← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17798

إعلام الموقعين عن رب العالمين - ت مشهور

ابن القيم

Полный текст (3 107 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

فاسمعوا الآن هدْم الأصول الفاسدة التي يُعترض بها على النصوص الصحيحة: أما قولكم: "إنه تضمّن الرد من غير عيب ولا فوات صفة" فأين في أصول الشريعة المُتلقّاة عن صاحب الشرع ما يدل على انحصار الرد بهذين الأمرين؟ وتكفينا هذه المطالبة، ولن تجدوا إلى إقامة الدليل على الحصر سبيلًا؛ ثم نقول: بل أصول الشريعة توجبُ الرد بغير ما ذكرتم، وهو الرد بالتدليس والغش، فإنه هو والخلف في الصفة من باب واحد، بل الرد بالتدليس أولى من الرد بالعيب، فإن البائع يُظهر صفة المبيع تارة بقوله وتارة بفعله، فإذا أظهر للمشتري أنه على صفة فبان بخلافها كان قد غشه ودلّس عليه، فكان له الخيار بين الإمساك والفسخ، ولو لم تأت الشريعة بذلك لكان هو محْض القياس وموجب العدل فإن المشتري إنما بَذل ماله [في المبيع] (١) بناء على الصفة التي أظهرها له البائع، ولو علم أنه على خلافها لم يبذل له فيها ما بذل، فإلزامه للمبيع (٢) مع التدليس والغش من أعظم الظلم الذي تتنزّه الشريعة عنه، وقد أثبت النبي ﷺ الخيار للركبان إذا تُلُقُّوا واشتُرِيَ منهم قبل أن يهبطوا السوق ويعلموا السِّعْر (٣)، وليس ههنا عيبٌ ولا خلف في صفة، ولكن فيه نوع تدليس وغش. فصل [الخراج بالضمان] وأما قولكم: "الخراج بالضمان" (٤) فهذا الحديث وإن كان قد رُوي فحديث

стр. 1017

المُصَرّاة (١) أصحُّ منه باتفاق أهل الحديث قاطبة، فكيف يُعارض به مع أنه لا تعارض بينهما بحمد اللَّه؟ فإن الخراج اسم للغلَّة مثل كسب العبد وأجرة الدابة ونحو ذلك، وأما الولد واللبن (٢) فلا يُسمَّى خراجًا، وغايةُ ما في الباب قياسُه عليه بجامع كونهما من الفوائد، وهو من أفسد القياس؛ فإنّ الكسْب الحادث

стр. 1018

والغلة لم يكن موجودًا حالَ البيع، وإنما حدث بعد القبض، [وأما اللبن ههنا فإنه كان موجودًا حال العقد] (١)، فهو جزء من المعقود عليه، والشارع لم يجعل الصاع عوضًا عن اللبن الحادث، وإنما هو عوض عن اللبن الموجود وقت العقد في الضّرع (٢)، فضمانه هو محض العدل والقياس. وأما تضمينه بغيرِ جنسِه ففي غاية العدل؛ فإنه لا يمكن تضمينه بمثله البتة، فإن اللبن في الضّرع محفوظ غير مُعرّض للفساد، فإذا حلب صار عُرضة لحمضه وفساده، فلو ضمن اللبن الذي كان في الضوع بلبن محلوب في الإناء كان ظلمًا تتنزّه (٣) الشريعة عنه. [الحكمة في رد التمر بدل اللبن] وأيضًا فإن اللبن الحادث بعد العقد اختلط (٤) باللبن الموجود وقت العقد، فلم يعرف مقداره حتى يوجب نظيره على المشتري، وقد يكون أقلّ منه [أو أكثر] (٥) فيفضي إلى الربا؛ لأن أقل الأقسام أن تُجهل المساواة. وأيضًا فلو وكلناه إلى تقديرهما أو تقدير أحدهما لكثرُ النزاع والخصام بينهما، ففَصلَ الشارع (٦) الحكيم -صلاة اللَّه وسلامه عليه [وعلى آله] (٧) - النزاع وقَدَّره بحد لا يتعدّيانه قطعًا للخصومة وفصلًا للمنازعة، وكان تقديرُه بالتمر أقربَ الأشياء إلى اللبن، فإنه قوت أهل المدينة كما كان اللبن قوتًا لهم، وهو مكيل كما أن اللبن مكيل؛ فكلاهما مطعوم مقْتات [مَكِيل، وأيضًا فكلاهما يُقْتات] (٨) به بلا صنعة ولا علاج، بخلاف الحنطة والشعير والأرز، فالتمر أقرب الأجناس التي كانوا يقتاتون بها إلى اللبن. فإن قيل: فأنتم (٩) توجبون صاع التمر في كل مكان، سواء كان قوتًا لهم أو لم يكن.

стр. 1019

قيل: هذا في مسائل النزاع وموارد الاجتهاد، فمن الناس منْ يوجب ذلك، ومنهم من يوجب في كل بلد صاعًا من قوتهم، ونظير هذا تعيينه ﷺ الأصناف الخمسة في زكاة الفطر (١) وأن كل [أهل] (٢) بلد يُخرجون من قوتِهم مقدار الصاع (٣)، وهذا أرجح وأقرب إلى قواعد الشرع، [وإلا] (٤) فكيف يُكلّفُ مَنْ قوتُهم السمك مثلًا أو الأرز الدّخن (٥) إلى التمر، وليس هذا بأول تخصيص قام الدليل عليه، وباللَّه التوفيق. فصل [أمر الذي صلى فذًا بالإعادة] ومن ذلك ظنُّ بعض الناس (٦) أن أمره ﷺ لمن صلّى فذًّا خَلْف الصَّف بالإعادة على خلاف القياس (٧)؛ فإن الإمام والمرأة فذّان وصلاتهما صحيحة. وهذا من أفسد القياس وأبطله؛ فإن الإمام يُسن في حقه التقدم، وأن يكون وحده، والمأمومون يُسن في حقهم الاصطفاف، فقياس أحدهما على الآخر من أفسد القياس، والفرقُ بينهما أن الإمام إنما جُعل ليُؤْتَمّ به وتُشاهد أفعالُه وانتقالاته، فإذا كان قُدَّامهم حصل مقصود الإمامة، وإذا كان في الصف لم يشاهده إلّا مَنْ يليه، ولهذا جاءت السنة بالتقدم (٨)، [ولو كانوا

стр. 1020

ثلاثة] (١)، محافظةً على المقصود بالائتمام، وأما المرأة فإن السنة وقوفها فذة إذا لم يكن هناك امرأة تقف معها؛ لأنها منهية عن مُصافة الرِّجال (٢)، فموقفها المشروع أن تكون خلف الصف فذة، وموقف الرجل المشروع أن يكون في الصف، فقياسُ أحدهما على الآخر من أبطل القياس وأفسده، وهو قياس المشروع على غير المشروع. فإن قيل: فلو كان معها نساء ووقفت وحدها صحت صلاتها! قيل: هذا غير مُسلَّم، بل إذا كان صفُّ نساء (٣) فحكم المرأة بالنسبة إليه في كونها فذة كحكم الرجل بالنسبة إلى صفُّ الرجال، لكن موقف المرأة وحدها خلف الرجال (٤) يدل على شيئين: أحدهما أن الرجل إذا لم يجد خلف الصف من يقوم معه وتعذَّر عليه الدخول في الصف ووقف [معه] (٥) فذًا صحت صلاته للحاجة، وهذا هو القياس المحض؛ فإن واجبات الصلاة تسقط بالعجز عنها؛ الثاني -هو (٦) طرد هذا القياس- إذا لم يمكنه أن يُصلِّي مع الجماعة إلا قُدّام الإمام فإنه يصلي قدامه وتصح صلاته، وكلاهما وجهٌ في مذهب أحمد، وهو اختيار شيخنا ﵀ (٧). وبالجملة فليست المُصَافة أوْجب من غيرها، فإذا سقط ما هو أوجب منها

стр. 1021

للعذر فهي أولى بالسقوط (١)، ومن قواعد الشرع الكلية أنه "لا واجبَ مع عجزٍ، ولا حرامَ مع ضرورة" (٢). فصل [الرهن مركوب ومحلوب وعلى من يركب ويحلب النفقة] ومن ذلك قول بعضهم: إن الحديث الصحيح -وهو قوله: "الرَّهنُ مركوبٌ ومحلوب، وعلى الذي يركبُ ويحلبُ النفقة" (٣) - على خلاف القياس، فإنه جوَّز لغير المالك أن يركب الدابة و [أن] (٤) يحلبها، وضمَّنه (٥) ذلك بالنفقة لا بالقيمة، فهو مخالف للقياس من وجهين (٦). والصواب ما دل عليه الحديث، وقواعد الشريعة وأصولها لا تقتضي سواه؛ فإن الرهن إذا كان حيوانًا فهو محترمٌ في نفسه لحقِّ اللَّه سبحانه، وللمالكِ فيه حَقُّ الملك، وللمرتهن حق الوثيقة، وقد شرع اللَّه سبحانه الرَّهنَ مقبوضًا بيد المرتهن، فإذا كان بيده فلم يَرْكبه ولم يحلبه ذهب نفعه باطلًا (٧)، وإن مَكَّن صاحبه من ركوبه خرج عن (٨) يده وتوثيقه، وإن كَلَّف صاحبه كل وقت أن يأتي ليأخذ (٩) لبنه

стр. 1022

شق عليه غاية المشقّة، ولا سيما مع بعد المسافة، وإن كلف المرتهن بيع اللبن وحفظ ثمنه للراهن شق عليه؛ فكان مُقتضى العَدْل والقياس ومصلحة الراهن والمُرْتَهِن والحيوان أن يستوفيَ المُرتهن منفعة الركوب والحلب ويعوض عنهما بالنفقة (١)، ففي هذا جمع بين المصلحتين، وتوفير الحقَّين (٢)، فإن نفقة الحيوان واجبة على صاحبه، والمرتهن إذا أنفق عليه أدّى عنه واجبًا، وله فيه حق، فله أن يرجعَ ببدَلِه، ومنفعةُ الركوب والحلب تصلح أن تكون بدلًا، فأخْذُها خيرٌ من أن تُهدَر (٣) على صاحبها باطلًا ويُلزم بعوض ما أنفق المُرتهن، وإن قيل للمُرتهن؛ "لا رجوع لك" كان في ذلك إضرارٌ (٤) به، ولم تسمح نفسه بالنفقة على الحيوان، فكان ما جاءت به الشريعة هو الغاية التي ما فوقها في العدل والحكمة والمصلحة شيء يُختار. فإن قيل: ففي هذا أن منْ أدّى عن غيره واجبًا فإنه يرجع ببدله، وهذا خلاف القياس؛ فإنه إلزام له بما لم يلتزمه، ومعاوضة لم يرض بها. وقيل (٥): وهذا أيضًا محض القياس (٦) والعدل والمصلحة، وموجب الكتاب، ومذهبُ أهلِ المدينة وفقهاءِ الحديث، أهلِ بلدته وأهلِ سنته، فلو أَدَّى عنه دينَه (٧) أو أنفق على مَنْ تلزمه نفقته أو افْتَداه من الأسر ولم ينو التبرُّع فله الرجوع، وبعض أصحاب أحمد فرَّقَ بين قضاء الدين ونفقة القريب؛ فجوَّز الرجوع في الدين دون نفقة القريب، قال: لأنها لا تصير دينًا (٨)؟ قال شيخنا (٩): والصواب التسوية بين الجميع، والمحققون من أصحابه ساووا بينهما (١٠)، ولو افتداه من الأسر كان له مطالبتُه بالفِداء، وليس ذلك دَيْنًا عليه، والقرآن يدل على هذا القول، فإن اللَّه تعالى قالَ: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ

стр. 1023

أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] فأمر بإيتاء الأجر (١) بمجرد الإرضاع، ولم يشترط عقدًا ولا إذن الأَب، وكذلك قوله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [البقرة: ٢٣٣]، فأوجب ذلك عليه، ولم يشترط عقدًا ولا إذنًا، ونفقةُ الحيوان واجبةٌ على مالكه، والمستأجر والمرتهن له فيه حق، فإذا أنفق عليه النفقة الواجبة على رَبِّه كان أحق بالرجوع بالإنفاق على ولده (٢)، فإن قال الراهن: أنا لم آذن لك في النفقة، قال: هي واجبة عليك، وأنا أستحق أن أطالبك بها لحفظ المرهون والمُستأجر، فإذا رضي المنفِقُ بأن يعتاض بمنفعة الرهن وكانت (٣) نظير النفقة كان قد أحسن إلى صاحبه، وذلك خيرٌ محضٌ، فلو لم يأت به النص لكان القياس يقتضيه، وطَرْدُ هذا القياس أن المُودعَ والشريك والوكيل إذا أنفق على الحيوان واعتاض عن النفقة بالركوب والحلْب جاز ذلك كالمرتهن. فصل [الحكم في رجل وقع على جارية امرأته موافق للقياس] ومما قيل: "إنه من أبعد الأحاديث عن القياس" حديثُ الحسن، عن قَبيصة بن حُرَيْث عن سلمة بن المُحبَّق أن رسول اللَّه ﷺ "قضى في رجل وقع على جاريةِ امرأتِه إنْ كان استكرهَها فهي حرةٌ، وعليه لسيدتها مثلها، وإن كانت طاوَعتْهُ فهي له وعليه لسيِّدتها مثلها" وفي رواية أخرى: "وإن كانت طاوَعتْه فهي ومثلها من ماله لسيدتها" (٤)، رواه أهل "السنن" وضعَّفه بعضهم من قبل إسناده، وهو

стр. 1024

حديثٌ حسن يحتجون بما هو دونه في القوة، ولكن لإشكاله أقدموا على تضعيفه مع لينٍ في سنده (١).

стр. 1025

قال شيخ الإسلام (١): وهذا الحديث يستقيم على القياس مع ثلاثة أصول صحيحة، كلٌّ منها قول طائفة من الفقهاء: أحدهما: أن من غيَّر مال غيره بحيث فوّت مقصوده عليه فله أن يَضمنه بمثله، وهذا كما لو (٢) تصرّف في المغصوب بما أزال اسمه ففيه ثلاثة أقوال في مذهب أحمد (٣) وغيره: أحدها: أنه باقٍ على مُلكِ صاحبه، وعلى الغاصبِ ضمانُ النقص، ولا شيء عليه في الزيادة كقول الشافعي (٤). والثاني: يملكُه الغاصبُ بذلك، ويضمنُه لصاحبه كقول أبي حنيفة (٥). الثالث: يُخيَّر المالك بين أخذه وتضمين النقص وبين المطالبة بالبَدَل، وهذا أعدل الأقوال وأقواها؛ فإن فوّت (٦) صفاته المعنوية -[مثل أن] (٧) ينسيه صناعته أو يضعف قوته، أو يُفسد عقله أو دينه- فهذا أيضًا يخيَّر المالك فيه بين تضمين النَّقص وبين المطالبة بالبدل، ولو قطع ذَنَبَ بغلة القاضي فعند مالك يضمنها بالبدل ويملكها لتعذر مقصودها على المالك في العادة؛ أو يُخيَّر المالك (٨). فصل [المتلفات تضمن بالجنس] الأصل الثاني: أن جميع المُتْلفات تضمن بالجنس بحسب الإمكان مع مراعاة القيمة، حتى الحيوان فإنه إذا اقترضه رُدّ مثله، كما اقترض النبي ﷺ بَكْرًا وردَّ خيرًا منه (٩)، وكذلك المغرُور يضمن ولده بمثله (١٠) كما قَضت به

стр. 1026

الصَّحابة (١)، وهذا أحد القولين في مذهب أحمد وغيره، وقصة داود وسليمان ﷺ (٢) من هذا الباب؛ فإن الماشية كانت قد أتْلفت حرْث القوم فقضى داودُ بالغنم لأصحاب الحرْث كأنه ضمَّنهم ذلك بالقيمة (٣)، ولم يكن لهم مال إلا الغَنَم فأعطاهم الغنم بالقيمة (٤)، وأما سليمان فحكم (٥) بأن أصحاب الماشية يقومون على الحرث حتى يعود كما كان فضمّنهم إياه بالمِثْل، وأعطاهم الماشية يأخذون منفعتها عوضًا عن المنفعة التي فاتت من غلّة الحرث إلى أن يعود، وبذلك أفتى الزهري لعمر بن عبد العزيز فيمن أتلف له شجر، فقال الزهري: يغرسُه حتى يعود كما كان، وقال ربيعة وأبو الزناد: عليه القيمة، فغلَّظ الزهري القول فيهما، وقول الزهري: وحكم سُليمان هو موجب الأدلة (٦)؛ فإن الواجب ضمان المُتْلف (٧) بالمثل بحسب الإمكان كما قال تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] وقال: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٤] وقال: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ [المائدة: ٤٥] وقال: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦] وإن كان مثل [هذا] (٨) الحيوان والآنية والثياب من كل وجه متعذرًا فقد دار الأمر بين شيئين: الضمان بالدراهم المخالفة للمثل في الجنس والصفة [والماهية] (٨) والمقصود والانتفاع وإن ساوت

стр. 1027

[المضمون] (١) في المالية، والضمان بالمثل بحسب الإمكان المساوي للمُتلف في الجنس والصفة والمالية والمقصود والانتفاع، ولا ريب أن هذا أقربُ إلى النص (٢) والقياس والعدل، ونظير هذا ما ثبت بالسنة (٣) واتفاقِ الصحابة من القصاص في اللّطْمة والضربة (٤) وهو منصوصُ أحمد في رواية إسماعيل بن سعيد، وقد تقدم

стр. 1028

تقرير ذلك وإذا كانت المماثلة من كل وجه متعذرة حتى في المكيل والموزون فما كان أقرب إلى المماثلة فهو أولى بالصواب، ولا ريب أن الجنس إلى الجنس أقرب مماثلةً من الجنس إلى القيمة؛ فهذا هو القياس وموجب النص (١)، وباللَّه التوفيق. [مَنْ مثَّل بعبده عتق عليه] الأصل الثالث: أن من مثّل بعبده عتَقَ عليه (٢)، وهذا مذهب فقهاء الحديث وقد جاءت بذلك آثار (٣) مرفوعة عن النبي ﷺ (٤). . . . .

стр. 1029

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1030

وأصحابه كعمر بن الخطاب (١) وغيره. فهذا الحديث موافق لهذه الأصول الثلاثة الثابتة بالأدلة الموافقة للقياس العادل؛ فإذا طاوعتهُ الجاريةُ فقد أفسدها على سيدتها (٢) فإنها مع المطاوعة تنقصُ قيمتُها إذ تصير زانية، ولا تُمكَّن سيدتُها من استخدامها حق الخدمة، لغيرتها (٣) منها وطمعِها في السيد، واستشراف السيد إليها، وتتشامخ على سيدتِها فلا تطيعها كما كانت تطيعها قبل ذلك، والجاني إذا تصرّف في المال بما ينقص قيمته كان لصاحبه المطالبة بالمثل، فقضى الشَّارعُ لسيدتها بالمثل، وملّكه الجارية؛ إذ لا يُجمع لها بين العِوَض والمعوَّض، وأيضًا فلو رضيت سيدتها أن تبقى الجارية على ملكها وتغرمه ما نقص من قيمتها كان لها ذلك، فإذا لم ترض وعَلِمت أن الأمةَ قد فَسَدت عليها ولم تنتفع بخدمتها كما كانت قبل ذلك من أحسن (٤) القضاء أن يُغرَّم السيدُ مثلها ويملكها. فإن قيل: فاطردوا هذا القياس وقولوا: إن الأجنبيَّ إذا زنى بجارية قوم حتى أفسدها عليهم أن [لهم القيمة أو] (٥) يطالبوه ببدلها. قيل: نعم هذا مُوجب القياس إن لم يكن بين الصورتين فَرْق مؤثرٌ، وإن كان بينهما فرق انقطع الإلحاق؛ فإن الإفساد الذي في وَطء الزوج بجارية امرأته بالنسبة إليها أعظم من الإفساد الذي في وطء الأجنبي (٦)، وبالجملة فجواب هذا السؤال جواب مركب؛ إذ لا نص فيه ولا إجماع.

стр. 1031

فصل [استكراه السيد لجاريته وعبده] وأما إذا استكرهها فإن هذا من باب المثلة، فإن الإكراه على الوطء مُثْلة؛ فإن الوطء يجري مجرى الجناية، ولهذا لا يخلو عن عُقر أو عقوبة، ولا يجري مجرى منفعة الخدمة، فهي لما صارت له بإفسادها على سيدتها أوجب عليه مثلها كما في المطاوعة، وأعتقها عليه لكونه مَثَّل بها. قال شيخنا (١): ولو اسْتَكره عبده على الفاحشة عَتق عليه، ولو استكره أمة الغير على الفاحشة عتقت عليه، وضمنها بمثلها، إلا أن يفرق بين أمة امرأته وبين غيرها، فإن كان بينهما فرق شرعي وإلا فموجب القياس التسوية. وأما قوله تعالى: ﴿وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ [إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا لِتَبْتَغُوا عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ] (٢) غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [النور: ٣٣] فهذا نهي عن إكراههن على كسب المال بالبغاء، كما قيل: إن عبد اللَّه بن أُبيّ رأس المنافقين كان له إماءٌ يُكرههن على البِغَاء (٣)، وليس هذا استكراهًا للأمة (٤) على أن يزني بها هو، فإن هذا بمنزلةِ التَمثيل بها، وذاك إلزامٌ لها لأن (٥) تذهبَ هي فتزني، مع أنه يمكن أن يُقال: العتقُ بالمثلة لم يكن مشروعًا عند نزول الآية، ثم شُرع بعد ذلك. [ما من نص صحيح إلا وهو موافق للعقل] قال شيخنا (٦): والكلام على هذا الحديث من أدقِّ الأمور، فإن كان ثابتًا فهذا الذي ظهر في (٧) توجيهه، وإن لم يكن ثابتًا فلا يحتاج إلى الكلام عليه.

стр. 1032

قال: وما عرفت حديثًا صحيحًا إلا ويمكن تخريجه على الأصول الثابتة قال: وقد تدبَّرتُ ما أمكنني من أدلةِ الشَّرعِ فما رأيت (١) قياسًا صحيحًا يخالف حديثًا صحيحًا، كما أن المعقول الصحيح لا يخالف المنقول الصحيح، بل متى رأيت قياسًا يُخالف أثرًا فلا بد من ضعف أحدهما، لكن التمييز بين صحيح القياس وفاسده [مما] (٢) يخفى كثيرٌ منه على أفاضل العلماء فضلًا عمن هو دونهم، فإن إدراك الصفةِ المؤثرةِ في الأحكام على وجهها ومعرفة المعاني التي عُلِّقت بها الأحكام من أشرف العلوم، فمنه الجليُّ (٣) الذي يعرفه أكثر الناس، ومنه الدقيقُ الذي لا يعرفه إلا خواصُّهم، فلهذا صارت أقْيِسَةُ كثيرٍ من العلماء تجيءُ مخالفةً للنصوص لخفاء القياس الصحيح، كما يخفى على كثير من الناس ما في النصوص من الدلائل الدقيقة التي تدل على الأحكام، [انتهى] (٤). فإن قيل: فهَبْ (٥) أنكم خرّجتم ذلك على القياس، فما تصنعون بسقوط الحد عنه وقد وطئ فرجًا لا مِلْك له فيه ولا شُبهة مِلك؟ قيل: الحديث لم يتعرض [للحد] (٦) بنفي ولا إثبات، وإنما دلّ على الضمان وكيفيته. فإن قيل: فكيف تخرِّجون حديث النعمان بن بشير في ذلك: "إنّها إن (٧) كانت أحَلّتها له جُلِد مئة جلدة، وإن لم تكن أحلّتها له رُجم بالحجارة" (٨) على القياس.

стр. 1033

قيل: هو بحمدِ اللَّه موافقٌ للقياس، مطابقٌ لأصول الشريعة وقواعدها؛ فإن إحلالَها له شبهةٌ كافية في سقوط الحد عنه، ولكن لما لم يملكها بالإحلال كان الفرجُ محرَّمًا عليه، وكانت المئة تعزيرًا له وعقوبةً على ارتكاب فرج حرام عليه، وكان إحلالُ الزوجة له وطأها شبه دارئةٍ للحدِّ عنه. [التعزير] فإن قيل: فكيف تُخرِّجون التعزيز بالمئة على القياس. قيل: هذا من أسهل الأمور؛ فإن التعزير لا يقدَّر بقدرٍ [معلوم] (١)، بل هو بحسب (٢) الجريمة في جنسِها وصفتِها وكِبَرِها وصِغَرِهَا (٣)، وعمرُ بن الخطاب (٤) قد تنوَّع تعزيرُه في الخمر؛ فتارة بحلْق الرأس، وتارة بالنفي، وتارة بزيادة أربعين

стр. 1034

سوْطًا على الحد الذي ضَرَبَه (١) رسول اللَّه ﷺ وأبو بكر، وتارة بتحريق حانوت الخَمَّار (٢)، وكذلك تعزيرُ الغالِّ قد جاءت السنة بتحريق متاعه (٣)، وتعزيرُ مانع

стр. 1035

الصَّدقةِ بأخذها وأخذِ شَطْرِ ماله معها (١)، وتعزيرُ كاتمِ الضَّالَّةِ الملتقطة بإضعاف الغُرْم عليه (٢)، وكذلك عقوبة سارق ما لا قَطْع فيه يُضعَّف عليه الغُرْم (٣)، وكذلك قاتل الذِّميِّ عمدًا أضْعف عليه عمر وعثمان ديته (٤)، وذهب إليه أحمد وغيره.

стр. 1036

فإن قيل: فما تصنعون بقول النبي ﷺ : "لا يُضربُ فوقَ عشرةِ أسواطٍ إلا في حدٍّ من حدودِ اللَّه" (١). [الكلام على حديث: "لا يضرب فوق عشرة أسواط "] قيل: نتلقَّاه بالقبول والسمع والطاعة، ولا منافاة بينه وبين شيءٍ مما ذكرنا (٢)، فإن الحد في لسانِ الشارع (٣) أعمّ منه في اصطلاح الفقهاء؛ فإنهم يريدون بالحدود عقوباتِ الجناياتِ المُقدّرة بالشرع خاصة، والحدُّ في لسان الشارع أعمّ من ذلك؛ فإنه يُراد به هذه العقوبة تارةً ويراد به نفس الجناية تارةً، كقوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧] وقوله: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩] فالأولُ حدودُ الحرام، والثاني: حدودُ الحَلال (٤)، وقال النبي ﷺ : "إن اللَّه حدَّ حُدودًا فلا تعْتدوها" (٥) وفي حديث النوَّاس بن سمعان

стр. 1037

الذي تقدم في أول الكتاب (١): ". . . والسوران حدود اللَّه. . "، ويراد به تارة جنس العقوبة، وإن لم تكن مُقدَّرة، فقوله ﷺ : "لا يُضرب فوق عشرة أسواط إلا في حد من حدود اللَّه" (٢) يريد الجناية (٣) التي هي حَقُّ اللَّه. فإن قيل: فأين تكون العشرة فما دونها إذا كان المرادُ بالحدِّ الجنايةَ. قيل: في ضَرْب الرجل امرأتَه وعَبْدَه وولدَه، وأجيره للتأديب ونحوه، فإنه لا يجوز أن يزيد على عشرة أسواط؛ فهذا أحْسَن ما خُرِّج عليه الحديث، وباللَّه التوفيق. فصل [المضي في الحج الفاسد لا يخالف القياس] وأما المضي في الحج الفاسد فليس مخالفًا للقياس؛ فإن اللَّه سبحانه أمر بإتمام الحج والعمرة، فعلى مَنْ شرع فيهما أن يمضي فيهما وإن كان متطوعًا بالدخول باتفاق الأئمة، وإن تنازعوا فيما سواه من التطوعات: هل تلزم بالشروع أم لا؟ فقد وَجَب عليه بالإحرام أن يمضيَ فيه إلى حين يتحلَّل، ووجب عليه الإمساك عن الوطء، فإذا وطئ فيه لم يسقط [وطؤه] (٤) ما وجب عليه من إتمام النُّسك، فيكون ارتكابه ما حرَّمه اللَّه عليه سببًا لإسقاط الواجب عليه (٥)، ونظير هذا الصائم إذا أفطر عمدًا لم يُسقِط عنه فِطرُه ما وجب عليه من إتمام الإمساك، ولا يُقال له: قد بطل صومُكَ فإن شئت أن تأكل فكُل، بل يجبُ عليه المضيُّ فيه

стр. 1038

وقضاؤه، لأن الصائم له حدٌ محدود وهو غروب الشمس (١). فإن قيل: فهلا طرَدْتُم ذلك في الصلاة إذا أفسدها، وقلتم: يمضي فيها ثم يعيدها؟ قيل: من ههنا ظَنَّ مَنْ ظَنَّ أن المضي في الحج الفاسد على خلاف القياس (٢)، والفرق بينهما أن الحج له وقتٌ محدودٌ وهو يوم عرفة كما للصيام (٣) وقت محدود وهو الغروب، وللحج مكانٌ مخصوص لا يمكن إحلال المُحْرِم قبل وصوله إليه كما لا يمكن فطر الصائم قبل وصوله إلى وقت الفطر (٤)، فلا يمكنه فعله، ولا فعل الحج ثانيًا في وقته، بخلاف الصلاة فإنه يمكنه فعلها ثانيًا في وقتها؛ وسرُّ الفرق أن وقت الصيام والحج بقدر فعله لا يَسَع غيره، ووقت الصلاة أوْسع منها فيسع غيرها، فيمكنه تدارك فعلها إذا فسدت في أثناء الوقت، ولا يمكن تدارك الصيام والحج إذا فسدا إلا في وقتٍ آخرَ نظير الوقت الذي أفسدهما فيه، واللَّه أعلم (٥). فصل [العذر بالنسيان] وأما من أكل في صومه ناسيًا فمن قال: "عدم فطره ومضيه في صومه على خلاف القياس" ظن أنه من باب ترك المأمور ناسيًا، والقياس أنه يلزمه الإتيان بما تركه، كما لو أحدث ونَسي حتى صلَّى (٦)، والذين قالوا: "بل [هو] (٧) على وفْق القياس" حُجَّتُهم أقوى؛ لأن قاعدة الشريعة أَنَّ مَنْ فعل محظورًا ناسيًا فلا إثمَ عليه، كما دل عليه قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة:

стр. 1039

٢٨٦] وثبت عن النبي ﷺ أن اللَّه سبحانه استجاب هذا الدعاء، وقال: قد فعلت (١)؛ وإذا ثبت أنه غيرُ آثمٍ فلم يفعل في صومه محرَّمًا فلم يبطل صومه، وهذا محض القياس؛ فإن العبادة إنما تبْطلُ بفعل محظور أو ترك مأمور (٢). وطردُ هذا القياس أن من تكلّم في صلاته ناسيًا لم تبطل (٣) صلاته. وطرْدُه أيضًا أن من جامع في إحرامه أو صيامه ناسيًا لم يبطُل صِيامُه ولا إحرامه. وكذلك من تطيّب أو لبِس أو غطّى رأسه أو حلق رأسه أو قَلَّم ظفره ناسيًا فلا فِدْية عليه، بخلاف قَتْل الصيد، فإنه من باب ضمان المُتْلفات فهو كدِية القتِيل، وأما اللباس والطيب فمن باب الترفُّه، وكذلك الحلق والتقليم ليس من باب الإتلاف فإنه لا قيمةَ له في الشرع ولا في العُرف، وطرد هذا القياس أن من فعل المحلوف عليه ناسيًا لم يَحْنَث، سواء حلف باللَّه أو بالطلاق أو بالعتاق (٤) أو غير ذلك؛ لأن القاعدة أن مَنْ فعل المنهيّ عنه ناسيًا لم يُعَدَّ عاصيًا، والحنثُ في الأيمان كالمعصية في الأيمان، فلا يعدُّ حانثًا مَنْ فعل المحلوف عليه ناسيًا. [طرد هذا القياس في أمور كثيرة] وطرد هذا أيضًا أن من باشر النَّجاسة في الصلاة ناسيًا لم تبطل صلاته، بخلاف من ترك شيئًا من فروض الصلاة ناسيًا أو تَركَ الغُسل من الجنابة أو الوضوء أو الزكاة أو شيئًا من فروض الحج ناسيًا فإنه يلزمه الإتيان به؛ لأنه لم يُؤَدِّ ما أُمر به، فهو في عهدة الأمر؛ وسِرُّ الفرق أن من فعل المحظور ناسيًا يُجعل وجوده كعدمه، ونسيان ترك المأمور لا يكون عذرًا في سقوطه، كما كان فعل

стр. 1040

المحظور نسيانًا (١) عذرًا في سقوط الإثم عن فاعله. فإن قيل: فهذا الفرق حجة عليكم؛ لأن ترك المفطرات في الصوم من باب المأمورات، ولهذا تُشترط (٢) فيه النية، ولو كان فِعْلُ المُفطرات (٣) من باب المحظور لم يحتج إلى نية كفعل سائر المحظورات (٤). قيل: لا ريبَ أن النية في الصوم شرطٌ، ولولاها لما كان عبادة، [ولا أُثيب عليه؛ لأن الثواب لا يكون] (٥) إلا بالنية؛ فكانت النيةُ شرطًا في كون هذا الترك عبادة، ولا يختص ذلك بالصوم، بل كل تركٍ لا يكون عبادة يُثاب عليه (٦) إلا بالنية، ومع ذلك فلو فعله ناسيًا لم يأثم به، فإذا نوى تركها لته ثم فعلها ناسيًا لم يقْدَحْ نسيانه في أجره، بل يثاب على قصد تركها للَّه، ولا يأثم بفعلها ناسيًا، وكذلك الصوم. وأيضًا فإن فعل الناسي غير مضاف إليه، كما قال النبي ﷺ : "من أكلَ أو شَربَ ناسيًا فليتمَّ صوْمه؛ فإنما أطعمه اللَّه وسقاه" (٧) فأضاف فعله ناسيًا إلى اللَّه لكونه لم يُردْه ولم يتعمده، وما يكون مضافًا إلى اللَّه تعالى لم يدخل تحت قدرة العبد فلم (٨) يكلَّف به، فإنه إنما يُكلَّف بفعله، ولا بما يَفْعل فيه، ففعل الناسي كفعل النائم والمجنون والصغير (٩)، وكذلك لو احتلم الصائم في منامه أو ذَرَعَه القيءُ (١٠) في اليقظة لم يفطر، ولو استدعى ذلك أفطر (١١) به؛ فلو كان ما يُوجد بغير قصده كما يوجد بقصده لأفطر بهذا وهذا.

стр. 1041

[هل هناك فرق بين الناسي والمخطئ] فإن قيل: فأنتم تُفطِّرون المخطئ كمن أكل يظنه ليلًا فبَانَ نَهَارًا (١). قيل: هذا فيه نزاعٌ معروف بين السَّلف والخلف، والذين فرَّقوا بينهما قالوا: فعل المُخطئ يمكن الاحتراز منه، بخلاف الناسي. ونُقل عن بعض السلف أنه يفطر في مسألة الغروب دون مسألة الطلوع كما لو استمر الشك. قال شيخنا (٢): وحجةُ مَنْ قال لا يُفطر في الجميع أقوى، ودلالة الكتاب والسنة على قولهم أظهر؛ فإن اللَّه سبحانه سوَّى بين الخطأ والنسيان في عدم المؤاخذة. ولأن فِعلَ محظوراتِ الحجِّ يستوي فيه المخطئ والناسي، ولأن كلَّ واحد منهما غيرُ قاصدٍ للمخالفة، وقد ثبت في الصحيح أنهم أفْطرُوا على عهد رسول اللَّه ﷺ ثم طلعت الشَّمْسُ (٣)، ولم يثبت في الحديث أنهم أُمِرُوا بالقضاء، ولكن هشام بن عُروة سُئِل عن ذلك فقال: لا (٤) بدَّ من قضاء، وأبوه عروة أعلم منه، وكان يقول: لا قضاء عليهم (٥)، وثبت في "الصحيحين" أن بعض الصحابة أكلوا حتى ظهر الخيطُ الأسودُ من [الخيط] (٦) الأبيض (٧) ولم يُؤمر أحدٌ (٨) منهم بقضاء وكانوا مخطئين، وثبت عن عمر بن الخطاب أنه أفطر ثم تبين النهار فقال:

стр. 1042

لا نقضي؛ لأنا لم نتجانفْ لإثم، وروي عنه أنه قال: نقضي (١)، وإسناد الأول أثْبتُ، وصحَّ عنه أنه قال: الخطْبُ يسيرٌ (٢)؛ فتأوَّل ذلك من تأوله على أنه أراد خفة أمر القضاء، واللفظ لا يدل على ذلك. قال شيخنا (٣): وبالجملة فهذا القول أقوى أثرًا ونظرًا، وأشبه بدلالة الكتاب والسنة والقياس. قلت له: فالنبي ﷺ مر على رجل يحتجم فقال: "أفطرَ الحاجمُ والمحجوم" (٤) ولم يكونا عالمين بأن الحجامة تُفَطّر، ولم يبلغهما قبل ذلك قوله:

стр. 1043

"أَفطرَ الحاجمُ والمحجوم" ولعل الحكم إنما شرع ذلك اليوم. فأجابني بما مضمونه [أن الحديث] (١) اقتضى أنَّ ذلك الفعل مُفَطِّر، وهذا كما لو رأى إنسانًا يأكل أو يشرب فقال: أفطر الآكل والشارب؛ فهذا فيه بيانُ السبب المقتضي للفطر، ولا تعرُّضَ فيه للمانع. وقد علم أن النسيان مانع للفطر بدليل خارجٍ، فكذلك الخطأ والجهل، واللَّه أعلم. فصل (٢) [الحكم في امرأة المفقود على وفق القياس] ومما ظُن (٣) أَنه على خلاف القياس ما حكم به الخلفاء الراشدون في امرأة المفقود؛ فإنه قد ثبت عن عمر بن الخطاب ﷺ أنه أجّل امرأته أربع سنين وأمرها أن تتزوج، فقدم المفقود بعد ذلك فخيَّره عمر بين امرأته وبين مهرها (٤)؛

стр. 1044

فذهب الإمام أحمد إلى ذلك، وقال: ما أدري مَنْ ذهب إلى (١) غير ذلك إلى أيِّ شيء يذهب، وقال أبو داود في "مسائله": سمعت أحمد (٢) -وقيل له: في نفسك شيءٌ من المفقود؟ - فقال: ما في نفسي منه شيء، هذا خمسة من أصحاب رسول اللَّه ﷺ أمروها أن تتربّص (٣)، قال أحمد: [هذا] من ضيقِ علمِ الرجل أن لا يتكلم في امرأة المفقود (٤). وقد قال بعض المتأخرين من أصحاب أحمد: إن مذهب عمر في المفقود يخالف القياس (٥)، والقياس أنها زوجة القادم بكل حال، إلا أن نقول: الفُرْقة تنفذ ظاهرًا وباطنًا؛ فتكون زوجة الثاني بكل حال، وغلا بعض المخالفين لعمر في ذلك فقالوا: لو حَكم حاكمٌ بقول عمر في ذلك لنُقضَ حكمُه لبعده عن القياس. وطائفة ثالثة اْخذت ببعض قول عمر، وتركوا بعضه، فقالوا: إذا تزوجت ودخل بها الثاني فهي زوجته، ولا تُردُّ إلى الأول، وإن لم يدخل بها رُدَّت إلى الأول. [مَنْ تَصَرَّف في حق غيره هل تصرفه مردود أو موقوف ؟] قال شيخنا (٦): من خالف عمر لم يهتدِ إلى ما اهتدى إليه عمر، ولم يكن له من الخبرة بالقياسِ الصحيحِ مثل خبرة عمر، وهذا إنما يتبين بأصْلٍ، وهو وقْفُ العقود إذا تَصَرَّفَ الرجل في حق الغير بغير إذنه، هل يقع تصرفه مردودًا أو موقوفًا على إجازته؟ على قولين [مشهورين] (٧) هما روايتان عن أحمد: إحداهما أنها تقف

стр. 1045

على الإجازة، وهو مذهب أبي حنيفة (١) ومالك (٢)، والثانية: أنها لا تقف، وهو أشهر قَوْلي الشافعي (٣)، وهذا في النكاح والبيع والإجارة، وظاهر مذهب أحمد التفصيل (٤)، وهو أن المتصرف إذا كان معذورًا لعدم تمكنه من الاستئذان وكان به حاجة إلى التصرف وقف العقد على الإجازة (٥) بلا نزاعٍ عنده، وإن أمكنه الاستئذانُ أو لم تكن به حاجة إلى التصرف ففيه النزاع؛ فالأول مثلُ منْ عنده أموالٌ لا يعرف أصحابها كالغُصُوب والعَوَاري ونحوها فإذا تعذّر عليه معرفة أصحاب الأموال (٦) ويئس منهم فإن مذهب أبي حنيفة (٧) ومالك (٨) وأحمد (٩) أنه يتصدّق بها عنهم؛ فإن ظهروا بعد ذلك كانوا مخيَّرين بين الإمضاء وبين التضمين. وهذا مما جاءت به السنة في اللُّقطة (١٠)؛ فإن الملتقط يأخذها بعد التعريف ويتصرف فيها ثم إن جاء صاحبها كان مخيَّرًا بين إمضاء تصرفه وبين المطالبة بها، فهو تصرف موقوف لمّا تعذر الاستئذان ودعت الحاجة إلى التصرف، وكذلك

стр. 1046

المُوصي بما زاد على الثلث [وصيّتُه موقوفةٌ] (١) على الإجازة عند الأكثرين، وإنما يخيَّرون بعد الموت (٢)، فالمفقودُ المنقطعُ خبرهُ إن قيل: "إن امرأته تبقى إلى أن يُعلَم خبرُه" بقيت لا أيِّمًا ولا ذات زوج إلى أن تبقى من القواعد أو تموت، والشريعة لا تأتي بمثل هذا، فلما أُجِّلت أربع سنين ولم ينكشف خبرُه (٣) حُكِم بموته ظاهرًا (٤). فإن (٥) قيل: يَسوغُ للإمام أن يفرق بينهما للحاجة، فإنما ذلك بعد اعتقاد موته، وإلا فلو عُلمت حياتُه لم يكن مفقودًا، وهذا كما ساغ التصرُّف في الأموال التي تعذَّر معرفةُ أصحابها، فإذا قدم الرجل تبيَّنَا (٦) أنه كان حيًا، كما إذا ظهر صاحب المال، والإمام قد تصرف في زوجته بالتفريق؛ فيبقى هذا التفريق موقوفًا على إجازته؛ فإن شاء أجاز ما فعله الإمام وإن شاء ردّه، وإذا أجازه صار كالتفريق المأذون فيه، ولو أذن للإمام أن يفرِّق بينهما وقعتِ الفرقةُ (٧) بلا ريب، وحينئذٍ فيكون نكاح الثاني صحيحًا، وإن لم يُجِزْ ما فَعَلَهُ الإمامُ كان التفريق باطلًا فكانت باقيةً على نكاحه فتكون زوجته، فكانَ القادم مخيَّرًا بين إجازةِ (٨) ما فعله الإمام ورده، وإذا أجاز فقد أخرج (٩) البُضْع عن ملكه، وخروج البُضع من (١٠) ملك الزوج متقوم عند الأكثرين كمالك والشافعي وأحمد في أنصِّ الروايتين، والشافعي يقول: هو مضمونٌ بمهر المثل، والنزاع بينهم فيما إذا شهد شاهدان أنه طلَّق امرأته ثم رجعا عن الشهادة، فقيل: لا شيء عليهما، بناء على أن خروج

стр. 1047

البُضْع من ملك الزوج ليس بمتقوّم، وهذا قول أبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتين اختارها متأخرو أصحابه كالقاضي أبي يعلى وأتباعه، وقيل: عليهما مهرُ المثل، وهو قول الشافعي، وهو (١) وجهٌ في مذهب أحمد، وقيل: عليهما المُسمَّى، وهو مذهب مالك، وهو أشهرُ في نص أحمد، وقد نصَّ على ذلك فيما إذا أفسد نكاح زوجته (٢) برضاع أنه يرجع المُسمَّى، والكتاب والسنة يدلان على هذا القول؛ فإن اللَّه تعالى قال: ﴿وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلُوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ فَآتُوا الَّذِينَ ذَهَبَتْ أَزْوَاجُهُمْ مِثْلَ مَا أَنْفَقُوا﴾ [الممتحنة: ١٠، ١١] وهذا هو المُسمَّى دون مهر المثل؛ ولذلك (٣) أمر النبي ﷺ زوجَ المختلعة أن يأخذَ ما أعطاها دون مهر المثل (٤)، وهو سبحانه إنما يأمر في المُعاوضات المُطْلَقة بالعدل. [القول بوقف العقود عند الحاجة] فحكم أمير المؤمنين في المفقود ينبني على هذا الأصل، والقول بوقف العقود عند الحاجة متفق عليه بين الصحابة، ثبت ذلك عنهم في قضايا متعددة، ولم يُعلم أن أحدًا منهم أنكر ذلك، مثل قضية ابن مسعود في تصَدُّقه عن (٥) سَيّد الجارية التي ابتاعها بالثمن الذي كان له عليه في الذِّمة لما تعذَّرت عليه معرفتُه (٦)

стр. 1048

وكتصدق الغالِّ بالمال المغلول من الغَنيمة لما تعذَّر قسمه بين الجيش، وإقرارُ معاوية له على ذلك وتصويبُه له (١)، وغير ذلك من القضايا، مع أن القول بوقف العقود [مطلقًا] (٢) هو الأظهر في الحجة، وهو قول الجمهور، وليس في ذلك ضررٌ أصلًا، بل هو إصلاح بلا إفساد (٣)؛ فإن الرجل قد يرى أن يشتريَ لغيره أو يبيعَ له أو يؤجِّرَ له أو يستأجِرَ له (٤) ثم يشاوره، فإن رضي وإلا لم يحصل له ما يضره، وكذلك في تزويج وَليَّته ونحو ذلك، وأما مع الحاجة فالقول به لا بد منه، فمسألة المفقود هي مما يُوقف (٥) فيها تفريق الإمام على إذن الزوج إذا جاء كما يقف تصرف المُلتَقط على إذن المالك إذا جاء (٦)، والقول بردَّ المهر [إلى الزوج] (٧) بخروجِ بُضْع امرأته عن ملكه، ولكن تنازعوا في المهر الذي يرجعُ به: هل هو ما أعطاها هو أو ما أعطاها الثاني، وفيه روايتان عن أحمد: إحداهما (٨) يرجع بما مَهرَها الثاني؛ لأنها هي التي أخذته، والصواب أنه إنما يرجع بما مَهَرها هو؛ فإنه الذي يستحقه، وأما المهر الذي أصدقها الثاني فلا حقّ له فيه، وإذا ضمن الثاني للأول المهر فهل يرجع به عليها؟ فيه روايتان [عن أحمد] (٩): إحداهما يرجعُ؛ لأنها هي التي أخذته، والثاني قد أعطاها المهرَ الذي عليه، فلا يضمن مَهْرين، بخلاف المرأة فإنها لما اختارت فِراقَ الزوج الأول ونكاح الثاني فعليها أن تردَّ المهر؛ لأن الفرقة جاءت من جهتها، والثانية لا يَرجع؛ لأن المرأة

стр. 1049

تستحقُّ المهرَ بما استحل من فرجها، والأول يستحق المهر بخروج البُضْعِ عن ملكه، فكان على الثاني، وهذا المأثور عن عمر في مسألة المفقود (١)، وهو عند طائفة من الفقهاء من أبعد الأقوال عن القياس (٢)، حتى قال بعض الأئمة: لو حكم به حاكم نُقض حكمه، وهو مع هذا أصح الأقوال وأحراها في القياس (٣)، وكل قول قيل سواه فهو خطأ، فمن قال: "إنها تعاد (٤) إلى الأول بكل حال"، أو "تكون مع الثاني بكل حال" فكلا القولين خطأ؛ إذ كيف تُعاد إلى الأول وهو لا يختارها ولا يريدها، وقد فُرِّق بينه وبينها تفريقًا سائغًا في الشرع، وأجاز هو ذلك التفريق؟ فإنه وإن تبيَّن للإمام أن الأمر بخلاف ما اعتقده فالحق في ذلك للزوج، فإذا أجاز ما فعله الإمام زال المحذور، وأما كونها زوجة الثاني بكل حال مع ظهور زَوْجها وتبين أنَّ الأمر بخلاف ما فعل الإمام فهو خطأ أيضًا؛ فإنه مسلمٌ لم يفارق امرأته، وإنما فُرِّق بينهما بسبب ظَهرَ أنه لم يكن كذلك، وهو يطلب امرأته، فكيف يُحال بينه وبينها؟ وهو لو طلب ماله أو بدله رُدَّ إليه فكيف لا ترد إليه امرأته وأهله أعز عليه من ماله؟ وإن قيل: "حق الثاني تعلق بها" قيل: حقه سابق على حق الثاني، وقد ظهر انتقاض السبب الذي به استحق الثاني أن تكون زوجةً له، وما المُوجِبُ لمراعاة حق الثاني دون الأول؟ فالصواب ما قضى به أميرُ المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ (٥)؛ ولهذا تعجَّب أحمد ممن خالفه، فإذا ظهر صحة ما قاله الصحابة ﵃ وصوابه في مثل هذه المشكلات التي خالفهم فيها مثل أبي حنيفة ومالك والشافعي فلأن يكون الصواب [معهم] (٦) فيما وافقهم هؤلاء بطريق الأولى. [ابن تيمية يقول: الصحابة أفقه الأمة وأعلمها ودليل قوله] قال شيخنا (٧): وقد تأمَّلتُ من هذا الباب ما شاء اللَّه فرأيت الصحابة أفقه الأمة وأعلمها، واعْتبر هذا بمسائلِ الأيمان والنذور والعتق وغير ذلك، ومسائل تعليق الطلاق بالشروط؛ فالمنقول فيها عن الصحابة هو أصحُّ الأقوال، وعليه يدل

стр. 1050

الكتاب والسنة والقياس الجلي، وكل قول سوى ذلك فمخالف للنصوص مناقض للقياس، وكذلك في مسائل غير هذه مثل مسألة ابن المُلَاعِنَة ومسألة ميراث المرتد، وما شاء اللَّه من المسائل، لم أجد أجْود الأقوال إلا أقوال الصحابة، وإلى ساعتي هذه ما علمت قولًا قاله الصحابة ولم يختلفوا فيه إلا كان القياس معه، لكن العلم بصحيحِ القياسِ وفاسدِه من أجَلِّ العلوم، وإنما يَعرف ذلك من كان خبيرًا بأسرار الشرع ومقاصده، وما اشتملت عليه شريعة الإِسلام من المحاسن التي تفوق التعداد، وما تضمنته من مصالح العباد في المعاش والمعاد، وما فيها من الحكمة البالغة والنعمة السابغة والعدل التام، واللَّه أعلم، انتهى. فصل [مسألة الزُّبية] ومما أشكل على كثير من الفقهاء من قضايا الصحابة وجعلوه من أبعد الأشياء عن القياس مسألة التزاحم، وسقوط المتزاحمين في البئر، وتسمى مسألة الزُّبْيَة (١). وأصلُها أن قومًا من أهل اليمن حفروا زُبْية للأسد؛ فاجتمع الناس على رأسها، فهوى فيها واحد، فجذب ثانيًا، فجذب الثاني ثالثًا، فجذب الثالث رابعًا، فقتلهم الأسد، فرُفِع ذلك إلى أمير المؤمنين [علي] (٢) كرَّم اللَّه وجهه [في الجنة] (٢) وهو على اليمن، فقضى للأول بربع الدية، وللثاني بثلثها, وللثالث بنصفها, وللرابع بكاملها (٣)، وقال: أجْعَلُ الدية على من حضر رأس البئر؛ فرفع ذلك إلى النبي ﷺ فقال: "هُوَ كما قال". رواه سعيد بن منصور في "سننه": ثنا أبو عَوانة وأبو الأحْوَص، عن سِماك بن حرب، عن حَنَش الصَّنعانيِّ، [عن علي] (٤).

стр. 1051

فقال أبو الخطاب وغيره: ذهب أحمدُ إلى هذا توقيفًا على خِلاف القياس. والصواب أنه مقتضى القياس والعَدْل، وهذا يتبين بأصل، وهو أن الجناية إذا حصلت من فعلٍ مضمونٍ ومُهْدر سقط ما يقابل المهدر واعتُبر ما يُقابل المضمون، كما لو قتل عبدًا مشتركًا بينه وبين غيره، أو أتلف مالًا مشتركًا أو حيوانًا سقط ما يُقابل حَقَّه ووجب عليه ما يقابل حقَّ شريكه، وكذلك لو اشترك اثنان في إتلاف مالِ أحدِهما أو قَتْلِ عبده أو حيوانه سقط عن المشارك (١) ما يقابل فعله، ووجب على الآخر من الضمان بقِسْطه (٢)، وكذلك لو اشترك هو وأجنبي في قتل نفسه كان على الأجنبي نصفُ الضمان، وكذلك لو رمى ثلاثةً بالمنجنيق فأصاب الحجَرُ أحدَهم فقتله فالصحيح أن ما قابل فعل المقتول ساقط ويجب ثُلثا ديته على عاقلة الآخرين، هذا مذهب الشافعي واختيار صاحب "المغني" (٣) والقاضي أبي (٤) يعلى في "المجرَّد". [حكم علي في القارصة [والقامصة] والواقصة] وهو الذي قضى به علي (٥) في مسألة القارِصة [والقامصة] والواقِصة (٦)، قال الشعبي: وذلك أن ثلاث جوار اجتمعن فركبت إحداهُنَّ على عُنُق الأخرى فقرَصَت الثالثةُ المركوبةَ فقمصت فسقطت الرَّاكبة فوقصت [أي كسرت] (٧) عنقها

стр. 1052

فماتت، فرُفع ذلك إلى عليّ (١) فقضى بالدية أثلاثًا على عواقلهنَّ، وألقى (٢) الثلث الذي قابل فعل الواقصة؛ لأنها أعانت على قتل نفسها (٣). وإذا ثبت هذا فلو ماتوا بسقوط بعضهم فوق بعض كان الأول قد هلك بسبب مركَّب من أربعة أشياء: سقوطه، وسقوط الثاني، والثالث، والرابع. وسقوط الثلاثة فوقه من فعله وجنايته على نفسه، فسقط ما يقابله وهو ثلاثة أرباع الدية، وبقي الربع الآخر لم يتولَّد من فعله، وإنما تولد من التزاحم فلم يُهدر؛ وأما الثاني فلأن هلَاكه كان من ثلاثة أشياء: جَذْب من قبله له، وجَذْبه هو لثالث ورابع (٤)؛ فسقط ما يقابل جذبه وهو ثلثا الدية، واعتُبر ما لا صُنع له فيه، وهو الثُلُث الباقي؛ وأما الثالث فحصل تلفه بشيئين: جذب من قبله له، وجذبه هو للرابع، فسقط فعله دون السبب الآخر؛ فكان لورثته النصف، وأما الرابع فليس منه فعل البتة، وإنما هو مجذوب محْض، فكان لورثته كمال الدية، وقضى بها على عواقل الذين حضروا البئر لتدافعهم وتزاحمهم. فإن قيل: على هذا سؤالان: أحدهما: أنكم لم توجبوا على عاقلة الجاذب شيئًا مع أنه مباشر، وأوجبتم على عاقلة مَنْ حضر البئر ولم يُباشر؛ وهذا خلاف القياس. الثاني: [هب أن هذا] (٥) يتأتَّى لكم فيما إذا ماتوا بسقوط بعضهم على بعض، فكيف يتأتى لكم في مسألة الزُّبية، وإنما ماتوا بقتل الأسد؟ فهو كما لو تجاذبوا فغرقوا في البئر. قيل: هذان سؤالان قويان، وجواب الأول أن الجاذب لم يُباشر الإهلاك وإنما تَسبَّب إليه، والحاضرون تسببوا بالتزاحم، وكان تسبُّبهم أقوى من تسبب الجاذب (٦)؛ لأنه أُلجيء إلى الجذب؟ فهو كما لو ألقى إنسانٌ إنسانًا على آخر

стр. 1053

فنفضه عنه لئلا يقتلَه فمات، فالقاتل هو المُلقي. وأما السؤال الثاني فجوابه أن المباشر للتَّلف كالأسد والماء والنار، لما لم يمكن الإحالة عليه أُلغي فعله، وصار الحكم للسبب؛ ففي مسألة الزّبية ليس للرابع فعل البتة، وإنما هو مفعولٌ به محض، فله كمال الدية، والثالث فاعل ومفعول به فأُلغي ما يقابل فعله واعتُبر فعل الغير به، فكان قسطه نصف الدية، والثاني كذلك لأنه (١) جاذبٌ لواحد والمجذوبُ جاذبٌ لاخر (٢)؛ فكان الذي حصل عليه من تأثير الغير فيه ثلث السبب وهو جذب الأول له فله ثُلثُ الدية، وأما الأولُ فثلاثة أرباعِ السبب من فعله، وهو سقوط الثلاثة الذين سقطوا بجذبه مباشرةً وتسببًا، وربعه من وقوعه بتزاحم الحاضرين، فكان حظُّهُ ربع الدية، وهذا أولى من تحميل عاقلة القتيل ما يقابل فعله، ويكون لورثته، وهذا هو خلاف القياس؛ لأن الدية شرعت مُواساة وجبْرًا، فإذا كان الرجل هو القاتل لنفسه أو مشاركًا في قتله لم يكن فعله بنفسه مضمونًا كما لو قَطَعَ طَرفَ نفسه أو أتلف مال نفسه؛ فقضاء عليٍّ (٣) أقرب إلى القياس من هذا بكثير، وهو أولى أيضًا من أن يُحمل فعل المقتول على عَواقل الآخرين كما قاله أبو الخَطَّاب في مسألة المنجنيق أنه يُلْغي فعل المقتول في نفسه وتجب ديته بكاملها على عاقلة الآخرين نصفين، وهذا أبعد عن القياس مما قبله، إذ كيف تتحمل (٤) العاقلة والأجانب جناية الإنسان على نفسه، ولو تحملتها العاقلةُ لكانت عاقلتهُ أولى بتحمُّلها، وكلا القولين يخالف القياس؛ فالصواب ما قضى به أمير المؤمنين ﵁. وهو أيضًا أحسنُ (٥) من تحميلِ ديةِ الرابع لعاقلة الثالث، وتحميلِ دية الثالث لعاقلة الثاني، وتحميلِ دية الثاني لعاقلة الأول، وإهدار دية الأول بالكلية؛ فإن هذا القول وإن كان له حظٌّ من القياس فإن الأول لم يَجْنِ عليه أحد، وهو الجاني على الثاني فديَّته على عاقلته، والثاني على الثالث، والثالث على الرابع، والرابع لم يَجْنِ على أحدٍ فلا شيءَ عليه؛ فهذا قد يُوهم (٦) أنه في ظاهر القياس أصح من قضاء أمير المؤمنين ولهذا (٧) ذهب إليه كثير من الفقهاء من أصحاب أحمد

стр. 1054

وغيرهم، إلا أن ما قضى به عليٌّ أفقه؛ فإن الحاضرين ألجأوا الواقفين بمزاحمتِهم لهم فعواقلُهم أولى يحمل الدية من عواقل الهالكين، وأقرب إلى العدل من أن يُجمع عليهم بين هلاكِ أوليائهم وحمل ديَّاتهم، فتتضاعف عليهم المصيبة، ويُكسروا من حيث ينبغي جَبْرهم، ومحاسن الشريعة تأبى ذلك، وقد جعل اللَّه سبحانه لكل مصاب حظًا من الجبر، وهذا أصلُ شرع حملِ العاقلة الدية جبرًا للمصاب وإعانةً له. وأيضًا فالثاني والثالث كلاهما مجنيٌّ عليهما فهما جانيان على أنفسهما وعلى من جَذَباه، فحصل هلاكهم [كلهم] (١) بفعل بعضهم ببعض، فألغَى ما قابل فعل كل واحد بنفسه، واعْتَبر جنايةَ الغير عليه. وهو أيضًا أحسنُ من تحميلِ ديةِ الرابع لعواقل الثلاثة، وديةِ الثالث لعاقلة الثاني والأول، وديةِ الثاني لعاقلة الأول خاصة، وإنما (٢) كان له أيضًا حظٌّ من قياس [تنزيلًا للسَّبب منزلة المُسيِّب، وقد اشترك في هَلاك الرابع] (٣) الثلاثةُ الذين قبله، وفي هلاك الثالث الاثنان، وانفرد بهلاك الثاني الأول، ولكن قول عليّ [﵇] (٤) أدق وأفقه. فصل [الحكم في بصير يقول أعمى فيخرّان معًا وفق القياس] ومما يُظنَّ أنه يخالف (٥) القياس ما رواه عليّ بن رباح اللَّخْميّ أنّ رجلًا كان يقول أعمى، فوَقَعا في بئرٍ، فخرَّ البَصيرُ، ووقع الأعمى فوقه فقتله، فقضى عمرُ بْنُ الخطاب ﷺ بعقْل (٦) البصير على الأعمى، فكان الأعمى يدور في الموسم وينشد: يا أيها الناسُ لَقِيت مُنْكرا ... هل يَعْقِلُ الأعمى الصَّحِيحَ المُبْصِرا؟ خرّا معًا كلاهما تكسَّرا (٧)

стр. 1055

وقد اختلف الناس في هذه المسألة؛ فذهب إلى قضاء عمر هذا عبدُ اللَّه بْنُ الزبير وشُرَيحٌ وإبراهيم النَّخعيُّ والشَّافعيُّ وأحمد وإسحاق (١)، وقال بعض الفقهاء: القياس أنه ليس على الأعمى ضمانُ البصير؛ لأنه الذي قَادَه إلى المكان الذي وقعا فيه وكان سببَ وقوعه عليه، وكذلك (٢) لو فعله قصدًا منه لم يضمنه بغير خلاف وكان عليه ضمانُ الأعمى، ولو لم يكن سببًا لم يلزمه ضمانُه بقصده، قال أبو محمد المقدسي في "المغني" (٣): لو قيل هذا لكان له وجه، إلا أن يكون مُجْمعًا عليه فلا يجوز مخالفة الإجماع. والقياس حكم عمر ﵁، لوجوه: أحدها: أن قوْده له مأذونٌ فيه من جهة الأعمى، وما تولَّد من مأْذونٍ فيه لم يُضمن كنظائره. الثاني: (٤) قد يكون قوْدُه له مستحبًا أو واجبًا، ومن فعل ما وجب عليه أو نُدِب إليه لم يلزمه ضمان ما تولَّد منه. الثالث: أنه قد اجتمع على ذلك الإذْنان: إذن الشارع وإذن الأعمى، فهو مُحْسن بامتثاله أمر الشارع محسن إلى الأعمى بقوْدِه له، و ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١] وأما الأعمى فإنه سقط على البصير فقتله، فوجب عليه ضمانُه، كما لو سقط إنسان من سطح [على آخر] (٥) فقتله، فهذا هو القياس. وقولهم: "هو الذي قاده إلى المكان الذي وقعا فيه" فهذا لا يوجب الضمان (٦)؛ لأن قوْده ماذون فيه من جهته ومن جهة الشارع، وقولهم: "وكذلك (٢) لو فعله قصدًا لم يضمنه" فصحيحٌ لأنه مسيءٌ وغيرُ مأذونٍ له في ذلك، لا من جهة الأعمى ولا من جهة الشارع، فالقياس المحْض قول عمر، وباللَّه التوفيق.
следующие страницы →