← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17798

إعلام الموقعين عن رب العالمين - ت مشهور

ابن القيم

Полный текст (3 107 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

والغاذِي شبيه بالمغتذي، ولهذا حَرَّمَ كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير (١)؛ لأنها دواب عادية، فالاغتذاء بها يجعل في طبيعة المغتذي من العُدْوان ما يضرُّه في دينه، فإذا اغتذى من لحوم الإبل وفيها تلك القوة الشَّيْطانية والشيطان خُلِق من نار والنارُ تُطفأ بالماء، هكذا جاء الحديث، ونظيره الحديث الآخر: "إن الغَضَبَ من الشيطان، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ" (٢) فإذا توضأ العبد من لحوم الإبل كان في وضوئه ما يُطفيء تلك القوة الشيطانية فتزول تلك المفسدة، ولهذا

стр. 982

أُمِرنَا بالوضوء مما مَسَّت النار (١) إما إيجابًا منسوخًا، وإما استحبابًا غير منسوخ، وهذا الثاني أظهر لوجوه: منها (٢) أن النسخ لا يُصَار إليه إلا عند تعذر الجمع بين الحديثين، ومنها أن رُوَاة أحاديث الوضوء بعضهم متأخر الإسلام كأبي هريرة، ومنها أن المعنى الذي أُمرنا بالوضوء لأجله منها هو اكتسابُها من القوة النارية وهي مادة الشيطان التي خُلق منها والنارُ تُطفأ بالماء، وهذا المعنى موجود فيها، وقد ظهر اعتبار نظيره في الأمر بالوضوء من الغضب (٣)، ومنها أن أكثر ما مع [من] (٤) ادّعى النسخ أنه ثبت في أحاديث صحيحة كثيرة أنه ﷺ : "أكَلَ مما مسَّت النار ولم يتوضأ" (٥) وهذا إنما يدل على عدم وجوب الوضوء، لا على عدم استحبابه، فلا تنافي بين أمره وفعله (٦)، وبالجملة فالنسخ إنما يُصار إليه عند التنافي، وتحقق التاريخ، وكلاهما منتفٍ وقد يكون الوضوء من مَسّ الذَّكَر (٧) ومس النساء (٨) من هذا الباب، لما في ذلك من تحريك الشهوة، فالأمر بالوضوء منهما على وفق القياس، ولما كانت القوةُ الشيطانية في لحوم الإبل لازمةً كان الأمر بالوضوء منها لا مُعارض له من فعلٍ ولا قول، ولما كان في ممسوس النار عارضةً صح فيها (٩) الأمر والترك، ويدل على هذا أنه فرق بينها وبين لحوم الغَنَم في الوضوء، وفرق بينها وبين الغنم في مواضع الصلاة، فنهى عن الصلاة في أعطان الإبل وأذِنَ في الصلاة في مَرَابض الغنم (١٠)، وهذا يدل على أنه ليس ذلك

стр. 983

لأجل الطهارة والنجاسة، كما أنه [لمَّا] (١) أمر بالوضوء من لحوم الإبل دون لحوم الغنم عُلم أنه ليس ذلك لكونها مما مَسَّتْه النار، ولما كانت أعطانُ الإبل مأوى للشيطان لم تكن مواضع للصلاة كالحُشُوشِ (٢)، بخلاف مَبَاركها في السفر، فإن الصلاة فيها جائزة؛ لأن الشيطان هناك عارض، وطردُ هذا المنعُ من الصلاة في الحمَّام لأنه بيت الشيطان (٣)، وفي الوضوء من اللحوم الخبيثة كلحوم السباع إذا أبيحت للضرورة روايتان، والوضوء منها أبلغ من الوضوء من لحوم الإبل، فإذا عُقِل المعنى لم يكن بُدٌّ (٤) من تعديته، ما لم يمنع منه مانع، واللَّه أعلم. فصل [الفطر بالحجامة على وفق القياس] أما الفِطْر بالحِجَامة (٥) فإنما اعتقد من قال: "إنه على خلاف القياس" (٦) ذلك بناء على أن القياسَ الفِطْرُ بما دخل لا بما خرج، وليس كما ظنُّوه، بل الفطر بها محض القياس، وهذا إنما يتبين بذكر قاعدة، وهي: أن الشارع الحكيم شرع الصوم على أكمل الوجوه وأقومها بالعَدْل، وأمَرَ فيه بغاية الاعتدال، حتى نَهى عن الوِصَال (٧)، وأمر بتعجيل الفِطْر وتأخير السحور (٨)، وجعل أعدلَ الصيامِ

стр. 984

وأفضلَه صيامَ داود (١)، فكان من تمام الاعتدال في الصوم أن [لا] (٢) يُدخل الإنسان ما به قُوامُه كالطعام والشراب ولا يخرج ما به قوامه كالقيء والاستمناء، وفرق بين ما يمكن الاحترازُ منه من ذلك وما لا يمكن، فلم يُفطر بالاحتلام ولا بالقيء الذارع كما لا يفطر بغبار الطَّحين وما يسبق من الماء إلى الجوف عند الوضوء والغسل، وجعل الحيض منافيًا للصوم دون الجنابة، لطول زَمَانِه (٣) وكثرةِ خروج الدم وعدم التمكن من التطهير قبل وقته بخلاف الجنابة، وفرقٌ بين دم الحِجَامة ودمِ الجرح فجعل الحجامةَ من جنسِ القيءِ والاستمناءِ والحيضِ وخروجَ الدَّمِ من الجرح والرُّعافِ من جنس الاستحاضةِ والاحتلامِ وذرعِ القيء، فتناسبت الشريعة وتشابهت تأصيلًا وتفصيلًا، وظهر أنها على وفق القياس الصحيح والميزان العادل، وللَّه الحمد (٤). فصل (٥) [التيمم جار على وفق القياس] ومما يُظن أنه على خلاف القياس باب التيمم، قالوا: إنه على خلاف

стр. 985

القياس من وجهين: أحدهما،: أن التراب مُلَوَّث لا يُزيلُ دَرَنًا ولا وَسَخًا ولا يطهِّر البدن كما لا يطهِّر الثوب، والثاني: أنه شُرع في عضوين من أعضاء الوضوء دون بقيتها، وهذا خروجٌ عن القياس [الصحيح] (١). ولعمرُ اللَّهِ إنه خروج عن القياس الباطل المُضادِّ للدين، وهو على وفق القياس الصحيح؛ فإن اللَّه سبحانه جعل من الماء كل شيء حيّ، وخَلقَنا من التراب، فلنا مادتان: الماء، والتراب، فجعل منهما نَشْأَتَنا وأقواتنا، وبهما تطهَّرَتا وتعبَّدَنا، فالترابُ أصلُ ما خلق منه الناس، والماءُ حياةُ كل شيء، وهما الأصل في الطبائع التي ركَّب اللَّه عليها (٢) هذا العالم وجعل قوامه بهما، وكان أصلُ ما يقع به تطهير الأشياء من الأدناس والأقذار هو الماءُ في الأمر المعتاد، فلم يجز العدولُ عنه إلا في حالة العَدمِ أو العذر بمرض ونحوه (٣)، وكان النقل عنه إلى أخيه وشقيقه التراب أولى من غيره، وإن لَوَّثَ ظاهرًا فإنه يُطهِّر باطنًا ويقوِّي (٤) طهارة الباطن فيزيل دَنَسَ الظاهرِ أو يخففه، وهذا أمر يشهده من له بصر نافذ بحقائق الأعمال وارتباط الظاهر بالباطن وتأثر كل منهما بالآخر وانفعاله عنه. فصل [الحكمة في كون التيمم على عضوين] وأما كونه في عضوين ففي غاية الموافقة للقياس والحكمة، فإن وضعَ الترابِ على الرؤوسِ مكروهٌ في العادات، وإنما يُفعل عند المصائب والنوائبِ، والرِّجْلَان محل ملابسة التراب في أغلب الأحوال، وفي تتريب الوجه من الخضوع والتعظيم للَّه والذل له والانكسار للَّه ما هو من أحبِّ العبادات إليه وأنفعها للعبد، ولذلك (٥) يستحبُّ للساجد أن يترِّبَ وجهه للَّه، وأن لا يقصد وقاية وجهه من التراب كما قال بعض الصحابة لمن رآه قد سجد وجعل بينه وبين التراب وِقايةً فقال: "تَرِّبْ وجهك" (٦) وهذا المعنى لا يوجد في تتريب الرِّجْلين.

стр. 986

وأيضًا فموافقة ذلك للقياس من وجه آخر، وهو أن التَّيمم جُعل في العُضوين المغسولين، وسَقطَ عن العضوين الممسوحين، فإن الرِّجْليْنِ تُمسحان (١) في الخف، والرأس في العمامة، فلما خَفَّف عن المغسولين بالمسح خفف عن الممسوحين بالعفو؛ إذ لو مُسِحَا بالتراب لم يكن فيه تخفيف عنهما، بل كان فيه انتقالٌ من مسحهما بالماء إلى مسحهما بالتراب، فظهر أن الذي جاءت به الشريعة هو أعدلُ الأمور وأكملها، وهو الميزان الصحيح. وأما كونُ تيمم الجنب كتيمم المحدث فلما سَقطَ مسحُ الرأس والرجلين بالتراب عن المحدث سقط مسح البدن كله بالتراب عنه بطريق الأولى، إذ في ذلك من المشقة والحرج والعُسر ما يُناقض رخصة التيمم، ويَدْخُل أكرمُ المخلوقات على اللَّه في شبه البهائم إذا تمرَّغ في التراب، فالذي جاءت به الشريعة لا مَزِيدَ في الحسن والحكمة والعدل عليه، وللَّه الحمد. فصل [السلم جار على وفق القياس] وأما السَّلَم فمن ظَنَّ أنه على خلاف القياس تَوَهَّم دخوله تحت قول النبي ﷺ : "لا تبع ما ليس عندك" (٢) فإنه بيعُ معدومٍ، والقياسُ يمنعُ

стр. 987

منه (١)، والصواب أنه على وفق القياس، فإنه بيع مَضْمونٍ في الذمة موصوف مقدور على تسليمه غالبًا، وهو كالمعاوضة على المنافع في الإجارة، وقد تقدم أنها (٢) على وفق القياس، وقياسُ السَّلَم على بيع العَيْن المعدومة التي لا يدري أيَقْدِرُ على تحصيلها أم لا، والبائع والمشتري منها على غرَر، من أفسد القياسَ صورةً ومعنى، وقد فطر اللَّه سبحانه العقلاء على الفرق بين بيع الإنسان ما لا يملكه ولا هو مقدور له (٣)، وبين السلم إليه في مُغَلٍّ مضمون في ذمته مقدور في العادة على تسليمه، فالجمع بينهما كالجمع بين الميتة والمذكَّى (٤) والربا والبيع. وأما قول النبي ﷺ لحكيم بن حزام: "لا تَبعْ ما ليس عندك" (٥) فيحمل على معنيين (٦): أحدهما: أن يبيعَ عينًا معيَّنة وهي ليست عنده، بل ملك للغير، فيبيعها ثم يسعى في تحصيلِها وتسليمِها إلى المشتري. والثاني: أن يريد بيعٍ ما لا يقدر على تسليمه وإن كان في الذمَّة، [وهذا أشبه، فليس] (٧) عنده حسًا ولا معنى، فيكون قد باعه شيئًا لا يدري هل يحصل [له] (٨) أم لا، وهذا يتناول أمورًا: أحدها: بيعُ عينٍ معيَّنة ليست عنده. الثاني: السَّلَم الحال في الذمة إذا لم يكن عنده ما يوفيه. الثالث: السلم المؤجل إذا لم يكن على ثقة من توفيته [عادة] (٨) فأما إذا كان على ثقة من توفيته عادة فهو دَيْن من الديون، وهو كالابتياع بثمنٍ مؤجلٍ، فأيُّ فرقٍ بين كون أحد العوضين مؤجَّلًا في الذمة وبين الآخر؟ فهذا محضُ القياس

стр. 988

والمصلحة، وقد قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢]، وهذا يعمَّ الثَّمنَ والمُثمَن، وهذا هو الذي فهمه تُرجمانُ القرآن [من القرآن] (١) عبد اللَّه بن عبَّاس فقال: أشهد أن السلف المضمون في الذمة حلالٌ في كتابِ اللَّه، وقرأ هذه الآية (٢). فثبت أن إباحة السلَم على وفق القياس والمصلحة، وشُرع على أكمل الوجوه وأعدلها، فشَرطَ فيه قبضَ الثمن في الحال، إذ لو تأخر لحصل شغل الذمتين (٣) بغير فائدة، ولهذا سُمِّي سلمًا لتسليم الثمن، فإذا أخَّر (٤) الثمن دخل في حكم الكالئ بالكالئ بل هو نفسه، وكثرت المُخاطرة، ودخلت المعاملة في حد الغرر، ولذلك منع الشارع أن يُشترطَ فيه كونه من حائط معين؛ لأنه قد يتخلَّف فيمتنع التسليم (٥). والذين شرطوا أن يكون دائم الجنس غير منقطع قصدوا به إبعاده من الغرر بإمكان التسليم، لكن ضيَّقوا ما وَسَّع اللَّه، وشرطوا ما لم يشرطه، وخرجوا عن موجب القياس والمصلحة: أما القياس فإنه أحد العوضين، فلم يشترط دوامه ووجوده كالثمن، وأما المصلحة فإن في اشتراط ذلك تعطيل مصالح الناس، إذ الحاجة التي لأجلها شرع اللَّه ورسوله السلم (٦) الارتفاقُ من الجانبين، هذا يرتفقُ بتعجيل الثمن، وهذا يرتفقُ برخص المثمن، وهذا قد يكون في مُنقطعِ الجنس كما قد يكون في مُتَّصله فالذي جاءت به الشريعة أكمل شيء وأقومه بمصالح العباد.

стр. 989

فصل [الكتابة تجري على وفق القياس] وأما الكتابة فمن قال هي على خلاف القياس (١) قال: هي بيع السيد ماله بمالِه، وهذا غلطٌ (٢)، وإنما باع العبد نفسَه بمالٍ في ذِمّته، والسيد لا حقَّ له في ذمةِ العبد وإنما حقُّه في بدنه، فإن السيد حقه في ماليَّة العبدِ لا في إنسانيّته، وإنما يُطالبُ العبد بما في ذِمَّته بعد عتقه، وحينئذٍ فلا ملك للسيد عليه، وإذا عرف هذا فالكتابةُ بيعُه نفسَه بمالٍ في ذمته، ثم إذا اشترى نَفْسَه كان كَسْبُه له ونفعه له، وهو حادثٌ على ملكه الذي استحقه بعقد (٣) الكتابة، ومن تمام حكمة الشارع أنه أخَّرَ فيها العتق إلى حين الأداء؛ لأن السيد لم يَرْضَ بخروجه عن ملكه إلا بأن يُسلِّم له العوض، فمتى لم يسلم له العوَضُ وعجز العبد [عنه] (٤) كان له الرجوع في البيع، فلو وقع العتق لم يمكن رفعه (٥) بعد ذلك، فيحصل السيد على الحرمان، فراعى الشَّارع مصلحة السيد ومصلحة العبد، وشَرعَ الكتابةَ على أكمل الوجوه وأشدها مطابقة للقياس الصحيح، وهذا هو القياس في سائر المُعَاوضات، وبه جاءت السنة الصحيحة الصريحة التي (٦) لا معارض لها: أنَّ المشتري إذا عجز عن الثمن كان للبائع الرجوعُ في عينِ ماله، وسواء حكم الحاكم بفَلَسِه أم لا (٧)، والنبي ﷺ لم يشترط حُكْمَ الحاكم، ولا أشار إليه، ولا دل عليه بوجهٍ ما، فلا وجْه لاشتراطه، وإنما المعنى الموجب للرجوع هو الفَلَسُ الذي حال بين البائع وبين الثمن، وهذا المعنى موجودٌ بدون حكم الحاكم، فوجبَ ترتبُ (٨) أثَرِه عليه، وهو

стр. 990

محضُ العَدْلِ وموجب القياس، فإن المشتري لو اطلع على عَيْب في السِّلْعة كان له الفسخُ بدون حكم حاكم، ومعلومٌ أن الإعسار عيب في الذمة لو علم به البائع لم يرض بكون ماله في ذمة المُفْلِس، فهذا محض القياس الموافق للنص ومصالح العباد، وباللَّه التوفيق. وطَرْدُ هذا القياس عجزُ الزوج عن الصَّدَاق، أو عجزُه عن الوطء (١)، وعجزُه عن النفقة والكسوة (٢)، وطرده عجزُ المرأة عن العوض في الخُلْع أن للزوج الرجعة، وهذا هو الصواب بلا ريب، فإنه لم يخرج البُضْعَ عن ملكه (٣) إلا بشرط سلامة العوض، وطَرْدُه الصلح عن القصاص إذا لم يحصل له ما يصالح (٤) عليه فله العَوْدُ إلى طلب القصاص، فهذا موجب العدل ومقتضى قواعد الشريعة وأصولها، وباللَّه التوفيق (٥). فصل [بيان أن الإجارة على وفق القياس] وأما الإجارة فالذين قالوا: "هي على خلاف القياس" (٦) قالوا: هي بيعُ

стр. 991

معدوم لأن المنافَع معدومةٌ حين العقد، ثم لما رأوا الكتاب قد دل على جواز إجارة الظِّئْر (١) للرِّضاع بقوله: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦]، قالوا: إنها (٢) على خلاف القياس من وجهين: أحدُهما: كونها إجارة. والثاني: أن الإجارة عقدٌ على المنافع، وهذه عقدٌ على الأعيان، ومن العجب أنه ليس في القرآن ذكر إجارة جائزة إلا هذه (٣)، وقالوا: هي على خلاف القياس (٤) والحُكم إنما يكون [على] (٥) خلاف القياس إذا كان النص قد جاء في موضع يشابهه (٦) بنقيض ذلك الحكم، فيقال: هذا خلاف [قياس ذلك] (٧) النص، وليس في القرآن ولا في السنة ذكرُ فساد إجارة شبه هذه الإجارة (٨)، ومنشأُ وهمِهم ظنُّهم أن مورد عقد الإجارة لا يكون إلا منافع هي أعراض (٩) قائمة بغيرها، لا أعيان قائمة بنفسها، ثم افترق هؤلاء فرقتين: فقالت فرقة: إنما احتملناها على خلافِ القياسِ لورود النص، فلا نتعدَّى (١٠) محله، وقالت فرقة (١١): بل نخرّجُها على ما يوافق القياس، وهو كون المعقود عليه [أمرًا] (١٢) غير اللبن، بل هو إلقامُ الصبيِّ الثدي ووضعه في حجر المرضعة، ونحو ذلك من [المنافع التي هي] (١٣) مقدمات الرضاع، واللبن يدخل تبعًا غير مقصود بالعقد، ثم طردوا ذلك في مثل

стр. 992

ماء البئر والعيون التي في الأرض المستأجرة، وقالوا: يدخل (١) ضمنًا [وتبعًا] (٢)، فإذا وقعت الإجارة على نفس العين والبئر لسقي الزرع والبستان قالوا: إنما وردت الإجارة على مجرد إدلاءِ الدَّلو في البئر وإخراجه، [و] (٣) على مجرد إجراء العين في أرضه (٤)، مما هو قلب الحقائق، وجعلُ المقصودِ وسيلةً والوسيلة مقصودةً، إذ من المعلوم أن هذه الأعمال إنما هي وسيلة إلى المقصود بعقد الإجارة، وإلا فهي بمجردها ليست مقصودة، ولا معقودًا عليها، ولا قيمة لها أصلًا، وإنما هي كفتح الباب وكقَوْد الدابة لمن اكترى دارًا أو دابة. ونحن نتكلم على هذين الأصلين الباطلين: على أصل من جعل الإجارة على خلاف القياس، وعلى أصل من جعل إجارة الظِّئر ونحوها على خلاف القياس، فنقول وباللَّه التوفيق (٥). أما الأصل الأول فقولهم: "إن الإجارة بيعُ معدومٍ، وبيعُ المعدوم باطل" دليلٌ مبني على مقدمتين مجملتين غير مُفَصَّلتين (٦)، قد اختلط في كل منهما الخطأ بالصواب، فأما المقدمة الأولى -هي كون الإجارة بيعًا- إن أردتم [به] (٧) البيع الخاصّ الذي يكون العقد فيه على الأَعيانِ لا على المنافعِ فهو باطلٌ، وإن أردتم به البيعَ العامَّ الذي هو مُعاوضةٌ إما على عينٍ وإما على منفعة فالمقدمة الثانية باطلة، فإن بيع المعدوم ينقسم إلى بيعِ الأعيانِ وبيع المنافع (٨)، ومن سلّم بطلان بيع المعدوم فإنما يُسلِّمه في الأعْيان، ولما كان لفظُ البيع يحتمل هذا وهذا تنازَعَ الفقهاء في الإجارة: هل تنعقد بلفظ البيع؟ على وجهين. [ليس للعقود ألفاظ محدودة] والتحقيق أن المتعاقدين إن عرفا المقصود انعقدت (٩) بأي لفظ من الألفاظ عَرفَ به المُتعاقدانِ مقصودَهما، وهذا حكمٌ شاملٌ لجميع العقود، فإن الشارع لم

стр. 993

يَحُدَّ لألفاظ العقود حدًا، بل ذكرها مُطلقةً، فكما تنعقد العقود بما يدل عليها من الألفاظ الفارسية والرومية والتركية فانعقادها بما يدل عليها من الألفاظ العربية أولى وأخرى، ولا فرق بين النكاح وغيره، وهذا قول جمهور العلماء كمالك وأبي حنيفة، وهو أحد القولين في مذهب أحمد. قال شيخنا (١): بل نصوص أحمد لا تدل إلا على هذا القول، وأما كونه لا ينعقد إلا بلفظ الإنكاح والتزويج، فإنما هو قول ابن حامد والقاضي وأتباعه (٢)، وأما قدماء أصحاب أحمد فلم يشترط أحدٌ منهم ذلك، وقد نص أحمد على أنه إذا قال: "أعْتَقت أمَتي وجعلتُ عتِقَها صداقها" أنه ينعقد (٣) النكاح، قال ابن عقيل: وهذا يدلُّ على أنه لا يختص النكاح بلفظ (٤)، وأما ابن حامد فطرد أصْله وقال: لا ينعقد حتى يقول مع ذلك: "تزوجتها" وأما القاضي فجعل هذا موضع استحسان خارجًا عن القياس، فجوَّز النكاحَ في هذه الصورة خاصة بدون لفظ الإنكاح والتزويج وأصول الإمام أحمد ونصوصه تخالف هذا؛ فإنَّ من أصوله أن العقودَ تنعقد بما يدل على مقصودها من قولٍ أو فعلٍ ولا يَرى اختصاصها بالصيغ. ومن أصوله أن الكناية مع دلالة الحال كالصريح كما قاله في الطلاق والقذْف وغيرهما، والذين اشترطوا لفظ الإنكاح والتزويج قالوا: ما عداهما كناية فلا يثبت حكمها إلا بالنية وهي أمر باطن لا اطلاع للشاهد عليه، إذ الشهادة إنما تقع على المسموع، لا على المقاصد والنيات، وهذا إنما يستقيم إذا كانت ألفاظ الصريح والكناية ثابتة بعُرف الشرع وفي عرف المتعاقدين، والمقدمتان غير معلومتين، أما الأولى (٥) فإن الشارع استعمل لفظ التمليك في النكاح فقال: "ملكْتكها بما معك من القرآن" (٦) وأعتق

стр. 994

صفيَّة وجعل عتقها صداقها (١)، ولم يأت معه بلفظ إنكاح ولا تزويج، وأباح اللَّه ورسوله النكاحَ وردَّا فيه الأمَّةَ إلى ما تتعارفه نكاحًا بأي لفظ كان. [عودة الى الرد على من زعم أنَّ الإجارة بيع معدوم] ومعلوم أن تقسيم الألفاظ إلى صريح وكناية تقسيمٌ شرعي (٢)، فإن لم يقم عليه دليل شرعي كان باطلًا، فما هو الضابط لذلك؟ وأما المقدمة الثانية فكون اللفظ صريحًا أو كناية أمر يختلف باختلاف عُرف المتكلم والمخاطب والزمان والمكان، فكَم من لفظ صريح عند قوم وليس بصريح عند آخرين، وفي مكان دون مكان وزمان دون زمان؟ فلا يلزم صريحًا (٣) في خطاب الشارع أن يكون صريحًا عند كل متكلم، وهذا ظاهر. [جوز الشارع المعاوضة على المعدوم] والمقصود أن قوله "إن الإجارة نوع من البيع" إن أراد به البيع الخاص فباطل، وإن أراد به البيع العام فصحيح، لكن (٤) قولُه: "إن هذا البيع لا يرد على معدوم" دعوى باطلة؛ فإن الشارع جَوَّز المعاوَضة العامة على المعدوم، فإن قستم بيع المنافع على بيع الأعيان فهذا قياس في غاية الفساد فإن المنافع لا يمكن أن

стр. 995

يُعقد عليها في حال وجودها البتة، بخلاف الأعيان، وقد فرّق بينهما الحِسّ والشرع؛ فإن النبي ﷺ أمر أن يُؤخر العقدُ (١) على الأعيان التي لم تخلق إلى أن تخلق (٢) كما نهى عن بيع السِّنين (٣) وحَبَلِ الحبلة والثمر قبل أن يبدو صلاحه والحبِّ حتى يشتد (٤)، ونهى عن الملاقيح والمضامين (٥) ونحو ذلك، وهذا يمتنع مثله في المنافع، فإنه لا يمكن أن تُباعَ إلا في حال عدمها، فهاهنا أمران: أحدهما: يمكن إيرادُ العقد عليه (٦) في حال وجوده وحال عَدَمِه، فنهى الشارعُ عن

стр. 996

بيعه حتى يوجدَ وجوَّز منه بيع ما لم يوجد تبعًا لما وُجِد إذا دعت الحاجة إليه، وبدون الحاجة لم يجوّزه. والثاني ما لا يمكن إيرادُ العقدِ عليه إلا في حال عَدَمِهِ [كالمنافع] (١)، فهذا جوَّزَ العقد عليه ولم يمنع منه. فإن قلت: أنا أقيس أحد النوعين على الآخر، وأجعل العلة [مجرد] (١) كونه معدومًا. قيل: هذا قياسٌ فاسد؛ لأنه يتضمن التسوية بين المختلفين، وقولك: "إن العلة مجرد كونه معدومًا" دعوى بغير دليل، بل دعوى باطلة، [فلمَ لا] (٢) يجوز أن تكون العلة في الأصل كونه معدومًا يمكن تأخير بيعه إلى زمنِ وجوده؟ وعلى هذا التقدير فالعلة مقيدة بعدمٍ خاص، وأنت لم تبيّن أنَّ العلةَ في الأصل مجرد كونه معدومًا، فقياسك فاسد، وهذا كافٍ في بيان فساده بالمطالبة، ونحن نبين بطلانه في نفسه، فنقول: ما ذكرناه علةٌ مطردةٌ، وما ذكرته علةً منتقضة، فإنك إذا عَلّلْت بمجرد العدم (٣) وَردَ عليك النقضُ بالمنافع كُلِّها وبكثيرٍ (٤) من الأعيان وما علّلنا به لا ينتقض، وأيضًا فالقياس المحْضُ وقواعد الشريعة وأصولها ومناسباتها (٥) تشهد لهذه العلة، فإنه إذا كان له حال وجود وعدمٍ كان في بيعه حال العدم مخاطرة وقمار، وبذلك علَّل النبي ﷺ المنع حيث قال: "أرأيت إن منع اللَّه الثمرة فبم يأخذ أحدكم مال أخيه بغير حق؟ " (٦) وأما ما ليس له إلا حالٌ واحدٌ (٧) والغالبُ فيه السلامة فليس العقد (٨) عليه مُخاطرةً ولا قمارًا، وإن كان فيه مخاطرة يسيرة فالحاجة داعية إليه، ومن أصول الشريعة أنه إذا تعارضت المصلحة والمفسدة قدم أرجحهما، والغَرَر إنما نُهي عنه لما فيه من الضرر بهما أو بأحدهما (٩)،

стр. 997

وفي المنع مما يحتاجون إليه من البيع ضَررٌ أعظم من ضرر المخاطرة، فلا يُزيل أدنى الضررين بأعلاهما، بل قاعدةُ الشريعة ضد ذلك، وهو دفعُ أعلى الضَّررين باحتمال أدناهما (١)، ولهذا لما نهاهم عن المُزابنة لما فيها من ربا أو مخاطرة أباحَها لهم في العَرايا للحاجة (٢)؛ لأن ضررَ المنعِ من ذلك أشدُّ من ضرر المُزابنة، ولما حرَّم عليهم الميتة لما فيها من خَبْث التغذية أباحها لهم عند الضرورة (٣)، ولما حرَّم عليهم النظر إلى الأجنبية (٤) أباح منه ما تدعو إليه الحاجة

стр. 998

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 999

للخاطب والمعامل والشاهد والطبيب! (١). فإن قلت: فهذا كله على خلاف القياس. قيل: إن أردت أن الفَرْع اختصَّ بوصف أوجب (٢) الفرق بينه وبين الأصل فكل حكم استند إلى هذا الفرق الصحيح فهو على خلاف القياس [الفاسد] (٣)، وإن أردت أن الأصل والفرع استويا في المقتضي والمانع واختلف حكمهما فهذا باطل [قطعًا] (٤)، ليس في الشريعة منه مسألة واحدة، والشيءُ إذا شابه غيرَهُ في وصفٍ وفارَقَه في وصفٍ كان اختلافُهما في الحكم باعتبار الفارق مخالفًا لاستوائهما باعتبار الجامع. [أقيسة أبطلها القرآن] وهذا هو القياس الصحيح طردًا وعكسًا، وهو التسوية بين المتماثلين والفرق بين المختلفين، وأما التسوية بينهما في الحكم مع افتراقهما فيما يقتضي الحكم أو يمنعه فهذا هو القياس الفاسد الذي جاء الشرع دائمًا بإبطاله، كما أبطل قياس الربا على البيع، وقياس الميتة على المُذكَّى وقياس المسيح [عيسى ﵊] (٣) على الأصنام، وبيّن الفارق بأنه عبدٌ أنعم عليه بعبوديته ورسالته، فكيف يعذِّبه بعبادةِ غيره له مع نهيه عن ذلك وعدم رضاه به؟ بخلاف الأصنام، فمن قال: "إن الشريعة تأتي بخلاف القياس الذي هو من هذا الجنس" فقد أصاب، وهو من كمالِها واشتمالِها على العَدْل والمصلحة والحكمة، ومن سَوَّى بين الشيئين لاشتراكهما في أمر من الأمور يلزمه أن يسوّي بين كل موجودين لاشتراكهما في مُسمَّى الوجود. [القياس الفاسد أصل كل شر] وهذا من أَعظم الغلط والقياس الفاسد الذي ذمَّه السلف، وقالوا: "أوَّل من قاس إبليس" (٥)، و"ما عُبِدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس" (٦)، وهو القياس الذي

стр. 1000

اعترف أهل النار في النار ببطلانه حيث قالوا: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ٩٧، ٩٨]. وذم اللَّه أهله بقوله: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١]، أي يقيسونه على غيره وُيسوُّون بينه وبين [غيره في] (١) الإلهية والعبودية، وكل بِدْعة ومقالة فاسدة في أديان الرسل فأصلُها من القياس الفاسد، فما أنكرت الجَهْمية صفاتَ الربِّ وأفعالَه وعُلوَّه على خلقه واستواءَه على عرشه وكَلامَه وتكليمه لعباده ورؤيتَهُ في الدار الآخرة إلا من القياس الفاسد، وما أنكرت، القَدَرِيَّة عمومَ قدرتِه ومشيئته وجعلت في ملكه ما لا يشاء وأنه يشاء ما لا يكون إلا بالقياس الفاسد، وما ضلَّت الرافضةُ وعادوْا خيار الخلق وكفّروا أصحاب محمد ﷺ وسَبُّوهم إلا بالقياس الفاسد، وما أنكرت الزنادقةُ والدُّهْريةُ معادَ الأجسام وانشقاقَ السماواتِ وطيَّ الدنيا وقالت بقدم العالم إلا بالقياس الفاسد، وما فَسد ما فسد من أمر العالم وخرب [ما خرب منه] (٢) إلا بالقياس الفاسد، [وأولُ ذنبٍ عُصِيَ به القياسُ الفاسد] (٣)، وهو الذي جَرَّ على آدم وذريته مِنْ صاحب هذا القياس ما جر، فأصْلُ شر الدنيا والآخرة جميعه من هذا القياس الفاسد، وهذه [حكمة لا يدْريها] (٤) إلا من له اطلاع على الواجب والواقع وله فقه في الشرع والقدر. فصل [بيع المعدوم لا يجوز] وأما المقدمة الثانية -وهي أن بيع المعدوم (٥) لا يجوز- فالكلام عليها من وجهين (٦): أحدهما: مَنْعُ صحة هذه المقدمة؛ إذ ليس في كتاب اللَّه ولا في سنة رسوله ﷺ ولا في كلام أحدٍ من أصحابه أن بيعَ المعدومِ لا يجوز، لا بلفظٍ عام

стр. 1001

ولا بمعنى عام، وإنما في السنة النهيُ عن بيع بعض الأشياء التي هي معدومة كما فيها النهي عن بيع بعض الأشياء الموجودة؛ فليست العلةُ في المنع لا العدم ولا الوجود، بل الذي وَرَدت به السنة النهي عن بيع الغَرَر (١)، وهو ما لا يُقْدَر على تسليمه، سواء كان موجودًا أو معدومًا كبيع العبد الآبقِ والبعير الشارد وإن كان موجودًا، إذ موجبُ البيع تسليم المبيع، فإذا كان البائع عاجزًا عن تسليمه فهو غَرَر ومُخاطرة وقمار فإنه لا يُباع إلا بوَكْس، فإن أمكن المشتري تسلُّمه كان قد قَمَر البائعَ، وإن لم يمكنه ذلك قمرَه البائع، وهكذا المعدوم الذي هو غَرَر نُهِي (٢) عنه للغرر لا للعدم، كما إذا باعه ما تحمل هذه الأمَةُ أو هذه الشجرة (٣)؛ فالمبيع لا يُعرف وجوده ولا قَدره ولا صفته؛ وهذا من الميْسِر الذي حرّمه اللَّه ورسوله، ونظير هذا في الإجارة أن يكريه دابة لا يقدر على تسليمها، سواء كانت موجودة أو معدومة، وكذلك في النكاح إذا زوَّجه أمة لا يملكها أو ابنةً لم تولد له، وكذلك سائر عقود المعاوضات، بخلاف الوصية فإنها تبرُّع محض فلا غرر في تعلُّقها (٤) بالموجود والمعدوم وما يقدر على تسليمه إليه وما لا يقدر، وطرده الهبة، إذ لا محذور فيها (٥)، وقد صح عن النبي ﷺ هِبة المُشاع المجهول (٦) في قوله لصاحب كبة الشّعر حين أخذها من المغنم وسأله أن يَهبَها له فقال: "أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لك" (٧).

стр. 1002

[جَوَّز الشرع بيع المعدوم في بعض المواضع] الوجه الثاني: أن نقول: بل الشرع صحَّح بيع المعدوم في بعض المواضع؛ فإنه أجاز بيع الثمر بعد بُدُوِّ صلاحه والحبِّ بعد اشتداده (١)، ومعلومٌ أن العقدَ إنما ورد على الموجود والمعدوم الذي لم يُخلق (٢) بعد، والنبي ﷺ نهى عن بيعه قبل بدوّ صلاحه، وأباحه بعد بدو الصلاح، ومعلوم أنه إذا اشتراه قبل الصَّلاح بشرط القَطْع كالحصرم جاز، فإنما نُهي عن بيعه إذا كان قصدهُ التَّبْقِية إلى الصلاح (٣)، ومن جوّز بيعه قبل الصلاح وبعده بشرط القطع أو مطلقًا وجعل موجب العقد القطع، وحرم بيعه بشرط التبقية أو مطلقًا؛ لم يكن عنده (٤) لظهور الصلاح فائدة، ولم يكن فرق بين ما نُهي عنه من ذلك وما أُذن فيه؛ فإنه يقول: موجب العقد التسليم في الحال، فلا يجوز شرط تأخيره سواء بدا صلاحُه أو لم يُبد. [الصواب في المسألة] والصواب قول الجمهور الذي دلت عليه سنة رسول اللَّه ﷺ والقياسُ الصحيح.

стр. 1003

وقوله: "إن موجب العقد التسليم في الحال" جوابه أن موجب العقد إما أن يكون ما أوجبه الشارع بالعقد أو ما أوجبه المتعاقدان مما يَسوغُ لهما أن يوجباه، وكلاهما منتفٍ في هذه الدعوى؛ فلا الشارعُ أوجبَ أن يكونَ كلُّ مبيعٍ مستحق التسليم (١) عقيب العقد، ولا العاقدان التزما ذلك، بل تارة يعقدان العقد على هذا الوجه، وتارة يشترطان التأخير إما في الثمن وإما في المُثمَنِ، وقد يكون للبائع غرضٌ صحيح [ومصلحة] (٢) في تأخير التسليم [للمبيع، كما كان] (٢) لجابر [﵁ غرض صحيح] (٢) في [تأخير تسليم] (٢) بعيره إلى المدينة، فكيف يمنعه الشارعُ ما فيه مصلحة له ولا ضرر على الآخر فيها؟ إذ قد رضي بها كما رضي النبي ﷺ [على جابر] (٣) بتأخير تسليمِ البعير (٤)، ولو لم ترد السنة بهذا لكان محض القياس يقتضي جوازه، ويجوزُ لكل بائع أن يستثني من منفعة المبيعِ ما له فيه غرضٌ صحيحٌ (٥)، كما إذا باع عقارًا واستثثى سكناه مدة أو دابة واستثنى ظهرها، ولا يختص ذلك بالبيع، بل لو وهبه [شيئًا] (٦) واستثنى نفْعَه مدة، أو أعتق عبدَه واستثنى خدمته مدة، أو وقف عينًا واستثنى غَلّتها لنفسه مدة حياته، أو كاتبَ أمَةً واستثنى وَطْئها مدة الكتابة، ونحوه، وهذا كله منصوص أحمد، وبعضُ أصحابه يقول: إذا استثنى منفعةَ المبيع فلا بد أن يُسلِّمَ العين إلى المشتري ثم يأخذها ليستوفي المنفعة، بناءً على هذا الأصل الذي قد تبين فساده، وهو أنه لا بد من استحقاق القبض عقيب العقد، وعن هذا الأصل قالوا: (٧) لا تصح الإجارة إلا على مدة تَلِي العقد، وعلى هذا بَنَوْا ما إذا باع العين المؤجرة؛ فمنهم من أبطل البيع لكون المنفعة لا تدخل على (٨) البيع فلا يحصل التسليم، ومنهم من قال: هذا مستثنى بالشرع، بخلاف المُستثنى بالشرط وقد اتفق الأئمة على صحة بيع الأمة المزوجة وإن كانت منفعة البضع للزوج ولم تدخل في البيع واتفقوا على جواز تأخير التسليم إذا كان العرف يقتضيه كما إذا باع مخزنًا له فيه متاع كثير لا ينقل في يوم ولا أيام فلا يجب عليه جمع دواب البلد ونقله في ساعة واحدة بل

стр. 1004

قالوا: هذا مستثنى بالعرف، فيقال: وهذا من أقوى الحجج عليكم، فإن المستثنى بالشرط أقوى من المستثنى بالعُرف، كما أنه أوسع من المستثنى بالشرع؛ فإنه يثبت بالشرط ما لا يثبت بالشرع، كما أن الواجب بالنّذر أوسع من الواجب بالشرع. [منع أن موجب العقد التسليم عقيبه] وأيضًا فقولُكم: "إن موجب العقد استحقاق التسليم عقيبه" (١) أتعنون أن هذا مُوجَبُ العقد المطلق أو مطلق العقد؟ فإن أردتم الأول فصحيح، وإن أردتم الثاني فممنوع؛ فإن مطلق العقد ينقسم إلى المطلق والمقيد، وموجب العقد المقيد ما قُيِّد به، كما أن موجبَ العقد المقيد بتأجيل الثمن وثبوت خيار الشَّرط والرهن والضمين هو ما قُيِّد به، وإن كان موجبه عند إطلاقه خلاف ذلك؛ فموجبُ العقد المطلق شيءٌ وموجب العقد المقيد شيء، والقبض في الأعيان (٢) والمنافع كالقبض في الدَّيْن، والنبي ﷺ جوَّز بيع الثمرة بعد بُدُوِّ الصلاح (٣) مستحقة الإبقاء إلى كمال الصلاح، ولم يجعل موجَبَ العقد القبض في الحال، بل القبضُ المتعادِ عند انتهاء صلاحها، ودخل فيما أذن فيه بيع ما هو معدوم [و] (٤) لم يُخلَق بعد، وقبض ذلك بمنزلة قبض العين المؤجرة، وهو قبض يبيح التصرف في أصح (٥) القولين، وإن كان قبضًا لا يوجب انتقال الضمان، بل إذا تلفَ المبيعُ قبل قبضه المعتاد كان من ضمان البائع كما هو مذهب أهلِ المدينة وأهلِ الحديث؛ أهلِ بلدته وأهل سنته، وهو مذهب الشافعي قطعًا؛ فإنه علّق القول به على صحة الحديث (٦)، وقد صح صحةً لا ريب فيها من غير الطريق التي توقّف الشافعي فيها فلا يسوغ أن يقال: مذهبه عدم وضع الجوائح، وقد قال (٧): إن صح الحديث قلت به، رواه من طريق توقف في صحتها، ولم تبلغه الطريقُ الأخرى التي لا علة

стр. 1005

لها (١) ولا مطْعن فيها، وليس مع المنازع دليلٌ شرعي يدلُّ على أنّ كلّ قبض جوَّز التّصرف ينقل الضمان، وما لم يجوِّز التصرف لا ينقل الضمان، فقبضُ العين المؤجَّرة يُجوِّز التصرف ولا ينقل الضمان، وقبض العين المسْتامةِ والمستعارة والمغصوبة يوجب الضمان ولا يجوّز التصرف (٢). فصل [بيع المقاثي والمباطخ ونحوهما] ومن هذا الباب [بيع] المقاثي والمباطخ (٣) والباذجان؛ فمن منع بيعه إلا لقْطةً لقطة قال: لأنه [بيع] (٤) معدوم (٥)؛ فهو كبيع الثمرة قبل ظهورها، ومن جوّزه كأهل المدينة (٦) وبعض أصحاب أحمد (٧) فقولهم أصحُّ، فإنه لا يمكن بيعها إلا

стр. 1006

على هذا الوجه، ولا تتميز اللّقطة المبيعةُ من (١) غيرها، ولا تقوم المصلحة ببيعها كذلك، ولو كُلِّف الناس به لكان أشقّ شيءٍ عليهم وأعظمه ضررًا، والشريعة لا تأتي به، وقد تقدم أن ما لا يُباع (٢) إلا على وجْه واحد لا يَنْهى الشارع عن بيعه، وإنَّما نَهى الشَّارعُ عن بج الثمار قبل بدو صلاحها (٣) لإمكان تأخير بيعها إلى وقت بُدُوِّ الصلاح (٤)، ونظير ما نَهى عنه وأَذن فيه سوى (٥) بيع المقاثي إذا بدا فيها الصلاح ودخول الإجزاء والأعيان التي لم تخلق بعد كدخول أجزاء الثمار وما يتلاحق في الشجر منها، ولا فرق بينهما البتة (٦). فصل [ضمان الحدائق والبساتين] وبنوا على هذا الأصل الذي لم يدل عليه دليل شرعي، بل دل على خلافه، وهو بيع المعدوم [بطلان] (٧) ضمان الحدائق والبساتين، وقالوا: هو بيعٌ للثمرِ قبل ظهوره أو قبل بدو صلاحه؛ ثم منهم من حكى الإجماع على بطلانه (٨)، ولَيس مع المانعين [حجةٌ على ما] (٩) ظنّوه، فلا النص يتناوله ولا معناه، ولم تجمع (١٠) الأمة على بطلانه، فلا نص مع المانعين ولا قياس ولا إجماع (١١)؛ ونحن نبين انتفاء هذه الأمور الثلاثة:

стр. 1007

أما الإجماع، فقد صح عن عمر [بن الخطاب] (١) ﵁ أنه ضَمَّن حديقة أُسيد بن حُضير ثلاث سنين وتسلَّف الضَّمان فقضى به دينًا كان على أُسيد (٢)، وهذا بمشهد من الصحابة، ولم ينكره منهم رجل واحد، ومَنْ جعل مثل هذا إجماعًا فقد أجمع الصحابة على جواز ذلك، وأقلُّ درجاته أن يكون قول صحابي، بل قول الخليفة الراشد، ولم ينكره منهم مُنْكِر، وهذا حجة عند جمهور العلماء، وقد جوز بعض أصحاب أحمد ضمان البساتين مع الأرض المؤجرة؛ إذ لا يمكن إفراد إحداهما عن الأخرى (٣)، [و] (١) اختاره ابنُ عقيل، وجوَّز بعضهم ضمان الأشجار مطلقًا مع الأرض وبدونها، [و] (١) اختاره شيخنا وأفرد فيه مصنفًا (٤)؛ ففي مذهب أحمد ثلاثة أقوال، وجَوَّز مالك ذلك تبعًا للأرض في قدر الثلث (٥).

стр. 1008

قال شيخنا (١): والصواب ما فعله عمر ﵁؛ فإن الفرق بين البيع والضمان (٢) هو الفرق بين البيع والإجارة، والنبي ﷺ نهى عن بيع الحب حتى يشتد (٣) ولم ينه عن إجارة الأرض للزراعة مع ان المستأجر مقصودُه الحبّ بعمله فيخدم الأرض ويحرثها ويسقيها ويقوم عليها، وهو نظيرُ مستأجر البستان ليخدم شجره ويسقيه ويقوم عليه، والحبُّ نظيرُ الثمر، والشجر نظير الأرض (٤)، والعملُ نظير العمل؛ فما الذي حرَّم هذا وأحلَّ هذا؟ [وهذا] (٥) بخلاف المشتري؛ فإنه يشتري ثمرًا وعلى البائع [المؤنة: مؤنة] (٦) الخدمة والسَّقي والقيام على الشجر؛ فهو (٧) بمنزلةِ الذي يشتري الحبّ وعلى البائع مؤونة (٨) الزرع والقيام عليه؛ فقد ظهر انتفاءُ القياس والنص، كما ظهر انتفاءُ الإجماع، بل القياس الصحيح مع المجوِّزين، كما معهم الإجماع القديم. فإن قيل: فالثمر أعيان، وعقد الإجارة إنما يكون على المنافع! قيل: الأعيان هنا حَصلَت بعمله في الأصل المستأجر، كما حصل الحبُّ بعمله في الأرض المستأجرة. فإن قيل: الفرق أن الحبَّ حصل من بَذْرِه، والثمر حصل من شجر المؤجِّر (٩). قيل: لا أثر لهذا الفرق في الشرع، بل قد ألغاه الشارع في المساقاة والمزارعة فسوَّى بينهما؛ والمُساقي يستحقُّ جزءًا من الثمرة الناشئة من أصل [الملك؛ والمزارع يستحق جزءًا من الزرع النابت في أرض] (١٠) المالك، وإن كان البذرُ منه، كما ثبت بالسنة الصحيحة الصريحة (١١) وإجماع الصحابة، فإذا لم يؤثر هذا الفرق في المساقاة والمزارعة التي يكون النماء فيها مشتركًا لم يؤثر في

стр. 1009

الإجارة بطريق الأولى؛ لأن إجارة الأرض لم يُختلف فيها كالاختلاف في المُزارعة، فإذا كانت إجارتها عندكم أجْوز من المزارعة فإجارة الشجر أولى بالجواز من المساقاة عليها، فهذا محْضُ القياس وعمل الصحابة ومصلحة الأمة، وباللَّه التوفيق. والذين منعوا ذلك وحَرَّمُوه توصلوا إلى جوازه بالحيلة الباطلة شرعًا وعقلًا، فإنهم يؤجِّرونه الأرض وليست مقصودة له البتة (١)، ويساقونه على الشجرة من ألف جزء على جزء مساقاة غير مقصودة [وإجارةً غير مقصودة] (٢)، فجعلوا ما لم يُقصد مقصودًا، وما قُصد غير مقصود، وحابوا في المساقاة أعظم محاباة، وذلك حرامٌ باطل في الوقف وبستان المولّى عليه من يتيم أو سفيهٍ أو مجنون، ومحاباتهم إياه في إجارة الأرض لا تُسَوِّغ لهم محاباة المستأجر في المساقاة، ولا يسوِّغ اشتراط أحد العقدين في الآخر، بل كل عقد مستقل بحكمه، فأين هذا من فعل أمير المؤمنين وفقهه؟ وأين القياس من القياس والفقه من الفقه؟ فبينهما في الصحة بُعْدُ ما بين المشرقين (٣)! فصل [إجارة الظئر على وفق القياس الصحيح] فهذا الكلام على المقام الأول، وهو كون الإجارة على خلاف القياس، وقد تبين بطلانه. وأما المقام الثاني -وهو أن الإجارة التي أذن اللَّه فيها في كتابه وهي إجارة الظِّئْر على خلاف القياس- فبناءٌ منهم على هذا الأصل الفاسد (٤)، وهو أن المُستحَق بعقد الإجارة إنما هو المنافع لا الأعيان، وهذا الأصل لم يدل عليه كتابٌ ولا سنة ولا إجماعٌ ولا قياسٌ صحيح، بل الذي دلّت عليه الأصول أن الأعيانَ التي تَحدُث شيئًا فشيئًا مع بقاء أصلها حكمُها حكم المنافع كالثمر في

стр. 1010

الشجر واللَّبن في الحيوان والماء في البئر؛ ولهذا سوَّى بين النوعين في الوقف، فإن الوقف تحبيس الأصل وتسبيل الفائدة، فكما يجوز أن تكون فائدة الوقف منفعةً كالسكنى وأن تكون ثمرة وأن تكون لبنًا كوقف الماشية للانتفاع بلبنها، وكذلك في باب التبرعات كالعارية لمن ينتفعُ بالمتاع ثم يردّه، والعريّة لمن يأكل ثمرَ (١) الشجرة ثم يردها، والمنيحة لمن يشرب لبن الشاة ثم يردها، والقرض لمن ينتفع بالدراهم ثم يرد بدلها القائم مقام عينها؛ فكذلك في الإجارة تارة يكريه العين للمنفعة التي ليست أعيانًا، وتارة للعين التي تحدث شيئًا من بعد شيءٍ مع بقاء الأصل كلبن الظئر ونقع البئر؛ فإن هذه الأعيان لما كانت تحدث شيئًا بعد شيء [مع بقاء الأصل] (٢) كانت المنفعة (٣)، والمسوِّغ للإجارة هو ما بينهما من القدر المشترك، وهو حدوث المقصود بالعقد شيئًا فشيئًا، سواء كان الحادث عينًا أو منفعة، وكونه جسمًا أو معنًى قائمًا بالجسم لا أثر له في الجواز والمنع مع اشتراكهما في المُقتضي للجواز، بل هذا النوع من الأعيان الحادثة شيئًا فشيئًا أحقُّ بالجواز؛ فإن الأجسام أكْملُ من صفاتها، وطردُ هذا القياس جواز إجارة الحيوان غير الآدمي لرضاعه، [فإن الحاجة تدعو إليه كما تدعو إليه في] (٤) الظئر من الآدميين بطعامها وكسوتها، ويجوز (٥) استئجار الظئر من البهائِمِ بعلَفِها، والماشية إذا عاوض على لبنها فهو نوعان: أحدهما: أن يشتريَ اللَّبنَ مدة، ويكون العلف والخدمة على البائع، فهذا بيْع محضٌ. والثاني: أن يتسلَّمها (٦) ويكون علفُها وخدمتُها عليه، ولبنها [له] (٧) مدة الإجارة؛ فهذا إجارة وهو كضمان البساتين (٨) سواء وكالظئر؛ فإن اللبن يُستوفى شيئًا فشيئًا مع بقاء الأصل؛ فهو كاستئجار العين ليسقيَ بها أرضَه، وقد نص مالك على جواز إجارة الحيوان مدةً للبنه ثم مِنْ أصحابه من جوَّز ذلك تبعًا لنصه،

стр. 1011

ومنهم من منعه، ومنهم من شرط فيه شروطًا ضيَّقوا بها مورد النص ولم يدل عليها نصه (١)، والصواب الجواز، وهو موجب القياس المحْض، فالمجوّزون أسْعد بالنص من المانعين، وباللَّه التوفيق. فصل [حمل العاقلة الدية عن الجاني طبق القياس] ومن هذا الباب قول القائل: "حمل العاقلة الدية عن الجاني على خلاف القياس" ولهذا لا تحمل [العاقلة] (٢) العمدَ (٣) ولا العبدَ (٤) ولا الصُّلحَ (٥) ولا الاعتراف ولا ما دون الثُّلث، ولا تحمل جنايةَ الأموال، ولو كانت على وِفْق القياس لحملت ذلك كُلَّه (٦). والجواب أن يقال: لا ريب أن من أتلف مضمونًا كان ضمانُه عليه، ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾، ولا تُؤخذ نفس بجريرة غيرها؛ وبهذا جاء شرع اللَّه سبحانه

стр. 1012

وجزاؤه، وحمل العاقلة الدية غير مناقضٍ لشيء من هذا (١) كما سنبينه، والناس متنازعون في العَقْل: هل تحمله العاقلة ابتداءً أو تحمُّلًا؟ على قولين (٢)، كما تنازعوا في صدقة الفطر التي يجب (٣) أداؤها عن الغير كالزوجة [والولد] (٤)، هل تجب ابتداءًا أو تحملًا؟ [على قولين] (٤)، وعلى ذلك ينبني ما لو أخرجها من تُحمِّلت عنه عن نفسه بغير إذن المُتحمِّل لها؛ فمن قال: هي واجبة على الغير تحملًا قال: تجزئ في هذه الصورة، ومن قال: هي واجبة عليه ابتداءً قال: لا تجزيء، [بل] (٥) هي كأداء الزكاة عن الغير، وكذلك القاتل إذا لم تكن (٦) له عاقلةٌ، هل تجب الدية في ذمة القاتل [أولًا] (٥)؛ على قولين، بناء على هذا الأصل، والعَقْلُ فارقَ غيره من الحقوق في أسباب اقتضت اختصاصه بالحكم، وذلك أن دية المقتول مال كثير، والعاقلة إنما تحمل الخطأ، ولا تحمل العَمْد بالاتفاق، ولا شبهه على الصحيح، والخطأُ يُعْذَر فيه الإنسان، فإيجاب الدية في ماله فيه ضررٌ عظيم عليه من غير ذنب تعمَّده، وإهدارُ دم المقتول من غير ضمان بالكلية فيه إضرار بأولاده وورثَته، فلا بد من إيجاب بدلِه، فكان من محاسنِ الشَّريعة وقيامها بمصالح العباد أنْ أوجبَ بدله على مَنْ عليهم موالاة القاتل ونُصرته، فأوجب عليهم إعانته على ذلك. وهذا كإيجابِ النفقات على الأقاربِ وكسوتهم، وكذا مسكنهم وإعفافهم إذا طلبوا النكاحِ، وكإيجابِ فَكاك الأسير من يد العدو (٧)، [فإنه أسير] (٨) بالدية التي لم يتعمَّد سبَبَ وجوبها ولا وجبت باختيار مستحقها كالقرض والبيع، وليست قليلة؛ فالقاتل في الغالب لا يقدر على حملها، وهذا بخلاف العمد، فإن الجاني ظالم مستحق للعقوبة ليس أهلًا أن يُحمل عنه بدل القتل (٩)؛ وبخلاف شبه العمد؛ لأنه قاصد للجناية متعمد لها، فهو آثم معتدٍ،

стр. 1013

بخلاف بدل المُتلف من الأموال؛ فإنه قليل في الغالب لا يكاد المُتْلِف يعجز عن حمله، وشأن النفوس غير شأن الأموال؛ ولهذا لم تحمل العاقلة ما دون الثلث عند أحمد ومالك (١) لقلّته واحتمال الجاني حمله (٢)، وعند أبي حنيفة لا تَحْمِل ما دون أقل المقدّر كأرْشِ المُوضحة (٣) وتحمل ما فوقه (٤)، وعند الشافعي تحمل القليل والكثير طردًا للقياس (٥)؛ وظهر بهذا كونها لا تحمل العبد فإنه سلعة من السلع ومال من الأموال، فلو حملت بدله لحملت بدل الحيوان والمتاع؛ وأما الصلح والاعتراف فعارض هذه الحكمة فيهما معنًى آخر، وهو أن المُدَّعِي والمُدَّعَى عليه قد يتواطآن على الإقرار بالجناية ويشتركان فيما تحمله العاقلة ويتصالحان على تغريم العاقلة، فلا يسْري إقراره ولا صلحه، [فلا يجوز إقراره] (٦) في حق العاقلة، ولا يقبل قوله فيما يجب عليه (٧) من الغرامة، وهذا هو القياس الصحيح؛ فإن الصلح والاعتراف يتضمن إقراره ودَعْواه على العاقلة بوجوب المال عليهم؛ فلا يقبل ذلك في حقهم، ويقبل بالنسبة إلى المعترف كنظائره، فتبين أن إيجاب الدية على العاقلة من جنس ما أوجبه الشارع من الإحسان إلى المحتاجين كأبناء السبيل والفقراء والمساكين. وهذا من تمام الحكمة التي بها قيام مصلحة العالم؛ فإن اللَّه سبحانه قسم خلقه إلى غني وفقير، ولا تتم مصالحهم إلا بسدِّ خَلّة الفقير، فأوجب سبحانه في فضول أموال الأغنياء ما يسد [به] (٨) خلّة الفقراء، وحرّم الربا الذي يضر بالمحتاج، فكان أمره بالصّدقة ونهيه عن الربا أخوين شقيقتين؛ ولهذا جمع اللَّه

стр. 1014

بينهما في قوله: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ [البقرة: ٢٧٦]، وقوله: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ [الروم: ٣٩] وذكر [اللَّه] (١) سبحانه أحكام الناس في الأموال في آخر سورة البقرة، وهي ثلاثة: عدل، ظلم (٢)، وفضل؛ فالعدل البيع، والظلم الربا، والفضل الصدقة؛ فمدح المتصدقين وذكر ثوابهم، وذم المرابين وذكر عقابهم، وأباح البيع والتداين إلى أجل مسمى. والمقصود أن حمل الدية من جنس ما أوجبه من الحقوق لبعض العباد على بعض كحق المملوك والزوجة والأقارب والضيف، ليست من باب عقوبة الإنسان بجناية غيره، فهذا لون، وذاك (٣) لون، واللَّه الموفق. فصل [بيان أن المُصرَّاة على وفق القياس] وممّا قيل فيه: إنه على خلاف القياس حديث المُصرَّاة (٤)، قالوا: وهو

стр. 1015

يخالف القياس من وجوه (١): منها أنه تضمن (٢) رَدَّ البيع (٣) بلا عيبٍ ولا خلف في صفة، ومنها أن "الخراج بالضمان" (٤)؛ فاللَّبن الذي يحدث عند المشتري غير مضمون عليه وقد ضمنه إياه، ومنها أن اللبن من ذوات الأمثال وقد ضمنه إياه بغير مثله، ومنها أنه إذا انتقل من التضمين بالمثل فإنما ينتقل إلى القيمة والتمر لا قيمة ولا مثل، ومنها أن المال المضمون إنما يُضمن بقَدَره في القلة والكثرة، وقد قدر ههنا (٥) الضمان بصاع. [الرد على ذلك] قال أنصار الحديث: كل ما ذكرتموه خطأ، والحديث موافق لأصول الشريعة وقواعدها، ولو خالفها لكان أصلًا بنفسه، كما أن غيره أصلٌ بنفسه (٦)، وأصول الشرع لا يُضرب بعضها ببعض، كما نهى رسول اللَّه ﷺ [عن] (٧) أن يُضرب كتابُ اللَّه بعضه ببعض (٨)، بل يجب اتباعها كلها، ويُقر كل منها على أصله وموضعه؛ فإنها كلها من عند اللَّه الذي أتقن شرعه وخلقه، وما عدا هذا فهو الخطأ الصريح.

стр. 1016

فاسمعوا الآن هدْم الأصول الفاسدة التي يُعترض بها على النصوص الصحيحة: أما قولكم: "إنه تضمّن الرد من غير عيب ولا فوات صفة" فأين في أصول الشريعة المُتلقّاة عن صاحب الشرع ما يدل على انحصار الرد بهذين الأمرين؟ وتكفينا هذه المطالبة، ولن تجدوا إلى إقامة الدليل على الحصر سبيلًا؛ ثم نقول: بل أصول الشريعة توجبُ الرد بغير ما ذكرتم، وهو الرد بالتدليس والغش، فإنه هو والخلف في الصفة من باب واحد، بل الرد بالتدليس أولى من الرد بالعيب، فإن البائع يُظهر صفة المبيع تارة بقوله وتارة بفعله، فإذا أظهر للمشتري أنه على صفة فبان بخلافها كان قد غشه ودلّس عليه، فكان له الخيار بين الإمساك والفسخ، ولو لم تأت الشريعة بذلك لكان هو محْض القياس وموجب العدل فإن المشتري إنما بَذل ماله [في المبيع] (١) بناء على الصفة التي أظهرها له البائع، ولو علم أنه على خلافها لم يبذل له فيها ما بذل، فإلزامه للمبيع (٢) مع التدليس والغش من أعظم الظلم الذي تتنزّه الشريعة عنه، وقد أثبت النبي ﷺ الخيار للركبان إذا تُلُقُّوا واشتُرِيَ منهم قبل أن يهبطوا السوق ويعلموا السِّعْر (٣)، وليس ههنا عيبٌ ولا خلف في صفة، ولكن فيه نوع تدليس وغش. فصل [الخراج بالضمان] وأما قولكم: "الخراج بالضمان" (٤) فهذا الحديث وإن كان قد رُوي فحديث

стр. 1017

المُصَرّاة (١) أصحُّ منه باتفاق أهل الحديث قاطبة، فكيف يُعارض به مع أنه لا تعارض بينهما بحمد اللَّه؟ فإن الخراج اسم للغلَّة مثل كسب العبد وأجرة الدابة ونحو ذلك، وأما الولد واللبن (٢) فلا يُسمَّى خراجًا، وغايةُ ما في الباب قياسُه عليه بجامع كونهما من الفوائد، وهو من أفسد القياس؛ فإنّ الكسْب الحادث

стр. 1018

والغلة لم يكن موجودًا حالَ البيع، وإنما حدث بعد القبض، [وأما اللبن ههنا فإنه كان موجودًا حال العقد] (١)، فهو جزء من المعقود عليه، والشارع لم يجعل الصاع عوضًا عن اللبن الحادث، وإنما هو عوض عن اللبن الموجود وقت العقد في الضّرع (٢)، فضمانه هو محض العدل والقياس. وأما تضمينه بغيرِ جنسِه ففي غاية العدل؛ فإنه لا يمكن تضمينه بمثله البتة، فإن اللبن في الضّرع محفوظ غير مُعرّض للفساد، فإذا حلب صار عُرضة لحمضه وفساده، فلو ضمن اللبن الذي كان في الضوع بلبن محلوب في الإناء كان ظلمًا تتنزّه (٣) الشريعة عنه. [الحكمة في رد التمر بدل اللبن] وأيضًا فإن اللبن الحادث بعد العقد اختلط (٤) باللبن الموجود وقت العقد، فلم يعرف مقداره حتى يوجب نظيره على المشتري، وقد يكون أقلّ منه [أو أكثر] (٥) فيفضي إلى الربا؛ لأن أقل الأقسام أن تُجهل المساواة. وأيضًا فلو وكلناه إلى تقديرهما أو تقدير أحدهما لكثرُ النزاع والخصام بينهما، ففَصلَ الشارع (٦) الحكيم -صلاة اللَّه وسلامه عليه [وعلى آله] (٧) - النزاع وقَدَّره بحد لا يتعدّيانه قطعًا للخصومة وفصلًا للمنازعة، وكان تقديرُه بالتمر أقربَ الأشياء إلى اللبن، فإنه قوت أهل المدينة كما كان اللبن قوتًا لهم، وهو مكيل كما أن اللبن مكيل؛ فكلاهما مطعوم مقْتات [مَكِيل، وأيضًا فكلاهما يُقْتات] (٨) به بلا صنعة ولا علاج، بخلاف الحنطة والشعير والأرز، فالتمر أقرب الأجناس التي كانوا يقتاتون بها إلى اللبن. فإن قيل: فأنتم (٩) توجبون صاع التمر في كل مكان، سواء كان قوتًا لهم أو لم يكن.

стр. 1019

قيل: هذا في مسائل النزاع وموارد الاجتهاد، فمن الناس منْ يوجب ذلك، ومنهم من يوجب في كل بلد صاعًا من قوتهم، ونظير هذا تعيينه ﷺ الأصناف الخمسة في زكاة الفطر (١) وأن كل [أهل] (٢) بلد يُخرجون من قوتِهم مقدار الصاع (٣)، وهذا أرجح وأقرب إلى قواعد الشرع، [وإلا] (٤) فكيف يُكلّفُ مَنْ قوتُهم السمك مثلًا أو الأرز الدّخن (٥) إلى التمر، وليس هذا بأول تخصيص قام الدليل عليه، وباللَّه التوفيق. فصل [أمر الذي صلى فذًا بالإعادة] ومن ذلك ظنُّ بعض الناس (٦) أن أمره ﷺ لمن صلّى فذًّا خَلْف الصَّف بالإعادة على خلاف القياس (٧)؛ فإن الإمام والمرأة فذّان وصلاتهما صحيحة. وهذا من أفسد القياس وأبطله؛ فإن الإمام يُسن في حقه التقدم، وأن يكون وحده، والمأمومون يُسن في حقهم الاصطفاف، فقياس أحدهما على الآخر من أفسد القياس، والفرقُ بينهما أن الإمام إنما جُعل ليُؤْتَمّ به وتُشاهد أفعالُه وانتقالاته، فإذا كان قُدَّامهم حصل مقصود الإمامة، وإذا كان في الصف لم يشاهده إلّا مَنْ يليه، ولهذا جاءت السنة بالتقدم (٨)، [ولو كانوا

стр. 1020

ثلاثة] (١)، محافظةً على المقصود بالائتمام، وأما المرأة فإن السنة وقوفها فذة إذا لم يكن هناك امرأة تقف معها؛ لأنها منهية عن مُصافة الرِّجال (٢)، فموقفها المشروع أن تكون خلف الصف فذة، وموقف الرجل المشروع أن يكون في الصف، فقياسُ أحدهما على الآخر من أبطل القياس وأفسده، وهو قياس المشروع على غير المشروع. فإن قيل: فلو كان معها نساء ووقفت وحدها صحت صلاتها! قيل: هذا غير مُسلَّم، بل إذا كان صفُّ نساء (٣) فحكم المرأة بالنسبة إليه في كونها فذة كحكم الرجل بالنسبة إلى صفُّ الرجال، لكن موقف المرأة وحدها خلف الرجال (٤) يدل على شيئين: أحدهما أن الرجل إذا لم يجد خلف الصف من يقوم معه وتعذَّر عليه الدخول في الصف ووقف [معه] (٥) فذًا صحت صلاته للحاجة، وهذا هو القياس المحض؛ فإن واجبات الصلاة تسقط بالعجز عنها؛ الثاني -هو (٦) طرد هذا القياس- إذا لم يمكنه أن يُصلِّي مع الجماعة إلا قُدّام الإمام فإنه يصلي قدامه وتصح صلاته، وكلاهما وجهٌ في مذهب أحمد، وهو اختيار شيخنا ﵀ (٧). وبالجملة فليست المُصَافة أوْجب من غيرها، فإذا سقط ما هو أوجب منها
следующие страницы →