← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17798

إعلام الموقعين عن رب العالمين - ت مشهور

ابن القيم

Полный текст (3 107 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.

стр. 176

قسمين رئيسيين (١): القسم الأول: ما كان من طريق النقل والحكاية، وهو على ثلاثة أضرب: أولًا: نقل الشرع مبتدأ من جهة النبي ﷺ ، وهو أربعة أنواع: ١ - نقل قوله ﷺ : وهو الأحاديث المدنية التي هي أم الأحاديث النبوية وأشرف أحاديث أهل الأمصار، ومن تأمل أبواب البخاري وجده أول ما يبدأ في الباب بها ما وجدها، ثم يتبعها بأحاديث الأمصار. ٢ - نقل فعله ﷺ : كنقلهم أنه توضأ من بئر بضاعة، وخروجه كل عيد إلى المصلى ليصلي هو والناس، وكيف كان يخطبهم. ٣ - نقل تقريره لهم على أمر شاهدهم عليه أو أخبرهم به: كنقلهم إقراره لهم على صنائعهم المختلفة من تجارة وخياطة وصياغة وفلاحة، وإنما حرم عليهم فيها الغش والتوسل بها إلى المحرمات، وكإقرارهم على إنشاد الأشعار المباحة، وذكر أيام الجاهلية والمسابقة على الأقدام، وكإقراره لهم على الأنكحة التي عقدوها في حال الشرك ولم يتعرض لكيفية وقوعها، وإنما أنكر منها ما لا مساغ له في الإسلام حين الدخول فيه، إلى غير ذلك مما أقرهم عليه. ٤ - نقلهم لترك شيء قام سبب وجوده ولم يفعله: - فإما أن يصرحوا بأنه ترك كذا وكذا ولم يفعله، كقولهم في شهداء أحد: ولم يغسلهم ولم يصل عليهم. - وإما ألا ينقلوا ما لو فعله لتوفرت هممهم ودواعيهم أو أكثرهم أو أحد منهم على نقله، فما دام لم ينقله واحد منهم قط ولا حدث به في مجمع أبدًا، علم أنه لم يكن، وهذا كتركه التلفظ بالنية عند دخوله في الصلاة، وغير ذلك، ومن هنا يعلم أن القول باستحباب ذلك خلاف السنة، فإن تركه سنة كما أن فعله سنة. ثانيًا: نقل العمل المتصل زمنًا بعد زمن من عهده ﷺ : كتركهم أخذ الزكاة من الخضروات مع أنها كانت تزرع بالمدينة، وقد كان النبي ﷺ والخلفاء بعده لا

стр. 177

يأخذون منها. وكنقل الأذان للصبح قبل الفجر، وتثنية الأذان وإفراد الإقامة، وغير ذلك، فهذا النقل حجة يجب اتباعها. ثالثًا: نقل لأماكن وأعيان ومقادير لم تتغير حالها: كنقلهم الصاع والمد، وتعيين موضع المنبر، ومسجد قباء، وتعيين الروضة والبقيع ونحو ذلك، ونقل هذا جار مجرى نقل مواضع المناسك، كالصفا والمروة ومنى ومواضع الجمرات ومزدلفة وعرفة ومواضع الإحرام. وهذا القسم ينبغي ألا يختلف فيه، لأنه من باب النقل المتواتر ولا فرق بين القول والفعل والإقرار، كل ذلك نقل محصل للعلم القطعي، فإنهم عدد كثير وجم غفير يستحيل تواطؤهم على خلاف الصدق. القسم الثاني: ما كان من طريق الاجتهاد والاستدلال، وهذا القسم وقع فيه خلاف بين المالكية، كما نقل ذلك ابن القيم عن القاضي عبد الوهاب، وهذا الخلاف على ثلاثة أوجه: - أحدها: أنه ليس بحجة أصلًا، وأن الحجة هي إجماع أهل المدينة من طريق النقل، ولا يرجح به أيضًا أحد الاجتهادين على الآخر، وهذا قول معظم المالكية. وقد أنكروا أن يكون هذا مذهبًا لمالك، أو لأحد من معتمدي أصحابه. - الوجه الثاني: أنه وإن لم يكن حجة، فإنه يرجح به اجتهادهم على اجتهاد غيرهم، وهو قول بعض المالكية، وبه قال أصحاب الشافعي. - والوجه الثالث: أن إجماعهم من طريق الاجتهاد حجة، وإن لم يحرم خلافه، كإجماعهم من طريق النقل، وهذا مذهب قوم من المالكية وحكوه عن مالك، وفي رسالةَ مالك إلى الليث بن سعد (١٧٥ هـ) ما يدل عليه (١). ومن الجدير بالذكر أن الدكتور الجيدي (٢) ذكر أن الذين انتقدوا عمل أهل المدينة ورفضوا الأخذ به يظهر من كلامهم أنهم نظروا إليه باعتبار أنه إجماع، خلافًا لما ذهب إليه محققو المالكية. وهذا الكلام لا ينطبق على ابن القيم لأنه: ١ - على معرفة دقيقة بعمل أهل المدينة.

стр. 178

٢ - ينطلق في حديثه عن العمل مما ذكره محققو المذهب كالقاضي عبد الوهاب، وينطلق من الأحكام التي أصلها العمل، مبينًا ترجيح المالكية للعمل على سنن ثابتة بحجة أنها من أخبار الآحاد. ٣ - في رده ليس هناك ما يدل على أنه يقصد فهم الإمام مالك للعمل، وإنما يقصد المتعصبين للمذهب الذين يأخذون بالعمل بإطلاق، دون التمييز بين ما طريقه النقل وما طريقه الاستدلال. وقد صرح ابن القيم -كما تقدم- أن ما طريقه النقل موضع اتفاق، ولا يتصور وجود نص صحيح يعارضه. يقول الباجي: "إن مالكًا إنما عول على أقوال أهل المدينة وجعلها حجة فيما طريقه النقل. . . " (١)، "وأما مسائل الاجتهاد فالمالكية وغيرهم سواء" (٢). وعلق الدكتور الجيدي (٣) على موقف ابن القيم من العمل بأنه متناقض، حيث ما نص عليه في "إعلام الموقعين" من أن عمل أهل المدينة منه ما هو حجة ومنه ما ليس كذلك، ناقضه في كتابه "الطرق الحكمية" (٤) حيث أشاد به واعتبره حجة. وحتى يتبين هذا الأمر نعرض ما جاء عن العمل في "الطرق الحكمية": قال ابن القيم: ". . . ومن ذلك قول أهل المدينة -وهو الصواب- أنه لا يقبل قول المرأة: أن زوجها لم يكن ينفق عليها ويكسوها فيما مضى من الزمن، لتكذيب القرائن الظاهرة لها، وقولهم في ذلك هو الحق الذي ندين اللَّه به ولا نعتقد سواه" (٥). فوَصْفُه قولَ أهل المدينة بالصواب، لا يفهم منه أنه يعمم الصواب على كل أقوال أهل المدينة، ووصفه بأنه الحق الذي يدين اللَّه به ولا يعتقد سواه، يقصد به ابن القيم هذه المسألة بالذات ولا يعمم. وعن مذهب أهل المدينة في الدعاوى يقول: "وهو من أَسَدِّ المذاهب وأصحها" (٦)، ويقول: "هذا مذهب مالك وأصحابه وهو الصواب" (٧)، في موضوع الدعاوى بالخصوص.

стр. 179

هذا الفهم هو الذي يبدو أن كلام ابن القيم المتقدم يحتمله، فليس إذَنْ في مَوقِفِهِ مِنَ العمل أَيَّ تناقض. ثم إن قوله برأي للمالكية في مسألة لا يلزمه أن يقول بكل آرائهم، ورفضه لرأي لهم لا يعني بالضرورة وجوب رفضه لكل آرائهم، فهو يقول بالرأي الذي يؤيده الدليل، سواء كان رأيًا للمالكية أو لغيرهم. - الاستصحاب: وتكلم المصنف على حجية (الاستصحاب) في معرض رده على القائلين بنفي القياس. وقرر أن هؤلاء أخذوا بالاستصحاب على وجه مبالغ فيه، وبيّن أنه على أقسام (١): الأول: استصحاب البراءة الأصلية. الثاني: استصحاب الوصف المثبت للحكم الشرعي حتى يثبت خلافه. الثالث: استصحاب حكم الإجماع في محل النزاع. وذكر الخلاف في القسم الثالث على قولين، ومثّل على جميع هذه الأقسام (٢)، وقرر أن الاستصحاب حجة ودليل ضعيف يدفع بالأدلة الشرعية: بالعموم والمفهوم، والقياس (٣)، ويؤخذ به حيث لا دليل، وتنبني عليه مبادئ وقواعد فقهية، مثل: (اليقين لا يزول بالشك) (٤) و (الأصل بقاء ما كان على ما كان) (٥). - كلمة في حجية القياس: ولا يجوز في هذا المقام بأي حال من الأحوال إهمال (القياس)، فإن المصنف أسهب في الكلام عليه جدًّا، وظهر ذلك جليًّا عند مبحثنا المُعَنْوَنِ بـ (موضوع الكتاب ومباحثه)، ولكن أرى هنا ضرورة التركيز على النقاط الآتية: أولًا: بناءً على تبنّي المصنف بقوّة كون الشريعة معلّلة (٦)، توسّع في القياس

стр. 180

من جهة، وضيَّقه من جهة أخرى، وأحسن في الحالتين. أما من حيث التضييق، فعلى ما قدّمنا من حيث تقديم النصوص عليه (١). وأما من حيث التوسّع، فبناءً على إعمال المعاني، وعدم إهدارها، ولذا فإن "النصوص محيطة بأحكام الحوادث، ولم يُحِلْنا اللَّه ولا رسوله على رأي ولا قياس، بل قد بيَّن الأحكام كلها، والنصوص كافية وافية بها، والقياس الصحيح حق مطابق للنصوص، فهما دليلان للكتاب والميزان، ولا تخفى دلالة النص، أو لا تبلغ العالم، فيعدل إلى القياس، ثم قد يظهر موافقًا للنص، فيكون قياسًا صحيحًا، وقد يظهر مخالفًا له، فيكون فاسدًا" (٢). واستشكل العلماء هذا التقرير من ابن القيم، ومحل بسط ذلك في: * الاستنباط وبيان وجوه الاستدلال: نادى ابن القيم باستثمار الأحكام الشرعية من النصوص، باعتبار دلالتها في ذاتها، وباعتبار دلالة إضافية تابعة لفهم السامع وإدراكه، وجودة فكره وقريحته، وصفاء ذهنه، ومعرفته بالألفاظ ومراتبها، وهذه الدلالة تختلف باختلاف الناس وتفاوتهم في مراتب الفهم عن اللَّه وعن رسوله ﷺ (٣). وبهذا يكون ابن القيم قد ضيق الخناق على القياس (٤)، ومن مؤسسي بناء

стр. 181

الشريعة وأحكامها على مقاصدها وحِكَمِها وأسرارها القائمة على النصوص الشرعية، وعدم الإسراف في القياس. وثمرة ذلك بناء الأحكام على اليقين المنبثق من (تعليل الأحكام)، و (استقراء) المقاصد، والاعتناء بـ (الأشباه والنظائر) و (تتبع الحكم والأسرار) لنصوص الوحيين الشريفين وذلك خير من بنائها على الظن والتخرص المستند إلى القياس (١). هذا هو عمدة الاجتهاد الذي نادى به ابن القيم، وهو مدار الفقه عنده، والخصوصية التي يتميز بها الفقيه -عنده- هي "الدليل، وقوة الفهم، وجودة الفكر، ووفور العلم، والاستنباط، فلا أثر للكثرة، فالشخص الواحد، قد يكون أكثر تحقيقًا وتدقيقًا وفهمًا من كثيرين" (٢). وضرب ابن القيم أمثلة عديدة مما اختلف فيه السلف ومن بعدهم، وقد بيّنت النصوص أحكامها، ومع هذا فقد سلك (القياسيون) طريقًا وعرًا، من مثل (المسألة المشتركة في الفرائض) (٣) و (مسألة ميراث البنات) (٤) وكذلك دخول (النباش) في عموم قوله ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ [المائدة: ٣٨]. ثانيًا: كأني بالمصنف -بناء على ما سبق- يقرر الآفة عند الفقهاء، وهي التوسع في (إِعمال الرأي) مقابل (النصوص) و (فتاوى الصحابة)، ولجوئهم إلى (العقل) دون (النقل)، ذلك "أن الفقيه قد يجد قولًا للسلف في حكم معين، ولكنه لا يهتدي إلى كيفية استخراج ذلك القول من نصوص الكتاب والسنة، فالذي ينبغي لمثل هذا الفقيه هو أن يبحث ويجتهد حتى يتوصل إلى القول الراجح، وإلى كيفية استنباطه من الكتاب والسنة، ثم ضبط الاستنباط بضوابط تعم أفراد النوع الواحد، غير أن بعض الفقهاء إذا وجد مثل تلك الأقوال، ولم يعرف كيف استخرجها الصحابي أو التابعي أو الإمام من النص، فإنه يستسهل أن يزعم بأن القضية لا نص فيها من الكتاب والسنة، وإن الصحابي أو الإمام قال قوله كدليل أو حكم ثالث: هو الرأي أو القياس أو المصلحة!! وكتب المتأخرين والمعاصرين مملوءة بهذا النمط من التخريج، وهو مسلك فاسد جدًّا، يصرف طلبة العلم عن وسائل الاستنباط،

стр. 182

ويقطع عليهم سبل الاجتهاد؛ وذلك لأن الطالب هنا جعل جهله حجة فقطع على نفسه السبيل، ووقف قبل أن يبلغ غايته التي هي الفقه في الكتاب والسنة، ثم يفني هذا الفقيه عمرًا يتبحر في دليل أو حكم لا تتناوله نصوص الكتاب والسنة بعموم ولا إطلاق ولا مقتضى أمر ولا نهي ولا منطوق ولا مفهوم ولا ظاهر عبارة ولا عبارة مصروفة عن ظاهرها ولا شبه ذلك مما يفيده الاستنباط المباشر من النص، فلا شك أنه حكم موهوم ودليل لا حقيقة له، ومن المحال ضبطه وإتقانه لأنه مما افتعله البشر، وليس مما أنزل اللَّه تعالى. ولذلك تجد مسالك القياس عند المتأخرين في غاية الوعورة والتعقد إلى حد يعجز القائسون أنفسهم عن إدراكها، والانتفاع بها، لما يتجدد من الوقائع ويحدث من القضايا، ولننظر مثلًا إلى لفظ المؤثر والمناسب والمخيل وقياس الشبه والطرد، وهي من الاصطلاحات المهمة في القياس، واعتمد عليها الأصوليون في فهم القياس وضبطه، بحيث يتوقع أن عامة أهل القياس يفهمونها حق الفهم، ولكن قال أبو حامد الغزالي رحمه اللَّه تعالى: "وقد أطلق الفقهاء المؤثر والمناسب والمخيل والملائم والمؤذن بالحكم والمشعر به، واستبهم على جماهير العلماء والأفاضل، إلا من شاء اللَّه دركُ المَيزِ والفصلُ بين هذه الوجوه، واعتاص عليهم طريق الوقوف على حقائقها بحدودها وخواصها. واتصل بأذيال هذه الأجناس قياس الشبه والطرد، وهي المغاصة الكبرى والغمرة العظمى، فلقد عز على بسيط الأرض من يعرف معنى الشبه المعتبر ويحسن تمييزه عن المخيل، والطرد وإجراءه على نهج لا يمتزج بأحد الفنين" (١). ومن أراد شهودًا على كلام الغزالي، فلْيقرأ مباحثَ القياس في كتب المتكلمين. وقد شعر بعضهم بأثر القياس في الصد عن الاستنباط المباشر من القرآن والسنة، ونقل بعض القائسين هذا الأثر كحجة لنفاة القياس، قال علاء الدين البخاري: "قال القاضي الإمام في "التقويم": قالوا: وفي الحجر عن القياس أمران بهما قوام الدين ونجاة المؤمنين، فإنا متى حجرنا عن القياس لزمنا المحافظة على النصوص والتبحر في معاني اللسان. وفي محافظة النصوص إظهار قالب الشريعة كما شرعت، وفي التبحر في معاني اللسان إثبات حياة القالب؛ فتموت البدع بظهور القالب، ويسقط الهوى بحياة القالب؛ لأن القالب لا يحيى

стр. 183

إلا باستعمال الرأي في معاني النصوص، ومعانيها غائرة جمة لن تنزف بالرأي وإن فنيت الأعمار فيها، فلا يفضل الرأي للهوى؛ فيتم أمر الدين" (١). الحاصل من ذلك: أنه ينبغي توجيه الرأي في الدين على أنه القدرة العقلية على تفسير الكتاب والسنة والاستنباط منهما، وخدمة أحكامهما، وليس هو دليلًا ثالثًا معهما، فإذا أخذ الرأي هذه الوجهة صلح أمر أهل العلم الذين هم رؤساء الناس. وعلى أي حال؛ فإن كان القائسون يرون حصر الدين بالكتاب والسنة، ويريدون بالرأي الذهن المتوقد والقدرة العقلية على الاستنباط من الكتاب والسنة، وتنفيذ أحكامهما فلا خلاف معهم ولا إشكال في ادعاء إجماع الصحابة. وأما إن كانوا يريدون بالرأي أو القياس دليلًا ثالثًا في الدين سوى الكتاب والسنة فلا شبهة في بطلان ذلك، بل ليس ببعيد أن ندعي إجماع الصحابة على بطلانه" (٢). وما أقعد ما قاله ابن القيم: "وقد تقدم مرارًا: أن أصح الناس قياسًا أهل الحديث، وكلما كان الرجلُ إلى الحديث أقرب كان قياسه أصح، وكلما كان عن الحديث أبعد كان قياسه أفسد" (٣)! ثالثًا: من الأمور التي أخذها ابن القيم على نفاة القياس والمثبتين له والمتوسطين، موقفهم من التعليل: النفاة سدوا على أنفسهم باب التمثيل والتعليل واعتبار الحكم والمصالح. والقائلون به، غلاتهم، علقوا الأحكام بأوصاف لا يعلم أن الشارع علقها بها، واستنبطوا عللًا لا يعلم أن الشارع شرع الأحكام لأجلها. والمتوسطون، مع إقرارهم بحجية القياس، فإنهم نفوا الحكمة والتعليل والأسباب، ذلك أن علل الشرع ما هي إلا مجرد أمارات وعلامات فقط، وذهبوا إلى أن جميع ما وجد من الخلق والأمر مقترنًا بعضه ببعض، فأحدهما دليل على الآخر مقارن له اقترانًا عاديًا، وليس بينهما ارتباط سببية ولا علة ولا حكمة. وابن القيم يرى أن الصواب وراء ما عليه الفرق الثلاث، وهو إثبات الحكم والأسباب والغايات المحمودة في خلقه سبحانه وأمره (٤).

стр. 184

رابعًا: إذا كان الفقهاء قد افترقوا في القياس فمنهم: نفاة، وغلاة، ومتوسطون، فإن لابن القيم موقفًا حسنًا، فكان بين ذلك قوامًا، حيث لم ينف القياس نفيًا باتًا كما فعل الظاهرية، ولم يغال في القياس مغالاة العراقيين، وإنما أخذ بالقياس، كما أكد ذلك في كتابه هذا، وما كان مبتدعًا بل كان متبعًا، فإن الصحابة الذين تخرج على فقههم، وإن كان بينه وبينهم الزمن الطويل، قد أخذوا بالقياس ونقل عنهم، وكثير من الأحكام التي استنبطوها بنيت عليه، وقد قال في هذا الشأن: "كان أصحاب رسول اللَّه ﷺ يجتهدون في النوازل ويقيسون بعض الأحكام على بعض، ويعتبرون النظير بنظيره. . . " (١). فالقياس ضروري لكل من يتصدى للفتوى، ولا يمكن أن يستغني عنه فقيه. ولقد قال المزني، صاحب الشافعي: "الفقهاء من عصر رسول اللَّه ﷺ إلى يومنا وهلم جرا، استعملوا المقاييس في الفقه في جميع الأحكام في أمر دينهم، قال: وأجمعوا بان نظير الحق حق ونظير الباطل باطل، فلا يجوز لأحد إنكار القياس" (٢). ولعل ابن القيم من الذين أعطوا القياس عناية كبيرة، وقد دفعهم إلى ذلك حاجة الزمن، فإن الناس قد جدت لهم أحداث اضطروا فيها إلى أن يفتوا وأن يقيسوا على فتوى الصحابة والأمور المنصوص على حكمها، واضطروا أن يخرجوا على أقوال إمامهم، ولا بد لذلك من القياس، فسلكوا طريقه واجتهدوا واستنبطوا. خامسًا: نوع القياس الذي يأخذ به: يدل لفظ القياس عند ابن القيم على أمور ثلاثة: ١ - الرأي: بعد أن ذكر أن يحيى بن أكثم يرى أن الرجل يجب عليه أن يفتي إذا كان بصيرًا بالرأي بصيرًا بالأثر، قال ابن القيم: "يريد بالرأي القياس الصحيح والمعاني والعلل الصحيحة التي علق الشارع بها الأحكام، وجعلها مؤثرة فيها طردًا وعكسًا" (٣).

стр. 185

٢ - الأمثال والأشباه والنظائر: يقول ابن القيم: "إن الصحابة ﵃ كانوا يستعملون القياس في الأحكام، ويعرفونها بالأمثال والأشباه والنظائر" (١). ٣ - الميزان: وهو اللفظ الذي يرجح ابن القيم استعماله بدلًا من استعمال لفظ القياس. فبعد أن ذكر ابن القيم بعض الآيات التي ورد فيها لفظ الميزان، كقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (٧)﴾ [الرحمن: ٧]، قال: "والميزان يراد به العدل والآلة التي يعرف بها العدل وما يضاده، والقياس الصحيح هو الميزان، فالأولى تسميته بالاسم الذي سماه اللَّه به، فإنه يدل على العدل، وهو اسم مدح، واجب على كل واحد في كل حال بحسب الإمكان، بخلاف اسم القياس، فإنه ينقسم إلى حق وباطل وممدوح ومذموم" (٢). فابن القيم يقسم القياس إلى صحيح وفاسد، فالصحيح هو الميزان، والفاسد غير معتبر كقياس الكفار البيع على الربا في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٤]، بجامع ما يشتركان فيه من التراضي بالمعاوضة المالية، وكقياس الميتة على المذكى في جواز أكلها بجامع ما يشتركان فيه من إزهاق روح الميتة بفعل اللَّه، وإزهاق روح المذكى بفعل الذابح، قال ابن القيم: "ولهذا تجد في كلام السلف ذم القياس وأنه ليس من الدين، وتجد في كلامهم استعماله والاستدلال به، وهذا حق وهذا حق" (٣). وقد حدد ابن القيم ضابط معرفة القياس الصحيح والقياس الفاسد فقال: "إن أصح الناس قياسًا أهل الحديث، وكلما كان الرجل إلى الحديث أقرب كان قياسه أصح، وكلما كان عن الحديث أبعد كان قياسه أفسد" (٤). وبين أن السلف قرروا العمل بالقياس عند الضرورة، وأنهم لم يلزموا أحدًا العمل به ولم يحرموا مخالفته، ولا اعتبروا مخالفه مخالفًا للدين، بل غايته أنهم خيروا بين قبوله ورده (٥). ومع أخذ ابن القيم بالقياس عند الضرورة، فهو يعتبر النصوص محيطة بأحكام جميع الحوادث وقد سبق الإشارة إلى ذلك (٦).

стр. 186

هكذا يتضح لنا أن ابن القيم قد انتفع بالقياس الفقهي. وكان قياسه أحكم لأنه كان يوائم من الأقيسة وما أوتي من علم واسع شامل بالسنة وفتاوى الصحابة وأقضيتهم وطرائق استنباطهم، فهو قياس يستقي من ينابيع الأثر، ويشاكل تمام المشاكلة اجتهاد السلف الذي هو المشكاة لهم. ونجد في أقيسة ابن القيم أمرين: - أنه نظر في الأحاديث التي زعم الحنفية وغيرهم أنها ليست متفقة مع القياس، وأنها استثناء يؤخذ بها إن لم يعارضها، وبين اتفاقها مع القياس وعدم بعدها عن مراميه وغاياته. - أنه نظر في الأوصاف المشتركة بين الفرع والأصل في أقيستهم نظرة جامعة كلية. فاتجه إلى المقاصد الشرعية السامية التي تتجه إلى إيجاد جماعة فاضلة، تقوم على رعاية المصالح ودفع الأضرار في حياة دينية وخلقية تستمد النور من السماء. ونرى من هذا أن ابن القيم قد خص القياس ببيان أوفى، سلك فيه مسلك السلف الصالح وخاض فيه على ضوئهم، وبين مرامي الأقيسة التي نقلت في فروع الإمام أحمد، ووضح المقاصد التي سيقت لها الأحكام، وعرج في ذلك على مقاصد الشريعة وغايات الأحكام فيها، وهو في ذلك يوضح مناهج الصحابة والتابعين والأئمة المجتهدين، دون أن ننسى الإشارة إلى أن لشيخه أسبقيةً في ذلك. فابن القيم إذًا قد أفاد عمَلَه في القياس الفقهي اتساعًا في أبوابه، وسموًّا في غاياته، ونموًا في طرائقه، كما استفادت الآثار منه مدافعًا، يبيِّن غايتها ومقاصدها واتفاقها مع ما تنتجه المقاييس العقلية السليمة، وأفاد الاستنباط الفقهي عمومًا، فاستبان الشرع الإسلامي متجانسًا غير متنافر، فالأحكام الشرعية تشتمل على التسوية بين المتماثلين والتفريق بين المختلفين (١). * عنايته بمحاسن الشريعة وحِكَمها (٢): اعتبر ابن القيم ﵀ معرفة حكمة الشريعة وأسرارها ومقاصدها ومحاسنها رأس أمر الفقه وذروة سنامه.

стр. 187

وقد تفوق ابن القيم على غيره في هذا المضمار، وعلى الرغم من تبنِّيه كلام شيخه ابن تيمية فيه، إلا أنه جاء -ولا سيما في كتابنا هذا- بما هو متمم ومكمل له، وقد وسع الكلام عليه. وفصّله في المسائل الفقهية، موظفًا ذلك في خدمة الدليل الشرعي، وقد أفاد وأجاد في ذلك، وأتى بما لم يأتِ به أحد قبله. يقول بعض الباحثين (١) تحت عنوان (العلماء الذين قالوا: إن الأصل في العادات والعبادات التعليل). وذكر منهم (ابن القيم)، وقال: - "يؤكد ابن القيم -متبعًا شيخه- على أن اللَّه تعالى عرف عباده عموم جلائل خلقه وأمره دون دقائقها وتفاصيلها، وهذا مطرد في الأشياء أصولها وفروعها، وأما تفاصيل أسرار المأمورات والمنهيات فلا سبيل إلى علم البشر بها، ولكن اللَّه يطلع من شاء من خلقه على ما شاء منها (٢). فهذا "أمر يضيق الجنان عن معرفة تفاصيله، ويحصر اللسان عن التعبير عنه" (٣) قال ﵀: "الحق أن جميع أفعاله وشرعه سبحانه لها حكم وغايات لأجلها شرع وفعل، وإن لم يعلمها الخلق على التفصيل، فلا يلزم من عدم علمهم بها انتفاؤها في نفسها" (٤). ويرى ﵀ أنه ليس في الشريعة حكم واحد إلا وله معنى وحكمة يعقله من عقله، ويخفى على من خفي عليه (٥). ويرى -كما يرى شيخه (٦) - أنه ليس في الشريعة ما يخالف القياس، فمن رأى شيئًا من الشريعة مخالفًا للقياس، فإنما هو مخالف للقياس الذي انعقد في نفسه، ليس مخالفًا للقياس الصحيح الثابت في نفس الأمر (٧). وفي معرض رده على الذين لا يعللون تقديرات العقوبات يقول: "إن من شرع هذه العقوبات ورتبها على أسبابها جنسًا وقدرًا فهو عالم الغيب والشهادة، وأحكم الحاكمين، وأحاط علمه بوجوه المصالح دقيقها وجليلها وخفيها وظاهرها، ما يمكن اطلاع البشر عليه وما لا يمكنهم، وليست هذه التخصيصات والتقديرات خارجة عن وجوه الحكم والغايات المحمودة، كما أن التخصيصات والتقديرات

стр. 188

الواقعة في خلقه كذلك، فهذا في خلقه وذاك في أمره، ومصدرهما جميعًا عن كمال علمه وحكمته ووضعه كل شيء في موضعه الذي لا يليق به سواه ولا يتقاضى إلا إياه، وإذا كان سبحانه قد أتقن خلقه غاية الإتقان، وأحكمه غاية الإحكام، فلأن يكون أمره في غاية الإتقان والإِحكام أولى وأحرى. ومن لم يعرف ذلك مفصلًا لم يسعه أن ينكره مجملًا، ولا يكون جهله بحكمة اللَّه في خلقه وأمره وإتقانه كذلك وصدوره عن محض العلم والحكمة مسوغًا له إنكاره في نفس الأمر" (١). ولقد خصص ابن القيم كثيرًا من كتبه لبيان حكم اللَّه ومقاصده في أفعاله وأحكامه سبحانه مثل: كتابنا هذا، و"مفتاح دار السعادة"، و"شفاء العليل". ولقد ذكر عللًا كثيرة لكثير من أحكام الشريعة، ففي الطهارة والصلاة ذكر حكمًا عديدة لقراءة سورة الفاتحة في الصلاة، وطهارة الأعضاء والثياب والمكان، وأخذ الزينة، واستقبال القبلة، ثم حكم هيئات الصلاة من الركوع والقيام منه ثم السجدتين والجلوس بينهما والجلوس للتشهد والترتيب بين هذه الأركان، كما أنه أفاض في ذكر حكم غسل أعضاء الوضوء والاغتسال (٢). وبين الحكمة في التفريق بين صلاة الليل وصلاة النهار (٣). وفي الصوم والزكاة والحج وفيما يتعلق بها من أوقات وأماكن ومقادير بين حكم الشريعة ومحاسنها فيها، إلى غير ذلك من المعاملات وأحكام الأسرة والعقوبات (٤). كل ذلك قوى ظني وشد أزره بأن المراد من كلام الشاطبي الآتي هو ابن القيم -مما يثبت اطلاعه على كتب ابن القيم وابن تيمية واستفادته منهما، حيث يقول الشاطبي: "الحِكَم المستخرجة لما لا يعقل معناه على الخصوص في التعبدات، كاختصاص الوضوء بالأعضاء المخصوصة، والصلاة بتلك الهيئة من رفع اليدين والقيام والركوع والسجود، وكونها على بعض الهيئات دون بعض، واختصاص الصيام بالنهار دون الليل، وتعيين أوقات الصلوات في تلك الأحيان المعينة دون ما سواها من أحيان الليل والنهار، واختصاص الحج بالأعمال المعلومة، وفي الأماكن المعروفة، وإلى مسجد مخصوص، إلى أشباه ذلك مما لا تهتدي العقول إليه بوجه، ولا تطور (٥) نحوه، فيأتي بعض الناس فَيُطرِّق إليه حِكَمًا

стр. 189

يزعم أنها مقصودُ الشارع من تلك الأوضاع، وجميعها مبنى على ظنٍّ وتخمينٍ غير مطرد في بابه، ولا مبنيّ عليه عمل، بل كالتعليل بعد السماع للأمور الشواذ" (١). وهذا الموقف من الشاطبي هو الذي حمل الريسوني على أن ينسب إلى ابن القيم البعد في تعليل الأحكام، بما في ذلك الأحكام العادية والتعبدية، وقال: "ورغم أن ابن القيم بسبب إصراره على تعليل كل شيء قد وقع في تعليلات ضعيفة، كما في تعليله للفرق بين بول الصبي وبول الصبية، وكما في تعليله لكون صلاة النهار سرية وصلاة الليل جهرية" (٢). لكن لو أنعمنا النظر في موقف الشاطبي لتبين لنا أنه تردد وقدم قدمًا وأخَّرَ أخرى (٣). فهو مع أنه أنكر على بعض الناس تعليل اختصاص الصلاة بتلك الهيئات دون بعض إلى غير ذلك مما تقدم ذكره عنه، إلا أنه يذهب إلى تفصيل وتعليل كثير من العبادات كما قال الريسوني: "والشاطبي نفسه يسعفنا بتعليلات أكثر تفصيلًا في الأحكام التي نعى هو على غيره تعليلها وذكر حكمها" (٤)، فيقول الشاطبي: "وذلك أن الصلاة مثلًا إذا تقدمتها الطهارة أشعرت بتأهُّب لأمر عظيم، فإذا استقبل القبلة أشعر التوجه بحضور المتوجَّه إليه، فإذا أحضر نية التعبد، أثمر الخضوع والسكون. ثم يدخل فيها على نسقها بزيادة السورة خدمة لفرض أمِّ القرآن، لأن الجميع كلام الرب المتوجِّه إليه، وإذا كبَّر وسبَّح وتشهَّد، فذلك كله تنبيه للقلب، وإيقاظ له أن يغفُل عما هو فيه من مناجاة ربِّه والوقوف بين يديه، وهكذا إلى آخرها، فلو قدَّم قبلها نافلةً؛ كان ذلك تدريجًا للمصلي واستدعاءً للحضور، ولو أتبعها نافلة أيضًا، لكان خليقًا باستصحاب الحضور في الفريضة. ومن الاعتبار في ذلك أن جُعلت أجزاء الصلاة غير خالية من ذكر مقرون بعمل، ليكون اللسانُ والجوارحُ متطابقةً على شيء واحد، وهو الحضور مع اللَّه فيها بالاستكانة والخضوع، والتَّعظيم والانقياد، ولم يخلُ موضعٌ من الصَّلاة من قول أو عمل، لئلا يكون ذلك فتحًا لباب الغفلة ودخول وساوس الشيطان" (٥).

стр. 190

وفي نظري فإن ابن القيم قد تكلم في كثير من علل الأحكام سواء في مجال العبادات أو المعاملات، مما لم يتطرق إليه ابن تيمية، حتى إنه ليعلل الأعداد والمقدرات التي جاءت بها الشريعة. فيذكر أن عدة المتوفى عنها زوجها كانت أربعة أشهر وعشرًا لأنها أولى المدد التي يعلم فيها بوجود الولد وعدمه، فكانت على وفق الحكمة والمصلحة (١). وأن المقادير التي جاءت بها الشريعة في الزكاة تحقق العدل والمصلحة لكل من الفقراء وأرباب الأموال (٢). وإن إحداد المرأة على غير الزوج يناسبه ثلاثة أيام ترتاح فيها النفس وتقضي بها وطرًا من الحزن، بخلاف الإحداد على الزوج، فإنه تابع للعدة، وهو من مقتضياتها ومكملاتها (٣). وكما قال الجويني، عند عرضه لمذاهب العلماء في عدد من تنعقد بهم بيعة الإمام وذكره بعض العلل لذلك قال: "ولو تتبع المتتبع الأعداد المعتبرة في مواقع الشرع، لم يعدم وجوهًا بعيدة عن التحصيل في التشبيه" (٤). فلا يشترط أن تكون كل تلك التعليلات قد أصابت كبد الحقيقة، وأظهرت سر الشريعة، ولكنها اجتهادات قد تخطئ وقد تصيب". قال أبو عبيدة: هذه المباحث وغيرها؛ تدلل على أصالة ابن القيم في علمَي (الفقه) و (أصوله)، وأن له يدًا طولى فيه، وأن عنده فيه عقلية تحليلية إحصائية استقرائية تجمع المسائل تحت منضَبَطٍ واحد، والتمس من خلال ذلك "أسرار التشريع، وعلل الأحكام، ليظهر جمال شرع اللَّه تعالى، وكمال حكمته، ولطف علمه وخبرته، فعلل تلك الأحكام بما يناسبها من سر التشريع، وعمق المأخذ، وعلّة الحكم، ليجعل من تلك الأسرار التشريعية، والحِكَم الإلهية، قواعد وضوابط يبني عليها الكثير من جزئيات الأحكام. وهذه العلل المرفقة، والأسرار المنقحة في كتابنا الجليل -الذي لم يصنف في بابه على منواله- تدلل على غوص صاحبه في أغوار التشريع" (٥) وفيها "قلائد وفوائد وموائد وفرائد، وكتب لها السلاسة مزية، ووضوح من غير تعقيد ولا

стр. 191

تكلف ولا وكس ولا شطط، ومن واظب عليها دراسة ودراية وقراءةً وبحثًا وتنقيبًا وحفظًا وفهمًا، وقرأها على من هو أعلم منه، حصل على خير كثير" (١) ولا سيما أن "الحاجة إلى معرفة أسرار الشريعة الإسلامية صار أمرًا ضروريًا، لا سيما في هذا الزمن الذي كثر فيه أعداء اللَّه، حيث تحركت الأقلام القذرة والأيادي الملطخة بالكفر والزندقة لتشكك المسلم في دينه وعقيدته ليبقى في شراك الشك والحيرة يصطلي بنار الضلال ولا يبصر أمامه إلا سرمديًا. وهذا -أعني التشكيك- منهج قديم ومسار تليد لكنه نما وازداد في هذه الآونة الأخيرة، وصار تخصصًا يتفنن فيه أساتذته وطلابه، بتنويع الشبه وتزيين الاعتراض وعدم القبول وتقبيح الانقياد والخضوع بلا اقتناع" (٢). وعلى الرغم من عناية ابن القيم المتميزة في كتابنا هذا بأسرار الشريعة (٣) إلا أنه ليس خاصًا بها، وهنالك كلمة للمصنف ظفرتُ بها في "بدائع الفوائد" (٢/ ١٧٩)، تدلل على أهمية هذا العلم عند المصنف، وفيها عزمه على إفراده بالتصنيف، قال ﵀: "ومن فهم هذا انفتح له باب عظيم من أبواب العلم والإيمان، بل باب من أبواب الجنة العاجلة، يرقص القلب فيه طربًا ويتمنى أن له الدنيا وما فيها، وعسى اللَّه أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده، فيساعد على تعليق كتاب يتضمن ذكر بعض محاسن الشريعة وما فيها من الحكم البالغة والأسرار الباهرة، التي هي من أكبر الشواهد على كمال علم الرب تعالى وحكمته ورحمته وبره بعباده ولطفه بهم، وما اشتملت عليه من بيان مصالح الدارين والإرشاد إليها، وبيان مفاسد الدارين والنهي عنها، وأنه سبحانه لم يرحمهم في الدنيا برحمة، ولم يحسن إليهم إحسانًا أعظم من إحسانه إليهم بهذا الدين القيم وهذه الشريعة الكاملة". ومن الجدير بالذكر أن العناية بهذا اللون من التصنيف بقيت قاصرة (٤)، على

стр. 192

الرغم من الحاجة الماسة إليها، عسى اللَّه أن ييسر له علماء ربانيين، إنه ولي ذلك، والقادر عليه. * ابن القيم ومقاصد الشريعة: يجرُّنا ما سبق إلى بيان عناية ابن القيم بـ (مقاصد الشريعة)، وتجلَّى ذلك بالجملة في الأمور التالية (١):

стр. 193

أولًا: اهتمامه بالتعليل وأساليبه في الكتاب والسنة، ومناقشة منكريه والتشنيع عليهم (١). ثانيًا: الاعتناء بإبراز أسرار الشريعة وحكمها (٢). ثالثًا: معالجته لسد الذرائع والحيل (٣). رابعًا: دفاعه عن تعارض الشريعة وعدم القول بوجود ما خالف القياس (٤). خامسًا: الاهتمام بمقاصد المكلفين (٥). سادسًا: حقق القول في مدى تمحض المصلحة والمفسدة في الوجود. سابعًا: ساهم في إرساء بعض قواعد الترجيح بين المصالح والمفاسد (٦). ثامنًا: وظف القرائن والأحوال المقالية والحالية في معرفة مقاصد الشارع والمكلف (٧). من خلال هذه المباحث وغيرها (٨)، يظهر معنا بوضوح أن ابن القيم ﵀ اعتنى بالمقاصد ونبه على أهميتها واشتراطها للمجتهد، مقتفيًا في ذلك خُطَا شيخه وأستاذه. فهو ينقل قول ابن تيمية السابق في اعتبار العلم بصحيح القياس وفاسده من أَجَلِّ العلوم وأنه إنما يَعرِفُ ذلك من كان خبيرًا بأسرار الشرع ومقاصده، وما اشتملت عليه شريعة الإسلام من المحاسن والمصالح في المعاش والمعاد، والحكم البالغة (٩). وعقد فصلًا عظيمًا في موسوعته هذه لبيان أن بناء الشريعة على مصالح

стр. 194

العباد في المعاش والمعاد، وقال عنه: "هذا فصل عظيم النفع جدًّا، وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة، فأوجب من الحرج والمشقة وتكليف ما لا سبيل إليه، ما يعلم أن الشريعة الباهرة التي هي في أعلى رتب المصالح لا تأتي به، فإن الشريعة مبناها وأساسها على الحِكَم ومصالح العباد في المعاش والمعاد. . . " (١). فابن القيم لا يختلف عن شيخه ابن تيمية في نظرته إلى اشتراط وجوب علم مقاصد الشريعة وحكمها وأهدافها، إذ ذاك ضروريٌّ للمجتهد عاصمٌ له من الجهل والغلط، ومن إيقاع المشقة والعنت بالمكلفين، وإذا كانت الشريعة مبنية على المقاصد والمصالح فكيف يصح أن يكون المجتهد الذي تربى في حجرها وارتضع من لبنها غير ملم بأسرارها ومقاصدها (٢). ويستطيع الناظر في كثير من مباحث كتابنا هذا، وكتب ابن القيم الأخرى أن يقرر أن لابن القيم ﵀ نصيبًا وافرًا في هذا الباب، وأنه قد أولى هذه القضية عناية شديدة، واهتمامًا بالغًا، فقد ذكر -مثلًا- في "شفاء العليل" (ص ٣) أن أهم ما يجب معرفته على المكلف النبيل، فضلًا عن الفاضل الجليل، ما ورد في القضاء والقدر والحكمة والتعليل، فهو من أسنى المقاصد، والإيمان به قطب رحى التوحيد ونظامه، ومبدأ الدين المبين وختامه، فهو أحد أركان الإيمان، وقاعدة أساس الإحسان، التي يرجع إليها، ويدور في جميع تصاريفه عليها، فبالقدر والحكمة ظهر خلق اللَّه وشرعه المبين. كما أنه يصرح دائمًا بأن: أوامر الرب ﵎ وشرائعه جاءت بما يحقق مصالح العباد في الدارين، وأن أحكم الحاكمين الذي بهرت حكمته العقول أولى بمراعاة مصالح عباده ومفاسدهم في الأوقات والأحوال والأماكن والأشخاص من مراعاة الطبيب للمريض، قال: "وهل وضعت الشرائع إلا على هذا" (٣). ومع ذلك؛ فهو يذكر أن اللَّه بنى أمور عباده على أنْ عَرَّفَهم معاني جلائل خَلْقه وأمره، دون دقائقها وتفاصيلها، فعقول العالمين ومعارفهم وعلومهم وحكمهم تقصر عن الإحاطة بتفاصيل حكمة الرب سبحانه في أصغر مخلوقاته (٤)،

стр. 195

فهذا أمر يضيق الجنان عن معرفة تفاصيله ويعجز اللسان عن التعبير عنه (١). بل إن ابن القيم يقرر أن الشريعة قائمة على أساس الحِكَم وقاعدة المصالح والعدل ووضع الأمور في نصابها؛ لأنها منزلة من حكيم حميد، فها هو يقول: "إن الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد، وهي عدل كلها، ورحمة كلها، وحكمة كلها، فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور وعن الرحمة إلى ضدها، وعن المصلحة إلى المفسدة، وعن الحكمة إلى العبث، فليست من الشريعة، وإن أُدخِلَتْ فيها بالتأويل، فالشريعة عدل اللَّه بين عباده، ورحمته بين خلقه، وظله في أرضه، وحكمته الدالة عليه وعلى صدق رسوله ﷺ أتم دلالة وأصدقها (٢). فَطَيُّ بساط الأسباب والعلل تعطيل للأمر والنهي والشرائع والحكم (٣). والخلاصة: أن ابن القيم "جال في كتابنا "إعلام الموقعين" في موضوعات مختلفة بين الأصول والفقه، وأودع فيه فوائد وشوارد مقاصديّة كثيرة، خاصة في مباحث: القياس، والفتوى، وتغير الأحكام بتغيّر الأزمان، والحيل، وغيرها. والذي ينبغي الإشارة إليه هنا: هو أنك تجد تلك الفوائد والشوارد داخل استطرادات واسعة، مما يجعل ضبطها وتحديدها وتخليصها من غيرها يحتاج إلى جهد كبير" (٤). المحور الثاني: التفصيل والتأصيل والتحليل والاستيعاب وطول النَّفس مع التكامل والانسجام: من السمات البارزة لمنهج ابن القيم العلمي في كتابه هذا (التفصيل) و (التحليل) و (الاستيعاب) و (طول النفس) مع التكامل والانسجام، ويظهر معنا هذا بوضوح في النقاط الآتية: أولًا: حشد الأدلة: أكثر المصنف في تعداد الأدلة وحشدها على مسائل أصولية وفقهية كثيرة، من مثل: - ذكر تسعة وتسعين دليلًا على اعتبار سدّ الذرائع (٥).

стр. 196

- ذكر ستة وأربعين دليلًا على حجية قول الصحابي (١). - طوّل جدًّا في ذكر حجية القياس، واستغرق ذلك في طبعتنا مئة وتسعًا وثلاثين صفحة (٢). - ذكر واحدًا وثمانين دليلًا على تحريم التقليد (٣). ثانيًا: أما المسائل الفقهية، فهو مشهور بطول النفس فيها، واستيعاب الكلام عليها. قال ابن حجر عن مصنفنا -رحمهما اللَّه-: "وهو طويل النفس في مؤلفاته، يعاني الإيضاح جهده، فيسهب جدًّا" (٤). وقال الشوكاني أيضًا: "وإذا استوعب الكلام في بحث، وطوّل ذيوله، أتى بما لم يأت به غيره، وساق ما تنشرح له صدور الراغبين" (٥). ثالثًا: وأما استيعابه وطول نفسه في المسائل، فيكمن في إكثاره من الشواهد والأمثال، وتكلمه في مآخذها، وذكر الحجج والكلام على صحتها وتوجيهها، وبسط ذلك مع أقوال الفقهاء، ومناقشة الآراء، وما لكل قول وما عليه، وما هو الصواب الذي دل عليه الكتاب أو السنة أو أقوال الصحابة، أو مقاصد الشريعة، أو قواعدها، وقد أفصح عن منهجه هذا بقوله: "ونحن نذكر مآخذ هذه الأقوال، وما لكل قول وما عليه، وما هو الصواب من ذلك الذي دل عليه الكتاب والسنة على طريقتنا التي من اللَّه بها، وهو مرجو الإعانة والتوفيق" (٦). رابعًا: هنالك دوافع وبواعث دعت المصنف إلى الاستطراد في هذه المسائل، كشفنا عن شيء منها فيما مضى (٧). خامسًا: من الأمثلة على (المباحث) التي طول المصنف فيها النفس: - (القياس)، بلغ هذا المبحث في نشرتنا هذه (ست مئة وستين صفحة) استغرقت من (ص ٢٤٧) من (المجلد الأول) إلى (آخره)، ومن (أول) المجلد الثاني إلى (ص ٤٢٥) منه.

стр. 197

وذكر العلماء طول نفس المصنف في هذا المبحث، وأشادوا به في عبارات سبق أن ذكرناها عنهم (١). - (شرح كتاب عمر في القضاء)، أخذ هذا المبحث موضعًا هامًا وواسعًا من كتابنا هذا، فبلغ من نشرتنا هذه (سبع مئة واثنين وستين صفحة). استغرقت من (ص ١٥٨) من (المجلد الأول) إلى آخره (ص ٤٨٧) ومن بداية (المجلد الثاني) إلى (ص ٤٣٨) منه، ويندرج تحت هذا الشرح (عناوين) فرعية و (فصول) و (مباحث) و (تفريعات) و (مسائل)، بلغ عددها فيما أحصيت (ثلاثًا وأربع مئة) عنوانًا، لما هو تحت شرح هذا الكتاب. وأشاد العلماء -كما تقدم (٢) - بطول نفس المصنف في شرحه، بل بعضهم عدَّ كتابنا هذا مفردًا لشرحه فحسب! وهذا وهم، وقد نبهنا عليه (٣)، واللَّه الموفق. - (التقليد)، طول المصنّف نفسه في هذا المبحث جدًّا، واستغرق ذلك في نشرتنا هذه مئة وثماني وخمسين صفحة، من (ص ٤٤٧) من (المجلد الثاني) إلى (ص ٣٦) من (المجلد الثالث)، حيث قال: "وقد أطلنا الكلام في القياس والتقليد"، وأشاد العلماء ببسط المصنف وتأصيله وتفصيله في هذا المبحث، وسيأتيك كلام الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب في ذلك (٤). - (الحيل)، عالجها بإسهاب طويل، واستغرق من نشرتنا أربع مئة واثنتين وسبعين صفحة، فبدأ من (ص ٦٦) وانتهى بـ (٥٣٨) من (المجلد الرابع). - اعتبار النيات والمقاصد في الألفاظ، أفاض وأسهب جدًّا في تقرير هذا المبحث، فاستغرق من نشرتنا مئة وتسعًا وعشرين صفحة، فبدأ من (ص ٤٤٧) إلى (ص ٤٥٥) من (المجلد الثالث) ومن (ص ٥) إلى (ص ٦٧) من المجلد (الرابع). ومن الأمثلة على (المسائل) التي استطرد فيها المصنف: - طواف الحائض بالبيت، استغرقت في نشرتنا عشرين صفحة، من (ص ٣٥٦) إلى (ص ٣٧٧) من (المجلد الثالث). - حكم اليمين بالطلاق، ابتدأ من (ص ٤٤٠) وانتهى بـ (ص ٤٤٧) من (المجلد

стр. 198

الثالث) مع ملاحظة تكرار بحث المصنف والإشارة إليها. - حكم الاستثناء في الطلاق، استغرقت في نشرتنا نحو أربع وثلاثين صفحة فبدأ من (ص ٤٦٢) وانتهى بـ (ص ٤٩٦) من (المجلد الرابع). سادسًا: من السِّماتِ المنهجية المهمة لفقه الإمام ابن القيم في كتابنا هذا التحليل والتأصيل وسعيه نحو التقعيد، فهو "يغوص في مدارك المسائل بنظره الثاقب، فيستخرج جميع الوجوه والاحتمالات، ثم يعطي كل احتمال حكمه الشرعي" (١). فالمصنف يعمل على تكييف المسألة من ناحية فقهية، ويذكر ما فيها من اختلاف الفقهاء وأقوالهم وآرائهم واجتهاداتهم (٢)، على وجه يكون الغرض منه الاستفادة الشمولية الكلية لتأصيل وتقعيد أصولي أو منهجيّ، مدلل عليه، معروف عند السلف الصالح، وذلك من خلال فحص واختبار ما استدل به كل فريق، وإلغاء ما ليس مناسبًا، وإثبات الصالح المناسب، وهذا ما عنيناه بـ (التحليل)، الذي عُرِّف بأنه "عملية عقلية في جوهرها، وهو ينحصر في عزل صفات الشيء، أو عناصره بعضها عن بعض، حتى يمكن إدراكه بعد ذلك إدراكًا واضحًا" (٣). فالمصنف يبحث المسائل على وجه عميق جدًّا، مجاوزًا المنهج التقليدي عند الفقهاء، ممن يعملون على عرض المسائل باعتماد طريقة الأبواب والفصول التي درج عليه فقهاء ذلك العصر، وأصبحت -بناء عليه- مجموعة من المسائل وبحكم مجموعة من المقدمات، من المسلّمات، فرأى ابن القيم أنها تحتاج إلى عرض جديد، بثوب جديد، على خلاف الطريقة المعهودة المطروقة، التي تنطلق من الجزئيات، فوظف الأمور الكلية الفطعية لنصرتها ورجحانها، بجانب الأحاديث النبوية، والآثار الصحابية والتابعية فكانت هذه (المعلمة) (الأصولية) الأصيلة و (الفقهية) التحليلية العميقة. ورحم اللَّه القرافي لما قال: "وأنت تعلم أن الفقه -وإنْ جلَّ- إذا كان مبددًا، تفرقت حكمته، وقلّت طلاوته، وضعفت في النفوس طُلْبَتُه، وإذا رتبت الأحكام مخرجة على قواعد الشرع، مبنية على مآخذها، نهضت الهمم حينئذٍ

стр. 199

لاقتباسها، وأعجبت غاية الإعجاب بتقمص لباسها" (١). ويجد منعم النظر في كتابنا هذا تأصيلًا وتحليلًا لكثير من المسائل والمباحث، بلغت مرتبة النضوج والاكتمال وصيغت على هيئة قواعد (٢) تجريدية

стр. 200

متحررة من المذهبيّة، أو الطريقة التقليديّة في عرض مادة (الأصول) أو (الفقه) وهو قفزة علمية عملية من فوق (الركود) و (التراكم) -المعروفين في ذلك الزمن- إلى (النصوص) و (القواعد) المتبعة عند (السلف) في الاستدلال والاستنباط، مع تزييف ما خرج عنهما من (المسائل)، أو أدخل فيهما زورًا من (المبادئ) و (الكليات). وإن النهضة العلمية اليوم تتطلب من تلاميذها العكوف على مثل هذا النوع من المؤلفات، ودراستها بتمحيص من ناحية نظرية ليكون لها أثر علمي في (النوازل المستجدة)، لتتواصل مسيرة (الخير) و (العلم) على (منهج) واحد جامع بين (الأفهام) قائم على (الحق) و (العدل)، ولا سيما مع كثرة المستجدات في الوقت الحاضر في سائر ضروب وميادين الحياة، في المجالات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والطبية. ومن نافلة القول: إن صياغة القواعد الفقهية، أو الضوابط التي كانت معتبرة عند السلف تحتاج إلى قدرة بيانية، وكفاءة فقهية عالية، واستحضار تام لأغلب المسائل الفروعية، وأن هذه الأسباب والشروط تحققت في الإمام ابن القيم، فلا عجب أن يكون له فيها الباع الطويل.

стр. 201

سابعًا: ومن الخصائص والسمات والملامح لمنهج ابن القيم في كتابه هذا: تآخي الأصول مع الفقه، وتوافق التطبيق مع النظرية في انسجام وتكامل، يتجلى هذا تمامًا عند ذكره الأدلة. وتحليلها تحليلًا كافيًا، وإعطاء كل دليل حقه من الفهم والمعنى، فيستعين أخيرًا في استنباط الحكم الشرعي بالقواعد الأصولية ذات العلاقة، بحيث تتبيّن أهمية القاعدة الأصولية لاستنباط الحكم، فيمتزج الفقه بالأصول في منهج اجتهادي واضح الخطوات، بيِّن المعالم، يتضح فيه للباحث الفقيه كيفية بناء الحكم على ذلك الأصل، أو القاعدة الأصولية. هذا هو المنهج العلمي المثالي، إذ يمنح القارئ الثقة في الأحكام المستنبطة، كما ينمي لديه ملكة الاستنباط، حيث يقف بصورة عملية على الطريقة التي سلكها الأئمة المجتهدون في استنباط الأحكام، نظريًا وتطبيقًا (١). وأقام الإمام ابن القيم في (معلمته) هذه جسورًا قوية متماسكة بين (الأصول) و (الفقه)، وأثبت بما لا جدال فيه أنهما علمان متلازمان حسًا وذهنًا في كل مرحلة من مراحل الاستنباط، وتطبيق الأحكام، في التأليف والتدوين، لا تستقل مدونات الأصول عن الفروع، ولا تستغني الفروع عن الأصول، وهو جانب مهم وواضح في منهج ابن القيم في كتابه هذا، الذي يعتبر بأنه عقد منتظم من النظريات، والقواعد الأصولية، تدعمها الفروع الفقهية: تخريجًا واستشهادًا وتطبيقًا، وجاءت هذه التطبيقات بلا استكثار ولا تقصير، وجاءت دراساته فيها من كافة جوانبها: التنظير والتطبيق، والشرح والتحليل متوازية متعادلة (٢). ثامنًا: وأما التفصيل في المسائل، فهذه سمة بارزة (٣) في كتابنا هذا، إذ حوى كثيرًا من المسائل وفصَّلها، ودقَّق فيها، فلا يطلق ابن القيم الأحكام جزافًا،

стр. 202

ولا يقف عند رسومها وألفاظها، أو يكتفي بأصولها الكليّة، دون التعرض لتفصيلاتها وتفريعاتها، وحقائقها، ولا سيما تلك المسائل التي اشتهر انفراده بها تبعًا لشيخه ابن تيمية، فكما أنه أولاها بالتأصيل والتدليل، فإنه لم ينساها من التفصيل، إذ (التفصيل) هو ثمرة (التأصيل) الحاصل من (التدليل). وهذا أمر ليس بمستغرب، إذ قد حذّر المصنفُ من إطلاق الجواب دون تفصيل، فقال: "ليس للمفتي أن يطلق الجواب في مسألة فيها تفصيل إلا إذا علم أن السائل إنما سأل عن أحد تلك الأنواع، بل إذا كانت المسألة تحتاج إلى تفصيل استفصله. . . " (١). ثم ذكر ضرورة مراعاة هذا، بأن دلل على كلامه، ثم بيَّن أن المفتي إن لم ينتبه لهذا المسلك ويعمل به، فإنه يَضلّ ويُضلّ، قال: "والمقصود التّنبيه على وجوب التفصيل إذا كان السّؤال محتملًا، وباللَّه التّوفيق، فكثيرًا ما يقع غلط المفتي في هذا القسم، فالمفتي ترد إليه المسائل في قوالب متنوّعة جدًّا، فإن لم يتفطّن لحقيقة السّؤال وإلّا هلك وأهلك، فتارة تورد عليه المسألتان صورتهما واحدة وحكمهما مختلف؛ فصورة الصَّحيح والجائز صورة الباطل والمحرَّم ويختلفان بالحقيقة، فيذهل بالصّورة عن الحقيقة، فيجمع بين ما فرَّق اللَّه ورسوله بينه، وتارة تورد عليه المسألتان صورتهما مختلفة وحقيقتهما واحدة وحكمهما واحد، فيذهل باختلاف الصّورة عن تساويهما في الحقيقة، فيفرّق بين ما جمع اللَّه بينه، وتارة تورد عليه المسألة مجملة تحتها عدة أنواع، فيذهب وهمه إلى واحد منها، ويذهل عن المسؤول عنه منها، فيجيب بغير الصَّواب، وتارة تورد عليه المسألة الباطلة في دين اللَّه في قالب مزخرف ولفظ حسن، فيتبادر إلى تسويغها وهي من أبطل الباطل، وتارة بالعكس" (٢). وضرب على ذلك أمثلة، منها قوله ﵀: "فإذا سئل المفتي عن رجل دفع ثوبه إلى قصَّار يقصره، فأنكر القصّار الثّوب ثمّ أقرّ به، هل يستحق الأجرة على القِصَارة أم لا؟ فالجواب بالإطلاق خطأ نفيًا وإثباتًا، والصّواب التّفصيل، فإن كان قصَّره قبل الجحود فله أجرة القصارة؛ لأنه قصَّره لصاحبه، وإن كان قصَّره بعد جحوده فلا أجرة له لأنه قصَّره لنفسه.

стр. 203

وكذلك إذا سئل عن رجل حلف لا يفعل كذا وكذا، ففعله، لم يجز له أن يفتي بحنثه، حتى يستفصله، هل كان ثابت العقل وقت فعله؟ وإذا كان ثابت العقل فهل كان مختارًا في يمينه أم لا؟ وإذا كان مختارًا فهل استثنى عقيب يمينه أم لا؟ وإذا لم يستثن فهل فعل المحلوف عليه عالمًا ذاكرًا مختارًا أم كان ناسيًا أو جاهلًا أو مكرهًا؟ وإذا كان عالمًا مختارًا فهل كان المحلوف عليه داخلًا في قصده ونيته أو قصد عدم دخوله فخصَّصه بنيّته أو لم يقصد دخوله ولا نوى تخصيصه؟ فإنّ الحنث يختلف باختلاف ذلك كلّه" (١). ويكتمل المنهج التفصيلي عند ابن القيم بذكر الفروق بين مسألة وأخرى، يظن بادئ بدء تطابقهما في الحكم، فينبه على الفرق بينهما رفعًا للإبهام، وإزالة اللبس، وزيادة في الإيضاح. والأمثلة على ذلك كثيرة جدًّا، تجدها مجموعة في (فهرسة) خاصة، في (المجلد الأخير) الخاص بالفهارس على حسب ورودها في الكتاب، واللَّه الموفق للصواب. ومما ينبغي ذكره بهذا الصدد أن المسائل التي فصل ابن القيم فيها القول هي التي كانت دائرة آنذاك على ألسنة الفقهاء وتشغل مجالسهم، وهي صور حقيقية لما يجري في مجتمعاتهم، وهي شهادة صدق على كون ابن القيم مصلحًا، وهي عبارة عن نماذج واقعية للحياة التي عاشوها، ولذا تجد في كتابنا هذا توجعًا وتألمًا، وشذرات لأحوال المفتين، وذكرًا لبعض الحوادث التي ذكرت عرضًا، وبها تعلّق لبعض الأحداث التي كانت تجري آنذاك (٢). تاسعًا: ترتب على ما سبق من سمات منهجية في عرض ابن القيم لمادته العلمية في كتابه هذا من (التأصيل) و (التحليل) و (التفصيل) و (الاستيعاب) وجود مباحث عزيزة لا تكاد توجد على النحو الذي توجد في كتابنا هذا، وقد صرح المصنف بذلك أكثر من مرة، فقال -مثلًا- عن تقرير (القياس) والاحتجاج به: "لعلك لا تجده في غير هذا الكتاب، ولا بقريب منه" (٣)، وقال أيضًا: "وقد أطلنا الكلام في القياس والتقليد، وذكرنا من مآخذهما وحجج أصحابهما، وما لهم وما عليهم من المنقول والمعقول ما لا يجده الناظر في كتاب

стр. 204

من كتب القوم من أوَّلها إلى آخرها، ولا يظفر به في غير هذا الكتاب أبدًا، وذلك بحول اللَّه وقوّته ومعونته وفتحه، فله الحمد والمنة" (١) وقال بعد تحرير مسألة أخرى: "وهذا بعض ما يتعلق بمخرج الاستثناء، ولعلك لا نظفر به في غير هذا الكتاب" (٢). وحقَّ لصاحبه أن يقول هذا، إذ لم يكتف ابن القيم في هذه المسائل وغيرها بتقرير الراجح عنده فيها مع التدليل عليها، بل كان له في عرضها منهج متميز، مع ما صحبه من نقاش واستنباط، يمثل القمة فكرًا وأسلوبًا وإبداعًا، ينمي الملكة ويستثير الموهبة في الطلبة والمطلعين. المحور الثالث: الإنصاف والأمانة والتقدير والموضوعية والترجيح: يزيِّن (الحقّ) العدلُ، فكما أنّ ابن القيم حرص على الوصول إلى الحق في (مباحثه) و (مسائله)، فإنه سلك إلى ذلك طريقًا سهلًا عدلًا، وهو المهيع الذي عليه الربانيون، وشُداة الحق الصادقون، وتمثل ذلك في الأمور الآتية: أولًا: نقل المذاهب عن أصحابها، وعزاها إلى الكتب المعتمدة (٣) فيها،

стр. 205

ونقل في كثير من الأحايين النصوص بطولها، واستقصى أدلتها واستوفاها، وعرضها عرضًا كاملًا، دون نقص أو تحريف أو تجاهل أو تزايد في صورة مفصلة موفية بالغرض المقصود من حيث الدقة والبيان، وبموضوعية متناهية وأكثر ما ظهر هذا في المسائل التي تفرد بها عن سائر فقهاء عصره. ثانيًا: نجد من منهج ابن القيم أنه يفسح المجال واسعًا لمناقشة الأقوال، وردِّ كل طائفة على الأخرى، ويبيّن مستند كل منهما، وسبب اختلافهما، ويسوق الأدلة النّقلية والعقلية لكل واحدة منهما، ويعرضها على صورة التأييد والتقوية، ويحللها كما يفهمها أصحابها وينتصرون لها، على وجه واضح، وبترتيب منطقي. ثالثًا: همُّ ابن القيم من ذلك إظهار الحق، ولذا ربما أبهم بعض أسماء المردود عليهم (١)، سواء من الفقهاء بأعيانهم، أو المذاهب، ولذا اضطر في بعض الأحايين إلى بيان ما ألصق في المذاهب وهو -على التحقيق- ليس منها (٢). رابعًا: حرص ابن القيم في ذلك كله على الإنصاف والعدل، فقال -مثلًا- في مبحث (الحيل) بعد كلام: "ونحن نذكر ما تمسَّكتم به في تقرير الحيل، والعمل بها، ونبيّن ما فيه، متحرّين العدل والإنصاف" (٣). وكان ﵀ يميل مع الدليل، ولا يقدم شيئًا عليه (٤)، ولا يميل إلى قول مذهب أو شيخ دونه، فاسمع إليه -مثلًا- وهو يقول عن (القياس) بعد أن ذكر حجج المثبتين له والنافين:

стр. 206

"الآن حَمِيَ الوطيس (١)، وحميت أنوف أنصار اللَّه ورسوله لنصر دينه وما بعث به رسوله، وآن لحزب اللَّه أن لا تأخذهم في اللَّه لومة لائم، وأن لا يتحيّزوا إلى فئة معينة، وأن ينصروا اللَّه ورسوله بكلِّ قولٍ حقٍّ قاله مَنْ قاله، ولا يكونوا مِنَ الّذين يقبلون ما قاله طائفتهم وفريقهم كائنًا مَنْ كان، ويردّون ما قاله منازعوهم وغير طائفتهم كائنًا مَنْ كان، فهذه طريقة أهل العصبية، وحمية أهل الجاهليّة، ولعمر اللَّه!! إنّ صاحب هذه الطّريقة لمضمون له الذمّ إن أخطأ، وغير ممدوح إن أصاب، وهذا حال لا يرضى بها من نصح نفسه وهُدي لرشده، واللَّه الموفق" (٢). وعندما بحث مسألة (من أقرّ أو حَلف أو وهب أو صالح لا عن رضا منه، ولكن منع حقه إلَّا بذلك)، وقرر أن حكمه حكم المكره لا يلزمه ما عقده من هذه العقود، ثم قال: "ومن له قدم راسخ في الشريعة ومعرفة بمصادرها ومواردها، وكان الإنصاف أحبَّ إليه من التّعصب والهوى، والعِلمُ والحجّةُ آثرَ عنده من التَّقليد، لم يكد يخفى عليه وجه الصّواب، واللَّه الموفق" (٣). ويقول في (مسألة من أكره على شراء أو استئجار) وقرر أنه لا يصح منه لعدم قصده وإرادته: ". . . فإن أهل الظّاهر تمسّكوا بألفاظ النّصوص وأجروها على ظواهرها حيث لا يحصل القطع بأنّ المراد خلافها، وأنتم تمسّكتم بظواهر ألفاظ غير المعصومين حيث يقع القطع بأنّ المراد خلافها، فأهل الظّاهر أعذر منكم بكثير، وكلّ شبهة تمسّكتم بها في تسويغ ذلك فأدلة الظّاهرية في تمسِّكهم بظواهر النّصوص أقوى وأصح، واللَّه يحبّ الإنصاف، بل هو أفضل حلية تحلى بها الرّجل، خصوصًا من نصب نفسه حَكَمًا بين الأقوال والمذاهب، وقد قال اللَّه -تعالى- لرسوله: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ [الشورى: ١٥]، فورثة الرّسول منصبهم العدلُ بين الطَّوائف وألَّا يميل أحدهم مع قريبه وذوي مذهبه وطائفته ومتبوعه، بل يكون الحقّ مطلوبه يَسيرُ بسيره وينزل بنزوله، يدين بدين العدل والإنصاف، ويحكم الحجة، وما كان عليه رسول اللَّه ﷺ وأصحابه فهو العلم الذي قد شمّر إليه، ومطلوبه الّذي يحوم بطلبه عليه، لا يثني عنانه عَذلُ عاذلٍ، ولا تأخذه فيه

стр. 207

لومة لائم، ولا يصدّه عنه قول قائل" (١). كيف لا؛ وهو القائل: وتحلَّ بالإنصَافِ أَفْخَرَ حُلَّةٍ ... زِينَتْ بها الأَعْطَافُ والكَتِفَانِ (٢) خامسًا: ابن القيم إمام في العلم والعمل، ومجتهد ومصلح ومُنْصِف، يضع الأمور مكانها، ومن بين ذلك: تقديره للعلماء، وقد دعى في كتابه هذا إلى أنه لا بد من "معرفة فضل أئمة الإسلام ومقاديرهم وحقوقهم ومراتبهم، وأنّ فضلهم وعلمهم ونصحهم للَّه ورسوله لا يوجب قبول كلّ ما قالوه، وما وقع في فتاويهم من المسائل التي خفي عليهم فيها ما جاء به الرَّسول، فقالوا بمبلغ علمهم، والحقّ في خلافها لا يوجب اطّراح أقوالهم جملة وتنقّصهم والوقيعة فيهم، فهذان طرفان جائران عن القصد، وقصد السّبيل بينهما، فلا نؤثِّم ولا نَعْصم، ولا نسلك بهم مسلك الرّافضة في عليّ ولا مسلكهم في الشَّيخين، بل نسلك مسلكهم أنفسهم فيمن قبلهم من الصَّحابة، فإنّهم لا يؤثمونهم ولا يعصمونهم، ولا يقبلون كلّ أقوالهم ولا يهدرونها. فكيف ينكرون علينا في الأئمّة الأربعة مسلكًا يسلكونه هم في الخلفاء الأربعة وسائر الصَّحابة؟ ولا منافاة بين هذين الأمرين لمن شرح اللَّه صدره للإسلام، وإنَّما يتنافيان عند أحد الرّجلين: جاهل بمقدار الأئمّة وفضلهم، أو جاهل بحقيقة الشّريعة التي بعث اللَّه بها رسوله، ومن له علم بالشَّرع والواقع يعلم قطعًا أنّ الرجل الجليل الَّذي له في الإسلام قدم صالح وآثار حسنة، وهو من الإسلام وأهله بمكان، قد تكون منه الهفوة والزّلّة هو فيها معذور بل ومأجور لاجتهاده، فلا يجوز أن يتّبع فيها، ولا يجوز أن تهدر مكانته وإمامته ومنزلته من قلوب المسلمين" (٣). ولم يقتصر حرص ابن القيم على (معرفة فضل أئمة الإسلام) بالذكر العطر، والثناء الجميل لشخوصهم، وإنما تعداه إلى تبرئتهم مما ألصق بهم من أقوال تحط من قدرهم، فقال -مثلًا- في مسألة (تعليق الطلاق بالشرط): "وللَّه شرف نفوس الأئمّة الذين رفع اللَّه قدرهم، وشاد في العالمين ذكرهم، حيث يأنفون لنفوسهم ويرغبون بها عن أمثال هذه الهذيانات الّتي تسودُّ بها الوجوه قبل الأوراق، وتُحِلّ بقمر الإيمان المحاق" (٤).

стр. 208

وقال عند تبرئته للأئمّة من الدّعوى إلى تقليدهم: "وهذه بدعة قبيحة حدثت في الأمّة، ولم يقل بها أحد من أئمة الإسلام، وهم أعلى رتبة وأجلّ قدرًا وأعلم باللَّه ورسوله من أن يلزموا النّاس بذلك" (١). ولم يكتف بهذا الإجمال، وإنما تعداه لمسائل مخصوصة، نسبت إلى أئمة معينين، كقوله -مثلًا- عن نسبة بعض الحيل إلى الشافعي وغيره: "والمتأخِّرون أحدثوا حيلًا لم يصحَّ القول بها عن أحد من الأئمّة، ونسبوها إلى الأئمّة، وهم مخطئون في نسبتها إليهم، ولهم مع الأئمّة موقف بين يدي اللَّه . ومن عرف سيرة الشَّافعي وفضله ومكانه من الإسلام علم أنّه لم يكن معروفًا بفعل الحيل، ولا بالدّلالة عليها، ولا كان يشير على مسلم بها، وأكثر الحيل التي ذكرها المتأخرون المنتسبون إلى مذهبه من تصرّفاتهم، تلقّوها عن المشرقيين، وأدخلوها في مذهبه، وإن كان -رحمه اللَّه تعالى- يجري العقود على ظاهرها، ولا ينظر إلى قصد العاقد ونيّته. . . فحاشاه ثم حاشاه أن يأمر النّاس بالكذب والخداع والمكر والاحتيال وما لا حقيقة له، بل ما يتيقّن أنّ باطنه خلاف ظاهره، ولا يظنّ بمن دون الشافعيِّ من أهل العلم والدّين أنّه يأمر أو يبيح ذلك. . . ". قال: "فواللَّه ما سوَّغ الشافعيُّ ولا إمام من الأئمّة هذا العقد قطّ، ومن نسب ذلك إليهم فهم خصماؤه عند اللَّه. . . " (٢). وقال عن حيلة أخرى: "لا تتمشى على قواعد الشريعة، ولا أصول الأئمة، وكثير منها -بل أكثرها- من توليدات المنتسبين إلى الأئمة وتفريعهم، والأئمة براء منها" (٣). وقال أيضًا في مقام آخر: "ولا نص عليه أحد من الأئمة الأربعة" (٤). وقال في مسألة عزاها القاضي أبو يعلى إلى الإمام أحمد: "ولا يخفى ما في هذا الحمل من مخالفة ظاهر كلام الإمام أحمد" ودلَّل على ذلك باستقراء أجوبته (٥). وقال في مسألة أخرى عزاها أبو حامد الإسفرائيني وغيره لأحمد: "وهذا

стр. 209

من غلطه على أحمد" (١). وقال في موضع آخر: "وما حكاه أبو حامد الإسفرائيني عن أحمد من القول فباطل عنه لا يصح ألبتة، وكل من حكاه عن أحمد، فمستنده حكاية أبي حامد الإسفرائيني أو من تلقَّاها عنه" (٢)، ويدلّل هذا على فطنة ابن القيم، إذ يقف ﵀ على منشأ الغلط، وكذلك وقع له في (حجية قول الصحابي)، قال: "وهو منصوص الشافعي في القديم والجديد، أما القديم فأصحابه مُقِرُّونَ به، وأما الجديد؛ فكثير منهم يحكي عنه فيه أنه ليس بحجة، وفي هذه الحكاية عنه نظر ظاهر جدًّا" (٣) ثم يذكر السبب الباعث على هذا الخطأ. وقال عنه: "وهذا تعلّق ضعيف جدًّا" (٤)، ثم ذكر سببًا آخر، وقال عنه أيضًا: "وهذا أيضًا تعلق أضعف من الذي قبله" (٥). فلم يقف ﵀ على تصحيح النسبة، وإنما عالج الخطأ، ووقف على سببه، وقوّمه بمنهج علمي أصيل، ظهر من خلاله الأصيل من الدخيل، ومن ذلك: تقريره أن (السلف) كانوا يستعملون (الكراهة) بمعنى (الحرام)، قال: "ولكن المتأخرون اصطلحوا على تخصيص الكراهة بما ليس بمحرم" قال: "ثم حمل مَنْ حمل منهم كلام الأئمة على الاصطلاح الحادث، فغلط في ذلك" قال: "وأقبح غلطًا منه من حمل لفظ (الكراهة) أو لفظ (لا ينبغي) في كلام اللَّه ورسوله على المعنى الاصطلاحي الحادث" (٦). واعتنى المصنف في كثير من المسائل بمذهب الإمام الشافعي، وأنه نسب إليه ما لم يقل به، مثل (اللعب بالشِّطْرَنْج) قال الشافعي عنه: "أكرهه أو لا يتبين لي تحريمه" (٧) قال ابن القيم: "فقد نص على كراهته، وتوقف في تحريمه، فلا يجوز أن ينسب إليه وإلى مذهبه أن اللعب بها جائز وأنه مباح، فإنه لم يقل هذا، ولا ما يدل عليه" (٨).

стр. 210

وقال عقب ذلك في مسألة (تزوج الرجل امرأته المخلوقة من ماء الزنا): "ولم يقل -أي الشافعي- إنه مباح ولا جائز، والذي يليق بجلالته وإمامته ومنصبه الذي أحلّه اللَّه به من الدين أن هذه الكراهة منه على وجه التحريم" (١). سادسًا: مع تقدير ابن القيم للعلماء، وحرصه على نبذ ما أُلصق بهم من بواطيل وترهات، والاعتذار لهم عند الخطأ ومخالفة الدليل، فإنه كان جريئًا على الأدعياء، اللابسي ثوبي زور، والمتشبِّعين بما ليس فيهم، فنعتهم بـ (جامدي الفقهاء" (٢) و"خفافيش البصائر، وضعفاء العقول" (٣) و"محبوسون في سجن الألفاظ، ومقيدون بقيود العبادات" (٤). وقال عنهم: "خلوف رغبوا عن النصوص" (٥)، و"أهل الأهواء والبدع" (٦)، و"الطغام وأشباه الأنعام" (٧)، و"من الكاذبين المفترين على شريعة أحكم الحاكمين" (٨)، و"علومهم في مسائلهم وأدلتهم في غاية الفساد والاضطراب والتناقض" (٩). و"عيب عندهم أن يذكروا في أصول دينهم وفروعه، قال اللَّه، وقال رسول اللَّه ﷺ ، أما أصول دينهم فصرحوا في كتبهم أن قول اللَّه وقول رسوله لا يفيد اليقين في مسائل أصول الدين، وإنما يحتج بكلام اللَّه ورسوله فيها الحشوية والمجسمة والمشبهة، وأما فروعهم فقنعوا بتقليد من اختصر لهم بعض المختصرات التي لا يذكر فيها نص عن اللَّه تعالى، ولا عن رسول اللَّه ﷺ ، ولا عن الإمام الذي زعموا أنهم قلَّدوه دينهم، بل عمدتهم فيما يفتون ويقضون به وينقلون به الحقوق ويبيحون به الفروج والدماء والأموال على قول ذلك المصنِّف، وأجلّهم عند نفسه وزعيمهم عند بني جنسه من يستحضر لفظ ذلك الكتاب ويقول: هكذا قال، وهذا لفظه، فالحلال ما أحلَّه ذلك الكتاب، والحرام ما حرمه، والواجب ما أوجبه، والباطل ما أبطله، والصحيح ما صححه هذا! " (١٠). وقال عنهم: "أقوام رؤيتهم قذى العيون، وشجى الحلوق، وكرب النفوس،

стр. 211

وحمَّى الأرواح، وغم الصدور، ومرض القلوب، إن أنصفتهم لم تقبل طبيعتهم الإنصاف، وإن طلبته منهم، فأين الثريا من يد الملتمس، قد انتكست قلوبهم، وعمي عليهم مطلوبهم، رضوا بالأماني، وابتلوا بالحظوظ، وحصلوا على الحرمان، وخاضوا بحار العلم لكن بالدعاوى الباطلة وشقائق الهذيان، ولا واللَّه ما ابتلت من وَشَله (١) أقدامهم، ولا زكت به عقولهم وأحلامهم، ولا ابيضت به لياليهم وأشرقت بنوره أيامهم، ولا ضحكت بالهدى والحق منه وجوه الدفاتر إذ بُلَّتْ بمدادِه أقلامُهم، أَنفقوا في غير شيء نفائسَ الأنفاس وأَتعبوا أنفسهم وحيَّروا مَنْ خلفهم من الناس، ضيَّعوا الأصول، فحُرِمُوا الوصول، وأعرضوا عن الرسالة فوقعوا في نهاية الحيرة وبيداء الضلالة" (٢). وقال عنهم: "ليس لهم تحقيق في العلم" (٣). ونعت ابن القيم هؤلاء فيما مضى بصيغة الجمع وكان كلامه معهم في بعض الأحايين بصيغة الإفراد، كقوله: "وليس كلامنا في هذا الكتاب مع المقلّد المتعصّب، المقرّ على نفسه بما شهد عليه به جميعُ أهل العلم، أنه ليس من جملتهم، فذاك وما اختار لنفسه، وباللَّه التوفيق" (٤) وقوله: "فأجابهم مَنْ مُنِع التوفيق، وصُدَّ عن الطريق" (٥)، و"الجاهل الظالم لا يرى الإحسان إلا إساءة، ولا الهدى إلا ضلالة" (٦)، و"الجاهل الظالم يخالفك بلا حجة، ويكفّرك ويبدّعك بلا حُجة، وذنبك رغبتك عن طريقته الوخيمة، وسيرته الذميمة" (٧). وقال عن هذا الصنف: "ليلزم حدّه، ولا يتعدّى طوره، ولا يمد إلى العلم الموروث عن رسول اللَّه ﷺ باعًا يقصر عن الوصول إليه، ولا يتّجر بنقدٍ زائف لا يروج عليه" (٨). ولا يعارض هذا ما قلناه من الإنصاف الذي يتحلى به ابن القيم، فإن كلامه هذا مع فرقة تلاعبت بأحكام الدين، وجعلت كلام أئمتها عيارًا على الكتاب

стр. 212

والسنة، فأحلوا الحرام، وحرموا الحلال، وأسقطوا الواجب، وأوجبوا ما لم يجب، فكانت هذه المؤاخذات والعبارات الشديدة من باب غيرة الإمام ابن القيم على الشريعة وأحكامها، ووضعه الأمور الشرعية في نصابها، وهذا من إنصافه أيضًا إذ ليس عنده وكس ولا شطط، واللَّه الهادي، لا ربّ سواه. سابعًا: ثمرة نقل الأقوال والخلاف والأدلة مع الإنصاف والأمانة وتقدير أهل العلم هو الكشف عن حكم اللَّه ، وبيان الراجح من الأقوال، وبهذا ينتهي عرض ودراسة ابن القيم لجل المسائل والمباحث التي في كتابنا، فهو يتوصل إلى القول الراجح بعد تحليل وتأصيل وتدليل، ونظر عميق، وتأمل طويل، وتفهم وتصور دقيق، ولذا فترجيحاته صحيحة، واختياراته مليحة، وهي تتطابق مع الأدلة، ومدعّمة بما يزيّنها من الحِكَم والأسرار والمقاصد، التي تستنبط من النصوص، بالاستقراء أو إعمال النظر. وترجيحاته قائمة على إعمال الأدلة جميعها، وقرر أنه "لا يجوز العمل والإفتاء في دين اللَّه بالتشهي والتخيير وموافقة الغرض" (١) وقال عن هذا: "من أفسق الفسوق، وأكبر الكبائر" (٢) وكذلك "لا يجوز للمفتي أن يعمل بما شاء من الأقوال والوجوه، من غير نظر في الترجيح" (٣) وقال عن هذا: "حرام باتفاق الأمة" (٤). وتمتاز ترجيحاته بالأمور الآتية: أولًا: الوضوح والجزم والقوة، فكان يقول: "وهو الصواب المقطوع به" (٥) و"هذا هو الصواب الذي ندين به في المسألة" (٦) و"هذا هو الصواب الذي لا ريب فيه" (٧). ثانيًا: مراعاة جميع ما ورد في الباب من أدلة، قال في مسألة مثلًا: "والصواب القول الوسط الجامع بين الأدلة الذي لا يحتمل سواه. . . " (٨). ثالثًا: وجوب الخروج عن المذهب إذا جاء الدليل بخلافه، وعَدَّ من يقدم

стр. 213

على الفتوى بما يغلب على الظن أن الصواب في خلافه: "خائنًا للَّه ورسوله، وللسائل، وغاشًا له" (١). ولذا رجح في بعض المسائل ما يخالف مذهب الحنابلة، الذي نشأ وتربى عليه، قال: "وكثيرًا ما ترد المسألة، نعتقد فيها خلاف المذهب، فلا يسعنا أن نفتي بخلاف ما نعتقده، فنحكي المذهب الراجح، ونرجّحه ونقول: هذا هو الصواب، وهو أولى أن يؤخذ به، وباللَّه التوفيق" (٢) بل خالف في بعض المسائل شيخه ابن تيمية (٣). رابعًا: يؤخّر ترجيحه ورأيه، إذ يبدأ برأي الفقهاء، ويسرد حججهم، ثم يأتي في آخر الكلام برأيه. بعد المناقشة بروية وحجة، ويحاول إلزام المخالف بأمثلة قوية موضحة، فهو يذكر المؤيِّدات مع الترجيحات. خامسًا: يمتاز أسلوبه في الترجيح بأدب رفيع، وسمت حسن، فلا يسيء إلى مخالفه في الرأي، بتعبير يجرح شعوره، أو يسيء إليه. سادسًا: جميع ما سبق لا ينافي كون ابن القيم حنبليّ النزعة، وأنه يفضّل ويرجح مذهب الإمام أحمد بالجملة، لأنه يعتبره أقرب إلى النصوص، كما أوضح ذلك في نقل سبق أن ذكرناه عنه (٤). ولذا نجده في كتابنا هذا يشيد بأحمد وبعلمه، ويعتني بأصول مذهبه، بل لا نجد ابن القيم اعتنى بأصول إمام مذهب مثل عنايته بأصول الإمام أحمد، ولا بأقوال إمام كأقواله، ولم ينقل عن فقهاء مذهب كمذهبه، بل قال في غير موطن: "أصحابنا" وهو يريدهم أو يريد بعضهم، ولا شك أنه أخذ العلم على كثير من مشايخ الحنابلة، ومع هذا فإنه كان يوقر العلماء حق التوقير، وأن فقهه كان فقه المجتهد، ولا يقلد ولا يتبع أحدًا بغير برهان ودليل، وهو في اختياراته متحيز مستنبط كما قدمناه، واللَّه الموفق. المحور الرابع: طريقته في العرض وأسلوبه في البحث: "ليس يكفي أن يكون الإنسان جمَّ المعرفة، غزير الثقافة، ليكون مؤلفًا ممتازًا، بل لا بد مع ذلك من طبيعة مواتية، وفكر مرتِّب، وعقل مركز، وذوق مصفَّى، وذهن ناقد، وبيان

стр. 214

ساحر، وحافز نفسي غلَّاب" (١)، وهذه السمات بمجموعها موجودة في كتب ابن القيم بعامة، وقد لاحظ ذلك الشوكاني، فقال: "وكل تصانيفه مرغوب فيها بين الطوائف، وله من حسن التصرف في الكلام، مع العذوبة الزائدة، وحسن السياق ما لا يقدر عليه غالبُ المصنّفين، بحيث تعشق الأفهامُ كلامه، وتميل إليه الأذهانُ، وتحبّه القلوبُ" (٢). ولكتابنا هذا "إعلام الموقعين" النصيب الأكبر من هذه السمات، فعلى الرغم من أنه كتاب في الفقه وأصوله، وعادة المؤلفين في هذه الأبواب الابتعاد عن الإبداع في الأسلوب الأدبي في عرض مادتها إلا أنّ ابن القيم "لم يخرج عن مألوفه فيه، ولم يخلع ربقة البلاغة من عنقه، فقد اهتم بالشكل كما اهتمّ بالمضمون" (٣)، يظهر ذلك في الأمور الآتية: أولًا: أسلوبه الأدبيُّ: سبق أن قررنا أن لابن القيم مقدرة علمية، فائقة في استثمار النصوص ودلالاتها على الأحكام الشرعية، وأنه سلك في ذلك طريقًا صحيحًا، وفق منهج علميِّ متَّبع عند السلف، وكان هدفه من ذلك الوصول إلى الحق، وقد جاء عرض ذلك بعباراتٍ أدبيَّةٍ، صادقة اللهجة، تفوح بشذى العلم، وتنبض بروح الإيمان (٤)، تتميز بالسُّهولة والوضوح والعذوبة، وقد مال في كثير من المواطن إلى الصور البيانية، والمحسِّنات البديعية من غير تكلف (٥)، فهو يكتب على سجيّته، ويملي بفطرته، لا يتكلّف ولا يتصنَّع. وقدرة المصنف على الصناعة والصياغة الأدبية ساعدته على تقعيد كثير من المسائل بعبارات جامعة موجزة، وهذا ضرب من البلاغة، وسموّ البيان، الذي يتجانس مع دقة المعاني الشرعية وتشعّبها، ولا سيما أن صاحبنا ﵀ أخذ تقريراته

стр. 215

من نصوص الوحيين على وجه فيه تكامل وترابط، فترى النور والإيمان يشع من كلامه، حتى وهو يتكلم في الفقه وأصوله. ولا ينسى في هذا المقام توظيفه الشعر بما يحمل من معنى رائق، ولفظ فائق لتأكيد اختياراته وتقويتها، ولذا يذكرها غالبًا عرضًا دون عزوٍ لقائلها، ويضعها في مكانها اللائق بها، ولا داعي للتمثيل لكثرتها، ولسهولة الوقوف عليها، إذ خُصّتْ (١) بفهرسة خاصة لها، واللَّه الموفق والهادي. والملاحظ في أسلوبه: استخدامه أسلوب الحوار في غالب مناقشته لخصومه حتّى يعطي حيوية أكثر للموضوع؛ ويجعل القارئ يتابعه باهتمام وتركيز، ويشعر وكأنّه حضر مجلس مناظرة، وقد تقابل الخصمان، وتبارز الحزبان، فأدلى كلّ منهما بحجّته. وأشهر مثال في هذا المقام قوله في مبحث التقليد: "فصل في عقد مجلس مناظرة، بين مقلِّد وبين صاحب حجَّة منقاد للحقِّ حيث كان" (٢). ثم ذكرها. ومضى فيما نقلناه سابقًا عدة أمثلة على هذا. ثانيًا: حسن الترتيب واتّساق الأفكار وتسلسلها: فكما تميز أسلوب ابن القيم بحسن السياق، وإحكام العبارة، فإنه ﵀ يستفرغ جهده باتساق أفكاره وتسلسلها، وجودة تبويبها، وإتقان ترتيبها وتفصيلها وتقسيمها وتنويعها وتحديدها، وهذا مما ساعد على تيسير مباحث الكتاب، ويجعل قارئه يستفيد منه، ويشدّه إليه شدًّا، ويجنّبه السآمة والملل، إذ لا يحسّ بحواجز بين علم الأصول وما يرتبط به من علوم، كما يجعله يدرك إدراكًا عميقًا أهمية (أصول الفقه) وغايته وثمرته وصلته بنصوص الوحي. وهذا ينمّ عن قدرة ابن القيم على توظيف (علم الأصول) توظيفًا عمليًا سهلًا بعيدًا عن (التنظير) و (غير الواقعية)، "ولو لم يكن له سوى هذه الميزة لكفاه شرفًا وفخرًا، ولكان ذلك وحده مؤهّلًا كافيًا لتصنيفه ضمن الأصوليين الكبار" (٣). ومن الأمثلة على إتقانه التفصيل والتقسيم والتنويع ما نادى به نظريًا، ولفت إليه نظر المفتي بقوله:
следующие страницы →