← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17798

إعلام الموقعين عن رب العالمين - ت مشهور

ابن القيم

Полный текст (3 107 стр.). Показаны 1331–1370 · переход к 1336.

стр. 1331

وعمر يقول: لا تَطْلُق بذلك (١)، إلى قضايا كثيرة (٢). [مكانة ابن مسعود بين الصحابة في علمه] والعجب أن المحتجين بهذا لا يرون تقليد ابن مسعود ولا تقليد عمر، وتقليد مالك وأبي حنيفة والشافعي أحبُّ إليهم وآثر عندهم، ثم كيف يُنسب إلى ابن مسعود تقليد الرجال وهو يقول: لقد علم أصحاب رسول اللَّه ﷺ أني أعلمهم بكتاب اللَّه، ولو أعلم أن أحدًا أعلم مني لرحلتُ إليه. قال شقيق: فجلستُ في حلقةٍ من أصحاب رسول اللَّه فما سمعتُ أحدًا يرد ذلك عليه (٣)، وكان يقول: والذي لا إله إلا هو ما من كتاب اللَّه سورة إلا وأنا أعلم حيث نَزَلت، وما من آية إلا وأنا أعلمُ فيما نَزَلت، ولوَ أعلم أحدًا هو أعلم بكتاب اللَّه منِّي تبلغه الإبل لركبتُ إليه (٤)، وقال أبو موسى الأشعري: كُنَّا حينًا وما نَرى ابنَ مسعود وأمه إلا من أهل بيت النبي ﷺ من كثرة دخولهم ولزومهم له (٥)، وقال أبو مسعود البَدْريّ،

стр. 1332

وقد قام عبد اللَّه بن مسعود: ما أعلمُ رسولَ اللَّه ﷺ ترك بعده أعلم بما أنزل اللَّه من هذا القائم، فقال أبو موسى: لقد كان يَشْهد إذا غبنا (١)، ويُؤْذن له إذا حُجبنا (٢)، وكتب عمر ﵁ إلى أهل الكوفة: إني بعثت إليكم عَمَّارًا أميرًا وعبد اللَّه معلمًا ووزيرًا، وهما من النُّجباء من أصحاب رسول اللَّه ﷺ من أهل بدر، فخذوا عنهما، واقتدوا بهما؛ فإني آثرتكم بعبد اللَّه على نفسي (٣)، وقد صح عن عمر أنه استفتى ابن مسعود في "ألبتَّة" وأخذ بقوله (٤)، ولم يكن ذلك تقليدًا له، بل لمّا سمع قوله فيما تبيَّن له أنه الصواب؛ فهذا هو الذي كان يأخذ به الصحابة من أقوال بعضهم بعضًا، وقد صح عن ابن مسعود أنه قال: اغْدُ عالمًا أو متعلمًا، ولا تكونن إمّعة (٥)، فأخرج الإمّعة -وهو المقلد- من زُمرة العلماء والمتعلمين، وهو كما قال ﵁؛ فإنه لا مع العلماء ولا مع المتعلمين للعِلْم والحجة، كما هو معروف ظاهر لمن تأمله. [لم يكن الصحابة يقلد بعضهم بعضًا] الوجه التاسع والثلاثون: قولهم: إن عبد اللَّه كان يدع قوله لقول عمر، وأبو موسى كان يدع قوله لقول علي، وزيد يدع قوله لقول أبي بن كعب (٦)، فجوابه أنهم لم يكونوا يدَعون ما يعرفون من السنة تقليدًا لهؤلاء الثلاثة كما تفعله فرقةُ التقليد، بل من تأمَّل سيرة القوم رأى أنهم كانوا إذا ظهرت لهم السنة لم يكونوا

стр. 1333

يدَعونها لقول أحد كائنًا من كان، وكان ابن عمر يدع قول عمر إذا ظهرت له السنة، وابن عباس يُنكر على من يُعارض ما بلغه من السنة بقوله: قال أبو بكر وعمر، ويقول: يوشك أن تنزلَ عليكم حجارةٌ من السماء، أقول: قال رسول اللَّه ﷺ ، وتقولون: قال أبو بكر وعمر (١)!! فرحم اللَّه ابن عباس ورضي عنه، فواللَّه لو شاهد خَلَفَنا هؤلاء الذين إذا قيل لهم: قال رسول اللَّه ﷺ ؛ قالوا: قال فلانٌ وفلان، لمن لا يُداني الصحابةَ ولا قريبًا من قريب، وإنما كانوا يدَعون أقوالهم لأقوال هؤلاء لأنهم يقولون القول ويقول هؤلاء؛ فيكون الدليل معهم فيرجعون إليهم ويدعون أقوالهم، كما يفعل أهل العلم الذين هو أحبُّ إليهم مما سواه، وهذا عكس طريقة فرقة أهل التقليد من كل وجه، وهذا هو الجواب عن قول مسروق: ما كنت أدع قول ابن مسعود لقول أحد من الناس (٢). [معنى أمر رسول اللَّه باتباع معاذ] الوجه الأربعون: قولهم: إن النبي ﷺ قال: "قد سَنَّ لكم معاذٌ فاتبعوه" (٣) فعجبًا لمحتج بهذا على تقليد الرجال في دين اللَّه، وهل صار ما سَنَّه معاذ سنة إلا بقوله ﷺ : "فاتبعوه" كما صار الأذان سنة بقوله وإقراره وشرعه (٤)، لا بمجرد المنام.

стр. 1334

فإن قيل: فما معنى الحديث؟ قيل: معناه أن معاذًا فعل فعلًا جعله اللَّه لكم سنة، وإنما صار سنة لنا حين أمر به النبي ﷺ ، لا لأن معاذًا فعله فقط، وقد صح عن معاذ أنه قال: كيف تصنعون بثلاث: دنيا تقطعُ أعناقَكُم، وزلَّةِ عالم، وجدالِ منافق بالقرآن؛ فأما العالم فإن اهتدى فلا تقلِّدوه دينكم وإن افتتن فلا تقطعوا منه إياسكم فإن المؤمن يفتتن (١) ثم يتوب، وأما القرآن فإن له منارًا كمنار الطريق لا يخفى على أحد؛ فما عَلِمتم منه فلا تسألوا عنه أحدًا، وما لم تعلموه فكِلوه إلى عالمه، وأما الدنيا فمن جعل اللَّه غِناه في قلبه فقد أفلح ومن لا فليست بنافعته دنياه (٢)، فصدع ﵁ بالحق، ونهى عن التقليد في كل شيء، وأمر باتباع ظاهر القرآن، وأن لا يُبالي بمن خالف فيه، وأمر بالتوقف فيما أشكل، وهذا كله خلاف طريقة المقلدين، وباللَّه التوفيق.

стр. 1335

[طاعة أولي الأمر] الوجه الحادي والأربعون: قولكم: إن اللَّه سبحانه أمر بطاعة أولي الأمر وهم العلماء، وطاعتهم تقليدهم فيما يفتون به؛ فجوابه أن أولي الأمر قد قيل: هم الأمراء، وقيل: هم العلماء (١)، وهما روايتان عن الإمام أحمد، والتحقيق أن الآية تتناول الطائفتين، وطاعتهم من طاعة الرسول، لكن خفي على المقلدين أنهم إنما يُطاعون في طاعة اللَّه إذا أَمروا بأمر اللَّه ورسوله؛ فكان العلماءُ مبلِّغين لأمر الرسول، والأمراء منفِّذين له، فحينئذ تجب طاعتهم تبعًا لطاعة اللَّه ورسوله، فأين في الآية تقديم آراء الرجال على سنة رسول اللَّه ﷺ وإيثار التقليد عليها؟! الوجه الثاني والأربعون: أن هذه الآية من أكبر الحجج عليكم (٢)، وأعظمها إبطالًا للتقليد، وذلك من وجوه: أحدها: الأمر بطاعة اللَّه التي هي امتثال أمره واجتناب نهيه. الثاني: طاعة رسوله، ولا يكون العبد مطيعًا للَّه ورسوله حتى يكون عالمًا بأمر اللَّه ورسوله، ومن أقرَّ على نفسه بأنه ليس من أهل العلم بأوامر اللَّه ورسوله وإنما هو مقلد فيها لأهل العلم لم يمكنه تحقيق طاعة اللَّه ورسوله ألبتة. الثالث: أن أولي الأمر قد نهوْا عن تقليدهم كما صح ذلك عن معاذ بن جبل وعبد اللَّه بن مسعود وعبد اللَّه بن عمر وعبد اللَّه بن عباس وغيرهم من الصحابة (٣)، وذكرناه نصًا عن الأئمة الأربعة وغيرهم (٣)، وحينئذ فطاعتهم في ذلك إن كانت واجبة بطل التقليد، وإن لم تكن واجبة بطل الاستدلال. الرابع: أنه سبحانه قال في الآية نفسها: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: ٥٩] وهذا صريحٌ في إبطال التقليد، والمنعُ من ردِّ المتنازع فيه إلى رأي أو مذهب أو تقليد. فإن قيل: فما هي طاعتُهُم المختصة بهم؛ إذ لو كانوا إنما يُطاعون فيما يخبرون به عن اللَّه ورسوله كانت الطاعة للَّه ورسوله لا لهم؟ قيل: وهذا هو الحق، وطاعتهم إنما هي تبع لا استقلال، ولهذا قَرَنَها بطاعة الرسول ولم يُعد العامل، وأفرد طاعة الرسول وأعاد العامل لئلا يتوهم أنه

стр. 1336

إنما يطاع تبعًا كما يُطاع أولو الأمر تبعًا، وليس كذلك، بل طاعته واجبة استقلالًا سواء كان ما أمر أو نهى عنه (١) في القرآن أو لم يكن. [الثناء على التابعين ومعنى كونهم تابعين] الوجه الثالث والأربعون: قولهم: إن اللَّه أثنى على السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان، وتقليدهم هو اتباعهم بإحسان؛ فما أصْدق المقدمة الأولى، وما أكذب الثانية، بل الآية من أعظم الأدلة ردًا على فرقة التقليد؛ فإن اتِّباعهم هو سلوك سبِيلِهم ومنهاجهم، وقد نهوْا عن التقليد وكون الرجل إمّعة، وأخبروا أنه ليس من أهل البصيرة، ولم يكن فيهم -وللَّه الحمد- رجل واحد على مذهب هؤلاء المقلدين، وقد أعاذهم اللَّه وعافاهم مما ابتلى به مَن يردُّ النصوص لآراء الرجال وتقليدها؛ فهذا ضد متابعتهم، وهو نفس مخالفتهم؛ فالتابعون لهم بإحسان حقًا هم أولو العلم والبصائر الذين لا يقدمون على كتاب اللَّه وسنة رسوله رأيًا ولا قياسًا ولا معقولًا ولا قول أحد من العالمين، ولا يجعلون مذهب رجل (٢) عيارًا على القرآن والسنن؛ فهؤلاء أتباعهم حقًا، جَعَلنا اللَّه منهم بفضله ورحمته. [من هم أتباع الأئمة] يوضحه الوجه الرابع والأربعون: أن أتْباعَهم لو كانوا هم المقلدين الذين هم مُقرِّون على أنفسهم وجميع أهل العلم أنهم ليسوا من أولي العلم لكان (٣) سادات العلماء الدائرون مع الحجة ليسوا من أتباعهم، والجهال أسعد باتِّباعهم منهم، وهذا عين المحال، بل من خالف واحدًا منهم للحجة فهو المُتَّبع له، دون من أخذ قوله بغير حجة، وهكذا القول في أتباع الأئمة ﵃، معاذ اللَّه أن يكونوا هم المقلدين لهم الذين يُنزلون آراءهم منزلة النصوص، بل يتركون لها النصوص؛ فهؤلاء ليسوا من أتباعهم، وإنما أتباعهم من كان على طريقتهم واقتفى مناهجهم. ولقد أنكر بعض المقلِّدين على شيخ الإسلام في تدريسه بمدرسة ابن الحنبلي وهي وقف على الحنابلة، والمجتهد ليس منهم، فقال: إنما أتناول ما أتناوله منها على معرفتي بمذهب أحمد، لا على تقليدي له، ومن المحال أن

стр. 1337

يكون هؤلاء المتأخرون على مذهب الأئمة دون أصحابهم الذين لم يكونوا يقلدونهم، فأَتْبع الناس لمالك ابن وهبٍ وطبقته ممن يحكِّم الحجة وينقاد للدليل أين كان، وكذلك أبو يوسف ومحمد أتْبع لأبي حنيفة من المقلدين له مع كثرة مخالفتهما له، وكذلك البخاري ومسلم (١) وأبو داود والأثرم وهذه الطبقة من أصحاب أحمد أتْبع له من المقلدين المحضْ المنتسبين إليه، وعلى هذا فالوقف على أتباع الأئمة أهل الحجة والعلم أحق به من المقلدين في نفس الأمر. [الكلام على حديث أصحابي كالنجوم] الوجه الخامس والأربعون: قولهم يكفي في صحة التقليد الحديث المشهور: "أصحابي كالنُّجوم بأيهم اقتديتُم اهتديتُم" (٢) جوابه من وجوه: أحدها: أن هذا الحديث قد روي من طريق الأعمش، عن أبي سُفيان، عن جابر، ومن حديث سعيد بن المسيب عن عمر (٣)، ومن طريق حمزة الجزري عن نافع عن ابن عمر، ولا يثبت شيء منها (٤)، قال ابنُ عبد البرِّ (٥): حدثنا محمد بن إبراهيم بن سعيد أن أبا عبد اللَّه بن مفرح حدثهم ثنا محمد بن أيوب الصموت قال: قال لنا البَزَّار: وأما ما يروى عن النبي ﷺ : "أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم" فهذا الكلام لا يصح عن النبي ﷺ (٦). الثاني: أن يقال لهؤلاء المقلدين: فكيف استجزتم ترك تقليد النجوم التي

стр. 1338

يُهتدى بها وقلَّدتم من هو دونهم بمراتب كثيرة؛ فكان تقليد مالك والشافعي وأبي حنيفة وأحمد آثر عندكم من تقليد أبي بكر وعمر وعثمان وعلي؟ فما دل عليه الحديث خالفتموه صريحًا، واستدللتم به على تقليد من لم يتعرَّض له بوجه. الثالث: أن هذا يوجب عليكم تقليد من ورّث الجد مع الإخوة منهم (١) ومن أسقط الإخوة به معًا (٢)، وتقليد من قال: الحرام يمين (٣)، ومن قال: هو طلاق (٤)، وتقليد من حَرَّم الجمع بين الأختين بملك اليمين (٥)، ومن أباحه (٦)، وتقليد من جَوَّز للصائم أكل البَرد (٧).

стр. 1339

ومن منع منه (١)، وتقليد من قال: تعتدُّ المُتوفى عنها بأقصى الأجلين (٢) ومن قال: بوضع الحمل (٣)، وتقليد من قال: يحرم على المُحرم استدامة الطيب (٤)، وتقليد من أباحه (٥)، وتقليد من جَوَّز بيع الدِّرهم بالدرهمين (٦)، وتقليد من

стр. 1340

حَرَّمه (١)، وتقليد من أوجب الغُسل من الإكسال (٢). . . .

стр. 1341

وتقليد من أسقطه (١)، وتقليد من ورّث ذوي الأرحام (٢). . . .

стр. 1342

ومن أسقطهم (١)، وتقليد من رأى التحريم برضاع الكبير (٢) ومَنْ لم يَرَه (٣)، وتقليد

стр. 1343

من مَنَع تيمم الجنب (١) ومن أوجبه (٢)، وتقليد من رأى الطلاق الثلاث واحدة (٣) ومن رآه ثلاثًا (٤)،. . . .

стр. 1344

وتقليد من أوجب فسْخ الحج إلى العمرة (١) وَمَنْ مَنَعَ منه (٢)، وتقليد من أباح لحوم الحُمُر الأهلية (٣) ومن منع منها (٤)، وتقليد من رأى النّقض بمس الذَّكَر (٥) ومن

стр. 1345

لم يَرَه (١)،. . . . .

стр. 1346

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1347

وتقليد من رأى بيع الأمة طلاقها (١) ومن لم يره (٢)، وتقليد من وقف المؤلي عند الأجل (٣)

стр. 1348

ومن لم يقفه (١) وأضعاف أضعاف ذلك مما اختلف فيه أصحاب رسول اللَّه ﷺ (٢)؛ فإن سَوَّغتم هذا فلا تحتجوا لقول على قولٍ ومذهب على مذهب، بل اجعلوا الرجل مخيرًا في الأخذ بأي قولٍ شاء من أقوالهم، ولا تنكروا على من خالف مذهبكم (٣) واتبع قول أحدهم، وإن لم تسوِّغوه فأنتم أول مبطل لهذا الحديث، ومخالف له، وقائل بضد مقتضاه، وهذا مما لا انفكاكَ لكم منه. الرابع: أن الاقتداء بهم هو اتباعُ القرآن والسنة، والقبول من كل من دعا إليهما؛ فإن الاقتداء بهم يُحرِّم عليكم التقليد، ويوجب الاستدلال وتحكيم الدليل، كما كان عليه القومُ ﵃، وحينئذ فالحديث من أقوى الحجج عليكم، وباللَّه التوفيق. [الصحابة هم الذين أمرنا بالاستنان بهم] الوجه السادس والأربعون: قولكم: قال عبد اللَّه بن مسعود: من كان منكم مُستنًا فليستن بمن قد مات، أولئك أصحاب محمد (٤). فهذا من أكبر الحجج عليكم من وجوه؛ فإنه نَهى عن الاستنان بالأحياء، وأنتم تقلِّدون الأحياء

стр. 1349

والأموات، الثاني: أنه عَيَّن المستنَّ بهم بأنهم خير الخلق وأبر الأمة وأعلمهم، وهم الصحابة ﵃ وأنتم معاشِرَ المقلدين- لا ترون تقليدَهم ولا الاستنانَ بهم، وإنما ترون تقليدَ فلان وفلان ممن هو دونهم بكثير، الثالث: أن الاستنان بهم هو الاقتداء بهم، وهو بأن يأتي المقتدي بمثل ما أتوْا به، ويفعل كما فعلوا، وهذا يبطل قبول قول أحد بغير حجة كما كان الصحابة ﵃ عليه. الرابع: أن ابن مسعود قد صحَّ عنه النهي عن التقليد وأن يكون الرجل إمعة لا بصيرة له (١)؛ فعُلمَ أن الاستنان عنده غير التقليد. الوجه السابع والأربعون: قولكم قد صح عن النبي ﷺ أنه قال: "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي" (٢) وقال: "اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر" (٣) فهذا من أكبر حُججنا عليكم في بطلان ما أنتم عليه من التقليد؛ فإنه خلاف سُنتهم، ومن المعلوم بالضرورة أن أحدًا منهم لم يكن يدع السُّنة إذا ظهرت لقول غيره كائنًا من كان، ولم يكن له معها قول ألبتَّة، وطريقة فرقة التقليد خلاف ذلك. يوضحه الوجه الثامن والأربعون: أنه ﷺ قَرَنَ سُنتهم بسنته في وجوب الاتباع، والأخذ بسنتهم ليس تقليدًا لهم، بل اتباعٌ لرسول اللَّه ﷺ كما أن الأخذ بالأذان لم يكن تقليدًا لمن رآه في المنام، والأخذ بقضاء ما فات المسبوق من صلاته بعد سلام الإمام لم يكن تقليدًا لمعاذ، بل اتباعًا لمن (٤) أَمرَنا بالأخذ بذلك، فأين التقليد الذي أنتم عليه من هذا؟ [الخلف لا يأخذون بسنة ولا يقتدون بصحابي] يوضحه الوجه التاسع والأربعون: أنكم أول مخالف لهذين الحديثين؛ فإنكم لا ترون الأخذ بسنتهم ولا الاقتداء بهم واجبًا، وليس قولهم عندكم حجة، وقد

стр. 1350

صرح بعض غُلاتكم بأنه لا يجوز تقليدهم، ويجب تقليد الشافعي، فمن العجائب احتجاجُكُم بشيء أنتم أشدُّ الناس خلافًا له، وباللَّه التوفيق. يوضحه الوجه الخمسون: أن الحديث [بجملته] (١) حجة عليكم من كل وجه، فإنه أمر عند كثرة الاختلاف بسَّنته وسنَّة خلفائه، وأمرتم أنتم برأي فلان ومذهب فلان. الثاني: أنه حَذَّر من محدثات الأمور، وأخبر أن كل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة (٢)، ومن المعلوم بالاضطرار أن ما أنتم عليه من التقليد الذي تُرك له كتابُ اللَّه وسنة رسوله ويُعرض القرآن والسنة عليه ويجعل معيارًا عليهما من أعظم المحدثات والبدع التي برّأ اللَّه سبحانه [منها] (٣) القرون [الثلاثة] (٣) التي فضَّلها وخَيَّرها على غيرها. وبالجملة فما سنه الخلفاء الراشدون أو أحدهم للأمة فهو حجة لا يجوز العدول عنها، فأين هذا من قول فرقة التقليد: ليست سنتهم حجة، ولا يجوز تقليدهم فيها؟ [أخبر الرسول ﷺ أنه سيحدث اختلاف كثير] يوضحه الوجه الحادي والخمسون: أنه ﷺ قال في نفس هذا الحديث: "فإنه مَنْ يعِش منكم بعدي فسيرى اختلافًا كثيرًا" (٢) وهذا ذم للمختلفين، وتحذير من سلوك سبيلهم. وإنما كثير الاختلاف وتفاقم أمرُه بسبب التقليد وأهله، وهم الذين فرَّقوا الدين وصيَّروا أهله شيعًا، كل فرقة تنصر متبوعها، وتدعو إليه، وتذم من خالفها، ولا يرون العمل بقولهم حتى كأنَّهم ملة أخرى سواهم، يدْأبون ويكدحون في الرد عليهم، ولقولون: كتُبهم وكتبنا، وأئمتهم وأئمتنا، ومذهبهم ومذهبنا، هذا والنبيُّ واحد والقرآن واحد والدين واحد والرب واحد؛ فالواجب على الجميع أن ينقادوا إلى كلمة سواء بينهم كلهم، وأن لا يطيعوا إلا الرسول، ولا يجعلوا معه مَنْ تكون أقواله كنصوصه، ولا يتخذ بعضهم بعضًا أربابًا من دون اللَّه؛ فلو اتفقت كلمتهم على ذلك وانقاد كل واحد منهم لمن دعاه إلى اللَّه ورسوله وتحاكموا كلهم إلى السنة وآثار الصحابة لقل الاختلاف وإن لم يُعدم من الأرض؛ ولهذا تجد أقل الناس اختلافًا [هم] (٤) أهل السنة والحديث؛ فليس على وجه الأرض طائفة أكثر اتفاقًا وأقل اختلافًا منهم لما بنوا على هذا الأصل، وكلما كانت الفرقة عن

стр. 1351

الحديث أبعد كان اختلافهم في أنفسهم أشد وأكثر، فإن من ردَّ الحق مَرجَ عليه أمره واختلط عليه والتبس عليه وجه الصواب فلم يدر أين يذهب، كما قال تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ﴾ [ق: ٥]. [أمر عمر شريحًا بتقديم الكتاب ثم السنة] الوجه الثاني والخمسون: قولكم: إن عمر كتب إلى شُريح: "أنِ أقضِ بما في كتاب اللَّه، فإن لم يكن في كتاب اللَّه فبما في سنة رسول اللَّه، فإن لم يكن في سنة رسول اللَّه فبما قضى به الصالحون" (١) فهذا من أظهر الحجج [عليكم] (٢) على بطلان التقليد؛ فإنه أَمَره أن يُقدِّم الحكم بالكتاب على كل ما سواه، فإن لم يجده في الكتاب ووجده في السنة لم يلتفت إلى غيرها، فإن لم يجده في السنة قضى [بمثل ما] (٣) قضى به الصحابة، ونحن نناشد اللَّه فرقة التقليد: هل هم كذلك أو قريبًا من ذلك؟ وهل إذا نزلت بهم نازلة حدّث أحدٌ منهم نَفْسَه أن يأخذ حكمها من كتاب اللَّه ثم ينفذه، فإن لم يجدها في كتاب اللَّه أخذها من سنة رسول اللَّه ﷺ ، فإن لم يجدها في السنة أفتى فيها بما أفتى به الصحابة؟ واللَّه يشهدُ عليهم وملائكتُه وهم شاهدون على أنفسهم بأنهم إنما يأخذون حكمها من قول من قلَّدوه، وإن استبانَ لهم في الكتاب أو السنة أو عن الصحابة (٤) خلافُ ذلك لم يلتفتوا إليه، ولم يأخذوا بشيء منه إلا بقول من قلدوه؛ فكتاب عمر من أبطل الأشياء وأكسرها لقولهم، وهذا كان سير السلف المستقيم وهديهم القويم. [طريق المتأخرين في أخذ الأحكام] فلما انتهت النوبة إلى المتأخرين ساروا (٥) عكس هذا السير، وقالوا: إذا نزلت النازلة بالمفتي أو الحاكم فعليه أن ينظر أولًا: هل فيها اختلاف أم لا؟ فإن لم يكن فيها اختلاف لم ينظر في كتاب ولا [في] (٦) سنة، بل يفتي ويقضي فيها بالإجماع (٧)، وإن كان فيها اختلاف اجتهد في أقرب الأقوال إلى الدليل فأفتى به (٣)

стр. 1352

وحكم به، وهذا خلاف ما دَلَّ عليه حديث معاذ وكتاب عمر (١) وأقوال الصحابة. والذي دلَّ عليه الكتابُ والسنةُ وأقوال الصحابة أولى فإنه مقدورٌ مأمور، فإن عِلْمَ المجتهد بما دل عليه القرآن والسنة أسهلُ عليه بكثير من علمه باتفاق الناس في شرق الأرض وغربها على الحُكْم؛ وهذا إن لم يكن متعذرًا فهو أصعب شيء وأشقه إلا فيما هو من لوازم الإسلام، فكيف يُحيلنا اللَّه ورسوله على ما لا وصول لنا إليه ويترك الحوالة على كتابه وسنة رسوله اللَّذين هدانا بهما، ويسَّرهما لنا، وجعل لنا إلى معرفتهما طريقًا سهلة التناول من قرب؟ ثم ما يدريه فلعل الناس اختلفوا وهو لا يعلم، وليس عدم العلم بالنزاع علمًا بعدمه، فكيف يقدِّم عدم العلم على أصل العلم كله؟ ثم كيف يسوغُ له ترك الحق المعلوم إلى أمر (٢) لا علم له به وغايته أن يكون موهومًا، وأحسن أحواله أن يكون مشكوكًا فيه شكًا متساويًا أو راجحًا؟ ثم كيف يستقيم على هذا (٣) رأي من يقول: انقراض عصر المجمعين شرط في صحة الإجماع (٤) فما لم ينقرض عصرهم فلِمَن نشأ في زمنهم أن يخالِفَهم، فصاحب هذا السلوك لا يمكنه أن يحتج بالإِجماع حتى يعلَم أن العصرَ انقرض ولم ينشأ فيه مخالفٌ لأهله؟ وهل أحالَ اللَّه الأمة في الاهتداء بكتابه وسنة رسوله على ما لا سبيل لهم إليه ولا اطّلاع لأفرادهم عليه؟ وترك إحالَتَهم على ما هو بين أظهرهم حجة [عليهم] (٥) باقية إلى آخر الدهر مُتَمكِّنون من الاهتداء به ومعرفة الحق منه، وهذا من أمحل المحال، وحين نشأت هذه الطريقة توَّلد عنها معارضة النصوص بالإجماع المجهول، وانفتَح بابُ دعواه، وصار من لم يعرف الخلاف من المقلدين إذا احتُج عليه بالقرآن والسنة قال: هذا خلافُ الإجماع. وهذا هو الذي أنكره أئمة الإسلام، وعابوا من كل ناحية على مَنْ ارتكبه، وكذَّبوا من ادّعاه؛ فقال الإمام أحمد ﵁ في رواية ابنه عبد اللَّه: من

стр. 1353

ادَّعى الإجماع فهو كاذب، لعل الناس اختلفوا، هذه دعوى بِشْرٍ المرِيسيِّ (١) والأصم، ولكن يقول: لا نعلم الناس اختلفوا، أو لم يبلغنَا (٢). وقال في رواية المروزي (٣): كيف يجوز للرجل أن يقول: "أجمعوا"؟ إذا سمعتهم يقولون: "أجمعوا" فاتهمهم، لو قال: "إني لم أعلم مخالفًا" كان. وقال في رواية أبي طالب (٤): هذا كذب، ما عِلْمُه أن الناس مجمعون؟ ولكن [يقول] (٥): "ما أعلم فيه اختلافًا" فهو أحسن من قوله إجماع الناس. وقال في رواية أبي الحارث: لا ينبغي لأحد أن يدَّعي الإجماع، لعل الناس اختلفوا (٦). [أئمة الإسلام يقدمون الكتاب والسنة] ولم يزل أئمة الإسلام على تقديم الكتاب على السنة والسنة على الإجماع وجعل الإجماع في المرتبة الثالثة، قال الشافعي ﵀ (٧): "الحجَّة كتاب اللَّه وسنة

стр. 1354

رسوله واتفاق الأئمة"، وقال في كتاب: "اختلافه مع مالك" (١): "والعلمُ طبقاتٌ، الأولى: الكتاب والسنة الثابتة (٢)، ثم الإجماعُ فيما ليس كتابًا ولا سنة (٣)، الثالثة: أن يقولَ الصحابي فلا يُعلم له مخالف من الصحابة، الرابعة: اختلافُ الصحابة، والخامسة: القياس"، فقدَّم النظر في الكتاب والسنة على الإجماع، [ثم أخبر أنه إنما يُصار (٤) إلى الإجماع] (٥) فيما لم يُعلم فيه كتاب ولا سنة (٦)، وهذا هو الحق. [طريقة أهل العلم وأئمة الدين] وقال أبو حاتم الرازي: "العلم عندنا ما كان عن اللَّه تعالى من كتاب ناطق ناسخ غير منسوخ، وما صحت به الأخبار عن رسول اللَّه ﷺ مما لا مُعارض له، وما جاء عن الألِبّاء من الصحابة ما اتفقوا عليه، فإذا اختلفوا لم يخرج من اختلافهم، فإذا خفي ذلك ولم يُفهم فعن التابعين، فإذا لم يوجد عن التابعين فعن أئمة الهدى من أتباعهم مثل أيوب السَّختياني وحَمَّاد بن زيد وحماد بن سلمة وسُفيان ومالك والأوزاعي والحسن بن صالح، ثم ما لم يُوجد عن أمثالهم فعن مثل عبد الرحمن بن مهدي وعبد اللَّه بن المبارك وعبد اللَّه بن إدريس، ويحيى بن آدم وابن عُيينة ووكيع بن الجراح، ومَنْ بَعْدهم محمد بن إدريس الشافعي ويزيد بن هارون والحميديُّ وأحمد بن حنبل وإسحاق بن إبراهيم الحنظلي وأبي عُبيد القاسم ابن سَلَّام" انتهى. فهذا طريقُ أهل العلم وأئمة الدين، جعل أقوال هؤلاء بدلًا عن الكتاب والسنة، وأقوال الصحابة بمنزلة التيمم إنما يُصارُ إليه عند عدم الماء؛ فعَدَل هؤلاء المتأخرون المقلدون (٧) إلى التَّيمم والماء بين أظهرهم أسهل [من التيمم] (٨) بكثير. [طريق الخلف المقلدين] ثم حدثت (٩) بعد هؤلاء فرقة هم أعداء العلم وأهله فقالوا: إذا نزلت

стр. 1355

بالمفتي أو الحاكم نازلةٌ لم يجز أن ينظر فيها في كتاب اللَّه ولا سنة رسوله ولا أقوال الصحابة بل إلى ما قال (١) مقلَّدُه ومتبوعه ومَنْ جعله عيارًا على القرآن والسنة؛ فما وافق قوله أفتى به وحَكَم به، وما خالفه لم يجز له أن يفتي به ولا يقضي به، وإن فعل ذلك تعرَّض لعزله عن منصب الفتوى والحُكم، واستفتى عليه (٢): ما تقول السادة والفقهاء (٣) فيمن ينتسب إلى مذهب إمام معين يقلده دون غيره، ثم يفتي أو يحكم بخلاف مذهبه، هل يجوز له ذلك أم لا؟ وهل يقدح ذلك فيه أم لا؟ فيُنغض المقلدون رءوسهم، ويقولون: لا يجوز له ذلك (٤)، ويقدح فيه. ولعل القول الذي عَدَل إليه هو قول أبي بكر وعمر وابن مسعود وأبيّ بن كعب ومعاذ بن جبل وأمثالهم؛ فيجيب هذا الذي انتصب للتوقيع عن اللَّه ورسوله بأنه لا يجوز له مخالفة قول متبوعه لأقوال من هو أعلم باللَّه ورسوله منه، وإن كان مع أقوالهم كتاب اللَّه وسنة رسوله، وهذا من أعظم جنايات فِرْقةِ التقليد على الدين، ولو أنهم لزموا حَدَّهم ومرتبتهم وأخبروا إخبارًا مُجرَّدًا عما وجدوه من السواد في البياض من أقوال لا علم لهم بصحيحها من باطلها لكان لهم (٥) عذرٌ ما عند اللَّه، ولكن هذا مبْلَغهم من العلم، وهذه معاداتهم لأهله وللقائمين بحججه (٦)، وباللَّه التوفيق. [هل قَلَّد الصحابة عمر ؟] الوجه الثالث والخمسون: قولكم: "منع عمر من بَيْع أمهات الأولاد وتبعه الصحابة وألزم بالطلاق (٧) الثلاث وتبعوه أيضًا" (٨) جوابه من وجوه؛ أحدهما: أنهم لم يتبعوه تقليدًا له، بل أذَاهم اجتهادُهم في ذلك إلى ما أداه إليه اجتهاده، ولم يقل أحد منهم قط: إني رأيت ذلك تقليدًا لعمر. الثاني: أنهم لم يتبعوه كلهم فهذا ابن مسعود يخالفه في أمهات الأولاد (٩)، وهذا ابن عباس يخالفه في الإلزام

стр. 1356

بالطلاق الثلاث (١)، وإذا اختلف الصحابة وغيرهم فالحاكم هو الحجة. الثالث: أنه ليس في اتباع قول عمر [بن الخطاب] (٢) ﵁ في هاتين المسألتين وتقليد الصحابة -لو فُرض- له في ذلك ما يسوغ تقليد من هو دونه (٣) بكثير في كل ما يقوله وتَرْك [قول من هو [مثله ومن هو] (٤) فوقه] (٥) وأعلم منه، فهذا من أبطل الاستدلال، وهو تعلُّق ببيت العنكبوت فقلَّدوا عمر واتركوا تقليد فلان وفلان، فأما وأنتم تصرحون بأن عمر لا يُقلَّد وأبو حنيفة والشافعي ومالك يُقلَّدون فلا يمكنكم الاستدلال بما أنتم مخالفون له، فكيف يجوز للرجل أن يحتج بما لا يقول به؟ [قول عمر: لو فعلتُ صارتْ سنةً] الوجه الرابع والخمسون: قولكم: "إن عمرو بن العاص قال لعمر لما احتلم: خذ ثوبًا غير ثوبك، فقال: لو فعلت صارت سنة" (٦) فأين في هذا من الإذن من عمر في تقليده والإعراض عن كتاب اللَّه وسنة رسوله؟ وغاية هذا أنه تركه لئلا يقتدِيَ به من يراه، ويفعل ذلك؛ ويقول: لولا أن هذا سنة رسول اللَّه ﷺ ما فعله عمر؛ فهذا هو الذي خشيه عمر ﵁، والناس مقتدون بعلمائهم شاءوا أم أبوا فهذا هو الواقع وإن كان الواجب فيه تفصيل. [ما استبان فاعمل به وما اشتبه فكله لعالمه] الوجه الخامس والخمسون: قولكم: "قد قال أبيّ: ما اشتبه عليك فَكِلْهُ إلى

стр. 1357

عالِمِهِ" (١) فهذا حق، وهو الواجب على من سِوى الرسول؛ فإن كل أحد بعد الرسول لا بد أن يشتبَه عليه بعض ما جاء به، وكل من اشتبه عليه شيء وجب عليه أن يكِله إلى من هو أعلم منه، فإن تبيَّن له صار عالمًا مثله، وإلا وَكَلُه إليه، ولم يتكلف ما لا علم [له] (٢) به؛ فهذا هو الواجب علينا في كتاب ربنا وسنةِ نبينا وأقوال أصحابه، وقد جعل اللَّه سبحانه فوق كل ذي علم عليم؛ فمن خفي عليه بعض الحق فوَكَله إلى مَنْ هو أعلم منه فقد أصاب، فأي شيء في هذا الإعراض عن القرآن والسنن وآثار الصحابة واتخاذ رجل بعينه معيارًا على ذلك وترك النصوص لقوله، وعرضها عليه وقبول كل ما أفتى به ورد كل ما خالفه؟ وهذا الأثر نفسه من أكبر الحجج على بطلان التقليد، فإن أوله: "ما استبان لك فاعمل به، وما اشتبه عليك فكله إلى عالمه" (٣) ونحن نناشدكم اللَّه إذا استبانت لكم السنة هل تتركون قول من قَلَّدتموه لها وتعملون بها وتفتون أو تقضون (٤) بموجبها، أم تتركونها وتعدلون عنها إلى قوله وتقولون: هو أعلمُ بها منَّا؟ فأُبيٌّ ﵁ مع سائر الصحابة على هذه الوصية، وهي مُبطلةٌ للتقليد قطعًا، وباللَّه التوفيق. ثم نقول: هل وكلتم (٥) ما اشتبه عليكم من المسائل إلى عالِمها من أصحاب رسول اللَّه ﷺ ؛ إذ هم أعلم الأمة وأفضلها أم تركتم (٥) أقوالهم وعدلتم عنها؟ فإن كان من قلَّدتموه ممن يوكل ذلك إليه فالصحابة أحق أن يوكل ذلك إليهم. [فتوى الصحابة والرسول حي تبليغ عنه] الوجه السادس والخمسون: قولكم: "كان الصحابة يفتون ورسول اللَّه ﷺ حيٌّ بين أظهرهم، وهذا تقليد [من المستفتين] (٦) لهم" وجوابه أن فتواهم إنما كانت تبليغًا عن اللَّه ورسوله، وكانوا بمنزلة المخبرين فقط، لم تكن فتواهم تقليدًا لرأي فلان وفلان وإن خالفت النصوص؛ فهم لم يكونوا يقلدون في فتواهم، ولا يُفتون بغير النصوص، ولم يكن المستفتون لهم يعتمدون إلا على ما يبلغونهم إياه

стр. 1358

عن نبيهم فيقولون: أَمَر بكذا، [وفَعلَ كذا] (١)، ونَهى عن كذا هكذا كانت فتواهم؛ فهي حجة على المستفتين كما هي حجة عليهم، ولا فرق بينهم وبين المستفتين لهم في ذلك إلا في الواسطة بينهم وبين الرسول وعدمها، واللَّه ورسوله وسائر أهل العلم يعلمون أنهم وأن مستفتيهم لم يعملوا (٢) إلا بما عَلِموه عن نبيهم وشاهدوه وسمعوه منه، هؤلاء بواسطة وهؤلاء بغير واسطة، ولم يكن فيهم من يأخذ قول واحد من الأمة يحلل ما حَلَّله ويحرِّم ما حَرَّمه ويستبيح ما أباحه، وقد أنكر النبي ﷺ على من أفتى بغير السنة منهم، كما أنكر على أبي السنابل [وكَذَّبه] (٣)، وأنكر على من أفتى برجم الزاني البكر (٤) وأنكر على من أفتى باغتسال الجريح حتى مات (٥)، وأنكر على من أفتى بغير علم؛ كمن يُفتي بما لا يعلم صحته، وأخبر أن إثم المستفتي عليه (٦)، فإفتاء الصحابة في حياته نوعان؛ أحدهما: كان يبلغُه ويُقرِّهم عليه، فهو حجة بإقراره لا بمجرد إفتائهم، الثاني: ما كانوا [يفتون] (٧) به مُبلغين له عن نبيهم، فهم فيه رُواة لا مقلِّدون ولا مقلَّدون. [المراد من إيجاب اللَّه قبول إنذار من نفر للفقه في الدين] الوجه السابع والخمسون: قولكم: "وقد قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ

стр. 1359

مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٢] فأوجب قبول نذارتهم، وذلك تقليد لهم" جوابه من وجوه؛ أحدها: أن اللَّه سبحانه إنما أوجب عليهم قبول ما أنذروهم به من الوحي الذي ينزل في غيبتهم عن النبي ﷺ في الجهاد، فأين في هذا حجة لفرقة التقليد على تقديم آراء الرجال على الوحي؟. الثاني: أن الآية حجة عليهم ظاهرة؛ فإنه سبحانه نوَّع عبوديتهم وقيامهم بأمره إلى نوعين: أحدهما: نفير الجهاد، والثاني: التفقه في الدين، وجعل قيام الدين بهذين الفريقين، وهم الأمراء والعلماء أهل الجهاد وأهل العلم؛ فالنافرون يجاهدون عن القاعدين، والقاعدون يحفظون العلم للنافرين، فإذا رجعوا من نفيرهم استدركوا ما فاتهم من العلم بإخبار من سمعه من رسول اللَّه ﷺ ، وهنا للناس في الآية قولان: أحدهما: أن المعنى فهلَّا نَفَر من كل فرقة طائفة تتفقه وتُنذر القاعدة، فيكون المعنى في طلب العلم، وهذا قول الشافعي (١) وجماعة من المفسرين، واحتجوا به على قبول خبر الواحد؛ لأن الطائفة لا يجب أن تكون عدد التواتر. والثاني: أن المعنى فلولا نفر من كل [فرقة] (٢) طائفة تجاهد لتتفقه (٣) القاعدةُ وتنذر النافرةَ للجهاد إذا رجعوا إليهم ويخبرونهم بما نزل بعدهم من الوحي، وهذا قول الأكثرين، وهو الصحيح؛ لأن النفير إنما هو الخروج للجهاد كما قال النبي ﷺ : "وإذا استُنْفِرتم فانفِروا" (٤) وأيضًا فإن المؤمنين عامٌ في المقيمين مع النبي ﷺ والغائبين عنه، والمقيمون مرادون ولا بد فإنهم سادات المؤمنين، فكيف لا يتناولهم اللفظ؟ وعلى قول أولئك يكون المؤمنون خاصًا بالغائبين عنه فقط، والمعنى وما كان المؤمنون لينفروا إليه كلهم، فلولا نفر إليه [من] (٥) كل [فرقة] (٢) منهم طائفة، وهذا خلافُ ظاهر لفظ المؤمنين، وإخراجٌ للفظ النفير عن مفهومه في القرآن والسنة، وعلى كلا القولين فليس في الآية ما يقتضي صحة القول بالتقليد (٦)

стр. 1360

المذموم، بل هي حجة على فساده وبطلانه؛ فإن الإنذار إنما يقوم بالحجة، فمن لم تقم عليه الحجة لم يكن قد أنذر، كما أن النَّذير من أقام الحجة، فمن لم يأت بحجة فليس بنذير، فإن سمَّيتم ذلك تقليدًا فليس الشأن في الأسماء، ونحن لا ننكر التقليد بهذا المعنى، فسمّوه ما شئتم، وإنما ننكر نصْب رجل معين يُجعل قوله عيارًا على القرآن والسنن؛ فما وافق قوله منها قُبل وما خالفه لم يقبل، ويقبل قوله بغير حجة، ويرد قول نظيره أو أعلم منه والحجة معه، فهذا الذي أنكرناه، وكل عالم على وجه الأرض يُعلن إنكارَه (١) وذَمَّه وذم أهله. [أخذ ابن الزبير بقول الصديق في الجد] الوجه الثامن والخمسون: قولكم: "إن ابن الزبير سئل عن الجد والإخوة فقال: أما الذي قال رسول اللَّه ﷺ لو كنت متخذًا من أهل الأرض خليلًا لاتخذته خليلًا -يريد: أبا بكر ﵁ فإنه أنزله أبًا" (٢) فأيُّ شيء في هذا مما يدل على التقليد بوجه من الوجوه؟ وقد تقدم من الأدلة الشافية التي لا مطْمع في دفعها ما يدل على أن قول الصديق في الجد أصحُّ الأقوال على الإطلاق، وابنُ الزبير لم يخبر بذلك تقليدًا، بل أضاف المذهب إلى الصديق لينبه على جلاله قائله، وأنه ممن لا يُقاس غيره به، لا ليُقبل قوله بغير حجة وتُترك الحجة من القرآن والسنة لقوله؛ فابن الزبير وغيره من الصحابة كانوا أتقى للَّه، وحُجج اللَّه وبيِّناته أحبُّ إليهم من أن يتركوها لآراء الرجال ولقول أحد كائنًا من كان، وقول ابن الزبير: "إن الصديق ﵁ أنزله أبًا" متضمِّن للحكم والدليل [معًا] (٣). [ليس قبول شهادة الشاهد تقليدًا له] الوجه التاسع والخمسون: قولكم: "وقد أمر اللَّه بقبول شهادة الشاهد، وذلك تقليدٌ له" فلو لم يكن في آفات التقليد غير هذا الاستدلال لكفى به بطلانًا، وهل قبلنا قول الشاهد إلا بنص كتاب ربنا وسنة نبينا وإجماع الأمة على قبول قوله؛ فإن اللَّه سبحانه نَصَبه حُجةً يحكم الحاكم بها كما يحكم بالإقرار، وكذلك قول المقر أيضًا حجة شرعية، وقبوله تقليد له، كما سمَّيتم قبول شهادة الشاهد تقليدًا، فسمّوه ما شئتم فاللَّه (٤) سبحانه أمرنا بالحكم بذلك، وجَعَله دليلًا على الأحكام؛

стр. 1361

فالحاكم بالشهادة والإقرار منفِّذ لأمر اللَّه ورسوله، ولو تركنا تقليد الشاهد لم يلزم به حكم، وقد كان النبي ﷺ يقضي بالشاهد (١) وبالإقرار (٢)، وذلك حُكمٌ بنفس ما أنزل اللَّه لا بالتقليد؛ فالاستدلال (٣) بذلك على التقليد المتضمن للإعراض عن الكتاب والسنة وأقوال الصحابة، وتقديم آراء الرجال عليها، وتقديم قول الرجل على مَنْ هو أعلم منه واطِّراح قول من عداه جملة، من باب قلب الحقائق وانتكاس العقول والأفهام، وبالجملة فنحن إذا قبلنا قول الشاهد لم نقبله لمجرد كونه شهد به، بل لأن اللَّه سبحانه أمرنا بقبول قوله، فأنتم معاشر المقلدين إذا قبلتم قول من قَلَّدتموه قبلتموه لمجرد كونه قاله أو لأنَّ اللَّه أمركم بقبول قوله وطرح ما سواه (٤). [ليس من التقليد قبول قول القائف ونحوه] الوجه الستون: قولكم: "وقد جاءت الشريعة بقبول قول القائف والخارص والقاسم والمُقوِّم والحاكِمَيْن بالمثل في جزاء الصيد، وذلك تقليد محض" أتعنون به أنه تقليد لبعض العلماء في قبول أقوالهم أو تقليد لهم فيما يُخبرون به؟ فإن عنيتم الأول فهو باطل، وإن عَنيتم الثاني فليس فيه ما تستروحون إليه من التقليد الذي قام الدليل على بُطلانه، وقبول قول هؤلاء من باب قبول خبر المُخبر والشاهد، لا من باب قبول الفُتيا في الدين من غير قيام دليل على صحتها، بل لمجرد إحسان الظن بقائلها مع تجويز الخطأ عليه، فأين قبول الأخبار والشهادات

стр. 1362

والأقارير إلى التقليد في الفتوى؟ والمُخبر بهذه الأمور يخبر عن أمر حسي طريق العلم به إدراكه بالحواس والمشاعر الظاهرة والباطنة، وقد أمر اللَّه سبحانه بقبول خبر المُخبر به إذا كان ظاهرَ الصِّدق والعدالة. وطرد هذا ونظيره قبول خبر المخبر عن رسول اللَّه ﷺ بأنه قال أو فعل، وقبول خبر المخبر (١) عمَّن أخبر عنه بذلك، وهلم جرًا؛ فهذا حق لا ينازع فيه أحد. وأما تقليد الرجل فيما يُخبر به عن ظنه فليس فيه أكثر من العلم بأن ذلك ظنه واجتهاده؛ فتقليدنا له في ذلك بمنزلة تقليدنا له فيما يُخبر به عن رؤيته وسماعه وإدراكه، فأين في هذا ما يُوجب علينا أو يُسوِّغ لنا أن نفتي بذلك أو نحكَم به وندين اللَّه به، ونقول: هذا هو الحق وما خالفه باطل، ونترك له نصوص القرآن والسنة وآثار الصحابة وأقوال من عَدَاه من جميع أهل العلم؟!! ومن هذا الباب تقليد الأعمى في القبلة ودخول الوقت لغيره. وقد كان ابن أم مكتوم لا يؤذن حتى يُقلِّد غيره في طلوع الفجر، ويُقال له: أصبحتَ أصبحت (٢)، وكذلك تقليد الناس للمؤذن في دخول الوقت، وتقليد مَنْ في المطمورة (٣) لمن يُعْلِمه بأَوقات الصلاة والفطر والصوم ونحو ذلك (٤)، ومن ذلك التقليد في قبول الترجمة والرسالة (٥) والتعريف والتعديل والجرح، كُلُّ هذا من باب الأخبار التي أمر اللَّه بقبول المُخبر بها إذا كان عدلًا صادقًا، وقد أجمع الناس على قبول خبر الواحد في الهديَّة وإدخال الزوجة على زوجها، وقبول خبر المرأة ذمِّية كانت أو مسلمة في انقطاع دم حيضها لوقته وجواز وطئها وإنكاحها بذلك، وليس هذا تقليدًا في الفتيا والحكم، وإن (٦) كان تقليدًا لها فإن اللَّه سبحانه شَرَع لنا أن نقبل قولها ونقلدها فيه، ولم يشرع لنا أن نتلقى أحكامه عن غير رسوله فضلًا عن أن نترك سنة رسوله لقول واحد من أهل العلم ونقدم قوله على قول من عداه من الأمة. [شراء الأطعمة من غير سؤال عن أسباب حِلِّها] الوجه الحادي والستون: قولكم: "وأجمعوا على جواز شراء اللُّحمان

стр. 1363

والأطعمة والثياب وغيرها من غير سؤال عن أسباب حِلِّها اكتفاء بتقليد أربابها" جوابه أن هذا ليس تقليدًا في حكم من أحكام اللَّه ورسوله من غير دليل، بل هو اكتفاء بقبول قول الذابح والبائع، وهو اقتداءٌ واتباع لأمر اللَّه ورسوله، حتى لو كان الذابح والبائع يهوديًا أو نصرانيًا أو فاجرًا اكتفينا بقوله في ذلك، ولم نسأله عن أسباب الحل، كما قالت عائشة ﵂: يا رسول اللَّه إن ناسًا يأتوننا باللُّحْمان لا ندري أذكروا اسم اللَّه عليها أم لا، فقال: "سمُّوا أنتم وكُلوا" (١) فهل يَسوغُ لكم تقليدُ الكفار والفساق في الدين كما تقلدونهم في الذبائح والأطعمة؟ فدعوا (٢) هذه الاحتجاجات الباردة وادخلوا معنا في الأدلة الفارقة بين الحق والباطل؛ لنعقد معكم عقد الصلح اللازم على تحكيم كتاب اللَّه وسنة رسوله والتحاكم إليهما وترك أقوال الرجال لهما، وأن ندور مع الحق حيث كان، ولا نتحيَّز إلى شخص معين غير الرسول، نقبل قولَه كُلَّه، ونردُّ قول (٣) مَنْ خالفه كلَّه، وإلا فاشهدوا بأنَّا أولُ منكرٍ لهذه الطريقة وراغبٍ عنها داعٍ إلى خلافها، واللَّه المستعان. [هل كُلِّف الناس كلهم الاجتهاد ؟] الوجه الثاني والستون: قولكم: "لو كلف الناس كلهم الاجتهاد وأن يكونوا علماء ضاعت مصالح العباد وتعطَّلت الصنائع والمتاجر وهذا مما لا سبيل إليه شرعًا وقدرًا" فجوابه من وجوه؛ أحدهما: أن من رحمة اللَّه سبحانه بنا ورأفته [أنه] (٤) لم يكلْفنا بالتقليد، فلو كلفنا به لضاعت أمورنا، وفسدت مصالحنا، لأنَّا لم نكن ندري من نقلد من المفتين والفقهاء، وهم عدد فوق المئتين، ولا يَدري عددهم في الحقيقة إلا اللَّه، فإن المسلمين قد ملأوا الأرض شرقًا وغربًا وجنوبًا وشمالًا، وانتشر الإسلام بحمد اللَّه وفضله وبلغ ما بلغ الليل، فلو كُلفنا بالتقليد لوقعنا في أعظم العبث (٥) والفساد، ولكلفنا بتحليل الشيء وتحريمه وإيجاب الشيء وإسقاطه معًا إن كلفنا بتقليد كل عالم، وإن كلفنا بتقليد الأعلم فالأعلم

стр. 1364

فمعرفة ما دل عليه القرآن والسنن من الأحكام أسهل بكثير (١) من معرفة الأعلم الذي اجتمعت فيه شروط التقليد، ومعرفة ذلك مشقة على العالم الراسخ فضلًا عن المقلد الذي هو كالأعمى، وإن كلفنا بتقليد البعض وكان جعل ذلك إلى تشهِّينا واختيارنا صار دين اللَّه تبعًا لإرادتنا واختيارنا وشهواتنا، وهو عين المحال؛ فلا بد أن يكون ذلك راجعًا إلى من أمر اللَّه باتباع قوله وتلقِّي الدين من بين شفتيه، وذلك محمد بن عبد اللَّه بن عبد المطلب رسول اللَّه وأمينه على وحيه وحجته على خلقه، ولم يجعل اللَّه هذا المنصب لسواه (٢) بعده أبدًا. الثاني: أن بالنظر والاستدلال صلاح الأمور لا ضياعها، وبإهماله وتقليد مَنْ يُخطئ ويصيب إضاعتها وفسادها كما الواقع شاهد به. والثالث: أن كل واحد منا مأمور بأن يُصدِّق الرسول فيما أخبَر به ويطيعه فيما أمر، وذلك لا يكون إلا بعد معرفةِ أمره وخَبَرَه، ولم يُوجب اللَّه سبحانه من ذلك على الأُمَّة إلا ما فيه حفظ دينها ودنياها وصلاحها في معاشها ومعادها، وبإهمال ذلك تضيع مصالحها وتفسد أمورها، فما خراب العالم إلا بالجهل، ولا عمارته إلا بالعلم. وإذا ظهر العلم في بلد أو محلة قلَّ الشرُّ في أهلها، وإذا خفي العلم هناك ظهر الشر والفساد، ومن لم يعرف هذا فهو ممن لم يجعل اللَّه له نورًا. قال الإمام أحمد: ولولا العلم كان الناس كالبهائم، وقال: الناس أحوج إلى العلم منهم إلى الطعام والشراب؛ لأن الطعام والشراب يحتاج إليه في اليوم مرتين أو ثلاثًا، والعلم يحتاج إليه كل وقت (٣). الرابع: أن الواجب على العبد (٤) أن يعرف ما يخصه من الأحكام، ولا يجب عليه أن يعرف ما لا تدعوه الحاجة إلى معرفته، وليس في ذلك إضاعة لمصالح الخلق ولا تعطيل لمعاشهم؛ فقد كان الصحابة ﵃ قائمين بمصالحهم ومعايشهم (٥) وعمارة حروثهم والقيام على مواشيهم والضَّرْب في الأرض لمتاجرهم والصفق بالأسواق (٦)، وهم أهدى العلماء الذي لا يُشقُّ في العلم

стр. 1365

غُبارهم. الخامس: أن العلم النافع هو الذي جاء به الرسول دون مقدَّرات الأذهان ومسائل الخرص والألغاز، وذلك بحمد اللَّه تعالى أيسر شيء على النفوس تحصيله وحفظه وفهمه، فإنه كتابُ اللَّه الذي يسَّره للذكر كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: ١٧] قال البخاري في "صحيحه" (١): "قال مَطَر الوَرَّاق: هل من طالب علم فيُعان عليه؟ "، ولم يقل فتضيع عليه مصالحه وتتعطل عليه معايشه (٢) وسنة رسوله وهي بحمد اللَّه تعالى مضبوطة محفوظة، وأصول الأحكام التي تدور عليها نحو خمس مئة حديث، وفرشها وتفاصيلها نحو أربعة آلاف حديث وإنما الذي هو في غاية الصعوبة والمشقة مقدَّرات الأذهان وأغلوطات المسائل والفروع والأصول التي ما أنزل اللَّه بها من سُلطان التي كل مالها في نمو وزيادة وتوليد (٣)، والدين كل ماله في غربة ونقصان، واللَّه المستعان. [عدد الأحاديث التي تدور عليها أصول الأحكام وتفاصيلها] الوجه الثالث والستون: قولكم: "قد أجمع الناس على تقليد الزوج لمن يهدي إليه زوجته ليلة الدخول، وعلى تقليد الأعمى في القبلة والوقت، وتقليد المؤذنين، وتقليد الأئمة في الطهارة وقراءة الفاتحة، وتقليد الزوجة في انقطاع دمها ووطئها وتزويجها". فجوابه ما تقدم: أن استدلالكم بهذا من باب المغَاليط، وليس هذا من

стр. 1366

التقليد المذموم على لسان السلف والخلف في شيء، ونحن لم نرجع إلى أقوال هؤلاء لكونهم أخبروا بها، بل لأَنَّ اللَّه ورسوله أمر بقبول قولهم وجعله دليلًا على ترتُّب (١) الأحكام؛ فإخبارهم بمنزلة الشهادة والإقرار، فأين في هذا (٢) ما يسوغ التقليد في أحكام الدين والإعراض عن القرآن والسنن ونصب رجل بعينه ميزانًا على كتاب اللَّه وسنة رسوله؟ [مسألة عقبة بن الحارث ليست دليلًا للمقلدة] الوجه الرابع والستون: قولكم: "أَمَر النبي ﷺ عقبة بن الحارث أن يقلد المرأة التي أخبرته بانها أَرْضعته وزوجَتَه" (٣) فياللَّه العجب فأنتم لا تقلِّدونها في ذلك، ولو كانت إحدى أمهات المؤمنين، ولا تأخذون بهذا الحديث، وتتركونه تقليدًا لمن قلَّدتموه دينكم، وأي شيء في هذا مما يدل على التقليد في دين اللَّه؟ وهل هذا إلا بمنزلة قبول خبر المُخبر عن أمر حسي يخبر به، وبمنزلة قبول الشاهد؟ وهل كان مفارقةُ عقبة لها تقليدًا لتلك الأمَةِ أو اتّباعًا لرسول اللَّه حيث أمره بفراقها؟ فمن بركة التقليد أنكم لا تأمرَونه بفراقها، وتقولون: هي زوجتك حلال وطؤها، وأما نحن فمن حقوق الدليل علينا أن نأمر من وقعت له هذه الواقعة بمثل ما أمر به رسولُ اللَّه ﷺ لعقبة بن الحارث سواء، ولا نترك الحديث تقليدًا لأحد. [الرد على دعوى أن الأئمة قالوا بجواز التقليد] الوجه الخامس والستون: قولكم: "قد صَرَّح الأئمة بجواز التقليد كما قال سفيان: إذا رأيت الرجل يعمل العمل وأنت ترى غيره فلا تنهه، وقال محمد بن الحسن: يجوز للعالم تقليد من هو أعلم منه، ولا يجوز له تقليد مثله، وقال الشافعي في غير موضع: قلته تقليدًا لعمر، وقلته تقليدًا لعثمان، وقلته تقليدًا لعطاء" (٤). جوابه من وجوه: أحدها: أنَّكم إن ادَّعيتم أن جميع العلماء صرَّحوا بجواز التقليد فدعوى

стр. 1367

باطلة، فقد ذكرنا من كلام الصحابة والتابعين وأئمة الإسلام في ذم التقليد وأهله والنهي عنه ما فيه كفاية. [بم لقب الأئمة المقلد ؟] وكانوا يسمون المقلد الإمّعة ومحقب دينه كما قال ابن مسعود: الإمعة الذي يحقِّب (١) دينه الرجال (٢)، وكانوا يسمُّونه الأعمى الذي لا بصيرة له، ويسمون المقلدين أتباع كل ناعق، يميلون مع كل صائح، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يركنوا إلى ركن وثيق، كما قال فيهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (٣)، وكما سَمَّاه الشافعي حاطب ليل (٤)، ونهى عن تقليده وتقليد غيره؛ فجزاه اللَّه عن الإسلام خيرًا، لقد نصح للَّه ورسوله والمسلمين ودعا إلى كتاب اللَّه وسنة رسوله، وأمر باتباعهما دون قوله، وأمر (٥) بأن نعْرِض أقوالَه عليهما فنقبل منها ما وافقهما ونرد ما خالفهما؛ فنحن نناشد المقلدين [اللَّه] (٦): هل حفظوا في ذلك وصيته وأطاعوه أم عَصَوْه وخالفوه؟ وإن ادَّعيتم أن من العلماء من جَوَّز التقليد فكان [ما رأى] (٧). الثاني: أن هؤلاء الذين حكيتم عنهم أنهم جَوَّزوا التقليد لمن هو أعلم منهم هم من أعظم الناس رغبةً عن التقليد واتباعًا للحجة ومخالفة لمن هو أعلم منهم، فأنتم مقرّون أن أبا حنيفة أعلم من محمد بن الحسن ومن أبي يوسف وخلافهما له معروف، وقد صح عن أبي يوسف أنه قال: لا يحل لأحد أن يقول مقالتنا حتى يعلم من أين قلنا (٨). الثالث (٩): أنكم منكرون أن يكون من قلَّدتموه من الأئمة مقلدًا لغيره أشد الإنكار، وقمتم وقعدتم في قول الشافعي: قلته تقليدًا لعمر، وقلته تقليدًا لعثمان، وقلته تقليدًا لعطاء، واضطربتم في حمل كلامه على موافقة الاجتهاد أشدَّ

стр. 1368

الاضطراب، وادعيتم أنه لم يقلد زيدًا في الفرائض، وإنما اجتهد فوافق اجتهاده اجتهاده، ووقع الخاطر على الخاطر، حتى وافق اجتهاده في مسائل المعادة (١) حتى في الأكدرية، وجاء الاجتهاد حذو القذة بالقذة (٢)، فكيف نصبتموه مقلِّدًا هاهنا؟ ولكن هذا التناقض جاء من بركة التقليد، ولو اتبعتم العلم من حيث هو واقتديتم بالدليل وجعلتم الحجةَ إمامًا لما تناقضتم هذا التناقض وأعطيتم كلَّ ذي حق حقه. والرابع: أن هذا من أكبر الحجج عليكم؛ فإن الشافعي قد صرح بتقليد عمر وعثمان وعطاء مع كونه من أئمة المجتهدين، وأنتم -مع إقراركم بأنكم من المقلدين- لا ترون تقليد واحد من هؤلاء، بل إذا قال الشافعي وقال عمر وعثمان وابن مسعود -فضلًا عن سعيد بن المسيب وعطاء والحسن- تركتم تقليدَ هؤلاء وقلَّدتم الشافعي، وهذا عين التناقض؛ فخالفتموه من حيث زعمتم أنكم قلَّدتموه، فإنْ قلَّدتم الشافعي فقلّدوا من قلده الشافعي، فإن قلتم: بل قلدناهم فيما قلدهم فيه الشافعي، قيل: لم يكن ذلك تقليدًا منكم لهم، بل تقليدًا له، وإلا فلو جاء عنهم خلاف قوله لم تلتفتوا إلى أحد منهم. الخامس: أن من ذكرتم من الأئمة لم يقلدوا تقليدكم، ولا سَوَّغوه ألبتّة، بل غاية ما نقل عنهم من التقليد في مسائل يسيرة لم يظفروا فيها بنصٍّ عن اللَّه ورسوله، ولم يجدوا فيها سوى قول من هو أعلم منهم فقلَّدوه، وهذا فعل أهل العلم، وهو الواجب؛ فإن التقليد إنما يباح للمضطر، وأما من عدل عن الكتاب والسنة وأقوال الصحابة وعن معرفة الحق بالدليل مع تمكنه منه إلى التقليد فهو كمن عَدَل إلى الميتة مع قدرته على المذكَّى؛ فإن الأصل أن لا يُقبل قول الغير إلا بدليل إلا عند الضرورة، فجعلتم أنتم حال الضرورة رأس أموالكم.

стр. 1369

سلسلة مكتبة ابن القيم [٦] إعلام الموقعين عن رب العالمين تصنيف أبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب المعروف بابن قيم الجوزية المتوفى سنة ٧٥١ هـ قرأه وقدم له وعلق عليه وخرج أحاديثه وآثاره أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان شارك في التخريج أبو عمر أحمد عبد الله أحمد [المجلد الرابع] دار ابن الجوزي

стр. 1370

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
следующие страницы →