١٢٥١ - وقال: "مَن استعمَلْنَاهُ منكم على عمَلٍ، فَكَتَمَنا مَخِيطاً فما فوقَه؛ كانَ غُلُولاً يأتي به يومَ القيامةِ".
"عن عدي بن عمير أنه قال: قال رسول الله ﷺ : من استعملناه منكم"؛ أي: جعلناه عاملاً على عمل.
"فكتمنا"؛ أي أخفى عنا.
"مِخيطًا" بكسر الميم: الإبرة.
"فما فوقه"؛ أي: شيئاً فوق الإبرة في الصغر.
"كان" ذلك الكتمانُ "غُلولاً"؛ أي خيانة.
"يأتي به"؛ أي: بما غلَّ.
"يوم القيامة": تفضيحاً له، وتعذيباً عليه، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [آل عمران: ١٦١].
وفي الحديث: تحريضٌ للعمال، على الأمانة وتحذير من الخيانة وإن كانت في شيء قليل.
مِنَ الحِسَان:
١٢٥٢ - عن ابن عباس أنه قال: لمَّا نزلتْ هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبة: ٣٤] كَبُرَ ذلكَ على المسلمين فقالوا: يا نبيَّ الله، إنه كَبُرَ على أصحابكَ هذه الآية، فقال: "إنَّه ما فرضَ الزكاةَ إلا ليُطَيِّبَ ما بقيَ من أموالِكم"، فكبَّر عمرُ، ثم قال: "أنه أُخبرُكم بخيرِ ما يَكْنِزُ المرءُ؟ المرأةُ الصالحةُ، إذا نظرَ إليها تَسُرُّه، وإذا أمرَها أطاعَتْهُ، وإذا غَابَ عنها حَفِظَتْهُ".
стр. 947
"من الحسان":
" عن ابن عباس أنه قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبة: ٣٤] كبُر": بضم الباء؛ أي: شق وعظم.
"ذلك على المسلمين"؛ لأنهم حسبوا أنها تمنع جمع المال وضبطه؛ قل أو كثر.
"فقالوا: يا نبي الله! إنه كبر على أصحابك هذه الآية"، فأشار ﵊ إلى أن المراد بالكنز: الامتناع عن أداء الواجب، لا الجمع والضبط مطلقاً.
"فقال: إنه ما فرض الزكاة إلا ليطيب"؛ أي: ليطهرَ "ما بقي من أموالكم"؛ فإن من أدى ما وجب عليه من الزكاة فلا حرجَ في اقتناء ما بقي منها.
"فَكَبَّر": بفتحات وتشديد الباء؛ أي: استبشر "عمر" برفع الإشكال وعدم الحرج المظنون في اقتناء الأموال إذا زكت؛ إذ الطباعُ رُكِز فيها حبُّ اقتنائها.
وقال عمر: ما أُدِّي زكاته فليس بكنز وإن كان تحت سبع أرضين، وما لم يؤدَّ زكاته فهو الذي ذكر الله وإن كان على وجه الأرض.
"ثم قال"؛ أي: النبي ﵊ لما رأى استبشارهم بذلك: "ألا أخبركم بخير ما يكنز المرء؟ المرأة الصالحة" فإنها خير ما يدخره الرجل؛ لأن النفع فيها أكثر؛ لأنه "إذا نظر إليها سرته"؛ لحسنها وجمالها، ويحصل له منها تلذذ وكسر الشهوة ودفع الزنا، قال النبي ﵊: "من تزوج فقد حصّن ثلثي دينه".
"وإذا أمرها" بأمر "أطاعته"، وخدمته.
"وإذا غاب عنها حفظته"؛ أي: حفظت حقَّ زوجها من بُضعها، وإنعامه عليها، وكذا بيت زوجها وماله وأولاده، فهذه منافع كثيره ديناً ودنيا لا تحصل
стр. 948
من كنز غيرها، ولكن مثل هذه قليلة في زماننا.
١٢٥٣ - وقال: "سَيأتيكُم ركبٌ مُبَغَّضونَ، فإذا جاؤوكم فرحِّبوا بهم، فَخلُّوا بينَهم وبينَ ما يَبتغُون! فإنْ عَدَلُوا فلأِنفُسِهِم، وإنْ ظَلَمُوا فعليها، فأرضُوهم، فإنَّ تَمامَ زكاتِكم رِضاهُم، ولْيَدعوا لكُم".
وفي روايةٍ: "أَرضُوا مُصَدِّقيكم"، قالوا: وإنْ ظلَمُونا يا رسولَ الله؟، قال: "أرضوا مصَدِّقيكم وإنْ ظُلِمتُم".
"عن جابر بن عَتيكٍ ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﵊: سيأتيكم ركب": جمع راكب.
"مُبغَّضون": بفتح الغين المثقلة، المراد بهم: عمَّال الزكاة وسعاتها، سماهم بذلك لما في النفس من حبِّ المال وكراهة مفارقته، فهم مبغضون طبعاً لا شرعاً إن عدلوا، وإلا فمبغضون طبعاً وشرعاً.
والمراد به: أن بعض العمال قد يكونون سيئي الخلق متكبرين، فأمرهم ﷺ بالصبر على سوء خلقهم، وبالترحيب بهم (١) وتعظيمهم بقوله: "فإذا جاؤكم فرحبوا بهم"؛ أي: قولوا لهم: مرحباً وأهلاً.
"وخلُّوا بينهم وبين ما يبتغون"؛ أي: يطلبون، يعني: لا تمنعوهم وإن ظلموكم؛ لأن مخالفتهم مخالفة السلطان.
"فإن عدلوا": في أخذ الزكاة، "فلأنفسهم"؛ أي: فلهم الثواب.
"وإن ظلموا": بأن أخذوا الزكاة أكثر مما وجب عَليكم، "فعليها"؛ أي:
стр. 949
فعلى أنفسهم إثمُ ذلك الظلم، ولكم الثواب بتحمل ظلمهم.
"فأرضوهم؛ فإنَّ تمامَ زكاتكم رضاهم، ولْيَدعُوا"؛ أي السعاة لكم بالخير عند إرضائكم بإيفاء الزكاة.
"وفي رواية: أرضوا مصدقيكم، قالوا: يا رسول الله! وإن ظلمونا؟ قال: أرضوا مصدقيكم وإن ظُلِمتم".
١٢٥٤ - وقال بشيرُ بن الخَصَاصِية: قُلنا: إنَّ أهلَ الصدقةِ يعتدونَ علينا، أفنَكْتُم مِن أموالِنا بقدرِ ما يعتَدون علينا؟، فقال: "لا".
"وقال بشير بن الخَصَاصيّة": وهي أم بشير، منسوبة إلى خصاصة: حي من الأزد.
"قلنا للنبي ﵊: إن أهل الصدقة يعتدون علينا"؛ أي: يجاوزون الحد؛ يعني: يأخذون أكثر مما يجب علينا.
"أفنكتم من أموالنا بقدر ما يعتدون علينا، فقال: لا": وإنما لم يرخِّص لهم في ذلك؛ لأن كتمان بعض المال خيانة ومكر، ولأنه لو رخَّص لربما كتم بعضهم على عامل غير ظالم.
١٢٥٥ - وقال رسول الله ﷺ : "العاملُ على الصدقةِ بالحقِّ، كالغازي في سبيلِ الله حتى يرجعَ إلى بيتِهِ".
"عن رافع بن خَديج أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: العاملُ على الصدقة بالحق"؛ أي: العامل الذي لم يظلمُ أربابَ الأموال ولا يخون.
стр. 950
"كالغازي في سبيل الله": في الثواب، "حتى يرجعَ إلى بيته".
١٢٥٦ - وقال: "لا جَلَبَ، ولا جَنَب، ولا تُؤخَذ صدقاتُهم إلا في دُورِهم".
"وعن عبد الله بن عمر ﵁ أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: لا جَلَب": (الجَلَب): نزول العامل موضعاً بعيداً من أرباب الأموال، ويأمرهم أن يجمعوا مواشيهم عنده؛ ليأخذ زكاتهم، نُهي عن ذلك؛ لما فيه من المشقة عليه.
"ولا جَنَب": (الجَنَب): التباعد، نُهي أرباب الأموال أن يبعدوا من مواضعهم المعهودة بحيث تكون مشقة على العامل في إتيانهم.
"ولا تؤخذ صدقاتهم إلا في دورهم"؛ أي: في منازلهم.
١٢٥٧ - وعن ابن عمر: أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "مَن استفادَ مالاً فلا زكاةَ فيهِ حتى يَحولَ عليهِ الحَولُ"، والوقْف على ابن عمرَ أَصحُّ.
"وعن ابن عمر، عن النبي ﵊ أنه قال: من استفاد مالاً فلا زكاةَ فيه حتى يحول عليه الحول"؛ يعني: من وجد مالاً وعنده نصابٌ من ذلك الجنس، مثل أن يكون له ثمانون شاة، ومضى عليها ستة أشهر، ثم حصل له واحد وأربعون شاة بالشّراء أو بالإرث أو غير ذلك، لا تجب عليه للأحد والأربعين حتى يتمَّ حولها من وقت الشراء أو الإرث؛ لأن المستفادَ لا يكون تبعاً للمال الموجود في ملكه، وبه قال الشافعي وأحمد.
стр. 951
وعند أبي حنيفة ومالك: يكون المستفاد تبعاً له، فإذا لمَّ حول الثمانين، وجب الشاتان، كما أن النتاج تبعٌ للأمهات.
"والوقف على ابن عمر أصح"؛ يعني: أن بعضهم يرويه عن ابن عمر، ولا يقول ابن عمر: قال رسول الله ﷺ ، وهذا أصح.
١٢٥٨ - وعن عليٍّ ﵁ قال: سألَ العبَّاسُ رسولَ الله ﷺ في تعجيلِ صدَقتِه قبلَ أن تَحِلَّ، فرخَّصَ له في ذلك.
"عن علي ﵁ أنه قال: سأل العباسُ رسولَ الله صلى الله تعالى عليه وسلم في تعجيل صدقته قبل أن تحل"؛ أي: يصير حالاً بمضي الحول.
"فرخَّص له في ذلك": وهذا يدل على جواز تعجيل الصدقة بعد النصاب قبل تمام الحول.
١٢٥٩ - عن عمرو بن شُعَيب، عن أبيه، عن جدِّه، عن النبي ﷺ قال: "مَنْ وَلِيَ يتيماً له مالٌ فَلْيتَّجر فيهِ، ولا يَتركْه حتى تأكلَه الصَّدَقَة"، ضعيف.
"وعن عمرو بن شُعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي ﵊ أنه قال: من وَلِي" بفتح الواو وكسر اللام "يتيماً له مالٌ فليتَّجر فيه، ولا يتركه حتى تأكله الصدقةُ"؛ أي: يأخذ الزكاة منها، فينقص شيئاً فشيئاً، وهذا يدل عليه وجوب الزكاة في مال الصبي، وبه قال الشافعي ومالك وأحمد، وعند أبي حنيفة: لا زكاة فيه.
"ضعيف": قيل: ضعفه من جهة أنه يرويه ابن الصبَّاح، عن عمرو بن
стр. 952
شُعيب، وابن الصباح ضعيف في هذا الباب.
٢ - باب ما يجب فيه الزكاةُ
(باب ما تجب فيه الزكاة)
مِنَ الصِّحَاحِ:
١٢٦٠ - قال رسول الله ﷺ : "ليسَ فيما دونَ خمسةِ أوسُقٍ من التمرِ صدَقة، وليسَ فيما دونَ خمسِ أَوَاقٍ من الوَرِق صدَقة، وليسَ فيما دونَ خمسٍ ذَوْدٍ من الإبلِ صدقةٌ".
"من الصحاح":
" عن أبي سعيد الخُدري أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: ليس فيما دون خمسة أَوْسُقٍ": جمع وسق، وهو: ستون صاعاً بصاع النبي ﷺ ، وهو أربعة أمداد، كل مُا رطل وثُلُث بالبغدادي عند أبي يوسف والشافعي، والرطل مئة وثلاثون درهماً، وعند أبي حنيفة: كل مد رطلان.
"من التمر صدقة": وفيه حجة لأبي يوسف ومحمد في عدم وجوب العشر حتى يبلغ خمسة أوسق، وأوَّله أبو حنيفة بأن المراد منه: زكاة التجارة؛ لأن الناس كانوا يتبايعون بالأوساق، وقيمة الوسق أربعون درهماً.
"وليس فيما دون خمسة أواق": جمع أوقية، وهي في الشرع: أربعون درهما، وهي أوقية الحجاز وأهل مكة.
"من الوَرِق" بكسر الراء: الفضة مضروبة كانت أو غيرها.
стр. 953
"صدقة، وليس فيما دون خمس ذَوْدٍ من الإبل صدقة": الذود من الإبل: ما بين الثنتين إلى التسع، وقيل: ما بين الثلاث إلى العشر؛ أي: ليس فيها صدقة حتى تبلغ خمسة رؤوس.
١٢٦١ - وقال: "ليسَ على المُسلِم صَدَقة في عبْدِه ولا فَرَسِه".
"وعن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: ليس على المسلم صدقة في عبده، ولا في فرسه": وهذا حجة لأبي يوسف ومحمد ﵏ في عدم وجوب الزكاة في الفرس وللشافعي في عدم وجوبها في العبد والخيل مطلقاً في قوله القديم.
وذهب أبو حنيفة إلى وجوبها في الفرس، وفي العبد إذا لم يكن للخدمة، وحمل العبدَ في الحديث على العبد للخدمة، والفرس على فرس الغازي.
١٢٦٢ - وقال: "ليسَ في العبدِ صدقةٌ إلا صدَقةٌ الفِطْرِ".
"وعنه أيضاً: أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: ليس في العبد صدقة إلا صدقة الفطر".
* * *
١٢٦٣ - عن أنس: أنَّ أبا بكرٍ ﵁ كتبَ له هذا الكتابَ لَمَّا وجّهه إلى البَحْرينِ: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هذه فريضةُ الصَّدَقةِ التي فَرَضَ رسولُ الله ﷺ على المُسلمين، والتي أَمرَ الله بها رسولَه، فمَنْ سُئلَها من المُسلمين على وَجْهِها فليُعْطِها، ومَنْ سُئلَ فوقَها فلا يُعطِ: في أربع وعشرينَ من الإبلِ فما
стр. 954
دونَها من الغنم في كل خمسٍ شاة، فإذا بلغَتْ خمساً وعشرين إلى خمسٍ وثلاثينَ ففيها بنتُ مخَاضٍ أُنثى، فإذا بلغتْ سِتًّا وثلاثين إلى خمسٍ وأَربعين ففيها بنتُ لبونٍ أُنثى، فإذا بلغَت سِتاً وأَربعين إلى ستين ففيها حِقَّة طَرُوقةُ الجمَلِ، فإذا بلغتْ واحدة وستين إلى خمسٍ وسبعينَ ففيها جَذَعَة، فإذا بلغتْ ستاً وسبْعين إلى تِسْعين ففيها بنتا لبونٍ، فإذا بلغتْ إحدى وتسعين إلى عِشْرين ومائةٍ ففيها حِقَّتان طَرُوقتا الجمَلِ، فإذا زادتْ على عشرين ومائةٍ ففي كلِّ أربعين بنتُ لَبُونٍ، وفي كل خمسين حِقَّة، ومن لم يكن معه إلا أربعٌ مِنَ الإبلِ فليسَ فيها صدقة إلا أنْ يشاء ربِّها، فإذا بلغت خمساً ففيها شاةٌ، ومن بلغت عندَه من الإبل صدقةُ الجَذَعَةِ وليست عندَه جذَعَةٌ وعنده حِقَّة فإنها تُقبَلُ منه الحِقَّةُ، ويَجعلُ معها شاتين إنْ استَيْسَرَتَا، له أو عشرين درهماً، ومَن بلغتْ عندَه صدقةُ الحِقَّةِ ليست عندَه الحِقَّة، وعندَه الجَذَعَهُ، فإنها تُقبَل منه الجَذَعَةُ ويُعطيهِ المُصَدِّقُ عشرين دِرهماً أو شاتَيْنِ، ومَنْ بَلَغَتْ عِنْدِهُ صَدَقَةُ الحِقَّةِ وليستْ عندَه إلا بنت لَبُونٍ فإنها تُقبل منه بنتُ لبونٍ، ويُعطي معها شاتين أو عشرينَ درهماً، ومَن بلغت صدَقته بنتَ لَبُون وعِندَهُ حِقَّةً فإنَّها تقْبَلُ مِنهُ الحقَّة، ويُعْطيهِ المُصَدِّقُ عشرينَ درهما أو شاتَيْنِ، ومَنْ بَلَغَت صَدَقته بنتَ لَبُون وليستْ عندَه وعندَه بنتُ مَخَاضٍ فإنها تُقبلُ منه بنت مخاضٍ، ويُعطي معها شاتين أو عشرينَ درهماً، ومَنْ بلغت صدقته بنتَ مَخَاضٍ وليست عندَه، وعندَه بنتُ لَبُون فإنها تُقبلُ منه، ويعطيه المُصَدِّق عشرينَ درهماً أو شاتينِ، فإنْ لم يكنْ عنده بنتُ مَخَاضٍ على وجهِها، وعندَه ابن لبون فإنه يُقبلُ منه، وليسَ معَه شيء، وفي صدقةِ الغنَم في سائِمَتِها إذا كانت أربعينَ إلى ومائةٍ وعشرين شاةٌ، فإذا زادَت على عشرينَ ومائةٍ إلى مائتينِ ففيها شاتانِ، فإذا زادَت على مائتين إلى ثلاثمائةٍ ففيها ثلاثُ شياهٍ، فإذا زادَت على ثلاثمائة ففي كل مائةٍ شاةٌ، فإذا كانت سائمةُ الرجل ناقصةً من أربعينَ شاةً واحدةٌ فليسَ فيها صدقةٌ إلا أنْ يشاءَ
стр. 955
ربِّها، ولا تُخرَج في الصدقةِ هرِمَةٌ، ولا ذاتُ عَوَارٍ، ولا تَيْسٌ إلا ما شاءَ المُصَدِّق، ولا يُجْمَعُ بينَ مُتَفَرِّقٍ، ولا يُفَرَّقُ بين مُجتَمعٍ خشيةَ الصدقةِ، وما كانَ من خَليطينِ فإنهما يتراجَعَانِ بينَهما بالسَّوَّيةِ، وفي الرِّقَةِ ربعُ العُشرِ، فإنْ لم تكنْ إلا تسعينَ ومائة فليسَ فيها شيء إلا أنْ يشاءَ ربُّها.
"عن أنس: أن أبا بكر ﵁ كتب له"؛ أي: لأنس.
"هذا الكتاب لما وجَّهه إلى البحرين: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم"؛ أي: فرضها وأوجبها بأمر الله تعالى.
"على المسلمين، والتي أمر الله بها"؛ أي: بالصدقة.
"رسولَهُ، فمن سُئلها من المسلمين على وجهها"؛ أي: على حسب ما بيَّن ﷺ من تعيين مقاديرها.
"فليعطها، ومن سُئِل فوقها"؛ أي: فوق حقها.
"فلا يعطِ"؛ أي: الزيادة، أو لا يعطِ شيئًا إلى الساعي، بل إلى الفقراء، لأنه بذلك يصير خائناً فتسقط طاعته.
وهذا يدل على أن المصدق إذا أراد أن يظلم المزكي فله أن يأباه، ولا يتحرَّى رضاه.
فإن قلت: هذا مخالف حديث جرير: "أرضوا مصدقيكم، وإن ظلمتم".
قلت: أولئك المصدقين من الصحابة، وهم لم يكونوا ظالمين، وكأن نسبة الظلم إليهم على زعم المزكي، وهذا عام، فلا منافاةَ بينهما.
"في أربع": خبر مبتدأ محذوف؛ أي: الواجب او المفروض أو المعطى في أربع "وعشرين من الإبل": تمييز لقوله: (أربع وعشرين).
стр. 956
"فما دونها من الغنم": بيان اللام في (الواجب)؛ لأنه بمعنى: الذي.
"عن كل خمس شاة"؛ أي: الواجب من الغنم في أربع وعشرين إبلاً عن كل خمس إبل شاة.
"فإذا بلغت خمساً وعشرين إلى خمس وثلاثين، ففيها بنت مخاض أنثى": وهي التي لها سنة واحدة، سميت بذلك؛ لأن أمها صارت مخاضاً بأخرى؛ أي: حاملاً، وإنما قيَّده بالأنثى؛ لأن (البنيت) في غير الآدمي قد يقال، ويراد به الجنس، لا الأنثى خاصة، فقيده به دفعاً لهذا التوهم.
"فإذا بلغت ستًا وثلاثين إلى خمس وأربعين، ففيها بنت لبون أنثى": وهي التي لها سنتان سميت بذلك؛ لأن أمها لبون بولادة أخرى.
"فإذا بلغت ستاً وأربعين إلى ستين، فنفيها حِقَّة": وهي التي لها ثلاث سنين، سميت بها؛ لأنها استحقت الركوب والتحميل عليها.
"طَروقة الجمل": بفتح الطاء، فعولة بمعنى: مفعولة: وهي من الإبل أنثى بلغت أن يضربها الفحل.
"فإذا بلغت واحدة وستين إلى خمس وسبعين؛ ففيها جذعة": وهي التي لها أربع سنين سميت بها؛ لأنها سقطت أسنانها، والجذع: السقوط.
"فإذا بلغت ستاً وسبعين إلى تسعين، ففيها بنتا لبون، فإذا بلغت إحدى وتسعين إلى عشرين ومئة، ففيها حقتان طروقتا الجمل، فإذا زادت على مئة وعشرين، ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حِقة": والحديث يدل على أنه لا شيء في الأوقاص، وهي: ما بين الفريضتين، وعلى أن الإبل إذا زادت على مئة وعشرين ألا تستأنف الفريضة.
"ومن لم يكن معه إلا أربع من الإبل، فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها"؛ أي: مالكها.
стр. 957
"فإذا بلغت خمساً ففيها شاة، ومن بلغت عنده من الإبل صدقة الجذعة، وليست عنده جذعة، وعنده حقة، فإنها تُقبَل منه الحِقَّة، ويجعل معها شاتين إن استيسرتا له، أو عشرين درهماً، ومن بلغت عنده صدقة الحقة ليست عنده حقة، وعنده الجذعة، فإنها تقبل منه الجذعة، ويعطيه المصدق عشرين درهماً أو شاتين، ومن بلغت عنده صدقة الحقة، وليست عنده إلا بنت لبون، فإنها تقبل منه بنت لبون، ويعطي معها شاتين أو عشرين درهماً، ومن بلغت صدقته بنت لبون، وليست عنده، وعنده حقة، فإنها تقبل منه حقة، ويعطيه المصدق عشرين درهماً أو شاتين، ومن بلغت صدقته بنت لبون، وليست عنده، وعنده بنت مخاض، فإنها تقبل منه بنت مخاض، ويعطي معها عشرين درهماً أو شاتين، ومن بلغت صدقته بنت مخاض، وليست عنده، وعنده بنت لبون، فإنها تُقبل منه، ويعطيه المصدق عشرين درهماً أو شاتين"، وهذا يدل على جواز النزول والصعود من السن الواجب عند فقده إلى سنٍّ آخر يليه.
"فإن لم يكن عنده بنت مخاض على وجهها": يحتمل معناه على ثلاثة أوجه: إما أن لا يكون عنده بنت مخاض أصلاً، أو لا تكون صحيحة بل مريضة فهي كالمعدومة، أو لا يكون عنده بنت مخاض على غاية الجودة.
"وعنده ابن لبون، فإنه يُقبل منه" بدلاً من بنت مخاض.
"وليس معه شيء"؛ أي: لا يلزم عليه مع ابن اللبون شيء آخر من الجبران، وهذا يدل على أن أفضلية الأنوثة تجبر بفضل السن.
"وفي صدقة الغنم في سائمتها": بدل من قوله: (في صدقة الغنم) أو حال.
"إذا كانت أربعين إلى عشرين ومئة شاة"، وهذا يدل على أن الوجوب في الغنم إنما يكون إذا كانت سائمة دون العلوفة.
стр. 958
"فإذا زادت على عشرين ومئة إلى مئتين، ففيها شاتان، فإذا زادت على مئتين إلى ثلاث مئة، ففيها ثلاث شياهٍ، فإذا زادت على ثلاث مئة، ففي كل مئة شاة": معناه: أن يزيد مئة أخرى، فيصير أربع مئة، فيجب أربع شياه، وعليه الأكثر، وقيل: إذا زادت على ثلاث مئة واحدة، ففيها أربع شياه.
"فإذا كانت سائمة الرجل ناقصة من أربعين شاة واحدةً": بالنصب عطف بيان لـ (ناقصة)، أو مفعول (ناقصة)، كان رفعت فتقديره: وهو واحدة من أربعين شاةً.
"فليس فيها صدقة إلا أن يشاء ربها"؛ أي: مالكها.
"ولا تُخرَج في الصدقة هَرِمة": وهي التي صارت من الكبر ضعيفة كالمريضة.
"ولا ذات عَوار": وهو بالفتح: العيب، وقد يضم، والفتح أفصح.
قيل: هذا إذا كان كل ماله أو بعضه سليماً، فإن كان كله معيباً، فإنه يأخذ واحداً من أوسطه.
"ولا تيس": وهو فحل المعز؛ أي: لا يأخذ منه فحلٌ إذا كان الكلُّ أو البعض إناثًا.
"إلا ما شاء المصدِّق": بكسر الدال وتشديدها على رواية الجمهور، وهو العامل، يدل على أن الاجتهاد إليه؛ ليأخذ الأنفع للمساكين؛ "لأنه نائبٌ عنهم بدليل أن أجرة عمله من مالهم، ورواه أبو عُبيدة بفتح الدال المثقلة، وهو صاحب الماشية.
"ولا يجمع بين متفرق": بأن يكون لكلِّ واحد من الرجلين أربعون شاة، ولم يخلطا حتى مضى عليها سنة، ثم خلطا في آخر السنة؛ لتكون زكاتهما شاة واحدةً، فهذا لا يجوز، بل على كل واحد منهما شاة.
стр. 959
"ولا يفرق بين مجتمع": بأن يكون لكل واحد منهما أربعون شاة وخلطا، ومضى عليها سنة، فجاء العاملُ، وأمرهما بالتفريق؛ لياخذ من كل واحد شاة، فهذا لا يجوز أيضاً، بل عليهما شاة واحدة.
وقوله: "خشيةَ الصدقة": يتوجه إلى الجانبين؛ أما من جانب الساعي؛ فخشية القلة في الصدقة، وأما من جانب المالك فخشية الكثرة، فأمر ﵊ كلَّ واحد منهما أن لا يحدث في المال شيئاً من الجمع والتفريق خشية الصدقة.
"وما كان من الخليطين خليطين"؛ أي: الواجب الذي أخذه الساعي من الخليطين.
"فإنهما يتراجعان بينهما بالسوية": مثل إن كان بينهما خمس إبل، فأخذ الساعي وهي في يدٍ أحدهما شاةً، فإنه يرجع على شريكه بقيمة حصته على السوية.
وفيه دلالة على أن الساعي إذا ظلم وأخذ منه زيادة على فرضه، فإنه لا يرجع على شريكه.
"وفي الرِّقَةِ": بكسر الراء وتخفيف القاف؛ أي: الفضة، وأصلها الوَرِق، والتاء عوض عن الواو؛ أي: يجب فيما إذا بلغت مئتي درهم.
"ربع العشر": وهو خمسة دراهم.
"فإن لم تكن إلا تسعين ومئة، فليس فيها شيء"؛ يعني: لا زكاةَ فيما نقص عن كمال المئتين، "إلا أن يشاء ربها".
١٢٦٤ - وعن عبد الله بن عمر ﵄، عن النبي ﷺ قال: "فيما سقَتْ
стр. 960
السَّماءُ والعُيونُ أو كان عَثَرِيًّا العشرُ، وما سُقِيَ بالنَّضْح نصف العُشر".
"وعن عبد الله بن عمر ﵁، عن النبي ﵊: أنه قال: فيما سقت السماء"؛ أي: المطر.
"والعيون، أو كان عَثَرِياً": وهو الذي يشرب بعروقه من ماء المطر يجتمع في حفيرة، من عئر على الشيء يعثر عثوراً وعثراً؛ أي طلع عليه؛ لأنه يهجم على الماء بلا عمل من صاحبه، كأنه ينسب إلى العثر.
"العشرُ، وما سُقِي بالنضح"؛ أي: ما يسقى من بئر بالبعير، أو البقر، أو غير ذلك.
"نصفُ العشر"؛ لما فيه من المؤنة.
١٢٦٥ - وقال رسولُ الله ﷺ : "العَجْماءُ جُرْحُها جُبارٌ، والبئرُ جُبارٌ، والمَعدِنُ جُبارٌ، وفي الرِّكازِ الخمُسُ".
"وعن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: العجماء"؛ أي: البهيمة، سميت بها لأنها لا تتكلم، وكلُّ من لا يقدر على الكلام أصلاً، فهو أعجم ومستعجم، كذا في "الصحاح".
"جرحُها جُبارٌ"؛ أي: هدر؛ يعني: إذا أتلفت الدابة شيئاً، ولم يكن معها صاحبها، وكان نهاراً، فلا ضمان؛ بخلاف ما إذا كان ليلاً؛ لتقصير المالك في ربطها؛ إذ العادةُ أن تربط الدابة ليلاً، وتسرح نهاراً.
"والبئر جبار"؛ يعني: إذا حفر أحد بئراً في ملكه، أو في موات، ووقع فيه أحدٌ أو دابة لا ضمانَ على حافرها؛ لعدم العدوان فيه، أما إذا حفرها في الطريق، أو في ملك الغير بغير إذنه؛ فالضمانُ على عاقلة الحافر.
стр. 961
"والمعدن جُبارٌ" يعني: إذا حفر واحد موضعاً فيه ذهب أو فضة؛ ليخرجها منه، ووقع فيه أحد أو دابة لا ضمانَ عليه؛ لأنه غير معتد، وكذلك الفيروزج والطين وغير ذلك.
"وفي الرِّكاز الخمسُ": وهو - بكسر الراء - عند أهل الحجاز: كنوز الجاهلية المدفونة في الأرض، وعند أهل العراق: المعادن، واللغة تحتملهما، لأن كلًّا منهما مركوز في الأرض؛ أي: ثابت، يقال: ركزه؛ أي: دفنه.
قيل: والحديث على رأي الحجاز، وإنما كان فيه الخمس؛ لكثرة نفعه وسهولة أخذه، وفي رواية أبي هريرة: قيل: يا رسول الله! وما الركاز؟ قال: "الذهب والفضة التي خلق الله في الأرض يوم خلقها"، وهذا ينافى الأول.
مِنَ الحِسَان:
١٢٦٦ - عن علي ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "قد عَفَوتُ عن الخَيلِ والرَّقيقِ، فَهاتُوا صدَقةَ الرِّقَةِ مِنْ كلِّ أربعينَ درهماً درهم، وليسَ في تسعين ومائةٍ شيءٌ، فإذا بلغَتْ مائتينِ ففيها خمسة دراهم، فما زادَ فعلى حِسابِ ذلك، وفي الغنَم في أربعينَ شاةً شاةٌ إلى عشرين ومائة، فإذا زادت واحدةً فشاتانِ إلى مائتينِ، فإنْ زادتْ فثلاثُ شياهٍ إلى ثلاث مئة، فإذا زادت على ثلاث مئة؛ ففي كلِّ مائةٍ شاةٌ، فإنْ لم تكُنْ إلا تِسْعاً وثلاثينَ فليسَ عليكَ فيها شيء، وفي البقَرِ في كلِّ ثلاثين تَبيعْ، وفي الأَربعين مُسِنَّة، وليسَ على العَوامل شَيٌ".
"من الحسان":
" عن علي ﵁ أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: قد عفوت عن الخيل والرقيق"؛ أي: تركت أخذ زكاتهما، وتجاوزت عنه.
стр. 962
"فهاتوا صدقة الرِّقَةِ من كلِّ أربعين درهماً درهم، وليس في تسعين ومئة شيء، فإذا بلغت مئتين، ففيها خمسة دراهم، فما زاد فعلى حساب ذلك": وهذا يدل على أنه تجب الزكاة في الزائد على النصاب بقدره؛ قل أو أكثر.
وإليه ذهب أبو يوسف ومحمد، وقال أبو حنيفة: لا زكاة في الزائد عليه حتى يبلغ أربعين درهماً، وحمل الحديث على أن يكون الزائد على المئتين الأربعينات.
"وفي الغنم في أربعين شاةً شاةٌ إلى عشرين ومئة، فإذا زادت واحدة فشاتان إلى مئتين، وإذا زادت فثلاث شياه إلى ثلاث مئة فإذا زادت على ثلاث مئة، ففي كل مئة شاة، فإن لم تكن إلا تسعاً وثلاثين، فليس عليك فيها شيء، وفي البقر في كل ثلاثين تَبيعٌ": وهو الذكر الذي له سنة واحدة، سمي به؛ لأنه يتبع أمه بعدَ تمام سنة، والأنثى تبيعة.
"وفي الأربعين مسنة": وهي التي لها سنتان.
"وليس على العوامل شيء": جمع عاملة، وهي: التي تعمل عملاً من البقر أو الجمل، كالحراثة وسقي الماء والحمل؛ يعني: لا زكاة فيها وإن كانت نصاباً، وبه قال أبو حنيفة والشافعي وأحمد، وعند مالك تجب.
١٢٦٧ - على معاذ ﵁: أن النبيَّ ﷺ لَمَّا وجّهه إلى اليَمَنِ أمرَه أنْ يأخُذَ من البقَرِ من كل ثلاثينَ تَبيْعاً أو تَبيْعةً، ومِن كل أربعينَ، مُسِنَّةً.
"عن معاذ ﵁: أن النبي ﵊ لما وجَّهه إلى اليمن أمره أن يأخذ من البقر من كل ثلاثين تبيعاً أو تبيعة، ومن كل أربعين مسنةً".
стр. 963
١٢٦٨ - وقال رسولُ الله ﷺ : "المُعتَدي في الصَّدَقةِ كمانِعِها".
"وعن أنس أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم المعتدي في الصدقة"؛ أي: العامل الذي تعدى على المزكي في أخذ الزكاة عن القدر الواجب.
"كمانعها": في الإثم؛ لأنه ربما يكون سبباً لمنع ربِّ المال من إخراج الزكاة في السنة القابلة، فكان ظلماً للفقراء فيه، فهما في الإثم سواء.
وقيل: المعتدي الذي تجاوز الحد في الصدقة بحيث لا يُبقي لعياله شيئاً، وقيل: هو الذي يعطي ويمنُّ ويؤذي، فالإعطاء مع المن والأذى كالمنع عن أداء ما وجب عليه.
١٢٦٩ - وعن أبي سعيد الخُدري ﵁: أنَّ النبيَّ ﷺ قال: "ليسَ في حَبٍّ ولا تمرٍ صدقةٌ حتى يبلُغَ خمسةَ أَوْسُقٍ".
"عن أبي سعيد الخدري: أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال: ليس في حَبٍّ ولا تمرٍ صدقةٌ حتى يبلغ خمسة أوسق": تقدم البيان فيه في أول هذا الباب.
١٢٧٠ - عن موسى بن طَلْحة قال: كانَ عندَنا كتابُ مُعاذِ بن جبَلٍ ﵁، عن النبيِّ ﷺ ، أنه إنَّما أَمرَه أنْ يأخُذَ الصدقةَ مِن الحِنْطةِ، والشَّعيرِ، والزَّبيبِ، والتَّمرِ، مُرسَل.
"عن موسى بن طلحة أنه قال: كان عندنا كتاب معاذ بن جبل، عن النبي
стр. 964
عليه الصلاة والسلام: أنه إنما أمره أن يأخذ الصدقة من الحنطة والشعير والزبيب والتمر": ليس معناه: أنه لا تجب الزكاة إلا في هذه الأربعة فقط، بل تجب عند الشافعي فيما ينبته الآدميون إذا كان قوتاً، وعندنا فيما تنبت الأرض؛ قوتاً كان أو لا، وإنما أمره ﵊ بالأخذ من هذه الأربعة؛ لأنه لم يكن ثمة غيرها.
"مرسل".
١٢٧١ - عن عَتَّاب بن أَسِيد: أن النبيَّ ﷺ قال في زكاةِ الكُرومِ: "إنَّها تُخرَصُ كما تُخرَصُ النَّخلُ، ثم تُؤدَّى زكاته زَبيْباً كما تُؤدَّى زكاةُ النَّخلِ تَمراً".
"عن ابن عتَّابِ ابن أسيد: أن النبي ﵊ قال في زكاة الكروم": جمع كرم، وهو: شجر العنب.
"إنها تخرص"؛ أي: تحرز وتجمع.
"كما تخرص النخل": ويقدر الخارص أن هذا العنب أو الرطب كم يكون إذا كان زبيباً أو تمراً.
"ثم تُؤدَّى زكاتها زبيباً" إذا بلغ نصاباً، "كما تؤدى زكاة النخل تمراً".
١٢٧٢ - عن سَهْل بن أبي حَثْمَة ﵁ حدَّث أنَّ رسولَ الله ﷺ كان يقول: "إذا خَرَصتُم فَدَعوا الثُّلُث، فإنْ لم تدَعوا الثُّلُث فدَعوا الرُّبُع".
"عن سهل بن أبي حَثْمة ﵁ أنه حدث: أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كان يقول: إذا خرصتم فدعوا"؛ أي: اتركوا للمالك "الثلث" توسعةً
стр. 965
عليه، "وإن لم تدعوا الثلث، فدعوا الربع". حتى يتصدق على جيرانه ومن يمر عليه، ويطلب منه، وبه قال الشافعي في القديم.
وعند أبي حنيفة والشافعي في الجديد ومالك: لا يترك شيئاً من الزكاة، وتأويلُ الحديث عندهم: أنه إنما يكون في حق يهود خيبر؛ فإنه ﷺ ساقاهم على أن يكون لهم نصف التمر ولرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم نصفها، فأمر الخارص أن يترك الثلث أو الربع مسلمًا لهم، ويقسم الباقي نصفين؛ نصفاً لهم ونصفاً له ﷺ .
١٢٧٣ - وقالت عائشة ﵂: كان النبي ﷺ يَبعَثُ عبدَ الله بن رَواحةَ إلى يهودَ، فَيَخْرُص النَّخلَ حينَ يطيبُ قبلَ أن يُؤكلَ منه.
"وقالت عائشة ﵂: كان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يبعث"؛ أي: يرسل.
"عبد الله بن رواحة إلى يهود خيبر، فيخرص النخل حين يطيب"؛ أي: حين يظهر في الثمار الحلاوة.
"قبل أن يُؤكَل منه".
١٢٧٤ - عن ابن عمر ﵄: قال رسولُ الله ﷺ : "في العَسلِ في كلِّ عشرةِ أَزقِّ زِقٌّ".
"وعن ابن عمر ﵁ أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: في العسل في كل عشرة أَزُقٍّ زِقٌّ" بفتح الهمزة: جمع زق؛ ظرف من جلد
стр. 966
يُجعَل فيه العسلُ والسمنُ وغير ذلك.
وهذا يدل على أن في العسل العُشْر، وبه قال أبو حنيفة، وقال الشافعي في القديم وأحمد، وفي الجديد: لا عشرَ فيه، وعليه مالك.
١٢٧٥ - وقال النبيُّ ﷺ : "يا مَعشرَ النِّساء!، تصدَّقْنَ ولو من حُلِيكُن، فإنكنَّ أكثرُ أهلِ جهنَّمَ يومَ القيامةِ".
"عن زينب ﵂ امرأة عبد الله بن مسعود أنها قالت: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: يا معشر النساء! تصدقن"؛ أي: أخرجن زكاة أموالكن.
"ولو من حُليِّكن": يدل على وجوب الزكاة في الحلي وإن كان مباحاً، وبهذا قال أبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه، وفي قوله الآخر ومالك وأحمد: لا زكاةَ في العلي المباح.
"فإنكن أكثر أهل جهنم يوم القيامة".
١٢٧٦ - عن عمرو بن شُعَيب، عن أبيه، عن جدِّه: أنَّ امرأَتينِ أتتا رسولَ الله ﷺ وفي أَيديهما سِوارانِ من ذَهب، فقال لهما: "أتحِبَّانِ أنْ يُسَوِّركما الله تعالى بِسِوَارَينِ من نار؟ "، قالتا: لا، قال: "فأدِّيا زكاتَه"، ضعيف.
"عن عمرو بن شُعيب، عن أبيه، عن جده: أن امرأتين أتتا رسولَ الله صلى الله تعالى عليه وسلم وفي أيديهما سواران من ذهب، فقال لهما: أتحبان أن يُسوّركما الله بسوارين من نار؟ قالتا: لا، قال: فأدّيا زكاته": الضمير فيه
стр. 967
بمعنى اسم الإشارة، يدل أيضاً على وجوب الزكاة في الحلي.
"ضعيف".
١٢٧٧ - عن أُمِّ سلَمة قالتْ: كنتُ أَلبَسُ أَوْضَاحاً من ذهبٍ، فقلتُ: يا رسولَ الله، أكَنزٌ هو؟، فقال: "ما بلَغَ أنْ تؤدَّى زكاتُه فزكِّيَ فليسَ بكَنْزٍ".
"عن أم سلمة أنها قالت: كنت ألبس أوضاحاً من ذهب": جمع (وَضَح) بفتحتين، وهي: نوع من العلي يعمل من الفضة، سميت بها لبياضها.
"قلت: يا رسول الله! أكنز هو؟ "، يعني: استعمال العلي كنز من الكنوز الذي أنذر الله صاحبه بالنار في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ [التوبة: ٣٤] الآية، أم لا؟ "فقال: ما"، أي: الذي "بلغ أن تؤدَّى زكاته فزكي، فليس بكنز".
١٢٧٨ - عن سَمُرَة بن جُندب: أنَّ رسولَ الله ﷺ كانَ يأمرُنا أنْ نُخرِجَ الصَّدَقةَ مِنَ الذي نُعِدُّ للبيعِ.
"عن سمرة بن جندب: أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كان يأمرنا أن نخرج الصدقة من الذي نُعِدُّ للبيع"؛ أي: من المال الذي نهيئه للتجارة.
١٢٧٩ - وروى ربيعةُ عن غيرِ واحدٍ: أنَّ رسولَ الله ﷺ أَقْطَعَ لبلالِ بن الحارثِ المُزَني مَعادِنَ القَبَليةِ، وهي مِنْ ناحيةِ الفرعِ، فتلكَ المعادنُ لا يؤخذ منها إلا الزكاة إلى اليومِ.
стр. 968
"وروى ربيعةُ عن غير واحد"؛ أي: عن كثيرين: "أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أقطع لبلال بن حارث المزني معادن القَبليَة": بفتح القاف والياء، منسوبة إلى قَبَل اسم موضع؛ يعني: أعطاه ليعمل فيها؛ ليخرج الذهب والفضة لنفسه.
"وهي من ناحية الفزع (١) ": بضم الفاء وسكون الراء: هو أيضاً موضع بعينه، بينه وبين المدينة خمسة أيام، واسع، وفيه مساجد النبي ﵊، وبه قرى كثيرة، وهو بأعلى المدينة بين الحرمين.
"فتلك المعادن لا يؤخذ منها إلا الزكاة إلى اليوم": المراد بالزكاة: ربع العشر، كزكاة الذهب والفضة الغير المعدنيين، وهذا يدل على جواز إقطاع المعادن، ولعلها كانت باطنة؛ فإن الظاهرة لا يجوز إقطاعها، وعلى وجوب الزكاة فيها، وهو مذهب مالك وأحمد وأحد أقوال الشافعي، والقول الآخر وأبو حنيفة يوجبان الخمس في المعدن، والقول الثالث له: إن وجد بتعب ومؤنة ففيه ربع العشر، وإلا ففيه الخمس.
٣ - باب صدقة الفطر
(باب صدقة الفطر)
مِنَ الصِّحَاحِ:
١٢٨٠ - عن ابن عمر ﵁ قال: فرَضَ رسولُ الله ﷺ زكاةَ الفطرِ صاعاً من
стр. 969
تمرٍ، أو صاعاً من شَعيرٍ، على العَبْدِ والحُرِّ، والذَّكَر والأُنثى، والصَّغيرِ والكَبيرِ من المُسلِمين، وأَمرَ بها أن تُؤَدَّى قبلَ خُروجِ الناسِ إلى الصلاةِ.
"من الصحاح":
" عن ابن عمر أنه قال: فرض رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم زكاةَ الفطر صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير": وهذا يدل على فرضية صدقة الفطر، وعليه الأكثر، وذهب بعضهم إلى وجوبها.
"على العبد والحر، والذكر والأنثى، والصغير والكبير من المسلمين، وأمر بها أن تؤدَّى قبل خروج الناس إلى الصلاة": وهذا أمر استحباب؛ لجواز التأخير إلى آخر اليوم عند الجمهور.
١٢٨١ - وقال أبو سعيد الخُدريُّ: كنَّا نُخرِجُ زكاةَ الفِطْرِ صاعاً من طعامٍ، أوصاعاً من شَعيرٍ، أو صاعاً من تَمرٍ، أو صاعاً من أَقِطٍ، أو صاعاً من زَبيبٍ.
"وقال أبو سعيد الخدري: كنا نخرج صدقة الفطر صاعاً من طعام"؛ أي: حنطة، وفي هذا حجة للشافعي في إيجابه صدقة الفطر من الحنطة صاعاً.
"أو صاعاً من أَقِط": بالفتح ثم الكسر: هو الكشك إذا كان من اللبن.
"أو صاعاً من شعير، أو صاعاً من تمر، أو صاعاً من زبيب": (أو) هذه للتنويع لا للتخيير، فإن القوت الغالب لا يعدل عنه إلى ما دونه في الشرف؛ يعني: كنا نخرج هذه الأنواع على حسب ما يقتضيه حالنا، وفي الأقط خلافٌ، ظاهر الحديث يدل على جوازه.
стр. 970
مِنَ الحِسَان:
١٢٨٢ - عن ابن عباس ﵁ قال في آخِر رمَضان: أَخرِجُوا صدَقةَ صَومِكم، فَرَضَ رسولُ الله ﷺ هذه الصَّدَقةَ: صاعاً من تَمر أو شَعيرٍ، أو نِصْفَ صاع من قَمْح، على كل حرٌّ أو مَملوكٍ، ذكرٍ أو أنثى، صغيرٍ أو كَبيرٍ.
"من الحسان":
" عن ابن عباس قال في آخر رمضان: أخرِجوا صدقة صومكم، فرض رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم هذه الصدقة: صاعاً من تمر، أو صاعاً من شعير، أو نصف صاع من قمح"؛ أي: حنطة، وبه قال أبو حنيفة.
"على كل حر ومملوك، ذكر أو أنثى، صغير أو كبير".
١٢٨٣ - وقال: فرضَ رسولُ الله ﷺ زكاةَ الفطرِ طُهْرَةً للصائم من اللَّغوِ والرَّفَثِ وطُعمَة للمساكينِ.
"وقال"؛ أي: ابن عباس ﵁: "فرض رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم زكاة الفطر طُهرةً للصائم"؛ أي: تطهيراً لذنوبه.
"من اللهو واللغو": وهو الكلام الباطل.
"والرفث": وهو الكلام القبيح؛ لأن الحسنات يذهبن السيئات.
تمسَّكَ به من لم يوجب الفطرة على الأطفال؛ لأنهم إذا لم يلزمهم الصيام، لم تلزمهم طهرته، والأكثرون على إيجابها عليهم، لعلهم نظروا إلى أن علة الإيجاب مركبة من الطهرة والطعمة، فغلبوا الطعمة رعايةَ لجانب المساكين.
وذهب الشافعي بهذا أيضاً إلى أن شرط وجوبها أن يملك ما يفضل عن قوت يومه لنفسه وعياله؛ لاستواء الغني والفقير في كونه طهرةً.
стр. 971
"وطُعمة للمساكين"؛ أي: ليكون قوتهم يوم العيد مُهيئاً؛ تسوية بين الفقير والغني في وجدان القوت ذلك اليوم.
٤ - باب من لا يحل له الصَّدَقة
(باب من لا تحل له الصدقة)
مِنَ الصِّحَاحِ:
١٢٨٤ - قال أنس ﵁: مرَّ النبي ﷺ بتمرة في الطَّريقِ، فقال: "لولا أنِّي أخافُ أن تكونَ من الصَدَقةِ لأكَلْتُها".
"من الصحاح":
" قال أنس: مرَّ النبي ﵊ بتمرة في الطريق فقال: لولا أني أخاف أن تكونَ من الصدقة لأكلتها": الحديث يدل على حرمة الزكاة على النبي ﵊، وعلى جواز أكل ما وجد في الطريق من الطعام القليل الذي لا يطلبه مالكه.
١٢٨٥ - وقال أبو هُريرة ﵁: أخذَ الحسَنُ بن علي ﵄ تمرةً من تَمرِ الصدقةِ، فجعلَها في فيهِ، فقال النبيُّ ﷺ : "كخْ كخْ"؛ لِيَطرَحَها، ثم قال: "أَما شَعَرتَ أنَّا لا نأْكلُ الصَّدَقَةَ؟ ".
"وقال أبو هريرة: أخذ الحسن بن علي تمرة من تمر الصدقة"؛ أي: من تمر الصدقة.
стр. 972
"فجعلها في فيه، فقال ﵊: كَخ كخ": بفتح الكاف وكسرها زجر وردع للصبي عن تناول الشيء.
"ليطرحها"؛ أي: التمرة من فيه.
"ثم قال: أما شعرت"؛ أي: أما علمت.
"أنا لا نأكل الصدقة؟ ": وهذا يدل على أنه يجب على الآباء نهيُ الأولاد عما لا يجوز في الشرع.
١٢٨٦ - وقال: "إنَّ هذه الصَّدَقاتِ إنَّما هي أَوساخُ الناسِ، وإنَّها لا تَحِل لمحمدٍ ولا لآلِ محمدٍ".
"وعن عبد المطلب بن ربيعة أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: إن هذه الصدقات إنما هي أوساخ الناس، وإنها لا تحلُّ لمحمد، ولا لآل محمد": فإن الصدقة لا تحلُّ للنبي ﷺ ؛ فرضاً كانت أو تطوعاً، وكذا المفروضة لآله ﵊؛ أي: أقربائه، وأما التطوع فمباح لهم.
وعن أبي هريرة أنه قال: كان رسول الله ﵊ إذا أُتِيَ بطعام سأل عنه: "أهدية أم صدقة؟ " فإن قيل: هي صدقة، قال لأصحابه: "كلوا"، ولم يأكل، وإن قيل: هدية، ضرب بيده؛ أي: تناول بها، وكأنَّه من ضرب: إذا ذهب، فالباء للتعدية؛ أي: أذهب يده إلى ذلك الطعام، فأكل معهم، وذلك لأن الهدية إنما يراد بها ثوابُ الدنيا؛ لأنها تمليك الغير تقربًا إليه وإكراماً، والصدقة منحة لثواب الآخرة، ففيها نوع ترحم وإذلال للآخذ.
стр. 973
١٢٨٨ - وقالت عائشة ﵂: كانتْ في بَريرةَ ثلاثُ سُنَنٍ: إحدى السُّننِ أنها عَتَقَت، فَخُيِّرَت في زوجِها، وقال رسول الله ﷺ : "الوَلاءُ لمن أَعتَقَ"، ودخلَ رسولُ الله ﷺ والبُرْمَةُ تَفُورُ بلَحمٍ، فقُرِّبَ إليه خبزٌ وأُدمٌ من أُدمِ البيتِ، فقال: "أَلم أرَ بُرمةً فيها لَحم؟ "، قالوا: بلى، ولكنْ ذلكَ لحمٌ تُصُدِّقَ به على بَريرةَ، وأنتَ لا جملُ الصدقةَ، قال: "هو علَيها صَدَقة، ولنا هديَّةٌ".
"وقالت عائشة ﵂: كان في بريرة": وهي اسم جارية اشترتها عائشة ﵂، فأعتقتها.
"ثلاثُ سنن"؛ أي: حصل بسببها ثلاث مسائل شرعية.
إحدى السنن: "أنها عتقت، فخُيِّرت في زوجها": بين فسخ نكاحه وإمضائه، فالمرأة إذا كانت أمة زوجها عبد، فعتقت، تكون مخيرة؛ إن شاءت فسخت النكاح، وإن شاءت لا.
"وقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: الولاء لمن أعتق"؛ فإن من أعتق عبداً أو أمة كان ولاؤه له، هذه هي المسألة الثانية.
"ودخل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم والبُرمةُ": وهي في الأصل: القدر المتخذ من الحجر المعروف بالحجاز واليمن وخراسان.
"تفور بلحم، فقرب إليه خبز وأُدُم من أُدُمِ البيت": بضمتين: جمع إدام، وهو ما يطيب به أكل الخبز ويصلحه ويتلذذ الآكل بسببه، فلما لم يؤتَ إليه ﷺ مما رأى في البرمة.
"فقال: ألم أرَ برمةً فيها لحم؟ ": والاستفهام للتقرير.
"قالوا: بلى، ولكن ذلك لم تُصُدِّق به على بريرة، وأنت لا تأكل
стр. 974
الصدقة، قال: هو عليها"؛ أي: اللحم على بريرة "صدقة، ولنا هدية": فيحمل التصدق به على من حرم عليه بطريق الهدية، وهذه المسألة الثالثة.
١٢٨٩ - وقالت عائشة ﵂: كانَ رسولُ الله ﷺ يَقبلُ الهديَّةَ، ويثيبُ علَيها.
"وقالت عائشة ﵂: كان رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقبل الهديةَ، ويثيبُ عليها": من (أثاب): إذا أعطى الثواب؛ أي: يعطي عوضها.
١٢٩٠ - وقال النبيُّ ﷺ : "لَو دُعيتُ إِلى كُراعٍ لأَجَبْتُ، ولو أُهدِيَ إلي ذِراعٌ لَقَبلتُ".
"وعن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: لو دعيت إلى كُراعٍ": وهو مسترق الساق؛ يعني: لو دعاني أحد إلى ضيافة كراع غنم.
"لأجبت"؛ أي: الداعي، وهذا حثٌّ على التواضع وإجابة الدعوة.
قال القاضي: من حمله على (كراع الغنم)، وهو موضع بين مكة والمدينة، فقد غلط.
"ولو أُهدِي إليَّ ذراع"؛ يعني: لو أرسل أحدٌ إلي ذراعاً على رسم الهدية، وهو ذراع الغنم، أو ذراع الكرباس.
стр. 975
"لقبلت": فيه ترغيبٌ على قبول الهدية.
١٢٩١ - وقال: "ليسَ المِسْكِيُن الذي يَطُوفُ على النَّاسِ تَرُدُّه اللُّقمةُ واللُّقْمتانِ، والتَّمرةُ والتَّمرتانِ، ولكن المِسْكينَ الذي لا يَجدُ غنًى يُغنيهِ، ولا يُفطَنُ به فيتصدَّقَ عليه، ولا يَقُوم فيَسأَلُ الناسَ".
"وعنه أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: ليس المسكينُ الذي يطوفُ على الناس تردُّه اللقمةُ واللقمتان، والتمرةُ والتمرتان"؛ أي: ليس المسكين من يتردد على الأبواب، ويأخذ لقمة، فإن من فعل هذا ليس بمسكين؛ لأنه يقدر على تحصيل قوته، والمراد: ذم من هذا فعله إذا لم يكن مضطراً.
"ولكن المسكين": الكامل في المسكنة.
"الذي لا يجد غنًى يغنيه، ولا يفطن به"؛ أي: لا يُعلَم حالُهُ أنه محتاج.
"فيتصدق عليه، ولا يقوم فيسأل الناس"، بل يخفي حال نفسه.
رويَ عن ثوبان: أن النبي ﵊ قال: "من يتكفل أن لا يسأل شيئًا أتكفل له الجنة"، قال ثوبان: أنا يا رسول الله؛ فكأن لا يسأل أحداً شيئاً.
مِنَ الحِسَان:
١٢٩٢ - عن أبي رافع: أن رسولَ الله ﷺ بعثَ رجلًا عَلى الصَّدقة، فقالَ لأبي رافع: اصحَبني كَيْما تُصيبَ منها، فانطلَقَ إلى النبيِّ ﷺ فسأله، فقال: "إنَّ الصدقةَ لا تَحِلُّ لنا، وإنَّ مَوالي القَومِ مِنْ أَنفُسِهم".
стр. 976
"من الحسان":
" عن أبي رافع" مُعتَقُ النبي ﵊: "أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بعث رجلاً على الصدقة" أي: أرسله ليجمع الزكاة، فجمعها، فلما أتى رأى أبا رافع في طريقه.
"فقال لأبي رافع: اصحبني"؛ أي: ائتِ معي النبيَّ ﵊.
"كيما تصيب" نصب بـ (كي)، و (ما) زائدة؛ أي: لأقول له أن يعطيك شيئًا منها؛ أي: من الصدقة.
"فانطلق إلى النبي ﵊، فسأله فقال: إن الصدقة لا تحل لنا، وإن موالي القوم من أنفسهم": وهذا دليل لمن قال بحرمة الصدقة على موالي من يحرم الصدقة عليه، والمشهور أنها لا تحرم على موالي بني هاشم وبني المطلب، لانتفاء السبب، وجه الجمع بينهما أنه ﷺ قال هذا تنزيهاً وحثاً لهم على التشبه بساداتهم.
١٢٩٣ - وقال: لا تَحِلُّ الصَّدَقةُ لغنيٍّ، ولا لذكره مِرَةٍ سَوِيّ".
"وعن عبد الله بن عمر أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: لا تحل الصدقة لغني، ولا لذي مِرَّة" بالكسر؛ أي: قوة.
"سَوِي"؛ أي: صحيح الأعضاء وتام الخِلْقةِ على طريق الاستقامة؛ يعني: لا تحل الزكاة لمن أعضاؤه صحيحة، وهو قوي يقدر على الاكتساب بقدر ما يكفيه وعياله.
وبه قال الشافعي.
стр. 977
١٢٩٤ - ويُروى: "لا حظَّ فيها لغَنيٍّ، ولا لقَويٍّ مُكتسِبٍ".
"ويروى: لا حظَّ فيها لغني، ولا لقوي مكتسب".
١٢٩٥ - وقال: "لا تَحِلُّ الصدقةُ لغنيٍّ إلا لخمسةٍ: لغازٍ في سبيل الله، أو لعاملٍ عليها، أو لغَارِمٍ، أو لرجل اشتراها بمالِه، أو لرجلٍ له جارٌ مِسْكين، فتُصُدِّق على المِسْكين، فأَهدى المِسكِين للغنيِّ".
ويُروى: "أو ابن السَّبيل".
"وعن أبي سعيد أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة: لغاز في سبيل الله، أو لعامل عليها"؛ أي: على الصدقة.
"أو لغارم": وهو الذي استدان؛ ليصلح بين طائفتين تسكيناً للفتنة، وإن كان غنياً.
"أو لرجل اشتراهما"؛ أي: الصدقة من الفقير "بماله".
"أو لرجل له جارٌ مسكين، فتصدق على المسكين، فأهدى المسكينُ الغنيَّ. ويروى: أو ابن سبيل".
١٢٩٦ - عن زيَاد بن الحَارِث الصُّدَائيِّ قال: أَتيتُ رسولَ الله ﷺ ، فبَايعْتُه، فأَتاهُ رجلٌ فقالَ: أعطِني من الصَّدَقةِ، فقال: "إنَّ الله تعالى لم يَرضَ بحُكْم نبيٍّ ولا غيرِه في الصَّدَقاتِ حتى حَكَمَ فيها هو، فجَزَّأها ثمانيةَ أجزاءٍ، فإنْ كنتَ مِن تلكَ الأَجزاءَ أَعطيتُكَ حَقَّك".
стр. 978
"عن زياد بن الحارث الصُّدائي أنه قال: أتيت النبي ﵊، فبايعته، فأتاه رجل فقال: أعطني من الصدقة فقال: إن الله لم يرضَ بحكم نبي ولا غيرِهِ في الصدقات حتى حكم فيها"؛ أي: في الصدقات.
"هو"؛ أي: الله.
"فجزَّأها"؛ أي: الله تعالى الصدقات.
"ثمانية أجزاء"؛ أي: أصناف.
"فإن كنتَ من تلك الأجزاء أعطيتُكَ حقَّك": وهذا يدل على أنه يفرق على السهام بحصصهم.
٥ - باب مَنْ لا تَحِل له المَسْألة ومَنْ تَحِل له
(باب من لا تحل له المسألة ومن تحل له)
مِنَ الصِّحَاحِ:
١٢٩٧ - عن قَبيصَةَ بن مُخارقٍ قال: "تَحمَّلْتُ حَمالَةً، فأتَيْتُ رسولَ الله ﷺ أَسألُه فيها، فقال: "أَقم حتى تأتينَا الصَّدَقةُ، فنأمرَ لكَ بها، ثم قال: "يا قَبيصَةُ، إنَّ المسأَلةَ لا تحَلُّ إلا لأحدِ ثلاثَةٍ: رجل تحمَّلَ حمالَةً، فحلَّت له المَسألةُ حتى يُصيبَها ثم يُمسِكُ، ورجل أصابَته جائحة اجتاحَت مالَه، فحلَّت له المسألةُ حتى يُصيبَ قِوامًا من عَيْشٍ - أو قال سِداداً من عَيْشٍ - ورجل أصابَته فاقة حتى يقومَ ثلاثةٌ من ذوي الحِجَا من قومه: لقد أَصابَتْ فُلاناً فاقة، فحلَّت له المسأَلةُ حتى يصيبَ قِواماً من عَيْشٍ - أو قال سِداداً من عيْشٍ - فما سِواهنَّ من المَسألةِ - يا قَبيصةُ - سُحْتٌ يأكلُها صاحبُها سحتاً".
стр. 979
"من الصحاح":
" عن قَبيصةَ بن مُخارق أنه قال: تحمَّلت حَمالة": وهي - بفتح الحاء وتخفيف الميم، ما يتحمَّله عن غيره من دِية أو غرامة؛ لدفع وقوع حرب بسفك الدماء بين فريقين.
"فأتيت رسول الله ﷺ أسأله فيها"؛ بمعنى: لأجلها.
"فقال: أقم"؛ أي: اثبت.
"حتى تأتينا الصدقة، فنأمر لك بها، ثم قال: يا قبيصة! إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة: رجلٌ": بالرفع خبر مبتدأ محذوف، وبالجر بدل من (ثلاثة).
"تحمَّل حمالة فحلَت له المسألة": بشرط أن يترك الإلحاح والتغليظ في الخطاب.
"حتى يصيبها"؛ أي: يجد الحمالة.
" [ثم] يمسك"؛ أي: عن المسألة؛ يعني: إذا أخذ من الصدقات ما يؤدي ذلك الدين لا يجوز أخذ شيء آخر منها.
"ورجل أصابته جائحة": وهي الآفة المهلكة للثمار والأموال.
"اجتاحت ماله"؛ أي: استأصلته وأهلكته.
"فحلت له المسألة حتى يصيب قِواماً من العيش"، أي: بها يقوم به بعيشته من قُوب ولباس.
"أو قال: سداداً من عيش": شك من الراوي.
(السِّداد) بكسر السين: بها يُسَدُّ به الفقر؛ أي: يدفعه ويكفي الحاجة.
"ورجل أصابته فاقة"؛ أي: فقر.
стр. 980
"حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحِجَى"؛ أي: العقل من قومه.
"لقد أصابت فلان فاقة": وهذا على سبيل الاستحباب والاحتياط؛ ليكون أدلَّ على براءة السائل عن التهمة فيما يدعيه، وأدعى للناس إلى سد حاجته، وخص بكونهم من قومه؛ لأنهم هم العالمون بحاله.
وهذا من باب التبيين والتعريف؛ إذ لا مدخلَ لعدد الثلاث من الرجال في شيء من الشهادات، وقيل: إن الإعسار لا يثبت عند البعض إلا بثلاثة؛ لأنها شهادة على النفي، فثلاث على خلف ما اعتيد في الإثبات للحاجة.
"فحلت له المسألةُ حتى يصيب قواماً من عيش - أو قال: سداداً من عيش - فما سواهن من المسألة يا قبيصة سحتٌ": وهو الحرام الذي لا يحل كسبه؛ لأنه يُسحِتُ البركة؛ أي: يذهبها.
"يأكلها صاحبها سحتاً": بدل من الضمير في (يأكلها)، أو تمييز، وتأنيث الضمير لمعنى الصدقة والمسألة.
قالوا: هذا بحث سؤال الزكاة، وأما سؤال صدقة التطوع؛ فمن لا يقدر على كسب؛ لكونه زمنًا، أو ذا علة أخرى، جاز له السؤال بقدر قوت يومه، ولا يدَّخر، وإن كان قادراً عليه، فتركه لاشتغال العلم، جازت له الزكاة وصدقة التطوع، فإن تركه لاشتغال صلاة التطوع وصيامه، لا يجوز له الزكاة، وتكره له صدقة التطوع.
فإن جلس واحد أو جماعة في بقعة واشتغلوا بالطاعة ورياضة الأنفس وتصفية القلوب، يستحبُّ لواحد منهم أن يسأل صدقة التطوع، وكسرات الخبز لهم، واللباس لأجلهم.
стр. 981
١٢٩٨ - وقال النبي ﷺ : "مَنْ سأَلَ النَّاسَ أَموالَهم تَكَثُّراً؛ فإنَّما يَسألُ جَمراً، فليَستَقِلَّ أو ليَسْتكْثِر".
"عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: من سأل الناس": نصبه بنزع الخافض، أو على أنه مفعول به.
"أموالهم": بدل اشتمال منه.
"تكثُّراً": مفعول له؛ أي: ليكثر ماله، لا للاحتياج.
"فإنما يسأل جمراً"؛ أي: نار جهنم؛ يعني: ما أخذه سبب للعقاب بالنار، إنما جعله جمراً للمبالغة، ويجوز أن يكون جمراً حقيقة يعذب به، كما ثبت في مانعي الزكاة.
"فليستقلَّ، أو ليستكثر": وهذا توبيخٌ له.
١٢٩٩ - وقال: "ما يَزالُ الرَّجلُ يَسْأَلُ الناسَ حتى يأتيَ يومَ القِيامةِ ليسَ في وجْههِ مُزْعَةُ لحمٍ".
"عن عبد الله بن عمر أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: ما يزال الرجل يسأل الناس حتى يأتي يوم القيامة ليس في وجهه مُزْعَةُ لحم" بضم الميم: القطعة اليسيرة من اللحم، وذلك إما ليكون علامة له يعرفه الناس بتلك العلامة أنه كان يسأل الناس في الدنيا، أو إذلالاً له، كما أذل نفسه في الدنيا، وأراق ماء وجهه بالسؤال.
١٣٠٠ - وقال: "لا تُلْحِفوا في المَسأَلةِ، فوالله لا يَسألُني أَحَدٌ منكُم
стр. 982
شيئًا فتُخرِجُ له مَسأَلتُه منِّي شيئاً وأَنا لهُ كارِهٌ، فيُبارَكَ لهُ فيما أَعطيتُهُ".
"وعن معاوية أنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: لا تُلحِفوا في المسألة": [من] الإلحاف، وهو: الإلحاح، والمسألة مصدر بمعنى: السؤال.
"فوالله لا يسألني أحد منكم شيئاً، فتُخرِج له مسألتُهُ مني شيئاً وأنا له كارهٌ": الواو فيه للحال.
"فيبارك": بالنصب جواباً للنفي؛ أي: فلا يبارك له.
"فيما أعطيته": على تقدير الإلحاف في المسألة.
١٣٠١ - وقال: "لأَنْ يأخُذَ أحدكُم حَبْلَهُ فيأتيَ بحِزْمَةِ حطَبٍ على ظَهْرِه، فيبيعَها، فيَكُفَّ الله بها وجْههُ؛ خَيْرٌ له مِنْ أَنْ يَسأَلَ الناسَ أَعطَوهُ أو مَنَعوه".
"وعن أبي هريرة ﵁، وزُبيرِ بن العوَّام: أنهما قالا: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم: لأنْ يأخذَ أحدكم حبله، فيأتي بحزمة حطب على ظهره": الحزمة بضم الحاء: قدر ما يُحمَلُ بين العضدين والصدر، وتستعمل فيما يحمل على الظهر من الحطب.
"فيبيعها": منصوب على تقدير (أن)؛ أي؛ فإن يبيع تلك الحزمة.
"فيكفُّ الله بها وجهه"؛ أي: يمنع بسببها إراقة ماء وجهه بالسؤال.
"خير له من أن يسأل الناس؛ أعطوه أو منعوه".
١٣٠٢ - وقال حَكِيْمُ بن حِزَامٍ: سألتُ رسولَ الله ﷺ فأَعطاني، ثم سألتُه فأعطاني، ثم قال لي: "يا حَكِيْمُ!، إن هذه المَال خَضرةٌ حُلْوٌ، فمن أخذَه
стр. 983
بِسَخَاوَةِ نفْسٍ بُورِكَ له فيه، ومَنْ أَخذَه بإشرافِ نفْسٍ لم يُبارَكْ له فيه، وكان كالذي يأكْلُ ولا يَشْبَعُ، واليدُ العُليا خيرٌ من اليَدِ السُّفْلى"، قالَ حكيم: فقلت: يا رسولَ الله!، والذي بعثَكَ بالحقِّ لا أَرْزَأُ أَحَداً بعدَك شيئاً حتى أُفارقَ الدُّنيا".
"وقال حكيم بن حزام: سألت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فأعطاني، ثم سألت فأعطاني، ثم قال لي: يا حكيم! إن هذا المال خَضرٌ" بفتح الخاء وكسر الضاد المعجمتين: وهو الطري الناعم.
"حُلو" بضم الحاء: هو ما يميل إليه الطبع السليم.
وقيل: الخضر يكون في العين طيباً، والحلو يكون في الفم طيبًا، ولا، حملَّ العينُ من النظر إلى الخضر، ولا يملُّ الفم من أكل الحلو، فكذلك النفس حريصة بجمع المال لا تمل منه.
"فمن أخذه بسخاوة نفس"؛ أي: نفس المعطي واختياره من غير حرص من السائل، بحيث لو لم يعطه لتركه، ولم يسأله، أو المراد: نفس السائل، بأن يكون ذلك كناية عن عدم الإلحاح، أو عن إنفاق الصدقة وعدم مسكها.
"بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس"؛ أي: بطمع النفس والتطلع إليه.
"لم يبارك له فيه، وكان"؛ أي: السائل الآخذ للصدقة في هذه الصورة.
"كالذي يأكل، ولا يشبع": وهذا مرض عظيم ومصيبة جسيمة، وقيل: تشبيه بالبهيمة التي ترعى.
"واليد العليا": وهي المعطية.
"خيرٌ من السفلى": وهي الآخذ السائلة، وقيل: السفلى المانعة.
"قال حكيم: فقلت: يا رسول الله! والذي بعثك بالحق، لا أرْزَأُ أحداً"؛ أي: لا أنقص مال أحد بالسؤال والأخذ منه.
стр. 984
"بعدك"؛ أي: بعد سؤالك هذا شيئًا.
"حتى أفارق الدنيا"؛ يعني: لا أسأل أحداً بعد هذه المرة إلى أن أموت.
١٣٠٣ - وقال: "اليدُ العُليا خيرٌ من اليدِ السُّفلى".
١٣٠٤ - "واليدُ العُليا هي المنفقةُ، والسُّفلى السَّائلة".
"وعن ابن عمر ﵁ أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال وهو على المنبر، وهو يذكر الصدقة والتعفف عن المسألة قال: اليد العليا خير من اليد السفلى، والعليا هي المنفقة، والسفلى هي السائلة".
١٣٠٥ - وقال أبو سعيد: إنَّ أُناساً من الأَنصارِ سأَلوا رسولَ الله ﷺ ، فأَعطاهُم، ثمَّ سألوه فأَعطاهم، حتَّى نَفِذَ ما عندَه، فقال: "ما يكونُ عِنْدي مِنْ خَيرٍ فلَنْ أَدَّخرَه عنكُم، ومَن يَستعِفَّ يُعِفُّه الله، ومن يَستَغْنِ يُغنِهِ الله، ومَن يَتَصبَّر يُصبره الله، وما أُعطيَ أحدٌ عطاءً خيراً وأَوسعَ مِن الصَّبر".
"وقال أبو سعيد الخدري ﵁: إن أناساً من الأنصار سألوا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فأعطاهم، ثم سألوه فأعطاهم حتى نفد ما عنده"؛ أي: فني.
"فقال: ما يكون عندي من خير": (ما) خبرية؛ أي: كل شيء لي من المال أعطيكم.
"فلن أدخره"؛ أي: لم أمنعه.
"عنكم، ومن يستعف": وفي بعض النسخ: (ومن يستعفف)، كلاهما
стр. 985
بمعنى؛ أي: يطلب العفة، وهي الكف عن الحرام.
"يعفه الله"؛ أي: يعطيه العفة؛ يعني: من قنع بأدنى قوت وترك السؤال، يُسهِّل عليه القناعة.
"ومن يستغن"؛ أي: يظهر من نفسه الغناء، ويترك السؤال.
"يغنه الله"؛ أي: يجعله غنياً.
"ومن يتصبر"؛ أي: أمر نفسه بالصبر، وكلَّفها عليه.
"يصبره الله"؛ أي: يسهِّل الصبر عليه.
"وما أعطي أحد عطاءً خيراً وأوسعَ عليه من الصبر"؛ لأن نفعه عام موجود في كل ما يشقُّ على النفس من الفقر والطاعات وغيرهما.
١٣٠٦ - قال عُمر بن الخَطَّاب ﵁؛ كانَ النبي ﷺ يُعطيني العَطاءَ، فَأقولُ: أَعطِهِ أفقرَ إليه منِّي، فقال: "خُذْهُ فتَمَوَّلْهُ، وتَصدَّقْ به، فما جاءَكَ مِنْ هذا المَالِ وأنتَ غَير مُشرِفٍ ولا سائِلٍ فَخُذْهُ، وما لا فلا تتبعه نفْسَكَ".
"وقال عمر بن الخطاب: كان النبي ﵊ يعطيني العطاء فأقول: أعطه أفقرَ"؛ أي: أحوج "مني إليه، فقال: خذه فتموَّله"؛ أي: أدخله في مالك.
"وتصدق به، فما جاءك من هذا المال": إشارة إلى جنس المال، أو إلى الذي أعطاه ﷺ .
"وأنت غيرُ مُشرِف"؛ أي: غير طامعٍ، ولا ناظرٍ إليه.
"ولا سائلٍ، فخذه"؛ أي: فاقبله، وتصدق به إن لم تكن محتاجاً.
"وما لا"؛ أي: وما لا يأتيك بلا سؤال.