← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17798

إعلام الموقعين عن رب العالمين - ت مشهور

ابن القيم

Полный текст (3 107 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

أن يقال لأربابها: فإذا لم يكن لأحد أن يختار بعد مَنْ ذكرتم فمن أين وقع لكم اختيار تقليدهم دون غيرهم؟ وكيف حرَّمتم على الرجل أن يختار ما يؤديه إليه اجتهاده من القول الموافق لكتاب اللَّه وسنة رسوله، وأبحتم لأنفسكم اختيار قول من قلَّدتموه، وأوجبتم على الأمة تقليده، وحرمتم تقليد من سواه، [ورجحتموه على تقليد من سواه] (١)؟ فما الذي سوَّغَ لكم هذا الاختيار الذي لا دليل عليه من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس ولا قول صاحب، وحرم اختيار ما [دل] (٢) عليه الدليل من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة؟ ويقال لكم: فإذا كان لا يجوز الاختيار بعد المئتين عندك ولا عند غيرك فمن أين ساغ لك وأنت لم تولد إلا بعد المئتين بنحو ستين سنة أن تختار قول مالك دون من هو أفضل منه من الصحابة والتابعين أو مَنْ هو مثله من فقهاء الأمصار أو ممن جاء بعده؟ وموجب هذا القول أن أشهب وابن الماجشون ومُطرِّف بن عبد اللَّه وأصبغ بن الفَرَج وسحنون بن سعيد وأحمد بن المعذَّل (٣) ومن في طبقتهم من الفقهاء كان لهم أن يختاروا إلى انسلاخ ذي الحجة من سنة مئتين، فلما استهل هلال المحرم من سنة إحدى ومئتين وغابت الشمس من تلك الليلة حرم عليهم في الوقت بلا مهلة ما كان مطلقًا لهم من الاختيار؟ ويقال للآخرين: أليس من المصائب وعجائب الدنيا تجويزكم الاختيار والاجتهاد والقول في دين اللَّه بالرأي والقياس لمن ذكرتم من أئمتكم، ثم لا تجيزون الاختيار والاجتهاد لحفَّاظ الإسلام وأعلم الأمة بكتاب اللَّه وسنة رسوله وأقوال الصحابة وفتاواهم كأحمد بن حنبل والشافعي وإسحاق بن راهويه ومحمد بن إسماعيل البخاري وداود بن علي ونظرائهم على سعة علمهم بالسنن ووقوفهم على الصحيح منها والسقيم وتحرِّيهم (٤) في معرفة أقوال الصحابة والتابعين ودقة نظرهم ولطف استخراجهم للدلائل ومن قال منهم بالقياس فقياسه

стр. 1402

من أقرب القياس إلى الصواب، وأبعده عن الفساد، وأقربه إلى النصوص، مع شدة ورعهم وما منحهم اللَّه من محبة المؤمنين لهم وتعظيمِ المسلمين علمائِهم وعامَّتِهم لهم، فإن احتجَّ كل فريق منهم بترجيح متبوعه بوجه من وجوه التراجيح من (١) تقدم زمان أو زهد أو ورع أو لقاء شيوخ وأئمة لم يلقهم مَنْ بعده أو كثرة أتباع لم يكونوا لغيره أَمكنَ الفريق الآخر أن يُبدوا لمتبوعهم من الترجيح بذلك أو غيره ما هو مثل هذا أو فوقه، وأمكن غير هؤلاء كلهم أن يقولوا لهم جميعًا: نفوذ قولكم هذا إن لم تأنفوا من التناقض يوجب عليكم أن تتركوا قول متبوعكم لقول من هو أقدم منه من الصحابة والتابعين وأعلم وأورع وأزهد وأكثر أتباعًا وأجل، فأين أتباع ابن عباس وابن مسعود وزيد بن ثابت ومعاذ بن جبل بل أتباع عمر وعلي من أتباع الأئمة المتأخرين في الكثرة والجلالة؟ [فضل الصحابة والتابعين وتابعي التابعين] وهذا أبو هريرة ﵁ قال البخاري (٢): "حَملَ العلم عنه ثمان مئة رجل ما بين صاحب وتابع"، وهذا زيد بن ثابت من جملة أصحابه عبد اللَّه بن عباس، وأين في أتباع الأئمة مثل عطاء وطاوس ومجاهد وعكرمة وعُبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عُتبة وجابر بن زيد؟ وأين في أتباعهم مثل السَّعيدين والشعبى ومسروق وعلقمة والأسود وشُريح؟ وأين في أتباعهم مثل نافع وسالم والقاسم وعروة وخارجة بن زيد وسليمان بن يسار وأبي بكر بن عبد الرحمن؟ فما الذي جَعلَ الأئمةَ بأتباعِهم أَسعدَ من هؤلاء بأتباعهم؟ ولكن أولئك وأتباعهم على قدر عصرهم فعظمُهم وجلالتُهم وكبرُهم منع المتأخرين من الاقتداء بهم، وقالوا بلسان قالهم وحالهم: هؤلاء كبارٌ علينا لسنا من زبونهم، كما صَرَّحوا وشهدوا على أنفسهم بأن (٣) أقدارهم تتقاصر عن تلقي العلم من القرآن والسنة، وقالوا: لسنا أهلًا لذلك، لا لقصور الكتاب والسنة، ولكن لعجزنا نحن وقصورنا، فاكتفينا بمن هو أعلم بهما مِنَّا، فيقال لهم: فَلِمَ تنكرون على من اقتدى بهما وحَكَّمهما وتحاكم إليهما وعَرضَ أقوال العلماء عليهما فما وافقهما قبِله وما خالفهما رَدَّه؟ فهب أنكم لم تصلوا إلى هذا العنقود فلم تنكرون على من وصل إليه وذاق حَلاوتَه؟ وكيف

стр. 1403

تحجّزتم الواسع من فضل اللَّه الذي ليس على قياسه عقول العالمين ولا اقتراحاتهم، وهم كان كانوا في عصركم ونشأوا معكم وبينكم وبينهم نسب قريب فالئه يَمنُّ على من يشاء من عباده، وقد أنكر اللَّه سبحانه على من رد النبوة بأن اللَّه صَرَفها عن عُظماء القرى ورؤسائها (١) وأعطاها لمن ليس كذلك بقوله: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [الزخرف: ٣٢] وقد قال النبي ﷺ : "مثل أمتي كالمطر، لا يُدرى أوَّله خيرٌ أم آخره" (٢) وقد أخبر اللَّه سبحانه عن السابقين بأنهم: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ﴾ [الواقعة: ١٣، ١٤]، وأخبر سبحانه أنه: ﴿بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ ثم قال: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ثم أخبر أَنَّ ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الجمعة: ٢ - ٤].

стр. 1404

وقد أطلنا الكلام في القياس والتقليد، وذكرنا من مآخذهما وحجج أصحابهما وما لَهُم وعليهم من المنقول والمعقول ما لا يجده الناظر في كتاب من كتب القوم من أولها إلى آخرها، ولا يظفر به في غير هذا الكتاب أبدًا، وذلك بحول اللَّه وقوته ومعونته وفتحه؛ فله الحمد والمنة، وما كان فيه من صواب فمن اللَّه، هو (١) المانُّ به، وما كان فيه من خطأ فمني ومن الشيطان، وليس اللَّه ورسوله ودينه في شيء منه، وباللَّه التوفيق. فصل في تحريم الإفتاء والحكم في دين اللَّه بما يخالف النصوص، وسقوط الاجتهاد والتقليد عند ظهور النص، وذكر إجماع العلماء على ذلك. [الدلائل على أن النص لا اجتهاد معه] قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات: ١]، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٥١]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء: ١٠٥]، وقال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: ٣]، وقال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون﴾ [الأنعام: ١٥٣]، وقال تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ﴾ [الأنعام: ٥٧]، وقال تعالى: ﴿لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٢٦]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥]، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧] فأكد هذا التأكيد وكرَّر هذا التكرار (٢) في موضع واحد لعظم مفسدة الحكم بغير ما أنزله، وعموم مضرَّته، وبلية الأمة به، وقال تعالى:

стр. 1405

﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣]، وأنكر تعالى على مَنْ حاج في دينه بما ليس له به علم فقال: ﴿هَاأَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [آل عمران: ٦٦] ونَهى أن يقولَ أحدٌ هذا حلال، وهذا حرام لما لم يحرمه اللَّه ورسوله نصًا، وأخبر أن فاعل ذلك مُفْترٍ عليه الكذبَ (١)، فقال: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النحل: ١١٦] والآيات في هذا المعنى كثيرة. [الدليل من السنة على تحريم الإفتاء بغير النص] وأما السنة ففي: "الصحيحين" من حديث ابن عَبَّاس أن هلال بن أمية قذف امرأته بشَريك بن سخماء عند النبي ﷺ ، فذكر حديث اللعان وقول النبي ﷺ : "أبصِروها (٢)؛ فإن جاءت به أكْحل العينين سابغ الألْيتين خَدَلَّج الساقين (٣) فهو لشَريك بن سَحماء، كان جاءت به كذا وكذا فهو لهلال بن أمية" (٤) فجاءت به على النعت المكروه فقال النبي ﷺ : "لولا ما مضى من كتاب اللَّه لكان لي ولها شأن" (٥) يريد- واللَّه ورسوله أعلم- بكتاب اللَّه قوله تعالى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ [النور: ٨] ويريد بالشان واللَّه أعلم أنه كان يحدها لمشابهة ولدها للرجل الذي رُميت به، ولكن كتاب اللَّه فصل الحكومة، وأسقط كل قول وراءه، ولم يبق للاجتهاد بعده موقع.

стр. 1406

[من أقوال العلماء في ذلك المعنى] وقال الشافعي: أخبرنا سُفيان بن عُيينة، عن عُبيد اللَّه (١) بن أبي يزيد، عن أبيه قال: أرسل عمر بن الخطاب ﵁، إلى شيخ من زهرة كان يسكن دارنا، فذهبتُ معه إلى عمر، فسأله عن وِلادٍ من ولادِ الجاهلية، فقال: أما الفراش فلفلان، وأما النطفة فلفلان؛ فقال عمر: صدقت، ولكن رسول اللَّه ﷺ قضى بالفراش (٢). قال الشافعي: وأخبرني من لا أتهم عن ابن أبي ذئب قال: أخبرني مَخْلَد بن خُفاف قال: ابتعت غلامًا، فاستغللته، ثم ظهرتُ منه على عيبٍ، فخاصمتُ فيه إلى عمر بن عبد العزيز، فقضى لي [بردّه، وقضى عليَّ] (٣) برد غَلَّته، فأتيت عُروة فأخبرته، فقال: أرُوحُ إليه العشيةَ فأخبره أن عائشة ﵄ أخبرتني أن رسول اللَّه ﷺ : "قضى في مثل هذا أن الخَراجَ بالضمان، فعجلتُ إلى عمر فأخبرته بما أخبرني به عروة عن عائشة عن رسول اللَّه ﷺ ، فقال عمر: فما أيسرَ [هذا] (٤) عليَّ من [رد] (٥) قضاءٍ قضيتُه، اللهم إنك تعلم أني لم أُرِدْ فيه إلا الحقَّ؛ فبَلَغَتْني فيه سنَةٌ عن رسول اللَّه ﷺ فأرد قضاء عمر وأنفذ سنة رسول اللَّه ﷺ ، فراح إليه عروة؛ فقضى لي أن آخذ الخراج من الذي قضى به عليَّ له (٦). قال الشافعي: وأخبرني مَنْ لا أتهم من أهل المدينة، عن ابن أبي ذئب

стр. 1407

قال: قَضَى سعد بن إبراهيم على رجل بقضية، برأي ربيعةَ بن أبي عبد الرحمن، فأخبرتُه عن النبي ﷺ بخلاف ما قضى به، فقال سعد (١) لربيعة: هذا ابن أبي ذئب، وهو عندي ثقة يُخبرني عن النبي (٢) ﷺ بخلاف ما قضيتُ به، فقال له ربيعة: قد اجتهدتَ ومضى حُكُمك، فقال سعد؛ واعجبًا! أُنفذُ قضاءَ سعد بن أمِّ سعد وأردُّ قضاءَ رسول اللَّه ﷺ ، بل (٣) أردُّ قضاءَ سعد بن أم سعد وأُنفذ قضاءَ رسول اللَّه ﷺ ، فدعا سعدٌ بكتابِ القضيةِ فشقَّه وقضى للمقضيِّ عليه (٤). فليوحشنا المقلدون، ثم أوحشَ اللَّه منهم. وقال أبو النضر (٥) هاشم بن القاسم: حدثنا محمد بن راشد، عن عَبْدة بن أبي لُبابة، عن هشام بن يحيى المخزومي أن رجلًا من ثقيف أتى عمر بن الخطاب فسأله عن امرأة حاضت وقد كانت زارت البيت يوم النحر، ألها أن تنفر [قبل أن تطهر] (٦)؟ فقال عمر: لا، فقال له الثقفيُّ: إن رسول اللَّه ﷺ أفتاني في مثل هذه المرأة بغير ما أفتيتَ به، فقام إليه عمر يضربُه بالدِّرة ويقول له: لم تستفتيني في شيء قد أفتى فيه رسول اللَّه ﷺ (٧)؟ ورواه أبو داود بنحوه. وقال أبو بكر بن أبي شيبة (٨): ثنا صالح بن عبد اللَّه: ثنا سُفيان بن عامر،

стр. 1408

عن عتَّاب بن منصور قال: قال عمر بن عبد العزيز: لا رأيَ لأحد مع سنة سَنَّها رسولُ اللَّه ﷺ . وقال الشافعي: "أجمع الناس على أن مَنْ استبانت له سنة عن رسول اللَّه ﷺ لم يكن له أن يَدعَها لقول أحد [من الناس] " (١). وتواتر عنه أنه قال: "إذا صَحَّ الحديث فاضربوا بقولي الحائط" (٢)، وصح عنه أنه قال: "إذا رويتُ عن رسول اللَّه ﷺ حديثًا ولم آخذ به فاعلموا أن عقلي قد ذهب" (٣)، وصح عنه أنه قال: "لا قولَ لأحدٍ مع سنة رسول اللَّه ﷺ " (٤). وقال إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن سعد بن إياس، عن ابن مسعود أَنَّ رجلًا سأله عن رجل تزوج امرأة فرأى أمها فأعجبته، فطلَّق امرأته ليتزوج أمها، فقال: لا بأس، فتزوجها الرجل، وكان عبد اللَّه على بيت المال؛ فكان يبيع نُفاية بيت المال يعطي الكثير ويأخذ القليل، حتى قَدمَ المدينةَ فسأل أصحاب محمد ﷺ ، فقالوا: لا تحلُّ لهذا الرجل هذه المرأة، ولا تصلح الفضة إلا وزنًا بوزن، فلما قدم عبد اللَّه انطلق إلى الرجل فلم يجده، ووجد قومه فقال: إن الذي أفتيتُ به صاحبَكم لا يحل، وأتى الصيارفة فقال: يا معشر الصيارفة إن الذي كنتُ أبايعكم لا يحل، لا تحل الفضة إلا وزنًا بوزن (٥).

стр. 1409

وفي "صحيح مسلم" من حديث اللَّيث، عن يحيى بن سعيد، عن سُليمان بن يسار أَن أبا هريرة وابن عبَّاس وأبا سلمة [بن عبد الرحمن] (١) تذاكروا في المتوفى عنها الحامل تضعُ عند وفاة زوجها، فقال ابن عباس: تعتد آخر الأجلين، فقال أبو سلمة: تحل حين تضع، فقال أبو هريرة: وأنا مع ابن أخي، فأرسلوا إلى أم سلمة فقالت: قد وضعت سبيعةُ بعد وفاة زوجها بيسير، فأمرها رسول اللَّه ﷺ أن تتزوج (٢). وقد تقدَّم من ذكر رجوع عمر ﵁، وأبي موسى وابن عباس (٣) عن اجتهادهم إلى السنة ما فيه كفاية. وقال شدَّاد بن حكيم، عن زُفر بن الهُذيل: إنما نأخذ بالرأي ما لم يجئ الأثر (٤)، فإذا جاء الأثر تركنا الرأي، وأخذنا بالأثر (٥). وقال محمد بن إسحاق بن خزيمة الملقب بإمام الأئمة: لا قولَ لأحدٍ مع رسول اللَّه ﷺ إذا صح الخبر عنه (٦)، وقد كان إمام الأئمة ابنُ خزيمة رحمه اللَّه تعالى له أصحاب ينتحلون مذهبه، ولم يكن مقلدًا، بل إمامًا مستقلًا كما ذكر البيهقي في "مدخله" (٧) عن يحيى بن محمد العنبري، قال: طبقات أصحاب الحديث خمسةٌ: المالكية، والشافعية، والحنبلية، والراهوية (٨)، والخزيمية أصحابُ ابن خزيمة. وقال الشافعي: إذا حدَّث الثقة عن الثقة إلى أن ينتهي إلى رسول اللَّه ﷺ

стр. 1410

فهو ثابت، ولا يترك لرسول اللَّه ﷺ حديث أبدًا، إلا حديث وُجِد عن رسول اللَّه ﷺ آخر يخالفه (١). وقال في كتاب: "اختلافه مع مالك": ما كان الكتاب والسنة موجودين فالعذُر على من سمعهما مقطوعٌ إلا بإتيانهما (٢). [وقال] (٣) الشافعي: قال لي قائل: دُلَني على أن عمر عمل شيئًا ثم صار إلى غيره لخبر (٤) نبوي، قلت له: حدثنا سُفيان، عن الزُّهريِّ، عن ابن المسيب أن عمر كان يقول: الدية للعاقلة، ولا تَرثُ المرأة من دية زوجها، حتى أخبره الضحاك بن سفيان أن رسول اللَّه ﷺ كتب إليه أن يُورِّث امرأة الضِّبابي من ديته فرجع إليه عمر (٥)، وأخبرنا ابن عُيينة، عن عمرو وابن طاوس (٦) [عن طاوس] أن عمر قال: أذكِّرُ اللَّه امرأً سمع من النبي ﷺ في الجنين شيئًا، فقام حَمَل بن مالك بن النابغة فقال: كنت بين جاريتين لي، فضربت إحداهُما الأخرى بمسطح (٧)، فألقت جنينًا ميِّتًا، فقضى فيه رسول اللَّه ﷺ بغُرَّة (٨)، فقال عمر: لو لم نسمع فيه هذا لقضينا فيه بغير هذا، أو قال: إن كِدنا لنقضي فيه برأينا (٩). فترك اجتهاده ﷺ للنّص.

стр. 1411

[يصار إلى الاجتهاد وإلى القياس عند الضرورة] وهذا هو الواجب على كل مسلم؛ إذ اجتهادُ الرأي إنما يُباح للمضطر كما تباح [له] (١) الميتة والدم عند الضرورة، ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٧٣]. وكذلك القياس إنما يُصار إليه عند الضرورة، قال الإمام أحمد ﵀: سألت الشافعي عن القياس، فقال: عند الضرورة، ذكره البيهقي في: "مدخله" (٢).

стр. 1412

وكان زيد بن ثابت لا يرى للحائض أن تنفَر حتى تطوف طواف الوداع، وتَناظَر في ذلك هو وعبد اللَّه بن عباس، فقال له ابن عباس: إمّالًا (١) فسَلْ فلانةً الأنصارية، هل أمرها بذلك رسول اللَّه ﷺ ، فرجع زيد يضحك ويقول: ما أراك إلا قد صدقتَ ذكره البخاري في "صحيحه" بنحوه (٢). وقال ابن عمر: كنا نُخابِر (٣) ولا نرى بذلك بأسًا، حتى زعم رافعٌ أن رسول اللَّه ﷺ نهى عنها، فتركناها من أجل ذلك (٤). وقال عمرو بن دينار، عن سالم بن عبد اللَّه: إنَّ عمر بن الخطاب نهى عن الطِّيب قبل زيارة البيت وبعد الجمرة، فقالت عائشة: طَيَّبت رسول اللَّه ﷺ بيدي لإحرامه قبل أن يحرم، ولحِلِّه قبل أن يطوف بالبيت، وسنَّةُ رسول اللَّه ﷺ أحق (٥).

стр. 1413

قال الشافعي: فترك سالم قول جَدِّه لروايتها، قلتُ: لا كما تصنع فرقة التقليد. وقال الأصم: أخبرنا الرَّبيعُ بن سُليمان: [سمعتُ الشافعي يقول] لنعطينَّك جملة تغنيك إن شاء اللَّه: لا تدع لرسول اللَّه ﷺ حديثًا أبدًا إلا أن يأتي عن رسول اللَّه ﷺ خلافه فتعمل بما قلتُ لك في الأحاديث إذا اختلفت (١). [نقول عن الشافعي في المسألة] قال الأصم: وسمعت الربيع يقول: سمعت الشافعي يقول: إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول اللَّه ﷺ فقولوا بسنة رسول اللَّه ﷺ ودعوا ما قلت (٢). وقال أبو محمد الجارودي: سمعت الربيع يقول: سمعت الشافعي يقول: إذا وجدتم سنة [من] (٣) رسول اللَّه ﷺ خلاف قولي فخذوا بالسنة ودعوا قولي، فإني أقول بها (٤). وقال أحمد بن علي بن عيسى بن ماهان [الرازي] (٥): سمعت الربيع يقول: سمعت الشافعي يقول: كل مسألة تكلَّمتُ فيها صح الخبر فيها عن النبي ﷺ عند أهل النقل بخلاف ما قلت فأنا راجع عنها في حياتي وبعد موتي (٦). وقال حرملة بن يحيى: قال الشافعي: [كلُّ] ما قلت وكان (٧) النبي ﷺ قد

стр. 1414

قال بخلاف قولي مما يصح فحديث النبي ﷺ أولى، ولا (١) تقلِّدوني (٢). وقال الحاكم: سمعتُ الأصم يقول: سمعت الربيع يقول: سمعت الشافعي يقول، وروى حديثًا، فقال له رجل: تأخذ بهذا يا أبا عبد اللَّه؟ فقال: متى رويتُ عن رسول اللَّه ﷺ حديثًا صحيحًا فلم آخذ به فأشهدكم أن عقلي قد ذهب، وأشار بيده على رؤوسهم (٣). وقال الحميدي: سأل رجل الشافعي عن مسألة فأفتاه، وقال: قال رسول اللَّه ﷺ كذا، فقال الرجل: أتقول بهذا؟ قال: رأيت في وسطي زُنَّارًا (٤)؟! أتراني خرجتُ من الكنيسة؟! أقول قال النبي ﷺ وتقول لي: أتقول بهذا؟ أروي (٥) عن النبي ﷺ ولا أقول به (٦)؟! وقال الحاكم: أنبأني أبو عمرو بن السماك مشافهة أن أبا سعيد الجَصَّاص حَدَّثهم قال: سمعتُ الربيع بن سليمان يقول: سمعت الشافعي يقول -وسأله رجل عن مسألة فقال: رُوي عن النبي ﷺ أنه قال كذا وكذا، فقال له السائل: يا أبا عبد اللَّه أتقول بهذا؟ فارتعَد الشافعيُّ واصفرَّ وحَالَ لونه، وقال: -ويحك! أي أرض تقلني وأي سماء تظلني إذا رويت عن رسول اللَّه ﷺ شيئًا فلم أقل به؟ نعم على الرأس والعينين، نعم على الرأس والعينين (٧)، وقال: وسمعتُ الشافعي يقول: ما من أحد إلا وتذهب عليه سنةٌ لرسول اللَّه ﷺ وتعزب عنه (٨)، فمهما قلت من قول أو أَصَّلتُ من أصل فيه عن

стр. 1415

رسول اللَّه ﷺ خلاف ما قلت فالقول ما قال رسول اللَّه ﷺ ، وهو قولي، [وجعل] (١) يردد هذا الكلام (٢)، وقال الربيع: قال الشافعي: لم أسمع أحدًا نَسبتْهُ عامةٌ أو نسَبَ نفسه إلى علم يخالف في أن فَرضَ اللَّه اتباع أمر رسول اللَّه ﷺ والتسليم لحكمه فإن اللَّه لم يجعل لأحدٍ بعده إلا اتباعه، وأنه لا يلزم قول [بكل حال] (٣) إلا بكتاب اللَّه أو سنة رسوله، وأن ما سواهما تَبعٌ لهما، وأن فَرْضَ اللَّه علينا وعلى مَنْ بعدنا وقبلنا في قبول الخبر عن رسول اللَّه ﷺ واحدٌ لا يختلف فيه [أنه] الفرض، وواجبٌ قبول الخبر عن رسول اللَّه ﷺ إلا فرقة سأصف قولها إن شاء اللَّه تعالى. وقال الشافعي: ثم تفرَّق أهل الكلام في تثبيت خبر الواحد عن رسول اللَّه ﷺ تفرقًا متباينًا، وتفرق عنهم ممن نَسبتهُ العامة إلى الفقه تفرقًا أتى بعضُهم فيه أكثر من التقليد أو التحقيق من النظر والغفلة والاستعجال بالرياسة (٤). وقال عبد اللَّه بن أحمد: قال أبي: قال لنا الشافعي: إذا صح عندكم (٥) الحديث عن النبي ﷺ فقولوا لي حتى أذهب إليه (٦). وقال الإمام أحمد: كان أحسن أمر الشافعي عندي أنه كان إذا سمع الخبر لم يكن عنده قال به وتَركَ قوله (٧)، وقال الربيع: قال الشافعي: لا نترك الحديث عن رسول اللَّه ﷺ بأن لا يدخله القياس ولا موضع للقياس لموقع السنة (٨)، قال الربيع [عن الشافعي]: وقد روي عن النبي ﷺ بأبي هو وأمي أنه قضى في بَرْوَع

стр. 1416

بنت وَاشِق أنكحت (١) بغير مهر، فمات زوجها، فقضى لها بمهر نسائها، وقضى لها بالميراث (٢)، فإن كان ثبت عن النبي ﷺ فهو أولى الأمور بنا، ولا حجة في

стр. 1417

قول أحد دون النبي ﷺ ولا في قياس ولا في شيء إلا طاعة اللَّه بالتسليم له، وإن كان لا يثبت عن النبي ﷺ لم يكن لأحد أن يثبت عنه ما لم يثبت، ولم أحفظه من وجه يثبت مثله، هو مرة عن معقل بن يسار ومرة عن معقل بن سنان ومرة عن بعض أشجع لا يُسمَّى (١). وقال الربيع: سألت الشافعي عن رفع الأيدي في الصلاة، فقال: يَرفُع المصلي يديه إذا افتتح الصلاة حذو منكبيه، وإذا أراد أن يركع، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك، ولا يَفعل ذلك في السجود. قلت له: فما الحجة في ذلك؟ فقال: أنبأنا ابن عُيينة، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، عن النبي ﷺ مثل قولنا (٢). قال الربيع: فقلت له: فإنا نقول: يَرفعُ في الابتداء ثم لا يعود. قال الشافعي: أنا مالك، عن نافع أن ابن عمر كان إذا افتتح الصلاة رفع يديه حذو منكبيه، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك (٣)، قال الشافعي:

стр. 1418

وهو -يعني مالكًا- يروي عن النبي ﷺ أنه كان إذا افتتح الصلاة رفع (١) يديه حذو منكبيه، وإذا رفع رأسه من الركوع رفعهما كذلك (٢)، ثم خالفتم رسول اللَّه ﷺ وابن عمر، فقلتم (٣): لا يرفع يديه إلا في ابتداء الصلاة، وقد رويتم عنهما أنهما رفعاهما في الابتداء وعند الرفع من الركوع، أفيجوز لعالم أن يتركَ فعل النبي ﷺ (٤) [وفعل] (٥) ابن عمر لرأي نفسه؟ أو فعل النبي ﷺ (٦) لرأي ابن عمر؟ ثم القياس على قول ابن عمر، ثم يأتي موضع آخر يصيب فيه، فيترك على ابن عمر ما روي عن النبي ﷺ ؟ فكيف لم ينهه بعضُ هذا عن بعض؟ أرأيت إذا جاز له أن يروي عن النبي ﷺ أنه رفع (٧) يديه في [الصلاة] مرتين أو ثلاث وعن ابن عمر فيه اثنتين، أنأخذ بواحدة ونترك واحدة؟ أيجوِّز لغيره تَزك الذي أخذ به وأَخْذ الذي ترك؟ أو يجوز لغيره [تركه عليه. قال الشافعي: لا يجوز له ولا لغيره] (٨) ترك ما روي عن النبي ﷺ . فقلت له: فإن صاحبنا قال: فما معنى الرفع؟ قال [الشافعي: هذه الحجة غاية في الجهالة] معناه تعظيم للَّه واتباع لسنة النبي ﷺ ، ومعنى الرفع في الأولى معنى الرفع الذي خالفتم فيه النبي ﷺ عند الركوع وعند رفع الرأس من الركوع، ثم خالفتم فيه روايتكم عن النبي ﷺ وابن عمر معًا، [لغير قول واحد روى عنه رفع الأيدي في الصلاة، تثبت روايته] ويَروي ذلك عن النبي ﷺ ثلاثة عشر رجلًا أو أربعة عشر رجلًا (٩) ورُوي عن أصحاب النبي ﷺ من غير وجه، ومن

стр. 1419

تركه فقد ترك السنة (١). قلت: وهذا تصريح من الشافعي بأن تارك رفع اليدين عند الركوع و [عند] (٢) الرفع منه تارك للسنة، ونص أحمد على ذلك أيضًا في إحدى الروايتين عنه. وقال الربيع: سألت الشافعي عن الطيب قبل الإحرام بما يبقى ريحه بعد الإحرام وبعد رمي الجمرة والحلاق وقبل الإفاضة؟ فقال: جائز، وأحبُّه، ولا كراهة؛ لثبوت السنة فيه عن النبي ﷺ (٣) والأخبار عن غير واحد من الصحابة. فقلت: وما حجتك فيه؟ فذكر الأخبار فيه والآثار ثم قال: أنا ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن سالم قال: قال عمر ﵁: مَنْ رمى الجمرة فقد حَلَّ له ما حرمُ عليه إلا النساء والطيب (٤). قال سالم: وقالت عائشة: طيَّبتُ رسول اللَّه ﷺ بيدي (٥)، وسنة رسول اللَّه ﷺ أحق أن تتبع. قال الشافعي: وهكذا ينبغي أن يكون الصالحون وأهل العلم، فأما ما تذهبون إليه من ترك السنة وغيرها لترك (٦) ذلك [الغير] (٧) لرأي أنفسكم فالعلم إذن إليكم تأتون منه ما شئتم وتدعون ما شئتم (٨). وقال في "الكتاب القديم"، (رواية الزعفراني) في مسألة بيع المُدبَّر في جواب من قال له: إن بعض أصحابك قد قال خلاف هذا، قال الشافعي: فقلت له: من تَبعَ سنَّة رسول اللَّه ﷺ وافقْتُه، ومن غَلط فتركها خالفْتُه، صاحبي (٩) الذي لا أفارقه اللازم الثابت عن (١٠) رسول اللَّه ﷺ وإنْ بَعُد، والذي أفارق من لم يقبل

стр. 1420

بسنة (١) رسول اللَّه ﷺ وإن قرب (٢). وقال في خطبة كتابه: "إبطال الاستحسان" (٣): الحمد للَّه على جميع نعمه بما هو أهله وكما ينبغي له، وأشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، بعثه بكتاب عزيز: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢] فهدى بكتابه، وعلى (٤) لسان رسوله ﷺ ثم أنعم عليه وأقامَ الحجَّةَ على خلقه لئلا يكون للناس على اللَّه حجة بعد الرسل، وقال [تعالى] (٥): ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً﴾ [النحل: ٨٩]، وقال: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: ٤٤] وفرض عليهم اتباع ما أنزل إليهم، وسَنَّ رسول اللَّه ﷺ لهم، فقال: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦] فأَعلَم أن معصيته في ترك [أمره و] (٦) أمر رسول اللَّه ﷺ ، ولم يجعل لهم إلا اتباعه، وكذلك قال لرسول اللَّه ﷺ : ﴿وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ﴾ [الشورى: ٥٢ - ٥٣] مع ما عَفَم اللَّه نبيَّه، ثم فرض اتباع كتابه فقال: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ﴾ [الزخرف: ٤٣]، وقال: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [المائدة: ٤٩] وأعلمهم أنه أكمل لهم دينهم فقال : ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: ٣] إلى أن قال: ثم مَنَّ عليهم بما آتاهم من العلم فأمرهم بالاقتصار عليه، وأن لا يقولوا غيره إلا ما علَّمهم، فقال لنبيِّه: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ [الشورى: ٥٢]، وقال لنبيه: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ [الأحقاف: ٩]، وقال لنبيّه: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤] ثم أنزل على نبيه أنْ غَفَر له ما تقدَّم من ذنبه وما تأخر، يعني -واللَّه أعلم- ما تقدم من ذنبه قبل الوحي وما تأخَّر [قبل] (٧) أن

стр. 1421

يعصمه فلا يذنب، فعلم ما يفعل به مِن رضاه عنه، وأنه أول شافع ومشفع يوم القيامة، وسيّد الخلائق، وقال لنبيه: ﴿ولَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] وجاءه ﷺ رجل في امرأة رجل رماها بالزنا، فقال له يَرْجع، فأوحى اللَّه إليه آية اللعان فلاعن بينهما (١)، وقال: ﴿[قُلْ] (٢) لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: ٦٥]، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ [وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ] (٢)﴾ [لقمان: ٣٤] الآية، وقال لنبيه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا﴾ [النازعات: ٤٢ - ٤٣] فحَجَب عن نبيه علم الساعة، وكان مَنْ عدا ملائكة اللَّه المقربين وأنبياءه المصطفين من عباد اللَّه أقصر علمًا من ملائكته وأنبيائه، واللَّه فَرضَ على خلقه طاعة نبيه، ولم يجعل لهم من الأمر شيئًا. وقد صنَّف الإمام أحمد ﵁ كتابًا في طاعة الرسول ﷺ (٣) ردَّ فيه على من احتج بظاهر القرآن في معارضة سنن رسول اللَّه ﷺ وترك الاحتجاج بها، فقال في أثناء خطبته: إن اللَّه جل ثناؤه وتقدست أسماؤه بعث محمدًا بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون، وأنزل عليه كتابه الهدى والنور لمن اتبعه، وجعل رسولَه الدال على ما أراد من ظاهره وباطنه وخاصِّه وعامِّه وناسخه ومنسوخه وما قصد له الكتاب؛ فكان رسول اللَّه هو المعبِّر عن كتاب اللَّه الدال على معانيه، شَاهَدَه في ذلك أصحابه الذين ارتضاهم اللَّه لنبيه واصطفاهم له، ونقلوا ذلك عنه، فكانوا هم أعلم الناس برسول اللَّه ﷺ ، وبما أراد اللَّه من كتابه بمشاهدتهم ما قصد له الكتاب، فكانوا هم المُعبِّرين عن ذلك بعد رسول اللَّه ﷺ ، قال جابر: ورسول اللَّه ﷺ بين أظهرنا عليه ينزل القرآن وهو

стр. 1422

يعرف تأويله وما عَمِلَ به من شيء عملنا به، ثم ساق الآيات الدالة على طاعة الرسول، فقال جل ثناؤه في أول آل عمران: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (١٣١) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [آل عمران: ١٣١ - ١٣٢]، وقال [تعالى] (١): ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ٣٢]، وقال في النساء: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: ٦٥]، وقال: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ [النساء: ٦٩]، وقال: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٧٩) مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ [النساء: ٧٩ - ٨٠]، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]، وقال: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾ [النساء: ١٣ - ١٤]، وقال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ [وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا] (٢)﴾ [النساء: ١٠٥]، وقال في المائدة: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [المائدة: ٩٢]، وقال: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١)﴾ [الأنفال: ١]، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [الأنفال: ٢٤]، وقال: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ [وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ] (٣)﴾ [الأنفال: ٤٦]، وقال: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور: ٥١، ٥٢]، وقال: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [النور: ٥٦]، وقال: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [النور: ٥٤] وقال: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ

стр. 1423

كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣]، وقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِذَا اسْتَأْذَنُوكَ لِبَعْضِ شَأْنِهِمْ فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ [وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ] (١)﴾ [النور: ٦٢]، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠، ٧١]، وقال: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: ٣٦] وقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأحزاب: ٢١]، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٣]، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، وكان الحسن يقول: لا تذبحوا قبل ذبحه (٢) ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٢) إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى [لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٣) إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٤) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ] (٣) وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات: ٢ - ٥]، وقال: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ [الفتح: ١٧]، وقال: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم: ١ - ٥]، وقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [الحشر: ٧]، وقال: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [التغابن: ١٢]، وقال: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكُمْ ذِكْرًا (١٠) رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [الطلاق: ١٠ - ١١]، وقال: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ

стр. 1424

شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٨) لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ [وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا] (١)﴾ [الفتح: ٩]، وقال: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِنْهُ﴾ [هود: ١٧] قال ابن عباس: هو جبريل، وقاله مجاهد (٢): ﴿وَمِنْ قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ [هود: ١٧]، قال سعيد بن جبير: الأحزاب المِلل (٣)، ثم ذكر حديث يعلى بن أمية: طُفْت مع عمر، فلما بلغنا الركن الغربيَ الذي يلي الأسود جررْتُ بيده ليستلم، فقال: ما شأنك؟ فقلت: ألا تستلم؟ فقال: ألم تطُف مع النبي ﷺ ؟ فقلت: بلى، قال: أفرأيته يستلم هذين الركنين الغربيين؟ قال: لا، قال: أليس لك فيه أسوة حسنة؟ قلت: بلى، قال: فانفذ عنك (٤). قال: وجعل معاوية يستلم الأركان كلها، فقال له ابن عباس: لِمَ تستلم هذين الركنين ولم يكن رسول اللَّه ﷺ يستلمُهما؟ فقال معاوية: ليس شيء من البيت مهجورًا، فقال ابن

стр. 1425

عباس: ﴿ولقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١]، فقال معاوية: صدقت (١).

стр. 1426

ثم ذكر أحمد الاحتجاج على إبطال قول من عارض السنن بظاهر القرآن وردَّها بذلك، وهذا فعل الذين يستمسكون (١) بالمتشابه في رَدِّ المحكم، فإن لم يجدوا لفظًا متشابهًا غير المحكم يردونه به استخرجوا من المحكم وصفًا متشابهًا وردوه به، فلهم طريقان في رد السنن. [طريقان لأرباب الأخذ بالمتشابه في رد السنن] أحدهما: ردها بالمتشابه من القرآن أو من السنن (٢)، الثاني: جعلهم المحكم متشابهًا ليعطلوا دلالته. [رد المتشابه إلى المحكم طريقة الصحابة] وأما طريقة الصحابة والتابعين وأئمة الحديث كالشافعي والإمام أحمد ومالك وأبي حنيفة وأبي يوسف والبخاري وإسحاق فعكس هذه الطريق، وهي أنهم يردُّون المتشابه إلى المحكم، ويأخذون من المحكم ما يُفسِّر لهم المتشابه ويبينه لهم، فتتفق دلالته مع دلالة المحكم، وتوافق النصوص بعضُها بعضًا، ويصدُّق بعضُها بعضًا، فإنَّها كلها من عند اللَّه، [وما كان من عند اللَّه] (٣) فلا اختلاف فيه ولا تناقض، وإنما الاختلاف والتناقض فيما كان من عند غيره. [أمثلة لمن أبطل السنن بظاهر من القرآن] ولنذكر لهذا الأصل أمثلة لشدة حاجة كل مسلم إليه أعظم من حاجته إلى الطعام والشراب. المثال الأول: رد الجهمية النصوص المحكمة غاية الإحكام المبينة بأقصى غاية البيان أن اللَّه موصوفٌ بصفاتِ الكمال من العِلْم والقُدرة والإرادة والحياة والكلام والسمع والبصر والوجه واليدين والغَضَب والرِّضى والفَرح والضَّحك والرحمة والحكمة، وبالأفعال كالمجيء والإتيان والنزول إلى السماء الدنيا ونحو ذلك، والعلم بمجيء الرسول بذلك وإخباره به عن ربه إن لم يكن فوق العلم بوجوب الصلاة والصيام والحج والزكاة وتحريم الظلم والفواحش والكذب فليس يقصرُ عنه، فالعلم الضروريُّ حاصل بأن الرسول أخبر عن اللَّه بذلك، وفَرضَ على

стр. 1427

الأمة تصديقه فيه، فرضًا لا يتم أصل الإيمان إلا به، فرد الجهمية ذلك بالمتشابه من قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١] ومن قوله: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٦٥] ومن قوله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] ثم استخرجوا من هذه النصوص المجملة (١) المبينة احتمالات وتحريفات جعلوها به من قسم المتشابه. [رد الجهمية المحكم من آيات العلو والاستواء] المثال الثاني: ردهم المحكم المعلوم بالضرورة أن الرسل جاءوا به من إثبات علو اللَّه على خلقه واستوائه على عرشه بمتشابه قول اللَّه تعالى (٢): ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤]، وقوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦]، وقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة: ٧] ونحو ذلك، ثم تحيَّلوا وتمحَّلوا حتى ردّوا نصوص (٣) العلو والفوقية بمتشابهه. [رد القدرية النصوص المحكمة] المثال الثالث: رد القدرية النصوص (٤) الصريحة المحكمة في قدرة اللَّه على خلقه، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن بالمتشابه من قوله: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩]، ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيد﴾ [فصلت: ٤٦]، و ﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ (٥) [الطور: ١٦] و [التحريم: ٧] ثم استخرجوا لتلك النصوص المحكمة وجوهًا [أخر] (٦) أخرجوها به من قسم المحكم وأدخلوها في المتشابه. [رد الجبرية النصوص المحكمة] المثال الرابع: رد الجبرية النصوص المحكمة في إثبات كون العبد قادرًا مختارًا فاعلًا [بمشيئته] (٦) بمتشابه قوله: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ (٧)

стр. 1428

[الإنسان: ٣٠]، [﴿وَمَا يَذْكُرُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾] (١) [المدثر: ٥٦]، وقوله: ﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ [وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ] (٢)﴾ [الأنعام: ٣٩] وأمثال ذلك، ثم استخرجوا لتلك النصوص من الاحتمالات التي يقطع السامع أن المتكلم لم يُرِدها ما صيَّروها (٣) به متشابهة. [رد الخوارج والمعتزلة] المثال الخامس: رد الخوارج والمعتزلة النصوص الصريحة المحكمة غاية الإحكام في ثبوت الشفاعة (٤) للعصاة وخروجهم من النار بالمتشابه من قوله: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ﴾ [المدثر: ٤٨]، وقوله: ﴿ربَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ [آل عمران: ١٩٢]، وقوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا﴾ [النساء: ١٤] ونحو ذلك، وفعلوا فيها كفعل (٥) من ذكرنا سواء. [رد الجهمية نصوص الرؤية] المثال السادس: رد الجهمية النصوص المحكمة التي قد بلغت في صراحتها وصحتها إلى أعلى الدرجات في رؤية المؤمنين ربهم (٦) ﵎ في عرصات القيامة وفي الجنة بالمتشابه من قوله: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ [وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ] (٧)﴾ [الأنعام: ١٠٣]، وقوله لموسى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ [الأعراف: ١٤٣]، وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ [أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ﴾ [الشورى: ٥١] ونحوها] (٨)، ثم أحالوا المحكم متشابهًا وردوا الجميع.

стр. 1429

[رد نصوص الأفعال الاختيارية] المثال السابع: رد النصوص الصريحة الصحيحة التي تفوت العد (١) على ثبوت الأفعال الاختيارية للرب سبحانه وقيامها به كقوله: ﴿كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ﴾ [الرحمن: ٢٩]، وقوله: ﴿فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ﴾ [التوبة: ١٠٥]، وقوله: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]، وقوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ﴾ [النمل: ٨]، وقوله: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾ [الأعراف: ١٤٣]، وقوله: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا﴾ [الإسراء: ١٦]، وقوله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا [وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ] (٢)﴾ [المجادلة: ١]، وقوله: ﴿لَقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ﴾ [آل عمران: ١٨١]، [وقول: النبي ﷺ ] (٣) "ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا" (٤)، [وقول اللَّه تعالى] (٥): ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨]، وقوله: "إن ربي قد غَضِبَ اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله ولن يغضبَ بعده مثله" (٦)، وقوله: "إذا قال العبد: الحمدُ للَّه رب العالمين قال اللَّه: حَمَدني عبدي" (٧) الحديث، وأضعاف أضعاف ذلك من النصوص التي تزيد على الألف، فردوا هذا كله مع إحكامه بمتشابه قوله: ﴿لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾ [الأنعام: ٧٦].

стр. 1430

[رد المحكم من نصوص إثبات الحكمة والغاية] المثال الثامن: رد النصوص المحكمة الصريحة التي في غاية الصحة والكثرة على أن الرب سبحانه إنما يفعل ما يفعله لحكمة وغاية محمودة، وجودها خير من عدمها، ودخول لام التعليل في شرعه وقدره أكثر من أن تعد، فردوها بالمتشابه من قوله: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] ثم جعلوها كلها متشابهة. [رد نصوص إثبات الأسباب] المثال التاسع: رد النصوص الصحيحة الصريحة الكثيرة الدالة على ثبوت الأسباب شرعًا وقدرًا كقوله: ﴿بِمَا كنُتُم تعْمَلُونَ﴾ (١) [المائدة: ١٠٥]، ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف: ٣٩ ويونس: ٥٢]، ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [آل عمران: ١٨٢]، ﴿بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ [الحج: ١٠]، ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الأنعام: ٩٣]، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ﴾ [النحل: ١٠٧]، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٩]، ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ [الجاثية: ٣٥]، وقوله: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ﴾ [المائدة: ١٦]، ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾ [البقرة: ٢٦]، وقوله: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾ [ق: ٩]، وقوله: ﴿فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [الأعراف: ٥٧]، وقوله: ﴿فَأَنْشَأْنَا (٢) لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ [المؤمنون: ١٩] وقوله: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ [التوبة: ١٤]، وقوله في العسل: ﴿فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل: ٦٩]، و [قوله] (٣) في القرآن: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: ٨٢] إلى أضعاف [أضعاف] (٤) ذلك من النصوص المثبتة للسبب (٥) فردوا ذلك كله بالمتشابه من قوله: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٣]، وقوله: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧]

стр. 1431

وقول النبي ﷺ : "ما أنا حملتكم ولكن اللَّه حملكم" (١) ونحو ذلك، وقوله: "إني لا أعطي أحدًا ولا أمنعه" (٢)، وقوله للذي سأله عن العَزْل عن أمته: "اعزل عنها فسيأتيها ما قُدِّر لها" (٣)، وقوله: "لا عَدْوَى ولا طِيَرَةَ" (٤)، وقوله: "فمن أعدى الأول" (٥)، وقوله: "أرأيت إنْ منعَ اللَّه الثمرة" (٦)، ولم يقل منعها البرد أو (٧) الآفة التي تصيب الثمار، ونحو ذلك من المتشابه الذي إنما يدل على أن مالكَ السَّببِ وخالقه يتصرف فيه؛ بأن يُسلبه سببيَّته إن شاء، ويُبقيها عليه إن شاء، كما سَلَبَ النار قوَّةَ الإحراق عن الخليل، ويا للَّه العجب! أترى من أثبت الأسباب، وقال: إن اللَّه خالقها أثبتَ خالقًا غير اللَّه؟! وأما قوله: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى﴾ [الأنفال: ١٧] فغاب عنهم فقه الآية وفهمها، والآية من أكبر معجزات النبي ﷺ ، والخطاب بها خاص لأهل بدر. وكذلك القبضة التي رمى بها النبي ﷺ فأوصلها اللَّه سبحانه إلى جميع وجوه المشركين (٨)، وذلك خارج عن قدرته ﷺ ،

стр. 1432

وهو الرمي الذي نفاه عنه، وأثبت له الرمي الذي هو في محل قدرته وهو الخذْف (١)، وكذلك القَتْل الذي نفاه عنهم هو قتل لم تباشره أيديهم، وإنما باشرته أيدي الملائكة، فكان أحدهم يشتدُّ في أَثَر الفارس وإذا برأسه قد وقع أمامه من ضربة الملك، ولو كان المراد ما فهمه هؤلاء الذين لا فقه لهم في فهم النصوص لم يكن فرق بين ذلك وبين كل قتل وكل فعل من شرب أو زنى أو سرقة أو ظلم فإن اللَّه خالق الجميع، وكلام اللَّه يُنزَّه عن هذا (٢). وكذلك قوله: "ما أنا حملتكم ولكن اللَّه حملكم" (٣) لم يُرد أنَّ اللَّه حَمَلهم بالقدر، وإنما كان النبي ﷺ متصرفًا بأمر اللَّه منفّذًا له، فاللَّه سبحانه أمره بحملهم فنفَّذ أوامره، فكأن اللَّه هو الذي حملهم، وهذا معنى قوله: "واللَّه إني لا أعطي أحدًا شيئًا ولا أمنعه" (٣)، ولهذا قال: "وإنما أنا قاسم" (٤) فاللَّه سبحانه هو المعطي على لسانه وهو يقسم ما يقسمه (٥) بأمره، وكذلك قوله في العَزْل: "فسيأتيها ما قُدّر لها" (٦) ليس فيه إسقاط الأسباب؛ فإن اللَّه سبحانه إذا قَدَّر خلق الولد سبق من الماء ما يخلق منه الولد ولو كان أقل شيء فليس من كل الماء يكون الولد، ولكن أين في السنة أن الوطء لا تأثير له في الولد ألبتة وليس سببًا له، وأن الزوج أو

стр. 1433

السيد إنْ وطئ أو لم يطأ فكلا الأمرين بالنسبة إلى حصول الولد وعدمه على حد سواء كما يقوله منكرو الأسباب؟ [المقصود من لا عدوى ولا طيرة] وكذلك قوله: "لا عَدْوى ولا طِيرَة" (١) لو (٢) كان المراد به نفي السبب كما زعمتم لم يدل على نفي كل سبب، وإنما غايته أن هذين الأمرين ليسا من أسباب الشر، كيف والحديث لا يدل على ذلك؟ وإنما ينفي ما كان المشركون يُثبتونه من سببيّة مستمرة على طريقة واحدة لا يمكن إبطالها ولا صرفها عن محلها ولا معارضتها بما هو أقوى منها، لا كما يقوله من قصر علمُه: إنهم كانوا يرون ذلك فاعلًا مستقلًا بنفسه. [مذاهب الناس في الأسباب] فالناس في الأسباب لهم ثلاث طرق (٣): • إبطالها بالكلية. • وإثباتها على وجه لا يتغير ولا يقبل سلب سببيتها ولا معارضتها بمثلها أو أقوى منها كما يقوله الطبائعية والمنجمون والدهرية. • والثالث: ما جاءت به الرسل ودل عليه الحس والعقل والفطرة: إثباتها أسبابًا، وجواز وقوع (٤) سلب سببيتها عنها إذا شاء اللَّه ودفعها بأمور أخرى نظيرها أو أقوى منها، مع بقاء مقتضى السببية فيها، كما تُصرف كثير من أسباب الشر بالتوكل والدعاء والصدقة والذكر والاستغفار والعتق والصّلة، وتُصرف كثير من أسباب الخير بعد انعقادها بضد ذلك، فلله كم من خير انعقد سببه ثم صرف عن العبد بأسباب أحدثها منعت حصوله وهو يشاهد السبب حتى كأنه أخذ باليد؟ وكم من شرٍ انعقد سببهُ ثم صُرفَ عن العبد باسباب أحدثها منعت حصولَه؟ ومن لا فقهَ له في هذه المسألة فلا انتفاع له بنفسه ولا بعلمه، واللَّه المستعان وعليه التكلان. [رد الجهمية نصوص الكلام الإلهي] المثال العاشر: رد الجهمية النصوص المحكمة الصريحة التي تفوت العد

стр. 1434

على أن اللَّه سبحانه تكلَّم ويتكلم، وكلَّم ويُكلِّم، وقال ويقول، وأخبر و [يخبر] (١)، ونبَّأ وأَمر ويأمر، ونهى وينهى، ورضي ويرضى ويعطي ويبشّر ويُنذر ويُحذّر، ويوصل لعباده القول ويبين لهم ما يتقون، ونادى وينادي، وناجى ويناجي، ووَعد وأَوْعد، ويسأل عباده يوم القيامة ويخاطبهم ويكلم كلًا منهم ليس بينه وبينه ترجمان ولا حاجب ويراجعه عبده مراجعة، وهذه كلها أنواع للكلام والتكليم، وثبوتها بدون ثبوت صفة التكلم له ممتنع، فردها الجهمية مع إحكامها وصراحتها وتعينها للمراد منها بحيث لا تحتمل غيره بالمتشابه من قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١]. [رد النصوص المحكمة بأنه خالق كل شيء والمتكلم بنفسه] المثال الحادي عشر: ردوا محكم قوله: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤]، وقوله: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي﴾ [السجدة: ١٣]، وقوله: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقّ﴾ [النحل: ١٠٢]، وقوله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤]، وقوله: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾ [الأعراف: ١٤٤] وغيرها من النصوص المحكمة بالمتشابه من قوله: ﴿خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: ١٠٢]، وقوله: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾ [الحاقة: ٤٠ والتكوير: ١٩] والآيتان حجة عليهم؛ فإن صفات اللَّه ﷻ داخلة في مُسمَّى اسمه؛ فليس ﴿اللَّه﴾ اسمًا لذات لا سَمعَ لها ولا بَصَر [لها] (٢) ولا حياة [لها] (٢) ولا كلام [لها] (٢) ولا علم، وليس هذا رب العالمين، وكلامه تعالى وعلمه وحياته وقدرته ومشيئته ورحمته داخلة في مُسمَّى اسمه؛ فهو سبحانه بصفاته وكلامه الخالق، و [كل] (٣) ما سواه مخلوف، وأما إضافة القرآن إلى الرسول فإضافة تبليغ محض، لا إنشاء، والرسالة تستلزمُ تبليغَ كلام المُرسل، ولو لم يكن للمرسل كلام يبلغه الرسول لم يكن رسولًا؛ ولهذا قال غير واحد من السلف: "من أنكر أن يكون اللَّه متكلمًا فقد أنكر رسالة رسله"؛ فإن حقيقة رسالتهم تبليغ كلام من أرسلهم؛ فالجهمية وإخوانهم ردوا تلك النصوص المحكمة بالمتشابه، ثم صيَّروا الكل متشابهًا ثم ردوا الجميع، فلم يثبتوا للَّه فعلًا يقوم به يكون به فاعلًا كما لم يثبتوا له كلامًا يقوم به يكون به متكلمًا؛ فلا كلام له عندهم ولا فعال (٤)، بل كلامه وفعله عندهم

стр. 1435

مخلوق منفصل عنه، وذلك لا يكون صفة له؛ لأنه سبحانه إنما يوصف بما قام به لا بما لم يقم به. [رد الجهمية نصوص العلو بالتفصيل] المثال الثاني عشر: وقد تقدم ذكره مجملًاونذكره هاهنا مفصلًا: رد الجهمية النصوص المتنوعة المحكمة على علو اللَّه على خلقه وكونه فوق عباده من ثمانية عشر نوعًا (١): أحدها: التصريح بالفوقية مقرونة بأداة مِنْ المعيِّنة (٢) لفوقية الذات نحو: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: ٥٠]. الثاني: ذكرها مجردة عن الأداة كقوله: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ [الأنعام: ١٨، ٦١]. الثالث: التصريح بالعروج إليه نحو: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ﴾ [المعارج: ٤] وقول النبي ﷺ "فيعرجُ الذين باتوا فيكم فيسألهم ربهم" (٣). الرابع: التصريح بالصعود إليه كقوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾ [فاطر: ١٠]. الخامس: التصريح برفعه بعض المخلوقات إليه كقوله: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ [النساء: ١٥٨]، وقوله: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ [آل عمران: ٥٥]. السادس: التصريح بالعلو المطلق الدال على جميع مراتب العلو ذاتًا وقدرًا وشرفًا، كقوله: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: ٢٥٥]، ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ:

стр. 1436

٢٣]، ﴿إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ (١) [الشورى: ٥١]. السابع: التصريح بتنزيل الكتاب منه كقوله: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ [الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ] (٢)﴾ [الجاثية: ٢]، ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢]، ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل: ١٠٢] وهذا يدل على شيئين: • على أن القرآن ظهر منه لا من غيره، وأنه الذي تكلَّم به لا غيره. • الثاني: على علوه على خلقه وأن كلامه نزل به الروح الأمين من عنده من أعلا مكان إلى رسوله. الثامن: التصريح باختصاص بعض المخلوقات بأنها عندهُ، وأن بعضها أقرب إليه من بعض، كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦]، وقوله: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩] ففرَّق بين مَنْ له عمومًا ومن عنده من مماليكه وعبيده خصوصًا، وقول النبي ﷺ في الكتاب الذي كتبه الرب تعالى على نفسه: "إنه عنده على العرش" (٣). التاسع: التصريح بأنه سبحانه في السماء، وهذا عند أهل السنة على أحد وجهين: • إما أن تكون في بمعنى على. • وإما أن يراد بالسماء العلو، لا يختلفون في ذلك، ولا يجوز حمل النص على غيره. العاشر: التصريح بالاستواء مقرونًا بأداة على مختصًا بالعرش الذي هو أعلا المخلوقات مصاحبًا في الأكثر لأداة "ثم" الدالة على الترتيب والمهلة، وهو بهذا السياق صريح في معناه الذي لا يفهم المخاطبون [غيره] (٤) من العلو والارتفاع، ولا يحتمل غيره ألبتة.

стр. 1437

الحادي عشر: التصريح برفع الأيدي إلى اللَّه سبحانه كقوله ﷺ : "إن اللَّه يستحيي من عبده إذا رَفعَ إليه يديه أن يردَّهما صِفْرًا" (١).

стр. 1438

الثاني عشر: التصريح بنزوله كل ليلة إلى السماء الدنيا (١) والنزول المعقول عند جميع الأمم إنما يكون من علو إلى سفل (٢). الثالث عشر: الإشارة إليه حسًا إلى العلو كما أشار إليه من هو أعلم به وبما (٣) يجب له ويمتنع عليه من أفراخ الجهمية والمعتزلة والفلاسفة في أعظم مَجْمع على وجه الأرض يرفع أصبعه إلى السماء، ويقول: "اللهم اشهد" (٤)، ليشهد الجميع أن الرب الذي أرسله ودعا إليه واستشهده هو الذي فوق سماواته على عرشه. الرابع عشر: التصريح بلفظ الأين الذي هو عند الجهمية بمنزلة متى في الاستحالة، ولا فرق عندهم بين اللفظين ألبتَّة، فالقائل: "أين اللَّه" و: "متى كان اللَّه" عندهم سواء، كقول أعلم الخلق به، وأنصحهم لأمته، وأعظمهم بيانًا عن المعنى الصحيح بلفظ لا يوهم باطلًا [بوجه] (٥): "أين اللَّه" (٦) في غير موضع.

стр. 1439

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1440

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
следующие страницы →