← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17798

إعلام الموقعين عن رب العالمين - ت مشهور

ابن القيم

Полный текст (3 107 стр.). Показаны 1366–1405 · переход к 1371.

стр. 1366

التقليد المذموم على لسان السلف والخلف في شيء، ونحن لم نرجع إلى أقوال هؤلاء لكونهم أخبروا بها، بل لأَنَّ اللَّه ورسوله أمر بقبول قولهم وجعله دليلًا على ترتُّب (١) الأحكام؛ فإخبارهم بمنزلة الشهادة والإقرار، فأين في هذا (٢) ما يسوغ التقليد في أحكام الدين والإعراض عن القرآن والسنن ونصب رجل بعينه ميزانًا على كتاب اللَّه وسنة رسوله؟ [مسألة عقبة بن الحارث ليست دليلًا للمقلدة] الوجه الرابع والستون: قولكم: "أَمَر النبي ﷺ عقبة بن الحارث أن يقلد المرأة التي أخبرته بانها أَرْضعته وزوجَتَه" (٣) فياللَّه العجب فأنتم لا تقلِّدونها في ذلك، ولو كانت إحدى أمهات المؤمنين، ولا تأخذون بهذا الحديث، وتتركونه تقليدًا لمن قلَّدتموه دينكم، وأي شيء في هذا مما يدل على التقليد في دين اللَّه؟ وهل هذا إلا بمنزلة قبول خبر المُخبر عن أمر حسي يخبر به، وبمنزلة قبول الشاهد؟ وهل كان مفارقةُ عقبة لها تقليدًا لتلك الأمَةِ أو اتّباعًا لرسول اللَّه حيث أمره بفراقها؟ فمن بركة التقليد أنكم لا تأمرَونه بفراقها، وتقولون: هي زوجتك حلال وطؤها، وأما نحن فمن حقوق الدليل علينا أن نأمر من وقعت له هذه الواقعة بمثل ما أمر به رسولُ اللَّه ﷺ لعقبة بن الحارث سواء، ولا نترك الحديث تقليدًا لأحد. [الرد على دعوى أن الأئمة قالوا بجواز التقليد] الوجه الخامس والستون: قولكم: "قد صَرَّح الأئمة بجواز التقليد كما قال سفيان: إذا رأيت الرجل يعمل العمل وأنت ترى غيره فلا تنهه، وقال محمد بن الحسن: يجوز للعالم تقليد من هو أعلم منه، ولا يجوز له تقليد مثله، وقال الشافعي في غير موضع: قلته تقليدًا لعمر، وقلته تقليدًا لعثمان، وقلته تقليدًا لعطاء" (٤). جوابه من وجوه: أحدها: أنَّكم إن ادَّعيتم أن جميع العلماء صرَّحوا بجواز التقليد فدعوى

стр. 1367

باطلة، فقد ذكرنا من كلام الصحابة والتابعين وأئمة الإسلام في ذم التقليد وأهله والنهي عنه ما فيه كفاية. [بم لقب الأئمة المقلد ؟] وكانوا يسمون المقلد الإمّعة ومحقب دينه كما قال ابن مسعود: الإمعة الذي يحقِّب (١) دينه الرجال (٢)، وكانوا يسمُّونه الأعمى الذي لا بصيرة له، ويسمون المقلدين أتباع كل ناعق، يميلون مع كل صائح، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يركنوا إلى ركن وثيق، كما قال فيهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (٣)، وكما سَمَّاه الشافعي حاطب ليل (٤)، ونهى عن تقليده وتقليد غيره؛ فجزاه اللَّه عن الإسلام خيرًا، لقد نصح للَّه ورسوله والمسلمين ودعا إلى كتاب اللَّه وسنة رسوله، وأمر باتباعهما دون قوله، وأمر (٥) بأن نعْرِض أقوالَه عليهما فنقبل منها ما وافقهما ونرد ما خالفهما؛ فنحن نناشد المقلدين [اللَّه] (٦): هل حفظوا في ذلك وصيته وأطاعوه أم عَصَوْه وخالفوه؟ وإن ادَّعيتم أن من العلماء من جَوَّز التقليد فكان [ما رأى] (٧). الثاني: أن هؤلاء الذين حكيتم عنهم أنهم جَوَّزوا التقليد لمن هو أعلم منهم هم من أعظم الناس رغبةً عن التقليد واتباعًا للحجة ومخالفة لمن هو أعلم منهم، فأنتم مقرّون أن أبا حنيفة أعلم من محمد بن الحسن ومن أبي يوسف وخلافهما له معروف، وقد صح عن أبي يوسف أنه قال: لا يحل لأحد أن يقول مقالتنا حتى يعلم من أين قلنا (٨). الثالث (٩): أنكم منكرون أن يكون من قلَّدتموه من الأئمة مقلدًا لغيره أشد الإنكار، وقمتم وقعدتم في قول الشافعي: قلته تقليدًا لعمر، وقلته تقليدًا لعثمان، وقلته تقليدًا لعطاء، واضطربتم في حمل كلامه على موافقة الاجتهاد أشدَّ

стр. 1368

الاضطراب، وادعيتم أنه لم يقلد زيدًا في الفرائض، وإنما اجتهد فوافق اجتهاده اجتهاده، ووقع الخاطر على الخاطر، حتى وافق اجتهاده في مسائل المعادة (١) حتى في الأكدرية، وجاء الاجتهاد حذو القذة بالقذة (٢)، فكيف نصبتموه مقلِّدًا هاهنا؟ ولكن هذا التناقض جاء من بركة التقليد، ولو اتبعتم العلم من حيث هو واقتديتم بالدليل وجعلتم الحجةَ إمامًا لما تناقضتم هذا التناقض وأعطيتم كلَّ ذي حق حقه. والرابع: أن هذا من أكبر الحجج عليكم؛ فإن الشافعي قد صرح بتقليد عمر وعثمان وعطاء مع كونه من أئمة المجتهدين، وأنتم -مع إقراركم بأنكم من المقلدين- لا ترون تقليد واحد من هؤلاء، بل إذا قال الشافعي وقال عمر وعثمان وابن مسعود -فضلًا عن سعيد بن المسيب وعطاء والحسن- تركتم تقليدَ هؤلاء وقلَّدتم الشافعي، وهذا عين التناقض؛ فخالفتموه من حيث زعمتم أنكم قلَّدتموه، فإنْ قلَّدتم الشافعي فقلّدوا من قلده الشافعي، فإن قلتم: بل قلدناهم فيما قلدهم فيه الشافعي، قيل: لم يكن ذلك تقليدًا منكم لهم، بل تقليدًا له، وإلا فلو جاء عنهم خلاف قوله لم تلتفتوا إلى أحد منهم. الخامس: أن من ذكرتم من الأئمة لم يقلدوا تقليدكم، ولا سَوَّغوه ألبتّة، بل غاية ما نقل عنهم من التقليد في مسائل يسيرة لم يظفروا فيها بنصٍّ عن اللَّه ورسوله، ولم يجدوا فيها سوى قول من هو أعلم منهم فقلَّدوه، وهذا فعل أهل العلم، وهو الواجب؛ فإن التقليد إنما يباح للمضطر، وأما من عدل عن الكتاب والسنة وأقوال الصحابة وعن معرفة الحق بالدليل مع تمكنه منه إلى التقليد فهو كمن عَدَل إلى الميتة مع قدرته على المذكَّى؛ فإن الأصل أن لا يُقبل قول الغير إلا بدليل إلا عند الضرورة، فجعلتم أنتم حال الضرورة رأس أموالكم.

стр. 1369

سلسلة مكتبة ابن القيم [٦] إعلام الموقعين عن رب العالمين تصنيف أبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب المعروف بابن قيم الجوزية المتوفى سنة ٧٥١ هـ قرأه وقدم له وعلق عليه وخرج أحاديثه وآثاره أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان شارك في التخريج أبو عمر أحمد عبد الله أحمد [المجلد الرابع] دار ابن الجوزي

стр. 1370

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 1371

إِعلامُ الموقِّعِين عَن رَبِّ العَالمين [٤]

стр. 1372

حُقُوق الطَّبْع مَحْفُوظَة لدار ابْن الْجَوْزِيّ الطبعة الأولى رَجَب ١٤٢٣ هـ حُقُوق الطَّبْع مَحْفُوظَة © ١٤٢٣ هـ لَا يسمح بِإِعَادَة نشر هَذَا الْكتاب أَو أَي جُزْء مِنْهُ بِأَيّ شكل من الأشكال أَو حفظه ونسخه فِي أَي نظام ميكانيكي أَو إلكتروني يُمكن من استرجاع الْكتاب أَو تَرْجَمته إِلَى أَي لُغَة أُخْرَى دون الْحُصُول على إِذن خطي مسبق من الناشر دَار ابْن الْجَوْزِيّ للنشر والتوزيع المملكة الْعَرَبيَّة السعودية الدمام - شَارِع ابْن خلدون ت: ٨٤٢٨١٤٦ - ٨٤٦٧٥٨٩ - ٨٤٦٧٥٩٣ ص ب: ٢٩٨٢ - الرَّمْز البريدي: ٣١٤٦١ - فاكس: ٨٤١٢١٠٠ الإحساء - الهفوف - شَارِع الجامعة ت: ٥٨٨٣١٢٢ جدة ت: ٦٥١٦٥٤٩ الرياض ت: ٤٢٦٦٣٣٩

стр. 1373

[الفرق بين حال الأئمة وحال المقلدين] الوجه السادس والستون: قولكم: "قال الشافعي ﵁: رأيُ الصحابة لنا خير من رأينا لأنفسنا (١) [ونحن نقول ونَصْدق: رأي الشافعي والأئمة لنا خير من رأينا لأنفسنا] (٢) جوابه من وجوه. أحدها: أنكم أول مخالف لقوله، ولا ترون رأيهم لكم خيرًا من رأي الأئمة لأنفسهم، بل تقولون: رأي الأئمة لأنفسهم خير لنا من رأي الصحابة لنا، فإذا جاءت الفُتيا عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وسادات الصحابة وجاءت الفُتيا عن الشافعي وأبي حنيفة ومالك تركتم ما جاء عن الصحابة وأخذتم بما أفتى به الأئمة، فهلَّا كان رأي الصحابة لكم خيرًا من رأي الأئمة لكم لو نصحتم أنفسكم. [فضل الصحابة وعلمهم] الثاني: أن هذا لا يُوجب [صحة] (٣) تقليد مَنْ سِوى الصحابة؛ لما خصَّهم اللَّه به من العلم والفهم والفضل والفقه عن اللَّه ورسوله وشاهدوا الوحي والتلقي عن الرسول بلا واسطة ونزول الوحي بلغتهم وهي غضة محضة لم تُشَبْ، ومراجعتهم رسول اللَّه ﷺ فيما أشكل عليهم من القرآن والسنة حتى يُجَلِّيه لهم؛ فمن له هذه المزية بعدهم؟ ومن شاركهم في هذه المنزلة حتى يقلَّد كما يقلَّدون فضلًا عن وجوب تقليده وسقوط تقليدهم أو تحريمه كما صَرَّح به غلاتُهم؟ (٤) وتاللَّه إن بَيْن علم الصحابة وعلم من قلَّدتموه من الفضل كما بينهم وبينهم في ذلك. قال الشافعي في "الرسالة القديمة" بعد أن ذكرهم وذكر من تعظيمهم وفضلهم: "وهم فوقنا في كل علم واجتهادٍ وورعٍ وعقلٍ وأمر استدرك به عليهم (٥)، وآراؤهم لنا أحمد وأولى [بنا] (٦) من رأينا، قال الشافعي: وقد أثنى اللَّه على الصحابة في القرآن والتوراة والإنجيل، وسَبقَ لهم من الفَضْل على لسان نبيهم ما ليس لأحد بعدهم"، وفي "الصحيحين" من حديث عبد اللَّه بن مسعود عن النبي ﷺ

стр. 1374

قال: "خيرُ الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجيء قوم تسبقُ شهادةُ أحدهم يمينه ويمينه شهادته" (١)، وفي "الصحيحين" من حديث أبي سعيد قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا تسُبُّوا أصحابي؛ فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مُدّ أحدهم ولا نصيفه" (٢) وقال ابنُ مسعود: "إن اللَّه نَظَر في قلوب عباده فوجد قلب محمد خير قلوب العباد، ثم نظر (٣) في قلوب الناس بعده فرأى قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فاختارهم لصحبته، وجعلهم أنصار دينه ووزراء نبيه، فما رآه المؤمنون حسنًا فهو عند اللَّه حسن، وما رأوه (٤) قبيحًا فهو عند اللَّه قبيح" (٥) وقد أمرنا

стр. 1375

رسول اللَّه ﷺ باتباع سنة خلفائه الراشدين (١) وبالاقتداء بالخليفتين (٢). وقال أبو سعيد: كان أبو بكر أعلمنا برسول اللَّه ﷺ (٣)، وشهد رسول اللَّه ﷺ لابن مسعود بالعلم (٤)، ودعا لابن عباس بأن يفقهه اللَّه في الدين ويعلمه التأويل (٥)، وضَمَّه إليه مرة وقال: "اللَّهم علمه الحكمة" (٦) وناول (٧) عمر في المنام القَدَح الذي شرب منه

стр. 1376

حتى رأى الريَّ يخرج من تحت أظفاره، وأَوَّله بالعلم (١)، وأخبر أَنَّ القوم إنْ أطاعوأ أبا بكر وعمر يَرْشدوا (٢)، وأخبر أنه لو كان بعده نبيّ لكان عمر (٣)، وأخبر أن اللَّه جَعل الحقَّ على لسانه وقلبه (٤)، وقال: رضيتُ لكم ما رضي لكم ابنُ أمِّ

стр. 1377

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1378

عبد (١)، يعني: عبد اللَّه بن مسعود (٢)، وفضائلهم ومناقبهم وما خَصَّهم اللَّه به من والفضل، أكثر من أن يذكر، فهل يستوي تقليد هؤلاء وتقليد من بعدهم ممن لا يُدانيهم ولا يُقاربهم؟

стр. 1379

[قول الصحابة حجة] الثالث: أنه لم يختلف المسلمون أنه ليس قول من قَلَّدتموه حجة، وأكثر العلماء بل الذي نص عليه من قلدتموه أن أقوال الصحابة حجة يجب اتباعها، ويحرم الخروج عنها كما سيأتي (١) حكاية ألفاظ الأئمة في ذلك، وأبلغهم فيه الشافعي، ونبين أنه لم يختلف مذهبه أن قول الصحابي حُجَّة، ونذكر نصوصه في الجديد على ذلك إن شاء اللَّه، وأن من حَكى عنه قولين في ذلك فإنما حكى ذلك بلازم قوله، لا بصريحه، وإذا (٢) كان قول الصحابي حجة فقبول قوله واجبٌ متعيّن، وقبول قول من سواه أحسن أحواله أن يكون سائغًا، فقياسُ أحد القائلين على الآخر من أفْسد القياس وأبطله. [ما ركزه اللَّه في فطر عباده من تقليد الأستاذين لا يستلزم جواز التقليد في الدين] الوجه السابع (٣) والستون: قولكم: "وقد جعل اللَّه سبحانه في فِطَرِ العباد تقليد المتعلمين للمعلمين والأستاذين في جميع الصنائع والعلوم إلى آخره" فجوابه أن هذا حق لا ينكره عاقل، ولكن كيف يستلزم ذلك صحة التقليد في دين اللَّه، وقبول قول المتبوع بغير حجة توجب قبول قوله، وتقديم قوله على قول من هو أعلم منه، وترك الحجة لقوله، وترك أقوال أهل العلم جميعًا من السلف والخلف لقوله؟ فهل جعل اللَّه ذلك في فطرة أحد من العالمين؟ ثم يُقال: بل الذي فطر اللَّه عليه عباده طلبُ الحجة والدليل المثبت لقول المدعي، فركز [اللَّه] (٤) سبحانه في فطر الناس أنهم لا يقبلون قول من لم يقم الدليل على صحة قوله، ولأجل ذلك أقام اللَّه سبحانه البراهين القاطعة والحجج الساطعة والأدلة الظاهرة والآيات الباهرة على صدق رسله إقامةً للحجة وقطعًا للمعذرة، هذا وهم أصدقُ خلقه وأعلمُهم وأبرُّهم وأكملهم، فأَتوا بالآيات والحجج والبراهين مع اعتراف أممهم لهم بأنهم أصدق الناس، فكيف يُقبل قول من عداهم بغير حجة تُوجب قبول قوله؟ واللَّه سبحانه إنما أوجب قبول قولهم بعد قيام الحجة وظهور الآيات المستلزمة لصحة دعواهم؛ لما جعل اللَّه في فطر عباده من الانقياد للحجة، وقبول قول صاحبها، وهذا أمر مشتركٌ بين جميع أهل الأرض مؤمنُهم وكافرهم وبرُّهم وفاجرهم الانقياد للحجة وتعظيم صاحبها، وإن

стр. 1380

خالفوه عِنادًا وبغْيًا فلفوات (١) أغراضهم بالانقياد؛ ولقد أحسن القائل: أَبْن (٢) وجهَ قولِ الحقِّ في قلبٍ سامعٍ ... ودَعْه فنورُ الحقِّ يَسري ويُشرقُ سيؤنسه رفقًا (٣) وينسى نِفَارَه ... كما نسي التَّوثيق من هو مُطْلَقُ ففطرةُ اللَّه وشرعته (٤) من أكبر الحجج على فرقة التقليد. [تفاوت الاستعداد لا يستلزم التقليد في كل حكم] الوجه الثامن (٥) والستون: قولكم: " (إن اللَّه) (٦) سبحانه فاوت بين قوى الأذهان كما فاوت بين قوى الأبدان، فلا يليق بحكمته وعدله أن يفرض على كل أحد معرفة الحق بدليله في كل مسألة، إلى آخره" فنحن لا ننكر ذلك، ولا ندَّعي أن اللَّه فَرَضَ على جميع خلقه معرفة الحق بدليله في كل مسألة من مسائل الدين دِقِّه وجِلِّه، وإنما أنكرنا ما أنكره الأئمة ومَنْ تقدَّمهم من الصحابة والتابعين وما حدث في الإسلام بعد انقضاء القرون الفاضلة في القرن الرابع المذموم على لسان رسول اللَّه ﷺ ، من نَصْبِ رجلٍ واحد وجعل فتاويه بمنزلة نصوص الشارع، بل تقديمها (عليها) (٧) وتقديم قولَه على أقوال مَنْ بَعْد رسولِ اللَّه ﷺ من جميع علماء أمته، والاكتفاء بتقليده عن تلقِّي الأحكام من كتاب اللَّه وسنة رسوله وأقوال الصحابة، وأن يضم إلى ذلك أنه لا يقول إلا بما في كتاب اللَّه وسنة رسوله، وهذا مع تضمُّنه للشهادة بما (٨) لا يعلم الشاهد، والقول على اللَّه بلا علم، والإخبار عَمَّن خالفه وإن كان أعلم منه أنه غير مصيب للكتاب والسنة ومتبوعي هو المصيبُ، أو يقول: كلاهما مصيب للكتاب والسنة، وقد تعارضت أقوالُهما، فيجعل أدلة الكتاب والسنة متعارضةً متناقضةً، واللَّه ورسوله يحكم بالشيء وضده في وقت واحد، ودينه تبع لآراء الرجال، وليس له في نَفْس الأمر حكم معين، فهو إما أن يسلك هذا المسلك أو يُخطِّئ من خالف متبوعه، ولا بد له من واحد من الأمرين، وهذا من بركة التقليد عليه. إذا عرفت (٩) هذا فنحن إنما قلنا ونقول: إن اللَّه تعالى أوْجب على العباد أن

стр. 1381

يتقوه بحسب استطاعتهم، وأصل التقوى معرفة ما يُتَّقى ثم العمل به؛ فالواجب على كل عبد أن يبذل جَهده في معرفة ما يتقيه مما أمره اللَّه به ونهاه عنه، ثم يلتزم طاعة اللَّه ورسوله، وما خفي عليه فهو (١) فيه أسوة أمثاله ممن عدا الرسول؛ فكل (٢) أحد سواه قد خفي عليه بعض ما جاء به، ولم يخرجه ذلك عن كونه من أهل العلم، ولم يكلفه اللَّه ما لا يطيق من معرفة الحق واتباعه. قال أبو عمر (٣): وليس أحدٌ بعد رسول اللَّه ﷺ إلا وقد خفي عليه بعض أمره، فإذا أوجبَ اللَّه [سبحانه] (٤) على كل أحد ما استطاعه وبلغته قواه من معرفة الحق وعَذَرَه فيما خفي عليه منه فأخطأ أو قَلَّد فيه غيره كان ذلك هو مقتضى حكمته وعدله ورحمته، بخلاف ما لو فوّض إلى العباد (٥) تقليد من شاءوا من العلماء، وأن يختارَ كلٌّ منهم [له] (٦) رجلًا ينصبه معيارًا على وحيه، ويُعرض عن أخذ الأحكام واقتباسها من مِشكاة الوحي؛ فإن هذا ينافي حكمته ورحمته وإحسانه، ويؤدي إلى ضياع دينه وهجْر كتابه وسنة رسوله كما وقع فيه من وقع، وباللَّه التوفيق. [فرق عظيم بين المقلد والمأموم] الوجه التاسع (٧) والستون: قولكم: "إنكم في تقليدكم بمنزلة المأموم مع الإمام والمتبوع مع التابع فالركب (٨) خلف الدليل" جوابه إنا واللَّه حولها نُدنْدِن، ولكن الشأن في الإمام والدليل والمتبوع الذي فَرضَ اللَّه على الخلائق أن تأتم به وتتبعه وتسير خلفه، وأقسم سبحانه بعزَّته أن العباد لو أتوْه من كل طريق أو استفتحوا من كل باب لم يُفتح لهم حتى يدخلوا خلفه؛ فهذا لعمر اللَّه هو إمام الخلق ودليلهم وقائدهم حقًا، ولم يجعل اللَّه منصب الإمامة بعده إلا لمن دعا إليه، ودَلَّ عليه، وأمر الناس أن يقتدوا به، ويأتموا به، وبسيروا خلفه، وأن لا ينصبوا لأنفسهم (٩) متبوعًا ولا إمامًا ولا دليلًا غيره، بل يكون العلماء مع الناس بمنزلة أئمة (١٠) الصلاة مع المصلين، كل واحدٍ يصلي طاعة للَّه وامتثالًا لأمره، وهم في الجماعة متعاونون متساعدون وبمنزلة (١١) الوفد مع الدليل، كلهم يَحجُّ

стр. 1382

طاعةً للَّه وامتثالًا لأمره، لا أن المأموم يصلي لأجل كون الإمام يصلي (١)، بل هو يصلي صَلَّى إمامه أو لا بخلاف المقلد؛ فإنه إنما ذهب إلى قول متبوعه لأنه قاله، لا لأن الرسول قاله، ولو كان كذلك لدار مع قول الرسول أين كان ولم يكن مقلدًا. فاحتجاجهم بإمام الصلاة ودليل الحاج من أظهر الحجج (٢) عليهم. يوضحه الوجه السبعون: (٣) أن المأموم قد علم أن هذه الصلاة التي فَرضَها اللَّه سبحانه على عباده، وأنه وإمامَه في وجوبها سواء، وأن هذا البيت هو الذي فرض اللَّه حجَّه على كل من استطاع إليه سبيلًا، وأنه هو والدليل في هذا الفرض سواء، فهو لم يحج تقليدًا للدليل، ولم يصل تقليدًا للإمام. وقد استأجر النبي ﷺ دليلًا يدلُّه (٤) على طريق المدينة لما هاجر الهِجْرَة التي فرضها اللَّه عليه (٥)، وصلَّى خلف عبد الرحمن بن عوْف مأمومًا (٦)، والعالم يُصلِّي خلف مثله ومن هو دونه، بل خلف من ليس بعالم، وليس من تقليده في شيء. يوضحه الوجه الحادي والسبعون: (٧) أن المأموم يأتي بمثل ما يأتي به الإمام سواء، والركب يأتون بمثل ما يأتي به الدليل، ولو لم يفعلا ذلك لما كان هذا متَّبعًا، فالمتبع للأئمة هو الذي يأتي بمثل ما أتوا به سواء من معرفة الدليل وتقديم الحجة وتحكيمها حيث كانت ومع من كانت؛ فهذا يكون مُتَّبعًا لهم، وأما مع إعراضه عن الأصل الذي قامت عليه إمامتهم، ويسلك غير سبيلهم ثم يدَّعي أنه مؤتمٌ بهم فتلك أمانيُّهم، ويقال لهم: ﴿هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [النحل: ٦٤].

стр. 1383

[الصحابة كانوا يبلغون الناس حكم اللَّه ورسوله] الوجه الثاني (١) والسبعون: قولكم: "إن أصحاب رسول اللَّه ﷺ فتحوا البلاد، وكان الناسُ حديثي عهد بالإسلام، وكانوا يفتونهم، ولم يقولوا لأحد منهم: عليك أن تطلب معرفة الحق في هذه الفتوى بالدليل" جوابه أنهم لم يفْتُوهم (٢) بآرائهم، وإنما بلَّغوهم ما قاله نبيهم وفعله وأمر به؛ فكان ما أفْتوهم (٣) به هو الحكم والحجة (٤)، وقالوا لهم: هذا عهد نبينا إلينا، وهو عهدنا إليكم، فكان ما يخبرونهم به هو نفس الدليل وهو الحُكم؛ فإن كلام رسول اللَّه ﷺ هو (٥) الحكم وهو دليل الحكم، وكذلك القرآن، وكان الناس إذ ذاك إنما يحرصون على معرفة ما قاله نبيهم وفَعَله وأمر به، وإنما تُبلِّغهم الصحابة ذلك؛ فأين هذا من زمان إنما يحرصُ أشباهُ الناس فيه على ما قاله الآخر فالآخر، وكلَّما تأخر الرجل أخذوا كلامه وهجروا أو كادوا يهجرون كلام من فوقه، حتى تجد أتباع الأئمة أشد الناس هجرًا لكلامهم، وأهل كل عصر إنما يقضون ويفتون بقول الأدنى فالأدنى إليهم وكلما بعد العهد ازداد كلام المتقدم هجرًا ورغبة عنه، حتى إن كتبه لا تكاد تجد عندهم منها شيئًا بحسب تقدم زمانه، ولكن أين قال أصحابُ رسول اللَّه ﷺ للتابعين: لينصبْ كلٌّ منكم لنفسه رجلًا يختاره فيقلده (٦) دينه ولا يلتفت إلى غيره، ولا يتلقى (٧) الأحكام من الكتاب والسنة، بل من تقليد الرجال، فإذا جاءكم عن اللَّه ورسوله شيء وعَمَّن نصَّبتموه إمامًا تقلدونه فخذوا بقوله، ودعوا ما بلغكم عن اللَّه ورسوله؛ فواللَّه لو كُشف الغِطاءُ لكم وحقت الحقائق لرأيتم نفوسكم وطريقكم مع الصحابة كما قال الأول: نزلوا بمكَة في قبائل هاشم ... ونزلْت بالبيداء أبْعدَ منزلِ وكما قال الثاني (٨): سارت مُشرِّقةً وسرتُ مُغَرِّبًا ... شتانَ بين مُشرِّقٍ ومُغرِّبِ

стр. 1384

وكما قال الثالث: أيها المنكِحُ الثريّا سهيلًا ... عَمْرَكَ اللَّه كيف يلتقيانِ هي شاميَّةٌ إذا ما استقلّت ... وسهيل إذا استقل يماني (١) [ليس التقليد من لوازم الشرع] الوجه الثالث (٢) والسبعون: قولكم: "إن التقليد من لوازم الشَّرع والقَدَر، والمنكرون له مضطرون إليه ولا بد كما تقدم بيانه من الأحكام" جوابه أنَّ التقليد المنكر المذموم ليس من لوازم الشرع، وإن كان من لوازم القَدَر، بل بطلانه وفساده من لوازم الشرع، كما عرف بهذه الوجوه التي ذكرناها وأضعافها، وإنما الذي من لوازم الشرع المتابعة، وهذه المسائل التي ذكرتم أنها من لوازم الشرع ليست تقليدًا، وإنما هي متابعة وامتثال للأمر، فإن أبيتم إلا تسميتها تقليدًا فالتقليد بهذا الاعتبار حَقٌّ، وهو من الشرع، ولا يلزم من ذلك أن يكون التقليد الذي وقع النزاع فيه من الشرع، ولا من لوازمه، وإنما بطلانه من لوازمه. يوضحه الوجه الرابع (٣) والسبعون: أن ما كان من لوازم الشرع فبطلان ضده من لوازم الشرع؛ فلو كان التقليد الذي وقع فيه النزاع من لوازم الشرع لكان بطلان الاستدلال واتباع الحجة في موضع التقليد من لوازم الشرع؛ فإن ثبوت أحد النقيضين يقتضي انتفاء الآخر، وصحة أحد الضدين يوجب بطلان الآخر، ونحرِّره دليلًا فنقول: لو كان التقليد من الدين لم يَجُز العدول عنه إلى الاجتهاد والاستدلال؛ لأنه يتضمن بطلانه. فإن قيل: كلاهما من الدِّين: وأحدهما (٤) أكمل من الآخر: فيجوزُ العدول عن المفضول إلى الفاضل. قيل: إذا كان قد انسدَّ بابُ الاجتهاد عندكم وقطعتم طريقه وصار الفَرْض هو التقليد فالعدول عنه إلى ما قد سُدَّ بابه وقُطعت طريقه يكون عندكم معصية

стр. 1385

وفاعله آثمًا، وفي هذا من قطع طريق العلم وإبطال حجج اللَّه وبيّناته وخلو الأرض من قائم للَّه بحججه (١) ما يبطل هذا القول ويدحضه، وقد ضَمِن النبي ﷺ أنه لا تزال طائفة من أمته على الحق لا يضرهم من خَذَلهم ولا من خالفهم حتى تقوم الساعة (٢)، وهؤلاء هم أولو العلم والمعرفة بما بعث اللَّه به رسوله؛ فإنهم على بصيرة وبينة، بخلاف الأعمى الذي قد شهد على نفسه بأنه ليس من أولي العلم والبصائر. والمقصود أن الذي هو من لوازم الشرع المتابعةُ (٣) والاقتداءُ، وتقديم النصوص على آراء الرجال، وتحكيم الكتاب والسنة في كل ما تَنَازع فيه العلماء، وأما الزهد في النصوص والاستغناء عنها بآراء الرجال وتقديمها عليها والإنكار على مَنْ جعل كتاب اللَّه وسنة رسوله وأقوال الصحابة نُصْب عينيه وعرض أقوال العلماء عليها ولم يتخذ من دون اللَّه ولا رسوله وليجةً (٤) فبطلانه من لوازم الشرع، ولا يتم الدين إلا بإنكارِه وإبطالِه، فهذا لونٌ والاتباع لونٌ، واللَّه الموفق. [الرواية غير التقليد] الوجه الخامس (٥) والسبعون: قولكم: "كل حجة أثرية احتججتم بها على بطلان التقليد فأنتم مقلِّدون لحملتِها ورُواتها، وليس بيدِ العالمِ إلا تقليد الراوي، ولا بيد الحاكم إلا تقليد الشاهد، ولا بيد العامي إلا تقليد العالم، إلى آخره". جوابه ما تقدم مرارًا من أن هذا الذي سمَّيتموه تقليدًا هو اتباع أمر اللَّه ورسوله ولو كان هذا تقليدًا لكان كل عالم على وجه الأرض بعد الصحابة مقلدًا، بل كان الصحابة الذين أخذوا عن نظرائهم مقلدين، ومثلُ هذا الاستدلال لا يصْدرُ إلا عن مُشاغبٍ (٦) أو ملبِّس يقصد لبس الحق بالباطل، والمقلِّد لجهله أخذ نوعًا صحيحًا من أنواع التقليد واستدلَّ به على النوع الباطل منه لوجود القدْر المشترك، وغفل عن القَدر الفارق، وهذا هو القياس الباطل المتفق على ذَمِّه، وهو أخو هذا التقليد الباطل، كلاهما في البُطلان سواء. وإذا (٧) جَعَل اللَّه سبحانه خَبرَ الصَّادق حجةً وشهادةَ العدل حجة لم يكن

стр. 1386

متبع الحجة مقلدًا، وإذا (١) قيل إنه مقلد للحجة؛ فحيهلًا (٢) بهذا التقليد وأهله، وهل نُدندن إلا حوله؟ واللَّه المستعان. [الجواب على ادعاء أن التقليد أسلم من طلب الحجة] الوجه السادس (٣) والسبعون: قولكم: "أنتم منعتم من التقليد خشية وقوع المقلد في الخطأ بأن يكون من قَلَّده مخطئًا في فتواه، ثم أوجبتم عليه النظر والاستدلال في طلب الحق، ولا رَيبَ أن صوابه في تقليده لمن هو أعلم منه أقرب من اجتهاده هو لنفسه، كمن أراد شراءَ سلعةً لا خِبْرة له بها فإنه إذا قلَّد عالمًا بتلك السلعة خبيرًا بها أمينًا ناصحًا كان صوابه وحصول غَرَضِه أقرب من اجتهاده لنفسه". جوابه من وجوه: أحدها: أنا مَنَعنا التقليدَ طاعةً للَّه ورسوله، واللَّهُ ورسوله منع منه، وذمَّ أهله في كتابه، وأمر بتحكيمه وتحكيم رسوله وردّ ما تنازعت فيه الأمة إليه وإلى رسوله، وأخبر أن الحُكمَ له وحده، ونهى أن يُتخذ من دونه ودون رسوله وليجةً، وأمر أن يُعتصم بكتابه، ونَهى أن يُتخذ من دونه أولياء وأربابًا يُحل من اتخذهم ما أحلَّوه ويحرم ما حَرَّموه، وجعل من لا علم له بما أنزله على رسوله بمنزلة الأنعام، وأمر بطاعة أولي الأمر إذا كانت طاعتهم طاعة لرسوله بأن يكونوا متبعين لأمره مُخبرين به، وأقسم بنفسه سبحانه أنَّا لا نؤمن حتى نُحكِّم الرسول خاصة فيما شجر بيننا لا نحكم غيره ثم لا نجد في أنفسنا حرجًا مما حكم به كما يجده المقلدون إذا جاء حكمه خلاف قول مَنْ قلدوه، وأن نسلِّم لحكمه تسليمًا (٤)، كما يسلم المقلدون لأقوال من قلدوه، بل تسليمًا أعظم من تسليمهم وأكمل واللَّه المستعان، وذمَّ من حاكم إلى غير الرسول، وهذا كما أنه ثابت في حياته فهو ثابت بعد مماته، فلو كان حيًا بين أظهرنا وتحاكمنا إلى غيره لكنَّا من أهل الذم والوعيد؛ فسنَّته وما جاء به من الهدى ودين الحق، لم يمت، وإن فُقد من بين الأمة شخصُه الكريم فلم يفقد من بيننا (٥) سنته ودعوته وهدْيه، والعلم والإيمان بحمد اللَّه مكانهما، من ابتغاهما وجدهما، وقد ضَمِن اللَّه سبحانه حفظ الذكر

стр. 1387

الذي أنزله على رسوله؛ فلا يزال محفوظًا بحفظ اللَّه محميًا بحمايته لتقوم حجة اللَّه على عباده قرنًا بعد قَرْن؛ إذ كان نبيُّهم آخر الأنبياء ولا نبيَ بعده؛ فكان حفظه لدينه وما أنزله على رسوله مُغنيًا عن رسول آخر بعد خاتم الرسل، والذي أوجبه اللَّه سبحانه وفَرَضه على الصحابة من تلقِّي العلم والهدى من القرآن والسنة دون غيرهما هو بعينه واجبٌ على مَنْ بعدهم، وهو مُحكم لم يُنسخ ولا يتطرق إليه النسخ حتى ينسخ اللَّه العَالَم أو يطوي الدنيا، وقد ذم اللَّه تعالى من إذا دُعي إلى ما أنزل اللَّه وإلى رسوله صدَّ وأعرض، وحذَّره أن تُصيبه مصيبة بإعراضه عن ذلك في قلبه ودينه ودنياه، وحَذَّر من خالف عن أمره واتبع غيره أن تصيبه فتنة أو يصيبه عذاب أليم؛ فالفتنة في قلبه، والعذاب الأليم في بدنه وروحه (١)، وهما (٢) متلازمان؛ فمن فُتن في قلبه بإعراضه عما جاء به ومخالفته له إلى غيره أصيب بالعذاب الأليم ولا بد، وأخبر سبحانه أنه إذا قضى أمرًا على لسان رسوله لم يكن لأحد من المؤمنين أن يختار من أمره غير ما قضاه، فلا خيرة بعد قضائه لمؤمن (٣) ألبتَّة، ونحن نسأل المقلدين: هل يمكن أن يَخفى قضاء اللَّه ورسوله على من قلَّدتموه دينكم في كثير من المواضع أم لا؟ فإن قالوا: "لا يمكن أن يخفى عليه ذلك" أنزلوه فوق منزلة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي والصحابة كلهم. [مثل مما خفي على كبار الصحابة] فليس أحد منهم إلا وقد خفي عليه بعض ما قضى اللَّه ورسوله به. [مسائل خفيت على أبي بكر] فهذا الصِّديق [﵁] (٤) أعلم الأمة به خَفي عليه ميراث الجَدَّة حتى أعلمه به محمد بن مَسْلمة والمُغيرة بن شعبة (٥)، وخفي عليه أن الشَّهيد لا دِية له

стр. 1388

حتى أعلمه به عمر فرجع إلى قوله (١).

стр. 1389

[مسائل خفيت على عمر] وخفي على عمر تيمُّم الجنب فقال: لو بقي شهرًا لم يصلِّ حتى يغتسل (١)، وخفي عليه دية الأصابع فقضى في الإبهام والتي تليها بخمس وعشرين حتى أخبر أن في كتاب آل عمرو بن حَزْم أن رسول اللَّه ﷺ قضى فيها بعشر (٢)؛ فترك قوله ورجع إليه (٣)، وخفي عليه شأن الاستئذان حتى أخبره به أبو موسى وأبو سعيد

стр. 1390

الخدري (١)، وخفي عليه توريث المرأة من دية زوجها حتى كتب إليه الضَّحاك بن سُفيان الكلابي -وهو أعرابي من أهل البادية- أن رسول اللَّه ﷺ أَمَره أن يُورِّث امرأة أَشْيَم الضِّبابي من دية زوجها (٢)، وخفي عليه حكم إمْلَاص (٣) المرأة حتى سأَل عنه فوجده عند المغيرة بن شعبة (٤)، وخفي عليه أمر المجوس في الجزية حتى أخبره عبد الرحمن بن عوف أن رسول اللَّه ﷺ أخذها من مجوس هَجَر (٥)، وخفي عليه سقوط طواف الوداع عن الحائض فكان يردُّهن حتى يطهرن ثم يطفن

стр. 1391

حتى بلغه عن النبي ﷺ خلاف ذلك فرَجعَ إلى قوله (١)، وخفي عليه التسوية بين دية الأصابع وكان يفاضل بينها حتى بلغته السنة في التسوية فرجع إليها (٢)، وخفي عليه شأن متعة الحج وكان ينهى عنها حتى وقف على أن النبي ﷺ أمر بها فترك قوله وأمر بها (٣)، وخفي عليه جواز التسمي بأسماء الأنبياء فنهى عنه حتى أخبره

стр. 1392

[به] (١) طلحة أن النبي ﷺ كَنَّاه أبا محمد فأمسك ولم يتماد (٢) على النهي (٣)، هذا وأبو موسى ومحمد بن مسلمة وأبو أيوب من أشهر الصحابة، ولكن لم يمرّ بباله ﵁ أمر هو بَيْنَ يديه حتى نهى عنه، وكما خفي عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ [الزمر: ٣٠] وقوله: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ [آل عمران: ١٤٤] حتى قال: واللَّه كأني ما سمعتُها قط قبل وقتي هذا (٤).

стр. 1393

وكما خفي عليه حكم الزيادة في المهر على مهور (١) أزواج النبي ﷺ وبناته حتى ذكَّرته تلك المرأة بقوله تعالى: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠] فقال: كلُّ أحد أفقه من عمر حتى النِّساء (٢). وكما خفي عليه أمر الجد والكلالة و [بعض] (٣) أبواب [من] (٤) الربا فتمنَّى أنَّ رسول اللَّه ﷺ كان عهد إليهم فيها عهدًا (٥)، وكما خفي عليه يوم الحديبية أن وَعْد اللَّه لنبيه وأصحابه بدخول مكة مطلق لا يتعين لذلك العام حتى بينه له النبي ﷺ (٦)، وكما خفي عليه جواز استدامة الطيب للمحرم وتطيبه بعد النحر وقبل طواف الإفاضة وقد صحَّت السنة بذلك (٧)، وكما خفي عليه أمر القدوم على محل

стр. 1394

الطاعون والفرار منه حتى أُخبر بأنَّ رسول اللَّه ﷺ قال: "إذا سمعتم به بأرض فلا تدخلوها، وإذا (١) وقع وأنتم بأرض فلا تخرجوا منها فرارًا منه" (٢) هذا وهو أعلم الأمة بعد الصديق على الإطلاق، وهو كما قال ابن مسعود: "لو وضع علم عمر في كفة ميزان وجعل علم أهل الأرض في كفة لرجح علم عمر" (٣) قال الأعمش: فذكرت ذلك لإبراهيم النخعي فقال: واللَّه إني لأحسب عمر ذهب بتسعة أعشار العلم (٣).

стр. 1395

[مسائل خفيت على عثمان وأبي موسى وابن عباس وابن مسعود] وخفي على عثمان بن عفان أقل مدة الحمل حتى ذكَّره ابنُ عباس بقوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ [الأحقاف: ١٥] مع قوله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ [البقرة: ٢٣٣] فرجع إلى ذلك (١)، وخفي على أبي موسى الأشعري ميراثُ بنت الابن مع البنت السدسُ حتى ذُكر له أنَّ رسول اللَّه ﷺ ورَّثها ذلك (٢)، وخفي على ابن عباس (٣) تحريم لحوم الحمر الأهلية حتى ذُكر له أن رسول اللَّه ﷺ حرّمها يوم خيبر (٤)، وخفي على ابن مسعود حكم المُفوِّضة وترددوا

стр. 1396

إليه شهرًا فأفتاهم برأيه ثم بَلَغه النص بمثل ما أفتى به (١). [ما خفي على غير الصحابة أكثر مما يخفى على الصحابة] وهذا باب واسع لو تتبعناه لجاء سِفرًا كبيرًا، فنسأل حينئذ فرقة التقليد: هل يجوز أن يخفى على من قلدتموه بعض شأن رسول اللَّه ﷺ كما خفي ذلك على سادات الأمة أولًا؟ فإن قالوا: "لا يخفى عليه" وقد خفي على الصحابة مع قرب عهدهم؛ بلغوا في الغلو مبلغ مُدّعِي العصمة في الأئمة، وإن قالوا: "بل يجوز أن يخفى عليهم" وهو الواقع وهم مراتب في الخفاء في القلة والكثرة، [قلنا] (٢): فنحن نناشدكم اللَّه الذي هو عند لسان كل قائل وقلبه، وإذا قضى اللَّه ورسوله أمرًا خفي على من قلدتموه هل تبقى لكم الخيرة بين قبول قوله ورده أم تنقطع خيرتكم وتوجبون العمل بما قضاه اللَّه ورسوله عينًا لا يجوز سواه؟ فأعدوا لهذا السؤال جوابًا، وللجواب صوابًا؛ فإن السؤال واقع؛ والجواب لازم. والمقصود أن هذا هو الذي مَنَعنا من التقليد، فأين معكم حجة واحدة تقطع العذر وتسوغ لكم ما ارتضيتموه لأنفسكم من التقليد؟ [بطلان دعوى المقلدة] الوجه الثاني: أن قولكم: "صواب المقلد في تقليده لمن هو أعلم منه أقرب من صوابه في اجتهاده" دعوى باطلة؛ فإنه إذا قلد من قد خالَفه غيرُه ممن هو نظيره أو أعلم منه لم يدر على صوابٍ هو من تقليدِه أم على خطأ، بل هو -كما

стр. 1397

قال الشافعي (١) - حاطب ليل إما أن يقع بيده عود أو أفعى تلدغه، وأما إذا بذل اجتهاده في معرفة الحق فإنه بين أمرين إما أن يظفر به فله أجران وإما أن يخطئه فله أجر (٢)، فهو مصيبٌ للأجر ولا بد، بخلاف المقلد المتعصب فإنه إن أصاب لم يُؤجر، وإن أخطأ لم يَسلمْ من الإثم، فأين صواب الأعمى من صواب البصير الباذل جهده؟. الوجه الثالث: أنه إنما يكون أقرب إلى الصواب إذا عرف أن الصواب مع من قلده دون غيره، وحينئذ فلا يكون مقفدًا له، بل متبعًا للحجة، وأما إذا لم يعرف ذلك ألبتَّة فمن أين لكم أنه أقرب إلى الصواب من باذلِ جهده ومستفرغ وُسعه في طلب الحق؟ الوجه الرابع: أن الأقرب إلى الصواب عند تنازع العلماء مَنْ امتثل أمر اللَّه فردّ ما تنازعوا فيه إلى القرآن والسنة، وأما من رد ما تنازعوا فيه إلى قول متبوعه دون غيره فكيف يكون أقرب إلى الصواب. الوجه الخامس: أن المثال الذي مثلتم به من أكبر الحجج عليكم؛ فإن من أراد شراءَ سلعةٍ أو سلوكِ طريقٍ حين اختلف عليه اثنان أو أكثر، وكلٌّ منهم يأمره بخلاف ما يأمره به الآخر، فإنه لا يقدم على تقليد واحدٍ منهم، بل يبقى مترددًا طالبًا للصواب من أقوالهم؛ فلو أقْدم على قبول قول أحدهم مع مساواة الآخر له في المعرفة والنصيحة والديانة أو كونه فوقه في ذلك عُدَّ مخاطرًا مذمومًا ولم يُمدح إن أصاب، وقد جعل اللَّه في فِطر العقلاء في مثل هذا أن يتوقَف أحدُهم ويطلب ترجيح قول المُخْتَلفين عليه من خارج حتى يستبينَ (٣) له الصواب، ولم يجعل في فِطرهم الهجْمَ على قبول قول واحد واطِّراح قول من عداه. الوجه السابع (٤) والسبعون: أن نقول لطائفة المقلِّدين: هل تسوِّغون تقليد كل عالم من السلف والخلف أو تقليد بعضهم دون بعض؟ فإن سوَّغتم تقليد الجميع

стр. 1398

كان تسويغكم لتقليد من انتميتم إلى مذهبه كتسويغكم لتقليد غيره سواء، فكيف صارت أقوال هذا العالم مذهبًا لكم تُفتون وتقضون بها وقد سوَّغتم من تقليد هذا ما سوغتم من تقليد الآخر؟ فكيف صار هذا صاحب مذهبكم دون هذا؟ وكيف استجزتم أن تردُّوا أقوال هذا وتقبلوا أقوال هذا وكلاهما عالم يسوغ اتباعه؟ فإن كانت أقوالُه من الدين فكيف سَاغَ لكم دفع الدين؟ وإن لم تكن أقواله من الدين فكيف سوغتم تقليده؟ وهذا لا جواب لكم عنه. [مجيء روايتين عن أحد الأئمة كمجيء قولين لإمامين] يوضحه الوجه الثامن (١) والسبعون: أن مَنْ قلَّدتموه إذا رُوي عنه قولان أو (٢) روايتان سوَّغتم العمل بهما، وقلتم: مجتهدٌ له قولان فيسوغ لنا الأخذ بهذا وهذا، وكان القولان جميعًا مذهبًا لكم، فهلَّا جعلتم قول (٣) نظيره من المجتهدين بمنزلة قوله الآخر وجعلتم القولين جميعًا مذهبًا لكم، وربما كان قول نظيره ومن هو أعلمُ منه أرْجح من قوله الآخر وأقرب إلى الكتاب والسنة؟! يوضحه الوجه التاسع (٤) والسبعون: أنكم معاشر المقلدين إذا قال بعض أصحابكم ممن قلدتموه قولًا خلافَ قولِ المتبوع أو خرَّجه على قوله جعلتموه وجهًا وقضيتم وأفتيتم به وألزمتم بمقتضاه، فإذا قال الإمام الذي هو نظير متبوعكم أو فوقه قولًا يخالفه لم تلتفتوا إليه ولم تعدُّوه شيئًا ومعلوم أن واحدًا من الأئمة الذين هم نظير متبوعكم أجلُّ من جميع أصحابه من أوَّلهم إلى آخرهم، فقدِّروا أسوأ التقادير أن يكون قوله بمنزلة وجه في مذهبكم. فياللَّه العجب! صار من أفتى أو حَكَم بقول واحد من مشايخ المذهب أحق بالقبول ممن أفتى بقول الخلفاء الراشدين وابن مسعود وابن عباس وأبيّ بن كعب وأبي الدرداء ومعاذ بن جبل (٥)، وهذا من بركة التقليد عليكم. وتمام ذلك الوجه الثمانون (٦): أنكم إن رُمتم التخلص من هذه الخطة، وقلتم: بل يسوغ تقليد بعضهم دون بعض، وقالت (٧) كلُّ فرقة منكم: يسوغ أو

стр. 1399

يجب تقليد من قلّدناه دون غيره من الأئمة الذين هم مثله أو أعلم منه، كان أقل ما في ذلك معارضة قولكم بقول الفرقة الأخرى في ضرب هذه الأقوال بعضها ببعض، ثم يقال: ما الذي جَعل متبوعَكم أولى بالتقليد من متبوع الفرقة [الأخرى]؟ (١) بأي كتاب أم بأية (٢) سنة؛ وهل تقطعت (٣) الأمة أمرها بينها زُبُرًا وصار ﴿كُلُّ [حِزْبٍ] (٤) بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [المؤمنون: ٥٣] إلا بهذا السبب؟ فكل طائفة تدعو إلى متبوعها وتنْأى عن غيره وتنهى عنه، وذلك مُفْضٍ إلى التفريق بين الأمة، وجعل دين اللَّه تابعًا للتشهي والأغراض وعُرضة للاضطراب والاختلاف، وهذا كله يدل على أن التقليد ليس من عند اللَّه للاختلاف الكثير الذي فيه، ويكفي في فساد هذا المذهب تناقض أصحابه ومعارضة أقوالهم بعضها ببعض، ولو لم يكن فيه من الشناعة إلا إيجابهم تقليد صاحبهم وتحريمهم تقليد الواحد من أكابر الصحابة كما صرَّحوا به في كتبهم. [إيجاب المقلدين تقليد أئمتهم وتحريم تقليد غيرهم] الوجه الحادي والثمانون (٥): أن المقلِّدين حَكَموا على اللَّه قدرًا وشرعًا بالحكم الباطل جهارًا المخالف لما أخبر به رسوله فأخلوا الأرض من القائمين للَّه بحجة (٦)، وقالوا: لم يبقَ في الأرض عالمٌ منذ الأعصار المتقدمة؛ فقالت طائفة: ليس لأحد أن يختار بعد أبي حنيفة وأبي يوسف وزُفَر بن الهُذيل ومحمد بن الحسن والحسن بن زياد اللؤلؤي وهذا قول كثير من الحنفية، وقال بكر بن العلاء القُشيري المالكي (٧): ليس لأحد أن يختار بعد المئتين من الهجرة، وقال آخرون: ليس لأحد أن يختار بعد الأوزاعي وسفيان الثوري ووكيع بن الجرَّاح وعبد اللَّه بن المبارك، وقالت طائفة: ليس لأحد أن يختار بعد الشافعي، واختلف المُقلِّدون من أتباعه فيمن يؤخذ بقوله من المنتسبين إليه ويكون له وجه يُفتي ويحكم به ومَنْ (٨) ليس كذلك، وجعلوهم ثلاث مراتب: طائفةٌ أصحابُ وجوه كابن سُريج (٩) والقَفَّال

стр. 1400

وأبي حامد [الاسفرائيني] (١)، وطائفة أصحابُ احتمالاتٍ لا أصحاب وجوه كأبي المعالي، وطائفة ليسوا أصحاب وجوه ولا احتمالات كأبي حامد [الغزالي] (١) وغيره، واختلفوا متى انسد باب الاجتهاد (٢) على أقوال كثيرة ما أنزل اللَّه بها من سلطان، وعند هؤلاء أن الأرض قد خلت من قائم للَّه بحجة، ولم يبق فيها من يتكلَّم بالعلم، ولم يحل لأحد بعد أن ينظر في كتاب اللَّه ولا سنة رسوله لأخذ الأحكام منهما، ولا يقضي ويُفتي بما فيهما حتى يعرضه على قول مقلِّده ومتبوعه، فإن وَافَقَه حَكَم به وأفتى به، وإلا رده ولم يقبله. وهذه أقوال كما ترى- قد بلغت من الفساد والبطلان والتناقض (٣)، والقول على اللَّه بلا علم، وإبطال حججه، والزهد في كتابه وسنة رسوله، وتلقي الأحكام منهما، مبلغها، ويأبى اللَّه إلا أن يتم نوره ويُصدِّق قولَ رسوله: "إنه لن تخلو (٤) الأرض من قائم للَّه بحجة" (٥)، ولن تزال طائفة من أمته على محض الحق الذي بعثه به (٦)، وأنه لا يزال يُبعث على رأس كل مئة سنة لهذه الأمة من يجدد لها دينها (٧)، ويكفي في فساد هذه الأقوال

стр. 1401

أن يقال لأربابها: فإذا لم يكن لأحد أن يختار بعد مَنْ ذكرتم فمن أين وقع لكم اختيار تقليدهم دون غيرهم؟ وكيف حرَّمتم على الرجل أن يختار ما يؤديه إليه اجتهاده من القول الموافق لكتاب اللَّه وسنة رسوله، وأبحتم لأنفسكم اختيار قول من قلَّدتموه، وأوجبتم على الأمة تقليده، وحرمتم تقليد من سواه، [ورجحتموه على تقليد من سواه] (١)؟ فما الذي سوَّغَ لكم هذا الاختيار الذي لا دليل عليه من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس ولا قول صاحب، وحرم اختيار ما [دل] (٢) عليه الدليل من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة؟ ويقال لكم: فإذا كان لا يجوز الاختيار بعد المئتين عندك ولا عند غيرك فمن أين ساغ لك وأنت لم تولد إلا بعد المئتين بنحو ستين سنة أن تختار قول مالك دون من هو أفضل منه من الصحابة والتابعين أو مَنْ هو مثله من فقهاء الأمصار أو ممن جاء بعده؟ وموجب هذا القول أن أشهب وابن الماجشون ومُطرِّف بن عبد اللَّه وأصبغ بن الفَرَج وسحنون بن سعيد وأحمد بن المعذَّل (٣) ومن في طبقتهم من الفقهاء كان لهم أن يختاروا إلى انسلاخ ذي الحجة من سنة مئتين، فلما استهل هلال المحرم من سنة إحدى ومئتين وغابت الشمس من تلك الليلة حرم عليهم في الوقت بلا مهلة ما كان مطلقًا لهم من الاختيار؟ ويقال للآخرين: أليس من المصائب وعجائب الدنيا تجويزكم الاختيار والاجتهاد والقول في دين اللَّه بالرأي والقياس لمن ذكرتم من أئمتكم، ثم لا تجيزون الاختيار والاجتهاد لحفَّاظ الإسلام وأعلم الأمة بكتاب اللَّه وسنة رسوله وأقوال الصحابة وفتاواهم كأحمد بن حنبل والشافعي وإسحاق بن راهويه ومحمد بن إسماعيل البخاري وداود بن علي ونظرائهم على سعة علمهم بالسنن ووقوفهم على الصحيح منها والسقيم وتحرِّيهم (٤) في معرفة أقوال الصحابة والتابعين ودقة نظرهم ولطف استخراجهم للدلائل ومن قال منهم بالقياس فقياسه

стр. 1402

من أقرب القياس إلى الصواب، وأبعده عن الفساد، وأقربه إلى النصوص، مع شدة ورعهم وما منحهم اللَّه من محبة المؤمنين لهم وتعظيمِ المسلمين علمائِهم وعامَّتِهم لهم، فإن احتجَّ كل فريق منهم بترجيح متبوعه بوجه من وجوه التراجيح من (١) تقدم زمان أو زهد أو ورع أو لقاء شيوخ وأئمة لم يلقهم مَنْ بعده أو كثرة أتباع لم يكونوا لغيره أَمكنَ الفريق الآخر أن يُبدوا لمتبوعهم من الترجيح بذلك أو غيره ما هو مثل هذا أو فوقه، وأمكن غير هؤلاء كلهم أن يقولوا لهم جميعًا: نفوذ قولكم هذا إن لم تأنفوا من التناقض يوجب عليكم أن تتركوا قول متبوعكم لقول من هو أقدم منه من الصحابة والتابعين وأعلم وأورع وأزهد وأكثر أتباعًا وأجل، فأين أتباع ابن عباس وابن مسعود وزيد بن ثابت ومعاذ بن جبل بل أتباع عمر وعلي من أتباع الأئمة المتأخرين في الكثرة والجلالة؟ [فضل الصحابة والتابعين وتابعي التابعين] وهذا أبو هريرة ﵁ قال البخاري (٢): "حَملَ العلم عنه ثمان مئة رجل ما بين صاحب وتابع"، وهذا زيد بن ثابت من جملة أصحابه عبد اللَّه بن عباس، وأين في أتباع الأئمة مثل عطاء وطاوس ومجاهد وعكرمة وعُبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عُتبة وجابر بن زيد؟ وأين في أتباعهم مثل السَّعيدين والشعبى ومسروق وعلقمة والأسود وشُريح؟ وأين في أتباعهم مثل نافع وسالم والقاسم وعروة وخارجة بن زيد وسليمان بن يسار وأبي بكر بن عبد الرحمن؟ فما الذي جَعلَ الأئمةَ بأتباعِهم أَسعدَ من هؤلاء بأتباعهم؟ ولكن أولئك وأتباعهم على قدر عصرهم فعظمُهم وجلالتُهم وكبرُهم منع المتأخرين من الاقتداء بهم، وقالوا بلسان قالهم وحالهم: هؤلاء كبارٌ علينا لسنا من زبونهم، كما صَرَّحوا وشهدوا على أنفسهم بأن (٣) أقدارهم تتقاصر عن تلقي العلم من القرآن والسنة، وقالوا: لسنا أهلًا لذلك، لا لقصور الكتاب والسنة، ولكن لعجزنا نحن وقصورنا، فاكتفينا بمن هو أعلم بهما مِنَّا، فيقال لهم: فَلِمَ تنكرون على من اقتدى بهما وحَكَّمهما وتحاكم إليهما وعَرضَ أقوال العلماء عليهما فما وافقهما قبِله وما خالفهما رَدَّه؟ فهب أنكم لم تصلوا إلى هذا العنقود فلم تنكرون على من وصل إليه وذاق حَلاوتَه؟ وكيف

стр. 1403

تحجّزتم الواسع من فضل اللَّه الذي ليس على قياسه عقول العالمين ولا اقتراحاتهم، وهم كان كانوا في عصركم ونشأوا معكم وبينكم وبينهم نسب قريب فالئه يَمنُّ على من يشاء من عباده، وقد أنكر اللَّه سبحانه على من رد النبوة بأن اللَّه صَرَفها عن عُظماء القرى ورؤسائها (١) وأعطاها لمن ليس كذلك بقوله: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف: ٣٢] وقد قال النبي ﷺ : "مثل أمتي كالمطر، لا يُدرى أوَّله خيرٌ أم آخره" (٢) وقد أخبر اللَّه سبحانه عن السابقين بأنهم: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ١٣، ١٤]، وأخبر سبحانه أنه: ﴿بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ ثم قال: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ثم أخبر أَنَّ ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الجمعة: ٢ - ٤].

стр. 1404

وقد أطلنا الكلام في القياس والتقليد، وذكرنا من مآخذهما وحجج أصحابهما وما لَهُم وعليهم من المنقول والمعقول ما لا يجده الناظر في كتاب من كتب القوم من أولها إلى آخرها، ولا يظفر به في غير هذا الكتاب أبدًا، وذلك بحول اللَّه وقوته ومعونته وفتحه؛ فله الحمد والمنة، وما كان فيه من صواب فمن اللَّه، هو (١) المانُّ به، وما كان فيه من خطأ فمني ومن الشيطان، وليس اللَّه ورسوله ودينه في شيء منه، وباللَّه التوفيق. فصل في تحريم الإفتاء والحكم في دين اللَّه بما يخالف النصوص، وسقوط الاجتهاد والتقليد عند ظهور النص، وذكر إجماع العلماء على ذلك. [الدلائل على أن النص لا اجتهاد معه] قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات: ١]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٥١]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء: ١٠٥]، وقال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٣]، وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون﴾ [الأنعام: ١٥٣]، وقال تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ [الأنعام: ٥٧]، وقال تعالى: ﴿لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٢٦]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥]، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧] فأكد هذا التأكيد وكرَّر هذا التكرار (٢) في موضع واحد لعظم مفسدة الحكم بغير ما أنزله، وعموم مضرَّته، وبلية الأمة به، وقال تعالى:

стр. 1405

﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣]، وأنكر تعالى على مَنْ حاج في دينه بما ليس له به علم فقال: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٦] ونَهى أن يقولَ أحدٌ هذا حلال، وهذا حرام لما لم يحرمه اللَّه ورسوله نصًا، وأخبر أن فاعل ذلك مُفْترٍ عليه الكذبَ (١)، فقال: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النحل: ١١٦] والآيات في هذا المعنى كثيرة. [الدليل من السنة على تحريم الإفتاء بغير النص] وأما السنة ففي: "الصحيحين" من حديث ابن عَبَّاس أن هلال بن أمية قذف امرأته بشَريك بن سخماء عند النبي ﷺ ، فذكر حديث اللعان وقول النبي ﷺ : "أبصِروها (٢)؛ فإن جاءت به أكْحل العينين سابغ الألْيتين خَدَلَّج الساقين (٣) فهو لشَريك بن سَحماء، كان جاءت به كذا وكذا فهو لهلال بن أمية" (٤) فجاءت به على النعت المكروه فقال النبي ﷺ : "لولا ما مضى من كتاب اللَّه لكان لي ولها شأن" (٥) يريد- واللَّه ورسوله أعلم- بكتاب اللَّه قوله تعالى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور: ٨] ويريد بالشان واللَّه أعلم أنه كان يحدها لمشابهة ولدها للرجل الذي رُميت به، ولكن كتاب اللَّه فصل الحكومة، وأسقط كل قول وراءه، ولم يبق للاجتهاد بعده موقع.
следующие страницы →