← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17798

إعلام الموقعين عن رب العالمين - ت مشهور

ابن القيم

Полный текст (3 107 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

واحد، فتختلط الأنسابُ وتفسد، وفي ذلك من الفساد ما تمنعه الشريعةُ والحكمة. ومنها: تعظيمُ خطر هذا العقد، ورفعُ قدره، وإظهارُ شرفه. ومنها: تطويل زمان الرَّجعة للمطلِّق؛ إذ لعله أن يندم ويفيء فيصادف زمنًا يتمكن فيه من الرجعة. ومنها: قضاءُ حق الزوج، وإظهارُ تأثير فقْده في المنع من التزيُّن والتجمل، ولذلك شُرع الإحداد عليه أكثر من الإحداد على الولد والوالد. ومنها: الاحتياط لحق الزوج، ومصلحة الزوجة، وحق الولد، والقيام بحق اللَّه الذي أوجبه؛ ففي العدة أربعة حقوق، وقد أقام الشارع الموتَ مقام الدخول في استيفاء المعقود عليه؛ فإن النكاح مدتُّه العمر، ولهذا أقيم مقام الدُّخول في تكميل الصداق، وفي تَحريم الربيبة عند جماعة من الصحابة ومَنْ بعدهم كما هو مذهب زيد بن ثابت (١) وأحمد في إحدى الروايتين عنه؛ فليس المقصود من العِدَّة مجرد براءة الرحِمِ، بل ذلك من بعض مقاصدها وحكمها. [أجناس العِدد] المقام الثاني في أجناسها: وهي أربعةٌ في كتاب اللَّه، وخامس بسنةِ رسول اللَّه ﷺ (٢): الجنس الأول: أربابُ العِدَّة (٣)، ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: ٤]. الثاني: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤]. الثالث: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨]. الرابع: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾ [الطلاق: ٤].

стр. 1087

الخامس: قول النبي ﷺ : "لا توطأ حاملٌ حتى تَضعَ، ولا حائل (١) حتى تُستبرئ بحيضة" (٢) ومُقدَّمُ هذه الأجناس [كلها] (٣) الحاكم عليها كلها وَضْعُ العمل، فإذا وُجد فالحكمُ له، ولا التفات إلى غيره، وقد كان بين السلف نزاعٌ في المُتوفَّى عنها أنها تتربص أبْعد الأجلين، ثم حصل الاتفاق على انقضائها بوضع الحمل (٤)؛ وأما عدةُ الوفاة فتجبُ بالموت، سواء دخل بها أو لم يدخل، كما دل عليه عموم القرآن والسنة الصحيحة (٥). . . .

стр. 1088

واتفاق الناس (١)؛ فإن الموتَ لما كان انتهاءَ العقد وانقضاءَه استقرَّت به الأحكام: من التوارث، واستحقاق المهر، وليس المقصود بالعدة هاهنا مجرد استبراء الرحم كما ظَنَّه بعضُ الفقهاء؛ لوجوبها قبل الدخول، ولحصول الاستبراء بحيْضَة واحدة، ولاستواء [الآيسة و] (٢) الصغيرة والآيسة وذوات القُرُوء في مدتها، فلما كان الأمر كذلك قالت طائفة: هي تعبُّدٌ مَحْضٌ لا يُعقل معناه، وهذا باطلٌ لوجوهٍ. منها: أنه ليس في الشريعة حكم واحد إلا وله معنى وحكمة يَعْقُلُ معناه مَنْ عَقَله ويخفى على مَنْ خفي عليه (٣). ومنها: أن العدد ليست من باب العبادات المحضة؛ فإنها تجب في حق الصغيرةِ والكبيرةِ والعاقلةِ والمجنونةِ والمسلمة والذميَّة، ولا تفتقر إلى نية (٤). ومنها: أن رعايةَ حق الزوجين والولد والزوج الثاني ظاهر فيها؛ فالصواب (٥) أن يُقال: هي حريم لانقضاء النكاح لما كمل، ولهذا تجد فيها رعاية

стр. 1089

لحق الزوج وحرمة له، ألا ترى أن النبي ﷺ كان من احترامِه ورعايةِ حقوقه تحريمُ نسائِه بعده، ولما كانت نساؤُه في الدنيا هن نساؤه في الآخرة قطعًا، لم يحلَّ لأحد أن يتزوجَ بهنَّ بعده، بخلاف غيره؛ فإن هذا ليس معلومًا في حقه، فلو حرمت المرأة على غيره لتضررت ضررًا (١) محققًا بغير نفع معلوم، ولكن لو (٢) تأيَّمتْ على أولادها كانت محمودةً على ذلك. وقد كانوا في الجاهلية يُبالغون في احترام حق الزوج وتعظيم حريم هذا العقد غاية المبالغة من تربُّص (٣) سنة في شَرِّ ثيابها وحِفْشِ (٤) بيتها (٥)، فخفَّفَ اللَّه عنهم ذلك بشريعته التي جعلها رحْمَةً وحكمة ومصلحة ونعمة، بل هي من أجَلِّ نعمه عليهم على الإطلاق، فله الحمد كما هو أهله. وكانت أربعة أشهر وعشرًا على وفق الحكمة والمصلحة؛ إذ لا بُدَّ من مدة مضروبة، وأولى المُدد بذلك المدة التي يعلم فيها بوجود [حمل] (٦) الولد وعدمه؛ فإنه يكون أربعين يومًا نُطفة، ثم أربعين علقة، ثم أربعين مُضْغة، فهذه أربعة أشهر، ثم ينفخ فيه الروح في الطور الرابع، فقُدِّر بعشرة أيام لتظهر حياته بالحركة إن كان ثم حمْلٌ (٧). فصل [حكمة عدة الطلاق] وأما عِدَّةُ الطَّلاقِ فلا يمكن تعليلها بذلك؛ لأنها إنما تجب بعد المسيس بالاتفاق، ولا ببراءةِ الرَّحم؛ لأنه يحصل بحيْضة كالاستبراء، وإن كان براءةُ الرحم بعض مقاصدها, ولا يقال: "هي تعبد" لما تقدم، وإنما يتبين حكمها إذا عرف ما

стр. 1090

فيها من الحقوق؛ ففيها حَقٌّ للَّه (١)، وهو امتثالُ أمره وطلبُ مرضاته، وحق للزوج المُطلِّق وهو اتساع زمن الرجعة له، وحق للزوجة، وهو استحقاقها النفقة (٢) والسكنى ما دامت في العدة، وحق للولد، وهو الاحتياط في ثبوت نَسبِه وأن لا يختلط بغيره، وحق للزوج الثاني، وهو أن لا يسْقِي ماءه زرع غيره (٣).

стр. 1091

[ما يترتب على حقوق العدة] ورَتَّب الشارعُ على كل واحد من هذه الحقوق ما يناسبه من الأحكام؛ فرتب على رعاية حقه هو لزوم المنزل وأنها لا تَخْرُج ولا تُخْرَج، هذا موجب القرآن ومنصوص إمام أهل الحديث وإمام أهل الرأي، ورتب على حقِّ المُطلِّق تمكنه من الرجعة ما دامت في العدة، وعلى حقها استحقاق النفقة والسكنى، وعلى حقِّ الولد ثبوت نَسَبِه وإلحاقه بأبيه دون غيره، وعلى حق الزوج الثاني دخوله على بصيرةِ ورحم بريء غير مشغول بولد لغيره؛ فكان في جعلها ثلاثة قروء رعاية لهذه الحقوق، وتكميل لها، وقد دل القرآن على أن العدة حق للزوج عليها بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ﴾ [الأحزاب: ٤٩] فهذا دليل على أن العدة للرجل على المرأة بعد المسيس، وقال تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ [البقرة: ٢٢٨] فجعل الزوج أحق بردها في العدة؛ فإذا كانت العدة ثلاثة قروء أو ثلاثة أشهر طالت مدة التربُّص لينظر في أمرها هل يمسكها بمعروف أو يُسَرِّحُها بإحسان، كما جعل اللَّه سبحانه للمُولي تربُّص أربعة أشهر لينظر في أمره هل يفيءُ أو يطلق، وكما جعل مدة تسيير الكفار أربعة أشهر لينظُروا في أمرهم ويختاروا لأنفسهم (١). فإن قيل: هذه العلة باطلة؛ فإن المختلعة والمفسوخ نكاحها بسبب من الأسباب والمطلقة ثلاثًا والموطوءة بشبهة والمزني بها تعتدُّ بثلاثة أقراء، ولا رجْعة هناك، فقد وجب الحكم (٢) بدون علته، وهذا يبطل كونها علة. [عدة المختلعة] قيل: شرط النقض أن يكون الحكم في صورةٍ ثابتًا بنص أو إجماع، وأما كونه قولًا لبعض العلماء فلا يكفي في النقض به، وقد اختلف الناس في عدة المختلعة، فذهب إسحاق (٣) وأحمد (٤) في أصح الروايتين عنه دليلًا أنها تعتد

стр. 1092

بحيضة واحدة، وهو مذهب عثمان بن عفان وعبد اللَّه بن عباس (١)، وقد حُكي إجماع الصحابة ولا يعلم لهما مُخالِف (٢)، وقد دَلَّت عليه سُنَّةُ رسول اللَّه ﷺ الصحيحة دلالة صريحة (٣)، وعُذر من خالفها أنها لم تبلغه، أو لم تصح عنده، أو ظن الإجماع على خلاف موجبها، وهذا القول هو الراجح في الأثر والنظر: أما رجحانه أثرًا فإن النبي ﷺ لم يأمر المختلعة قط أن تعتد بثلاث حيض، بل قد رَوى أهل "السنن" عنه من حديث الرُّبيِّع بنت مُعوِّذ أن ثابت بن قيس ضرب امرأته فكسر يدها، وهي جميلة بنت عبد اللَّه بن أُبيّ بن سَلول (٤)، فأتى أخوها يشتكي إلى رسول اللَّه ﷺ ، فأرسلَ رسولُ اللَّه ﷺ إلى ثابت، فقال: "خُذِ الذي لك عليها (٥) وخلِّ سبيلها" قال: نعم، فأمرها رسول اللَّه ﷺ أن تتربَّص حيضةً واحدةً وتلحق بأهلها (٦)؛ وذكر أبو داود والنَّسائي من حديث ابن عباس أن امرأةَ ثابت بن

стр. 1093

قيس اختلعت من زوجها، فأمرها النبي ﷺ [أو أُمرتْ] أن تعتدَّ بحيضة (١)، قال الترمذي (٢): الصحيح أنها أُمرت أن تعتد بحيضة، وهذه الأحاديث لها طرقٌ يصدق بعضها بعضًا، وأُعِلَّ الحديث بعلتين: أحداهما إرساله، والثانية أن الصحيح فيه: "أُمِرَتْ" (٣)، بحذف الفاعل، والعلتان غير مؤثرتين؛ فإنه قد روي من وجوه متصلة، ولا تَعَارُضَ بين "أمرت" وأمَرَهَا رسول اللَّه ﷺ ؛ إذ من المحال أن يكون الآمر لها بذلك غير رسول اللَّه ﷺ في حياته، وإذا كان الحديث قد رُوي بلفظٍ محتمل (٤) ولفظٍ صريح يفسر المحتمل (٤) ويبينه، فكيف يُجعل المحتمل (٤) معارضًا للمفَسَّر بل مقدما عليه؟! ثم يكفي في ذلك فتاوى أصحاب رسول اللَّه ﷺ ؛ قال أبو جعفر النَّحاس في كتاب "الناسخ والمنسوخ" (٥): هو إجماعٌ من الصحابة. وأما اقتضاء النظر له فإن المختلعة لم يَبْقَ (٦) لزوجها عليها عدة، وقد ملكت نفسَها وصارت أحق بِبُضعِها، فلها أن تتزوَّجَ بعد براءة رحمها، فصارت العدة في حقها بمجرد براءة الرحم، وقد رأينا الشريعةَ جاءت في هذا النوع بحيضة واحدة كما جاءت بذلك في المسْبِية والمملوكة بعقد معاوضة أو تبرُّع والمهاجرة من دار الحرب، ولا ريب أنها جاءت بثلاثة أقراء في الرجعية، والمختلعةُ فرعٌ متردد بين هذين الأصلين؛ فينبغي إلحاقها بأشبههما بها؛ فنظرنا فإذا هي بذواتِ (٧) الحيضة أشبه. [أقسام النساء بالنسبة للعدة] ومما يبين حكمة الشريعة في ذلك أن الشارع قسم النساء إلى ثلاثة أقسام: أحدها: المفارقة قبل الدخول؛ فلا عدة عليها ولا رجعة لزوجها فيها. الثاني: المفارقة بعد الدخول إذا كان لزوجها عليها رجعة، فجعل عدتها ثلاثة قروء، ولم يذكر سبحانه العدة بثلاثة قروء إلا في هذا القسم، كما هو مصرح به في القرآن في قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ [وَلَا يَحِلُّ

стр. 1094

لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ] (١) إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ [البقرة: ٢٢٨]، وكذا في سورة الطلاق لمّا ذكر الاعتداد بالأشهر الثلاثة في حق من إذا بلغت أجلها خُيِّر زوجها بين إمساك بمعروف أو مفارقتها بإحسان، وهي الرجعية قطعًا، فلم يذكر الأقراء أو بدلها (٢) في حق بائنٍ البتَّة. القسم الثالث: من بانت عن زوجها وانقطع حقه عنها بسَبْيٍ (٣) أو هجرة أو خُلع؛ فجعل عدتها حيضة للاستبراء، ولم يجعلها ثلاثًا؛ إذ لا رجعة للزوج، وهذا في غاية الظهور والمناسبة؛ وأما الزانية والموطوءة بشبهة فموجب الدليل أنها تستبرأ بحيضة فقط، ونص عليه أحمد في الزانية، واختاره شيخُنا في الموطوءة بشبهة (٤) وهو الراجح، وقياسهما على المطلقة الرجعية من أبعد القياس وأفسده. فإن قيل: فهبْ أن هذا [قد] (٥) سلم لكم فيما ذكرتم من الصور، [فإنه لا يُسلّم] (٦) معكم في المطلقة ثلاثًا؛ فإن الإجماع منعقد على اعتدادها بثلاثة قروء مع انقطاع حق زوجها من الرجعة، والقصد مجرد استبراء رحمها. [حكمة عدة المطلقة ثلاثًا] قيل: نعم هذا سؤال وارد، وجوابه من وجهين: أحدهما: أنه قد اختلف في عدتها: هل هي بثلاثة قروء أو بقرْء واحد؟ فالجمهور -بل الذي لا يَعرفُ الناسُ سواه- أنها ثلاثة قروء، وعلى هذا فيكون وجهُه أن الطَّلقةَ الثالثة لما كانت من جنس الأُولتين (٧) أُعطيت حكمهما؛ ليكون باب الطلاق كله بابًا واحدًا، فلا يختلف حكمه؛ والشارع إذا علَّق الحكمَ بوصفٍ لمصلحةٍ عامة لم يكن تخلف تلك المصلحة والحكمة في بعض الصور مانعًا من ترتب الحكم، بل هذه قاعدةُ الشريعة وتصرفها في مصادرها ومواردها. الوجه الثاني: أن الشارع حرّمها عليه حتى تنكحَ زوجًا غيره، عقوبةً له،

стр. 1095

ولَعَن المحلِّل والمحلَّل له (١) لمناقضتهما ما قصده اللَّه سبحانه من عقوبته؛ وكان من تمام هذه العقوبة أن طوّل مدة تحريمها عليه؛ فكان ذلك أبلغ فيما قصده الشارع من العقوبة، فإنه إذا علم أنها لا تحلُّ له حتى تعتدَّ بثلاثة قروء، ثم يتزوجها آخر بنكاح رغبةٍ مقصودٍ لا تحليل [موجب للعنة] (٢)، ويفارقها، وتعتد من فراقه ثلاثة قروء أُخر، طال عليه الانتظار، وعيل صبره، فأمسك عن الطلاق الثلاث، وهذا واقعٌ على وفق الحكمة والمصلحة والزَّجر؛ فكان التربُّص بثلاثة قروء في الرجعية نظرًا للزوج ومراعاةً لمصلحته لمَّا لم يُوقع الثالثَة المُحرَّمة لها (٣) وهاهنا كان تربُّصُها عقوبةً له وزجرًا لما أوقعَ الطلاق المُحرِّم لما أحلَّ اللَّه له، وأكدت هذه العقوبة بتحريمها عليه إلا بعد زوج وإصابة وتربص [ثان] (٤). وقيل: بل عدتها حيضة واحدة، وهي اختيار أبي الحُسين (٥) بن اللَّبَّان؛ فإن كان مسبوقًا بالإجماع فالصواب اتباع الإجماع، وأن لا يلتفت إلى قوله، وإن لم يكن في المسألة إجماع فقوله قويٌّ ظاهر (٦)، واللَّه أعلم. [عدة المخيرة وحكمتها] فإن قيل: فقد جاءت السنة بأن المُخيَّرة تعتد ثلاث حيض، كما رواه ابن ماجه من حديث عائشة قالت: أُمِرت بَرِيرةُ أنْ تعتدَّ ثلاث حيض (٧). قيل: ما أصْرحه من حديث لو ثبت، ولكنه حديثٌ منكر بإسناد مشهور، وكيف يكون عند أم المؤمنين هذا الحديث وهي تقول: الأَقراءُ: الأطهار؟ فإن

стр. 1096

صح الحديث وَجبَ القولُ به، ولم تَسُغْ (١) مخالفته، ويكون حكمه (٢) حكم المطلقة ثلاثًا في اعتدادها بثلاثة قروء ولا رجعةَ لزوجها عليها؛ فإن الشارع يُخصِّص بَعْض الأعيانِ [والأفعالِ] (٣) والأزمانِ والأماكن ببعض الأحكام، وإن لم يظهر لنا موجب التخصيص، فكيف وهو ظاهر في مسألة المُخيَّرة، فإنها لو جُعلت عدتها حيضة واحدة لبادرت إلى التزوج بعدها، وأَيس منها زوجها؟ فإذا جُعلت ثلاث حيض طال زَمنُ انتظارها وحبْسِها عن الأزواج، ولعلها تتذكر زوجها فيها وترغب في رجعته، ويزول ما عندها من الوحشة، ولو قيل: "إن اعتداد المختلعة بثلاث حيضٍ لهذا المعنى بعينه"؛ لكان حسنًا على وفق حكمة الشارع، ولكن هذا مفقود في المسبيّة والمهاجرة والزانية والموطوءة بشبهة. [عدة الآيسة والصغيرة وحكمتها] فإن قيل: فهب أن هذا كله قد سلم لكم، فكيف يسلم لكم في الآيسة والصغيرة التي لا يوطأ مثلها؟ قيل هذا إنما يرد على مَنْ جعل علة العدة مجرد براءة الرحم فقط، ولهذا أجابوا عن هذا السؤال بأن العدة [ههنا] (٤) شُرِعت تعبدًا محضًا غير معقول المعنى، وأما من جَعلَ هذا بعض مقاصد العِدَّة وأن لها مقاصد أُخر (٥) من تكميل شأن هذا العقد واحترامه وإظهار خَطَرِه وشرفه فجعل لهم (٦) حريم بعد انقطاعه بموت أو فُرقة، فلا فرق في ذلك بين الآيسة وغيرها, ولا بين الصغيرة والكبيرة، مع أن المعنى الذي طُوِّلت له العدة في الحائض في الرجعية والمطلقة ثلاثًا موجودٌ مصلحة الزوج في الطلاق الرجعي وعقوبته وزجره في الطلاق المحرَّم التسوية بين النساء في ذلك، هذا ظاهر جدًا، وباللَّه التوفيق. فصل [حكمة تحريم المرأة بعد الطلاق الثلاث] وأما تحريم المرأة على الزوج بعد الطلاق الثلاث وإباحتها [له] (٧) بعد

стр. 1097

نكاحها للثاني فلا يَعْرف حكمَتَه إلا مَنْ له معرفة بأسرار الشريعة وما اشتملت عليه من الحكم والمصالح الكلية؛ فنقول وباللَّه التوفيق: لما كان إباحةُ فرْج المرأة للرجل بعد تحريمه عليه ومَنْعه منه من أعظم نعم اللَّه عليه وإحسانه إليه كان جديرًا بشكر هذه النعمة، ومراعاتها، والقيام بحقوقها، وعدم تعريضها للزوال، وتنوعت الشرائع في ذلك بحسب المصالح التي علمها اللَّه في كل زمان ولكل أُمَّة، فجاءت شريعةُ التوراة بإباحتها له بعد الطلاق ما لم تتزوج، فإذا تزوجت حَرُمت عليه، ولم يبق له سبيل إليها؛ وفي ذلك من الحكمة والمصلحة ما لا يخفى؛ فإن الزوج إذا علم أنه [إذا] (١) طلَّق المرأة وصار أمرها بيدها، وأن لها أن تَنْكحَ غيره، وأنها إذا نكحت غَيرَه حَرُمت عليه أبدًا، كان تمسُّكه بهذا أشد، وحذرُه من مفارقتها أعظم، وشريعةُ التوراة جاءت بحسب الأمة الموسويّة فيها من الشدة والإصر ما يناسب حالهم، ثم جاءت شريعةُ الإنجيلِ بالمنع من الطلاق بعد التزوج البتة، فإذا تزوج بامرأةٍ فليس له أن يُطلِّقها، ثم جاءت الشريعة الكاملة الفاضلة المحمّدية التي هي أكمل شريعة نزلت من السماء على الإطلاق وأجلُّها وأفْضلها وأعلاها وأقْومُها بمصالح العباد في المعاش والمعاد بأحسن من ذلك كله وأكمله وأوفقه للعقل والمصلحة؛ فإنَّ اللَّه سبحانه أكمل لهذه الأمة دينها، وأتم عليها نعمَتَه، وأباح لها من الطَّيِّبات ما لم يُبحه لأمةٍ غيرها (٢)، فأباح للرجل أن ينكح من أطايب النساء أربعًا، وأن يتسرَّى من الإماء بما شاء، وليس التسرِّي في شريعة [أخرى] (٣) غيرها. [حكمة جعل العدة ثلاثة قروء] ثم أكمل لعبده شرْعه، وأتمَّ عليه نعمته، بأن ملَّكه أن يفارق امرأته ويأخذ غيرها؛ إذ لعل الأولى لا تصلح له ولا توافقه، فلم يجعلها غلَّا في عنقه، وقيْدًا في رجله، وإصرًا على ظهره، وشرع له فراقها على أكمل الوجوه [لها] (٣) وله، بأن يفارقها واحدة ثم تتربَّص ثلاثة قروء، والغالب أنها في ثلاثة أشهر، فإن تاقتْ

стр. 1098

نفسُه إليها، وكان له فيها رغبةً، وصرَّف مُقلِّبُ القلوب قلبه إلى محبتها (١)، وجد السبيل إلى ردها ممكنًا، والباب مفتوحًا، فراجع حبيبتَه، واستقبلَ أَمرَه، وعاد إلى يده ما أخرجته يدُ الغَضَبِ ونزغاتُ الشيطان [منها, ثم لا يُؤمِّن غلباتِ الطباع ونزغاتِ الشيطان] (٢) من المعاودة، فمكّن من ذلك أيضًا مرة ثانية، ولعلها أن تذوقَ من مرارة الطلاق وخرابِ البيت ما يمنعُها من معاودة ما يغضبه، ويذوق هو من ألم فراقها ما يمنعه من التسرع إلى الطلاق، فإذا جاءت الثالثة جاء ما لا مردَّ له من أمر اللَّه سبحانه، وقيل له: قد اندفعت حاجتُك بالمرة الأولى والثانية، ولم يبق لك عليها بعد الثالثة سبيل، فإذا عَلمَ أن الثالثة فراق بينهِ وبينها وأنها القاضية أمسك عن إيقاعها؛ فإنه إذا علم أنها بعد الثالثة لا تحلُّ له إلا بعد تربُّصِ ثلاثة قروء وتزوَّج بزوجٍ راغب في نكاحها وإمساكها، وأن الأول لا سبيل له إليها حتى يدخل بها الثاني دخولًا كاملًا يذوقُ فيه كل واحد منهما عُسيلة صاحبه بحيث يمنعهما ذلك من تعجيل الفراق ثم يُفارقُها بموتٍ أو طلاقٍ أو خلعٍ ثم تعتدُّ من ذلك عدة كاملة تبين له حينئذ يأسه بهذا الطلاق الذي هو من أبغض الحلال إلى اللَّه، وعلم كل واحد منهما أنه لا سبيل له إلى العوْدِ بعد الثالثة (٣)، لا باختياره ولا باختيارها، وأكد هذا المقصود بان لَعَنَ الزوج الثاني إذا لم ينكح نكاح رغبة يقصد فيه الإمساك، بل نكح نكاح تحليل، ولعن الزوج الأول إذا ردّها بهذا النكاح، بل ينكحها الثاني كما نكحها الأول، ويطلقها كما طلقها الأول، وحينئذٍ فتباح للأول كما تباح لغيره من الأزواج. وأنت إذا وازنت بين هذا (٤) وبين الشريعتين المنسوختين، ووازنت بينه وبين الشريعة المبدلة المبيحة ما لعنَ اللَّه ورسولُهُ فاعلَه، تبين لك عظمة هذه الشريعة، وجلالتها، وهيمنتها على سائر الشرائع، وأنها جاءت على أكمل الوجوه وأتمها وأحسنها وأنفعها للخلق، وأن الشريعتين المنسوختين خير من الشريعة المبدَّلة، فإن اللَّه سبحانه شرعها في وقت (٥)، ولم يشرع المبدلة أصلًا. وهذه الدقائق ونحوها مما يختص اللَّه سبحانه بفهمه من يشاء؛ فمن وصل إليها فليحمد اللَّه، ومن لم يصل إليها فليسلِّم لأحكم الحاكمين وأعلم العالمين.

стр. 1099

وليعلم أن شريعته فوق عقول العقلاء وفوق فِطَر الألِبّاء: وقيل للعيون الرُّمْد لا تتقدَّمي ... إلى الشَّمس، واستغشي ظلامَ اللَّياليا وسامحْ، ولا تُنكر عليها، وخَلِّها ... وإنْ أنكرت حقًا فقل خلِّ ذا ليا [غيره:] (١) عاب التفقُّه قومٌ لا عُقُول لهم ... وما عليه إذا عابوه من ضرر ما ضرَّ شمسُ الضُّحى والشَّمس طالعةٌ ... أن لا يرى ضَوءَها مَنْ ليس ذا بصرِ فصل [الحكمة في غسل أعضاء الوضوء] [وأما إيجابُه لغسل المواضع] (٢) التي لم تخرج منها الريح، وإسقاطه غسْل الموضع الذي خرجت منه، فما أوفقه للحكمة، وما أشده مطابقة للفطرة (٣)؛ فإن حاصل السؤال: لِمَ كان الوضوءُ في هذه الأعضاء الظاهرة دون باطن المقعدة، مع أن باطن المقعدة أولى بالوضوء من الوجه واليدين والرجلين؟ وهذا سؤال معكوس، من قلبٍ منكوس؛ فإنَّ من محاسن الشريعة أن كان الوضوء في الأعضاء الظاهرة المكشوفة، وكان أحقُّها به إمامَها ومُقدَّمَها في الذِّكر والفعل وهو الوجهُ الذي نظافتُه ووضاءتهُ عنوانٌ على نظافة القلب، وبعده اليدان (٤)، وهما آلة البَطْش والتناول والأخذ، فهما أحقُّ الأعضاء بالنظافة والنزاهة بعد الوجه، ولمَّا كان الرأسُ مَجْمَعَ الحواس وأعلى البدن وأشرفه كان أحق بالنظافة، ولكن لو شُرع غسله في الوضوء لعظُمَت المشقة، واشتدت البلية، فشُرعَ مسحُ جميعه، وأقامه مقام غسله تخفيفًا ورحمة، كما أقام المسح على الخفين مقام غسل الرجلين. ولعل قائلًا يقول: وما يجزئ مسحُ الرأس والرجلين من الغسل والنظافة؟ ولم يعلم هذا القائل أن إمساسَ العضوِ بالماء امتثالًا لأمر اللَّه وطاعة له وتعبدًا يؤثر في نظافته وطهارته ما لا يؤثر غسله بالماء والسِّدْر بدون هذه النية، والتحاكم

стр. 1100

في هذا إلى الذوق السليم، والطبع المستقيم، كما أن مَعْك الوجه بالتراب امتثالًا للآمر وطاعةً وعبوديةً (١) تكسبه وضاءةً ونظافة وبهجة تبدو على صفحاته للناظرين؛ ولما كانت الرِّجلان تَمسُّ الأرض غالبًا، وتباشر من الأدناس ما لا يباشره بقية الأعضاء كانت أحق بالغسل، ولم يُوفَق للفهم عن اللَّه ورسوله من اجتزأ بمسحهما من غير حائل. فهذا وجه اختصاص هذه الأعضاء بالوضوء من بين سائرها من حيث المحسوس، وأما من حيث المعنى فهذه الأعضاء هي آلات الأفعال التي يباشر بها العبد ما يريد فعله، وبها يُعصى اللَّه سبحانه ويُطاع؛ فاليد تبطش، والرجل تمشي، والعين تنظر، والأذن تسمع، واللسان يتكلم، فكان في غسل هذه الأعضاء -امتثالًا لأمر اللَّه، وإقامة لعبوديته- ما يقتضي إزالة ما لحقها (٢) من دَرنِ المعصية ووسخِها. [ما يكفره الوضوء من الذنوب] وقد أشار صاحب الشرع ﷺ إلى هذا المعنى بعينه حيث قال في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم في "صحيحه" عن عمرو بن عَبَسة قال: قلت: "يا رسول اللَّه! حَدثني عن الوُضوء، قال: "ما منكم من رجل يُقرِّبُ وضوءَه فيتمضمض ويستنشق فينثُر (٣) إلا خرَّت (٤) خطايا وَجْهه من أطرافِ لحيته مع الماء، ثم يغسل يديه إلى المِرْفقين إلا خَرَّت (٥) خطايا يديه من أنامله مع الماء، ثم يمسح برأسه إلا خرت خطايا رأسه من أطراف شعره مع الماء، ثم يغسل قدميه إلى الكعبين إلا خرت (٥) خطايا رجليه من أنامله مع الماء، فإن هو قام فصلَّى فحمد اللَّه وأثنى عليه ومجَّده بالذي هو أهلُه -أو هو له أهلٌ- وفرغ قلبه للَّه إلا انصرف من خطيئته كهيئته يوم ولدته أمه" (٦)، وفي "صحيح مسلم" أيضًا عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "إذا توضأ العبدُ المسلمُ -أو المؤمن- فغسل وجْهَه خرج من

стр. 1101

وجهه كل خطيئة نَظَر إليها بعينيه مع الماء -أو مع آخر قطر الماء- فإذا غسل يديه خرج من يديه كل خطيئة كان بطشتها يداه مع الماء -أو مع آخر قطر الماء- فإذا غسل رجليه خرجت كل خطيئة مشَتْها رجلاه مع الماء -أو مع آخر قطر الماء- حتى يخرج نقيًا من الذنوب" (١)، وفي "مسند الإمام أحمد" عن عقبة بن عامر قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "رجُلان من أمتي يقوم أحدهما من الليل يُعالج نفسه إلى الطَّهور، وعليه عُقَد، فيتوضأ؛ فإذا توضأ يديه انحلت عقدةٌ، وإذا توَضَّأ وجهه انحلت عقدة، وإذا مسح رأسه انحلت عقدة، وإذا وضَّأ رجليه انحلت عقدة، فيقول الرب للذي وراء الحجاب: انظروا إلى عبدي هذا يُعالج نَفسَه، ما سألني عبدي هذا فهو له" (٢)، وفيه أيضًا عن أبي أمامة يرفعه: "أيما رجل قام إلى وضوئه يريد الصلاة ثم غسل كفيه نزلت خطيئته من كَفَّيه مع أول قطرةٍ، فإذا تمضمضَ واستنشق واستنثر نزلت خطيئتُه من لسانِه وشفَتَيْه مع أول قطرة، فإذا غسل وجهه نزلت خطيئتهُ من سَمْعِه وبصره مع أول قطرة، فإذا غسل يديه إلى المرفقين ورجليه إلى الكعبين سَلِم من كل ذنب هو له، ومن كل خطيئته كهيئتِه يومَ ولدتُه أمُّه، فإذا قام إلى الصلاة رفع اللَّه بها درجته، وإنْ قعد قعد سالمًا" (٣) وفيه أن مقصود المضمضة كمقصود غسل الوجه واليدين سواء، وأن

стр. 1102

حاجة اللسان والشفتين إلى الغسل كحاجة بقية الأعضاء؛ فَمَنْ أنكسُ قلبًا وأفسدُ فطرةً وأبطلُ قياسًا ممن يقول: إن غسل باطن المقعدة أولى من غسل هذه الأعضاء وإن الشارع فَرَّق بين المتماثلين؟ هذا إلى ما في غسل هذه الأعضاء المقارن لنية التعبد للَّه من انشراحِ القلبِ وقوَّته، واتساع الصدر، وفَرحِ النفس، ونشاطِ الأعضاء؛ فتميزت عن سائر الأعضاء بما أوجب غسلها دون غيرها، وباللَّه التوفيق. فصل [توبة المحارب] وأما اعتبار توبة المحارب قبل القُدرة عليه دون غيره فيقال: أين في نصوص الشارع هذا التفريق؟ بل نصه على اعتبارِ توبة المحارب قبل القدرة عليه إما من باب التنبيه على اعتبار توبة غيره بطريقِ الأَوْلى؛ فإنه إذا دُفعت توبته عند حد حِرابه مع شدةِ ضررها وتعديه فلأن تَدفع التوبةُ [ما دون حد] (١) الحِراب بطريق الأولى والأحرى (٢)، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: ٣٨] وقال النبي ﷺ : "التَّائب من الذَنْبِ كمن لا ذنبَ له" (٣)

стр. 1103

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1104

واللَّه سبحانه جعل الحدود عقوبة لأرباب الجرائم، ورفع العقوبة عن التائب شرعًا وقدرًا؛ فليس في [شرع اللَّه] (١) ولا في قَدَرِه عقوبةُ تائب ألبتَّة، وفي "الصحيحين" من حديث أنس قال: "كنت مع النبي ﷺ ، فجاء رجلٌ فقال: يا رسولَ اللَّه، إني أصبتُ حدًا فأقمه عليَّ. [قال] (٢): ولم يسأله عنه، فحضرت الصلاة فصلَّى مع النبي ﷺ ، فلما قضى النبي ﷺ الصلاةَ قام إليه الرجل فأعاد قوله، قال: أليس قد صَليتَ مَعَنَا؟ قال: نعم (٣)، قال: "فإن اللَّه قد غَفَرَ [لَكَ] (٢) ذَنْبَكَ" (٤) فهذا لما جاء تائبًا بنفسه من غير أن يُطلب غفر اللَّه له، ولم يُقم عليه الحد الذي اعترفَ به، وهو أحد القولين في المسألة، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، وهو الصواب (٥).

стр. 1105

فإن قيل: فماعزٌ جاء تائبًا والغامدية جاءت تائبة، وأقام عليهما الحد. قيل: لا ريبَ أنهما جاءا تائبين، ولا ريب أن الحد أقيمَ عليهما، وبهذا (١) احتج أصحاب القول الآخر، وسألتُ شيخَنا (٢) عن ذلك؛ فأجاب بما مضمونه بان الحد مُطهِّر، وإن التوبة مطهرة، وهما اختارا التطهير بالحد على التطهير بمجرد التوبة (٣)، وأبيا إلا أن يُطهرا بالحد، فأجابهما (٤) النبي ﷺ إلى ذلك وأرشد إلى اختيار التطهير بالتوبة على التطهير بالحد، فقال في حق ماعزٍ: "هلَّا تركتموه يتوب فيتوب اللَّه عليه" (٥) ولو تعيَّن الحدُّ بعد التوبة لما جاز تركه، بل الإمام مخيَّر بين

стр. 1106

أن يتركه كما قال لصاحب الحد الذي اعترف به: "اذهب فقد غفر اللَّه لك" (١) وبين أن يقيمه كما أقامه على ماعز والغامدية لمَّا اختارا إقامته وأبيا إلا التطهير به، ولذلك ردَّهما النبيُّ ﷺ مرارًا وهما يأبيان إلا إقامته عليهما، وهذا المسلك وسط [بين] (٢) مسلك من يقول: لا تجوز إقامته بعد التوبة ألبتة، وبين مسلك من يقول: لا أَثَرَ للتوبة في إسقاطه ألبتة، وإذا تأملت السنة رأيتَها لا تدل إلا على هذا القول الوسط، واللَّه أعلم. فصل [قبول رواية العبد دون شهادته] وأما قوله: "وقبل شهادة العبد عليه ﷺ بأنه قال كذا وكذا ولم يقبل شهادته على واحد من الناس بأنه قال كذا وكذا"، فمضمون السؤال أن رواية العبد مقبولة دون شهادته. والجواب أنه لا يَلزم الشارع قول فقيه بعينه (٣) ولا مذهب معين، وهذا المقام لا يَقضِ فيه إلا اللَّه ورسوله (٤) فقط، وهذا السؤال كَذبٌ على الشارع؛ فإنه لم يأت عنه حرفٌ واحد أنه قال: لا تقبلوا شهادة العبد، بل ردوها، ولو كان عالمًا مفتيًا فقيهًا من أولياء اللَّه ومن أصدق الناس لهجة، بل الذي دل عليه كتابُ اللَّه وسنةُ رسوله وإجماع الصحابة والميزان العادل قبول شهادة العبد فيما تُقبل فيه شهادة الحر؛ فإنه من رجال المؤمنين فدخل في قوله تعالى: [﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] كما دخل في قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ [الأحزاب: ٤٠] وهو عدل بالنص والإجماع، فيدخل في قوله تعالى:] (٥) ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢] كما دخل في قوله ﷺ : "يَحملُ هذا العلمَ من كُلِّ خَلَفٍ عَدُوله" (٦) ويدخل في قوله: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق: ٢] وفي قوله:

стр. 1107

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1108

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1109

﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾ [البقرة: ٢٨٣] وفي قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾ الآية [المائدة: ٨]، كما دخل في جميع ما فيها من الأوامر، ويدخل في قوله ﷺ : "فإنْ شَهِد ذَوا عَدْل فصوموا وأَفْطِرُوا" (١) وقال أنس بن مالك: ما علمت أحدًا رد شهادة العبد (٢)، رواه الإمام أحمد عنه، وهذا أصح من غالب الإجماعات التي يدَّعيها المتأخرون؛ فالشهادة على الشارع بأنه أبطل شهادة العبد وردّها شهادةٌ بلا علم، ولم يأمر اللَّه برد شهادة صادق أبدًا، وإنما أمر بالتثبت في شهادة الفاسق (٣).

стр. 1110

فصل [صدقة السائمة وإسقاطها عن العوامل] وأما إيجاب الشارع الصَّدقة في السائمة وإسقاطها عن العوامل فقد اختلف في هذه المسألة؛ للاختلاف في الحديث الوارد فيها، وفي الباب حديثان: أحدهما: حديثَ عَمرو بنِ شُعيبٍ عن أبيه عن جده يرفعه: "ليس في الإبلِ العَواملِ صدقةٌ" (١)، رواه الدارقطني من حديث غالب بن عُبيد اللَّه عن عمرو. والثاني: حديث علي بن أبي طالب مرفوعًا: "ليس في البَقَرِ العواملِ شيءٌ" (٢) رواه أبو داود: ثَنا النُّفَيْليُّ: ثَنَا زهيرٌ: ثنا أبو إسحاق، عن عاصم بن

стр. 1111

ضمرة وعن الحارث، عن علي قال زُهير: أَحْسبه عن النبي ﷺ : "ليس على العواملِ شيءٌ" قال أبو داود: ورَوى حديثَ النُّفيليِّ شعبةُ وسفيانُ وغيرهما عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضَمْرة عن علي لم يرفعوه، ورواه نُعيم بن حَمَّاد: ثنا أبو بكر بن عَيَّاش، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضَمْرة، عن علي موقوفًا: "ليس في الإبلِ العواملِ، ولا في البقر العوامل صدقة" (١). ورواه الدارقطني من حديث صَقْر بن حَبيب: سمعت أبا رجاء، عن ابن عباس، عن علي مرفوعًا (٢)، قال ابنُ حبَّان (٣): "ليس هو من كلام رسول اللَّه ﷺ ، وإنما يُعرف بإسناد منقطع يقلبه (٤) الصقر عن أبي رجاء، وهو يأتي بالمقلوبات"، وروي من حديث جابر وابن عباس مرفوعًا وموقوفًا، والموقوف أشبه (٥). وبعد فللعلماء في المسألة قولان: فقال مالك في "الموطأ" (٦): النَّواضِحُ والبقر السّواني (٧) وبقر الحرث إني أرى أن يؤخذ من ذلك كله الزكاة (٨) إذا وجبت فيه (٩) الصدقة، قال ابنُ عبد البر (١٠): "وهذا قول الليث بن سعد (١١)، ولا أعلم أحدًا قال به من فقهاء الأمصار غيرهما.

стр. 1112

وقال الثوري (١) وأبو حنيفةَ وأصحابه (٢)، والشافعيُّ وأصحابُه (٣)، والأوزاعي (٤)، وأبو ثور (٥)، وأحمد (٦)، وأبو عبيد (٧)، وإسحاق، وداود: لا زكاة في البقرِ العواملِ، ولا الإبلِ العوامل، وإنما الزكاة في السائمة منها، ورُوي قولهم ذلك عن طائفة من الصحابة منهم علي، وجابر، ومعاذ بن جبل (٨). وكتب عمر بن عبد العزيز أنه ليس في البقر العوامل صدقة (٩) ". وحُجَّة هؤلاء مع الأثر النظر؛ فإنَّ ما كان من المال معدٌّ (١٠) لنفع صاحبه به

стр. 1113

كثياب بذلته وعَبيد خدمته وداره التي يسكنها ودابته التي يركبها وكتبه التي ينتفع بها وينفع [غيره] (١)؛ فليس فيها زكاة؛ ولهذا لم يكن في حلي المرأة التي تلبسه وتعيره زكاة (٢)، فطَرْد هذا أنه لا زكاة في بقر حرْثه ولا إبلِه (٣) التي يعمل فيها بالدولاب وغيره؛ فهذا محض القياس، كما أنه موجب النصوص؛ والفرق بينها وبين السائمة ظاهر؛ فإن هذه مصروفة عن جهة النماء إلى العمل؛ فهي كالثياب والعبيد والدار، واللَّه تعالى أعلم (٤). فصل [حكمة اللَّه في الفرق بين الحرة والأمة في تحصين الرجال] وأما قوله: "وجعل الحرة القبيحة الشوهاء تحصِّن الرجلَ، والأمة البارعة الجمال لا تحصنه" فتعبير سيء عن معنًى صحيح؛ فإن حكمة الشارع اقتضت وجوب حد الزنا على من كملت عليه نعمةُ اللَّه بالحَلَال، فتخطّاه إلى الحرام، ولهذا لم يوجب كمال الحد على من لم يحصن، واعتبر للإحصان أكمل أحواله، وهو أن يتزوج بالحرة التي يرغب الناس في مثلها، دون الأمة التي لم يبح اللَّه نكاحها إلا عند الضرورة، فالنعمة بها ليست كاملة، ودون التسرِّي الذي هو في الرتبة دون النكاح؛ فإن الأمة ولو كانت ما عسى أن تكون لا تبلغ رتبة الزوجة،

стр. 1114

لا شرعًا ولا عرفاَ ولا عادةً، بل قد جعل اللَّه لكلٍ منهما رتبة، والأمة لا تُراد لما تُراد له الزوجة، ولهذا كان له أن يملكَ من لا يجوز له نكاحها (١)، ولا قسم عليه في ملك يمينه، فأمتُه تَجري في الابتذال والامتهان والاستخدام مَجْرى دابته وغلامه، بخلاف الحرائر، وكان من محاسن الشريعة أن اعتبرت في كمال النّعمة على مَنْ يجب عليه الحَدُّ أن يكون قد عقد على حرة ودخل بها (٢)؛ إذ بذلك يَقضي كمال وطره، ويُعطي شهوته حقها، ويضعها مواضعها، هذا هو الأصل ومنشأ الحكمة، ولا يعتبر ذلك في كل فرد فردٍ من (٣) أفراد المُحصنين، ولا يضر تخلفه في كثير من المواضع؛ إذ شأن الشرائع الكلية (٤) أن تراعي الأمور العامة المنضبطة، ولا ينقُضها تخلُّف الحكمة في أفراد الصور، كما هذا شأن الخلق فهو موجب حكمة اللَّه في خلقه وأمره في قضائه وشرعه، وباللَّه التوفيق (٥). فصل [الحكمة في نقض الوضوء بمس ذكره دون غيره من الأعضاء] وأما قوله: "ونقضُ (٦) الوُضوءِ بمس الذِّكَر دون سائر الأعضاء، ودون مس العَذْرة والبول" فلا ريب أنه قد صحَّ عن النبي ﷺ الأمر بالوضوء من مس الذكر (٧)، ورُوي عنه خلافُه، وأنه سُئل عنه فقال للسائل: "هل هو إلا بضعةٌ

стр. 1115

منك" (١) وقد قيل: إن هذا الخبر لم يصح، وقيل: بل هو منسوخ، وقيل: بل هو محكم دال على عدم الوجوب، وحديث الأمر دال على الاستحباب؛ فهذه ثلاثة مسالك للناس في ذلك (٢).

стр. 1116

وسؤالُ السائلِ ينبني على صحة حديث الأمر (١) بالوضوء منه وأنه للوجوب، ونحن نجيبه على هذا التقدير، فنقول: هذا من كمال الشريعة وتمام محاسنها، فإن مَسَّ الذكر مُذكِّرٌ بالوطء، وهو في مظنة الانتشار [غالبًا، والانتشار] (٢) الصادر عن المس (٣) في مظنة خروج المذيّ (٤) ولا يشعر به؛ فأُقيمت هذه المظنة مقام الحقيقة لخفائِها وكثرةِ وجودها، كما أقيم النوم مقامِ الحدث، وكما أقيم لمس المرأة [بشهوة] (٥) مقام الحدث (٦). وأيضًا فإن مس الذَّكر يوجب انتشار حرارة الشهوة وثورانها في البدن، والوضوء يُطفيء [تلك] (٧) الحرارة، وهذا مشاهدٌ بالحس، ولم يكن الوضوء من مسه لكونه نجسًا، ولا لكونه مَجْرى النجاسة حتى يُورد السائلُ مس العذرة والبول، ودعواه مساواة (٨) مس الذكر للأنف من أكذب الدعاوى وأبطل القياس، وباللَّه التوفيق (٩). فصل [الحكمة في إيجاب الحد بشرب قطرة من الخمر] وأما قوله: "أوجب الحدَّ في القطرة الواحدة من الخمر دون الأرطال الكثيرة من البول" فهذا أيضًا من كمال [هذه] (١٠) الشريعة، ومطابقتها للعقول والفِطر،

стр. 1117

وقيامها بالمصالح؛ فإن ما جعل اللَّه سبحانه في طِباعِ الخلقِ النفرة عنه ومجانبته اكتفى بذلك عن الوازع (١) عنه بالحدِّ؛ لأنَّ الوازع الطبيعي كاف في المنع منه، وأما ما يشتد (٢) تقاضي الطباع له فإنَّه غلّظ العقوبةَ عليه بحسب شدة تقاضي الطبع له، وسد الذريعة إليه من قرب وبعد، وجعل ما حوله حمًى، ومنع من قربانه، ولهذا عاقب في الزنا بأشنع القتلات، وفي السّرقة بإبانة اليد، وفي الخمر بتوسيع الجلد ضربًا بالسوط، ومنع [من] (٣) قليل الخمر وإن كان لا يُسكر إذ قليله داع إلى كثيره؛ ولهذا كان مَنْ أباح من نبيذِ التَّمر المُسْكر القدْر الذي لا يُسكر خارجًا عن محض القياس والحكمة وموجب النصوص، وأيضًا فالمفسدة التي في شرب الخمر والضرر المختص والمتعدي أضعاف الضرر والمفسدة التي في شرب البول وأكل القاذورات، فإن ضررها مختصٌ بمتناولها (٤). فصل [الحكمة في قصر الزوجات على أربع دون السريات] وأما قوله: "وقصر عدد المنكوحات على أربع، وأباح ملك اليمين بغير حصر" فهذا من تمام نعمته وكمال شريعته، وموافقتها للحكمة والرحمة (٥) والمصلحة، فإن النكاح يُراد للوطء وقضاء الوطر، ثم من الناس من يغلب عليه سلطان هذه الشهوة فلا تندفع حاجته بواحدة، فأطلق له ثانيةً وثالثةً ورابعة، وكان هذا العدد موافقًا لعدد طباعه وأركانه، وعدد فُصول سَنَته، ولرجوعه (٦) إلى [الواحدة بعد] (٧) صبرِ ثلاث عنها، والثلاثُ أوَّلُ مراتب الجمع وقد عَلَّق الشارع بها عدة أحكام، ورخص للمهاجر أن يقيم بعد قضاء نسكه بمكة ثلاثًا (٨)، وأباح

стр. 1118

للمسافر أن يمسَحَ على خُفَيْه ثلاثًا (١)، وجعل حد الضيافة المُستحبَّة أو الواجبة (٢) ثلاثًا (٣)، وأباح للمرأة أن تحدّ على غير زوجها ثلاثًا (٤)، فرَحِمَ الضّرّة بأن جعل غاية انقطاع زوجها عنها ثلاثًا ثم يعود؛ فهذا محض الرحمة والحكمة والمصلحة، وأما الإماء فلما كُنَّ بمنزلة سائر الأموال من الخيل والعبيد وغيرهما لم يكن لقصر المالك على أربعة منهن أو غيرها من العدد معنًى؛ فكما ليس في حكمة اللَّه ورحمته أن يقصرَ السَّيِّد على أربعة عبيدٍ أو أربع دواب وثياب ونحوها، فليس في حكمته أن يقصره على أربع إماء، وأيضًا فللزوجة حَقٌّ على الزوج اقتضاه عقد النكاحِ يجب على الزوج القيام به، فإن شاركها غيرها وجبَ عليه العدل بينهما؛ فقَصرَ الأزواج على عدد يكون العدل فيه أقرب مما زاد عليه، ومع هذا فلا

стр. 1119

يستطيعون العدل ولو حرصوا عليه، ولا حق لإمائه عليه في ذلك، ولهذا لا يجب لهن قسم، ولهذا قال تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٣]، واللَّه أعلم. فصل [الحكمة في إباحة التعدد للرجل دون المرأة] وأما قوله: "وأنه أباح للرجل أن يتزوج بأربع زوجات، ولم يبح للمرأة [قط] (١) أن تتزوج بأكثر من زوج واحد" فذلك من كمال حكمة الرب تعالى وإحسانه ورحمته بخلقه ورعاية مصالحهم (٢)، ويتعالى سبحانه عن خلاف ذلك، وينزّه شرعه أن يأتيَ بغير هذا، ولو أبيح للمرأة أن تكونَ عند زوجين فأكثر لفسد العالم، وضاعت الأَنسابُ، وقتل الأزواج بعضُهُم بعضًا، وعظمت البليَّة، واشتدت الفتنة، وقامت سوقُ الحرب على ساق، وكيف يستقيم حال امرأة فيها شُركاء متشاكسون؟ وكيف يستقيم حال الشركاء فيها؟ فمجيء الشريعة بما جاءت به من خلاف هذا من أعظم الأدلة على حكمةِ الشارعِ ورحمتهِ وعنايتهِ بخلقه. فإن قيل: فكيف رُوعي جانب الرجل، وأطلق له أن يُسيم طرفه (٣) ويقضيَ وطَرَه، وينتقل من واحدة إلى واحدة بحسب شهوته وحاجته، وداعي المرأة داعيه، وشهوتها شهوته؟ قيل: لما كانت المرأة من عادتها أن تكون مخبأةً من وراء الخُدُرِ (٤)، ومحجوبةً في كِنِّ بيتها (٥)، وكان مزاجُها أبرد من مزاج الرجل، وحركتها الظاهرة والباطنة أقل من حركته، وكان الرجل قد أعطي القوة والحرارة التي هي سلطان الشهوة أكثر مما أعطيته المرأة، وبُلي بما لم تُبْل به؛ أطلق له من عدد المنكوحات ما لم يُطلق للمرأة؛ وهذا مما خص اللَّه به الرجال (٦)، وفضَّلهم به على النساء، كما فضلهم عليهنّ بالرسالةِ والنبوةِ والخلافةِ والمُلك والإمارة وولاية الحكم والجهاد وغير ذلك، وجعل الرجال قوامين على النساء سَاعِين في مصالحهن،

стр. 1120

يدأبون في أسباب معيشتهنَّ، ويركبون الأخطار، ويجوبون القفار، ويعرضون أنفسهم لكل بلية ومحنة في مصالح الزوجات، والربُّ تعالى شكورٌ حليمٌ، فشكر لهم ذلك، وجبرهم (١) بأن مكَنهم مما لم يمكِّن منه الزوجات، وأنت إذا قايستَ بين تعب الرِّجال وشقائِهم وكدِّهم ونصبهم في مصالح النساء وبين ما ابتلي به النساء من الغَيْرة وجدتَ حظَّ الرجال من تحمل ذلك التعب والنصب والدأب أكثر من حظ النساء من تحمل الغيرة؛ فهذا من كمال عدل اللَّه وحكمته ورحمته؛ فله الحمد كما هو أهله. [شهوة الرجل أقوى من شهوة المرأة] وأما قول القائل: "إن شهوة المرأة تزيد على شهوة الرجل "فليس كما قال، والشهوة منبعها الحرارة، وأين حرارة الأنثى من حرارة الذكر؟ ولكن المرأة -لفراغها وبطالتها وعدم معاناته لما يشغلها عن أمر شهوتها وقضاء وطرها- يغمرها سلطان الشهوة، ويستولي عليها، ولا (٢) يجد عندها ما يعارضه، بل يصادف قلبًا فارغًا ونفسًا خالية فيتمكَّن منها كل التمكن؛ فيظن الظان أن شهوتها أضعاف شهوة الرجل، وليس كذلك، ومما يدل على هذا أن الرجل إذا جامع امرأته أمكنه أن يجامع غيرها في الحال، وكان النبي ﷺ يطوف على نسائه في الليلة الواحدة (٣)، وطاف سليمان ﵇ على تسعين امرأة في ليلة (٤)، ومعلومٌ أن له عند كل امرأة شهوة وحرارة باعثة على الوطءِ، والمرأة إذا قضى

стр. 1121

الرجل وطَرَها (١) فتَرتْ (٢) شهوتُها، وانكسرت نفسُها، ولم تطلب قضاءها من غيره في ذلك الحين، فتطابقت حكمه الشرع والقدر والخلق والأمر، وللَّه الحمد (٣). فصل [الحكمة في جواز استمتاع السيد بأمته دون العبد بسيدته] وأما قوله: "أباح للرجل أن يستمتع من أمته بملك اليمين بالوطء وغيره، ولم يبح للمرأة أن تستمتع من عبدها لا بوطء ولا غيره" فهذا أيضًا من كمال هذه الشريعة وحكمتها، فإن السيدَ قاهرٌ لمملوكه، حاكمٌ عليه، مالك له، والزوج قاهر لزوجته حاكم عليها، وهي تحت سُلطانِه وحُكمِه تُشبه الأسير؛ ولهذا مُنع العبد من نكاح سيدته للتنافي بين كونه مملوكها وبعلها، وبين كونها سيدته وموطوءته، وهذا أمر مشهورٌ بالفطرة والعقول قُبْحُه، وشريعة أحكم الحاكمين منزَّهةٌ عن أن تأتي به. فصل [التفريق بين أحكام الطلقات] وأما قوله: "وفَرَّق بين الطلقات فجعل بعضها مُحرِّمًا للزوجة وبعضها غير محرم" فقد تقدم [من] (٤) بيان حكمة ذلك ومصلحته ما فيه كفاية. فصل [التفريق بين لحم الإبل وغيرها في إيجاب الوضوء] وأما قوله: "وفرَّق بين لحم الإبل وغيره من اللحوم في الوضوء" فقد تقدم في الفصل الذي قبل هذا جواب هذا السؤال، وأنه على وفق الحكمة ورعاية المصلحة.

стр. 1122

فصل [الحكمة في التفريق بين الكلب الأسود وغيره] وأما قوله: "وفرق بين الكلب الأسود وغيره في قطع الصلاة" فهذا سؤال أورده عبد اللَّه بن الصَّامت على أبي ذر، وأورده (١) أبو ذر على النبي ﷺ ، وأجاب عنه بالفرق البيِّن فقال: "الكلب الأسود شيْطان" (٢)، وهذا إن أُريد به أن الشَّيطانَ يظهر في صورة الكلب الأسود كثيرًا كما هو الواقع فظاهر (٣)، وليس بمستنكر أن يكونَ مرورُ عدو اللَّه بين يدي المصلي قاطعًا لصلاته، ويكون مرورُه قد جعلَ تلك الصلاةَ بغيضةَ إلى اللَّه مكروهة له، فيُؤمر المصلي باستئنافها (٤)، وإن كان المراد به أن الكلبَ الأسودَ شيطانُ الكلاب فإن كل جنس من أجناس الحيوانات فيها شياطين وهي ما عَتَا منها وتمرد، كما أن شياطين الإنس عُتاتهم ومتمردوهم، والإبلُ شياطينُ الأنعام، وعلى ذرْوة كل بعيرٍ شيطان (٥)؛ فيكون مرورُ هذا النوع من الكلاب -وهو من أخبثها وشرها- مبغضًا لتلك الصلاة إلى اللَّه تعالى؛ فيجب على المصلي أن يستأنفها (٦)، وكيف يُستبعدُ أن يقطعَ مرورُ العدو بين الإنسان

стр. 1123

وبين وليه حُكم مناجاته له كما قطعها كلمةٌ من كلام الآدميين أو قهقهةٌ أو ريحٌ أو ألقى عليه الغير نجاسة أو نوّمه الشيطان فيها؟ وفي الحديث الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "إن شيطانًا تفلَّت عليَّ البارحة ليقْطع عليَّ صلاتي" (١). وبالجملة؛ فللشارع [ ﷺ ] (٢) في أحكام العبادات أسرارًا لا تهتدي العقول إلى إدراكها على وجه التفصيل وإن أدركتها جملة. فصل [الحكمة في التفرقة بين الريح والجُشاء] وأما قوله: "وفرق بين الريح الخارجة من الدُّبر وبين الجشوة؛ فأوجب الوضوء من هذه دون هذه "فهذا أيضًا من محاسن هذه الشريعة وكمالها، كما فرق بين البَلْغم الخارج من الفَم وبين العَذِرَة في ذلك، ومَنْ سوّى بين الريح والجشاء فهو كمن سوّى بين البلغم والعذرة، والجشاء من جنس العُطاس الذي هو ريحٌ تُحتبس في الدماغ ثم تطلب لها منفذًا فتخرج من الخياشيم فيحدث العُطاس، وكذلك الجُشاء ريحٌ تُحبس (٣) فوق المعدة (٤) فتطلب الصعود، بخلاف الريح التي تحبس تحت المعدة، ومن سوى بين الجشوة والضّرْطة في الوصف والحكم فهو فاسد العقل والحس. فصل [الحكمة في التفرقة بين الخيل والإبل في الزكاة] وأما قوله: "أوجب الزكاة في خمس من الإبل وأسقطها عن آلاف من

стр. 1124

الخيل" فلعمرُ اللَّه إنه أوجب الزكاة في هذا الجنس دون هذا كما في "سنن أبي داود" من حديث عاصم بن ضَمْرة عن علي (١) قال: قال رسول اللَّه ﷺ : قد عفوتُ [لكم] (٢) عن الخيلِ والرَّقِيقِ، فهاتوا صدقةَ الرقةِ (٣) من كل أربعين درهمًا درهمًا (٤)، وليس في تسعين ومئة شيء، فإذا بلغت مئتين ففيها خمسةُ دراهم" (٥) ورواه سفيان عن أبى إسحاق عن الحارث عن علي ﷺ (٦)، وقال بقية: حدثني

стр. 1125

أبو معاذ الأنصاري، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة يرفعه، "عفوتُ لكم عن صدقةِ الجَبْهَةِ والكُسْعَة والنُّخَّة" (١) قال بقية: الجبهة الخيل،
следующие страницы →