← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17798

إعلام الموقعين عن رب العالمين - ت مشهور

ابن القيم

Полный текст (3 107 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

كذلك، إذ الحديث ليس في "الغيلانيات" بطبعاته الثلاثة، ولم يعزه غيره له (١)، و"الغيلانيات" نسبة إلى ما رواه أبو طالب محمد بن محمد بن إبراهيم بن غيلان البزاز عن صاحبها أبي بكر محمد بن عبد اللَّه الشافعي، ولا صلة لها بـ (يحيى بن غيلان)، فتنبه لذاك، تولى اللَّه هداك. وعليه؛ فإن هذا الكتاب ليس من مصادر المؤلف في كتابه هذا، وإن ذكر عنوانه فيه! واللَّه أعلم. - "جامع ابن وهب"، نقل منه، وصرح به في (٢/ ٤٦٢)، والنقل بواسطة ابن عبد البر في "جامع بيان العلم"، كما وضحناه في التعليق على الموضع المذكور (٢). وهنالك كتب كثيرة فيها أخبار وآثار، والنقل منها بالواسطة، ككتاب "الشبهات" للآجري، فيما وضحناه في التعليق على (٤/ ١٣٩). * كتب التراجم والرواة والجرح والتعديل: سبق بيان نقل المصنف من بعض كتب التراجم والجرح والتعديل، مثل: "مناقب أبي حنيفة"، و"مناقب الشافعي" للبيهقي، و"آداب الشافعي ومناقبه" لابن أبي حاتم، و"الانتقاء" لابن عبد البر، و"طبقات الفقهاء" لأبي إسحاق الشيرازي، و"أخبار سحنون بن سعيد" (٣) لمحمد بن الحارث. وهنالك كتب استخدمها المصنف في الحكم على الرواة جرحًا وتعديلًا، وصرح بأسماء بعضها تارة، ولم يصرح تارة أخرى، من مثل: - "الكمال في أسماء الرجال" لمحمد بن عبد الواحد المقدسي، نقل عن صاحبه ولم يصرح باسمه في (٣/ ٤١٨). - "الكامل في الضعفاء" لابن عدي، نقل منه، وصرح باسمه في (٤/ ٤٧٩). والذي رأيته من خلال عملي في الكتاب أن غير نقل للمصنف في الرواة جرحًا وتعديلًا إنما كان بواسطة:

стр. 142

- "ميزان الاعتدال في نقد الرجال" (١) للذهبي، وهذه ثلاثة أدلة تدل على ذلك: الأول: نقل في (٣/ ٣٠٨ - ٣٠٩) أقوالًا لأئمة الجرح والتعديل في (الحارث بن عبيد) جلها في "الميزان" (١/ ٤٣٨)، وأعلّا حديثًا أورداه في ترجمته، ومفاد التعليل في عبارتيهما واحد. الثاني: نقل في (٣/ ٣٠٤ - ٣٠٥) أقوالًا عن ابن لهيعة، هي في "الميزان" (٢/ ٤٧٧)، نقلها المصنف منه. الئالث: نقل في (٣/ ٢٣٧) أقوالًا في جملة من الرواة، منقولة من "الميزان"، كما في تعليقي على الموطن المذكور. وهنالك كتب سبق ذكرها، ونقل المصنف منها أحكام أئمة الجرح والتعديل على الرواة، مثل: "الجامع" و"العلل" كلاهما للترمذي، و"السنن" و"الخلافيات" كلاهما للبيهقي، و"سنن الدارقطني"، وغيرها. ونقل المصنف من الكتب المتخصصة في التراجم بعضر الأخبار والآثار، ووقع له ذلك بالواسطة، وهذا البيان: "التاريخ الكبير" للبخاري، نقل منه وسماه في (٤/ ٨٨) وكان ذلك بواسطة "بيان الدليل" لشيخه ابن تيمية، وفي كتابنا نقولات أخرى منه بواسطة "الإحكام" لابن حزم. وكذا "التاريخ الأوسط" للبخاري، و"تاريخ أبي زرعة الرازي"، انظر -على سبيل المثال-: (١/ ٢٤٢ - ٤٧١، و ٢/ ٤٥٨)، و"المعرفة والتاريخ" للفسوي، وسبق الحديث عن هذه الكتب فيما تقدم تحت عنوان (كتب اللغة والغريب والأدب والتاريخ). * المصادر الشفهية وما في حكمها: اعتمد المصنِّفُ على مصادر شفهيّة بالإضافة إلى ما قدمناه من كتب أصلية، تكاد تشمل جميع العلوم، وهذا البيان: قال في (مسألة عدم لزوم الطلاق للحالف فيه) في (٤/ ٥٤٢): "وعندنا بأسانيد صحيحة لا مطعن فيها عن جماعة من أهل العلم، الذين

стр. 143

هم أهله في عصرنا وقبله، أنهم كانوا يفتون بها أحيانًا" قال: "فأخبرني صاحبنا الصادق محمد بن شهوان، قال: أخبرني شيخنا الذي قرأتُ عليه القرآن -وكان من أصدق الناس- الشيخ محمد بن المحلى، قال: أخبرني شيخنا الإمام خطيب جامع دمشق عز الدين الفاروقي، قال: كان والدي يرى هذه المسألة، ويفتي بها ببغداد". وقال في (٤/ ٥٦): "وأخبرني رجل من علمائهم -أي: علماء الطبيعة- أنه أجلس قرابةً له يكحل الناس؛ فرمد، ثم برئ، فجلس يكحلهم، فرمد مرارًا، قال: فعلمتُ أن الطبيعة تنقل، وأنه في كثرة ما يفتح عينيه في أعين الرُّمْد، نقلت الطبيعة الرمد إلى عينيه" وقال في (٥/ ٧٦): "أن مفتيين اختلفا في جواب فكتب تحت جوابهما: جوابي مثل جواب الشيخين، فقيل له: إنهما قد تناقضا فقال: وأنا أتناقض كما تناقضا. وكان في زماننا رجل مشار إليه بالفتوى، وهو مقدَّم في مذهبه، وكان نائب السلطان يرسل إليه في الفتاوى، فيكتب، يجوز كذا، أو يصح كذا، أو ينعقد بشرطه فأرسل إليه يقول له: تأتينا فتاوى منك فيها يجوز أو ينعقد أو يصح بشرطه، ونحن لا نعلم شرطه، فإما أن تبيّن شرطه، وإما أن لا تكتب ذلك. وسمعت شيخنا يقول: كلُّ أحد يحسن أن يفتي بهذا الشرط، فإن أي مسألة وردت عليه يكتب فيها يجوز بشرطه أو يصح بشرطه أو يقبل بشرطه ونحو ذلك، وهذا ليس بعلم، ولا يفيد فائدة أصلًا سوى حيرة السائل وتنكده، وكذلك قول بعضهم في فتاويه: يرجع في ذلك إلى رأي الحاكم، فيا سبحان اللَّه! واللَّه لو كان الحاكم شُريحًا وأشباهه لما كان مردُّ أحكام اللَّه ورسوله إلى رأيه، فضلًا عن حُكَام زماننا، فاللَّه المستعان". وقال في (٥/ ٩٧ - ٩٨): "وأذكر لك من هذا مثالًا وقع في زماننا، وهو أن السلطان أمر أن يلزم أهل الذمة بتغيير عمائمهم، وأن تكون خلاف ألوان عمائم المسلمين، فقامت لذلك قيامتهم وعظم عليهم، وكان في ذلك من المصالح وإعزاز الإسلام وإذلال الكفرة ما قرَّت به عيون المسلمين؛ فألقى الشيطان على ألسنة أوليائه وإخوانه أن صوَّروا فتيا يتوصلون بها إلى إزالة هذا الغيار، وهي: ما تقول السادة العلماء في قوم من أهل الذمة أُلزموا بلباس غير لباسهم المعتاد، وزي غير زيهم المألوف، فحصل

стр. 144

لهم بذلك ضرر عظيم في الطرقات والفلوات وتجرأ عليهم بسببه السفهاء والرعاع وآذوهم غاية الأذى، فطُمِع بذلك في إهانتهم والتعدي عليهم؟ فهل يسوغ للإمام ردهم إلى زيهم الأول، وإعادتهم إلى ما كانوا عليه مع حصول التميز بعلامة يُعرفون بها؟ وهل في ذلك مخالفة للشرع أم لا؟ فأجابهم مَنْ مُنِع التوفيق، وصُدَّ عن الطَّريق بجواز ذلك، وإن للإمام إعادتهم إلى ما كانوا عليه، قال شيخنا: فجاءتني الفتوى، فقلتُ: لا تجوز إعادتهم إلى ما كانوا عليه ويجب إبقاؤهم على الزي الذي يتميزون به عن المسلمين، فذهبوا، ثم غيَّروا الفتوى، ثم جاءوا بها في قالب آخر، فقلت: لا تجوز إعادتهم، فذهبوا، ثم أتوا بها في قالب آخر، فقلت: هي المسألة المعينة، وإنْ خرجت في عدة قوالب، ثم ذهب إلى السلطان وتكلَّم عنده بكلامٍ عجب منه الحاضرون، فأطبق القوم على إبقائهم وللَّه الحمد. ونظائر هذه الحادثة أكثر من أن تحصى، فقد ألقى الشيطان على ألسنة أوليائه أن صوَّروا فتوى فيما يحدث ليلة النصف في الجامع وأخرجوها في قالب حسن، حتى استخفوا عقل بعض المفتين فأفتاهم بجوازه، وسبحان اللَّه كم تُوُصِّل بهذه الطريق إلى إبطال حق وإثبات باطل! وأكثرُ الناس إنما هم أهل ظواهر في الكلام واللباس والأفعال، وأهل النقد منهم الذين يعبرون من الظاهر إلى حقيقته وباطنه لا يبلغون عشر معشار غيرهم، ولا قريبًا من ذلك، فاللَّه المستعان". وفي الكتاب استطرادات حول (تعبير الرؤى) (١)، لم يعزها المصنف لأحد، والغالب أنها مأخوذة عن شيخه أبي العباس أحمد بن عبد الرحمن بن سرور المقدسي (٦٢٨ - ٦٩٧ هـ)، وقد وجدته يصرح بذلك في كتابه "زاد المعاد" (فصل: قدوم وفد بني حنيفة) (٢) فإنه نقل عنه جملة من (التعبير)، ثم قال: "وهذه كانت حال شيخنا هذا، ورسوخه في علم التعبير، وسمعتُ عليه عدة أجزاء، ولم يتفق لي قراءة هذا العلم عليه لصغر سنه، واخترام المنية له، رحمه اللَّه تعالى". ولشيخه هذا "البدر المنير في علم التعبير" وشرحه أيضًا، والكلام الموجود

стр. 145

عند المصنف قريب مما فيه في مواطن قليلة، مثل: (تأويل البقر) قارن كلام المصنف بما في "البدر المنير" (٢٧٩ - ٢٨٠). وذكر في (٥/ ١٩٨) تحت (الفائدة الحادية والستين) من (آداب الفتوى) وهي في الإكثار من الدعاء عند الفتوى، قال: "وكان بعضهم يقرأ الفاتحة، وجرَّبنا ذلك نحن، فرأيناه من أقوى أسباب الإصابة". وتعدُّ موارد المصنف الشفهية في كتابنا هذا غيضًا من فيض موارده العلمية المتنوعة، وهي تدلل على تفنُّن المصنف، وتترجم حرصه واهتمامه بالكتب كما ذكره غير واحدٍ من مترجميه (١). ومن الواجب أن يُذَكر هنا أن المصنف لم يعن بذكر الكتب كعنايته بتحرير المسائل والمباحث، وأنه أكثر من النقل عن الكتب التي لها تعلق بمباحث الكتاب (٢) من مثل: الفتوى ومباحثها وما يخدمها ويخدم المباحث المتفرعة عنها، وما يلزم القضاة والمفتين (وهم الموقِّعون عن رب العالمين). ومن المشايخ الذين أكثر المصنف ذكرهم وتردادهم في كتبه عامة، وفي كتابه هذا خاصة: شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم الحراني، الشهير بـ (ابن تيمية)، ونقولاته عنه كانت من كتبه ومؤلفاته، ومباحثه وتحريراته، وما سمعه من فمه، وألقاه اللَّه على لسانه من حكم ومباحث ومواقف، وهذا ما سنوضّحه في المبحث التالي. وأخيرًا، لا بد من الإشارة إلى ذكر المصنف لبعض مؤلفاته هنا، وأحال عليها، فقال في (٤/ ٤٢٠ - ٤٢١) عند مسألة (المحلل في السباق)، وحكمه عند العلماء وتفاصيلهم في وجوده على أقوال، قال عنها: "وقد ذكرناها في كتابنا الكبير "الفروسية الشرعية"، وذكرنا فيه، وفي كتاب "بيان الاستدلال على بطلان اشتراط محلل السباق والنضال" بيان بطلانه من أكثر من خمسين وجهًا، وبيّنّا ضعف الحديث الذي احتج به من اشترطه، وكلام الأئمة في ضعفه، وعدم الدلالة منه على تقدير صحته". * بين المصنّف وشيخه ابن تيمية: كان ابن القيم معجبًا بشيخه شيخ الإسلام ابن تيمية أشد إعجاب، وكان له

стр. 146

الأثر البالغ في "تكوين اتجاهه، وتغذية مواهبه، وإشباع نهمته بعلوم الكتاب والسنة، والرد إلى اللَّه والرسول، حتى صار أبرع تلاميذه، وألمعهم نجمًا، وأجلاهم اسمًا، فلا يكاد يُذَكر الشيخ ابن تيمية إلا ويذكر معه تلميذه ابن قيم الجوزية، وسرى نور هذين العلمين في آفاق المعمورة، بسعة العلم، وأصالة الفكر، والتجديد في دعوة الناس إلى صراط اللَّه المستقيم" (١). وكانت مدة ملازمة ابن القيم لشيخه ستة عشر عامًا (٢)، منذ سنة (٧١٢ هـ) -وهي السنة التي عاد فيها ابن تيمية من مصر إلى دمشق- إلى سنة (٧٢٨ هـ)، سنة وفاة ابن تيمية. وفي هذه المدة أخذ التلميذ من الشيخ علمًا جمًّا، وتأثّر بسَمْتِه وهديه، واستمع إلى نصائحه وتوجيهاته (٣)، وعُرف به، وامتحن وأوذي مرات بسبب ذلك (٤). وكان ابن القيم بارًا بشيخه، كثير الترداد لاسمه، والثناء عليه، وذكر اختياراته (٥)، ولعل ذلك لم يقع في كتاب من كتبه كما وقع في كتابنا هذا. وهذه طاقة مهمة من النقولات من خلال جولة سريعة في كتابنا هذا فحسب؛ تدلّل على مدى تأثر المصنف بشيخه، وأنه تَصْدُق فيه مقولة ابن حجر: "غلب عليه حب ابن تيمية، حتى لا يخرج عن شيء من أقواله، بل ينتصر له في جميع ذلك، وهو الذي هذب كتبه ونشر علمه" (٦) ومقولة الذهبي: "تفقه بشيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية، وكان من عيون أصحابه" (٧)، ومقولة صلاح الدين

стр. 147

الصفدي: "وكان يسلك طريق العلامة تقي الدين ابن تيمية في جميع أحواله ومقالاته التي تفرّد بها، والوقوف عند نص أقواله" (١) و"لم يُخلِّفِ الشيخ العلامة تقي الدين ابن تيمية مثله" (٢)، ومقولة السخاوي عنه: "رئيس أصحاب ابن تيمية، بل هو حسنة من حسناته" (٣). ومن أكثر كتب ابن تيمية التي نقل منها المصنف في كتابنا هذا "بيان الدليل في إبطال التحليل" (٤)، وتكاد تكون النقولات الموجودة في كتابنا هذا نسخة أخرى منه، ولا غرو في ذلك، إذ قام المصنف بنسخ "البيان" في (٤٣٠) ورقة، وما زالت نسخته محفوظة (٥). قال ابن القيم بعد نقل طويل: "هذا كلام شيخ الإسلام في (مسألة مهر السر والعلانية) في كتاب "إبطال التحليل" نقلته بلفظه" (٦). والملاحظ أن النقل من هذا الكتاب كثير، ويكون بلفظ المصنف تارة، ويتصرف فيه ويقتصر على المعنى تارة أخرى، ويتخلّله نقولات وإيضاحات ورد استشكالات على تقرير ابن تيمية تارة أخرى، ويكون بعضها من خلال مشاهداته وسماعه، فها هو يقول بعد نقل منه: "وكان شيخنا ﵀ يمنع من (مسألة التورّق)، روجع فيها وأنا حاضر مرارًا، فلم يرخص فيه" (٧). ولم أظفر بتصريح ابن القيم باسم الكتاب إلا في موطن واحد (٣/ ٤٩٣)، ويسهب ابن القيم في توجيه كلام شيخه فيه، والتدليل عليه، ورد مؤاخذات وانتقادات المعارضين، مما يجعلنا نقول: إن القول بان ابن القيم نسخة عن شيخه فحسب، فرية بلا مرية، وهي من أكاذيب وبواطيل الخصوم، ولا تصدر إلا ممن

стр. 148

لم يَخْبُرْ كلام ابن القيم، وإنما باعثها الحقد والحسد. وينظر لكثرة نقل المصنف من كتاب "بيان الدليل" هذه المواطن مع التنبّه لتعليقنا على بعضها (٣/ ٤١٦ - ٤١٩، ٤٧٣، ٤٨٨ - ٤٩٣، ٤٩٤ - ٤٩٥، ٤٩٥، ٥٢٣، ٥٢٩ - ٥٣٠، ٥٣٨ و ٤/ ٦ هامش (٧)، ١٧، ١٨، ٢١، ٢٥، ٢٧، ٧٠، ٧١، ٧٢ - ٧٣، ٧٨، ٧٩، ٨٣، ٨٦، ٨٧، ٨٩، ٩٠، ٩٣، ٩٤، ٩٥، ٩٦ - ٩٩، ١٠٠، ١٠١، ١٣٩، ١٤٠ - ١٤١، ١٤٧، ١٤٨ - ١٦٣، ١٧٠، ١٧٤، ١٧٨ - ١٨٣، ٢٣٤ - ٢٣٦، ٢٣٧ - ٢٤١، ٢٤٢، ٢٤٣، ٢٤٨ - ٢٥٠). ولم يقتصر نقل المصنف من "بيان الدليل"، بل تعداه لكتب أخرى، ففي (مسألة المعدول به عن القياس) (١) أكثر المصنف من النقل عن شيخه ابن تيمية، ووجدت هذه النقولات في "مجموع الفتاوى" (٢٠/ ٥٠٤ - ٥٨٥ و ٢١/ ١ - ٢٣)، وفي "مجموعة الرسائل الكبرى" بالقاهرة، سنة ١٣٢٣ هـ، وسماها تلميذه محمد بن عبد الهادي في "العقود الدرية" (ص ٤٥): "قاعدة في تقرير القياس في مسائل عدة، والرد على من يقول: هي على خلاف القياس"، وتذكر بعض فهارس دور الكتب الخطية ضمن مصنفات ابن تيمية "جواب عما يسمى بخلاف القياس الذي يقع في كلام الفقهاء" (٢)، قال المصنف: "وسألتُ شيخنا -قدس اللَّه روحه- عما يقع في كلام كثير من الفقهاء من قولهم: هذا خلاف القياس. . . فقال: ليس في الشريعة ما يخالف القياس".

стр. 149

قال المصنف بعد ذلك مباشرة: "وأنا أذكر ما حصّلته من جوابه بخطّه ولفظه، وما فتح اللَّه سبحانه لي بيُمن إرشاده، وبركة تعليمه، وحسن بيانه وتفهيمه" (١). وكثرت النقولات والاستطرادات والمناقشات حول هذه المسألة، وتقع في نشرتنا في (٢/ ١٦٥ - ٢٣٧)، ونَقْلُ المصنف عن شيخه ابن تيمية في هذه المسألة -كنقله في التي قبلها- يظهر تارة، ويَختَفي أخرى، ويتخلله تقعيد وتأصيل وتدليل وتمثيل وتفريع. وهذه المسألة في القياس هي فصل من فصول ثلاثة (٢)، قرر فيها ابن القيم مذهب شيخه (٣) بقوة، وأطال النفس جدًّا في تبنّي ما ذهب إليه، كيف لا؟ وها هو يقول عنها: "هذه الفصول الثلاثة من أهم فصول الكتاب، وبها يتبيّن للعالم المنصف مقدارُ الشريعة وجلالتها وهيمنتها وسعتها وفضلها وشرفها على جميع الشرائع" قال: "ونحن نعلم أنّا لا نوفِّي هذه الفصول حقَّها ولا نقارب، وأنّها أجلُّ من علومنا وفوق إدراكنا، ولكن ننبّه أدنى تنبيه، ونشير أدنى إشارة إلى ما يفتح أبوابها، وينهج طرقها، واللَّه المستعان، وعليه التكلان" (٤). قال ابن النجار: "وقد ذكر الشيخ تقي الدين -وتبعه ابن القيم- أنه ليس في الشريعة ما يخالف القياس، وما لا يُعقل معناه، وبيّنا ذلك بما لا مزيد عليه" (٥)،

стр. 150

فمتابعة ابن القيم لشيخه في هذه المسألة أمر مشهور، كما يؤخذ من هذا النقل، واللَّه الموفق لا رب سواه. وكذلك في مسألة الحلف بالطلاق، فقد أكثر المصنف النقل عن شيخه ابن تيمية فيها، وأظهر عناية شيخه في هذه المسألة، قال (٤/ ٥٤٠): "وصنّف في المسألة ما بين مطوّل ومتوسط ومختصر ما يقارب ألفي ورقة (١)، وبلغت الوجوه التي استدل بها عليها من الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والقياس، وقواعد إمامه خاصة، وغيره من الأئمة زهاء أربعين دليلًا" وقال عن شيخه بعد ذلك: "وصار إلى ربه وهو مقيم عليها، داع إليها، مباهل لمنازعيه، باذل نفسه وعرضه، وأوقاته لمستفتيه، فكان يفتي في الساعة الواحدة فيها بقلمه ولسانه أكثر من أربعين فتيا" (٢). وبيَّن أثر فتياه هذه بقوله: "فعُطِّلتْ لفتاواه مصانع التحليل، وهدّمت صوامعه وبيعه، وكسدت سوقه، وتقشّعت سحائب اللعنة عن المحقلين، والمحلَّل لهم من المطلّقين، وقامت سوقُ الاستدلال بالكتاب والسنة والآثار السلفية. . . " (٣). وأطال المصنف الكلام في هذه المسألة، وأكثر النقل فيها عن شيخه أبي

стр. 151

العباس، انظر -على سبيل المثال-: (٢/ ٣٦٢، ٣/ ٣٤١، ٣٦٤ - ٤٧٣، ٤٥٠ - ٤٧٣ و ٤/ ٥٢٠ - ٥٢٥). ونقولات المصنف عن شيخه في مسائل الطلاق الأخرى كثيرة، من أهمّها المسائل الآتية: * (المسألة السريجية)، انظرها في نشرتنا (٤/ ٢٠١ - ٢٣٤)، وقارن بما في "مجموع الفتاوى" (٣٢/ ٢٨٩، وما بعد، ٣١١ وما بعد)، و"بيان الدليل" (١٨٢، ٢١٥ وما بعد). * (مسألة الطلاق الثلاث بلفظ واحد)، تعرض لها المصنف في مواطن عديدة من هذا الكتاب (١)، ولم يخرج عن رأي شيخه فيها، ولشيخه "سؤال وجواب في الطلاق الثلاث" (٢). * (مسألة الخلع هل هو طلاق؟)، تعرض لها المصنف في مواطن من كتابه هذا، ولم يخرج عن رأي شيخ الإسلام ابن تيمية (٣)، ولابن تيمية: "رسالة في الخلع هل هو طلاق أم لا" (٤) ويذكر له "مسائل الفرق بين الطلاق البدعي والخلع ونحو ذلك". * (فيما يحل ويحرم من مسائل الطلاق)، أكثر المصنف من التعرض لمسائل الطلاق وتفصيلاته (٥)، وهو يقرر ما ذهب شيخه إليه بقوّة، وينتصر له بناءً على موافقته الدليل الشرعي، ولابن تيمية رسائل مفردة في هذا الباب (٦).

стр. 152

وهذه المسائل مبحوثه في مواطن من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية (١)، وحصل الوقوف على ما قررناه من تبنّي المصنف لآرائه، وإن لم نظفر بجميع النقولات بالحرف واللفظ من كتبه. والأمر ليس مقتصرًا على (مسائل الطلاق)، وإنما ذكرتها للتمثيل لا للحصر، وإلا فمسألة (الطهارة للطواف) مثلًا ذكرها المصنف هنا (٢)، ونقلها بتطويل عن ابن تيمية، وظفرتُ بها -على طولها- في "مجموع الفتاوى" (٢٦/ ١٧٦ - ٢١٨). ومسألة (ضمان البساتين)، لما ذكرها في كتابنا (٢/ ٢١٣) وذكر الأقوال فيها، قال عن الجواز: "واختاره شيخنا، وأفرد فيه مصنفًا"، وانظر تعليقنا على الموطن المذكور، فهناك بيان اسم هذا المصنّف، ونسخه الخطية، واللَّه الموفق. وهكذا في مسائل كثيرة في مختلف العلوم، والناظر في الهوامش يجد عزوًا كثيرًا لـ"مجموع الفتاوى"، انظر -على سبيل المثال-: (١/ ٤٨٥ و ٢/ ١٧٤، ١٩٠، ٢١١، ٢١٢، ٢١٢ - ٢١٣، ٢١٤، ٢٢٥، ٢٢٨ - ٢٢٩، ٢٣١، ٢٣٧ - ٢٣٨، ٢٤٣، ٢٤٤، ٢٤٤ - ٢٤٥، ٢٤٧ - ٢٤٨، ٢٤٨ - ٢٥٠، ٢٥٠ - ٢٥٣، ٢٥٥ - ٢٥٦، ٢٧٢، ٣٠٠، ٣١٩، ٣٦٢، ٣٦٣، ٣٦٨، ٣٩٣، ٤٢٤، ٤٢٨، ٥٣٩ و ٣/ ٣٧١، ٣٨٢، ٤٦٣ و ٤/ ٣١٠، ٣٣٠، ٣٦٣، ٣٩٧، ٤٠٠، ٤١٧، ٤٢٠، ٤٢٣، ٤٢٨، ٤٥٦، ٤٦٩، ٤٧٠، ٤٩١، ٥٠٥، ٥٣٩ و ٥/ ٦٤، ٢٣٠، ٤٣١، ٤٥٣). ونَقلُ المصنف لم يقتصر من كتب ابن تيمية على هذا، وإنما نقل نصوصًا

стр. 153

طويلة من "تفسير آيات أشكلت"، وعزاها لابن تيمية، ولم يسم الكتاب، انظر (٢/ ٧٣، ٤١١، ٣٩٧ - ٤١٤). ومما ينبغي ذكره هنا أمور: أولًا: كانت عبارات المصنف دقيقة، فتارة كان يصرح باختيار ابن تيمية، وتارة يقول: "وكان شيخ الإسلام ابن تيمية يميل إلى هذا القول" (١) و"كان شيخنا يجنح إليه" (٢). ثانيًا: كان يرجِّح اختيار شيخه ابن تيمية على مذهب أحمد، فها هو -مثلًا- يقول في (مسألة شراء المسلم طفلًا كافرًا)، و (مسألة السابي) (٣) هل يحكم بإسلامهما؟ قال: "نحكم بإسلامه، قاله شيخنا قدس اللَّه روحه" (٤) ثم قال: "ولكن جادة المذهب أنه -أي السابي- باقٍ على كفره كما لو سُبي مع أبويه وأولى" قال: "والصحيح قول شيخنا، لأن. . . " (٥). ثالثًا: كان يذكر أحيانًا اختياراته، ويقول: "وغيره من الأصحاب" هكذا بالإبهام، انظر -على سبيل المثال-: (٤/ ٤٩١، ٥٠٥)، ويقرنه أحيانًا بذكره لإمام من أئمة الفقه، انظر -مثلًا- (٤/ ٤٠٤). رابعًا: كان ﵀ يقرر أشياء بإجمال، وتفصيلها في كتب شيخه ابن تيمية، وأذكر مثالين، أحدهما صرح بذلك، والآخر لم يصرح. أما الأول، فقوله (٢/ ٤٢٨): "ترك الأمر أعظم من ارتكاب النهي من أكثر من ثلاثين وجهًا، ذكرها شيخنا ﵀ في بعض تصانيفه" (٦). وأما الآخر؛ فقوله بعد سرده مكفرات الذنوب: "فهذه عشرة أسباب تمحق أثر الذنب" (٧)، وهي موجودة بتفصيل وتأصيل وتدليل في كلام شيخه ابن تيمية في

стр. 154

"منهاج السنة النبوية" (٦/ ٢٠٥ - ٢٣٩) و"مجموع الفتاوى" (٧/ ٤٨٧ - ٥٠١) وانظره أيضًا (٤/ ٤٣٢). خامسًا: من الأمور المهمة جدًّا: ذكر المصنف في كتابنا هذا أحوال شيخه، ونصائحه وتوجيهاته له، وأجوبته على أسئلته إياه أو أسئلة غيره مباشرة دون نقل من كتاب، وهي غنية بالفوائد الفرائد، وفي بعضها بيان اختيارات ابن تيمية وتعليق المصنف عليها بتوجيه ماتع، ودقة فائقة، وهذه أمثلة على ذلك: ١ - قال في مسألة (إقامة الإمام الحد على من جاء تائبًا): "وسألت شيخنا عن ذلك، فأجاب بما مضمونه:. . . " (١) وذكر كلامًا، ثم وجهه وقوّاه بالأدلة النقلية، وقال عنه: "وهذا المسلك وسط" قال: "وإذا تأملت السنة رأيتها لا تدل إلا على هذا القول الوسط" (٢). ٢ - قال: "ولقد أنكر بعضُ المقلّدين على شيخ الإسلام في تدريسه بمدرسة ابن الحنبلي، وهي وقف على الحنابلة، والمجتهد ليس منهم، فقال: إنما أتناول ما أتناوله منها على معرفتي بمذهب أحمد، لا على تقليدي له" (٣). ٣ - وقال بعد تقرير لمسألة على وجه بديع: "وهذا مما حصلته عن شيخ الإسلام -قدس اللَّه روحه- وقت القراءة عليه، وهذه كانت طريقته، وإنما يقرر أنّ القياس الصحيح هو ما دلّ عليه النص، وأن من خالف النص للقياس فقد وقع في مخالفة القياس والنص معًا" (٤). ٤ - ونقل إشكالًا في مسألة عن شيخه، وأنَّ حلَّه كان في منامٍ له، رأى فيه النبي ﷺ ، وأرشده إليه، قال (٤/ ٣٧٢): "وقال شيخنا: كان يشكل عليَّ أحيانًا حالُ من أُصلِّي عليه من الجنائز، هل هو مؤمن أو منافق؟ فرأيت رسول اللَّه ﷺ في المنام، فسألتُه عن مسائل عديدة منها هذه المسألة، فقال: يا أحمد! الشرط الشرط، أو قال: علّق الدعاء بالشرط، وكذلك أرشد أمته ﷺ إلى تعليق الدعاء بالحياة والموت بالشرط. . . " (٥) وأخذ في الاستدلال على ذلك.

стр. 155

٥ - قال في مسألة (البيع بما ينقطع به السعر) -وقرر الجواز-: "وهو الصواب المقطوع به، وهو عمل الناس في كل عصر ومصر" قال: "وهو منصوص الإمام أحمد، واختاره شيخُنا، وسمعته يقول: هو أطيب لقلب المشتري من المساومة، يقول: لي أسوةٌ بالناس، اخذ بما يأخذ به غيري. قال ﵀ ورضي عنه: والذين يمنعون من ذلك لا يمكنهم تركه، بل هم واقعون فيه، وليس في كتاب اللَّه تعالى ولا سنة رسوله ولا إجماع الأمة ولا قول صاحب ولا قياس صحيح ما يحرمه. . . " (١) وأخذ بتأييده بسرده الأشباه والنظائر له. ٦ - قال في مسألة (تبرع المديون بما يضر بأرباب الدين) -وقرر المنع-: "وسمعتُ شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ يحكي عن بعض علماء عصره من أصحاب أحمد، أنه كان ينكر هذا المذهب، ويضعّفه، قال: إلى أنْ بُلِي بغريم تبرَّع قبل الحجر عليه، فقال: واللَّه، مذهب مالك هو الحق في هذه المسألة" (٢). ٧ - قال مبيِّنًا حال شيخ الإسلام لما تُعيِيه المسائل: "وشهدتُ شيخ الإسلام -قدّس اللَّه روحه- إذا أعيته المسائل، واستعصت عليه، فرَّ منها إلى التوبة والاستغفار والاستغاثة باللَّه، واللجأ إليه، واستنزال الصواب من عنده، والاستفتاح من خزائن رحمته، فقلَّما يلبث المدد الإلهي أن يتتابع عليه مدًا، وتزدلف الفتوحات الإلهية إليه بأيَّتهنّ يبدأ، ولا ريب أن مَن وُفِّق لهذا الافتقار علمًا وحالًا، وسار قلبه في ميادينه حقيقة وقصدًا، فقد أُعطِي حظه من التوفيق، ومن حُرِمه، فقد منع الطريق والرفيق، فمتى أعين مع هذا الافتقار ببذل الجهد في درك الحق، فقد سلك به الصراط المستقيم، وذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء، واللَّه ذو الفضل العظيم" (٣). ٨ - ذكر من (فقه المفتي): (إذا منع من محظور دلَّ على مباح) وقال عن شيخه بهذا الصدد: "ورأيت شيخنا -قدس اللَّه روحه- يتحرَّى ذلك في فتاويه مهما أمكنه، ومن تأمل فتاويه وجد ذلك ظاهرًا فيها" (٤). ٩ - قال: "وسمعتُ شيخ الإسلام يقول: حضرت مجلسًا فيه القضاة وغيرهم، فجرت حكومة حكم فيها أحدهم بقول زفر، فقلتُ له: ما هذه الحكومة؟

стр. 156

فقال: هذا حكم اللَّه! فقلت له: صار قول زفر هو حكم اللَّه الذي حكم به، وألزم به الأمة؟! قل: هذا حكم زفر، ولا تقل: هذا حكم اللَّه، أو نحو هذا من الكلام" (١). ١٠ - ونقل تعليقًا لابن تيمية على صنيع مفتٍ كان في زمانهم يكتب في فتاويه: "يجوز كذا أو يصح كذا، أو ينعقد، بشرطه" قال المصنف: "وسمعت شيخنا يقول: كل أحد يحسن أن يفتي بهذا الشرط، فإن أي مسألة وردت عليه، يكتب فيها: يجوز بشرطه، أو يصح بشرطه، أو يقبل بشرطه، ونحو ذلك، وهذا ليس بعلم، ولا يفيد فائدة أصلًا سوى حيرة السائل وتنكده" (٢). ١١ - ونقل المصنف عن شيخه ردًا على فهم مغلوط لبعض فقهاء عصره في فتاوى العلماء، فتعرض -مثلًا- لمسألة (الوقف على أهل الذمة) وأن بعض الفقهاء صححوه، قال: "فأنكر ذلك شيخنا عليه غاية الإنكار، وقال: مقصود الفقهاء. . . " إلى قوله: "فغلظ طبع هذا المفتي، وكثف فهمه، وغلظ حجابه عن ذلك، ولم يميز" (٣). ١٢ - ونقل فتوى عزيزة في لباس أهل الذمة وأنه "حصل لهم بذلك -أي: بإلزامهم بلباس غير لباسهم المعتاد، وزي غير زيهم المألوف- ضرر عظيم في الطرقات والفلوات، وتجرأ عليهم بسببه السفهاء والرعاع، وآذوهم غاية الأذى" وهل يجوز للإمام ردهم إلى زيهم الأول؟ قال: "فأجابهم مَنْ مُنع التوفيق، وصُدَّ عن الطريق بجواز ذلك" قال: "قال شيخنا: فجاءتني الفتوى، فقلت: لا تجوز إعادتهم إلى ما كانوا عليه، ويجب إبقاؤهم على الزي الذي يتميّزون به عن المسلمين، فذهبوا، ثم غيَّروا الفتوى، ثم جاءوا بها في قالب آخر، فقلت: لا تجوز إعادتهم، فذهبوا ثم أتوا بها في قالب آخر، فقلت: هي المسألة المعينة، وإنْ خرجت في عدة قوالب، ثم ذهب إلى السلطان، وتكلم عنده بكلام عجب منه الحاضرون، فأطبق القوم على إبقائهم، وللَّه الحمد. ونظائر هذه الحادثة أكثر من أن تحصى. . . " (٤). ١٣ - وذكر في مسألة (دلالة العالم للمستفتي على غيره) قال: "وكان شيخنا -قدس اللَّه روحه- شديدَ التّجنُّبِ لذلك، ودللتُ مرة بحضرته على مُفْتٍ أو

стр. 157

مذهب، فانتهرني. وقال: ما لك وله؟ دعه عنك، ففهمتُ من كلامه: إنك لتبوء بما عساه يحصل له من الإثم، ولمن أفتاه، ثم رأيت هذه المسألة بعينها منصوصة عن الإمام أحمد. . . " (١). ١٤ - وذكر فائدة فقهية دقيقة عن شيخه في الفرق بين مسألتين، هما: إذا شهد الرجل جنازة، فرأى فيها منكرًا، لا يقدر على إزالته أنه لا يرجع، بينما في وليمة العرس يرجع، قال المصنف: "فسألتُ شيخنا عن الفرق؟ فقال: لأن الحقّ في الجنازة للميّت، فلا يُترك حفه لما فعله الحيُّ من المنكر، والحقُّ في الوليمة لصاحب البيت، فإذا أُتي فيها بالمنكر، فقد أسقط حقّه من الإجابة" (٢). ١٥ - قال: "وسمعت شيخنا يقول: سمعت بعض الأمراء يقول عن بعض المفتين من أهل زمانه، يكون عندهم في المسألة ثلاثة أقوال، أحدها: الجواز، والثاني: المنع، والثالث: التفصيل، فالجواز لهم، والمنع لغيرهم، وعليه العمل! " (٣). ١٦ - وقال عند حديثه عمن أفتى الناس، وهو ليس بأهل للفتوى: "وكان شيخنا ﵁ شديد الإنكار على هؤلاء، فسمعته يقول: قال لي بعض هؤلاء: أَجُعِلتَ محتسبًا على الفتوى؟ فقلت له: يكون على الخبازين والطباخين محتسب، ولا يكون على الفتوى محتسب؟! " (٤). ١٧ - وقال في مسألة (ما يصنع المفتي إذا أفتى في واقعة ثم وقعت له مرة أخرى؟): "وسمعتُ شيخنا رحمه اللَّه تعالى يقول: حضرتُ عَقْدَ مجلس عند نائب السلطان في وقف، أفتى فيه قاضي البلد بجوابين مختلفين، فقرأ جوابه الموافق للحق، فأخرج بعضُ الحاضرين جوابه الأول، وقال: هذا جوابك بضدّ هذا، فكيف تكتب جوابين متناقضين في واقعة واحدة؟ فوجم الحاكم، فقلت: هذا من علمه ودينه، أفتى أولًا بشيء، ثم تبيّن له الصواب، فرجع إليه، كما يفتي إمامه بقول، ثم يتبيّن له خلافه، فيرجع إليه، ولا يقدح ذلك في علمه ولا دينه، وكذلك سائر الأئمة، فسُرَّ القاضي بذلك، وسُرِّي عنه" (٥).

стр. 158

١٨ - وذكر قصة طريفة، فيها فائدة وإنصاف وتربية عن شيخه، قال: "وقد سمعت شيخنا ﵀ يقول: جاءني بعض الفقهاء من الحنفية، فقال: أستشيرك في أمر. قلت: وما هو؟ قال: أريد أن أنتقل عن مذهبي. قلت له: ولم؟ قال: لأني أرى الأحاديث الصحيحة كثيرًا تخالفه، واستشرتُ في هذا بعض أئمة أصحاب الشافعي، فقال لي: ولو رجعت عن مذهبك لم يرتفع ذلك من المذهب، وقد تقررت المذاهب، ورجوعك غير مفيد، وأشار عليَّ بعض مشايخ التصوف بالافتقار إلى اللَّه، والتضرع إليه، وسؤال الهداية لما يحبه ويرضاه، فماذا تشير به أنت عليَّ؟ فقلت له: اجعل المذهب ثلاثة أقسام: - قسم الحق فيه ظاهر بيِّن، موافق للكتاب والسنة، فاقضِ به، وأنت به طيب النفس، منشرح الصدر. - وقسم مرجوح، ومخالفُه معه الدليل، فلا تُفْتِ به، ولا تحكم به، وادفعه عنك. - وقسم من مسائل الاجتهاد التي الأدلة فيها متجاذبة، فإن شئت أن تفتي به، وإن شئت أن تدفعه عنك. فقال: جزاك اللَّه خيرًا، أو كما قال" (١). ١٩ - ونقل في مسألة (هل للمفتي المنتسب إلى مذهب إمام بعينه أن يفتي بمذهب غيره إذا ترجح عنده؟) كلامًا عن شيخه، فيه حق وعدل، قال: "فسألت شيخنا -قدس اللَّه روحه- عن ذلك، فقال: أكثر المستفتين لا يخطر بقلبه مذهبٌ معين عند الواقعة التي يسأل عنها، وإنما سؤاله عن حكمها، وما يعمل به فيها، فلا يسع المفتي أن يفتيه بما يعتقد الصواب في خلافه" (٢). ٢٠ - وذكر شيئًا عن حال شيخه ودعائه عند الفتوى، قال: "وكان شيخنا كثير الدعاء بذلك (٣)، وكان إذا أشكلت عليه المسائل يقول: يا معلّم إبراهيم! علِّمني، ويكثر الاستغاثة بذلك، اقتداءً بمعاذ" (٤). ٢١ - وأخيرًا. . . نقل عن شيخه فائدة في حكم إفتاء من جعل السؤال توصلًا إلى

стр. 159

حصول أغراضهم بأي طريق وافق، وقرر أنه لا يجب على المفتي مساعدتهم، قال: "وقال شيخنا ﵀ مرة: أنا مخيّر بين إفتاء هؤلاء وتركهم، فإنهم لا يستفتون للدين، بل لوصولهم إلى أغراضهم حيث كانت، ولو وجدوها عند غيري لم يجيئوا إليّ، بخلاف من يسأل عن دينه" (١). سادسًا: ومن الأمور المهمة أيضًا: أن المصنّف أقام وزنًا علميًا لفتاوى شيخه واختياراته، ودعى أن تكون مثل اختيارات غيره من علماء الحنابلة المحررين المعروفين، اسمع إليه وهو يقول: "ولا يختلف عالمان متحلّيان بالإنصاف أنّ اختيارات شيخ الإسلام لا تتقاصر عن اختيارات ابن عقيل وأبي الخطاب، بل وشيخهما أبي يعلى، فإذا كانت اختيارات هؤلاء وأمثالهم وجوهًا يفتى بها في الإسلام، ويحكم بها الحكام، فلاختيارات شيخ الإسلام أسوة بها إن لم ترجح عليها، واللَّه المستعان، وعليه التكلان" (٢). سابعًا: لا بد من التركيز على أصالة ابن القيم في اتباعه لابن تيمية. نعم هو معجب بمنهجه في الاستدلال، مرددًا أقواله، لكنه لم يكن مقلدًا له تقليدًا أعمى (٣). وإنما كان متبعًا للكتاب والسنة والآثار، ولم يرض أن يجعل أحدًا -كائنًا من كان- عيارًا على الدين، فاستمع إليه وهو يقول عن التابعين: "لا يجعلون مذهبَ رجلٍ عيارًا على القرآن والسنن، فهؤلاء أتباعهم -أي السابقين الأولين- حقًا، جعلنا اللَّه منهم بفضله ورحمته" (٤) وتأمل قوله بعد ذكره مسألة: "وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية، وعليه يدل النص والقياس" (٥) وهكذا فعل في جُلّ اختيارات ابن تيمية (٦)، فإنه ذكر أدلتها، وأيّدها بحجة قوية ودليل ظاهر، كيف لا، وهو قد أصّل في كتابه هذا حرمة التقليد، وعاب عليهم عدم الأخذ بالدليل، واتباع السلف، فاستمع إليه وهو يقرع المقلدين: "فلم تنكرون على من

стр. 160

اقتدى بهما (أي: الكتاب والسنة)، وحَكَّمَهُما، وتحاكم إليهما، وعرض أقوال العلماء عليهما، فما وافقهما قبله، وما خالفهما ردّه؟ فهب أنكم لم تصلوا إلى هذا العنقود، فلم تنكرون على من وصل إليه، وذاق حلاوته"؟ (١). ثامنًا: ومما له صلة بكتابنا أن ابن القيم أخذ الفقه عن كثير من المشايخ (٢) غير ابن تيمية، ومن بين من أخذ عنهم: أخو الشيخ أحمد: أبو محمد شرف الدين (٣)، وذكر في كتابنا هذا اختيارًا له، انظر (٤/ ٥٣٩). ومما ينبغي ذكره: أن مترجمي المصنف (٤) ذكروا كتبًا قرأها على شيخه ابن تيمية، مثل: قطعة من "المحرر"، وقطعة من "المحصول" ومن كتاب "الأحكام" للآمدي، وقطعة من "الأربعين" و"المحصل" للصفي الهندي، وأنه قرأ عليه كثيرًا من تصانيفه، وقد سبق بيان بعضها، وأن ابن تيمية ألف بعضها إجابة على سؤال وجهه إليه تلميذه ابن القيم. والخلاصة: أن ابن القيّم أسهب وأصّل وقعّد ما كان يفتي به شيخه ابن تيمية، وأنه في تصانيفه "يدندن حول مفردات ابن تيمية وينصرها، ويحتج لها" (٥)، وأنه "من ألمع تلاميذ ابن تيمية، ويعتبر تفكيره امتدادًا للحركة الإصلاحيّة الواسعة التي أقام صرحَها شيخُه، فقد كان الوارث لذلك التراث العلمي الضخم، الذي خلفه ابن تيمية، فعمل على تنظيمه وتبويبه ونشره. ونصب نفسه مدافعًا عن آرائه في حماس لا مزيد عليه، وإن كان يخالفه أحيانًا في بعض الفتاوى" (٦) وأنه "اتخذه مثلًا أعلى، ولازمه مدةً طويلة، وأخذ عنه علمًا جمًّا، واقتبس منه اتجاهه الحر في البحث، واتّبع مذهبه، ونهج نهجه في مقاومة الطوائف الزائغة عن عقيدة السلف، وقد جَرَّتْ له هذه الصحبة، وهذا الاتحاد في المنهج أتعابًا ومحنًا، أصابه منها ما أصاب شيخه من أذى واعتقال" (٧) وأنه على كثرة مشايخه لم "يتأثر

стр. 161

بواحد منهم مثلما تأثّر بشيخه ابن تيمية، الذي كان يحل محل ابنه، يوجّهه ويرسم له المناهج القويّة، ويسدي إليه النصائح الرشيدة" (١) وأنه "تشبع بآراء أستاذه الجريئة، واقتنع بمبادئه الإصلاحئة، وتألّم مثله بما كان يشاهده في عصره من انحلالٍ اجتماعي وسياسي، وتناحر مذهبي وطائفي، جعل المسلمين في حال تشتت وفوضى، فانطلق يؤيده في كفاحه الإصلاحي في حياته، ويواصل تحقيق مراميه بعد مماته، وكانت هناك وحدة في الاتجاه، واتفاق في المقاصد والأغراض، فدعا مثل أستاذه إلى التحرر الفكري ونبذ التقليد، وبيَّنَ أن باب الاجتهاد (٢) مفتوح على مصراعيه لكل من وجد فيه الأهلية وتوفرت لديه أدواته، كما دعا إلى الوحدة وجمع الكلمة بالرجوع إلى الكتاب والسنة وتحكيمهما في كل اختلاف واقع بين المذاهب، وبذلك يقع اختيار ما هو الأحسن والأوفق. اكتسب ابن القيم من شيخه قوة في الجدل وإقامة الحجة، غير أنه كان هادئًا صبورًا في جداله ومعارضاته عل خلاف ما عرفت من حدة وثورة في شيخه، ولعل ذلك يرجع إلى أن ابن تيمية كان زعيم هذه الحركة الإصلاحية وحامل لوائها فاشتد النزاع بينه وبين خصومه مما ألجأ كُلًّا من الطرفين أن يستعمل ما يملك من جهد للإطاحة بالآخر، فلما خلفه ابن القيم كان النزاع قد فترت حدته وخفت وطأته، لأن فكرة الإصلاح وجدت سبيلها إلى الأنفس وحصلت على مناصرين عديدين فصارت تعتمد على الهدوء والاتزان" (٣).

стр. 162

منهج ابن القيم في كتابه يتضح لنا من خلال العرض السابق، والنظر الفاحص المتمعن في الكتاب، أن لصاحبه منهجًا مطردًا علميًّا فيه، نجمله في المحاور الأربعة الآتية: المحور الأول: الاستدلال والاستنباط: ابن القيم إمام ربانيّ، لا يطوي قلبه، ولا يسطر يَراعُهُ حكمًا في مسألة من غير دليل، يشمل هذا كتابنا وغيره، وذكر ذلك العلماء في ترجمته، فيقول -مثلًا- الشوكاني عنه: "كان متقيّدًا بالأدلة الصحيحة، معجبًا بالعمل بها، غير معوّل على الرأي، صادعًا بالحق، لا يحابي فيه أحدًا" (١). * وجوب ذكر الدليل والتحقق من صحته: وقال: "وليس له على غير الدليل معول في الغالب، وقد يميل نادرًا إلى مذهب الذي نشأ عليه، ولكنه لا يتجاسر على الدفع في وجوه الأدلّة بالمحامل الباردة، كما يفعله غيره من المتمذهبين، بل لا بد له من مستند في ذلك، وغالب أبحاثه الإنصاف، والميل مع الدليل حيث مال، وعدم التعويل على القيل والقال" (٢). وقال عنه أيضًا: "وبالجملة؛ فهو أحد من قام بنشر السنة، وجعلها بينه وبين الآراء المحدثة أعظم جُنّة، فرحمه اللَّه، وجزاه عن المسلمين خيرًا" (٣). ويركز ابن القيم في كتابه هذا تركيزًا شديدًا على ضرورة ذكر الدليل، فقال: "ينبغي للمفتي أن يذكر دليل الحكم ومأخذه ما أمكنه من ذلك، ولا يُلقيه إلى المستفتي ساذجًا مجردًا عن دليله ومأخذه، فهذا لضيق عطنه، وقلّة بضاعته من العلم" (٤)، وبيّن أن هذا هو طريق أصحاب رسول اللَّه ﷺ خلافًا لأهل الأهواء والبدع، فقال:

стр. 163

"وقد كان أصحاب رسول اللَّه ﷺ إذا سُئلوا عن مسألة يقولون: قال اللَّه كذا، قال رسول اللَّه ﷺ كذا، وفعل كذا، ولا يعدلون عن ذلك ما وجدوا إليه سبيلًا قط فمن تأمَّل أجوبتهم وجدها شفاء لما في الصدور، فلما طال العهد وبُعدُ الناسِ من نور النبوة صار هذا عيبًا عند المتأخرين أن يذكروا في أصول دينهم وفروعه قال اللَّه، وقال رسول اللَّه، أما أصول دينهم فصرحوا في كتبهم أن قول اللَّه وقول رسوله لا يفيد اليقين في مسائل أصول الدين، وإنما يحتج بكلام اللَّه ورسوله فيها الحشوية والمجسمة والمشبهة، وأما فروعهم فقنعوا بتقليد من اختصر لهم بعض المختصرات التي لا يُذكَرُ فيها نَصٌّ اللَّه تعالى، ولا عن رسول اللَّه ﷺ ، ولا عن الإمام الذي زعموا أنهم قلَّدوه دينهم، بل عمدتهم فيما يفتون ويقضون به وينقلون به الحقوق ويبيحون به الفروج والدماء، والأموال على قول ذلك المصنِّف، وأجلّهم عند نفسه وزعيمهم عند بني جنسه من يستحضر لفظ ذلك الكتاب ويقول: هكذا قال، وهذا لفظه، فالحلال ما أحلَّه ذلك الكتاب، والحرام ما حرمه، والواجب ما أوجبه، والباطل ما أبطله، والصحيح ما صححه هذا. . . " (١). وقال أيضًا: "عاب بعض الناس ذكر الاستدلال في الفتوى، وهذا العيب أولى بالمُعيب، بل جمال الفتوى وروحها هو الدليل، فكيف يكون ذكر كلام اللَّه ورسوله ﷺ وإجماع المسلمين وأقوال الصحابة رضوان اللَّه عليهم والقياس الصحيح عيبًا؟ وهل ذكر قول اللَّه ورسوله إلا طراز الفتاوى؟ وقول المفتي ليس بموجب للأخذ به، فإذا ذكر الدليل فقد حرم على المستفتي أن يخالفه وبرئ هو من عهدة الفتوى بلا علم. وقد كان رسول اللَّه ﷺ يُسأل عن المسألة فيضرب لها الأمثال ويشبهها بنظائرها، هذا وقوله وحده حجة، فما الظن بمن ليس قوله بحجة؟ ولا يجب الأَخذ به وأحسن أحواله وأعلاها أن يسوغ له قبول قوله، وهيهات أن يسوغ بلا حجة، وقد كان أصحاب رسول اللَّه ﷺ ورضي عنهم إذا سئل أحدهم عن مسألة أفتى بالحجة نفسها فيقول: قال اللَّه كذا، وقال رسول اللَّه ﷺ كذا أو فعل كذا، فيشفى السائل، ويبلغ القائل، وهذا كثير جدًّا في فتاويهم لمن تأمَّلها، ثم جاء التابعون والأئمة بعدهم فكان أحدهم يذكر الحكم ثم يستدل عليه وعلمه يأبى أن

стр. 164

يتكلم بلا حجة، والسائل يأبى قبول قوله بلا دليل، ثم طال الأمد وبَعُدَ العهد بالعلم وتقاصرت الهمم إلى أن صار بعضهم يجيب بنعم أو لا فقط، ولا يذكر للجواب دليلًا، ولا مأخذًا ويعترف بقصوره وفضل من يفتي بالدليل، ثم نزلنا درجة أخرى إلى أن وصلت الفتوى إلى عيب من يفتي بالدليل وذمه، ولعله أن يحدث للناس طبقة أخرى لا يُدرى ما حالهم في الفتاوى، واللَّه المستعان" (١). وقد اختار ابن القيم هذا الموقف في العصر الذي كان فيه التقليد بالمعين أمرًا سائدًا؛ بحيث كان يظن كل فقيه ومفت أن العمل على مذهب إمامه واجب، وأنه لا تجوز مخالفته في حالة ما، ولذلك كانت الطريقة المتبعة عند الفقهاء أنهم كانوا لا يستدلون على المسائل الطارئة من النصوص الشرعية، بل كانوا يكتفون بذكر المقتبسات من الكتب الفقهية أو بنقل آراء الفقهاء، ولكن العلامة ابن القيم قد خالف هذا المنهج، والتزم عند استنباط المسائل واستخراجها طريقة منفردة منه، وروجها وعممها، وهي: أنه كان يرجع أولًا للعلم بوجهة الشريعة في المسائل الطارئة إلى الكتاب والسنة ويستأنس فيها بآثار الصحابة والتابعين، وكان يذكر في هذا الصدد آراء أئمة الفقه أيضًا، وإن كان يضطر إلى اختيار أثر من آثار الصحابة والتابعين وقول من أقوالهم، أو إلى رأي من آراء الفقهاء في مسألة عند عدم وجود نص صريح واضح من الكتاب والسنة فيها، فكان يقبل ويرجح قطعيًا في هذه الحالة رأيًا أقرب إلى الكتاب والسنة وإن لم يوافق ذلك مذهبه الفقهي، وكان يتبع هذا المنهج أيضًا عند الاجتهاد في المسائل المتجددة فكان يقوي ويبرهن فتواه وقوله بنصوص من الكتاب والسنة وآثار الصحابة والتابعين لا بأقوال الفقهاء، ولا يعني هذا أنه لا يوجد ذكر الكتاب والسنة قطعًا لدى تشريح المسائل الفقهية وتوضيحها أو تفريعها عند غيره من الفقهاء المعاصرين له، بل الاستشهاد والاستئناس بالنصوص الشرعية عندهم أيضًا يوجد بدون شك، ولكنه تبعًا لأنهم كانوا يذكرون مواقف أئمتهم من الفقهاء المجتهدين وحججهم بدلًا من أن ينتفعوا بهذه النصوص مباشرة، فيكتفون بنقل النصوص الواردة في دلائل أئمتهم، أما ابن القيم فعندما كان يتعرض للمسائل الفقهية كان يستأنف التفكير في الكتاب والسنة وبعد التفكير وإمعان النظر في الأدلة كان يستنتج النتائج، ثم إن لم يكن بد من مزيد التصريح والتوضيح فيستأنس بآراء الفقهاء القدامى.

стр. 165

ومحصل الكلام أنه ﵀ لم يوجب على نفسه تقليد الأشخاص والرجال واتباعهم في الفقه وغيره من الأمور، بل كان يعتبر الكتاب والسنة وآثار الصحابة أسوة وقدوة لنفسه، وإن هذه الوجهة تضاعف بها التوطيد والتدعيم في ارتباط الفقه مع القرآن والسنة وبها قوي واستحكم أمر إجالة الفكر والنظر والاجتهاد في المسائل الفقهية. وهذه السمة في منهجه الفقهي منحته رفعة وعظمة وقبولًا عند جميع المنصفين. - ترتيب الأدلة: * معنى كتاب اللَّه عند ابن القيم (١): - من خلال النقولات السابقة نجد أن ابن القيم اعتبر النصوص أصلًا أولًا للاستنباط، ويراد بالنصوص، نصوص الكتاب والسنة، ولم يهتم ابن القيم بإعطاء تعريف للكتاب والسنة، إلا ما جاء عرضًا، حيث نجده يبيّن من خلال رسالة عمر إلى أبي موسى المراد من لفظ (كتاب اللَّه) الوارد في "ما كان من شرط ليس في كتاب اللَّه. . . " (٢)، فيقول: "ومعلوم أنه ليس المراد به القرآن قطعًا، فإن أكثر الشروط الصحيحة ليست في القرآن، بل علمت من السنة، فعلم أن المراد بكتاب اللَّه حكمه، كقوله ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، وقول النبي ﷺ : "كتاب اللَّه القصاص في كسر السن" (٣) فكتابه سبحانه يطلق على كلامه وعلى حكمه الذي حكم به على لسان رسوله ﷺ " (٤). * منزلة القرآن والسنة من الاستنباط: يظهر من خلال ما سبق أن القرآن والسنة عند ابن القيم في منزلة واحدة، ويؤكد ذلك أمور: أولًا: قال في معنى (الذكر): "اللَّه أمر بسؤال أهل الذكر، والذكر هو

стр. 166

القرآن، والحديث الذي أمر اللَّه نساء نبيّه أن يذكرنه بقوله: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ﴾ [الأحزاب: ٣٤]، فهذا هو الذكر الذي أمرنا اللَّه باتباعه" (١). فجعل ﵀ الكتاب والسنة في منزلة واحدة. ثانيًا: لما عدّ أصول الإمام أحمد (٢)، اعتبر الكتاب والسنة شيئًا واحدًا أو أصلًا واحدًا، فعبر عنه بالنصوص، فهو بذلك يضعهما في رتبة واحدة، للتلازم بين الكتاب والسنة، من حيث أن السنة مبيّنة ومفصّلة وموضّحة لمجمل القرآن. ثالثًا: ذكر أن اللَّه نصب رسوله ﷺ : "منصب المبلغ المبتن عنه، فكل ما شرعه للأمة فهو بيان منه عن اللَّه أن هذا شرعه ودينه" (٣) قال: "ولا فرق بين ما يبلِّغه عنه من كلامه المتلو، ومن وحيه الذي هو نظير كلامه في وجوب الاتباع، ومخالفة هذا كمخالفة هذا" (٤). فهذا تصريح منه في وجوب امتثال أوامر الكتاب والسنة، واجتناب نواهيهما. رابعًا: قال في معنى (الرد) الواجب عند التنازع في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ [النساء: ٥٩]، "إن الناس أجمعوا أنّ الرد إلى اللَّه سبحانه هو الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول ﷺ هو الرد إليه نفسه في حياته، وإلى سنّته بعد وفاته" (٥). وجاء هذا الرد في سياق واحد، لخروجهما من مشكاة واحدة. خامسًا: لما تحدث عن إتيان السنة بأحكام زائدة عن القرآن، قال: "فما كان منها زائدًا عن القرآن فهو تشريع مبتدأ من النبي ﷺ ، تجب طاعته فيه، ولا تحل معصيته، وليس هذا تقديمًا لها على كتاب اللَّه، بل امتثال لما أمر اللَّه به من طاعة رسوله ﷺ " (٦). سادسًا: قوله عند شرح حديث: "إني قد خلفت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما: كتاب اللَّه وسنتي، ولن يفترقا حتى يردا عليَّ الحوض" (٧): "فلا يجوز

стр. 167

التفريق بين ما جمع اللَّه بينهما، ويرد أحدهما بالآخر" (١)، ويدل على هذا استدلاله بحديث: "ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه" (٢). سابعًا: يظهر هذا جليًا عند حديث ابن القيم عن (بيان السنة للقرآن)، نعم، هو مسبوق (٣) بما قرره في كتابنا هذا، ولكنه فَصّل في هذا المبحث تفصيلًا دقيقًا جدًّا، يدل على عمق تفكره، وجعله عشرة أقسام (٤)، ومن هذه الأقسام: ١ - بيان نفس الوحي بظهوره على لسانه بعد أن كان خفيًا. ٢ - بيان معناه وتفسيره لمن احتاج إلى ذلك. ٣ - بيانه بالفعل. ٤ - بيان ما سئل عنه من الأحكام التي ليست في القرآن، فنزل القرآن ببيانها. ٥ - بيان ما سئل عنه بالوحي وإن لم يكن قرآنًا. ٦ - أن يحكم القرآن بإيجاب شيء أو تحريمه أو إباحته، ويحيل اللَّه على رسوله في بيانها. فهذه الأقسام الست في درجة القرآن من حيث الاحتجاج، تساويه وتدانيه، وهي وإياه في مرتبة واحدة، والأنواع الأخرى تلحق بها، و"أن الرسول ﷺ لا يقول ولا يفعل ولا يقر ما يخالف القرآن، فهو المبلّغ عن ربه، الخبير بمقاصد الشريعة، والمعصوم من الخطأ" (٥). * ضرورة الاحتجاج بالسنّة: قرر ابن القيم أن العمل بالسنة والرجوع إليها أمر واجب كالقرآن، فقال عنها: "وهي في وجوب اتباعها وتحكيمها والتحاكم إليها ثانية الكتاب، وليس لأحد من المسلمين العدول عنها ما وجد إليها سبيلًا"، وقال في مسألة: "وقد دلت السنة الصحيحة الصريحة على ذلك، فلا عبرة بخلاف من خالفها" (٦)، وقال: "وهذا صحيح بلا تردد" (٧)، بل يرى أن الرد إليها من موجبات الإيمان

стр. 168

ولوازمه، فإذا انتفى هذا الرد انتفى الإيمان (١)، واستدل على حجيتها بالكتاب والسنة وأقوال الصحابة والتابعين والأئمة، ولا سيما المتبوعين منهم، وصار كلامه مرجعًا لمن ألّف في ذلك (٢). * الاحتجاج بالصحيح من السنة دون الضعيف: ركز ابن القيم ﵀ على ضرورة الاحتجاج بالثابت دون المطروح، وبالصحيح دون السقيم، فقال مثلًا -بعد كلام-: "فإن هذه الأحاديث إن كانت حقًا، وجب الانقياد لها، والأخذ بما فيها، وإن لم تكن صحيحة لم يؤخذ بشيء مما فيها، فإما أنْ تصحح ويؤخذ بها فيما وافق قول المتبوع، وتضَعَّف، أو. . . "، وقال في موطن آخر: "إن هذه الأحاديث لم تثبت، ولو ثبتت لم تحل مخالفتها، ووجب العمل بها"، وقال أيضًا: "والذي ندين اللَّه به ولا يسعنا غيره. . أن الحديث إذا صح عن رسول اللَّه ﷺ ولم يصح عنه حديث آخر ينسخه أن الفرض علينا وعلى الأمة الأخذ بحديثه، وترك كل ما خالفه" (٣). ونقل عن أحمد وغيره أن من الصفات اللازمة للمفتي معرفة الحديث الضعيف، وتمييز الإسناد القوي من الضعيف. وهنالك عشرات الأمثلة التطبيقية في الكتاب، يرد فيها ابن القيم على المخالفين بتضعيف أدلتهم، وينقل كلام أئمة الجرح والتعديل، فها هو يقول مثلًا: "وأما تلك الآثار التي رويتموها، ففيها ضعف" (٤) وأخذ في سرد ما يدلل على ذلك ومن دقته في هذا الباب: التمييز بين الثابت في الموقوف والمرفوع (٥)، ويعتني بالألفاظ الثابتة في الأحاديث دون غير الثابت في الحديث نفسه عند اختلاف الرواة (٦). ومن إنصافه: تضعيفه آثارًا فيها ما يدل على ترجيحه، فقال: "ولو كنا ممن يفرح بالباطل ككثير من المصنِّفين الذين يفرح أحدهم بما وجده مؤيِّدًا لقوله، فرحنا بهذه الآثار، ولكن ليس فيها غنية، فإنها كلها آثار باطلة موضوعة على

стр. 169

رسول اللَّه ﷺ " (١). وساق الآثار، وقد تعلَّق بها المختلفون في المسألة، إذ فيها الجواز وعدمه، وقال عنها ملخّصًا حالها: "والمقصود أن الآثار من الطرفين لا مُستراح فيها" (٢). * مؤاخذات حديثيّة على المصنّف: لم تسلم للمصنّف جميع نقداته للأسانيد، وكلامه عليها (٣)، ويمكن حصر المؤاخذات عليه في هذا الباب بالأمور الجملية الآتية: أولًا: عزوه أحاديث لمصادر هي ليست فيها، انظر -على سبيل المثال-: (١/ ٧٢، ٣١٠، ٢/ ٣٨١ - ٣٨٢ و ٥/ ٢٩٥، ٤٢٦، ٤٩٤). ثانيًا: هنالك أحاديث عزاها المصنف لبعض دواوين السنة البعيدة، وهي في "الصحيحين" أو أحدهما، من المثال على ذلك: ما في (٤/ ٥٨٠) حيث عزاه للطبراني وهو في البخاري، وما في (٥/ ٥٨٤) حيث عزاه للبزار، وهو في "الصحيحين"، وما في (٥/ ٥٨٠) حيث عزاه للطبراني وأبي نعيم وهو في البخاري، وما في (٥/ ٣١١) حيث عزاه للنسائي وهو في البخاري وما في (٣/ ٣٤٩ - ٣٥٠) حيث عزاه للنسائي وهو في مسلم، وما في (٥/ ٤٨٧) حيث عزاه لأبي داود وهو في البخاري، وما في (٥/ ٤٤٥) حيث عزاه لأحمد وأبي داود وهو في مسلم. ثالثًا: هنالك مؤاخذات في العزو لـ"الصحيحين" أو أحدهما، فمثلًا، أورد المصنف في (١/ ٤١١) حديثًا عزاه لـ"الصحيحين" ولم يورد لفظهما أو لفظ أحدهما، وإنما أورد لفظ الرامهرمزي في "الأمثال"، وكذلك فعل في (١/ ٣٠٦) حيث عزى حديثًا و"الصحيحين" وأورد لفظًا ليس فيهما، وأورد في (٥/ ١٥٥، ٢١٠)، حديثًا عزاه لمسلم، ولفظه ليس في "صحيحه" وعزى في (٣/ ٢٩٦) حديثًا

стр. 170

لمسلم عن أنس، وهو عنده عن عبد اللَّه بن عمرو، وفي (٣/ ٢٨٠) حديثًا آخر لمسلم عن ابن عمر، وهو عنده عن ابن أبي أوفى، ومثله خارج "الصحيح"، انظر (٢/ ٤٦٦) و (١/ ٤٢٤)، وعزى في (٥/ ٣١٣) حديثًا لـ"الصحيحين"، وهو فقط عند البخاري معلقًا. رابعًا: لم يميز المصنف في بعض الأحايين في عزوه الأحاديث لـ"مسند أحمد"، و"زوائد ابنه عبد اللَّه" عليه، انظر (٣/ ٢٨٧ و ٥/ ٢٠٩، ٢١٢، ٢١٣، ٣١٤، ٥٩٦)، وساق في (٥/ ٣٣١) حديثًا نقله عن أحمد، ولفظه ناقص، وعزى في (١/ ٤١٠ - ٤١١) حديثًا لأحمد عن المستورد وهو فيه عن أبي موسى. خامسًا: أورد المصنف أحاديث، هي مركبة من حديثين، انظر (٢/ ٢٦٨، و ٥/ ٥٠٥، ٥٤٨). سادسًا: هنالك بعض النصوص في الكتاب أوردها المصنف مرفوعة، وهي لم تثبت إلا موقوفة، انظر -على سبيل المثال-: (٢/ ٤١٦، و ٥/ ٤٢٢ و ٤/ ٦٣ - ٦٤، ٢٥٩)، والعكس، كما في (٢/ ١٩١ - ١٩٢)، وانظر (١/ ٢٥٥ و ٢/ ٥٠٤ - ٥٠٥، ٥/ ١١٠ - ١١١، ٢٩٠). سابعًا: هنالك ألفاظ وروايات أوردها المصنف ولم يعزها لأحد، انظر -على سبيل المثال-: (٣/ ٢٧٦، ٢٨١، ٢٨٢، ٢٨٣). ثامنًا: هنالك أحكام للمصنف على بعض الأحاديث فيها كلام، والصنعة الحديثية تقضي بخلاف ما قرره (١)، انظر -على سبيل المثال-: (١/ ٤٥٩ و ٥/ ٢١١، ٣١٠ - ٣١١)، وأورد المصنف بعض الأحاديث وسكت عليها في موطن، وضعّفها في موطن آخر، انظر -مثلًا- (٥/ ٣٤ - ٣٥)، وسكت على أحاديث لم تثبت، انظر -مثلًا- (٣/ ٢٨٤، ٤٩٩). تاسعًا: هنالك آثار عزاها المصنف لغير أصحابها، انظر (١/ ٣٩٥ و ٣/ ٣٠٥ و ٥/ ٢٩). هذه ملاحظات في مواطن يسيرة (٢)، لا تضرّ معرفة المصنف الدقيقة، وتبحره العميق في علوم الحديث: دراية ورواية، فإنه أورد نصوصًا كثيرة جدًّا، وتكلّم عليها بدقة متناهية، ووُفِّق في جُل ذلك، وللَّه الحمد.

стр. 171

ومما يدل على سعة معرفة المصنف ودقته (١)، عدم عثوري على ألفاظ أوردها المصنف، مع محاولة شد النفس، والنظر في الفهارس والمسانيد والمعاجم والأجزاء الحديثية، انظر -مثلًا- (٣/ ٣٨٦، ٣٩٠، و ٥/ ٣٣٥). * تقديم الأدلة النقلية على غيرها: ومن المباحث التي تعرض لها ابن القيم، ولها صلة بـ (ترتيب الأدلة): تقريره تقديم خبر الآحاد على عمل أهل المدينة (٢)، خلافًا للمالكية، وأن "السنة هي العيار على العمل، وليس العمل عيارًا على السنة" (٣) وأن العمل الذي يؤخذ به إنما هو "عمل رسول اللَّه ﷺ وخلفائه والصحابة، فذاك هو السنة" بخلاف العمل الذي طريقه الاجتهاد والاستدلال، "فالواجب المصير إلى الخبر، فإنه دليل منفرد عن مسقط أو معارض" (٤)، فلا ينبغي أن "يخلط أحدهما بالآخر، فنحن لهذا العمل أشد تحكيمًا، وللعمل الآخر إذا خالف السنة أشد تركًا" (٥). وأن المعارضة بين الخبر والعمل على نوعين: - نوع لم يعارضه نص، ولا عمل قبله، ولا عمل مصر آخر غيره. - نوع عارضه واحد من الثلاثة. والتسوية بين النوعين تسوية بين المختلفات، التي فرق العقل والنص بينها، والتفريق بينها يتوقف على دليل يعتمد في التمييز بين ما هو معتبر وما هو غير معتبر، وأكد ابن القيم أن أي دليل يذكر لتقديم العمل، إلا كان دليل تقديم النص أقوى (٦). وكذلك رد على الحنفية الذين ردوا خبر الواحد إذا كان الراوي له غير فقيه على زعمهم (٧)! ورد قول من قال بعدم أخذ رواية الراوي المخالفة لرأيه (٨)، إذ

стр. 172

"من الممكن أن ينسى الراوي الحديث، أو لا يحضره وقت الفتيا، أو لا يتفطن لدلالته على تلك المسألة، أو يتأول فيه تأويلًا مرجوحًا، يقوم في ظنه ما يعارضه، ولا يكون معارضًا في نفس الأمر، أو يقلد غيره في فتواه بخلافه؛ لاعتقاده أنه أعلم منه، وأنه إنما خالفه لما هو أقوى منه، ولو قدر انتفاء ذلك كله، ولا سبيل إلى العلم بانتفائه ولا ظنه، لم يكن الراوي معصومًا، ولم توجب مخالفتُهُ لما رواه سقوطَ عدالَتِهِ حتى تغلب سيئاته حسناته، وبخلاف هذا الحديث الواحد لا يحصل له ذلك" (١). وهذا يتمشى مع ما رسمه ابن القيم من منهج له في تقديم نصوص الوحي على غيرها، ومن هذا الباب: تقديم فتوى الصحابي على الحديث المرسل، لضعفه. والمرسل عنده حجة إذا توفرت فيه شروط، قال: "والمرسل إذا اتصل به عمل، وعضده قياس، أو قول صحابي، أو كان مرسله معروفًا باختيار الشيوخ، ورغبته عن الرواية عن الضعفاء والمتروكين، ونحو ذلك مما يقتضي قوته، عمل به" (٢). وأما بالنسبة للإجماع، فقد رد كثيرًا من الإجماعات المكذوبة، التي يعطل بعض المنتسبين للفقه بسببها العمل بأحاديث صحيحة خالفتها، وقرر أن الإجماع المعترف بوجوده هو إجماع الصحابة، ولذلك جعله وراء النصوص مباشرة، ومقدمًا على الأحاديث الضعيفة غير الموضوعة (٣)، قال: "فإن علِمَ المجتهد بما دل عليه القرآن والسنة، أَسْهلُ عليه بكثير من علمه باتفاق الناس في شرق الأرض وغربها على الحكم، وهذا إن لم يكن متعذّرًا فهو أصعب شيء وأشقه، إلا فيما هو من لوازم الإسلام" (٤).

стр. 173

ويرد على المتوسعين بدعاوى الإجماع، بأنه "ليس عدم العلم بالنزاع علمًا بعدمه، فكيف يقدم عدم العلم على أصل العلم كله (١)؟ ثم كيف يسوغ له ترك الحق المعلوم إلى أمر لا علم له به؟ وغايته أن يكون موهومًا، وأحسن أحواله أن يكون مشكوكًا فيه، متساويًا أو راجحًا" (٢). ورد بقوة على من زعم اشتراط انقراض عصر المجمعين، وأنه لما "نشأت هذه الطريقة، تولد عنها معارضة النصوص بالإجماع المجهول، وانفتح باب دعواه، وصار من لم يعرف الخلاف من المقلدين إذا احتُجَّ عليه بالقرآن والسنة، قال: هذا خلاف الإجماع! وهذا هو الذي أنكره أئمة الإسلام، وعابوا من كل ناحية من ارتكبه، وكذبوا من ادعاه" (٣). والخلاصة: أن إجماع الصحابة فقط حجة قاطعة، بل هي أقوى الحجج وآكدها (٤)، و"إنما يصار إليه فيما لم يعلم فيه كتابًا ولا سنة، هذا هو الحق" (٥). ومما ينبغي أن يذكر في هذا الباب: رد ابن القيم بالآثار السلفية الشهيرة على دعوى الإجماع وما عليه السواد الأعظم، حيث جعلوا ذلك عيارًا على السنة، وجعلوا السنة بدعة، لقلّة أهل الحق، وقال عنهم: "قلبوا الحقائق" وذكَّرهم أنه في زمن الإمام أحمد شذ الناس كلهم إلا نفرًا يسيرًا، فكانوا هم الجماعة، وكان القضاة والمفتون والخليفة وأتباعه كلهم هم الشاذُّودن، وكان الإمام أحمد وحده هو الجماعة (٦). والذي جعله يذكر هذا عدم الاغترار بما عليه الناس في مقابل النصوص. وكذلك مبحثه في (أقوال الصحابة) وحجيّتها، فاجزاء الكتاب جميعًا لا تخلو من هذا الموضوع، وأن القول بالحجيّة راجع إلى إعمال النصوص وتقديمها على الرأي، إذ "أنهم شاهدوا التنزيل، وعرفوا التأويل، وفهموا مقاصد الرسول ﷺ " (٧) ولذا فـ "أفهام الصحابة فوق أفهام جميع الأمة، وعلمهم بمقاصد نبيهم ﷺ وقواعد دينه وشرعه، أتم من علم كل من جاء بعدهم" (٨) وقد أطال ابن القيم في ذكر الأدلة على حجية أقوالهم، ودعَّم ذلك بست وأربعين وجهًا (٩)،

стр. 174

بعضها من القرآن، والآخر من السنة، وبعضها من أقوال السلف، وختم بالأدلة العقلية. وفصّل في القول بالحجيّة، وفرع معتمدًا على مخالفة بعضهم بعضًا، أو مع عدم وجود المخالفة فيما بينهم، أو وجود أبي بكر وعمر مع أحد الفريقين، أو اختلاف أبي بكر وعمر، وهكذا، على وجه استوعب فيه الكلام على كل حالة (١). وألحق تفسير الصحابة بفتاويهم، وعد ذلك من الرأي المحمود (٢). وأما التابعون والاحتجاج بفتاويهم، فالأمر عند ابن القيم "كلما كان العهد بالرسول ﷺ أقرب كان الصواب أغلب" وبيّن أن هذا حكم بحسب الجنس، لا بحسب كل فرد من المسائل (٣). وقول التابعي إذا لم يعلم له مخالف، فليس كقول الصحابي، لأن "التابعين انتشروا انتشارًا لا ينضبط؛ لكثرتهم، وانتشرت المسائل في عصرهم، فلا يكاد يغلب على الظن عدم المخالف، لما أفتى به الواحد منهم" (٤). وأشاد بهم، بتقريره أنهم أعلم الأمة بكلام اللَّه ورسوله ومعانيه، وأن الشافعي صرح في موضع بأنه قلد عطاءً (٥)، وأن أحمد له قولان في الاحتجاج بتفسير التابعي، قال: "ومن تأمل كتب الأئمة ومن بعدهم وجدها مشحونة بالاحتجاج بتفسير التابعي" ولذا قال: "إنما الحجة في الآثار" (٦)، وفي هذا رد على من زعم (٧) أن ابن القيم لم يأخذ بقول التابعين بإطلاق! الاستدلال بالنظر والقياس الصحيح والمعقول: وبعد هذه الاستدلالات التي مرجعها النقل، يأتي دور الاستدلال بالنظر والاعتبار والقياس الصحيح (٨) والمعقول، وهذا هو النوع الرابع من الرأي المحمود عنده، شريطة أن ينظر صاحبه إلى "أقرب ذلك من كتاب اللَّه وسنة رسوله ﷺ ، وأقضية أصحابه، فهذا هو الرأي الذي سوَّغه الصحابة واستعملوه،

стр. 175

وأقرّ بعضُهم بعضًا عليه" (١). ومن الأمور المهمة التي قعّدها ابن القيم وركز عليها: استدلاله بالعرف، وسيأتي هذا قريبًا عند كلامنا على الاستنباط ووجوه الاستدلال. - عمل أهل المدينة: ومما ينبغي أن يذكر في هذا الصدد: كلامه التقعيدي على (عمل أهل المدينة) (٢). تناول ابن تيمية في "فتاويه" (٣) عمل أهل المدينة فذكر أن مذهب أهل المدينة على عهد الصحابة والتابعين وتابعيهم هو أصح مذاهب أهل الأمصار الإسلامية في الأصول والفروع، وأنه لم يقل أحد بحجية مذهب أهل مصر من الأمصار، كما قال جمهور الأئمة بحجية مذهب أهل المدينة وإن اختلفوا في بعضه. وأن مذهب أهل المدينة على أربع مراتب: حجة باتفاق، وحجة قوية، وحجة مرجحة للدليل، والرابعة: حجة عند بعض أهل المغرب من أصحابه. وتناول ابن القيم بدوره الحديث عن عمل أهل المدينة، وأبان من خلاله عن شخصيته المستقلة عن شيخه، ولم يكرر ما توصل إليه شيخه. فهو يميز بين عمل أهل المدينة زمن الخلفاء الراشدين، وعملهم بعد موتهم، وبعد انقراض عصر من كان بها من الصحابة، فالأول اعتبره كالسنة، فقال بحجيته وتحكيمه، والثاني لا فرق بينه وبين عمل غيرهم، فإذا خالف السنة، يترك (٤). فابن القيم لا يوافق شيخه في أن مذهب أهل المدينة على عهد التابعين وتابعيهم، أصح مذاهب أهل الأمصار في الأصول والفروع، وإنما يقصر الأمر على عصر الخلفاء الراشدين فقط. - أقسام العمل عند ابن القيم: حتى يتبين العمل المقبول من المردود، قسم ابن القيم العمل إلى

стр. 176

قسمين رئيسيين (١): القسم الأول: ما كان من طريق النقل والحكاية، وهو على ثلاثة أضرب: أولًا: نقل الشرع مبتدأ من جهة النبي ﷺ ، وهو أربعة أنواع: ١ - نقل قوله ﷺ : وهو الأحاديث المدنية التي هي أم الأحاديث النبوية وأشرف أحاديث أهل الأمصار، ومن تأمل أبواب البخاري وجده أول ما يبدأ في الباب بها ما وجدها، ثم يتبعها بأحاديث الأمصار. ٢ - نقل فعله ﷺ : كنقلهم أنه توضأ من بئر بضاعة، وخروجه كل عيد إلى المصلى ليصلي هو والناس، وكيف كان يخطبهم. ٣ - نقل تقريره لهم على أمر شاهدهم عليه أو أخبرهم به: كنقلهم إقراره لهم على صنائعهم المختلفة من تجارة وخياطة وصياغة وفلاحة، وإنما حرم عليهم فيها الغش والتوسل بها إلى المحرمات، وكإقرارهم على إنشاد الأشعار المباحة، وذكر أيام الجاهلية والمسابقة على الأقدام، وكإقراره لهم على الأنكحة التي عقدوها في حال الشرك ولم يتعرض لكيفية وقوعها، وإنما أنكر منها ما لا مساغ له في الإسلام حين الدخول فيه، إلى غير ذلك مما أقرهم عليه. ٤ - نقلهم لترك شيء قام سبب وجوده ولم يفعله: - فإما أن يصرحوا بأنه ترك كذا وكذا ولم يفعله، كقولهم في شهداء أحد: ولم يغسلهم ولم يصل عليهم. - وإما ألا ينقلوا ما لو فعله لتوفرت هممهم ودواعيهم أو أكثرهم أو أحد منهم على نقله، فما دام لم ينقله واحد منهم قط ولا حدث به في مجمع أبدًا، علم أنه لم يكن، وهذا كتركه التلفظ بالنية عند دخوله في الصلاة، وغير ذلك، ومن هنا يعلم أن القول باستحباب ذلك خلاف السنة، فإن تركه سنة كما أن فعله سنة. ثانيًا: نقل العمل المتصل زمنًا بعد زمن من عهده ﷺ : كتركهم أخذ الزكاة من الخضروات مع أنها كانت تزرع بالمدينة، وقد كان النبي ﷺ والخلفاء بعده لا

стр. 177

يأخذون منها. وكنقل الأذان للصبح قبل الفجر، وتثنية الأذان وإفراد الإقامة، وغير ذلك، فهذا النقل حجة يجب اتباعها. ثالثًا: نقل لأماكن وأعيان ومقادير لم تتغير حالها: كنقلهم الصاع والمد، وتعيين موضع المنبر، ومسجد قباء، وتعيين الروضة والبقيع ونحو ذلك، ونقل هذا جار مجرى نقل مواضع المناسك، كالصفا والمروة ومنى ومواضع الجمرات ومزدلفة وعرفة ومواضع الإحرام. وهذا القسم ينبغي ألا يختلف فيه، لأنه من باب النقل المتواتر ولا فرق بين القول والفعل والإقرار، كل ذلك نقل محصل للعلم القطعي، فإنهم عدد كثير وجم غفير يستحيل تواطؤهم على خلاف الصدق. القسم الثاني: ما كان من طريق الاجتهاد والاستدلال، وهذا القسم وقع فيه خلاف بين المالكية، كما نقل ذلك ابن القيم عن القاضي عبد الوهاب، وهذا الخلاف على ثلاثة أوجه: - أحدها: أنه ليس بحجة أصلًا، وأن الحجة هي إجماع أهل المدينة من طريق النقل، ولا يرجح به أيضًا أحد الاجتهادين على الآخر، وهذا قول معظم المالكية. وقد أنكروا أن يكون هذا مذهبًا لمالك، أو لأحد من معتمدي أصحابه. - الوجه الثاني: أنه وإن لم يكن حجة، فإنه يرجح به اجتهادهم على اجتهاد غيرهم، وهو قول بعض المالكية، وبه قال أصحاب الشافعي. - والوجه الثالث: أن إجماعهم من طريق الاجتهاد حجة، وإن لم يحرم خلافه، كإجماعهم من طريق النقل، وهذا مذهب قوم من المالكية وحكوه عن مالك، وفي رسالةَ مالك إلى الليث بن سعد (١٧٥ هـ) ما يدل عليه (١). ومن الجدير بالذكر أن الدكتور الجيدي (٢) ذكر أن الذين انتقدوا عمل أهل المدينة ورفضوا الأخذ به يظهر من كلامهم أنهم نظروا إليه باعتبار أنه إجماع، خلافًا لما ذهب إليه محققو المالكية. وهذا الكلام لا ينطبق على ابن القيم لأنه: ١ - على معرفة دقيقة بعمل أهل المدينة.

стр. 178

٢ - ينطلق في حديثه عن العمل مما ذكره محققو المذهب كالقاضي عبد الوهاب، وينطلق من الأحكام التي أصلها العمل، مبينًا ترجيح المالكية للعمل على سنن ثابتة بحجة أنها من أخبار الآحاد. ٣ - في رده ليس هناك ما يدل على أنه يقصد فهم الإمام مالك للعمل، وإنما يقصد المتعصبين للمذهب الذين يأخذون بالعمل بإطلاق، دون التمييز بين ما طريقه النقل وما طريقه الاستدلال. وقد صرح ابن القيم -كما تقدم- أن ما طريقه النقل موضع اتفاق، ولا يتصور وجود نص صحيح يعارضه. يقول الباجي: "إن مالكًا إنما عول على أقوال أهل المدينة وجعلها حجة فيما طريقه النقل. . . " (١)، "وأما مسائل الاجتهاد فالمالكية وغيرهم سواء" (٢). وعلق الدكتور الجيدي (٣) على موقف ابن القيم من العمل بأنه متناقض، حيث ما نص عليه في "إعلام الموقعين" من أن عمل أهل المدينة منه ما هو حجة ومنه ما ليس كذلك، ناقضه في كتابه "الطرق الحكمية" (٤) حيث أشاد به واعتبره حجة. وحتى يتبين هذا الأمر نعرض ما جاء عن العمل في "الطرق الحكمية": قال ابن القيم: ". . . ومن ذلك قول أهل المدينة -وهو الصواب- أنه لا يقبل قول المرأة: أن زوجها لم يكن ينفق عليها ويكسوها فيما مضى من الزمن، لتكذيب القرائن الظاهرة لها، وقولهم في ذلك هو الحق الذي ندين اللَّه به ولا نعتقد سواه" (٥). فوَصْفُه قولَ أهل المدينة بالصواب، لا يفهم منه أنه يعمم الصواب على كل أقوال أهل المدينة، ووصفه بأنه الحق الذي يدين اللَّه به ولا يعتقد سواه، يقصد به ابن القيم هذه المسألة بالذات ولا يعمم. وعن مذهب أهل المدينة في الدعاوى يقول: "وهو من أَسَدِّ المذاهب وأصحها" (٦)، ويقول: "هذا مذهب مالك وأصحابه وهو الصواب" (٧)، في موضوع الدعاوى بالخصوص.

стр. 179

هذا الفهم هو الذي يبدو أن كلام ابن القيم المتقدم يحتمله، فليس إذَنْ في مَوقِفِهِ مِنَ العمل أَيَّ تناقض. ثم إن قوله برأي للمالكية في مسألة لا يلزمه أن يقول بكل آرائهم، ورفضه لرأي لهم لا يعني بالضرورة وجوب رفضه لكل آرائهم، فهو يقول بالرأي الذي يؤيده الدليل، سواء كان رأيًا للمالكية أو لغيرهم. - الاستصحاب: وتكلم المصنف على حجية (الاستصحاب) في معرض رده على القائلين بنفي القياس. وقرر أن هؤلاء أخذوا بالاستصحاب على وجه مبالغ فيه، وبيّن أنه على أقسام (١): الأول: استصحاب البراءة الأصلية. الثاني: استصحاب الوصف المثبت للحكم الشرعي حتى يثبت خلافه. الثالث: استصحاب حكم الإجماع في محل النزاع. وذكر الخلاف في القسم الثالث على قولين، ومثّل على جميع هذه الأقسام (٢)، وقرر أن الاستصحاب حجة ودليل ضعيف يدفع بالأدلة الشرعية: بالعموم والمفهوم، والقياس (٣)، ويؤخذ به حيث لا دليل، وتنبني عليه مبادئ وقواعد فقهية، مثل: (اليقين لا يزول بالشك) (٤) و (الأصل بقاء ما كان على ما كان) (٥). - كلمة في حجية القياس: ولا يجوز في هذا المقام بأي حال من الأحوال إهمال (القياس)، فإن المصنف أسهب في الكلام عليه جدًّا، وظهر ذلك جليًّا عند مبحثنا المُعَنْوَنِ بـ (موضوع الكتاب ومباحثه)، ولكن أرى هنا ضرورة التركيز على النقاط الآتية: أولًا: بناءً على تبنّي المصنف بقوّة كون الشريعة معلّلة (٦)، توسّع في القياس

стр. 180

من جهة، وضيَّقه من جهة أخرى، وأحسن في الحالتين. أما من حيث التضييق، فعلى ما قدّمنا من حيث تقديم النصوص عليه (١). وأما من حيث التوسّع، فبناءً على إعمال المعاني، وعدم إهدارها، ولذا فإن "النصوص محيطة بأحكام الحوادث، ولم يُحِلْنا اللَّه ولا رسوله على رأي ولا قياس، بل قد بيَّن الأحكام كلها، والنصوص كافية وافية بها، والقياس الصحيح حق مطابق للنصوص، فهما دليلان للكتاب والميزان، ولا تخفى دلالة النص، أو لا تبلغ العالم، فيعدل إلى القياس، ثم قد يظهر موافقًا للنص، فيكون قياسًا صحيحًا، وقد يظهر مخالفًا له، فيكون فاسدًا" (٢). واستشكل العلماء هذا التقرير من ابن القيم، ومحل بسط ذلك في: * الاستنباط وبيان وجوه الاستدلال: نادى ابن القيم باستثمار الأحكام الشرعية من النصوص، باعتبار دلالتها في ذاتها، وباعتبار دلالة إضافية تابعة لفهم السامع وإدراكه، وجودة فكره وقريحته، وصفاء ذهنه، ومعرفته بالألفاظ ومراتبها، وهذه الدلالة تختلف باختلاف الناس وتفاوتهم في مراتب الفهم عن اللَّه وعن رسوله ﷺ (٣). وبهذا يكون ابن القيم قد ضيق الخناق على القياس (٤)، ومن مؤسسي بناء
следующие страницы →