ، وعشرٍ وثلاثٍ، ولم يكنْ يُوتِر بأَنقَصَ من سبعٍ، ولا بأكثرَ من ثلاثَ عشرةَ.
"وسُئِلت عائشة ﵂: بكم كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يوتر؟ قالت: كان يوتر بأربع وثلاث"، فيكون سبعًا.
"وست وثلاث"، فيكون تسعًا.
стр. 725
"وثمان وثلاث"، فيكون إحدى عشرة ركعة.
"وعشر وثلاث"، فيكون ثلاث عشرة ركعة، ففي كلِّ ذلك يصلي ما قبل الثلاث كلُّ ركعتين بتسليمة، والثلاث بتسليمة.
"ولم يكن يوتر بأنقصَ من سبع ولا بأكثر من ثلاث عشرة".
* * *
٩٠٥ - عن أبي أَيُّوب قال: قال رسول الله ﷺ : "الوِترُ حقٌّ على كلِّ مسلمٍ، فمن أَحبَّ أن يُؤتِرَ بخمسٍ فليفعلْ، ومَن أحبَّ أَنْ يُؤتِرَ بثلاثٍ فليفعلْ، ومَن أحبَّ أن يوتِرَ بواحدةٍ فليفعل".
"وعن أبي أيوب أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: الوترُ حقٌّ"؛ أي: سنة، عبَّر بهذا للتأكيد، هذا على قول الشافعي، وعن أبي حنيفة: معناه واجبٌ.
"على كل مسلم، فمن أحب أن يوتر بخمس فليفعل، ومن أحب أن يوتر بثلاث فليفعل، ومن أحب أن يوتر بواحدة فليفعل".
* * *
٩٠٦ - وقال: "إن الله تعالى وِتْرٌ يُحبُّ الوِترَ، فأَوتِروا يا أهلَ القُرآنِ".
"وعن علي ﵁ أنه قال: قال رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إن الله وِترٌ"؛ أي: واحدٌ في ذاته لا يقبل الانقسام، وفي صفاته؛ إذ لا شبهَ له ولا مثلَ، وفي أفعاله؛ فلا شريكَ له ولا معينَ.
"يحبُّ الوتر"؛ أي: يثيب عليه، ويقبله من عامله.
стр. 726
"فأوتروا": الفاء تُؤذِنُ بشرط مقدر، كأنه قال: إذا اهتديتم إلى أن الله تعالى يحب الوتر فأوتروا؛ أي: اجعلوا صلاتكم وترًا.
"يا أهل القرآن": والمراد بهم المؤمنون المصدقون للقرآن خاصةً من تولَّى قيام تلاوته، ومراعاة حدوده، وأحكامه.
* * *
٩٠٧ - قال: "إن الله أَمَدَّكم بصلاة هي خيرٌ لكم من حُمْرِ النَّعَم: الوِترُ، جعلَه الله فيما بينَ صلاةِ العِشاءِ إلى أنْ يَطلُعَ الفجْر".
"وعن خارجة بن حذافة ﵁ أنه قال: خرج علينا رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فقال: إن الله أمدكم"؛ أي: زادكم على صلاتكم.
"بصلاةٍ هي خيرٌ لكم من حُمرِ النَّعم": الحمر: جمع الأحمر، والنَّعم هنا: الإبل، من باب إضافة الصفة إلى الموصوف، وإنما قال ذلك ترغيبًا للعرب فيها؛ لأن حمر النعم أعزُّ الأموال عندهم.
"الوتر": بالجر بدل من (صلاة)، وبالنصب بتقدير: أعني، وبالرفع خبر مبتدأ محذوف.
"جعله الله فيما بين صلاة العشاء إلى أن يطلعَ الفجر": يدل على أنه لا يجوز تقديمه على فرض العشاء.
* * *
٩٠٨ - وقال: "مَن نامَ عن وِتْرهِ فليُصَلِّ إذا أَصبَحَ"، مُرسَل.
"وعن عبد الله بن زيد بن أسلم، عن أبيه: أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: من نام عن وتره فليصلِّ إذا أصبح"؛ أي: فليقضِ الوترَ
стр. 727
بعد الصبح متى اتفق، وإليه ذهب الشافعي في أظهر قوليه.
"مرسل".
* * *
٩٠٩ - سُئلت عائشةُ ﵂: بأي شيءٍ كان يوترُ رسولُ الله ﷺ ؟، قالت: كان يقرأُ في الأُولى بـ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، وفي الثانية بـ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، وفي الثالثة بـ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ والمُعوِّذتين.
"سُئِلت عائشة بأي شيء كان يوتر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم؟ " أي: أيَّ شيء يقرأ في الوتر؟
"قالت: كان" رسول الله ﷺ "يقرأ في الأولى: بـ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ [الأعلى: ١]، وفي الثانية: بـ: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: ١]، وفي الثالثة: بـ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] والمعوذتين".
* * *
٩١٠ - وعن الحسنِ بن علي ﵁ أنه قال: علَّمَني رسولُ الله ﷺ كلماتٍ أقولُهنَّ في قنوتِ الوِترِ: "اللهم اهدِني فيمَن هدَيتَ، وعافِني فيمَن عافيتَ، وتَوَلَّني فيمَن تَوَلَّيْتَ، وبارِكْ لي فيما أعطيتَ، وَقِني شرَّ ما قضيتَ، فإنَّكَ تَقضي ولا يُقضَى عليكَ، إنه لا يَذِلُّ مَنْ والَيْتَ، ولا يَغِرُّ من عاديتَ، ولا يضل من هديت، تباركتَ ربنا وتعالَيْتَ".
"عن الحسن بن علي أنه قال: علَّمني رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كلماتٍ أقولهنَّ في قنوت الوتر: اللهم اهدني فيمَنْ هديتَ"؛ أي: اجعلني ممن هديتهم إلى الصراط المستقيم.
стр. 728
"وعافني فيمن عافيت"؛ أي: عافيتهم، من (المعافاة): التي هي دفع السوء.
"وتولَّني فيمن توليت"؛ أي: توليتهم؛ يعني: أحببتهم، من (تولى): إذا أحب أحدًا، أو ممَّن تقوم بحفظ أمورهم، من (تولَّى العمل): تقلَّده.
"وبارك لي فيما أعطيت"؛ أي: أوقع البركةَ فيما أعطيتني من خير الدارين.
"وقني شرَّ ما قضيت؛ فإنك تقضي ولا يقضى عليك، إنه لا يذلُّ من واليت": من (الموالاة): ضد المعاداة.
"تباركت ربنا"؛ أي: زدت في الخير، من (البركة): وهي النماء والزيادة.
"وتعاليت"؛ أي: ارتفعت عن مشابهة كلِّ شيء.
* * *
٩١١ - وعن أُبي بن كَعْبٍ قال: كانَ رسولُ الله ﷺ إذا سلَّم من الوترِ قال: "سُبحانَ المَلِكِ القُدُّوسِ" ثلاثَ مراتٍ يرفعُ في الثالثةِ صَوْتَه.
"وعن أُبي بن كعب ﵁ أنه قال: كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إذا سلَّم من الوتر قال: سبحان الملك القدوس"؛ أي: الطاهر.
"ثلاث مرات، يرفع في الثالثه صوته": يدل على أن الذكر برفع الصوت جائزٌ، بل مستحبٌّ إذا لم يكن عن الرياء؛ لإظهار الدين.
* * *
٩١٢ - وعن علي ﵁: أنَّ رسولَ الله ﷺ كانَ يقولُ في آخر وتْرِهِ: "اللهم إنِّي أَعوذُ برِضاكَ من سَخَطِكَ، وبُمعافاتِكَ من عقُوبَتِكَ، وأَعوذُ بكَ منكَ، لا أُحصي ثناءً عليكَ أنتَ كما أَثنيتَ على نفْسِك".
стр. 729
"وعن علي كرَّم الله وجهه: أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كان يقول في آخر وتره: اللهم إني أعوذ برضاكَ من سخطك، وبمعافاتك من عقوبتك، وأعوذ بك منك"؛ أي: برحمتك من عذابك.
"لا أحصي ثناءً عليك"؛ أي: لا أطيقه ولا أبلغه حصرًا وتعددًا.
"أنت كما أثنيت على نفسك": ومعنى الحديث: الاستغفار من التقصير في بلوغ الواجب من حقِّ عبادته والثناء عليه.
* * *
٣٥ - باب القُنوت
(باب القنوت)
وهو في الأصل: الطاعة، ثم سمي طول القيام في الصلاة قنوتًا، وهو المراد هنا.
مِنَ الصِّحَاحِ:
٩١٣ - عن أبي هريرة ﵁: أنَّ رسولَ الله ﷺ كانَ إذا أرادَ أن يدعوَ على أحدٍ، أو يدعوَ لأحدٍ قَنتَ بعدَ الركوعِ، فرُبَّما قال إذا قال: سمعَ الله لِمَن حَمِدَه، ربنا لك الحمدُ: "اللهم أَنْجْ الوليدَ بن الوليدِ، وسلمةَ بن هشامٍ، وعَيَّاشَ بن أبي ربيعةَ، اللهمَّ اشدُدْ وَطْأَتَكَ على مُضَرَ، واجعلْها سِنينَ كَسِنِيِّ يوسفَ" يجهرُ بذلك، وكانَ يقولُ في بعضِ صلاتِه: "اللهم العَنْ فلانًا وفلانًا" لأحياءٍ من العربِ حتى أنزلَ الله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ الآية.
"من الصحاح":
" عن أبي هريرة: أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كان إذا أراد أن
стр. 730
يدعوَ على أحد": وذلك طلبُ أن يلحقه ضررٌ.
"أو يدعو لأحد": وذلك طلبُ خيره.
"قنت بعد الركوع، فربما قال - إذا قال: سمع الله لمن حمده، ربنا لك الحمد -: اللهم أَنجْ الوليدَ بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة"؛ أي: خلِّصهم، وهم من أصحاب النبي ﷺ ، أخذهم الكفار، فدعا ﷺ لهم بالخلاص.
"اللهم اشددْ وطأتك"؛ أي: عذابك "على" كفار "مضر"، وخذهم أخذًا شديدًا.
"واجعلها"؛ أي: الوطأة.
"سنين": جمع سنة، وهو: القحط؛ أي: اجعل عذابك عليهم بأن تُسلِّط عليهم قحطًا عظيمًا سبع سنين أو أكثر.
"كسني يوسف"؛ أي: كما كان في زمن يوسف ﵇[التي] ذكرها الله تعالى بقوله: ﴿ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ﴾ [يوسف: ٤٨]؛ أي: سبع سنين فيها قحطٌ وجدبٌ.
"يجهر"؛ أي: يرفع صوته.
"بذلك"؛ أي: بالدعاء المذكور.
"وكان يقول في بعض صلاته: اللهم العنْ فلانًا فلانًا لأحياءَ من العرب": جمع حي؛ بمعنى: القبيلة.
"حتى أنزل الله: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ الآية": (أو) بمعنى: (إلى)؛ أي: اصبر على ما يصيبك إلى أن يتوب الله عليهم، أو يعذبهم، وليكون رضاك موافقًا لأمر الله وتقديره.
* * *
стр. 731
٩١٤ - وقال عاصم الأَحوَلُ: سألتُ أنسَ بن مالكٍ ﵁ عن القُنوتِ في الصلاةِ، كانَ قبلَ الركوعِ أو بعدَه؟، قال: قبلَه، إنما قنتَ رسولُ الله ﷺ بعدَ الركوعِ شهرًا، إنه كانَ بعثَ أُناسًا يقال لهم: القراءُ، سبعونَ رجلًا، فأُصيبوا، فقنتَ رسولُ الله ﷺ بعدَ الركوعِ شهرًا يَدعو عليهم.
"وقال عاصم الأحول: سألتُ أنسَ بن مالك عن القنوت في الصلاة كان قبل الركوع أو بعده؟ قال: قبله": أخذ بهذا أبو حنيفة.
"إنما قنت رسولُ الله صلى الله تعالى عليه وسلم بعد الركوع شهرًا، إنه كان بعث أناسًا": من أهل الصُّفة يتعلمون العلم والقرآن.
"يقال لهم: القراء" وهم "سبعون رجلًا"؛ يعني: بعثهم ﵊ إلى أهل نجد؛ ليدعوهم إلى الإسلام، ويقرؤوا عليهم القرآن، فلما نزلوا بئر معونة قصدهم عامر بن الطفيل في أحياء من بني سُليم، وهم: رِعْل وذكوان وعُصية، وقاتلوهم.
"فأُصيبوا"؛ أي: قُتلوا إلا كعب بن زيد الأنصاري فإنه تخلَّص وبه رمقٌ، فعاش حتى استشهد يوم الخندق، وهذه الوقعة كانت بعد الهجرة في أول السنة الرابعة.
"فقنت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بعد الركوع شهرًا يدعو عليهم"؛ أي: على قاتليهم.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٩١٥ - عن ابن عباس ﵄ قال: قنتَ رسولُ الله ﷺ شهرًا متتابعًا في الظُّهرِ والعصرِ والمغربِ والعِشاءَ، وصلاةِ الصُّبحِ، إذا قال: "سَمعَ الله لمن
стр. 732
حَمِدَه" من الركعةِ الأَخيرة يدعو على أحياءٍ من سُلَيْمٍ - على رِعْلٍ، وذَكوانَ، وعُصَيَّةَ - ويُؤَمِّنُ مَن خَلْفَهُ.
"من الحسان":
" قال ابن عباس: قنت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم شهرًا متتابعًا في الظهر والعصر والمغرب والعشاء وصلاة الصبح إذا قال: سمع الله لمن حمده من الركعة الأخيرة [في المتن: الآخرة]، يدعو على أحياء من بني سُليم؛ على رعلٍ وذكوان وعُصية، ويؤمِّن مَنْ خلفه": من المؤمنين، وهذا يدل على أن القنوت يسنُّ في جميع الصلوات إذا نزلت بالمسلمين نازلةٌ من قحط، أو غلبة عدوٍّ، أو غير ذلك.
* * *
٩١٦ - عن أنس ﵁: أنَّ النبيَّ ﷺ قنتَ شهرًا، ثم تَرَكَه.
"عن أنس ﵁: أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قنت شهرًا، ثم تركه": الأكثرون على أنه لا يُقنَتُ في الصلوات؛ لهذا الحديث والذي بعده.
وذهب الشافعي ومالك إلى أنه يقنت في الصبح، وأوَّل الحديثَ على ترك اللعن والدعاء على أولئك القبائل المذكورة، أو تركه في الصلوات الأربع؛ لما رُوي عن أنس ﵁ أنه قال: ما زال ﵊ يقنت في صلاة الصبح حتى فارقَ الدنيا، قلنا: معناه: طول القيام.
* * *
٩١٧ - وعن أبي مالكٍ الأَشجَعي قال: قلتُ لأَبي: إنك قد صلَّيتَ خلْفَ رسولِ الله ﷺ وأبي بكرٍ، وعمرَ، وعثمانَ، وعليِّ بن أبي طالبٍ ﵃ بالكوفةِ نحوًا من خمسِ سنينَ، أكانوا يَقنُتونَ؟، قال: أَيْ بنيَّ، مُحْدَثٌ.
стр. 733
"عن أبي مالك الأشجعي": اسمه سعد بن طارق بن أشيم.
"أنه قال: قلت لأبي: إنك قد صليت خلفَ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وأبي بكر وعمر وعثمان وعلي ﵃ هاهنا بالكوفة": هما ظرفان متعلقان بقوله: (وعلي)؛ لأنه بالكوفة وحده، تقديره: وصليت خلف علي بالكوفة.
"نحوًا"؛ أي: قدرًا "من خمس سنين، أكانوا يقنتون؟ قال: أيْ بنيَّ مُحدَث": بفتح الدال؛ أي: هذا شيء أحدثه التابعون، ولم يقرَّهُ، ﵊ وأصحابه.
* * *
٣٦ - باب قِيَام شَهْر رمَضان
(باب قام شهر رمضان)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٩١٨ - قال زَيد بن ثابت ﵁: إنَّ رسولَ الله ﷺ اتَّخذَ حُجْرةً في المسجدِ من حَصيرٍ، فصلَّى فيها لياليَ حتى اجتمعَ إليه ناسٌ، ثم فَقَدوا صوتَه ليلةً، وظنُّوا أنه قد نامَ، فجعلَ بعضُهم يَتَنَحْنَحُ لِيَخْرُجَ إليهم، فقال: "ما زالَ بكم الذي رأَيتُ من صَنيعِكم حتى خشيتُ أن يُكتَبَ عليكم، ولو كُتِبَ عليكم ما قُمْتُمْ بهِ، فَصَلُّوا أيُّها الناسُ في بيوتكم، فإنَّ أفضلَ صلاةَ المَرْءِ في بيتِه إلا الصلاةَ المكتوبةَ".
"من الصحاح":
" قال زيد بن ثابت: إن النبي - عليه الصلاة ولسلام - اتخذ حجرة في
стр. 734
المسجد من حَصير"؛ لصلاته تطوعًا.
"فصلى فيها"؛ أي: في تلك الحجرة.
"ليالي"، فكان يخرج ﵊ منها، ويصلي بالجماعة في الفرائض والتراويح.
"حتى اجتمع إليه ناسٌ": وكثر.
"ثم فقدوا صوتَهُ ليلةً": بأن دخل الحجرة بعدما صلَّى بهم الفريضة، ولم يخرج إليهم بعد ساعة للتراويح على عادته.
"وظنوا أنه قد نام، فجعل بعضهم يتنحنحُ؛ ليخرج، فخرج إليهم، فقال: ما زال بكم الذي رأيتُ من صنيعكم"؛ لشدة حرصكم في إقامتها بالجماعة.
"حتى خشيتُ أن يُكتب عليكم": لو واطبتُ على إقامتها.
"ولو كتب عليكم ما قمتم به"؛ أي: لم تقوموا به، وفيه بيان رأفته ﵊ لأمته.
"فصلوا أيها الناس في بيوتكم؛ فإن أفضل صلاة المرء في بيته": وهذا عامٌّ لجميع النوافل والسنن، إلا النوافل التي من شعائر الإسلام كالعيد والكسوف والاستسقاء.
"إلا الصلاة المكتوبة"؛ أي: المفروضة؛ فإنها في المسجد أفضل، وهذا يدلُّ على سُنيَّةِ الجماعة بصلاة التراويح، وعلى سُنيةِ الانفراد بها، والأصح: أن الجماعة فيها في عصرنا أفضل؛ لغلبة الكسل على الناس.
* * *
٩١٩ - قال أبو هريرة ﵁: كانَ رسول الله ﷺ يُرَغِّبُ في قيامِ رمضانَ من
стр. 735
غيرِ أن يأمُرَهم فيه بعَزيمةٍ، فيقول: "مَن قامَ رمضانَ إيمانًا واحتسابًا غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ من ذنبهِ"، فتُوفيَ رسولُ الله ﷺ والأمرُ على ذلك، ثم كانَ الأمرُ على ذلكَ في خلافةِ أبي بكرٍ ﵁، وصدرًا من خلافةِ عُمر ﵁.
"وقال أبو هريرة ﵁: كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يرغِّبُ"؛ أي: يظهر رغبتهم "في قيام رمضان"؛ أي: في التراويح.
"من غير أن يأمرَهم فيه بعزيمة"؛ أي: بعزم وبت.
"فيقول: مَن قام رمضانَ"؛ أي: أحيا لياليه بالعبادة، أو معناه: أَدَّى التراويح فيها.
"إيمانًا"؛ أي: تصديقًا لثوابه.
"واحتسابًا"؛ أي: إخلاصًا، ونصبُهما إما على حال، أو على مفعول له.
"غُفِرَ له ما تقدَّم من ذنبه، فتوفِّي رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم والأمرُ على ذلك"؛ أي: على قيام تراويح رمضان مُنفرِدِين.
"ثم كان الأمرُ على ذلك في خلافة أبي بكر وصَدْرًا من خلافة عمر"؛ أي: في أول خلافته. وصَدْرُ الشيء: أوله، ثم خرج عمر ليلةً من خلافته في رمضان، فرأى الناسَ يصلُّون في المسجد فُرَادى صلاةً غيرَ صلاة الفريضة، فأمر أبيَّ بن كعب وتميمًا الدَّارِيَّ ليصلِّيا بالناس الإمامةَ صلاة التراويح.
* * *
٩٢٠ - وقال رسول الله ﷺ : "إذا قضَى أَحدُكم الصَّلاةَ في مَسجده فليجعَل لبيته نصَيبًا من صلاته، فإنَّ الله جاعلٌ في بيته من صلاته خَيْرًا".
"وعن جابر ﵁ أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إذا قضى أحدُكم الصلاةَ في مسجده فليجعل لبيته نصيبًا من صلاته"؛ أي: يصلي
стр. 736
النوافلَ والسُّنَنَ فيه.
"فإنَّ الله جاعلٌ في بيته مِن صلاته خيرًا"؛ أي: جاعل خيرًا من صلاته في بيته؛ أي: يجعلُ البركة والرحمة فيه.
* * *
مِنَ الحِسَان:
٩٢١ - قال أبو ذَرٍّ ﵁: صُمْنا مَعَ رسولِ الله ﷺ ، فلم يَقُمْ بنا شيئًا من الشهرِ حتى بقيَ سبعٌ، فقامَ بنا حتى ذهبَ ثلثُ الليلِ، فلمَّا كانت السادسةُ لم يَقُمْ بنا، فلمَّا كانت الخامسةُ قام بنا حتى ذهبَ شَطْرُ الليلِ، فقلتُ: يا رسولَ الله لو نفَّلْتَنا قيامَ هذهِ الليلةِ، فقال: "إن الرجلَ إذا صلى معَ الإِمام حتى ينصرفَ؛ حُسِبَ له قيامُ ليلةٍ"، فلمَّا كانت الرابعةُ لم يَقُمْ حتى بقيَ ثلاثٌ، فلمَّا كانت الثالثةُ جمعَ أهلَهُ ونساءَهُ والناسَ، فقامَ بنا حتى خَشِينا أن يفوتَنا الفلاحُ - يعني السُّحور - ثم لم يقمْ بنا بقيةَ الشهرِ.
"من الحسان":
" قال أبو ذَر: صُمْنا مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فلم يَقُمْ بنا شيئًا من الشهر"؛ أي: لم يصلِّ بنا غير الفريضة، وكان إذا صلى الفريضة دخلَ حُجْرتَه.
"حتى بقي سبعٌ"؛ أي: سبعُ ليال من رمضان.
"فقام بنا"؛ أي: كان معنا.
"حتى ذهب ثلثُ الليل"، فيصلي ويذكرُ الله ويقرأُ القرآن.
"فلمَّا كانت السادسةُ"؛ أي: الليلة السادسة.
"لم يقم بنا، فلمَّا كانت الخامسةُ قام بنا حتى ذهب شطر الليل"؛ أي: نصفه.
стр. 737
"فقلت: يا رسول الله! لو نفَّلْتنَا قيامَ هذه الليلة"، "لو": للتمني، والنفل الزيادة؛ أي: إنا نتمنى أن تجعل قيامَ بقية الليل زيادةً لنا على قيام الشطر أو للشرط؛ أي: لو زدت على نصف الليل لكان خيرًا لنا.
"فقال: إن الرجلَ إذا صلى مع الإمام"؛ يعني الفريضة.
"حتى ينصرفَ": الإمام من المسجد.
"حُسِبَ له قيامُ ليلة"؛ أي: يحصل له ثوابُ قيام ليلة تامة.
"فلمَّا كانت الرابعة لم يَقُمْ بنا حتى بقيَ ثلث الليل، فلمَّا كانت الثالثة جمع أهلَه ونساءه والناسَ، فقام بنا حتى خَشِينا أن يفوتَنا الفلاحُ"؛ أي: البقاء؛ يعني: السَّحُور، قيل: هو مِن قول أبي ذر، وقيل مِن متن الحديث سُمي ما يؤكَل فيه فلاحًا لكونه سببًا لبقاء قوة الصائم.
"ثم لم يقُمْ بنا بقيةَ الشهر"، وهذه الصلاة التي صلاها النبي ﵊ في أوتار العشر الأخير بالجماعة لم نعلم: أهي صلاةُ التراويح، أم التهجُّد الواجب عليه، أم الوتر أم صلاة القَدْر؟
* * *
٩٢٢ - وعن عائشة ﵂، عن النبيِّ ﷺ قال: "إنَّ الله تعالى ينزلُ ليلةَ النصفِ من شعبانَ إلى السماءَ الدُّنيا، فيغفرُ لأكثرِ من عددِ شعْرِ غَنَمِ كَلْبٍ"، ضعيف.
"وعن عائشة ﵂ عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أنه قال: إن الله تعالى ينزل ليلةَ النصف من شعبان"، وهي ليلة البراءة.
"إلى السماء الدنيا، فيغفِرُ لأكثر من عدد شعرِ غَنَمِ كلب"، خص قبيلة
стр. 738
كَلْب لأنهم أكثرُ نَفَرًا وأكثرُ غَنَمًا من سائر القبائل.
"ضعيف".
* * *
٩٢٣ - عن زيد بن ثابت ﵁: أن النبيَّ ﷺ قال: "صلاةُ المرءِ في بيتِهِ أفضلُ من صلاتِهِ في مسجدي هذا إلا المَكتوبة".
"عن زيد بن ثابت: أن النبي ﵊ قال: صلاةُ المرء في بيته"؛ أي: صلاة النافلة فيه.
"أفضلُ من صلاته في مسجدي هذا"؛ يعني مسجد المدينة، مع أن صلاةً في مسجد المدينة أفضلُ من ألف صلاة في سائر المساجد غيرِ المسجد الحرام.
"إلا المكتوبةَ"؛ أي: الفريضة.
٣٧ - باب صلاة الضُّحى
(باب صلاة الضحى)
مِنَ الصِّحَاحِ:
٩٢٤ - عن أم هانئٍ ﵂ أنها قالت: إنَّ رسول الله ﷺ دخلَ بيتَها يومَ فتحِ مكةَ، فاغتسلَ وصلى ثمانيَ ركعاتٍ، فلم أَرَ صلاةً قَطُّ أَخَفَّ منها، غيرَ أنه يُتِمُّ الركوعَ والسجودَ، وذاكَ ضحًى.
"من الصحاح":
" عن أم هانئ": أختِ عليٍّ، بنت عم النبي ﵊، قيل:
стр. 739
إنها زوجته ﷺ .
"قالت: إن النبي ﵊ دخل بيتَها يوم فتح مكة، فاغتسلَ وصلَّى ثمانيَ ركعات، فلم أر [هـ يصلي] صلاةً قطُّ أخفَّ منها"، وذلك بترك قراءة السورة الطويلة والأذكار الكثيرة.
"غير أنه يتمُّ الركوع والسجود وذلك ضحى"؛ أي: ما فعله ﵊ هو صلاة ضحًى، أو ذلك الوقت وقتُ ضحى.
* * *
٩٢٥ - وقالت مُعاذَةُ: سألتُ عائشةَ ﵂، كم كانَ رسولُ الله ﷺ يصلي صلاة الضُّحى؟، قالت: أربع ركعاتٍ، ويزيدُ ما شاءَ الله.
"وقالت معاذة: سألت عائشةَ ﵂: كم كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يصلي صلاة الضحى؟ قالت: أربع ركعات"، لا ينقص ضحى عن أربع.
"ويزيد": عليها "ما شاء": من غير حصر، لكنه لم يُنقل أكثرُ من اثنتي عشرة ركعة.
* * *
٩٢٦ - وقال رسول الله ﷺ : "يُصبحُ على كلِّ سُلامَى من أحدِكم صدقةٌ، فكلُّ تسبيحةٍ صدقةٌ، وكل تَحميدةٍ صدقةٌ، وكل تهليلةٍ صدقةٌ، وكل تكبيرةٍ صدقةٌ، وأمرٌ بالمعروفِ صدقةٌ، ونهيٌ عن المُنكرِ صدقةٌ، ويُجزئُ من ذلكَ ركعتانِ يركعُهما من الضُّحى".
"عن أبي ذَر أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: يُصبح
стр. 740
على كل سُلَامى من أحدكم صدقةٌ"، جمع سَلِيمة: مَفْصِل كل عظم؛ أي: على كل عظم من عظام بني آدم صدقةٌ شكرًا لله على أن جعل له ما يكون به متمكِّنًا على الحركات التامة، وليس الصدقة بالمال فقط، بل كلُّ خيرٍ صدقة.
وقيل: المراد بالصدقة الشكرُ، والقيامُ بحقوق النَّعَم.
"فكلُّ تسبيحةٍ صدقةٌ"، (الفاء) فيه للتفصيل.
"وكلُّ تحميدةٍ صدقة، وكلُّ تهليلةٍ صدقة، وكلُّ تكبيرةٍ صدقة، وأمرٌ بالمعروف صدقة، ونهىٌ عن المنكر صدقة، ويجزئ من ذلك"؛ أي: يكفي مما وجب للسلامى من الصدقات.
"ركعتان يركَعُهما من الضحى"؛ لأن الصلاة عملٌ بجميع أعضاء البدن، فيقوِّم كل عضو بالشُّكْر.
* * *
٩٢٧ - وقال: "صلاةُ الأوَابينَ تَرْمَضُ الفِصَال".
"وعن زيد بن أرقم أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: صلاة الأَوَّابين"، الأوَّاب كثير الرجوع إلى الله تعالى بالتوبة، من الأَوْب وهو الرجوع، وقيل: هو المُطِيع، وقيل: هو المسبح.
"حين ترمَضُ الفِصَال"، جمع الفَصيل: ولد الناقة إذا فُصِلَ عن أمه.
والرَّمَضُ: شدة وقعِ حَرِّ الشمس على الرمل وغيره؛ أي: حين يجدُ الفَصِيلُ حرَّ الشمس فيبرك من شدة الحر وإحراقِها أخفافَها، فذلك الحين حين صلاة الضحى، وإنما أضافَها إلى الأَوَّابين لميلِ النفس فيه إلى الدَّعة والاستراحة، فالاشتغال فيه بالصلاة أوبٌ من مرادات النفس إلى مرضاة الرب.