فقال أبو الخطاب وغيره: ذهب أحمدُ إلى هذا توقيفًا على خِلاف القياس.
والصواب أنه مقتضى القياس والعَدْل، وهذا يتبين بأصل، وهو أن الجناية إذا حصلت من فعلٍ مضمونٍ ومُهْدر سقط ما يقابل المهدر واعتُبر ما يُقابل المضمون، كما لو قتل عبدًا مشتركًا بينه وبين غيره، أو أتلف مالًا مشتركًا أو حيوانًا سقط ما يُقابل حَقَّه ووجب عليه ما يقابل حقَّ شريكه، وكذلك لو اشترك اثنان في إتلاف مالِ أحدِهما أو قَتْلِ عبده أو حيوانه سقط عن المشارك (١) ما يقابل فعله، ووجب على الآخر من الضمان بقِسْطه (٢)، وكذلك لو اشترك هو وأجنبي في قتل نفسه كان على الأجنبي نصفُ الضمان، وكذلك لو رمى ثلاثةً بالمنجنيق فأصاب الحجَرُ أحدَهم فقتله فالصحيح أن ما قابل فعل المقتول ساقط ويجب ثُلثا ديته على عاقلة الآخرين، هذا مذهب الشافعي واختيار صاحب "المغني" (٣) والقاضي أبي (٤) يعلى في "المجرَّد".
[حكم علي في القارصة [والقامصة] والواقصة]
وهو الذي قضى به علي (٥) في مسألة القارِصة [والقامصة] والواقِصة (٦)، قال الشعبي: وذلك أن ثلاث جوار اجتمعن فركبت إحداهُنَّ على عُنُق الأخرى فقرَصَت الثالثةُ المركوبةَ فقمصت فسقطت الرَّاكبة فوقصت [أي كسرت] (٧) عنقها
стр. 1052
فماتت، فرُفع ذلك إلى عليّ (١) فقضى بالدية أثلاثًا على عواقلهنَّ، وألقى (٢) الثلث الذي قابل فعل الواقصة؛ لأنها أعانت على قتل نفسها (٣).
وإذا ثبت هذا فلو ماتوا بسقوط بعضهم فوق بعض كان الأول قد هلك بسبب مركَّب من أربعة أشياء: سقوطه، وسقوط الثاني، والثالث، والرابع. وسقوط الثلاثة فوقه من فعله وجنايته على نفسه، فسقط ما يقابله وهو ثلاثة أرباع الدية، وبقي الربع الآخر لم يتولَّد من فعله، وإنما تولد من التزاحم فلم يُهدر؛ وأما الثاني فلأن هلَاكه كان من ثلاثة أشياء: جَذْب من قبله له، وجَذْبه هو لثالث ورابع (٤)؛ فسقط ما يقابل جذبه وهو ثلثا الدية، واعتُبر ما لا صُنع له فيه، وهو الثُلُث الباقي؛ وأما الثالث فحصل تلفه بشيئين: جذب من قبله له، وجذبه هو للرابع، فسقط فعله دون السبب الآخر؛ فكان لورثته النصف، وأما الرابع فليس منه فعل البتة، وإنما هو مجذوب محْض، فكان لورثته كمال الدية، وقضى بها على عواقل الذين حضروا البئر لتدافعهم وتزاحمهم.
فإن قيل: على هذا سؤالان:
أحدهما: أنكم لم توجبوا على عاقلة الجاذب شيئًا مع أنه مباشر، وأوجبتم على عاقلة مَنْ حضر البئر ولم يُباشر؛ وهذا خلاف القياس.
الثاني: [هب أن هذا] (٥) يتأتَّى لكم فيما إذا ماتوا بسقوط بعضهم على بعض، فكيف يتأتى لكم في مسألة الزُّبية، وإنما ماتوا بقتل الأسد؟ فهو كما لو تجاذبوا فغرقوا في البئر.
قيل: هذان سؤالان قويان، وجواب الأول أن الجاذب لم يُباشر الإهلاك وإنما تَسبَّب إليه، والحاضرون تسببوا بالتزاحم، وكان تسبُّبهم أقوى من تسبب الجاذب (٦)؛ لأنه أُلجيء إلى الجذب؟ فهو كما لو ألقى إنسانٌ إنسانًا على آخر
стр. 1053
فنفضه عنه لئلا يقتلَه فمات، فالقاتل هو المُلقي. وأما السؤال الثاني فجوابه أن المباشر للتَّلف كالأسد والماء والنار، لما لم يمكن الإحالة عليه أُلغي فعله، وصار الحكم للسبب؛ ففي مسألة الزّبية ليس للرابع فعل البتة، وإنما هو مفعولٌ به محض، فله كمال الدية، والثالث فاعل ومفعول به فأُلغي ما يقابل فعله واعتُبر فعل الغير به، فكان قسطه نصف الدية، والثاني كذلك لأنه (١) جاذبٌ لواحد والمجذوبُ جاذبٌ لاخر (٢)؛ فكان الذي حصل عليه من تأثير الغير فيه ثلث السبب وهو جذب الأول له فله ثُلثُ الدية، وأما الأولُ فثلاثة أرباعِ السبب من فعله، وهو سقوط الثلاثة الذين سقطوا بجذبه مباشرةً وتسببًا، وربعه من وقوعه بتزاحم الحاضرين، فكان حظُّهُ ربع الدية، وهذا أولى من تحميل عاقلة القتيل ما يقابل فعله، ويكون لورثته، وهذا هو خلاف القياس؛ لأن الدية شرعت مُواساة وجبْرًا، فإذا كان الرجل هو القاتل لنفسه أو مشاركًا في قتله لم يكن فعله بنفسه مضمونًا كما لو قَطَعَ طَرفَ نفسه أو أتلف مال نفسه؛ فقضاء عليٍّ (٣) أقرب إلى القياس من هذا بكثير، وهو أولى أيضًا من أن يُحمل فعل المقتول على عَواقل الآخرين كما قاله أبو الخَطَّاب في مسألة المنجنيق أنه يُلْغي فعل المقتول في نفسه وتجب ديته بكاملها على عاقلة الآخرين نصفين، وهذا أبعد عن القياس مما قبله، إذ كيف تتحمل (٤) العاقلة والأجانب جناية الإنسان على نفسه، ولو تحملتها العاقلةُ لكانت عاقلتهُ أولى بتحمُّلها، وكلا القولين يخالف القياس؛ فالصواب ما قضى به أمير المؤمنين ﵁.
وهو أيضًا أحسنُ (٥) من تحميلِ ديةِ الرابع لعاقلة الثالث، وتحميلِ دية الثالث لعاقلة الثاني، وتحميلِ دية الثاني لعاقلة الأول، وإهدار دية الأول بالكلية؛ فإن هذا القول وإن كان له حظٌّ من القياس فإن الأول لم يَجْنِ عليه أحد، وهو الجاني على الثاني فديَّته على عاقلته، والثاني على الثالث، والثالث على الرابع، والرابع لم يَجْنِ على أحدٍ فلا شيءَ عليه؛ فهذا قد يُوهم (٦) أنه في ظاهر القياس أصح من قضاء أمير المؤمنين ولهذا (٧) ذهب إليه كثير من الفقهاء من أصحاب أحمد
стр. 1054
وغيرهم، إلا أن ما قضى به عليٌّ أفقه؛ فإن الحاضرين ألجأوا الواقفين بمزاحمتِهم لهم فعواقلُهم أولى يحمل الدية من عواقل الهالكين، وأقرب إلى العدل من أن يُجمع عليهم بين هلاكِ أوليائهم وحمل ديَّاتهم، فتتضاعف عليهم المصيبة، ويُكسروا من حيث ينبغي جَبْرهم، ومحاسن الشريعة تأبى ذلك، وقد جعل اللَّه سبحانه لكل مصاب حظًا من الجبر، وهذا أصلُ شرع حملِ العاقلة الدية جبرًا للمصاب وإعانةً له.
وأيضًا فالثاني والثالث كلاهما مجنيٌّ عليهما فهما جانيان على أنفسهما وعلى من جَذَباه، فحصل هلاكهم [كلهم] (١) بفعل بعضهم ببعض، فألغَى ما قابل فعل كل واحد بنفسه، واعْتَبر جنايةَ الغير عليه.
وهو أيضًا أحسنُ من تحميلِ ديةِ الرابع لعواقل الثلاثة، وديةِ الثالث لعاقلة الثاني والأول، وديةِ الثاني لعاقلة الأول خاصة، وإنما (٢) كان له أيضًا حظٌّ من قياس [تنزيلًا للسَّبب منزلة المُسيِّب، وقد اشترك في هَلاك الرابع] (٣) الثلاثةُ الذين قبله، وفي هلاك الثالث الاثنان، وانفرد بهلاك الثاني الأول، ولكن قول عليّ [﵇] (٤) أدق وأفقه.
فصل [الحكم في بصير يقول أعمى فيخرّان معًا وفق القياس]
ومما يُظنَّ أنه يخالف (٥) القياس ما رواه عليّ بن رباح اللَّخْميّ أنّ رجلًا كان يقول أعمى، فوَقَعا في بئرٍ، فخرَّ البَصيرُ، ووقع الأعمى فوقه فقتله، فقضى عمرُ بْنُ الخطاب ﷺ بعقْل (٦) البصير على الأعمى، فكان الأعمى يدور في الموسم وينشد:
يا أيها الناسُ لَقِيت مُنْكرا ... هل يَعْقِلُ الأعمى الصَّحِيحَ المُبْصِرا؟
خرّا معًا كلاهما تكسَّرا (٧)
стр. 1055
وقد اختلف الناس في هذه المسألة؛ فذهب إلى قضاء عمر هذا عبدُ اللَّه بْنُ الزبير وشُرَيحٌ وإبراهيم النَّخعيُّ والشَّافعيُّ وأحمد وإسحاق (١)، وقال بعض الفقهاء: القياس أنه ليس على الأعمى ضمانُ البصير؛ لأنه الذي قَادَه إلى المكان الذي وقعا فيه وكان سببَ وقوعه عليه، وكذلك (٢) لو فعله قصدًا منه لم يضمنه بغير خلاف وكان عليه ضمانُ الأعمى، ولو لم يكن سببًا لم يلزمه ضمانُه بقصده، قال أبو محمد المقدسي في "المغني" (٣): لو قيل هذا لكان له وجه، إلا أن يكون مُجْمعًا عليه فلا يجوز مخالفة الإجماع.
والقياس حكم عمر ﵁، لوجوه:
أحدها: أن قوْده له مأذونٌ فيه من جهة الأعمى، وما تولَّد من مأْذونٍ فيه لم يُضمن كنظائره.
الثاني: (٤) قد يكون قوْدُه له مستحبًا أو واجبًا، ومن فعل ما وجب عليه أو نُدِب إليه لم يلزمه ضمان ما تولَّد منه.
الثالث: أنه قد اجتمع على ذلك الإذْنان: إذن الشارع وإذن الأعمى، فهو مُحْسن بامتثاله أمر الشارع محسن إلى الأعمى بقوْدِه له، و ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١] وأما الأعمى فإنه سقط على البصير فقتله، فوجب عليه ضمانُه، كما لو سقط إنسان من سطح [على آخر] (٥) فقتله، فهذا هو القياس.
وقولهم: "هو الذي قاده إلى المكان الذي وقعا فيه" فهذا لا يوجب الضمان (٦)؛ لأن قوْده ماذون فيه من جهته ومن جهة الشارع، وقولهم: "وكذلك (٢) لو فعله قصدًا لم يضمنه" فصحيحٌ لأنه مسيءٌ وغيرُ مأذونٍ له في ذلك، لا من جهة الأعمى ولا من جهة الشارع، فالقياس المحْض قول عمر، وباللَّه التوفيق.
стр. 1056
فصل [حكم عليٍّ في جماعة وقعوا على امرأة وفق القياس]
ومما أشكل على جمهور الفقهاء وظنّوه في غاية البعد عن القياس الحكم الذي حكم به عليُّ بنُ أبي طالب [كرم اللَّه وجهه في الجنة] (١) في الجماعة الذين وقعوا على امرأة في طُهْرٍ واحد، ثم تنازعوا الولد، فأقرع بينهم فيه.
ونحن نذكر هذه الحكومة ونبيّن مطابقتها للقياس؛ فذكر أبو داود والنَّسائيُّ من حديث عبد اللَّه بن الخَليل (٢) عن زيد بن أرقم قال: كنت جالسًا عند النبي ﷺ ، فجاء رجلٌ من أهل اليمن، فقال: إنّ ثلاثة من أهل اليمن أتوْا عليًا يختصمون إليه في ولد قد وَقعوا على امرأة في طُهر واحد، فقال لاثنين: طِيبا بالولد لهذا، ([فقالا: لا] (٣)، ثم قال لاثنين: طِيبا بالولد لهذا (٤)، [فقالا: لا] (٣)، ثم قال لاثنين: طيبا بالولد لهذا، [فقالا: لا]) (٣)، فقال: أنتم شُركاء مُتشاكسون، إني مُقرعٌ بينكم، فمن قُرِع فله الولدُ وعليه لصاحبيه ثُلثا الدية، فأقرع بينهم، فجعله لمن قُرع له، فضحِك رسول اللَّه ﷺ حتى بدَت أَضراسُه أو نواجِذُه (٥). وفي إسناده
стр. 1057
يحيى بن عبد اللَّه [الكنديَّ] الأَجْلح (١)، ولا يحتج بحديثه. لكن رواه أبو داود والنسائي بإسناد كلهم ثقات إلى عبد خير عن زيد بن أرقم، قال: أُتي علي بثلاثة وهو باليمن وَقعوا على امرأةٍ في طهرٍ واحد، فقال لاثنين: أتُقرَّانِ لهذا؟ قالا: لا، حتى سألهم جميعًا، فجعل كلما سأل اثنين قالا: لا، فأقرَعَ بينهم، فألحق
стр. 1058
الولد بالذي صارت له القرعة، وجعل [لصاحبيه] (١) عليه ثُلثي الدِّية (٢)، فذُكر ذلك للنبي ﷺ فضحك حتى بدت نواجذُه (٣). وقد أُعلَّ هذا الحديث بأنه روي عن عبد خير بإسقاط زيد بن أرقم فيكون مرسلًا، قال النسائي: وهذا أصوب (٤)، قلت: وهذا ليس بعلة، ولا يوجب إرسالًا في الحديث؛ فإن عبد خير سمع من عليٍّ وهو صاحب القصة، فهب أن زيد بن أرقم لا ذِكْر له في المتن، فمن أين يجيءُ الإرسال؟
[حكم الفقهاء في الحديث]
وبعد، فقد اختلف الفقهاء في حكم هذا الحديث، فذهب إلى القول به (٥) إسحاق بن راهويه، وقال: هو السنة في دعوى الولد. وكان الشافعي يقول به في القديم، وأما الإِمام أحمد فسُئل عنه فرجّح عليه حديث القَافَة (٦) وقال: حديث القافة أحبُّ إليَّ (٧).
стр. 1059
وههنا أمران: أولهما دخول الولد (١) في النسب.
والثاني: تغريم من خَرَجت له القرعة ثُلثُي دية ولده لصاحبيه، وكُلٌّ منهما بعيدٌ عن القياس؛ فلذلك قالوا: هذا [من] (٢) أبعد شيء عن القياس.
فيُقال: القرعة قد تستعمل عند فقدان مُرَجِّح سواها من بيّنة أو إقرار أو قافة (٣)، وليس ببعيد تعيين المستحق بالقرعة في هذا (٤) الحال؛ إذ هي غاية المقدور عليه من أسباب ترجيح الدعوى (٥)، ولهذا دخول في دعوى الأَمْلاك المرسلة التي لا تثبُتُ بمّرينة ولا أمارة (٦)، فدخولها في النَّسب الذي يثبُتُ بمجرد
стр. 1060
الشَّبه الخفي المستند إلى قولِ القائفِ أوْلى وأحْرى.
وأما أمر الدية فمشكلٌ جدًا؛ فإن هذا ليس بقتل يُوجب الدية، وإنما هو تفويتُ نسبه بخروج القُرعة له؛ فيمكن أن يُقال: وطءُ كل واحد صالحٌ لجعْل الولد له، فقد فوّته كل واحد [منهم] (١) على صاحبه بوطئه، ولكن لم يتحقق مَنْ كان له الولد منهم، فلما أخرجته القرعةُ لأحدهم صار مُفوِّتًا لنسبه على صاحبيه، فأجرى ذلك مجرى إتلاف الولد، ونزل الثلاثةُ منزلة أبٍ واحد، فحَصّةُ المُتْلف منه (٢)، ثلثُ الدية؛ إذ قد عاد الولد له؛ فيغرَّم لكل [وَاحد] (٣) من صاحبيه ما يخصُّه، وهو ثلثُ الدية (٤).
ووجه آخر أحسن من هذا: [وهو] (٥) أنه لما أتلفه عليهما بوطئه ولحوق الولد به وَجَب عليه ضمانُ قيمته، وقيمة الولد شرعًا [هي] (١) ديتُه، فلزمه (٦) لهما ثُلُثا قيمته وهي ثلثا الدية، وصار هذا كمن أتلف عبدًا بينه وبين شريكين له فإنه يجب عليه ثُلُثا القيمة لشريكيه؛ فإتلاف الولدِ [الحُرِّ] (١) عليهما بحكم القرعة كإتلاف الرقيق الذي بينهم، ونظير هذا تضمين الصحابة (٧) المغرور بحرية الأمة لما فات رِقُّهم على السيد (٨) بحريَّتهم، وكانوا بصدد أن يكونوا أرقاء له، وهذا من ألْطف ما يكون من القياس وأدقِّه، ولا يهتدي إليه إلا أفهام الراسخين في العلم؛ وقد ظن طائفةٌ -أيضًا- أن هذا على (٩) خلاف القياس، وليس كما ظَنُّوا، بل هو محضُ الفقه، فإن الولد تابع للأم في الحرية والرق، ولهذا ولد الحر من أمةِ الغيرِ رقيقٌ، وولدُ العبد من الحرة حُرٌّ.
قال الإِمام أحمد: إذا تزوج الحُرُّ بالأمة رقَّ نصفُه، وإذا تزوج العبد بالحرة عَتقَ نصفه؛ فولدُ الأمة المزوجة بهذا المغرور كانوا بصدد أن يكونوا أرقاء لسيدها, ولكنْ لما دخل الزوجُ على حرية المرأة دخل على أن يكونَ أولاده أحرارًا، والولدُ يتبع اعتقاد الواطئ فانعقد أولاده (١٠) أحرارًا، وقد فَوَّتهم على السيد، وليس مراعاة أحدهما بأولى من مراعاة الآخر، ولا تفويت حق أحدهما بأولى من حق صاحبه؛ فَحفِظَ الصحابةُ الحَقَّين وراعوا الجانبين، فحكموا بحرية
стр. 1061
الأولاد وإن كانت أمّهم رقيقة؛ لأن الزوج إنما دخل على حرية أولاده، ولو توهَّم رقهم لم يدخل على ذلك، ولم يضيّعوا حق السيد بل حكموا على الواطيء بفداء أولاده، وأعطوا العَدْل حقه؛ فأوجبوا فدائهم بمثلهم تقريبًا لا بالقيمة، ثم وفوا العدل بأن مَكَّنوا المغرورَ من الرجوع بما غرمه على من غَرَّه؛ لأن غُرْمه كان بسبب غروره (١)، والقياس والعدل يقتضي أن من تسبب إلى إتلاف مال شخص أو تغريمه أنه يضمن ما غرمه، كما يضمن ما أتلفه؛ إذ غايته أنه إتلافٌ بسبب، وإتلاف المُسَبِّب (٢) كإتلاف المباشر في أصل الضمان.
فإن قيل: وبعد ذلك كله فهذا خلاف القياس أيضًا؛ فإن الولد كما هو بعضُ الأم وجزء منها فهو بعض الأب، وبعضيَّتُه للأب أعظم من بعضيته للأم، ولهذا إنما يذكرُ اللَّه سبحانه في كتابه تخليقَه من ماءِ الرجل كقوله: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ﴾ [الطارق: ٥ - ٧] , وقوله: ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى﴾ [القيامة: ٣٧]، ونظائرها من الآيات التي إن لم تختص بماء الرجل فهي فيه أظهر، وإذا كان جزءًا من الواطئ وجزءًا من الأم فكيف كان مُلكًا لسيِّد الأم دون سيد الأب؟ ويخالف القياس من وجه آخر، وهو أن الماءَ بمنزلة البَذْر، ولو أن رجلًا أخذ بَذْر غيره فزرعه في أرضه كان الزَّرع لصاحب البذر وإن كان عليه أجرةُ الأرض.
قيل: لا ريبَ أن الولد منعقدٌ من ماءِ الأب كما هو منعقد من ماء الأم، ولكن إنما تكوّن (٣) وصار مالًا متقوَّمًا في بَطْن الأم؛ فالأجزاءُ التي صار بها كذلك من الأم أضعافُ أضعاف الجزء الذي من الأب، مع مساواتها له في ذلك الجزء؛ فهو إنما تكوَّن في أحشائها من لحمها ودمها, ولمَّا وَضَعَه الأب لم يكن له قيمة أصلًا، بل كان كما سَمَّاه اللَّه ماءً مهينًا لا قيمة له، ولهذا لو نزا فحلُ رجل على رمكة (٤) آخر كان الولدُ لمالك الأم باتفاق المسلمين، وهذا بخلاف البذر فإنه مالٌ متقوَّم له قيمة قبل وضعه في الأرض يعاوض عليه بالأثمان، وعسب الفحل لا يعاوض عليه، فقياس أحدهما [على الآخر] (٥) من أبطل القياس.
стр. 1062
[لماذا جعل النسب للأب]
فإن قيل: فهلا طردتم ذلك في النسب، وجعلتموه للأم كما جعلتموه للأب؟
قيل؛ قد اتفق المسلمون على أن النَّسبَ للأب، كما اتفقوا على أنه يتبع الأم في الحُريَّة والرق (١)، وهذا هو الذي يقتضي حكم اللَّه (٢) شرعًا وقدرًا؛ فإنَّ الأبَ هو المولودُ له، والأم وِعاءٌ يكون فيها (٣)، واللَّه سبحانه جعل الولدَ خليفة أبيه وشَجْنَته (٤) والقائم مقامه، ووضع الأنساب بين عباده؛ فيُقال: فلانٌ ابن فلان، ولا تتمُّ مصالحُهم وتعارفُهم ومعاملاتُهم إلا بذلك، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات: ١٣] فلولا (٥) ثبوتُ الأنساب من قبل الآباء لما حَصلَ التعارفُ، ولفسد نظام العباد؛ فإن النساءَ محتجباتٌ مستورات عن العيون؛ ولا يمكن في الغالب أن تعرف عين الأم فيشهد على نسب الولد منها، فلو جُعلت (٦) الأنسابُ للأمَّهات لضاعت وفسدت، وكان ذلك مناقضًا للحكمة والرحمة والمصلحة، ولهذا إنما يُدْعى الناس يوم القيامة بآبائهم لا بأمهاتهم.
قال البخاريُّ في "صحيحه": (بابُ يُدْعَى الناس بآبائهم يوم القيامة)، ثم ذكر حديث: "لكلِّ غادرٍ لواءٌ يوم القيامة عند اسْتِهِ بِقَدْرِ غَدْرته، يُقال: هذه غَدْرةُ فلانِ ابنِ فُلان" (٧).
стр. 1063
فكان من تمام الحكمة أن جعل الحرية والرق تبعًا للأم، والنسب تبعًا للأب، والقياس الفاسدُ [إنما] (١) يَجمعُ ما فرَّق اللَّه بينه أو يُفرِّق (٢) بين ما جمع اللَّه بينه.
[من أحكام الولاء]
فإن قيل: فهلَّا طردتم ذلك في الولاء، بل جعلتموه لموالي الأم (٣)؟ والولاء لحمُهُ كلُحْمة النَّسب.
قيل: لمَّا كان الولاء من آثار الرق وموجباته كان تابعًا له في حكمه، فكان لموالي الأم، ولما كان في شائبةِ النسب وهو لُحْمةٌ كلحمته رجع إلى موالي الأب عند انقطاعه عن موالي الأم، فروعيَ فيه الأمران، ورُتب عليه الأثران.
فإن قيل: فهلَّا جعلتم الولد في الدِّين تابعًا لمن له النسب، بل ألحقتموه بأَبيه تارة وبأمه تارة؟.
قيل: الطفل لا يستقل بنفسه، بل لا يكون إلا تابعًا لغيره؛ فجعله الشارع تابعًا (٤) لخير أبويه في الدين تغليبًا لخير الدِّينين، فإنه إذا لم يكن له بد من التبعية لم يجز أن يَتبعَ من هو على دين الشيطان، وتنقطع تبعيته عمن هو على دين الرحمن؛ فهذا مح الذي حكمة اللَّه تعالى (٥) وشرعه.
فإن قيل: فاجعلوه تابعًا لسابيه في الإِسلام وإن كان معه أبواه أو أحدهما، فإن تبعيته لأبويه (٦) قد انقطعت وصار السابي هو أحقُّ به.
قيل: نعم، وهكذا نقول سواء، وهو قول إمام أهل الشام عبدُ الرحمن بن عمرو الأوزاعي (٧)، ونص عليه أحمد (٨)، واختاره شيخ الإِسلام ابن تيمية (٩).
[المسبي تابع في الإِسلام لسابيه]
وقد أجمع الناس على أنه يُحكم بإسلامه تبعًا لسابيه إذا سُبي وحده، قالوا:
стр. 1064
لأن تبعيَّته قد إنقطعت عن أبويه صار تابعًا لسابيه، واختلفوا فيما إذا سُبي مع أحدهما على ثلاثة مذاهب:
أحدهما: يُحكم بإسلامه، نَصَّ عليه أحمد (١) في إحدى الروايتين، وهي المشهورة من مذهبه، وهو قول الأوزاعي (٢).
والثاني: لا يُحكم بإسلامه؛ لأنه لم ينفرد عن أبويه.
الثالث: أنه إنْ سُبي مع الأب تبعه في دينه، وإن سُبيَ مع الأم وحدها فهو مسلم، وهو قول مالك.
وقول الأوزاعي وفقهاء [أهل] (٣) الثغر أصحُّ وأسلم من التناقض؛ فإن السابي قد صار أحق به، وقد انقطعت تبعيته لأبويه، ولم يبق لهما عليه حكم (٤)، فلا فَرْق بين كونهما في دار الحرب [وبين كونهما] (٥) أسيرين في أيدي المسلمين، بل انقطاعُ تبعيته لهما في حال أسرهما [وقَهْرهما] (٦) وإذلالهما واستحقاق قتلهما أولى من [انقطاعها حال قوةِ شوكتهما وخوف معرَّتِهما، فما الذي يُسوغ له الكفر باللَّه والشرك به وأبواه أسيران] (٧) في أيدي المسلمين ومنعه من ذلك وأبواه في دارِ الحرب؟ وهل هذا إلا تناقضٌ محضٌ؟ وأيضًا فيُقال لهم: إذا سُبيَ الأبوان ثم قُتلا فهل يستمرُ الطفل على كفره عندكم أو تحكمون بإسلامه؟ فمن قولكم أنه يستمر على كفره كما لو ماتا، فيقال: وأي كتاب أو سنةٍ أو قياسٍ صحيح أو معنى معتبر أو فرق مؤثر بين أن يُقتلا في حال الحرب أو بعد الأسر والسبي؟ وهل يكونُ المعنى الذي حُكم بإسلامه لأجله إذا سُبي وحده زائلًا (٨) بسبائهما ثم قَتْلِهما بعد ذلك؟ وهل هذا إلا تفريق بين المتماثلين؟ وأيضًا فهل تعتبرون وجود الطفل والأبوين في ملك سَابٍ واحدٍ أو يكون معهما في جُملة العسكر؟ فإن اعتبرتم الأول طُولبتم بالدليل على ذلك، وإن اعتبرتم الثاني فمن المعلوم انقطاع تبعيته
стр. 1065
لهما واستيلائهما عليه، واختصاصه بسابيه، ووجودهما بحيث لا يُمكَّنان منه ومن تربيته وحضانته، واختصاصهما به لا أَثَرَ له، وهو كوجُودِهما في دار الحرب سواء، وأيضًا فإن الطفل لما لم يستقلّ بنفسه لم يكن (١) بُدٌّ من جعله تابعًا لغيره، وقد دار الأمر بين أن يُجعل تابعًا لمالكه وسَابيه ومَنْ هو أحقُّ الناس به وبين أَن يُجعل تابعًا لأبويه ولا حَقَّ لهما فيه بوجه، ولا ريبَ أن الأولَ أولى. وأيضًا فإن ولاية الأبوين قد زالت بالكليّة، وقد انقطع الميراث وولاية النكاح وسائر الولايات، فما بالُ ولاية الدِّين الباطل باقية وحدها؟ وقد نص الإِمام أحمد على منع أهل الذمة أن يشتروا رقيقًا من سَبي المسلمين، وكتب بذلك عمر بن الخطاب إلى الأمصار (٢)، واشْتَهر ولم ينكره مُنْكر فهو إجماع من الصحابة، وإن نازع فيه بعض الأئمة، وما ذاك إلا أنَّ في تمليكه للكافر ونقله عن يدِ المسلمِ قطعٌ (٣) لما كان بصدده من مشاهدةِ معالم الإِسلام وسماعه القرآن (٤)، فربما دعاه ذلك إلى اختياره، فلو كان تابعًا لأبويه [على دينهما] (٥) لم يُمنعا من شِراء، وباللَّه التوفيق.
فإن قيل: فيلزمكم على هذا أنه لو مات الأبوان أن تحكموا بإسلام الطفل لانقطاع تبعيّته للأبوين ولا سيما وهو (٦) مسلمٌ بأصل الفطرة، وقد زال مُعارِض الإِسلام، وهو تهويدُ الأبوين وتنصيرُهما.
قيل: قد نص الإِمام أحمد (٧) على ذلك في رواية جماعة من أصحابه، واحتج بقوله ﷺ : "ما من مولودٍ إلا يُولد على الفطرة، فأبواه يُهوِّدانه ويُنصِّرانه ويمَجِّسانه" (٨) فإذا لم يكن له أبوان فهو على أصل الفطرة فيكون مسلمًا.
стр. 1066
فإن قيل: فهلا طردتم (١) هذا فيما لو انقطع نسبُه عن الأب مثل كونه ولدَ زنا أو منفيًّا (٢) بلعان؟
قيل: نعم؛ لوجودِ المُقتضي لإسلامه بالفطرة، وعدم المانع وهو وجود الأبوين، ولكن الراجح في الدليل قول الجمهور، وأنه لا يُحْكم بإسلامه بذلك، وهو الرواية الثانية عنه اختارها شيخ الإِسلام (٣)، وعلى هذا فالفرق بين هذه المسألة ومسألة المَسْبي أن المسبيَّ قوإنقطعت تبعيته [لمن هو على دينه، وصار تابعًا لسابيه المسلم بخلاف من مات أبواه أو أحدُهما فإنه تابعٌ لأقاربه أَو وصيِّ أبيه؛ فإن انقطعت تبعيَّته] (٤) لأبويه فلم تنقطع لمن يقوم مقامَهما من أقاربه أو أوصيائه، والنبي ﷺ أخبر عن تهويدِ الأبوين وتنصيرِهما (٥)، بناءً على الغالب (٦)، وهذا لا مفهومَ له لوجهين: أحدهما أنه مفهومُ لقب، والثاني (٧) أنه خرج مَخْرَج الغالب. ومما يدل على ذلك العملُ المستمرُ من عَهْد الصحابة وإلى اليوم بموت أهل الذِّمة وتركهم الأطفال، ولم يتعرض أحد من الأئمة و [لا] (٨) ولاةَ الأمور لأطفالهم، ولم يقولوا: هؤلاء مسلمون، ومثل هذا لا يهمِلُه الصحابةُ والتابعون وأئمةُ المسلمين.
فإن قيل: فهل تطردون هذا الأصل في جعله تبعًا للمالك، فتقولون: إذا اشترى المسلمُ طفلًا [كافرًا] (٩) يكون مسلمًا تبعًا له، أو تتناقضون فتفرِّقون بينه وبين السَّابي؟ وصورة المسألة فيها (١٠) إذا زَوَّج الذمي عَبْدَه الكافر من أمته فجاءت بولد أو تزوج الحرُّ منهم أمةً فأولدها ثم باع السيد هذا الولد لمسلم؟
قيل: نعم نطرده ونحكمُ بإسلامه. قاله شيخنا قدَّس اللَّه روحه (١١)، ولكن جادة المذهب أنه باقٍ على كفره كما لو سُبي مع أبويه وأولى. والصحيح قول
стр. 1067
شيخِنا؛ لأن تبعيَّته للأبوين قد زالت، وانقطعت الموالاةُ والميراثُ والحضانةُ بين الطفل والأبوين، وصار المالكُ أحقَّ به، وهو تابعٌ له؛ فلا يُفرد عنه بحكم، فكيف يُفرد عنه في دِينه؛ وهذا طرد الحكم (١) بإسلامه في مسألة السباء، وباللَّه التوفيق.
فصل [ليس في الشريعة ما يخالف العقل]
فهذه نبذة يسيرة تطلعك على ما وراءها من أنه ليس في الشريعة شيءٌ يخالف القياس، ولا في المنقول عن الصحابة الذي لا يُعلم لهم فيه مخالف، وأن القياسَ الصحيحَ دائرٌ مع أوامرها ونواهيها وجودًا وعدمًا، كما أن المعقولَ الصحيح (٢) دائرٌ مع أخبارها وجودًا وعدمًا، فلم يخبر اللَّه و [لا] (٣) رسوله بما يناقض صريح العقل، ولم يشرع ما يناقض الميزان والعدل.
[شبهات لنفاة القياس وأمثلة لها]
ولنفاة الحكم والتعليل والقياس هاهنا سؤالٌ مشهور، وهو أن الشريعة قد فَرَّقت بين المتماثلين، وجمعت بين المختلفين؛ فإن الشارع فرض الغُسل من المني وأَبطل الصوم بإنزاله عمدًا وهو طاهر، دون البَوْل والمذي وهو نجس, وأَوجبَ غسل الثوب من بول الصبيَّة والنَّضْحِ من بول الصبي مع تساويهما، ونقص الشطر من صلاة المسافر الرباعية وأبقى الثلاثية والثنائية على حالهما، وأوجبَ [قضاءَ] (٤) الصوم على الحائض دون الصلاة مع أن الصلاة أولى بالمحافظة عليها، وحرم النَّظر إلى العجوز الشَّوْهاء القبيحةِ المَنْظر إذا كانت حُرَّة وجوزه إلى الأمةِ الشَّابة البارعة الجمال، وقطع سارقَ ثلاثة دراهم دون مُختلسِ ألف دينار أو منتهبها أو غاصبها، ثم جعل ديتها خمس مئةِ دينار؛ فقطعها في ربع دينار، وجعل ديتها هذا القدر الكثير (٥)، وأوجبَ حدَّ الفرية على مَنْ قذف غيره بالزنا دون من قذفه بالكفر وهو شرٌّ منه (٦)، واكتفى بالقتل بشاهدين دون الزنا والقتل أكبر من الزنا، وجلد
стр. 1068
قاذفَ الحرِّ الفاسق دون العبد العفيف الصالح، وفرّق في العدة بين الموت والطلاق مع استواء حال الرحم فيهما، وجعل عدة الحرة ثلاث حيض واستبراء الأمة بحيضة والمقصود العلم ببراءة الرحم، وحرم المطلقة بثلاث على الزوج المُطلِّق ثم أباحها له إذا تزوجت بغيره وحالها في الموضعين واحدة, وأوجب غسل غير الموضع الذي خرجت منه الريح ولم يوجب غسله، ولم يعتبر توبة القاتل وندمه قبل القدرة عليه واعتبر توبة المحارب قبل القدرة عليه، وقبل شهادة العبد والمملوك عليه بأنه ﷺ قال كذا وكذا ولم يقبل شهادته على آحاد الناس أنه قال كذا وكذا، وأوْجب الصدقة في السوائم وأسقطها عن العوامل، وجعل الحرة القبيحة الشّوْهاء تُحصِّن الرجل والأمة البارعة الجمال لا تحصنه، ونَقضَ الوضوءَ بمس الذَّكر دون مس سائر الأعضاء ودون مس العَذْرة والدَّم (١)، وأوجب الحد في القطرة الواحدة من الخمر ولم يوجبه بالأرطال الكثيرة من الدم والبول، وقَصرَ عدد المنكوحات على أربع وأطلق ملكَ اليمين من غير حصرٍ، وأباح للرجل أن يتزوج أربعًا ولم يبح للمرأة إلا رجلًا واحدًا مع وجود الشهوة وقوة الداعي (٢) من الجانبين، وجوَّز للرجل أن يستمتع من أمَتِهِ بالوطء وغيره ولم يجوّز للمرأة أن تستمتع من عبدها لا بوطء ولا غيره، وفرَّق بين الطلقة الثانية والثالثة في تحريمها على المُطلِّق بالثالثة دون الثانية، وفرق بين لحم الإبل ولحم الغَنَم والبقر والجواميس وغيرها فأوْجب الوضوء من لحم الإبل وحده (٣)، وفرق بين الكلب الأسود والأبيض في قطع الصلاة بمرور الأسود وحده، وفرق بين الريح الخارجة من الدُّبر فأوجب بها الوضوء وبين الجشوة الخارجة من الحلق فلم يوجب بها الوضوء، وأوجب الزكاة في خمس من الإبل وأسقطها (٤) عن عدة آلاف من الخيل، وأوجب في الذهب والفضة والتجارة رُبع العُشْرِ وفي الزروع والثمار العشر أو نصفه وفي المعدن الخمس، وأوجب في أول نصاب من الإبل من غير جنسها وفي أول نصاب من البقر والغنم من جنسه، وقطع يد السارق لكونها آلة المعصية فأذهب العضو الذي تعدّى به على الناس ولم يقطع اللسان الذي يقذف به
стр. 1069
المحصنات الغافلات ولا الفرْج الذي يرتكب به المُحرَّم (١)، وأوجب على الرقيق نصف حدِّ الحر مع أن حاجته إلى الزّجر عن المحارم كحاجة الحر، وجعل للقاذف إسقاط الحد باللعان في الزوجة دون الأجنبية وكلاهما قد أَلحق [بها] (٢) العار، وجوَّز للمسافر المترفِّه في سفره رخصة القصر والفطر دون المقيم المجهود الذي هو في غاية المشقة في سببه (٣)، وأوجب على كل مَنْ نَذَر للَّه طاعة الوفاء بها، وجوَّز لمن حلف على فعلها أن يتركها ويكفر يمينه، وكلاهما قد التزم فعلها للَّه (٤)، وحرَّم الذئبَ والقردَ وما له ناب من السباع وأباح الضبع [على قول] (٥) ولها نابٌ تكسر به، وجعل شهادة خزيمة بن ثابت وحده بشهادتين (٦) وغيره من الصحابة أفضل منه وشهادته بشهادة [شاهد] (٧)، ورخص لأبي بُرْدة بن
стр. 1070
نِيار في التضحية بالعناق وقال: لن تجزيء عن أحدٍ بعدك (١)، وفرق بين صلاة الليل والنَّهار في السر والجهر ثم شَرَعَ الجهرَ في بعض صلاة النهار كالجمعة والعيدين، وورَّث ابنَ [ابنِ] (٢) العم وإن بعُدَت درجته دون الخالة التي هي شقيقة الأم، وحَرَّم أخذ مال الغير إلا بطيب نفسه (٣) وسلَّطه على أخذ عقاره وأرضه بالشُّفعة ثم شرع الشفعة فيما يمكن التَّخلصّ من ضرر الشركة بقسمته دون ما لا يمكن قسمته كالجَوْهَرة والحيوان وهو أولى بالشفعة، وحَرَّم صومَ أول يوم من شوال (٤) وفرض صومَ آخر يوم من رمضان مع تساوي اليومين، وحرم على الإنسان نكاحَ بنت أخته وأخيه وأباح له نكاح بنتَ أخي أبيه وأخت أمه (٥)، وحَمَّل العاقلة ضمان جناية الخطأ على النفوس دون الجناية على الأموال، وحرم وطء الحائض لأذى الدم وأباح وطء المستحاضة مع وجود الأذى، ومنع بيع مُدِّ حنطة بمدٍّ وحفنة وجَوَّز بيع مد حنطة بصاع فأكثر من الشعير؛ فحرم ربا الفَضْل في الجنس الواحد دون الجنسين، ومنع المرأة من الإحدادِ على أبيها وابنها فوق ثلاثة أيام وأوجب [عليها] (٦) أن تُحِد على الزوج وهو أجنبي أربعة أشهر وعشرًا،
стр. 1071
وسوّى بين الرجل والمرأة في العبادات البدنية والمالية كالوضوء والغسل والصلاة والزكاة والصوم والحج وفي العقوبات كالحدود ثم جعلها على النِّصف من الرجل في الدية والشهادة والميراث والعقيقة، وخَصَّ بعض الأزمنة على بعض وبعض الأمكنة على بعض بخصائص مع تساويها؛ فجعل ليلة القدر خيرًا من ألف شهر، وجعل شهرَ رمضان سيد المشهور، ويوم الجمعة سيد الأيام، ويوم عرفة ويوم النحر وأيام مِنًى أفضل الأيام، وجعل [مكان] (١) البيت أفضل بقاع الأرض (٢).
[كيف يمكن القياس مع الفرق بين المتماثلات ؟]
قالوا: وإذا كانت الشريعةُ قد جاءت بالتفريق بين المتماثلات والجمع بين المختلفات -كما جمعت بين الخطأ والعَمْد في ضمان الأموال، و [في] (٣) قتلِ الصيدِ، وجَمَعت بين العاقلِ والمجنونِ والطفلِ والبالغِ في وجوب الزكاة، وجمعت بين الهرةِ والفأرةِ في طهارة كُلٍّ منهما، وجمعت بين الميتة وذبيحة المجوسي في التحريم، وبين ما مات من الصيد وذَبَحه المحرمُ في ذلك، وبين الماء والتراب في التطهير- بطل القياس، فإن مبناه (٤) على هذين الحرفين، وهما أصل قياس الطرد وقياس العكس.
[الجواب عن هذه الشبه]
والجواب أن يقال: الآن حَمِي الوطيسُ، وحميت أنوف أنصار اللَّه ورسوله لنصرِ دينه (٥) وما بعث به رسوله، وآن لحزب الحق (٦) أن لا تأخذهم في اللَّه لومةُ لائم وأن لا يتحيزوا (٧) إلى فئة معينة، وأن ينصروا اللَّه ورسوله بكل قولِ حَقٍّ قاله مَنْ قاله، ولا يكونوا من الذين يقبلون ما قالته طائفتهم وفريقهم كائنًا ما كان ويردون ما قاله منازعوهم وغير طائفتهم كائنًا ما كان؛ فهذه طريقة أهل العصبية وحميَّة أهل الجاهلية، ولعمرُ اللَّه!! إن صاحب هذه الطريقة لمضمونٌ له الذمُّ إنْ أخطأ، وغير ممدوح إنْ أصاب، وهذا حالٌ لا يرضى بها من نصحَ نفسه وهُدي لرشده (٨)، واللَّه الموفق.
стр. 1072
وجواب هذا السؤال من طريقين مجمل ومفصل:
[الجواب المجمل]
أما المجمل فهو أن ما ذكرتم من الصور وأضعافِها وأضعافِ أضعافها فهو من أبين الأدلة على عظم هذه الشريعة وجلالتها، ومجيئها على وفق العقولِ السليمةِ والفطرِ المستقيمة، حيث فَرَّقت بين أحكام هذه الصور المذكورة لافتراقها (١) في الصفات التي اقتضت في الأحكام، ولو ساوت بينها في الأحكام لتوجَّه السؤال، وصعُبَ الانفصال، وقال القائل: قد ساوت بين المختلفات، وقرنت الشيءَ إلى غير شَبَهه (٢) في الحُكم، وما امتازت صورة من تلك الصور بحكمها دون الصورة الأخرى إلا لمعنًى قام بها أوجب اختصاصها بذلك الحكم، ولا اشتركت صورتان في حكم إلا لاشتراكهما في المعنى المقتضي لذلك الحكم، ولا يضر افتراقُهما في غيره، كما لا ينفع اشتراك المختلفين في معنى لا يوجب [الاشتراك في] (٣) الحكم؛ فالاعتبارُ في الجمع والفرق إنما هو في المعاني (٤) التي لأجلها شُرعت تلك الأحكام وجودًا وعدمًا.
[جواب ابن الخطيب]
وقد اختلفت أجوبة الأصوليين عن هذا السؤال بحسب أفهامهم ومعرفتهم بأسرار الشريعة؛ فأجاب ابن الخطيب (٥) عنه بأن قال: غالبُ أحكام الشريعة مُعلَّلة برعاية المصالح المعلومة، والخصم إنما بيَّن خلافَ ذلك في صُور قليلة جدًا، وورُود الصور النَّادرة (٦) على خلاف الغالب لا يقدح في حصول الظن، كما أن الغيْم الرطب إذا لم يمطر نادرًا لا يقدح في نزول المطر منه (٧).
وهذا الجواب لا يُسمنُ ولا يغني من جوع، وهو جواب أبي الحسين (٨)
стр. 1073
البصري (١) بعينه.
وأجاب عنه أبو الحسن الآمدي (٢) بأن التفريق بين الصُّور المذكورة في الأحكام إما لعدم صلاحية ما وقع جامعًا، أو لمعَارضٍ له في الأصل أو في الفرع، وأما الجمع بين المختلفات فإما (٣) لاشتراكِهما في معنى جامعٍ صالحٍ للتعليل، أو لاختصاص كل صورة بعلَّة صالحة للتعليل؛ فإنه لا مانع عند اختلاف الصور وإن اتحد نوعُ الحكم أن تُعلَّل بعلل مختلفة.
[جواب أبي بكر الرازي الحنفي]
وأجاب عنه أبو بكر الرازي الحنفي (٤) بأن قال: لا معنى لهذا السؤال؛ فإنا لم نقل بوجوب (٥) القياس من حيثُ اشتبهت المسائل في صورها وأعيانها وأسمائها, ولا (٦) أوجبنا المخالفةَ بينها من حيث اختلفت في الصُّورِ والأعيانِ والأسماء، وإنما يجب القياس بالمعاني التي جُعلت أماراتٍ للحكم وبالأسباب الموجبة له، فنعتبرُها في مواضعها، ثم لا نبالي باختلافها ولا اتفاقها من وجوهٍ أُخرَ غيرها، مثال ذلك أن النبي ﷺ [لما] (٧) حرَّم التفاضُلَ في البُرِّ بالبر من جهة الكيل [وفي الذهب بالذهب من جهةِ الوَزْن (٨) اسْتَدْللنا به على أن الزيادة المحظورة معتبرةٌ من جهة الكيل] (٩) أو الوزن مع الجنس؛ فحيث وُجدا أوجبا (١٠) تحريم التفاضل. وإن اختلف المبيعان من وجوهٍ أخر، كالجص -وهو مكيل- فحكمه حكم البر من حيث [شاركه في] كونه مكيلًا وإن خالفه من وجوه أخر، [و] (٧) كالرصاص -وهو موزون- فحكمه كحكم الذهب في تحريم التفاضل وإن خالفه في أوصافٍ أُخر، فمتى عُقل المعنى الذي به تعلَّق الحكم وجُعل علامة له وجب اعتباره حيث وُجد، كما رجم ماعزًا لزناه (١١)، وحكم بإلقاء الفأرة وما
стр. 1074
حولها لما ماتت في السَّمن (١)؛ فعقَلْنا عموم المعنى لكل زانٍ وعموم المعنى لكل مائع جاور النَّجاسة، إلا أن المعنى تارة يكون جليًا ظاهرًا، وتارة يكون خفيًا غامضًا، فيستدل عليه بالدلائل التي نصبها اللَّه عليه.
[جواب القاضي أبي يعلى]
وأجاب عنه القاضي أبو يعلى (٢) بأن قال: "العقل إنما يمنع أن يُجمع بين الشيئين المختلفين من حيث اختلفا في الصفاتِ النفسية، كالسواد والبياض، وأن يفرِّق بين المتماثلين (٣) فيما تماثلا فيه (٤) من صفات النفس كالسوادين والبياضين وما يجري مجرى ذلك وأما (٥) ما عدا ذلك فإنه لا يمتنع أن يُجمعَ بين المختلفين في الحكم الواحد، ألا ترى أن السواد والبياض قد اجتمعا في منافاة العمرة وما يجري مجراها من الألوان؛ فإن القُعودَ في الموضع الواحد قد يكون حسنًا إذا كان فيه نفعٌ لا ضررَ فيه، وقد يكون قبيحًا إذا كان فيه ضررٌ من غير نفع يُوفي (٦) عليه وإن كان القعود [المقصود] (٧) في ذلك الموضع متفقًا (٨)، وقد يكون القعود في مكانين مجتمعين في الحُسْن بأن يكون في كُلٍّ منهما نفعٌ لا ضررَ فيه وإن كانا مختلفين، على أن ذلك (٩) يؤكد صحة القياس وذلك أن المثلين في العقليات إنما وَجبَ تساوي حكمهما؛ لأنَّ كل واحد منهما قد سَاوى الآخر فيما لأجله [قد] (١٠) وَجبَ له الحكم إما لذاته كالسوادين أو لعلة أوجبت ذلك كالأسودين، وهكذا القول في المختلفين، وعلى هذه الطريقة بعينها يجري القياسُ؛ لأنا إنما نحكم للفرعِ بحكم الأصل إذا شاركه [في] (١٠) علة الحكم، كما أن اللَّه تعالى (١١) إنما نص على حكم واحد في الشيئين (١٢) إذا اشتركا فيما أوْجب (١٣) الحكم فيهما، فقد بان بذلك صحة ما ذكرناه".
стр. 1075
[جواب القاضي عبد الوهاب]
وأجاب عنه القاضي عبد الوهاب المالكي (١) بأن قال: دعواكم بأن هذه الصور (٢) التي اختلفت أحكامُها متماثلة في نفسها دعوى، والأمثلة لا تشهد لها، ألا ترى أنه لا يمتنع أن يتفق الصوم والصلاة في امتناع أدائها من الحائض ويفترقان في وجوب القضاء، والتماثل في العقليات لا يُوجب التساوي في الأحكام الشرعيات.
وأيضًا فهذا يُوجب منع القياس في العقليات.
وأيضًا فإن القياس جائزٌ على العلة المنصوص عليها مع وجود المعنى الذي ذكره.
فهذه أجوبة النُّظار، ونحن بعون اللَّه وتوفيقه نفرد كل مسألة منها بجواب مفصَّل، وهو المسلك الثاني الذي وعدنا به.
[جواب مفصل] [لماذا وجب الغسل من المني دون البول ؟]
أما المسألة الأولى وهي إيجاب الشارع ﷺ الغسل من المني (٣) دون البول فهذا من أعظم محاسنِ الشَّريعة وما اشتملت عليه من الرَّحمة والحكمة والمصلحة؛ فإن المنيَّ يخرجُ من جميع البدن، ولهذا سمَّاه اللَّه (سُلالة) , لأنه يَسيلُ من جميع البدن، وأما البول [فإنما هو] (٤) فضْلة الطعام والشراب المستحيلة في المعدة والمثانة؛ فتأثُّرُ البَدنِ بخروج المنيِّ أعظمُ من تأثره بخروج البول؛ وأيضًا فإن الاغتسال من خروج المني من أنفع شيء للبَدنِ والقلب والروح، بل جميع الأرواح القائمة بالبدن فإنّها تَقْوى بالاغتسال، والغسلُ يَخْلفُ عليه ما تحلَّل منه بخروج المني، وهذا أمر يعرف بالحس؛ وأيضًا فإن الجنابة
стр. 1076
توجب ثقلًا وكسلًا والغسل يحدث له نشاطًا وخفة، ولهذا قال أبو ذر لما اغتسل من الجنابة: كأنما ألقيت عني جبلًا (١)، وبالجملة فهذا أمرٌ يُدركه كلُّ [ذي] حس سليم وفطرة صحيحة، ويعلمُ أنَّ الاغتسال من الجنابة يجري مجرى المصالح التي تلحق بالضروريات للبدن والقلب مع ما تحدثه الجنابة من بُعْدِ القلب والروح عن الأرواح الطيبة، فإذا اغتسل زال ذلك البُعدُ، ولهذا قال غير واحد من الصحابة: إن العبد إذا نام عَرَجت روحُه، فإن كان طاهرًا أذن لها بالسجود، وإن كان جُنُبًا لم يُؤذن لها (٢)، ولهذا أمر النبي ﷺ الجنب إذا نام أن يتوضأ (٣).
وقد صرَّح أفاضلُ الأطباء بأن الاغتسال بعد الجماع يُعيدُ إلى البدن قوَّتَه، ويخلف عليه ما تحلَّل منه، وإنه من أنفع شيءٍ للبدن والروح، وتركه مضر، ويكفي شهادة العقل والفطرة بحسنه، وباللَّه التوفيق.
على أن الشارع لو شرع الاغتسال من البول لكان في ذلك أعظم حَرجٍ ومشقة على الأمة تمنعه حكمةُ اللَّه ورحمتُه وإحسانُه إلى خلقه.
فصل [الفرق بين الصبي والصبية]
وأما غسل الثوب من بول الصبية ونضْحه من بول الصبي إذا لم يَطْعَما فهذا للفقهاء فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: أنهما يُغسلان جميعًا.
والثاني: يُنْضحان.
стр. 1077
والثالث: التفرقة، وهو الذي جاءت به السُّنة (١)، وهذا من محاسن الشريعة وتمامِ حكمتِها ومصلحتها.
والفرق بين الصبيِّ والصَّبيَّة من ثلاثة أوجه (٢):
أحدها: كثرةُ حملِ الرجال والنساء للصبي (٣) فتعم البلْوى ببوله، فيشق غسله (٤).
والثاني: أن بوله لا ينزل في مكان واحد، بل ينزل متفرقًا هاهنا وهاهنا، فيشق غسل ما أصابه كله، بخلاف بول الأنثى.
الثالث: أن بول الأنثى أخبث وأنتن من بول الذَّكَر، وسببُه حرارةُ الذَّكر ورطوبة الأنثى؛ فالحرارة تخفف من نتن البول وتذيبُ منها ما لا يحصل مع الرطوبة، وهذه معانٍ مؤثرة يحسن اعتبارها في الفرق.
فصل [الفرق بين الصلاة الرباعية وغيرها]
وأما نقْصُه الشَّطر من صلاة المسافر الرباعية دون الثلاثية والثنائية ففي غاية المناسبة؛ فإن الرباعية تحتمل الحَذْفَ لطولها، بخلاف الثنائية، فلو حذف شَطْرَها لأجْحف بها ولزالت حكمة الوتر الذي شُرع خاتمة العمل، وأما الثلاثية فلا يمكن [حذف] (٥) شَطْرُها، وحذف ثلثيها مخلٌّ بها، وحذف ثلثها يخرجها عن حكمة شرعها وترًا، فإنها شرعت ثلاثًا لتكونَ وترَ النهار، كما قال النبي ﷺ "المغربُ وترُ النهار؛ فأوْتِرُوا صلاة الليلِ" (٦).
стр. 1078
فصل [لماذا وجب على الحائض قضاء الصوم دون الصلاة ؟]
وأما إيجابُ قضاء الصوم على الحائض دون الصلاة فمن تمامِ محاسن الشريعة وحكمتها ورعايتها لمصالح المكلفين؛ فإن الحيضَ لما كان منافيًا للعبادة لم يُشرع فيه فعلها، وكان في صلاتها أيام الطُّهر ما يغنيها عن صلاة أيام الحيض، فتحصل لها مصلحة الصلاة في زمن الطُّهْر؛ لتكررها كل يوم، بخلاف الصوم، فإنه لا يتكرر، وهو شهرٌ واحد في العام، فلو سقط عنها فعله بالحيض (١) لم يكن لها سبيلٌ إلى تدارك نظيره، وفاتت عليها مصلحتُه، فوجب عليها أن تصوم شهرًا في طهرها؛ لتحصل مصلحة الصوم التي هي من تمام رحمة اللَّه بعبده وإحسانه [إليه] (٢) بشرعه، وباللَّه التوفيق.
فصل [حكم النظر إلى الحرة وإلى الأمة]
وأما تحريمُ النَّظرِ إلى العجوزِ الحُرَّة الشَّوهاء القبيحة وإباحته إلى الأمة البارعة الجمال فكذب على الشارع، فأين حَرَّم اللَّه هذا وأباح هذا؟ واللَّه سبحانه إنما قال: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ [النور: ٣٠] ولم يُطلق اللَّه و [لا] (٣) رسوله للأعينِ النَّظرَ إلى الإماء البارعات الجمال، وإذا خشي الفتنة بالنظر إلى الأمة حَرم عليه بلا ريب، وإنما نشأت الشبهة أن الشارع شَرع للحرائر أن يسترْنَ وجوههن عن الأجانب، وأما الإماء فلم يوجب عليهن ذلك، لكن هذا في إماء الاستخدام والابتذال، وأما إماء التسرِّي اللاتي جرت العادة بصونهن وحجبهن فأين أباح اللَّه ورسوله لهن أن يكشفنَ وجوهَهنَّ في الأسواقِ والطُّرقاتِ ومجامعِ الناس وأذن للرجال في التمتع (٤) بالنظر إليهن؟ فهذا غلط محض على الشريعة،
стр. 1079
وأكد هذا الغلط أن بعض الفقهاء سمع قولَهم: إن الحرةَ كلها عورة إلا وجهها وكفيها، وعورة الأمة ما لا يظهر غالبًا كالبَطْن والظهر والساق؛ فظن أن ما يظهر غالبًا حكمه حكم وجه الرجل، وهذا إنما هو في الصلاة لا في النَّظر، [فإن العورةَ عورتان: عورةَ النظر، وعورةَ الصلاة؛] (١) فالحرة لها أن تصلي مكشوفةَ الوجه والكفين، وليس لها أن تخرج في الأسواق ومجامع الناس كذلك، واللَّه أعلم.
فصل [الفرق بين السارق والمنتهب]
وأما قطع يد السارق في ثلاثة دراهم، وترْك قَطْع المُختلس والمُنْتَهب والغاصب فمن تمام حكمة الشارع أيضًا؛ فإن السارق لا يمكن الاحتراز منه، فإنه يَنْقُبُ الدور ويهتك الحِرْز ويكسر القُفل، ولا يمكن صاحب المتاع الاحتراز [منه] (٢) بأكثر من ذلك، فلو لم يُشْرَع قطعه لسرق الناس بعضُهم بعضًا، وعظم الضرر، واشتدت المحنة بالسُّرَّاق، بخلاف المنتهب والمختلس؛ فإن المنتهب هو الذي يأخذ المال جهرة بمرأى من الناس، فيمكنهم أن يأخذوا على يَديه، ويخلِّصوا حَقَّ المظلوم أو يشهدوا له عند الحاكم، وأما المختلس فإنه إنما يأخذ (٣) المال على حين غفلة من صاحبه وغِرَّة (٤)، فلا يخلو من نوع تفريط يُمكِّن به المختلس من اختلاسه، وإلا فمع كمال التحفظ والتيقظ لا يمكنه الاختلاس، فليس كالسارق، بل هو بالخائن أشبه؛ وأيضًا فالمختلس إنما يأخذ المال من غير حِرز مثله غالبًا، فإنه الذي يغافلك ويختلس متاعك في حال تخلِّيك عنه وغفلتكَ عن حفظه، وهذا يمكن الاحتراز منه غالبًا، فهو كالمنتهب؛ وأما الغاصب فالأمر فيه ظاهر، وهو أولى بعدم القطع من المنتهب، ولكن يسوغ (٥) كفُّ عُدْوان هؤلاء بالضَّرب والنكال والسجن الطويل والعقوبة بأخذ المال كما سيأتي.
فإن قيل: فقد وردتِ السنة بقطع جاحد العارية (٦)، وغايته أنه خائن،
стр. 1080
والمعير سَلَّطه على قبضِ ماله، والاحترازُ منه ممكنٌ بان لا يَدفعَ إليه المال؛ فبطل ما ذكرتم من الفرق.
قيل: لَعَمْرُ اللَّه لقد صح الحديث بان امرأةً كانت تستعيرُ المتاع وتجْحده فأمر بها النبي ﷺ فقُطِعت يدها (١)، فاختلف الفقهاء في سبب القطع: هل كان سرقتها وعرّفها الراوي بصفتها لأن (٢) المذكورَ سببُ القطع كما يقوله الشافعي ومالك وأبو حنيفة (٣)، أو كان السببُ المذكور هو سبب القطع كما يقوله أحمد (٤) ومن وافقه؟ ونحن في هذا المقام لا ننتصر لمذهب معين ألبتة، فإن كان الصحيح قولَ الجمهور اندفع السؤال، وإن كان الصحيح [هو قول] (٥) الآخر فموافقتُه للقياسِ والحكمةِ والمصلحةِ ظاهرٌ جدًا؛ فإن العارية من مصالح بني آدم التي لا بدَّ لهم منها, ولا غنى لهم عنها، وهي واجبةٌ عند حاجة المستعير وضرورته إليها إما بأُجرة أو مجانًا، ولا يمكن المعير كل وقت أن يشهد على العارية ولا يمكن الاحتراز بمنع العارية شرعًا وعادةً وعرفًا, ولا فرق في المعنى بين مَنْ توصَّل إلى أخذ متاع غيره بالسرقة وبين من توصل إليه بالعارية وجحدها، وهذا بخلاف جاحد الوديعة؛ فإن صاحب المتاع فرّط حيث ائْتمنهُ.
فصل [الفرق بين اليد في الدية وفي السرقة]
وأما قَطعُ اليد في ربع دينار وجعل ديتها خمس مئة دينار فمن أعظم المصالح والحكمة؛ فإنه احتياطٌ (٦) في الموضعين للأموال والأطراف، فقَطَعها في ربع دينار حفظًا للأموال، وجعل ديتها خمس مئة دينار حفظًا لها وصيانة، وقد
стр. 1081
أورد بعض الزنادقة (١) هذا لسؤال وضمّنه بيتين، فقال:
يدٌ بخمسِ مئين من عسْجدٍ وُدِيت (٢) ... ما بالها قُطعت في رُبع دينار
تناقضٌ مالنا إلا السكوت له ... ونسْتجير بمولانا من العارِ (٣)
فأجابه بعض الفقهاء (٤) بأنها كانت ثمينة لما كانت أمينة، فلما خانت هانت، وضمنه الناظم قوله (٥):
يَدٌ بخمس مئين من عسجد (٦) وُدِيت ... لكنها قطعت في ربع دينار
حماية الدم أغلاها، وأرْخَصها ... صيانة (٧) المال، فانظر (٨) حكمة الباري
[وروي أن الشافعي (٩) ﵀ أجاب بقوله:
стр. 1082
هناك مظلومةٌ غالت بقيمتها ... وههُنا ظَلَمت هانَت على الباري
وأجاب شمس الدين الكردي بقوله:
قل للمصرِّيِّ (١) عارٌ أيما عار ... جهْلُ الفتى وهو عن ثوب التُّقى عارِ
لا تقدحن زناد الشِّعر عن حِكم ... شعائر الشَّرع لم تُقْدح بأشعارِ
فقيمة اليد نصف الألف من ذهب ... فإن تعدّت فلا تسوى بدينارِ] (٢)
فصل (٣) [حكمة جعل نصاب السرقة ربع دينار]
وأما تخصيصُ القطع بهذا القدر فلأنه لا بد من مقدار يُجعل ضابطًا لوجوب القطع؛ إذ لا يمكن أن يقال: يُقْطع بسرقة فلْس أو حبَّة حنطةٍ أو تمرة، ولا تأتي الشريعة بهذا، وتُنزَّه حكمة اللَّه وإحسانه ورحمته عن ذلك، فلا بد من ضابط، وكانت [الثلاثة دراهم] (٤) أول مراتب الجمع، وهي مقدار ربع دينار، وقال إبراهيم النخعي وغيره (٥) من التابعين: "كانوا لا يقطعون في الشيء التافه" (٦)؛ فإن
стр. 1083
عادة الناس التسامح في الشيء الحقير من أموالهم إذ (١) لا يلحقهم ضرر بفقده، وفي التقدير بثلاثة دراهم حكمة ظاهرة؛ فإنها كفاية المقتصد في يومه له ولمن يمونه غالبًا، وقوت اليوم للرجل وأهله له خطرٌ عند غالب الناس؛ وفي الأثر المعروف: "من أصبح آمنًا في سِرْبه، معافًى في بدنه، عنده قوت يومه، فكأنما حِيزت له الدنيا بحذافيرها" (٢).
стр. 1084
فصل [حكمة حد القذف بالزنا دون الكفر]
وأما إيجاب حد الفرية على من قذف غيره بالزِّنا دون الكفر ففي غاية المناسبة؛ فإن القاذف غيره (١) بالزنا لا سبيل (٢) للناس إلى العلم بكذبه، فجُعل حد الفرية تكذيبًا له. وتبرئة لعرض المقذوف، وتعظيمًا لشأن هذه الفاحشة التي يُجلد من رمى بها مسلمًا. وأما من رمى غيره بالكفر فإن شاهد حال المسلم واطِّلاع المسلمين عليه كافٍ في تكذيبه، ولا يلحقه من العار في كذبه عليه (٣) في ذلك ما يلحقه عليه في الرمي بالفاحشة، ولا سيما إن كان المقذوف امرأة؛ فإن العار والمعرَّة التي تلحقها بقذفه بين أهلها وتَشَعُّب ظنون الناس وكوْنهم بين مصدق ومكذِّب لا يلحق مثله بالرمي بالكفر.
فصل [حكمة الاكتفاء في القتل بشاهدين دون الزنا]
وأما اكتفاؤه في القتل بشاهدين دون الزنا ففي غاية الحكمة والمصلحة؛ فإن الشارع احْتاط للقِصاص والدماء واحْتاط لحد الزنا، فلو لم يقبل في القتل إلا أربعة لضاعت الدِّماء، وتواثب العادُون، وتجرؤوا على القَتْل؛ وأما الزنا فإنه بالغَ في سَتْرِه كما قَدَّر اللَّه ستره، فاجتمع على ستره شرع اللَّه وقدره، فلم يقبل فيه إلا
стр. 1085
أربعة يَصِفون الفعل وَصْف مشاهدةٍ ينتفي معها الاحتمال، وكذلك في الإقرار، لم يكتف بأقل من أربع مرات حِرْصًا على ستْر ما قدَّر (١) اللَّه ستره، وكره إظهاره، والتكلم به، وتوعد من يحب إشاعته في المؤمنين بالعذاب الأليم في الدنيا والآخرة.
فصل [الحكمة في جلد قاذف الحر دون العبد]
وأما حدُّ (٢) قاذفِ الحُرِّ دون العبد فتفريقٌ بشَرْعه (٣) بين ما فرق اللَّه بينهما بقدره، فما جعل اللَّه سبحانه العبد كالحر من كل وجه لا قدرًا ولا شرعًا، وقد ضرب اللَّه سبحانه لعباده الأمثال التي أخْبر فيها بالتفاوت بين الحر والعبد، وأنهم لا يرضون أن تساويهم عبيدُهم في أرزاقهم، فاللَّه فضَّل بعض خلقه على بعض، وفضَّل الأحرار على العبيد في الملك وأسبابه والقدرة على التصرف، وجعل العبدَ مملوكًا والحُرَّ مالكًا، ولا يستوي المالك والمملوك، وأما التسوية بينهما في أحكام الثواب والعقاب فذلك مُوجَب العدْل والإحسان؛ فإنه يوم [الجزاء] (٤) لا يبقى هناك عبد وحر ولا مالك ومملوك (٥).
فصل [الحكمة في التفريق بين عدة الموت والطلاق]
وأما تفريقه في العدّة بين الموت والطلاق، وعِدَّة الحرة وعدة الأمة، وبين الاستبراء والعِدة، مع أن المقصود العلم ببراءة الرحم في ذلك كله، فهذا إنما يتبين وجهه إذا عُرفَتِ الحكمة التي لأجلها شُرعت العدة وعُرفَ أجناس العدد وأنواعها.
[الحكم في شرع العدة]
فأما المقام الأول ففي شرع العدة عِدَّةُ حِكَم (٦):
منها: العلم ببراءة الرحم، وأن لا يجتمعَ ماءُ الواطئين فأكثر في رَحمٍ
стр. 1086
واحد، فتختلط الأنسابُ وتفسد، وفي ذلك من الفساد ما تمنعه الشريعةُ والحكمة.
ومنها: تعظيمُ خطر هذا العقد، ورفعُ قدره، وإظهارُ شرفه.
ومنها: تطويل زمان الرَّجعة للمطلِّق؛ إذ لعله أن يندم ويفيء فيصادف زمنًا يتمكن فيه من الرجعة.
ومنها: قضاءُ حق الزوج، وإظهارُ تأثير فقْده في المنع من التزيُّن والتجمل، ولذلك شُرع الإحداد عليه أكثر من الإحداد على الولد والوالد.
ومنها: الاحتياط لحق الزوج، ومصلحة الزوجة، وحق الولد، والقيام بحق اللَّه الذي أوجبه؛ ففي العدة أربعة حقوق، وقد أقام الشارع الموتَ مقام الدخول في استيفاء المعقود عليه؛ فإن النكاح مدتُّه العمر، ولهذا أقيم مقام الدُّخول في تكميل الصداق، وفي تَحريم الربيبة عند جماعة من الصحابة ومَنْ بعدهم كما هو مذهب زيد بن ثابت (١) وأحمد في إحدى الروايتين عنه؛ فليس المقصود من العِدَّة مجرد براءة الرحِمِ، بل ذلك من بعض مقاصدها وحكمها.
[أجناس العِدد]
المقام الثاني في أجناسها:
وهي أربعةٌ في كتاب اللَّه، وخامس بسنةِ رسول اللَّه ﷺ (٢):
الجنس الأول: أربابُ العِدَّة (٣)، ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤].
الثاني: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤].
الثالث: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨].
الرابع: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ [الطلاق: ٤].
стр. 1087
الخامس: قول النبي ﷺ : "لا توطأ حاملٌ حتى تَضعَ، ولا حائل (١) حتى تُستبرئ بحيضة" (٢) ومُقدَّمُ هذه الأجناس [كلها] (٣) الحاكم عليها كلها وَضْعُ العمل، فإذا وُجد فالحكمُ له، ولا التفات إلى غيره، وقد كان بين السلف نزاعٌ في المُتوفَّى عنها أنها تتربص أبْعد الأجلين، ثم حصل الاتفاق على انقضائها بوضع الحمل (٤)؛ وأما عدةُ الوفاة فتجبُ بالموت، سواء دخل بها أو لم يدخل، كما دل عليه عموم القرآن والسنة الصحيحة (٥). . . .
стр. 1088
واتفاق الناس (١)؛ فإن الموتَ لما كان انتهاءَ العقد وانقضاءَه استقرَّت به الأحكام: من التوارث، واستحقاق المهر، وليس المقصود بالعدة هاهنا مجرد استبراء الرحم كما ظَنَّه بعضُ الفقهاء؛ لوجوبها قبل الدخول، ولحصول الاستبراء بحيْضَة واحدة، ولاستواء [الآيسة و] (٢) الصغيرة والآيسة وذوات القُرُوء في مدتها، فلما كان الأمر كذلك قالت طائفة: هي تعبُّدٌ مَحْضٌ لا يُعقل معناه، وهذا باطلٌ لوجوهٍ.
منها: أنه ليس في الشريعة حكم واحد إلا وله معنى وحكمة يَعْقُلُ معناه مَنْ عَقَله ويخفى على مَنْ خفي عليه (٣).
ومنها: أن العدد ليست من باب العبادات المحضة؛ فإنها تجب في حق الصغيرةِ والكبيرةِ والعاقلةِ والمجنونةِ والمسلمة والذميَّة، ولا تفتقر إلى نية (٤).
ومنها: أن رعايةَ حق الزوجين والولد والزوج الثاني ظاهر فيها؛ فالصواب (٥) أن يُقال: هي حريم لانقضاء النكاح لما كمل، ولهذا تجد فيها رعاية
стр. 1089
لحق الزوج وحرمة له، ألا ترى أن النبي ﷺ كان من احترامِه ورعايةِ حقوقه تحريمُ نسائِه بعده، ولما كانت نساؤُه في الدنيا هن نساؤه في الآخرة قطعًا، لم يحلَّ لأحد أن يتزوجَ بهنَّ بعده، بخلاف غيره؛ فإن هذا ليس معلومًا في حقه، فلو حرمت المرأة على غيره لتضررت ضررًا (١) محققًا بغير نفع معلوم، ولكن لو (٢) تأيَّمتْ على أولادها كانت محمودةً على ذلك. وقد كانوا في الجاهلية يُبالغون في احترام حق الزوج وتعظيم حريم هذا العقد غاية المبالغة من تربُّص (٣) سنة في شَرِّ ثيابها وحِفْشِ (٤) بيتها (٥)، فخفَّفَ اللَّه عنهم ذلك بشريعته التي جعلها رحْمَةً وحكمة ومصلحة ونعمة، بل هي من أجَلِّ نعمه عليهم على الإطلاق، فله الحمد كما هو أهله.
وكانت أربعة أشهر وعشرًا على وفق الحكمة والمصلحة؛ إذ لا بُدَّ من مدة مضروبة، وأولى المُدد بذلك المدة التي يعلم فيها بوجود [حمل] (٦) الولد وعدمه؛ فإنه يكون أربعين يومًا نُطفة، ثم أربعين علقة، ثم أربعين مُضْغة، فهذه أربعة أشهر، ثم ينفخ فيه الروح في الطور الرابع، فقُدِّر بعشرة أيام لتظهر حياته بالحركة إن كان ثم حمْلٌ (٧).
فصل [حكمة عدة الطلاق]
وأما عِدَّةُ الطَّلاقِ فلا يمكن تعليلها بذلك؛ لأنها إنما تجب بعد المسيس بالاتفاق، ولا ببراءةِ الرَّحم؛ لأنه يحصل بحيْضة كالاستبراء، وإن كان براءةُ الرحم بعض مقاصدها, ولا يقال: "هي تعبد" لما تقدم، وإنما يتبين حكمها إذا عرف ما
стр. 1090
فيها من الحقوق؛ ففيها حَقٌّ للَّه (١)، وهو امتثالُ أمره وطلبُ مرضاته، وحق للزوج المُطلِّق وهو اتساع زمن الرجعة له، وحق للزوجة، وهو استحقاقها النفقة (٢) والسكنى ما دامت في العدة، وحق للولد، وهو الاحتياط في ثبوت نَسبِه وأن لا يختلط بغيره، وحق للزوج الثاني، وهو أن لا يسْقِي ماءه زرع غيره (٣).