← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17798

إعلام الموقعين عن رب العالمين - ت مشهور

ابن القيم

Полный текст (3 107 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.

стр. 1436

٢٣]، ﴿إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ (١) [الشورى: ٥١]. السابع: التصريح بتنزيل الكتاب منه كقوله: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ [الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ] (٢)﴾ [الجاثية: ٢]، ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ [فصلت: ٤٢]، ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ﴾ [النحل: ١٠٢] وهذا يدل على شيئين: • على أن القرآن ظهر منه لا من غيره، وأنه الذي تكلَّم به لا غيره. • الثاني: على علوه على خلقه وأن كلامه نزل به الروح الأمين من عنده من أعلا مكان إلى رسوله. الثامن: التصريح باختصاص بعض المخلوقات بأنها عندهُ، وأن بعضها أقرب إليه من بعض، كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ﴾ [الأعراف: ٢٠٦]، وقوله: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ﴾ [الأنبياء: ١٩] ففرَّق بين مَنْ له عمومًا ومن عنده من مماليكه وعبيده خصوصًا، وقول النبي ﷺ في الكتاب الذي كتبه الرب تعالى على نفسه: "إنه عنده على العرش" (٣). التاسع: التصريح بأنه سبحانه في السماء، وهذا عند أهل السنة على أحد وجهين: • إما أن تكون في بمعنى على. • وإما أن يراد بالسماء العلو، لا يختلفون في ذلك، ولا يجوز حمل النص على غيره. العاشر: التصريح بالاستواء مقرونًا بأداة على مختصًا بالعرش الذي هو أعلا المخلوقات مصاحبًا في الأكثر لأداة "ثم" الدالة على الترتيب والمهلة، وهو بهذا السياق صريح في معناه الذي لا يفهم المخاطبون [غيره] (٤) من العلو والارتفاع، ولا يحتمل غيره ألبتة.

стр. 1437

الحادي عشر: التصريح برفع الأيدي إلى اللَّه سبحانه كقوله ﷺ : "إن اللَّه يستحيي من عبده إذا رَفعَ إليه يديه أن يردَّهما صِفْرًا" (١).

стр. 1438

الثاني عشر: التصريح بنزوله كل ليلة إلى السماء الدنيا (١) والنزول المعقول عند جميع الأمم إنما يكون من علو إلى سفل (٢). الثالث عشر: الإشارة إليه حسًا إلى العلو كما أشار إليه من هو أعلم به وبما (٣) يجب له ويمتنع عليه من أفراخ الجهمية والمعتزلة والفلاسفة في أعظم مَجْمع على وجه الأرض يرفع أصبعه إلى السماء، ويقول: "اللهم اشهد" (٤)، ليشهد الجميع أن الرب الذي أرسله ودعا إليه واستشهده هو الذي فوق سماواته على عرشه. الرابع عشر: التصريح بلفظ الأين الذي هو عند الجهمية بمنزلة متى في الاستحالة، ولا فرق عندهم بين اللفظين ألبتَّة، فالقائل: "أين اللَّه" و: "متى كان اللَّه" عندهم سواء، كقول أعلم الخلق به، وأنصحهم لأمته، وأعظمهم بيانًا عن المعنى الصحيح بلفظ لا يوهم باطلًا [بوجه] (٥): "أين اللَّه" (٦) في غير موضع.

стр. 1439

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1440

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1441

الخامس عشر: شهادته التي هي أصدق شهادة عند اللَّه وملائكته وجميع المؤمنين لمن قال: "إن ربه في السماء" بالإيمان، وشهد عليه أفراخ جهم بالكفر، وصَرح الشافعي ﵁ بأن هذا الذي وَصَفَته من أن ربها في السماء إيمان فقال في كتابه في (باب عتق الرقبة المؤمنة) وذَكَر حديث الأمة السوداء التي سوَّدت وجوه الجهمية وبيَّضت وجوه المحمدية: "فلمَّا وَصَفَت الإيمان قال: "اعتقها فإنها مؤمنة" (١) وهي إنما وصفت كون ربها في السماء، وأن محمدًا عبده ورسوله؛

стр. 1442

فقَرَنَت بينهما في الذكر؛ فجعل الصادق المصدوق مجموعهما هو الإيمان. السادس عشر: إخباره سبحانه عن فرعون أنه رام الصعود إلى السماء ليطَّلع إلى إله موسى فيكذبه فيما أخبر به من أنه سبحانه فوق السماوات، فقال: ﴿يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾ [غافر: ٣٦ - ٣٧] فكذَب فرعون موسى في إخباره إياه بأن ربه فوق السماء، وعند الجهمية لا فَرق بين الإخبار بذلك وبين الإخبار بأنه يأكل ويشرب؛ وعلى زعمهم يكون فرعون قد نزه الرب عما لا يليق به وكذب موسى في إخباره بذلك؛ إذ من (١) قال عندهم: إن ربه فوق السماوات فهو كاذب؛ فهم في هذا التكذيب موافقون لفرعون مخالفون لموسى ولجميع الأنبياء، ولذلك سمَّاهم أئمة السنة: "فرعونية" قالوا: وهم شرٌّ من الجهمية؛ فإن الجهمية تقول (٢): إن اللَّه في كل مكان بذاته، وهؤلاء عطلوه بالكلية، وأوقعوا عليه الوصف المطابق للعدم المحض، فأي طائفة من طوائف بني آدم أثبتت الصانع على أي وجه؛ كان قولهم (٣) خيرًا من قولهم. السابع عشر: إخباره ﷺ أنه تردَّد بين موسى وبين اللَّه تعالى ويقول له موسى: ارجع إلى ربك فسله [التخفيف] (٤)، فيرجع إليه ثم ينزل إلى موسى فيأمره بالرجوع إليه سبحانه، فيصعد إليه سبحانه ثم ينزل من عنده إلى موسى، عدة مرار (٥). الثامن عشر: إخباره تعالى عن نفسه وإخبار رسوله عنه أن المؤمنين يرونه عيانًا جهرةً كرؤية الشمس في الظهيرة والقمر ليلة البَدْر (٦) والذي تفهمه الأمم على

стр. 1443

اختلاف لغاتها وأوهامها من هذه الرؤية رؤية المُقابلة والمواجهة التي تكون بين الرائي والمرئي فيها مسافة (١) محدودة غير مُفرطة في البعد فتمتنع الرؤية ولا (٢) في القرب فلا تمكن الرؤية، لا تعقل الأمة (٣) غير هذا، فإما أن يروه سبحانه من تحتهم -تعالى اللَّه-، أو مِنْ خَلفهم أو من أمامهم أو عن أيْمانهم أو عن شمائلهم أو من فوقهم، ولا بد من قسم من هذه الأقسام إن كانت الرؤية حقًا، وكلها باطل سوى رؤيتهم له من فوقهم كما في حديث جابر الذي في "المسند" وغيره: "بينا أهل الجنة في نَعيمهم إذ سَطَع لهم نورٌ، فرفعوا رؤوسهم فإذا الجبَّار قد أشرف عليهم من فوقهم، وقال: يا أهل الجنة سلامٌ عليكم" ثم قرأ قوله: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾ [يس: ٥٨]، ثم يتوارى عنهم، وتبقى رحمتُه وبركتُه عليهم في ديارهم" (٤) ولا يتم إنكار الفوقية إلا بإنكار الرؤية، ولهذا طرد الجهمية أصلهم وصَرَّحوا بذلك، ورَكِبوا النَّفيين معًا، وصدَّق أهل السنة بالأمرين معًا وأقرّوا بهما، وصار من أثبت الرؤية ونفى علو الرب على خلقه واستواءه على عرشه مذبذبًا بين ذلك، لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء. فهذه أنواع من الأدلة السمعية المحكمة إذا بُسطت أفرادُها كانت ألفَ دليلٍ على علو الرب على خلقه واستوائه على عرشه؛ فترك الجهمية ذلك كله وردوه بالمتشابه من قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤] ورده زعيمهم المتأخر بقوله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] وبقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: ١١].

стр. 1444

ثم ردّوا تلك الأنواع كلها متشابهة، فسلَّطوا المتشابه على المحكم وردوه به، ثم ردوا المحكم متشابهًا؛ فتارة يحتجون به على الباطل وتارة يدفعون به الحق، ومن له أدنى بصيرة يعلم أنه لا شيء في النصوص أظهر ولا أبين مرادًا (١) من مضمون هذه النصوص فإذا كانت متشابهة فالشريعة كلها متشابهة، وليس فيها شيء محكم ألبتَّة، ولازم هذا القول لزومًا لا محيدَ عنه أن ترك الناس بدونها خير له من إنزالها إليهم، فإنها أَوْهمتهم وأفهمتهم غيرَ المراد، وأوقعتهم في اعتقاد الباطل ولم يتبين (٢) لهم ما هو الحق في نفسه، بل أُحيلوا فيه على ما يستخرجونه بعقولِهِم وأفكارهم ومقاييسهم؛ فنسأل [للَّه] (٣) مثبِّت القلوب ﵎ أن يثبت قلوبنا على دينه وما بعث به رسوله من الهدى ودين الحق، وأن لا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا؛ إنه قريبٌ مجيب.

стр. 1445

[رد النصوص في مدح الصحابة، ورد الخوارج النصوص في موالاة المؤمنين] المثال الثالث عشر: ردَّ الرافضة النصوص الصحيحة الصريحة المحكمة المعلومة عند خاص الأمة وعامتها بالضرورة في مدح الصحابة ﵃ والثناء عليهم ورضاء اللَّه عنهم ومغفرته لهم وتجاوزه عن سيئاتهم ووجوب محبة الأمة واتباعهم لهم واستغفارهم لهم واقتدائهم بهم بالمتشابه من قوله: "لا ترجعوا بعدي كفارًا يضربُ بعضُكم رقابَ بعض" (١) ونحوه. كما ردوا المحكم الصريح من أفعالهم وإيمانهم وطاعتهم بالمتشابه من أفعالهم، كفعل إخوانهم من الخوارج حين ردّوا النصوص الصحيحة المحكمة في موالاة المؤمنين ومحبتهم وإن ارتكبوا بعضَ الذُّنوب التي تقع مكفَّرة بالتوبة النصوح، والاستغفار، والحسنات الماحية، والمصائب المُكفِّرة، ودعاء المسلمين لهم في حياتهم وبعد موتهم، وبالامتحان في البَرْزخ وفي موقف القيامة، وبشفاعة من يأذن اللَّه [له بالشفاعة] (٢)، وبصدق التوحيد، وبرحمة أرحم الراحمين؛ فهذه عشرة أسباب (٣) تمحقُ (٤) أَثَر الذنوب، فإن عَجِزت هذه الأسباب عنها فلا بد من دخول النار، ثم يخرجون منها؛ فتركوا ذلك كله بالمتشابه من نصوص الوعيد، ورد المحكم من (٥) أفعالهم وإيمانهم وطاعتهم بالمتشابه من أفعالهم التي (٦) يحتمل أن يكونوا قصدوا بها طاعة اللَّه فاجتهدوا فأدَّاهم اجتهادهم إلى ذلك فحصلوا فيه على الأجر المفرد، وكان حظ أعدائهم منه تكفيرهم واستحلال دمائهم وأموالهم،

стр. 1446

وإن لم يكونوا قصدوا ذلك كان غايتهم أن يكونوا قد أذنبوا، ولهم من الحسنات والتوبة وغيرها ما يرفع موجب الذنب، فاشتركوا هم والرَّافضة في رد المحكم من النصوص وأفعال المؤمنين بالمتشابه منها؛ فكفَّروهم وخَرَجوا عليهم بالسيف يقتلون أهل الإيمان ويدعون أهل الأوثان، ففساد الدنيا والدين من تقديم المتشابه على المُحكم، وتقديم الرأي على الشرع والهوى على الهدى، وباللَّه التوفيق. [رد نصوص وجوب الطمأنينة في الصلاة] المثال الرابع عشر: رد المحكم الصريح الذي لا يحتمل إلا وجهًا واحدًا من وجوب الطمأنينة وتوقف إجزاء الصلاة وصحتها عليه، كقوله: "لا تُجزئ صلاة لا يقيمُ الرجل فيها صُلْبَه من ركوعه وسجوده" (١)، وقوله لمن تركها: "صلِّ فإنك لم تصلِّ" (٢)، وقوله: "ثم اركع حتى تطمئنّ راكعًا" (٣) فنفى إجزاءها بدون الطمأنينة ونفى مُسمَّاها الشرعي بدونها وأمر بالإتيان بها، فرد هذا المحكم الصريح بالمتشابه من قوله: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ (٤) [الحج: ٧٧]. [رد نصوص تعيين التكبير في الصلاة] المثال الخامس عشر: رد المحكم الصريح من تعيين التكبير للدخول (٥) في الصلاة بقوله: "إذا قصت إلى الصلاة فكَبِّر" (٣)، وقوله: "تحريمها التكبير" (٦)،

стр. 1447

وقوله: "لا يقبل اللَّهُ صلاةَ أحدكم حتى يضع الوضوء مواضعه ثم يستقبل القبلَة ويقول: اللَّه أكبر" (١) وهي نصوص في غاية الصحة فردَّت بالمتشابه من قوله:

стр. 1448

﴿وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ (١) [الأعلى: ١٥]. [رد نصوص تعيين فاتحة الكتاب] المثال السادس عشر: رد النصوص المحكمة الصحيحة الصريحة في تعيين قراءة فاتحة الكتاب فَرْضًا (٢) بالمتشابه من قوله: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠]،

стр. 1449

وليس ذلك في الصلاة، وإنما هو بدل عن قيام الليل (١)، وبقوله [للأعرابي] (٢): "ثم اقرأ ما تيسَّر معك من القرآن" (٣) وهذا يحتمل أن يكون قبل تعيين الفاتحة للصلاة وأن يكون الأعرابي لا يحسنها، وأن يكون لم يسئ في قراءتها، فأمره أن يقرأ معها ما تيسر من القرآن، وأن يكون أمره بالاكتفاء بما تيسر عنها؛ فهو متشابه يحتمل هذه الوجوه فلا يترك له المحكم الصريح (٤). [رد نصوص وجوب التسليم] المثال السابع عشر: رد المحكم الصريح من توقف الخروج من الصلاة على التسليم كما في قوله: "تحليلها التسليم" (٥)، وقوله: "إنما يكفي أحدكم أن يُسلِّم على أخيه من عن يمينه ومن عن شماله: السلامُ عليكم ورحمة اللَّه، السلام عليكم ورحمة اللَّه" (٦) فأخبر أنه لا يكفي غير ذلك فرد بالمتشابه من قول ابن مسعود: "فإذا قلت هذا فقد قضيت صلاتك" (٧) وبالمتشابه من عدم أمره للأعرابي بالسلام. [رد نصوص وجوب النية] المثال الثامن عشر: رد المحكم الصريح في اشتراط النية لعبادة الوضوء والغسل كما في قوله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ [حُنَفَاءَ] (٨)﴾ [البينة:

стр. 1450

٥]، وقوله: "وإنما لامرئ ما نوى" (١) وهذا لم ينو رفع الحَدَث فلا يكون له بالنص؛ فردوا هذا بالمتشابه من قوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] ولم يأمر بالنية، قالوا: فلو أوجبناها بالسنة لكان زيادة على نص القرآن فيكون نسخًا، والسنة لا تنسخ القرآن؛ فهذه ثلاث مقدمات: إحداها: أن القرآن لم يوجب النية. الثانية: أن إيجاب السنة لها نسخ للقرآن. الثالثة: أن نسخ القرآن بالسنة لا يجوز. وبنوا على هذه المقدمات إسقاط كثير مما صَرَّحت السنة بإيجابه كقراءة الفاتحة والطمأنينة وتعيين التكبير للدخول في الصلاة والتسليم للخروج منها. ولا يُتصوَّر صِدْق المقدِّمات الثلاث (٢) في موضع واحد أصلًا، بل إما أن تكون كلها كاذبة أو بعضه؛ فأما آية الوضوء فالقرآن قد نبَّه على أنه لم يكتف من طاعات عباده إلا بما أخلصوا له فيه الدين، فمن لم ينو التقرب إليه جملة لم يكن ما أتى به طاعة ألبتة؛ فلا يكون معتدًا به (٢)، مع أن قوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: ٦] إنما يَفهم المخاطب منه غسل الوجه وما بعده لأجل الصلاة كما يفهم من قوله: "إذا واجهت الأمير فترجل، وإذا دخل الشتاء فاشتر الفرو" (٣) ونحو (٤) ذلك؛ فإن لم يكن القرآن قد دل على النية ودلت عليها السنة لم يكن وجوبها ناسخًا للقرآن وإن كان زائدًا عليه، ولو كان كل ما أوجبته السنة ولم يوجبه القرآن نسخًا له لبطلت أكثر سنن رسول اللَّه ﷺ ودفع في صدورها

стр. 1451

وإعجازها، وقال القائل: هذه زيادة على ما في كتاب اللَّه فلا تُقبل ولا يعمل بها، وهذا بعينه هو الذي أخبر رسول اللَّه ﷺ أنه سيقع وحَذَّر منه كما في "السنن" من حديث المِقدام بن مَعْديكرب عن النبي ﷺ أنه قال: "ألا إني أوتيتُ القرآن ومثله معه، ألا يوشك رجلٌ شبعانَ على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن فما (١) وجدتم فيه من حلالٍ فأحلوه وما وجدتم فيه من حَرَام فحرِّموه، ألا لا يحل لكم الحمار الأهلي، ولا كل ذي ناب من السباع، ولا لقطة مال المعاهد" وفي لفظ: "يوشك أن يقعد الرجل (٢) على أريكته فَيُحَدَّثُ بحديثي فيقول: بيني وبينكم كتاب اللَّه، فما وجدنا فيه حلالًا استحللناه، وما وجدنا فيه حرامًا حَرَّمناه، وإن ما حَرَّم رسول اللَّه ﷺ كما حرم اللَّه" (٣).

стр. 1452

قال الترمذي: حديث حسن، وقال البيهقي: إسناده صحيح، وقال صالح بن موسى، عن عبد العزيز بن رُفيع، عن أبي صالح، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إني قد خَلَّفتُ فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما كتاب اللَّه وسنتي، ولن يفترقا حتى يَردا عليَّ الحَوْض" (١) فلا يجوز التفريق بين ما جَمع اللَّه بينهما ويُرد أحدهما بالآخر، بل سكوته (٢) عما نطق به ولا يمكن أحدًا يطرد ذلك ولا الذين أصَّلوا هذا الأصْلَ، بل قد نقضوه في أكثر من ثلاث مئة موضع منها ما هو مجمع عليه، ومنها ما هو مختلف فيه. [السنة مع القرآن على ثلاثة أوجه] والسنة مع القرآن على ثلاثة أوجه: أحدها: أن تكون موافقة له من كل وجه؛ فيكون توارد القرآن والسنة على الحكم الواحد من باب توارد الأدلة وتظافرها. الثاني: أن تكون بيانًا لما أريد بالقرآن وتفسيرًا له. الثالث: أن تكون مُوجبة لحكم سكت القرآن عن إيجابه أو مُحرِّمة لما سكت عن تحريمه، ولا تخرج عن هذه الأقسام، فلا تُعارض القرآن بوجه ما، فما كان منها (٣) زائدًا على القرآن فهو تشريع مبتدأ من النبي ﷺ تجبُ طاعتُه فيه، ولا تحلُّ

стр. 1453

معصيته، وليس هذا تقديمًا لها على كتاب اللَّه، بل امتثال لما أمر اللَّه به من طاعة رسوله، ولو كان رسول اللَّه ﷺ لا يُطاع في هذا القسم لم يكن لطاعته معنى، وسقطت طاعته المختصة به، وإنه إذا لم تجب طاعته إلا فيما وافق (١) القرآن لا فيما زاد عليه لم يكن له طاعة [خاصة] (٢) تختص به، وقد قال اللَّه تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: ٨٠] وكيف يمكن أحدًا من أهل العلم أن لا يقبل حديثًا زائدًا على كتاب اللَّه؛ فلا يقبل حديث تحريم المرأة على عَمَّتها ولا على خالتها (٣)، ولا حديث التحريم بالرضاعة لكل ما يَحرُم من النَّسب (٤)، ولا حديث خِيار الشَّرط (٥)، ولا أحاديث الشفعة (٦)، ولا حديث الرهن في الحضر (٧) مع أنه زائد على ما في القرآن، ولا حديث ميراث الجَدَّة (٨)، ولا حديث تخيير

стр. 1454

الأمة إذا أعتقت تحت زوجها (١)، ولا حديث منع الحائض من الصوم والصلاة (٢)، ولا حديث وجوب الكفارة على مَنْ جامع في نهار رمضان (٣)، ولا أحاديث إحداد المتوفى عنها زوجها (٤) مع زيادتها على ما في القرآن من العدة، فهلَّا قلتم: إنها نَسْخٌ للقرآن وهو لا يُنسخ بالسنة، وكيف أوجبتم الوتر مع أنه زيادة محضة على القرآن بخبر مختلفٍ فيه؟ وكيف زدتم على كتاب اللَّه فجوزتم الوضوء بنبيذ التَّمر بخبرٍ ضعيف؟ (٥) وكيف زدتم على كتاب اللَّه فشرطتم في الصداق أن يكون أقله عشرة دراهم بخبر لا يصح ألبتَّة (٦) وهو زيادة محضة على القرآن؟ وقد أخذ الناس بحديث: "لا يرث المسلمُ الكافِرَ ولا الكافر المسلم" (٧)

стр. 1455

وهو زائد على القرآن، وأخذوا كلهم بحديث توريثه ﷺ بنت الابن السدس مع البنت (١) وهو زائد على ما في القرآن (٢)، وأخذ الناس كلهم بحديث استبراء المسبية بحيضة (٣)، وهو زائد على ما في كتاب اللَّه، وأخذوا بحديث: "مَنْ قَتَلَ قتيلًا فله سَلَبُه" (٤) وهو زائد على ما في القرآن من قسمة الغنائم، وأخذوا كلهم بقضائه ﷺ الزائد على ما في القرآن من أنّ أَعيان بني الأبوين يتوارثون دون بني العِلَّات، الرجل يرث أخاه لأبيه وأمه دون أخيه لأبيه (٥)، ولو تتبعنا هذا لطال

стр. 1456

جدًا؛ فسنن رسول اللَّه ﷺ أجلُّ في صدورنا وأعظم وأفرضُ علينا أن لا نقبلها إذا كانت زائدة على ما في القرآن، بل على الرأس والعينين، [ثم على الرأس والعينين] (١) وكذلك فَرْضٌ على الأمة الأخذ بحديث القضاء بالشاهد واليمين (٢) وإن كان زائدًا على ما في القرآن، وقد أخذ به أصحاب رسول اللَّه ﷺ وجمهور التابعين والأئمة (٣)، والعجب ممن يرده لأنه زائد على ما في كتاب اللَّه، ثم يقضي بالنكول ومعاقد القُمُط ووجوه الآجُرِّ في الحائط وليست في كتاب اللَّه ولا سنة رسوله، وأخذتم أنتم وجمهور الأمة بحديث: "لا يُقاد الوالد بالولد" (٤) مع ضعفه وهو زائد على ما في القرآن، وأخذتم أنتم والناس بحديث أخذ الجزية من المجوس (٥) وهو زائد على ما في القرآن، وأخذتم مع سائر الناس بقطع رجل السارق في المرة الثانية (٦) مع زيادته على ما في

стр. 1457

القرآن، وأخذتم أنتم والناس بحديث النهي عن الاقتصاص من الجرح قبل الاندمال (١) وهو زائد على ما في القرآن، وأَخذت الأُمّةُ بأحاديث الحضانة (٢)

стр. 1458

وليست في القرآن، وأخذتم أنتم والجمهور باعتداد المتوفى عنها في منزلها (١)؛ وهو

стр. 1459

زائد على [ما في] (١) القرآن، وأخذتم مع الناس بأحاديث البلوغ بالسنّ والإنبات (٢).

стр. 1460

وهي زائدة على ما في القرآن؛ إذ ليس فيه إلا الاحتلام (١) وأخذتم مع الناس بحديث: "الخَراجُ بالضمان" (٢) مع ضعفه، وهو زائد على [ما في] (٣) القرآن، وبحديث [النهي عن] (٣) بيع الكالئ بالكالئ (٤) وهو زائد على ما في

стр. 1461

القرآن، وأضعاف أضعاف ما ذكرنا، بل أحكام السُّنة التي ليست في القرآن إن لم تكن أكثرَ منها لم تنقص عنها؛ فلو ساغ لنا ردُّ كل سنة كانت زائدة (١) على نص القرآن لبطلت سنن رسول اللَّه ﷺ كلها إلا سنة دل عليها القرآن، وهذا هو الذي أخبرَ [به] (٢) النبي ﷺ بأنه سيقع ولا بُدّ من وقوع خبره. [أنواع دلالة السنة الزائدة عن القرآن] فإن قيل: السنن الزائدة على ما دل عليه القرآن تارة تكون بيانًا له، وتارة تكون مُنْشَئةً لحكم لم يتعرض [القرآن] (٣) له، وتارة تكون مغيّرة لحكمه، وليس نزاعنا في القسمين الأولين فإنهما حجة باتفاق، ولكن النِّزاعُ في القسم الثالث وهو الذي تَرْجمته بمسألة الزيادة على النص، وقد ذهب الشيخ أبو الحسن الكرْخيُّ وجماعة كثيرة من أصحاب أبي حنيفة إلى أنها نسخ (٤)، ومن هاهنا جعلوا إيجاب التغريب مع الجلد نسخًا كما لو زاد عشرين سوطًا (٥) على الثمانين في حد القَذْف. وذهب أبو بكر الرازي (٦) إلى أن الزيادة إن وَردَت بعد استقرار حكم النص منفردة عنه كانت ناسخة، وإن وردت متصلة بالنص قبل استقرار حكمه لم تكن ناسخة (٧)، وإن وردت ولا يُعلم تاريخها فإن ورَدَت من جهةِ يثبت النَّصُّ بمثلها

стр. 1462

فإن شهدت الأصول من عمل السلف أو النظر على ثبوتهما معًا أثبتناهما، وإن شهدت بالنص منفردًا عنها أثبتناه دونها، وإن لم يكن في الأصول دلالة على أحدهما فالواجب أن يُحكم بورودهما معًا، ويكونان بمنزلة الخاص والعام إذا لم يُعلم تاريخهما ولم يكن في الأصول دلالة على وجوب القضاء بأحدهما (١) على الآخر فإنهما يُستعملان معًا، وإن كان ورود (٢) النص من جهةٍ تُوجب العلم كالكتاب والخبر المستفيض وورود الزيادة من جهة أخبار الآحاد لم يجُز إلحاقها بالنص ولا العملِ بها، وذهب بعض أصحابنا إلى أن الزيادة إن غَيَّرت حكم المزيد عليه تغييرًا شرعيًا بحيث إنه لو فُعل على حد ما كان يُفعل قبلها لم يكن معتدًا به، بل يجب استئنافُه، كان نسخًا (٣)، نحو ضَمِّ ركعة إلى ركعتي الفجر، وإن لم تغيّر (٤) حكم المزيد عليه بحيث لو فُعل على حد ما كان يُفعل قبلها كان معتدًا به ولا يجب استئنافه لم يكن نسخًا، ولم يجعلوا إيجابَ التغريب مع الجلد نسخًا، وإيجابَ عشرين جلدة مع الثمانين نسخًا، وكذلك إيجاب شرط منفصل عن العبادة (٥) لا يكون نسخًا كإيجاب الوضوء بعد فرض الصلاة، ولم يختلفوا أن إيجابَ زيادة عبادة على عبادة كإيجاب الزكاة بعد إيجاب الصلاة لا يكون نسخًا، ولم يختلفوا أيضًا أن إيجاب صلاة سادسة على الصلوات الخمس لا يكون نسخًا. [الكلام على الزيادة المغيرة لحكم شرعي] فالكلام معكم في الزيادة المغيِّرة في ثلاثة مواضع: في المعنى، والاسم، والحكم، أما المعنى فإنها تُفيد معنى [النسخ؛ لأنه الإزالة، والزيادة] (٦) تُزيل حكم الاعتداد بالمزيد عليه وتُوجب استئنافه بدونها، وتُخرجه عن كونه جميعَ

стр. 1463

الواجب، وتجعله بعضَه، وتوجب التأثيم على المُقتصر عليه بعد أن لم يكن آثمًا (١)، وهذا معنى النسخ، وعليه [ترتَّب] (٢) الاسم، فإنه تابعٌ للمعنى؛ فإن الكلام في زيادة شرعية مغيرة للحكم الشرعي بدليلٍ شرعي متراخٍ عن المزيد عليه، فإن اختل وصْفٌ من هذه الأوصاف لم تكن نسخًا، فإن لم تغيّر حكمًا شرعيًا بل رفعت حكم البراءة الأصلية لم تكن نسخًا كإيجاب عبادة بعد أخرى، والزيادة إن كانت مقارِنة (٣) للمزيد عليه لم تكن نسخًا وإن غيَّرته (٤)، بل تكون تقييدًا أو تخصيصًا. وأما الحكم فإن كان النصُّ المزيدُ عليه ثابتًا بالكتاب أو السنة المتواترة لم يُقبل خبرُ الواحد بالزيادة عليه، وإن كان ثابتًا بخبر الواحد قُبلت الزيادة، فإن اتفقت الأمة غلى قبول خبر الواحد في القسم الأول علمنا أنه ورد مقارنًا للمزيد عليه فيكون تخصيصًا لا نسخًا، قالوا: وإنما لم نَقبل خبرَ الواحد بالزيادة على النص لأن الزيادة لو كانت موجودةً معه لنقلها إلينا من نقل النص؛ إذ غيرُ جائزٍ أن يكون المراد إثباتَ النص معقودًا بالزيادة فيقتصر النبي ﷺ على إبلاع النص منفردًا عنها؛ فواجبٌ إذن أن يذكرها معه، ولو ذكرها لنقلها إلينا مَنْ نقلَ النص. فإن كان النص مذكورًا في القرآن والزيادة واردة من جهة السنة فغيرُ جائزٍ أن يقتصرَ النبي ﷺ على تلاوة الحكم المنزل في القرآن دون أن يعقبها بذكر الزيادة؛ لأن حصولَ الفراغِ من النص الذي يمكننا استعماله بنفسه يلزمنا اعتقاد مقتضاه من حكمه، كقوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] فإن كان الحدُّ هو الجلد والتغريب فغير جائز أن يتلو النبي ﷺ الآية على الناس عارية من ذكر النفي عقبها؛ لأن سكوته عن ذكر الزيادة معها يلزمنا اعتقاد موجبها وأن الجلد هو كمال الحد؛ فلو كان معه تغريب لكان بعضَ الحد لا كماله، فإذا أخلى التلاوة من ذكر النفي عقيبها فقد أراد منا اعتقاد أن الجلد المذكور في الآية هو تمامُ الحد وكماله؛ فغير جائزٍ إلحاق الزيادة معه إلا على وجه النسخ، ولهذا كان قوله: "واغْدُ يا أُنيس على امرأةِ هذا فإن اعترفت فارجُمها" (٥) ناسخًا لحديث

стр. 1464

عُبادة بن الصامت: "الثَّيب بالثيب جَلْدُ مئة والرَّجمُ" (١) وكذلك لما رَجمَ ماعزًا ولم يجلده (٢)، كذلك يجب أن يكون قوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ [النور: ٢] ناسخًا لحكم التغريبِ في قوله: "البِكرُ بالبكرِ جلُد مئة وتغريبُ عام" (٣). والمقصود أن هذه الزيادة لو كانت ثابتة مع النص لذكرها النبي ﷺ عقيب التلاوة، ولنقلها إلينا من نقل المزيدَ عليه؛ إذ غيرُ جائزٍ عليهم أن يعلموا أن الحدَّ مجموعُ الأمرين وينقلوا (٤) بعضه دون بعض، وقد سمعوا الرسول ﷺ يذكر الأمرين، فامتنع حينئذٍ العملُ بالزيادة إلا من الجهة التي ورد منها الأصل، فإذا وردت من جهة الآحاد فإن كانت قبل النصّ فقد نَسَخها النص المطلق عاريًا من ذكرها، وإن كانت بعده فهذا يُوجب نسخ الآية بخبر الواحد وهو ممتنع، فإن كان المزيدُ عليه ثابتًا بخبر الواحد جاز إلحاقُ الزيادة بخبر الواحد على الوجه الذي يجوز نسخه به، فإن كانت واردة مع النص في خطاب واحد لم تكن نسخًا وكانت بيانًا. فالجواب من وجوه: أحدها: إنكم أول من نقض هذا الأصل الذي أصَّلتموه فإنكم قبلتم خبر الوضوء بنبيذ التمر (٥) وهو زائد على ما في كتاب اللَّه مغيّر لحكمه؛ فإن اللَّه سبحانه جعلَ حُكمَ عادم الماء التَّيممَ، والخبرُ يقتضي أن يكون حكمه الوضوء بالنبيذ؛ فهذه الزيادة بهذا الخبر الذي لا يثبت رافعة لحكمٍ شرعي غير مقارنة ولا مقاومة له بوجه (٦)، وقبلتم خبرَ الأَمَر بالوتر (٧) مع رفعه لحكم شرعي، وهو اعتقاد

стр. 1465

كون الصلوات الخمس هي جميع الواجب ورفع التأثيم بالاقتصار عليها وإجزاء الإتيان في التَّعبدِ بفريضة الصلاة، والذي قال هذه الزيادة هو الذي قال سائر الأحاديث الزائدة على ما في القرآن، والذي نَقَلَها إلينا هو الذي نقل تلك بعينه أو أوثق منه أو نظيره، والذي فرض علينا طاعة رسوله وقبول قوله في تلك الزيادة هو الذي فرض علينا طاعته وقبول قوله في هذه، والذي قال لنا: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ [الحشر: ٧] هو الذي شرع لنا هذه الزيادة على لسانه، واللَّه سبحانه وَلَّاه منصبَ التشريع عنه ابتداء، كما ولاه منصب البيان لما أراده بكلامه، [بل كلامه] (١) كله بيان عن اللَّه، والزيادة بجميع وجوهها لا تخرج عن البيان بوجهٍ من الوجوه، بل كان السلفُ الصالحُ الطيبُ إذا سمعوا الحديث عنه وجدوا تصديقه في القرآن ولم يقل أحد منهم قط في حديث واحد أبدًا: إن هذا زيادة على القرآن فلا نقبله ولا نسمعه ولا نعمل به، ورسولُ اللَّه ﷺ أجلُّ في صدورهم وسنتُه أعظمُ عندهم من ذلك وأكبر. ولا فرق أصلًا بين مجيء السنة بعددِ الطَّوافِ وعدد ركعات الصلاة ومجيئها بفرض الطمأنينة وتعيين الفاتحة والنية؟ فإن الجميعَ بيانٌ لمراد اللَّه أنه أوجب هذه العبادات على عباده على هذا الوجه، فهذا الوجه هو المراد، فجاءت السنة بيانًا للمُراد في جميع وجوهها، حتى في التشريع المبتدأ، فإنها بيان لمراد اللَّه من عموم الأمر بطاعته وطاعة رسوله، فلا فَرْق بين بيان هذا المراد وبين بيان المراد من الصلاة والزكاة والحج والطواف وغيرها، بل هذا بيانُ المراد من شيء وذاك بيانُ المراد من أعمّ منه؛ فالتغريبُ بيانٌ محض للمراد من قوله: ﴿أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا﴾ [النساء: ١٥] وقد صرَّح النبي ﷺ بأن التغريب (٢) بيان لهذا السبيل المذكور في القرآن، فكيف يجوز رده بأنه مخالفٌ للقرآن معارضٌ له؟ ويقال: لو قبلناه لأبطلنا به حكم القرآن؟ وهل هذا إلا قلبٌ للحقائق؟ فإن حكم القرآن العام والخاص يوجب علينا قبوله فرضًا لا يسعنا مخالفته؛ فلو خَالفْناه لخالفنا القرآن ولخرجنا عن حكمه ولا بد، ولكان في ذلك مخالفة للقرآن والحديث معًا. يوضحه الوجه الثاني: أن اللَّه سبحانه نصب رسوله (٣) ﷺ منصب المُبلِّغ المبين عنه، فكل ما شرعه للأمة فهو بيان منه عن اللَّه أنَّ هذا شرْعه ودينه، ولا

стр. 1466

فرق بين ما يبلّغه عنه من كلامه المتلو ومن وحيه الذي هو نظير كلامه في وجوب الاتباع، ومخالفة هذا كمخالفة هذا. يوضحه الوجه الثالث: أن اللَّه سبحانه أمرنا بإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان، وجاء البيان عن رسوله (١) ﷺ بمقادير ذلك وصفاته وشروطه؛ فوجب على الأمة قبوله، إذ هو تفصيل لِما أمر اللَّه به، كما يجب عليها (٢) قبولُ الأصل المفصَّل، وهكذا أَمرَ اللَّه سبحانه بطاعته وطاعة رسوله؛ فإذا أمر الرسول بأمرٍ كان تفصيلًا وبيانًا للطاعة المأمور بها، وكان فَرْضُ قبوله كفرض قبول الأصل المفصل، ولا فرق بينهما. [بيان الرسول على أنواع] يوضحه الوجه الرابع: أن البيان من النبي ﷺ أقسام (٣): أحدها: بيانُ نفس الوحي بظهوره على لسانه بعد أَنْ كان خفيًا. الثاني: بيان معناه وتفسيره لمن احتاج إلى ذلك كما بيَّن أن الظلم المذكور في قوله: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] هو الشركُ (٤)، وأَنَّ الحسابَ اليسير هو العَرضُ (٥)، وأن الخيط الأبيض والأسود هما بياضُ النَّهار وسواد الليل (٦)، وأن الذي رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى هو جبريل (٧)، كما فَسَّر

стр. 1467

قوله: ﴿أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ [الأنعام: ١٥٨] أنَّه طلوعُ الشمس من مغربها (١) وكما فسر قوله: ﴿مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ﴾ [إبراهيم: ٢٤] بأنها النَّخلة (٢)،

стр. 1468

وكما فسَّر قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] أنَّ ذلك في القبر حين يُسأل مَنْ ربك وما دينك (١)، وكما فسَّر الرعد بأنه ملك من الملائكة موكَّل بالسحاب (٢)، وكما فسَّر اتخاذ أهل

стр. 1469

الكتاب أحبارهم ورُهبانهم أربابًا من دون اللَّه بأنَّ (١) ذلك باستحلال (٢) ما أحلوه لهم من الحَرَام وتحريم ما حَرَّموه [عليهم] (٣) من الحَلَال (٤)، وكما فسر القوة التي أمر اللَّه أن نعدها لأعدائه بالرّمي (٥)، وكما فسر قوله: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣] بأنه ما يُجزى به العَبدُ في الدنيا من الهَمِّ والنَّصبِ والخوف واللأواء (٦)، وكما فسر الزيادة بأنها النَّظر إلى وجهِ اللَّه الكريم (٧)، وكما فسَّر الدعاء في قوله: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] بأنه العبادة (٨)،

стр. 1470

وكما فسر إدبار النجوم بأنه الركعتان قبل الفجر، وأدبار السجود بالركعتين بعد المغرب (١)، ونظائر ذلك. الثالث: بيانه بالفعل (٢) كما بيَّن أوقات الصلاة للسائل بفعله (٣). الرابع: بيان ما سُئل عنه من الأحكام التي ليست في القرآن فينزل (٤) القرآن ببيانها، كما سئل عن قَذْف الزوجة (٥) فجاء القرآن باللِّعان ونظائره. الخامس: بيان ما سئل عنه بالوحي وإن لم يكن قرآنًا، كما سئل عن رجل أحرم في جُبِّة بعدما تضمّخ بالخَلُوق، فجاء الوحي بأن ينزع عنه الجبَّة

стр. 1471

ويغسل أثر الخلوق (١). السادس: بيانه للأحكام بالسنة ابتداءً من غير سؤال، كما حرَّم عليهم لحومُ الحمر (٢)، والمُتعة (٣)، وصَيْدَ المدينة (٤)، ونكاح المرأة على عَمّتها وخالتها (٥)، وأمثال ذلك. السابع: بيانُه للأمّة جواز الشيء بفعله هو له وعدم نهيهم عن التأسِّي به. الثامن: بيانه جواز الشيء بإقراره لهم على فعله وهو يشاهده (٦) أو يعْلمهم يفعلونه. التاسع: بيانه إباحة الشيء عفوًا بالسكوت عن تحريمه وإن لم يأذن فيه نطقًا. العاشر: أن يحكَم القرآنُ بإيجاب شيء أو تحريمه أو إباحته، ويكون لذلك الحكم شروط وموانع وقيود وأوقات مخصوصة وأحوال وأوصاف، فيحيل الربُّ

стр. 1472

سبحانه وتعالى على رسوله في بيانها كقوله [تعالى] (١): ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] فالحِلُّ موقوفٌ على شروط النكاح وانتفاء موانعه (٢) وحضور وقته وأهليَّةِ المحل، فإذا جاءت السنة ببيان ذلك كُلِّه لم يكن شيء (٣) منه زائدًا على النص فيكون نسخًا له، وإن كان رفعًا لظاهر إطلاقه. فهكذا كل حكم منه ﷺ زائد على القرآن، هذا سبيلُه سواءٌ بسواء، وقد قال تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ [النساء: ١١] ثم جاءت السنة بأنَّ القاتلَ والكافرَ والرقيقَ لا يرث (٤)، ولم يكن نسخًا للقرآن مع أنه زائد عليه قطعًا، أعني في مُوجبات الميراث؛ فإن القرآن أوجبه بالولادةِ وحْدَها، فزادت السنة مع وصف الولادة اتحاد الدَّين وعدم الرق والقتل، فهلَّا قلتم: إن هذه زيادة على النص فيكون نسخًا والقرآن لا يُنسخ بالسنة؟ كما قلتم ذلك في كل موضع تركتم فيه الحديث لأنه زائد على القرآن.

стр. 1473

الوجه الخامس: أنَّ تسميتَكم للزيادة المذكورة نسخًا لا توجب [بل لا] (١) تجوز مخالفتها، فإن تسمية ذلك نسخًا اصطلاحٌ منكم، والأسماءُ المتواضع عليها التابعة للاصطلاح لا توجب رفع أحكام النصوص، فأَين سَمَّى اللَّه ورسوله ذلك نسخًا؟ وأين قال رسول اللَّه ﷺ : إذا جاءكم حديثي زائدًا على ما في كتاب اللَّه فردُّوه ولا تقبلوه فإنه يكون نسخًا لكتاب اللَّه؟ وأين قال اللَّه: إذا قال رسولي قولًا زائدًا على القرآن فلا تقبلوه ولا تعملوا به وردّوه؟ وكيف يسوغ ردُّ سنن رسول اللَّه ﷺ بقواعد قعَّدتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل اللَّه بها من سلطان؟!! [المراد بالنسخ في السنة الزائدة على القرآن] الوجه السادس: أن يقال ما تَعْنُون بالنسخ الذي تضمَّنته الزيادة بزعمكم؟ أتعنون أن حكمَ المزيد عليه من الإيجاب والتَّحريم والإباحة بطل بالكلية، أم تعنون به تغيُّر وصفه بزيادة شيء عليه من شَرْط أو قيدٍ أو حالٍ أو مانع أو ما هو أعم من ذلك؟ فإن عنيتم الأول فلا ريب أن الزيادة لا تتضمن ذلك (٢) فلا تكون ناسخة، وإن عنيتم الثاني فهو حق، ولكن لا يلزم منها بطلان حكم المزيد عليه ولا رفعه ولا مُعارضته، بل غايتها مع المزيدِ عليه كالشروط والموانع والقيود والمخصِّصات، وشيء من ذلك لا يكون نسخًا يوجب إبطال الأول ورفعه رأسًا، وإن كان نسخًا بالمعنى العام الذي يسميه السلف نسخًا وهو رفع الظاهر بتخصيصٍ أو تقييدٍ أو شرطٍ أو مانع؛ فهذا كثير من السلف يُسمّيه نسخًا (٣)؛ حتى سَمَّى الاستثناء نسخًا، فإن أردتم هذا المعنى فلا مُشاحة (٤) في الاسم، ولكن ذلك لا يسوغ رد السنن (٥) الناسخة للقرآن بهذا المعنى، ولا يُنكر أحدٌ نسخ القرآن بالسنة

стр. 1474

بهذا المعنى بل هو متفقٌ عليه بين الناس، وإنما تنازعوا في جواز نسخه بالسنة النَّسخُ الخاص الذي هو رفع أصل الحكم وجملته بحيث يبقى بمنزلة ما لم يُشرع ألبتَّة (١)، وإن أردتم بالنسخ ما هو أعم من القسمين -وهو رفع الحكم بجملته تارة وتقييد مطلقه وتخصيص عامّه وزيادة شرط أو مانع تارة- كنتم قد أدرجتم في كلامكم قِسْمين: مقبولًا ومردودًا كما تبيَّن؛ فليس الشأن في الألفاظ فسمّوا الزيادة ما شئتم، فإبطال السنن بهذا الاسم مما لا سبيلَ إليه. يوضحه الوجه السابع: أن الزيادة لو كانت ناسخة لما جاز (٢) اقترانها بالمزيد؛ لأن الناسخ لا يُقارن المنسوخ، وقد جوَّزتم اقترانها به، وقلتم: تكون بيانًا أو تخصيصًا، فهلَّا كان حكمها مع التأخُّر كذلك، والبيان لا يجب اقترانُه بالمبين، بل يجوز تأخيره إلى وقت حضور العمل، وما ذكرتموه من إيهام اعتقادِ خلافِ الحق فهو مُنتَقضٌ بجواز بل وجوب تأخير الناسخ وعدم الإشعار بأنه سينسخه، ولا محذور في اعتقاد موجب النص ما لم يأت ما يرفعه أو يرفع ظاهره؛ فحينئذ يعتقد موجبه كذلك، فكان كل من الاعتقادين في وقته هو المأمور به إذ: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]. يوضحه الوجه الثامن: أن المكلف إنما يعتقده على إطلاقه وعمومه مقيدًا بعدم ورود [ما يرفع ظاهره، كما يعتقد المنسوخ مؤبدًا اعتقادًا مقيدًا بعدم ورود] (٣) ما يبطله، وهذا هو الواجب عليه الذي لا يمكنه سواه. الوجه التاسع: أن إيجاب الشرط الملحق بالعبادة بعدها لا يكون نسخًا وإن تضمَّن رفع الأجزاء بدونه، كما صرَّح بذلك بعض أصحابكم (٤) وهو الحق؛ فكذلك إيجاب كل زيادة، بل أولى أن لا تكون نسخًا؛ فإن إيجاب الشرط يرفع

стр. 1475

إجزاء المشروط عن نفسه وعن غيره، وإيجاب الزيادة إنما يرفع إجزاء المزيد عن نفسه خاصة. الوجه العاشر: أن الناس متفقون على أن إيجاب عبادة مستقلة بعد الثانية لا يكون نسخًا، وذلك أن الأحكام لم تُشرع جملةً واحدة، وإنما شرعها أحكم الحاكمين شيئًا بعد شيء، وكل منها زائد على ما قبله، وكان ما قبله جميع الواجب، والإثم محطوط عمَّن اقتصر عليه، وبالزيادة تغير هذان الحكمان؛ فلم يَبْقَ الأولُ جميعَ الواجب، ولم يحط الإثم عمن اقتصر عليه، ومع ذلك فليس الزائد ناسخًا للمزيد عليه؛ إذ حكمُه من الوجوب [وغيره] (١) باقٍ؛ فهكذا (٢) الزيادة المتعلِّقة بالمزيد لا تكون نسخًا له (٣)، حيث لم تَرفعْ حكمه، بل هو باقٍ على حكمه وقد ضم إليه غيره. يوضحه الوجه الحادي عشر: أن الزيادة وإنْ (٤) رفعت حكمًا خطابيًا كانت نسخًا، وزيادة التغريب وشروط الحكم وموانعه (٥) لا ترفع حكمَ الخِطاب، وإن رفع حكم الاستصحاب. يوضحه الوجه الثاني عشر: أن ما ذكروه من كون الأول جميع الواجب وكونه مُجْزئًا وحده وكون الإثم محطوطًا عن المقتصر عليه (٦) إنما هو من أحكام البراءة الأصلية؛ فهو حكم استصحابي لم نستفده من لفظ الأمر الأول، ولا أُريد به؛ فإنَّ معنى كون العبادة مُجزئة أن الذمة بريئة بعد الإتيان بها، وحط الذم عن فاعلها معناه أنه قد خرج من عُهدة الأمر فلا يلحقه ذم، والزيادة وإن رفعت هذه الأحكام لم ترفع حكمًا دلَّ عليه لفظ المزيد. [تخصيص القرآن بالسنة جائز] يوضحه الوجه الثالث عشر: أن تخصيص القرآن بالسنة جائز؛ كما أجمعت
следующие страницы →