← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17798

إعلام الموقعين عن رب العالمين - ت مشهور

ابن القيم

Полный текст (3 107 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

واحتجوا على أن الإِمام يكبِّر إذا قال المقيم: "قد قامت الصلاة" بحديث بلال أنه قال لرسول اللَّه ﷺ (١): "لا تسبقني بآمين" (٢) وبقول أبي هريرة [لمروان] (٣): "لا تسبقني بآمين" (٤) ثم خالفوا الخبر جهارا فقالوا: لا يؤمّن الإمامُ ولا المأموم. واحتجوا على وجوب مسح ربع الرأس بحديث المغيرة بن شعبة أن رسول اللَّه ﷺ "مَسَحَ بناصيته وعمامته" (٥) ثم خالفوه فيما دل عليه فقالوا: لا يجوز

стр. 1297

المسح على العمامة، ولا أثر للمسح عليها ألبتة؛ فإن الفرض يسقط بالناصية، والمسح على العمامة غير واجب ولا مستحب عندهم. واحتجوا لقولهم في استحباب مساوقة (١) الإِمام بقوله ﷺ : "إنما جُعِل الإِمام ليؤتم به" (٢) قالوا: والائتمام به يقتضي أن يفعل مثل فعله سواء. ثم خالفوا الحديث فيما دل عليه، فإن فيه: "فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، وإذا قال: سمع اللَّه لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد، وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا أجمعون" (٣). واحتجوا على أن الفاتحة لا تتعين في الصلاة بحديث المسيء في صلاته حيث قال له: "أقْرَأ ما تيسر معك من القرآن" (٤) وخالفوه فيما دل عليه صريحًا في قوله: "ثم اركع حتى تطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تطمئن (٥) قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا" (٦)، وقوله: "ارجع فَصَلِّ فإنك لم تصل" (٦)، فقالوا: من ترك الطمأنينة فقد صلى، وليس الأمر بها فرضًا لازمًا، مع أن الأمر بها و [الأمر] (٧) بالقراءة سواء في الحديث. واحتجوا على إسقاط جَلْسَة الاستراحة بحديث أبي حميد (٨) حيث لم

стр. 1298

يذكرها فيه (١)، وخالفوه في نفس ما دل عليه من رفع اليدين عند الركوع والرفع منه. واحتجوا على إسقاط فرض الصلاة على النبي ﷺ ، والسلام في الصلاة، بحديث ابن مسعود: "فإذا قُلْتَ ذلك فقد تمت صلاتك" (٢) ثم خالفوه في نفس ما

стр. 1299

دل عليه، فقالوا: صلاته تامة قال ذلك أو لم يقله. واحتجوا على جواز الكلام والإمام [يخطب] (١) على المنبر يوم الجمعة بقوله ﷺ للداخل: "أصَليْتَ يا فلان قبل أن تجلس؟ قال: لا، قال: قم فاركع ركعتين" (٢) وخالفوه في نفس ما دل عليه، فقالوا: من دخل والإمام يخطب جلس ولم يُصلِّ. واحتجوا على كراهة (٣) رفع اليدين في الصلاة بقوله ﷺ : "ما بالهم رافعي أَيديهم كأنَّها أذنابُ خيل شُمس" (٤) ثم خالفوه في نفس ما دل عليه؛ فإنّ فيه: "إنما يكفي أحدكُم أَنْ يُسلِّم على أخيه من عن يمينه وشماله: السلامُ عليكم ورحمةُ اللَّه، السلام عليكم ورحمة اللَّه" (٤) فقالوا: لا يحتاج إلى ذلك ويكفيه غيره من كل مُنافٍ للصلاة. واحتجوا في استخلاف الإِمام إذا أحْدث بالخبر الصحيح أن رسول اللَّه ﷺ خَرجَ وأبو بكر يُصلّي بالناس فتأخَر أبو بكر، وتقدَّم النبيُّ ﷺ فصلَّى بالناس (٥)،

стр. 1300

ثم خالفوه في نفس ما دلَّ عليه، فقالوا: مَنْ فعل مثل ذلك بطلت صلاته، وأبطلوا صلاة من فعل مثل فعل النبي ﷺ وأبي بكر ومَنْ حضَر من الصحابة، فاحتجوا بالحديث فيما لم يدل عليه، وأبطلوا العمل به في نفس ما دل عليه. واحتجوا لقولهم: إنَّ الإمام إذا صلَّى جالسًا لمرضٍ صلَّى المأمومون خلفه قيامًا بالخبر الصحيح عن النبي ﷺ : "أنه خرج فوجد أبا بكر يُصلِّي بالناس قائمًا، فتقدم النبي ﷺ وجلس وصلَّى بالناس؛ وتأخر أبو بكر" (١)، ثم خالفوا الحديث في نفس ما دل عليه، وقالوا: إنَّ تأخر الإمام لغير حدث، وتقدَّم الآخر بطلت صلاة الإمامين وصلاة جميع (٢) المأمومين. واحتجوا على بطلان صوم من أكل بظنه ليلًا فبان نهارًا بقوله ﷺ : "إنَّ بلالًا يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذّن ابنُ أمِّ مكتوم" (٣) ثم خالفوا الحديث في نفس ما دل عليه فقالوا: لا يجوز الأذان للفجر بالليل، لا في رمضان ولا في

стр. 1301

غيره. ثم خالفوه من وجه آخر (١)، فإن في نفس الحديث: "وكان ابنُ [أمِّ] (٢) مكتوم رجلًا أعمى لا يُؤذِّن حتى يُقال له: أصبحتَ أصبحتَ" (٣)، وعندهم مَنْ أكل في ذلك الوقت بطل صومه. واحتجوا على المنع من استقبال القبلة واستدبارها بالغائط بقول النبي ﷺ : "لا تستقبلوا القبلةَ بغائطٍ ولا بول ولا تستدبروها" (٤) وخالفوا الحديث نفسه وجوَّزوا استقبالها واستدبارها بالبول (٥). واحتجوا على [عدم] (٦) شرط الصوم في الاعتكاف بالحديث الصحيح عن عمر أنه نذر في الجاهلية أن يعتكف ليلة في المسجد الحرام، فأمره رسول اللَّه ﷺ أن يوفي بنذره (٧)، وهم لا يقولون بالحديث؛ فإنَّ عندهم أن نَذْر الكافر لا ينعقد، ولا يلزم الوفاء به بعد الإسلام. واحتجوا على الردِّ بحديث: "تحوزُ المرأةُ ثلاثَ مواريث: عَتيقَهَا،

стр. 1302

ولقيطَها، وولدَهَا الذي لَاعَنَتْ عليه" (١) ولم يقولوا بالحديث في حيازتها مال لقيطها، وقد قال به عمر بن الخطاب (٢) وإسحاق بن راهويه (٣)، وهو الصواب. واحتجوا في توريث ذوي الأرحام بالخبر الذي فيه "الْتمسوا له وارثًا أو ذَا رحم" فلم يجدوا، فقال: "أعطوه الكُبْرَ (٤) من خُزاعة" (٥) ولم يقولوا به في أن من

стр. 1303

لا وارثَ له يُعطى ماله الكُبْر (١) من قبيلته. واحتجوا في منع القاتل ميراث المقتول بخبر عمرو بن شُعيب عن أبيه عن جده: "لا يَرثْ قاتلٌ، ولا يُقْتل مؤمنٌ بكافر" (٢) فقالوا بأول الحديث دون آخره (٣).

стр. 1304

واحتجوا على جواز التَّيمم في الحَضَر مع وجود الماء للجنازة إذا خاف فوتها بحديث أبي جَهْم (١) بن الحارث في تيمم النبي ﷺ لرد السَّلام (٢)، ثم خالفوه فيما دل عليه في موضعين: أحدهما: أنه يتيمم بوجهه وكفيه دون ذراعيه. والثاني: أنهم لم يكرهوا رد السلام للمُحْدث ولم يستحبوا التيمم لرد السلام. واحتجوا في جواز الاقتصار في الاستنجاء على حَجَرين بحديث ابن مسعود: "أن رسول اللَّه ﷺ ذهب لحاجته وقال له: ائتني بأحجار، فأتاه بحجرين وروثة، فأخذ الحجرين وألقى الروثة وقال: هذه رِكْسٌ" (٣) ثم خالفوه فيما هو نص فيه، فأجازوا الاستجمار بالروث، واستدلوا به على ما لا يدل عليه من الاكتفاء بحجرين. واحتجوا على أن مس المرأة لا ينقض الوضوء بصلاة النبي ﷺ حاملًا أمامة بنت أبي العاص بن الربيع إذا قام حملها وإذا ركع أو سجد وضعها (٤)، ثم قالوا: مَنْ صلى كذلك بطلت صلاته وصلاة من ائتم به، قال بعض أهل العلم: ومن العجب إبطالهم هذه الصلاة وتصحيحهم الصلاة بقراءة: ﴿مُدْهَامَّتَانِ﴾ [الرحمن: ٦٤] بالفارسية ثم يركع قدر نَفَس، ثم يرفع قدر حد السيف، أو لا يرفع بل يخر كما هو ساجدًا، ولا يضع على الأرض يديه ولا رجليه، وإن أمكن أن لا يضع ركبتيه صح ذلك، ولا جبهته، بل يكفيه وضع رأس أنفه كقدر نَفَس واحد، ثم يجلس مقدار التشهد، ثم يفعل فعلًا ينافي الصلاة من فساء أو ضُراط أو ضحك أو نحو ذلك (٥). واحتجوا على تحريم وطء المسْبية والمملوكة قبل الاستبراء بقول النبي ﷺ :

стр. 1305

"لا تُوطأ حاملٌ حتى تَضعْ، ولا حائلٌ (١) حتى تُستبرأ (٢) بحيضة" (٣) ثم خالفوا صريحه فقالوا: إن أعتقها وزوَّجها وقد وطئها البارحة حل للزوج أن يطأها الليلة (٤). واحتجوا في ثبوت الحضانة للخالة بخبر بنت حمزة وأن رسول اللَّه ﷺ : "قضى بها لخالتِهَا" (٥) [ثم خالفوه] (٦) فقالوا: لو تزوجت الخالة بغير محرم للبنت كابن عمها سقطت حضانتُها (٧). واحتجوا على المَنْع من التفريق بين الأَخوين بحديث علي في نهيه عن التفريق بينهما (٨)،. . . .

стр. 1306

ثم خالفوه فقالوا: لا يرد المبيع (١) إذا وقع كذلك، وفي الحديث الأمر برده. واحتجوا على جريان القصاص بين المسلم والذمي بخبر روي أن النبي ﷺ أقاد يهوديًا من مسلم لطمه (٢). ثم خالفوه فقالوا: لا قَود في اللَّطمة والضربة لا بين مُسلمَيْن ولا بين مسلم وكافر.

стр. 1307

واحتجوا على أنه لا قصاص بين العبد وسيده بقوله ﷺ : "مَنْ لَطمَ عبده فهو حرٌّ" (١) ثم خالفوه فقالوا: لا يعتق بذلك، واحتجوا أيضًا بالحديث الذي فيه: "مَنْ مثّل بعبده عتق عليه" (٢) فقالوا: لم يُوجب عليه القَوَد، ثم قالوا: لا يعتق عليه. واحتجوا بحديث عمرو بن شُعيب [عن أبيه عن جده] (٣): "في العينِ نصفُ الدِّية" (٤) ثم خالفوه في عدة مواضع: منها قوله: "وفي العين القائمة السادة لموضعها ثُلثُ الدِّية" (٥)، ومنها قوله: "في السنِّ السوداء ثلث الدية" (٥). واحتجوا على جواز تفضيل بعض الأولاد على بعض بحديث النُّعمان بن بَشير وفيه: "أشهِدْ على هذا غيري" (٦) ثم خالفوه صريحًا (٧) فإن في الحديث نفسه: "إن هذا لا يصلُح" (٨) وفي لفظ: "إني لا أشهدُ على جَوْر" (٨) فقالوا: بل

стр. 1308

هذا يصلح وليس بجور، ولكل أحد أن يشهد عليه (١). واحتجوا على أن النجاسة تزول بغير الماء من المائعات بحديث: "إذا وطئ أحدُكُم الأذى بنعليهِ فإنَّ التُّرابَ لهما طهور" (٢) ثم خالفوه فقالوا: لو وطئ العذرة

стр. 1309

بخفيه لم يطهرهما التراب (١). واحتجوا على جواز المسح على الجبيرة بحديث صاحب الشّجّة (٢)، ثم خالفوه صريحًا فقالوا: لا يجمع بين الماء والتراب، بل إما أن يقتصر على غسْل الصحيح إن كان أكثر، ولا يتيمم، وإما أن يقتصر على التيمم إن كان الجريح أكثر، ولا يغسل الصحيح. واحتجوا على جواز تولية أُمراء أو حُكَّام أو متولين مرتبين (٣) واحدًا بعد واحد بقول النبي ﷺ : "أميرُكُم زيد، فإن قُتلَ زيدٌ فجعفر، فإن قتل فعبد اللَّه بن رواحة" (٤) ثم خالفوا الحديث نفسه فقالوا: لا يصح تعليق الولاية بالشرط، ونحن نشهد باللَّه أن هذه الولاية من أصح ولاية على وجه الأرض، وأنها أصح من كل ولاياتهم من أولها إلى آخرها. واحتجوا على تضمين المُتْلِفِ ما أتلفه ويملك هو ما أتلفه بحديث القصعة التي كسرتها إحدى أمهات المؤمنين، فردّ النبي ﷺ على صاحبة القصعة نظيرتها (٥)، ثم خالفوه جهارًا فقالوا: إنما يضمن بالدراهم والدنانير ولا يضمن بالمثل. واحتجوا على ذلك أيضًا بخبر الشاة التي ذُبحت بغير إذن صاحبها، وأن النبي ﷺ لم يَرُدَّها على صاحبها (٦)، ثم خالفوه صريحًا، فإن النبي ﷺ لم يملِّكها الذابح، بل أمر بإطعامها الأسارى. واحتجوا في سقوط القطع بسرقة الفواكه وما يُسْرع إليه الفساد بخبر: "لا قَطْعَ في ثَمَرٍ ولا كَثَر" (٧) ثم خالفوا الحديث نفسه في عدة مواضع: أحدها: أن

стр. 1310

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1311

فيه: "فإذا آواه إلى الجَرِين ففيه القطع" (١) وعندهم لا قطع فيه آواه إلى الجرين أو لم يؤوه، الثاني: أنه قال: "إذا بلغ ثمن المِجَنِّ" (٢) وفي "الصحيح" أن ثمن المجن

стр. 1312

كان ثلاثة دراهم (١)، وعندهم لا يُقطع في هذا القدر، الثالث: أنهم قالوا: ليس الجرين حِرزًا؛ فلو سرق منه تمرًا (٢) يابسًا ولم يكن هناك حافظ لم يقطع (٣). واحتجوا في مسألة الآبق يأتي به الرجل أن له أربعين درهمًا بخبرٍ فيه: "أن من جاء بآبقٍ من خارج الحرم فله عشرة دراهم أو دينارًا" (٤)، وخالفوه جهرة فأوجبُوا أربعين (٥).

стр. 1313

واحتجوا أنَّ (١) خيار لشفعة على الفور بحديث ابن البَيْلمانيّ: "الشُّفعةُ كحلِّ العِقَال، ولا شُفعَة لصغيرٍ ولا لغائبٍ" (٢)، و"مَنْ مثَّل بعبده فهو حُرٌّ" (٣) فخالفوا جميع ذلك إلا قوله: "الشفعة كحل العقال". واحتجوا على امتناع القود بين الأب والابن والسيد والعبد بحديث: "لا يُقاد والدٌ بولده ولا سَيِّدٌ بعبده" (٤). . . .

стр. 1314

وخالفوا الحديث نفسه فإن فيه (١): "ومَن مَثَّل بعبده فهو حر" (٢). واحتجوا على أن الولد يلحق بصاحب الفراش دون الزاني بحديث ابن وليدة زمعة (٣) وفيه: "الولد للفِرَاش" (٤) ثم خالفوا الحديث نفسه صريحًا فقالوا: الأمة لا تكون فراشًا (٥)، وإنما كان هذا القضاء في أمة، ومن العجب أنهم قالوا: إذا عقد على أُمِّه وابنته وأخته ووطئها لم يُحد للشُبهة، وصارت فراشًا بهذا العقد الباطل المحرم، وأم ولده وسُرِّيته التي يطؤها ليلًا ونهارًا ليست فراشًا [له] (٦)!. ومن العجائب أنهم احتجوا على جواز صوم رمضان بنية يُنشؤها من النهار قبل الزوال بحديث عائشة "أن النبي ﷺ كان يدخل عليها فيقول: هل من غَدَاء؟ فتقول: لا، فيقول: فإني صائم" (٧) ثم قالوا: لو فعل ذلك في صوم تطوع (٨) لم يصح صومه، والحديث إنما هو في التطوع نفسه (٩).

стр. 1315

واحتجوا على المنع من بيْع المُدبَّر بأنه قد انعقد فيه سبب الحرية، وفي بيعه إبطال لذلك، وأجابوا عن بيع النبي ﷺ المدبر (١) بأنه قد باع خدمته. ثم قالوا: لا يجوز بيع خدمة المدبر أيضًا. واحتجوا على إيجاب الشفعة في الأراضي والأشجار التابعة لها بقوله: "قضى رسولُ اللَّه بالشفعة في كل شرك في ربعةٍ أو حائط" (٢) ثم خالفوا نص الحديث نفسه، فإن فِيه: "ولا يحلُّ له أن يَبيعَ حتى يُؤذِن شريكه، فإن باع ولم يؤْذِنه فهو أحقُّ به" فقالوا: يحل له أن يبيع قبل إذنه، ويحل له أن يتحيَّل لإسقاط الشفعة، وإن باع بعد إذن شريكه فهو أحق أيضًا بالشفعة، ولا أثر للاستئذان ولا لعدمه. واحتجوا على المنع من بيع الزيت بالزيتون إلا بعد العلم بأن ما في الزيتون من الزيت أقل من الزيت المفرد بالحديث الذي فيه النهي عن بيع اللحم بالحيوان (٣)، ثم خالفوه نفسه، فقالوا: يجوز بيع اللحم بالحيوان من نوعه وغير نوعه. واحتجوا على أن عطية المريض المنَجَّزة كالوصية لا تنفذ إلا في الثلث بحديث عِمران بن حصين أن رجلًا أعتق ستة مملوكين عند موته لا مالَ له سواهم، فجزأهم النبي ﷺ ثلاثة أجزاء وأقرع بينهم، فأعتق اثنين وأرقَّ أربعة (٤). ثم خالفوه في موضعين؛ فقالوا: لا يُقرع بينهم ألبتَّة، ويُعتق من كل واحد سدسه (٥).

стр. 1316

وهذا كثير جدًا، والمقصود أن التقليد حَكَم عليكم بذلك، وقادكم إليه قهرًا، ولو حكَّمتم الدليلَ على التقليد لم تقعوا في مثل هذا؛ فإن هذه الأحاديث إن كانت حقًا وجب الانقياد لها، والأخذ بما فيها، وإن لم تكن صحيحةً لم يؤخذ بشيء مما فيها، فأما أن تُصحح ويُؤخذ بها فيما وافق قول المتبوع، وتضعف أو ترد إذا خالفت قوله، أو تؤول؛ فهذا من أعظم الخطأ والتناقض. فإن قلتم: عارض ما خالفناه منها ما هو أقوى منه، ولم يُعارض ما وافقناه منها ما يوجب العدول عنه وإطراحه. قيل: لا تخلو هذه الأحاديث وأمثالها أن تكون منسوخة أو محكمة، فإن كانت منسوخة لم يُحتج بمنسوخٍ ألبتة، وإن كانت محكمة لم يجز مخالفة شيء منها ألبتة. فإن قيل: هي منسوخة فيما خالفناها فيه، ومحكمة فيما وافقناها فيه. قيل: هذا مع أنه ظاهر البطلان يتضمن ما (١) لا علم لمدَّعيه به، قائل ما لا دليل عليه (٢)، فأقَلُّ ما فيه أن مُعارضًا لو قلب عليه هذه الدعوى بمثلها سواء لكانت دعواه من جنس دعواه، ولم يكن بينهما فرق، [ولا فرق] (٣)، وكلاهما مدع ما لا يمكنه إثباته؛ فالواجب اتِّباع سنن رسول اللَّه ﷺ وتحكيمها والتحاكم إليها حتى يقوم الدليل القاطع على نسْخ المنسوخ منها، أو تُجمع الأمة على العمل بخلاف شيء منها، وهذا الثاني محال قطعًا؛ فإن الأمة وللَّه الحمد لم تجمع على ترك العمل بسنة واحدة، إلا سنة ظاهرة النسخ معلوم للأمة ناسخها، وحينئذ يتعين العمل بالناسخ دون المنسوخ، وأما أن تُترك السنن لقول أحدٍ من الناس فلا، كائنًا من كان، وباللَّه التوفيق. [خالف المقلدون أمر اللَّه ورسوله وأئمتهم] الوجه العشرون: أن فرقة التقليد قد ارتكبت مخالفة أمر اللَّه وأمر رسوله وهدي أصحابه وأحوال أئمتهم، وسلكوا ضد طريق أهل العلم، أما أَمرُ اللَّه فإنه أمر برد ما تنازع فيه المسلمون إليه وإلى رسوله، والمقلدون قالوا: إنما نرده إلى

стр. 1317

من قلَّدناه؛ وأما أمر رسوله فإنه ﷺ أمر عند الاختلاف بالأخذ بسنته وسنة خلفائه الراشدين المهديين، وأمر أن يُتمسكَ بها، ويُعَضَّ عليها بالنَواجِذ (١)، وقال المقلِّدون: بل عند الاختلاف نتمسك بقول من قلَّدناه، ونقدمه على كل ما عداه، وأما هدْي الصحابة فمن المعلوم بالضرورة أنه لم يكن فيهم شخص واحد يقلد رجلًا واحدًا في جميع أقواله، ويخالف من عداه من الصحابة بحيث لا يردُّ من أقواله شيئًا، ولا يقبل من أقوالهم شيئًا، وهذا من أعظم البِدع وأقبح الحوادث؛ وأما مخالفتهم لأئمتهم فإن الأئمة نهوْا عن تقليدهم وحذروا منه كما تقدم ذكر بعض ذلك عنهم. وأما سلوكهم ضد طريق أهل العلم فإن طريقهم طلب أقوال العلماء وضبطها والنظر فيها وعرضها على القرآن والسنن الثابتة عن رسول اللَّه ﷺ وأقوال خلفائه الراشدين، فما وافق ذلك [منها] (٢) قبلوه، ودانوا اللَّه به، وقضوا به، وأفتوا به، وما خالف ذلك منها لم يلتفتوا إليه، وردُّوه، وما لم يتبيَّن لهم كان [عندهم] (٣) من مسائل الاجتهاد التي غايتها أن تكون سائغة الاتباع لا واجبة الاتباع، من غير أن يلزموا بها أحدًا، ولا يقولوا: إنها الحق دون ما خالفها، هذه طريقة أهل العلم سلفًا وخلفًا. [الخلف قلبوا أوضاع الدين] وأما هؤلاء الخلف فعكسوا الطريق، وقلبوا أوضاع الدين، فزيَّفُوا كتاب اللَّه وسنة رسوله وأقوال خلفائه و [جميع] (٤) أصحابه، فعرضوها على أقوال من قلدوه، فما وافقها منها قالوا: لنا، وانقادوا له مُذْعنين، وما خالف أقوال متبوعيهم (٥) منها قالوا: احتج الخصم بكذا وكذا، ولم يقبلوه، ولم يدينوا به. واحتالَ فُضَلاؤهم في ردِّها بكل ممكن، وتطلَّبوا لها وجه الحِيل التي تردها، حتى إذا كانت موافقة لمذاهبهم وكانت تلك الوجوه بعينها قائمة فيها شنَّعوا على منازعهم، وأنكروا عليه ردَّها بتلك الوجوه بعينها، وقالوا: لا تُرد النصوص بمثل هذا، ومن له همةٌ تسمو إلى اللَّه ومرضاته ونصرِ (٦) الحق الذي

стр. 1318

بعث [اللَّه] (١) به رسوله أين كان ومع من كان لا يرضى لنفسه بمثل هذا المسلك الوخيم والخُلُق الذميم. [ذم اللَّه الذين فرقوا دينهم] الوجه الحادي والعشرون: أن اللَّه سبحانه ذمَّ الذين فرَّقوا دينهم وكانوا شِيعًا: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ (٢) [الروم: ٣٢] وهؤلاء هم أهل التقليد بأعيانهم، بخلاف أهل العلم؛ فإنهم وإن اختلفوا لم يُفرقوا دينهم ولم يكونوا شيعًا، بل شيعة واحدة متفقة على طلب الحق، وإيثاره عند ظهوره، وتقديمه على كل ما سواه، فهم طائفة واحدة قد اتفقت مقاصدُهُم وطريقهم؛ فالطريق واحد، والقصد واحد، والمقلدون بالعكس: مقاصدُهم شَتَّى، وطُرُقهم مختلفة، فليسوا مع الأئمة في القصد ولا في الطريق. [ذم اللَّه الذين تقطعوا أمرهم زبرًا] الوجه الثاني والعشرون: أن اللَّه سبحانه ذم الذين تقطَّعوا أَمرَهم بينهم زبرًا: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: ٣٢]، والزُّبُر: الكتب المصنفة التي رغبوا بها عن كتاب اللَّه وما بعث اللَّه به رسوله، فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١) وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (٥٢) فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: ٥١ - ٥٣] فأمر سبحانه الرسل بما أمر به أممهم: أن يأكلوا من الطيبات، وأن يعملوا صالحًا، وأن يعبدوه وحده، وأن يطيعوا أمره وحده، وأن لا يتفرقوا في الدين؛ فمضت الرسل وأتباعهم على ذلك، ممتثلين لأمر اللَّه، قابلين لرحمته، حتى نشأت خُلوف قطَّعوا أمرهم [بينهم] (٣) زبرًا كل حزب بما لديهم فرحون، فمن تدبَّر هذه الآيات ونزَّلها على الواقع تبين له حقيقة الحال، وعلم من أي الحزبين هو، واللَّه المستعان. الوجه الثالث والعشرون: أن اللَّه سبحانه قال: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٤] فخصَّ هؤلاء بالفلاح دون من عداهم، والداعون إلى الخير هم الداعون إلى كتاب اللَّه وسنة رسوله، لا الداعون إلى رأي فلان وفلان.

стр. 1319

[ذم اللَّه من أعرض عن التحاكم إليه] الوجه الرابع والعشرون: أن اللَّه سبحانه ذم من إذا دُعي إلى اللَّه و [إلى] (١) رسوله أعرض ورضي بالتحاكم إلى غيره، وهذا شأن أهل التقليد، قال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ [النساء: ٦١] فكلُّ من أعرض عن الداعي له إلى ما أَنزلَ اللَّه ورسوله إلى غيره فله نصيبٌ من هذا الذم؛ فمستقل ومستكثر (٢). [الحق في واحد من الأقوال] الوجه الخامس (٣) والعشرون: أن يقال لفرقة التقليد: "دينُ اللَّه عندكم واحد وهو (٤) في القول وضده، فدينه هو الأقوال المختلفة المتضادة التي يُناقض بعضها بعضًا، ويُبطل بعضها بعضًا، كلها دين اللَّه"؟ فإن قالوا: "بل (٥)، هذه الأقوال المتضادة المتعارضة التي يناقض بعضها بعضًا كلها دين اللَّه" خرجوا عن نصوص أئمتهم؛ فإن جميعهم على أن الحق واحد من الأقوال، كما أن القبلة في جهة من الجهات، وخرجوا عن نصوص القرآن والسنة والمعقول والصريح، وجعلوا دين اللَّه تابعًا لآراء الرجال. فإن قالوا: "الصواب الذي لا صواب غيره أن دين اللَّه واحد، وهو ما أنزل اللَّه به كتابه وأرسل به رسوله وارتضاه لعباده، كما أن نبيَّه واحدٌ وقبلته واحدة، فمن وافقه فهو المصيب وله أجران، ومن أخطأه فله أجر واحد على اجتهاده لا على خطئه". قيل [لهم] (٦): فالواجب إذن طلب الحق، وبذْلُ الاجتهاد في الوصول إليه بحسب الإمكان؛ لأن اللَّه سبحانه أوجب على الخلق تقواه بحسب الاستطاعة. وتقواه: فِعل ما أمر به وترك ما نهى عنه؛ فلا بد أن يعرف العبد ما أمر به ليفعله وما نهي عنه ليجتنبه وما أبيح له ليأتيه. ومعرفة هذا لا تكون إلا بنوع اجتهاد وطلبٍ وتحرٍّ للحق، فإذا لم يأت بذلك فهو في عُهْدة الأمر، ويلقى اللَّه ولمّا يقْضِ ما أمره.

стр. 1320

[دعوة رسول اللَّه عامة] الوجه السادس والعشرون: أن دعوة رسول اللَّه ﷺ عامة لمن كان في عصره ولمن يأتي بعده إلى يوم القيامة، والواجب على مَنْ بعد الصحابة هو الواجب عليهم بعينه، وإن تنوعت صفاتُه وكيفيّاتُه باختلاف الأحوال. ومن المعلوم بالاضطرار أن الصحابة لم يكونوا يَعْرضون ما يسمعون منه ﷺ على أقوال علمائهم، بل لم يكن لعلمائهم قولٌ غير قوله، ولم يكن أحدٌ منهم يتوقف في قبول ما سمعه منه على موافقة موافق أو رأي ذي رأي أصلًا، وكان هذا هو الواجب الذي لا يتمُّ الإيمان إلا به، وهو بعينه الواجب علينا وعلى سائر المكلفين إلى يوم القيامة. ومعلوم أن هذا الواجب لم يُنسخ بعد موته، ولا هو مختص بالصحابة؛ فمن خرج عن ذلك فقد خرج عن نفس ما أوجبه اللَّه ورسوله. [الأقوال لا تنحصر وقائلوها غير معصومين] الوجه السابع والعشرون: أن أقوال العلماء وآراءهم لا تَنضبط ولا تنحصر، ولم تُضمن لها العصمة إلا إذا اتفقوا ولم يختلفوا؛ فلا يكون اتفاقهم إلا حقًا، ومن المحال أن يُحيل (١) اللَّه ورسوله على ما لا ينضبط ولا ينحصر، ولم يَضمن لنا عصمته من الخطأ، ولم يُقم لنا دليلًا على أن أحد القائلين أولى بأن نأخذ قوله كله من الآخر، بل يترك قول هذا كله ويؤخذ قول هذا كله، هذا محال أن يَشرعَه اللَّه أو يَرضى به إلا إذا كان أحد القائلين رسولًا والآخر كاذبًا على اللَّه فالفرض حينئذ ما يعتمدهُ هؤلاء المقلدون مع متبوعيهم (٢) ومخالفيهم. [العِلْمُ يَقِلُّ] الوجه الثامن والعشرون: أن النبي ﷺ قال: "بدأ الإسلام غريبًا، وسيعود غريبًا كما بدأ" (٣) وأخبر أن العلم يقل، فلا بد من وقوع ما أخبر به الصادق، ومعلوم أن كُتَب المقلِّدين قد طَبَّقت شرق الأرض وغربها، ولم تكن في وقت قط أكثر منها في هذا الوقت، ونحن نراها في كل عام في ازدياد وكثرة، والمقلدون يحفظون منها ما يمكن حفظه بحروفه، وشهرتها في الناس خلاف الغربة، بل هي المعروف الذي لا يعرفون غيره؛ فلو كانت هي العلم الذي بعث اللَّه به رسوله

стр. 1321

لكان الدين كل وقت في ظهور وزيادة والعلم (١) في شهرة وظهور، وهو خلاف ما أخبر به الصادق. الوجه التاسع والعشرون: أن الاختلافَ كثيرٌ في كتب المقلدين وأقوالهم، وما كان من عند اللَّه فلا اختلافَ فيه، بل هو حق يُصدِّق بعضُه بعضًا، ويشهد بعضه لبعض، وقد قال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢]. الوجه الثلاثون: أنه لا يجب على العبد أن يقلد زيدًا دون عمرو، بل يجوز له الانتقال من تقليد هذا إلى تقليد [هذا] (٢) الآخر عند المقلدين، فإن كان قول من قلّده أولًا هو الحق لا سواه فقد جوّزتم له الانتقال عن الحق إلى خلافه، وهذا محال، وإن كان الثاني هو الحق وحده فقد جوزتم الإقامة على خلاف الحق. وإن قلتم: "القولانِ المتضادانِ المتناقضانِ حقٌّ" فهو أشدُّ إحالةً، ولا بد لكم من قسم من هذه الأقسام الثلاثة. الوجه الحادي والثلاثون: أن يُقال للمقلِّد: بأي شيء عرفت أنّ الصواب مع من قلدته دون من لا تقلده؟ فإن قال: "عرفته بالدليل" فليس بمقلد، وإن قال: "عرفته تقليدًا له؛ فإنه أفتى بهذا القول ودَانَ به وعِلْمُه ودينه وحسن ثناء الأمة عليه يمنعه أن يقولَ غير الحق" قيل له: أفمعصوم هو عندك أم يجوز عليه الخطأ؟ فإن قال بعصمته أبْطل، وإن جَوَّز عليه الخطأ قيل له: فما يؤمِّنُك أن يكونَ قد أخطأ فيما قلدته فيه وخالف فيه غيره؟ فإن قال: وإن أخطأ فهو مأجور، قيل: أجل هو مأجور لاجتهاده، وأنت غير مأجور لأنك لم تأت بموجَب الأجر، بل قد فَرَّطت في الإتِّباع الواجب فأنت إذن مأزور. فإن قال: كيف يأجُرُه اللَّه على ما أفتى به ويمدحُه عليه ويذم المستفتي على قبوله منه؟ وهل يُعقل هذا؟ قيل له: المستفتي إن هو قصّر وفرّط في معرفته الحق مع قدرته عليه لَحِقَه الذم والوعيد، وإن بَذَلَ جُهده ولم يقصِّر فيما أُمِر به واتقى اللَّه ما استطاع فهو مأجور أيضًا. وأما المتعصب الذي جعل قول متبوعه عيارًا على الكتاب والسنة وأقوال الصحابة يزنُها به فما وافق قول متبوعه منها قبله وما خالفه رده، فهذا إلى الذم والعقاب أقرب منه إلى الأجر والثواب (٣)؛ وإن قيل وهو الواقع: اتبعته وقلدته ولا أدري أعلى صواب هو

стр. 1322

أم لا، فالعهدة على القائل، وأنا حاكٍ لأقواله، قيل له: فهل تتخلص بهذا من اللَّه عند السؤال لك عما حكمت به بين عباد اللَّه وأفتيتهم به، فواللَّه إن للحُكَّام والمفتين لموقفًا للسؤال لا يتخلص فيه إلا من عرف الحق وحكم به وأفتى به (١) وأما مَنْ عَدَاهما فسيعلم عند انكشاف الحال أنه لم يكن على شيء. [ما علة إيثار قول على قول ؟] الوجه الثاني والثلاثون: أن نقول: أخذتم بقول فلان لأن فلانًا قاله أو لأن رسول اللَّه ﷺ قاله؟ فإن قلتم: لأن فلانًا قاله؛ جعلتم قول فلان حجة، وهذا عين الباطل، وإن قلتم: لأن رسول اللَّه ﷺ قاله؛ كان هذا أعظم وأقبح؛ فإنه مع تضمُّنه للكذب على رسول اللَّه ﷺ وتقويلِكم عليه ما لم يقله، وهو أيضًا كذب على المتبوع فإنه لم يَقُل: هذا قول رسول اللَّه ﷺ ؛ فقد دار قولكم بين أمرين لا ثالث لهما: إما جعلُ قولِ غير المعصوم حجة، وإما تقويلُ المعصوم ما لم يقله، ولا بد من واحد من الأمرين. فإن قلتم: "بل منهما بد، وبقي قسم ثالث، وهو أَنَّا قُلنا كذا لأنَّ رسول اللَّه ﷺ أمرنا أن نتبع من هو أعلم منا، ونسأل أهل الذكر إن كنا لا نعلم، ونرد ما لم نعلمه إلى استنباط أولي العلم؛ فنحن في ذلك مُتبعون ما أَمَرنا به نبيُّنا" قيل: وهل نُدندن إلا حول اتباع أمره ﷺ ، فحيْهلا بالموافقة على هذا الأصل الذي لا يتُّم الإيمان والإسلام إلا به، فنناشِدُكم بالذي أرسله إذا جاء أمره وجاء قول مَنْ قلَّدتموه هل تتركون قوله لأمره ﷺ وتضربون به الحائط وتحرِّمون الأخذ به والحالة هذه حتى تتحقق المتابعة كما زعمتم، أو تأخذون بقوله وتُفوِّضون أمر الرسول ﷺ إلى اللَّه، وتقولون: هو أعلم برسول اللَّه ﷺ مِنَّا، ولم يخالف هذا الحديث إلا وهو عنده منسوخ أو مُعارض بما هو أقوى منه أو غير صحيح عنده؟ فتجعلون قول المتبوع مُحْكمًا وقول الرسول متشابهًا؛ فلو كنتم قائلين بقوله لكون الرسول أمركم [بالأخذ بقوله لقدّمتم قول الرسول أين كان. ثم نقول في الوجه الثالث والثلاثين (٢): وأين أَمرَكم الرسول] (٣) بأخذ قول

стр. 1323

واحد من الأُمَّة بعينه، وترك قول نظيره ومن هو أعلم منه وأقرب إلى الرسول؟ وهل هذا إلا نسبة لرسول اللَّه ﷺ إلى أنه أَمَر بما لم يأمر به قط؟!. يوضحه الوجه الرابع والثلاثون: أن ما ذكرتم بعينه حجة عليكم، فإن اللَّه سبحانه أمر بسؤال أهل الذكر، والذكر هو القرآن والحديث الذي أمر اللَّه نساء نبيه أن يذكرنه بقوله: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: ٣٤] فهذا هو الذكر الذي أمرنا اللَّه باتِّباعه، وأمر من لا علم عنده أن يسأل أهله، وهذا هو الواجب على كل أحد أن يسأل أهل العلم بالذكر الذي أنزله على رسوله ليخبروه به، فإذا أخبروه به لم يسعه غيرَ أتباعه، وهذا كان شأنُ أئمةِ أهل العلم لم يكن لهم مُقلَّد معين يتبعونه في كل ما قال؛ فكان عبد اللَّه بن عباس يسأل الصحابة عما قاله رسول اللَّه ﷺ أو فَعَله أو سَنَّة، لا يسألهم عن غير ذلك (١)، وكذلك الصحابة كانوا يسألون أمهات المؤمنين خصوصًا عائشة (٢) عن فعل رسول اللَّه ﷺ في بيته، وكذلك التابعون كانوا يسألون الصحابة عن شأن نبيهم فقط، وكذلك أئمة الفقه كما قال الشافعي لأحمد: يا أبا عبد اللَّه، أنت أعلم بالحديث مني؛ فإذا صح الحديث فأعلمني حتى أذهب إليه شاميًا كان أو كوفيًا أو بصريًا (٣)، ولم يكن أحد من أهل العلم قط يسأل عن رأي رجل بعينه ومذهبه فيأخذ به وحده ويخالف ما سواه (٤). الوجه الخامس والثلاثون: أن النبي ﷺ إنما أرشد المستفتين (٥) لصاحب الشّجَّة بالسؤال عن حكمه وسنته، فقال: "قَتَلوه قَتلَهم اللَّه" (٦) فدعا عليهم لما أفْتَوا بغير علم، وفي هذا تحريم الإفتاء بالتقليد، فإنه ليس عِلْمًا باتفاق الناس فإن ما دعا رسول اللَّه ﷺ على فاعِلِه فهو حرامٌ، وذلك أحد أدلة التحريم؛ فما احتجَّ به المقلدون هو من أكبر الحجج عليهم واللَّه الموفق، وكذلك سؤال أبي العسيف (٧) الذي زَنَى بامرأةِ مستأجرِه لأهل العلم؛ فإنهم لمَّا أخبروه بسنة رسول اللَّه ﷺ في البكر الزاني أقرَّه على ذلك ولم ينكره؛ فلم يكن سؤالهم عن رأيهم ومذاهبهم.

стр. 1324

[حديث الكلالة بين الصدِّيق والفاروق] الوجه السادس والثلاثون: قولهم: إن عمر قال في الكَلالة: إني لأستحيي من اللَّه أن أُخالفَ أبا بكر (١). [لم يكن عمر يقلد أبا بكر] وهذا تقليد منه له، فجوابه من خمسة أوجه (٢): أحدها: أنهم اختصروا الحديث وحذفوا منه ما يبطل استدلالهم [به] (٣)، ونحن نذكره بتمامه، قال شعبة عن عاصم الأحول عن الشعبي أن أبا بكر قال في الكلالة: "أقضي فيها برأيي، فإن يكن صوابًا فمن اللَّه، وإن يكن خطأ فمنِّي ومن الشيطان، واللَّه منه بريء، هو ما دون الولد والوالد" فقال عمر بن الخطاب ﵁: "إني لأستحي من اللَّه أن أخالف أبا بكر" (١) فاستحيا عمر من مخالفة أبي بكر في اعترافه بجواز الخطأ عليه، وأنه ليس كلامه كله صوابًا مأمونًا عليه الخطأ، ويدل على ذلك أن عمر بن الخطاب ﵁ أَقرَّ عند موته أنه لم يقْضِ في الكلالة بشيء، وقد اعترف أنه لم يفهمها (٤). [ما خالف فيه عمر أبا بكر] الوجه الثاني: أن خلاف عمر لأبي بكر أشهر من أن يُذكر كما خالفه في سبْي أهل الردة فسباهم أبو بكر وخالفه عمر وبلغ خلافه إلى ردِّهِنّ حرائر إلى

стр. 1325

أهلهن إلا مَنْ ولدت لسيِّدها منهن، ونَقَضَ حكمه (١)، ومن جملتهن خولة الحنفيِّة، أم محمد بن علي (٢)، فأين هذا من فعل المقلدين بمتبوعهم؟ وخالفه في أرض العنْوة فقسمها أبو بكر ووقفها عمر (٣)، وخالفه في المفاضلة في العطاء فرأى أبو بكر التسوية ورأى عمر المفاضلة (٤)، ومن ذلك مخالفته له في الاستخلاف وصَرَّح بذلك، فقال: إن أسْتخلِف فقد استخلفَ أبو بكر، وإن لم أستخلف فإن رسول اللَّه ﷺ لم يستخلف، قال ابن عمر: [فواللَّه] (٥) ما هو إلا أن ذَكَر رسولَ اللَّه ﷺ فعلمت أنه لا يعدل برسول اللَّه ﷺ أحدًا، وأنه غير مستخلف (٦)؛ فهكذا يفعل أهل العلم حين تتعارض عندهم سنة رسول اللَّه ﷺ وقول غيره، لا يعدلون بالسنة شيئًا سواها، لا كما يصرح به المقلِّدون صراحًا، وخلافه له في الجد والإخوة (٧) معلوم أيضًا.

стр. 1326

[عودة إلى الرد على المقلدة بعمل عمر] الثالث: أنه لو قُدِّر تقليد عمر لأبي بكر في كل ما قاله لم يكن في ذلك مستراح لمقلدي من هو بعد الصحابة والتابعين ممن لا يُداني الصحابة ولا يقاربهم، فإن كان كما زعمتم لكم أسوة بعمر فقلِّدوا أبا بكر واتركوا تقليد غيره، واللَّه ورسوله وجميع عباده يحمدونكم على هذا التقليد ما لا يحمدونكم على تقليد غير أبي بكر. الرابع: أن المقلدين لأئمتهم لم يستحيوا مما استحيا منه عمر؛ لأنهم يخالفون أبا بكر وعمر معه -ولا يستحيون من ذلك- لقول مَنْ قلَّدوه من الأئمة، بل قد صرَّح بعد غُلاتهم في بعض كتبة الأصولية أنه لا يجوز تقليد أبي بكر وعمر، ويجب تقليد الشافعي، فياللَّه العجب الذي أَوجبَ تقليد الشافعي وحَرَّم عليكم تقليد أبي بكر وعمر؟! ونحن نُشهد اللَّه علينا شهادة نُسأل عنها يوم نلقاه أنه إذا صحَّ عن الخليفتين الراشدين اللَّذين أَمرنا رسولُ اللَّه ﷺ باتباعهما والاقتداء بهما (١) قَولٌ وأطبق أهل الأرض على خلافه لم نلتفت إلى أحد منهم، ونحمد اللَّه [على] (٢) أن عَافَانا مما ابتلى به مَنْ حَرَّم تقليدهما وأوجب تقليد متبوعه من الأئمة. وبالجملة فلو صح تقليد عمر لأبي بكر لم يكن في ذلك راحة لمقلدي من لم يأمر اللَّه و [لا] (٣) رسوله بتقليده، ولا جعله عيارًا على كتابه وسنة رسوله (٤)، ولا هو جعل نفسه كذلك. الخامس: أن غاية هذا أن يكون عمر قد قَلَّد أبا بكر في مسألة واحدة، فهل في هذا دليل على جواز اتخاذ أقوال رجل بعينه بمنزلة نصوص الشارع [لا يُلتفت إلى قول [من] (٥) سواه بل ولا إلى نصوص الشارع] (٦) إلا إذا وافقت قوله (٧)؟ فهذا واللَّه هو الذي أجمعت الأمة على أنه مُحرَّم في دين اللَّه، ولم يظهر في الأُمّة إلا بعد انقراض القرون الفاضلة.

стр. 1327

[حجج إبطال التقليد] الوجه السابع والثلاثون: قولهم إن عمر قال لأَبي بكر: رأُينا لرأيك تَبَعٌ؛ فالظاهر أن المحتج بهذا سمع الناس يقولون كلمة تكفي العاقل فاقتصر من الحديث على هذه الكلمة، واكتفى بها، والحديث من أعظم الأشياء إبطالًا لقوله: ففي "صحيح البخاري" عن طارق بن شهاب قال: جاء وفْدُ بزاخة من أسد وغطفان إلى أبي بكر يسألون الصلح، فخيَّرهم بين الحرب المُجْلية (١) والسِّلم المخزية (٢)، فقالوا: هذه المجلية قد عرفناها فما المخزية؟ قال: ننزع منكم الحلقة والكُراع (٣)، ونغنم ما أصبنا لكم، وتردّون علينا (٤) ما أصبتم منا، وتدون لنا قتْلانا، وتكون قتلاكم في النار، وتتركون أقوامًا يتبعون أذناب الإبل حتى يُرِيَ اللَّه خليفة رسوله والمهاجرين أمرًا يعذرونكم به، فَعَرَضَ أبو بكر ما قال على القوم، فقام عمر بن الخطاب فقال: قد رأيت رأيًا سنشير عليك: أما ما ذكرت من الحرب المجلية والسلم المخزية فنعم ما ذكرت، وما ذكرت من أن نَغنَم ما أصبنا منكم وتردُّون ما أصبتم مِنَّا فنعمَ ما ذكرت، وأما ما ذكرت من [أن] (٥) تدُون قتلانا وتكون قتلاكم في النار؛ فإن قَتْلانا قَاتَلت فقُتلت على ما أمر اللَّه أجورها على اللَّه ليس لها دِيَّات، فتتابع القوم على ما قال عمر، فهذا هو الحديث الذي في بعض ألفاظه: "قد رأيت رأيًا ورأينا لرأيك تبع" (٦) فأي مستراحٍ في هذا لفرقة التقليد؟

стр. 1328

[لم يكن ابن مسعود يقلد عمر] الوجه الثامن والثلاثون: قولهم إن ابن مسعود كان يأخذ بقول عمر، فخلاف ابن مسعود لعمر أشهر من أن يُتكلَّف إيراده (١)، وإنما كان يوافقه كما يوافق العالم العالم، وحتى لو أخذ بقوله تقليدًا لعمر فإنما ذلك في نحو أربع مسائل نعدُّها، وكان من عُمَّاله وكان عمر أمير المؤمنين، وأما مخالفته له ففي نحو مئة مسألة: منها أن ابن مسعود صَحَّ عنه أن أم الولد تُعتق من نصيب ولدها (٢)، ومنها أنه كان يُطبِّق في الصلاة إلى أن مات (٣) وعمر كان يضع يديه على ركبتيه (٤)، ومنها أن ابن مسعود كان يقول في الحَرَام: هي يمينٌ (٥) وعمر

стр. 1329

يقول: طلقة واحدة (١)، ومنها أن ابن مسعود كان يُحرِّم نكاح الزانية على الزاني أبدًا (٢).

стр. 1330

وعمر كان يُتوِّبهما ويُنكح أحدهما الآخر (١)، ومنها أن ابن مسعود كان يرى بيع الأمة طلاقها (٢)،. . . .

стр. 1331

وعمر يقول: لا تَطْلُق بذلك (١)، إلى قضايا كثيرة (٢). [مكانة ابن مسعود بين الصحابة في علمه] والعجب أن المحتجين بهذا لا يرون تقليد ابن مسعود ولا تقليد عمر، وتقليد مالك وأبي حنيفة والشافعي أحبُّ إليهم وآثر عندهم، ثم كيف يُنسب إلى ابن مسعود تقليد الرجال وهو يقول: لقد علم أصحاب رسول اللَّه ﷺ أني أعلمهم بكتاب اللَّه، ولو أعلم أن أحدًا أعلم مني لرحلتُ إليه. قال شقيق: فجلستُ في حلقةٍ من أصحاب رسول اللَّه فما سمعتُ أحدًا يرد ذلك عليه (٣)، وكان يقول: والذي لا إله إلا هو ما من كتاب اللَّه سورة إلا وأنا أعلم حيث نَزَلت، وما من آية إلا وأنا أعلمُ فيما نَزَلت، ولوَ أعلم أحدًا هو أعلم بكتاب اللَّه منِّي تبلغه الإبل لركبتُ إليه (٤)، وقال أبو موسى الأشعري: كُنَّا حينًا وما نَرى ابنَ مسعود وأمه إلا من أهل بيت النبي ﷺ من كثرة دخولهم ولزومهم له (٥)، وقال أبو مسعود البَدْريّ،

стр. 1332

وقد قام عبد اللَّه بن مسعود: ما أعلمُ رسولَ اللَّه ﷺ ترك بعده أعلم بما أنزل اللَّه من هذا القائم، فقال أبو موسى: لقد كان يَشْهد إذا غبنا (١)، ويُؤْذن له إذا حُجبنا (٢)، وكتب عمر ﵁ إلى أهل الكوفة: إني بعثت إليكم عَمَّارًا أميرًا وعبد اللَّه معلمًا ووزيرًا، وهما من النُّجباء من أصحاب رسول اللَّه ﷺ من أهل بدر، فخذوا عنهما، واقتدوا بهما؛ فإني آثرتكم بعبد اللَّه على نفسي (٣)، وقد صح عن عمر أنه استفتى ابن مسعود في "ألبتَّة" وأخذ بقوله (٤)، ولم يكن ذلك تقليدًا له، بل لمّا سمع قوله فيما تبيَّن له أنه الصواب؛ فهذا هو الذي كان يأخذ به الصحابة من أقوال بعضهم بعضًا، وقد صح عن ابن مسعود أنه قال: اغْدُ عالمًا أو متعلمًا، ولا تكونن إمّعة (٥)، فأخرج الإمّعة -وهو المقلد- من زُمرة العلماء والمتعلمين، وهو كما قال ﵁؛ فإنه لا مع العلماء ولا مع المتعلمين للعِلْم والحجة، كما هو معروف ظاهر لمن تأمله. [لم يكن الصحابة يقلد بعضهم بعضًا] الوجه التاسع والثلاثون: قولهم: إن عبد اللَّه كان يدع قوله لقول عمر، وأبو موسى كان يدع قوله لقول علي، وزيد يدع قوله لقول أبي بن كعب (٦)، فجوابه أنهم لم يكونوا يدَعون ما يعرفون من السنة تقليدًا لهؤلاء الثلاثة كما تفعله فرقةُ التقليد، بل من تأمَّل سيرة القوم رأى أنهم كانوا إذا ظهرت لهم السنة لم يكونوا

стр. 1333

يدَعونها لقول أحد كائنًا من كان، وكان ابن عمر يدع قول عمر إذا ظهرت له السنة، وابن عباس يُنكر على من يُعارض ما بلغه من السنة بقوله: قال أبو بكر وعمر، ويقول: يوشك أن تنزلَ عليكم حجارةٌ من السماء، أقول: قال رسول اللَّه ﷺ ، وتقولون: قال أبو بكر وعمر (١)!! فرحم اللَّه ابن عباس ورضي عنه، فواللَّه لو شاهد خَلَفَنا هؤلاء الذين إذا قيل لهم: قال رسول اللَّه ﷺ ؛ قالوا: قال فلانٌ وفلان، لمن لا يُداني الصحابةَ ولا قريبًا من قريب، وإنما كانوا يدَعون أقوالهم لأقوال هؤلاء لأنهم يقولون القول ويقول هؤلاء؛ فيكون الدليل معهم فيرجعون إليهم ويدعون أقوالهم، كما يفعل أهل العلم الذين هو أحبُّ إليهم مما سواه، وهذا عكس طريقة فرقة أهل التقليد من كل وجه، وهذا هو الجواب عن قول مسروق: ما كنت أدع قول ابن مسعود لقول أحد من الناس (٢). [معنى أمر رسول اللَّه باتباع معاذ] الوجه الأربعون: قولهم: إن النبي ﷺ قال: "قد سَنَّ لكم معاذٌ فاتبعوه" (٣) فعجبًا لمحتج بهذا على تقليد الرجال في دين اللَّه، وهل صار ما سَنَّه معاذ سنة إلا بقوله ﷺ : "فاتبعوه" كما صار الأذان سنة بقوله وإقراره وشرعه (٤)، لا بمجرد المنام.

стр. 1334

فإن قيل: فما معنى الحديث؟ قيل: معناه أن معاذًا فعل فعلًا جعله اللَّه لكم سنة، وإنما صار سنة لنا حين أمر به النبي ﷺ ، لا لأن معاذًا فعله فقط، وقد صح عن معاذ أنه قال: كيف تصنعون بثلاث: دنيا تقطعُ أعناقَكُم، وزلَّةِ عالم، وجدالِ منافق بالقرآن؛ فأما العالم فإن اهتدى فلا تقلِّدوه دينكم وإن افتتن فلا تقطعوا منه إياسكم فإن المؤمن يفتتن (١) ثم يتوب، وأما القرآن فإن له منارًا كمنار الطريق لا يخفى على أحد؛ فما عَلِمتم منه فلا تسألوا عنه أحدًا، وما لم تعلموه فكِلوه إلى عالمه، وأما الدنيا فمن جعل اللَّه غِناه في قلبه فقد أفلح ومن لا فليست بنافعته دنياه (٢)، فصدع ﵁ بالحق، ونهى عن التقليد في كل شيء، وأمر باتباع ظاهر القرآن، وأن لا يُبالي بمن خالف فيه، وأمر بالتوقف فيما أشكل، وهذا كله خلاف طريقة المقلدين، وباللَّه التوفيق.

стр. 1335

[طاعة أولي الأمر] الوجه الحادي والأربعون: قولكم: إن اللَّه سبحانه أمر بطاعة أولي الأمر وهم العلماء، وطاعتهم تقليدهم فيما يفتون به؛ فجوابه أن أولي الأمر قد قيل: هم الأمراء، وقيل: هم العلماء (١)، وهما روايتان عن الإمام أحمد، والتحقيق أن الآية تتناول الطائفتين، وطاعتهم من طاعة الرسول، لكن خفي على المقلدين أنهم إنما يُطاعون في طاعة اللَّه إذا أَمروا بأمر اللَّه ورسوله؛ فكان العلماءُ مبلِّغين لأمر الرسول، والأمراء منفِّذين له، فحينئذ تجب طاعتهم تبعًا لطاعة اللَّه ورسوله، فأين في الآية تقديم آراء الرجال على سنة رسول اللَّه ﷺ وإيثار التقليد عليها؟! الوجه الثاني والأربعون: أن هذه الآية من أكبر الحجج عليكم (٢)، وأعظمها إبطالًا للتقليد، وذلك من وجوه: أحدها: الأمر بطاعة اللَّه التي هي امتثال أمره واجتناب نهيه. الثاني: طاعة رسوله، ولا يكون العبد مطيعًا للَّه ورسوله حتى يكون عالمًا بأمر اللَّه ورسوله، ومن أقرَّ على نفسه بأنه ليس من أهل العلم بأوامر اللَّه ورسوله وإنما هو مقلد فيها لأهل العلم لم يمكنه تحقيق طاعة اللَّه ورسوله ألبتة. الثالث: أن أولي الأمر قد نهوْا عن تقليدهم كما صح ذلك عن معاذ بن جبل وعبد اللَّه بن مسعود وعبد اللَّه بن عمر وعبد اللَّه بن عباس وغيرهم من الصحابة (٣)، وذكرناه نصًا عن الأئمة الأربعة وغيرهم (٣)، وحينئذ فطاعتهم في ذلك إن كانت واجبة بطل التقليد، وإن لم تكن واجبة بطل الاستدلال. الرابع: أنه سبحانه قال في الآية نفسها: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩] وهذا صريحٌ في إبطال التقليد، والمنعُ من ردِّ المتنازع فيه إلى رأي أو مذهب أو تقليد. فإن قيل: فما هي طاعتُهُم المختصة بهم؛ إذ لو كانوا إنما يُطاعون فيما يخبرون به عن اللَّه ورسوله كانت الطاعة للَّه ورسوله لا لهم؟ قيل: وهذا هو الحق، وطاعتهم إنما هي تبع لا استقلال، ولهذا قَرَنَها بطاعة الرسول ولم يُعد العامل، وأفرد طاعة الرسول وأعاد العامل لئلا يتوهم أنه
следующие страницы →