← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17798

إعلام الموقعين عن رب العالمين - ت مشهور

ابن القيم

Полный текст (3 107 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.

стр. 1506

لا يمكن فصلها وتمييزها، ولا يمكن أن يجعل في مقابلة تلك الأجزاء من الرطب ما يتساويان به عند الكمال؛ إذ هو ظنٌّ وحسبان، فكان المنع من بيع أحدهما بالآخر محضُ القياس ولو (١) لم تأت به سُنَّة، وحتى لو لم يكن ربًا ولا القياس يقتضيه لكان أصلًا قائمًا بنفسه يجب التسليم والانقياد له كما يجب التسليم لسائر نصوصه المحكمة، ومن العجب رد هذه السنة بدعوى أنها مخالفة للقياس والأصول وتحريم بيع الكسب بالسِّمسم ودعوى أن ذلك موافق للأصول، فكلُّ أحد يعلم أن جريان الربا بين التمر والرطب أقرب إلى الربا نصًا وقياسًا ومعقولًا من جريانه بين الكسب والسمسم. [رد الإقراع بين الأعبد الستة] المثال الرابع والعشرون: رد المحكم الصريح الصحيح من السنة بالإقراع بين الأَعْبُد الستة المُوصى بعتقهم (٢)، وقالوا: هذا خلافُ الأصول، بالمتشابه من رأي فاسد وقياس باطل (٣)، بأنهم إمّا أن يكونَ كلُّ واحد منهم قد استحقّ العِتْقَ فلا يجوز نقله عنه إلى غيره أو لم يستحقه فلا يجوز أن يعتق منهم أحد، وهذا الرأي الباطل كما أنه في مصادمة السنة فهو فاسد في نفسه؛ فإن العتق إنما استحق في ثلث ماله ليس إلّا، والقياس والأصول تقتضي جمع الثلث في محل واحد، كما إذا أوصى بثلاثة دراهم وهي كل ماله، فلم يُجز الورثة، فإنّا ندفع إلى المُوصى له درهمًا ولا نجعله شريكًا بثلث كل درهم، ونظائر ذلك؛ فهذا المُعتق لعبيده كأنه أوصى بعتق ثلثهم؛ إذ هذا هو الذي يملكه، وفيه صحة الوصية؛ فالحكم بجمع (٤) الثلث في اثنين منهم أحسن عقلًا وشرعًا وفطرة مِنْ جَعْل الثلث شائعًا في كل واحد منهم، فحكم رسول اللَّه ﷺ في هذه المسألة خيرٌ من حكم غيره بالرأي المحض. [رد تحريم الرجوع في الهبة] المثال الخامس والعشرون: رد السنة الصريحة المحكمة في تحريم الرجوع

стр. 1507

في الهبة [لكل أحد] إلا للوالد (١) برأي متشابه فاسد اقتضى عكس السنة وأنه يجوز الرجوع في الهبة لكل أحدٍ إلا لوالدٍ أو لذي رَحم محرم أو لزوج أو زوجة أو يكون الواهب قد أُثيب منها، ففي هذه المواضع الأربعة يمتنع الرجوع وفرَّقوا بين الأجنبي والرحم بأن هبةَ القريب صلةٌ، ولا يجوز قطعها، وهبة الأجنبي تبرّع، وله أن يمضيه وأن لا يمضيه، وهذا مع كونه مصادمًا للسنة مصادمة محضة فهو فاسد؛ لأن الموهوبَ له حين قَبضَ العَينَ الموهوبة دَخَلت في مُلكه، وجاز له التصرّف فيها؛ فرجوع الواهب فيها انتزاع لملكه منه بغير رضاه، وهذا باطل شرعًا وعقلًا، وأما الوالد فولده جزء منه، وهو وماله لأبيه (٢)، وبينهما من البعضية ما يوجب شدة الاتصال، بخلاف الأجنبي. فإن قيل: لم نخالفه إلا بنصٍّ صريح صحيح، وهو حديث سالم عن أبيه عن النبيّ ﷺ : "مَنْ وَهَبَ هبةً فهو أحقُّ بها ما لم يَثُبْ منها" (٣)، قال البيهقي: قال لنا أبو

стр. 1508

عبد اللَّه -يعني الحاكم-: هذا حديث صحيح، إلّا أن يكون الحمل فيه على شيخنا، يُريد: أحمد بن إسحاق بن محمد بن خالد الهاشمي، ورواه الحاكم من حديث عمرو بن دينار عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "الواهب أحق بهبته ما لم يُثَبْ" (١)، وفي كتاب الدارقطني من حديث حَمَّاد بن سلمة، عن قَتَادة، عن الحَسَن، عن سَمُرة، عن النبيّ ﷺ قال: "إذا كانت الهبة لذي رَحمٍ محرم لم يَرجع فيها" (٢)،

стр. 1509

وفي "الغيلانيات": ثنا إبراهيم بن [أبي] (١) يحيى، عن محمد بن عبيد اللَّه (٢)، عن عطاء، عن ابن عباس، عن النبيّ ﷺ : "مَنْ وَهب [هبة] (٣) فارتجع بها فهو أحقُّ بها ما لم يثب منها، ولكنّه كالكلب يعود في قيئه" (٤). فالجواب أن هذه الأحاديث لا تثبت، ولو ثبتت لم تحل مخالفتها ووجب

стр. 1510

العمل بها وبحديث: "لا يحلُّ لواهب أن يرجعَ في هبته" (١)، ولا يبطل أحدهما بالآخر، ويكون الواهب الذي لا يحل له الرجوع من وهب تبرُّعًا محضًا لا لأجل العِوَض، والواهبُ الذي له الرجوعُ مَنْ وَهبَ ليتعوَّض من هبته ويثاب منها، فلم يفعل المُتَّهب، وتستعمل (٢) سنن رسول اللَّه ﷺ كلها، ولا يُضرب بعضها ببعض، أما حديث ابن عمر فقال الدارقطني (٣): "لا يثبت مرفوعًا، والصواب عن ابن عمر عن عمر قوله"، وقال البيهقي (٤): "ورواه علي بن سَهْل بن المغيرة، عن عُبيد اللَّه بن موسى، ثنا حنظلة بن أبي سفيان قال: سمعتُ سالم بن عبد اللَّه، فذكره، وهو غير محفوظ بهذا الإسناد، وإنما يُروى عن إبراهيم بن إسماعيل بن مُجمِّع، وإبراهيم ضعيف"، انتهى. وقال الدارقطني: "غَلِط فيه علي بن سهل"، انتهى. وإبراهيم بن إسماعيل (٥) هذا قال أبو نعيم (٦): لا يُساوي حديثه فلسين، وقال أبو حاتم الرازي (٧): لا يُحتج به، وقال يحيى بن معين (٨): إبراهيم بن إسماعيل المكي ليس بشيء، وقال البيهقي (٩): والمحفوظ عن عمرو بن دينار، عن سالم، عن أبيه، عن عمر: "مَنْ وهب هبة فلم يُثَب منها فهو أحق بها إلا لذي رحم محرم" (١٠) قال البخاري (١١): هذا أصح. وأما حديث عُبيد اللَّه بن موسى عن حنظلة فلا أراه إلا وَهْمًا، وأما حديث حماد بن سلمة فمن رواية عبد اللَّه بن جعفر الرَّقي عن ابن المبارك، وعبد اللَّه هذا ضعيف (١٢) عندهم.

стр. 1511

وأما حديث ابن عباس فمحمد بن عبيد اللَّه فيه هو العرزمي، ولا تقوم به حُجَّة، قال الفَلَّاس (١) والنَّسائي (٢): هو متروك الحديث. وفيه إبراهيم بن [أبي] يحيى، قال مالك (٣) ويحيى بن سعيد (٣) وابن معين (٤): هو كَذَّاب، وقال الدارقطني (٥): متروك [الحديث] (٦)، فإن لم تصح هذه الأحاديث لم يُلتفت إليها، وإن صحت وجب حملها على من وهب للعِوَض، وباللَّه التوفيق. [رد القضاء بالقافة] المثال السادس والعشرون: رد السنة المحكمة في القضاء بالقَافَة (٧)، وقالوا: هو خلاف الأصول، ثم قالوا: لو ادّعاه اثنان ألحقناه بهما، وكان هذا مقتضى الأصول (٨). ونظير هذا: [رد جعل الأمة فراشًا] المثال السابع والعشرون: رد السنة المحكمة الثابتة (٩) في جعل الأمة فراشًا وإلحاق الولد بالسيد وإنْ لم يدّعه، وقالوا: هو خلاف الأصول، والأمة لا تكون فراشًا، ثم قالوا: لو تزوَّجها وهو بأقصى بقعة من المشرق وهي بأقصى بقعة من المغرب وأتت بولد لستة أشهر لَحِقه، صمان علمنا بأنهما لم يتلاقيا قط (١٠)، وهي فراشٌ بالعقد، فأمته التي يطؤها ليلًا ونهارًا ليست بفراش، وهذه فراش، وهذا مقتضى الأصول، وحكمُ رسول اللَّه ﷺ خلاف الأصول على لازم قولهم!

стр. 1512

[متناقضان من دون السنة] ونظير هذا: قياسُ الحَدث على السَّلام في الخروج من الصلاة بكل واحد منهما، ودعوى أن ذلك موجب الأصول، مع بُعد ما بين الحَدَث والسلام، وترك قياس نبيذ التمر المسكر على عصير العِنَب المُسكر في تحريم قليل كُلٍّ منهما مع شدّة الأخوة بينهما، ودعوى أن ذلك خلاف الأصول. ونظيره أن الذمي لو مَنَع دينارًا واحدًا من الجزية انتقَضَ عهده، وحلَّ دمه وماله، ولو حَرقَ الكعبة البيت الحرام ومسجد رسول اللَّه ﷺ وجاهر بسبِّ اللَّه ورسوله أقبح سمت على رؤوس المسلمين فعهدُه باقٍ ودمُه معصوم، وعدم النقض (١) [بذلك مقتضى الأصول، والنقض] (٢) بمنع الدينار مقتضى الأصول. ونظيره أيضًا إباحة قراءة القرآن بالعجمية، وأنه مقتضى الأصول، ومنع رواية الحديث بالمعنى، وهو خلاف الأصول. ونظيره: إسقاط الحد عمَّن استأجر امرأة (٣) ليزنيَ بها أو تغسل ثيابه فزنى بها، وأن هذا مقتضى الأصول، وإيجاب الحد على الأعمى إذا وَجَد على فراشه امرأة فظنها زوجته فبانت أجنبية. ونظيره أيضًا: منع المصلي من الصلاة بالوضوء من ماء يبلغ قناطير مقنطرة وقعت فيه قطرةُ دم أو بول، وإباحتهم له أن يصلي في ثوبٍ ربعه متلطِّخ بالبول وإن كان عَذِرَة فقَدْرَ راحة الكف (٤). ونظيره: دعواهم أن الإيمان واحد، والناس فيه سواء، وهو مجرد التصديق، وليست الأعمال داخلة في ماهيته (٥)، وأن من مات ولم يُصلِّ صلاةً قط في عمره مع قدرته وصحة جسمه وفراغه فهو مؤمن، وتكفيرهم من يقول: مُسَيجد أو فُقيّه، بالتصغير (٦)، أو يقول للخَمْر أو للسَّماع المُحرَّم: ما أطيبه وألذّه (٧)!

стр. 1513

ونظير ذلك: أنه لو شهد عليه أربعة بالزنا فقال: "صَدَقوا"، سقط عنه الحد بتصديقهم، ولو قال: "كَذبوا علي"، حُدَّ (١). ونظيره: أنه لا يصح استئجار دار تجعل مسجدًا يُصلِّي فيه المسلمون، وتصح إجارتها كنيسة يعبد فيها الصليب والنار. ونظيره: أنه لو قهقه في صلاته بطل وضوءه، ولو غَنَّى في صلاته أو قذف المحصنات أو شهد بالزور فوضوءه بحاله. ونظيره: أنه لو وقع في البئر فارة تنجَّست البئرُ؛ فإذا نُزع منها دلوٌ فالدلو والماء نجسان، ثم هكذا إلى (٢) تمام كذا وكذا دلوًا، فإذا نُزع الدَّلو الذي قبل الأخير فرشرش على حيطان البئر نجَّسها كلها فإذا جاءت النَّوْبة إلى الدلو الأخير قشقش النجاسةَ كُلَّها من البئر وحيطانها وطينها (٣)، بعد أن كانت نجسة. ونظيره: إنكار كون القرعة التي ثبت فيها ستة أحاديث عن رسول اللَّه ﷺ (٤)، وفيها آيتان من كتاب اللَّه (٥) طريقًا للأحكام الشرعية (٦)، وإثبات حل (٧) الوطء بشهادة الزور التي يعلم المقدوح أنها شهادة زور، وبها فرَّق الشاهدان بين الرجل وامرأته (٨). ونظير هذا: إيجاب الاستيراء على السَّيد إذا ملك امرأة بكرًا لا يوطأ مثلها، مع العلم القطعي (٩) ببراءة رحمها، وإسقاطه عمَّن أراد وطء الأمة التي وطئها سيّدُها البارحة ثم اشتراها هو فملَّكها لغيره وكلَّمه (١٠) في تزويجها منه، فقالوا:

стр. 1514

يحلّ له وطؤها، وليس بين وطء بائعها ووطئه هو إلّا ساعة من نهار. ونظير هذا: في التناقض إباحة نكاح المخلوقة من ماء الزاني مع كونها بعضه، مع تحريم المرضعة من لبن امرأته لكون اللّبن ثَابَ بوطئه فقد صار فيه جزء منه. فياللَّه العجب! كيف انتهض هذا الجزء اليسير سببًا للتحريم ثم يباح له وطؤها وهي جزؤه الحقيقي وسُلالته؟ وأين تشنيعُكم وإنكاركم لاستمناء الرجل بيده عند الحاجة خوفًا من العَنَت ثم تجوِّزون له وطء بنته المخلوقة من مائه حقيقة (١)!! ونظير هذا: لو ادّعى على ذمّي حقًا وأقام به شاهدين عبدين عالمين صالحين مقبولة شهادتهما على رسول اللَّه ﷺ لم تُقبل شهادتهما عليه، فإن أقام به شاهدين كافرين حُرَّيْن قبلت شهادتهما عليه مع كَوْنهما من أكذب الخلق على اللَّه وأنبيائه ودينه. ونظير هذا: لو تداعيا حائطًا لأحدهما عليه خشبتان، وللآخر [عليه] (٢) ثلاث خشبات ولا بيّنة فهو كلّه لصاحب الخشبات الثلاث؛ فلو كان لأحدهما ثلاث خشبات وللآخر مئة خشبة فهو بينهما نِصْفين. ونظير هذا: لو اغتصب نصراني رجلًا على ابنته أو امرأته أو حُرمته وزنى بها ثم شَدَخ رأسها بحجر أو رمى بها من أعلى شاهق فماتت (٣) فلا حَدَّ عليه ولا قصاص؛ فلو قتله المسلم صاحب الحرمة بقصبة محددة (٤) قُتلْ به. ونظير هذا: أنه لو أُكره على قتل ألف مسلم أو أكثر بسَجن شهرٍ وأخذ شيء من ماله فقتلهم فلا قَوَد عليه ولا ديّة، حتى إذا أكره بالقتل على عتق أمته أو طلاق زوجته لزمه حكم الطلاق والعتق، ولم يكن الإكراه مانعًا من نفوذ حكمنا عليه، مع أن اللَّه سبحانه أباح التكلّم بكلمة الكفر مع الإكراه، ولم يُبح قتل المسلم بالإكراه أبدًا. ونظير هذا: إبطال الصلاة بتسبيح مَنْ نابه شيء في صلاته، وقد أمر به النبيّ ﷺ (٥)، وتصحيح صلاة مَنْ ركع ثم خرَّ ساجدًا من غير أن يقيم صلبه، وقد

стр. 1515

أبطلها النبيّ ﷺ بقوله: "لا تُجزئ صلاة لا يقيمُ الرجل فيها صُلبه في ركوعه وسجوده" (١)، ودعوى أن ذلك مقتضى الأصول. ونظيره [أيضًا] (٢): إبطال الصلاة بالإشارة لردِّ السلام أو غيره، وقد أشار النبيّ ﷺ في صلاته بردِّ السلام (٣)، وأشار الصحابة برؤوسهم تارة وبأكفّهم تارة (٤)، وتصحيحها مع ترك الطمأنينة، وقد أمر بها النبيّ ﷺ ونفى الصلاة بدونها (٥)، وأخبر أن صلاة النقر صلاة المُنافقين (٦)، وأخبر حذيفة أنَّ مَنْ صلَّى

стр. 1516

كذلك لقي اللَّه على غير الفطرة التي فطر اللَّه عليها رسوله ﷺ (١)، وأخبر النبيّ ﷺ أنَّ مَنْ لا يُتم ركوعه ولا سجوده أسوأ الناس سرقةً (٢)، وهذا يدلّ على أنه أسوأ حالًا عند اللَّه من سُرَّاق الأموال.

стр. 1517

ونظير هذا قولهم: لو أن رجلًا مسلمًا طاهر البدن عليه جنابة غَمَسَ يده في بئر بنيّة رفع الحدث صارت البئر كلها نجسة، يحرم شرب مائها والوضوء منه والطبخ به؛ فلو اغتسل فيها مئة نصراني قُلُف (١) عابدو الصَّليب أو مئة يهودي فماؤها باقٍ على حاله طاهر مطهِّر يجوز الوضوء به (٢) وشربه والطبخ به. ونظيره: لو ماتت فارة في ماء فصُبَّ ذلك الماء في بئر لم يُنزح منها إلّا عشرون دلوًا فقط، وتطهُر بذلك، ولو توضأ رجل مسلم طاهر الأعضاء بماء فسقط ذلك الماء في البئر فلا بدّ من أن تُنزحَ [البئر] (٣) كلها. ونظير هذا قولهم: لو عقد على أُمِّه أو أخته أو بنته ووطئها، وهو يعلم أن اللَّه حرَّم ذلك فلا حَدَّ عليه لأن صورة العقد شُبهة، ولو رأى امرأةً في الظلمة ظنّها امرأته فوطئها فعليه الحد ولم يكن ذلك شبهة. ونظيره قولهم: لو أنه رَشَا شاهدين فشهدا بالزور المَحْض أن فلانًا طلَّق امرأته ففرَّق الحاكم بينهما جاز له أن يتزوّجها ويطاها حلالًا، [بل] (٤) ويجوز لأحد الشاهدين ذلك؛ فلو حكم حاكم بصحة هذا العقد لم يجز نقضُ حكمه، ولو حكم حاكمٌ بالشاهد واليمين لنقض حكمه، وقد حكم به النبيّ ﷺ ! (٥). ونظير ذلك قولهم: لو تزوج امرأة فخرجت مجنونة بَرْصاء من قرنها إلى قدمها مجذومة (٦) عمياء مقطوعة الأطراف فلا خَيارَ له، وكذلك إذا وجدت هي الزوج كذلك فلا خيار لها، وإن خرج [الزوج] (٧) من خيار عباد اللَّه وأغناهم

стр. 1518

وأجملهم وأعلمهم وليس له أبوان في الإسلام وللزوجة أبوان في الإسلام فلها الفسخ بذلك (١). ونظيره قولهم: يصح نكاح الشِّغَار (٢)، ويجب فيه مهر المثل، وقد صح نهيُ رسول اللَّه ﷺ عنه وتحريمه إياه (٣)، ولا يصح نكاح من أعتق أمةً وجعَلَ عِتقَها صداقها، وقد فعله رسول اللَّه ﷺ (٤). ونظيره قولهم: يصحُّ نكاحُ التحليل، وقد صح لعنة رسول اللَّه ﷺ لمن فعله من رواية عبد اللَّه بن مسعود وأبي هريرة وعليّ بن أبي طالب (٥)، ولا يصح نكاح الأمة لمضطرٍ خائف العَنَت عادم الطَّوْل إذا كانت تحته حُرَّة ولو كانت عجوزًا شوهاء لا تعفّه. ونظيره قولهم: يجوز بيع الكلب، وقد منع منه النبيّ ﷺ (٦)، وتحريم بيع المدَبَّر، وقد باعه رسول اللَّه ﷺ (٧).

стр. 1519

ونظيره قولهم: للجار أن يمنع جاره أن يَغْرزَ خشبةَ هو محتاجٌ إلى غرزها في حائطه، وقد نهاه رسول اللَّه ﷺ عن مَنْعه (١)، وتسليطهم إياه على انتزاع داره كلها منه بالشُّفعة بعد وقوع الحدود وتصريف الطُّرق، وقد أبطلها النبيّ ﷺ (٢). ونظيره قولهم: لا يحكم بالقَسَامة لأنها خلاف الأصول، ثم قالوا: يحلف الذين وُجد (٣) القتيل في محلتهم ودارهم خمسين يمينًا ثم يُقْضَى عليهم بالديّة، فياللَّه العجب! كيف كان هذا وفق الأصول وحكم رسول اللَّه ﷺ خلاف الأصول؟!! ونظيره قولهم: لو تزوّج امرأة فقالت له امرأة أخرى: أنا أرضعتُك وزوْجَتَكَ، أو قال له رجل: هذه أختك من الرضاعة، جاز له تكذيبها ووطء الزوجة، مع أن هذه هي الواقعة التي أَمَر رسول اللَّه ﷺ عقبة بن الحارث بفراق امرأته لأجل قول الأمَةِ السوداء أنها أرضعتهما (٤). ولو اشترى طعامًا أو ماءً فقال له رجل: هذا ذبيحة مجوسي أو نجس لم يسعه أن يتناوله، مع أن الأصل في الطعام والماء الحل، والأصل في الأبضاع التحريم، ثم قالوا: لو (٥) قال المُخبر: "هذا الطعام والشراب لفلان سَرَقه أو غصبه منه فلان"، وَسِعَهُ أن يتناوله. ونظيره قولهم (٦): لو أسلم وتحته أختان وخيَّرناه فطلَّق إحداهما كانت هي المختارة، والتي أمسكها هي المفارقة، قالوا: لأن الطلاق لا يكون إلّا في زوجة، وأصحاب أبي حنيفة (٧) تخلَّصوا من هذا بأنَّه إنْ عَقَد على الأختين في عقد واحد فسد نكاحهما واستأنف نكاحَ مَنْ شاء منهما، وإن تزوج واحدة بعد واحدة فنكاح الأُولى هو الصحيح، ونكاح الثانية فاسد. ولكن لزمهم نظيره في مسألة العبد: إذا تزوَّج بدون إذن سيده كان موقوفًا

стр. 1520

على إجازته (١)، فلو قال له: "طلِّقها طلاقًا رجعيًا"، كان ذلك إجازة منه للنكاح، فلو قال له: "طلِّقها"، ولم يقل: "رجعيًا"، لم يكن إجازة للنكاح مع أن الطلاق في هذا النكاح لا يكون [إلا] (٢) رجعيًا إلا بعد الإجازة (٣)، وقبل الدخول، وأمّا قبل الإجازة والدخول فلا ينقسم إلى بائنٍ ورجعي. [من أدرك ركعة من الصبح] المثال الثامن والعشرون: رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في أن من أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلعَ الشمس فقد أدرك الصبح (٤)، بكونها خلاف الأصول وبالمتشابه من نهيه ﷺ عن الصلاة وقت طلوع الشمس (٥)، قالوا: والعامُّ عندنا يُعارض الخاص فقد تَعارضَ حاظرٌ ومُبيح، فقدَّمنا الحاظر احتياطًا؛ فإنه يُوجب عليه إعادة الصلاة، وحديث الإتمام يُجوِّز له المضي فيها، وإذا تعارضا صِرْنا إلى النص الذي يوجب الإعادة لنتيقَّن براءة الذمة، فيقال: لا ريب أن

стр. 1521

قوله ﷺ : "مَنْ أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فليتمّ صلاته، ومن أدرك ركعة من الصبح قبل أن تطلع الشمس فليتم صلاته" (١)، حديث واحد، قاله ﷺ في وقت واحد، وقد وجبت طاعته في شطره؛ فتجب طاعته في الشطر الآخر، وهو محكم خاص لا يحتمل إلا وجهًا واحدًا، لا يحتمل غيره ألبتَّة، وحديث النهي عن الصلاة في أوقات النهي (٢) عامٌّ مجمل قد خُص منه عصر يومه بالإجماع، وخُصّ منه قضاء الفائتة والمنسية بالنَّص (٣)، وخص منه ذوات الأسباب بالسنة كما قضى النبيّ ﷺ سنة الظهر بعد العصر (٤)، وأقرَّ مَنْ قضى سنة الفجر بعد صلاة الفجر، [وقد أعلمه أنها سنة الفجر] (٥)، وأمر من صلَّى في رَحْله ثم

стр. 1522

جاء مسجد جماعة أن يُصلّى معهم وتكون له نافلة، قاله (١) في صلاة الفجر، وهي

стр. 1523

سبب الحديث (١)، وأمر الداخلَ والإمامَ يخطب أن يصلي تحية المسجد قبل أن يجلس (٢)، وأيضًا فإن الأمر بإتمام الصلاة، وقد طلعت الشمس فيها أمر بإتمام لا ابتداء (٣)، والنهي عن الصلاة في ذلك الوقت نهيٌ عن ابتدائها لا عن استدامتها؛ فإنه لم يقل: لا تتمّوا الصلاة في هذا (٤) الوقت، وإنما قال: لا تصلّوا. [فرق بين الابتداء والدوام] وأين أحكام الابتداء من الدوام، وقد فرَّق النص والإجماع والقياس بينهما؟ فلا تؤخذ أحكامُ الدَّوام من أحكام الابتداء ولا أحكام الابتداء من أحكام الدوام في عامة مسائل الشريعة؛ فالإحرام يُنافي ابتداء النكاح والطيب دون استدامتهما، والنكاح ينافي قيام العدة والردة دون استدامتهما، والحدث يُنافي ابتداء المسح على الخفين دون استدامته، وزوال خوف العنت ينافي ابتداء النكاح على الأمة

стр. 1524

دون استدامته عند الجمهور، والزنا من المرأة ينافي [ابتداء] (١) عقد النكاح دون استدامته عند الإمام أحمد ومن وافقه (٢)، والذهول عن نية العبادة ينافي ابتداءها دون استدامتها، وفقد الكفاءة ينافي لزوم النكاح في الابتداء دون الدوام، وحصول الغنى ينافي جواز الأخذ من الزكاة ابتداء [ولا ينافيه] (٣) [دون] (٤) دوامه، وحصول الحجر بالسفه والجنون ينافي ابتداء العقد من المحجور عليه ولا ينافي دوامه، وطرءان ما يمنع الشهادة من الفسق والكفر والعداوة بعد الحكم بها لا يمنع العمل بها على (٥) الدوام ويمنعه في الابتداء، والقدرة على التكفير بالمال تمنع التكفير بالصوم ابتداء لا دوامًا، والقدرة على هدي التمتع تمنع الانتقال إلى الصوم ابتداء لا دوامًا (٦)، والقدرة على الماء تمنع ابتداء التيمّم اتفاقًا، وفي منعه لاستدامة الصلاة بالتيمّم خلاف بين أهل العلم (٧)، ولا تجوز إجارة العين المغصوبة ممن لا يقدر على تخليصها، ولو غصبها بعد العقد من لا يقدر المستأجر على تخليصها منه لم تنفسخ الإجارة وخُيّر المستأجر بين فسخ العقد وإمضائه، ويمنع أهل الذمة

стр. 1525

من ابتداء إحداث كنيسة في دار الإسلام ولا يمنعون من استدامتها، ولو حلف لا يتزوج أو لا يتطيّب أو لا يتطهّر فاستدام ذلك لم يحنث وإن ابتدأه حنث، وأضعاف أضعاف ذلك من الأحكام التي يُفرَّق فيها بين الابتداء والدوام؛ فيحتاج في ابتدائها إلى ما لا يحتاج إليه في دوامها، وذلك لقوة الدوام وثبوته واستقرار حكمه، وأيضًا فهو مستصحب بالأصل، وأيضًا فالدفع أسهل من الرفع (١)، وأيضًا فأحكام التَّبَع يثبت فيها ما لا يثبت في المتبوعات، والمُستدام تابع لأصله الثابت؛ فلو لم يكن في المسألة نص لكان القياس يقتضي صحة ما ورد به النص، فكيف وقد توارد عليه النص والقياس؟. [عدم تعارض شيئين في هذه المسألة] فقد تبيَّن أنه لم يتعارض في هذه المسألة عام وخاص ولا نص وقياس، بل النص فيها والقياس متفقان، والنص العام لا يتناول مورد الخاص ولا هو داخل تحت لفظه، ولو قُدّر صلاحية لفظه له فالخاص بيان لعدم إرادته، فلا يجوز تعطيل حكمه وإبطاله، بل يتعين إعماله واعتباره، ولا تضرب (٢) أحاديث رسول اللَّه ﷺ بعضها ببعض، وهذه القاعدة أولى من القاعدة التي تتضمن إبطال إحدى السُّنتين وإلغاء أحد الدليلين (٣)، واللَّه الموفق. [موازنة بين صورتين بطلت فيهما الصلاة] ثم نقول: الصورة التي أبطلتم فيها الصلاة -وهي حالة طلوع الشمس- وخالفتم السنة أولى بالصحة من الصورة التي وافقتم فيها السنة؛ فإنه إذا ابتدأ العصر قبل الغروب فقد ابتدأها في وقت نهي، وهو وقت ناقص، بل هو أولى الأوقات بالنقصان، كما جعل النبيّ ﷺ وقت صلاة المنافقين حين تصير الشمس بين قرنَيْ شيطان، وحينئذٍ يسجد لها الكفار (٤)، وإنما كان النهي عن الصلاة قبل

стр. 1526

ذلك الوقت تحريمًا له وسدًا للذريعة (١)، وهذا بخلاف من ابتدأ الصلاة قبل طلوع الشمس؛ فإن الكفار حينئذ لا يسجدون لها، بل ينتظرون بسجودهم طلوعها فكيف يُقال: تبطل صلاة من ابتدأها في وقت تام لا يسجد فيه الكفار للشمس وتصح صلاة من ابتدأها وقت سجود الكفار للشمس سواء، وهو الوقت الذي تكون فيه بين قرني الشيطان فإنه حينئذ يقارنها ليقع السجود له كما يقارنها وقت الطلوع ليقع السجود له؟ فإذا كان ابتداؤها وقت مقارنة الشيطان لها غير مانع من صحتها فلأن تكون استدامتها وقت مقارنة الشيطان غير مانع من الصحة بطريق الأولى والأحرى، فإن كان في الدنيا قياس صحيح فهذا من أصحّه؛ فقد تبيّن أنَّ الصورة التي خالفتم فيها النص أولى بالجواز قياسًا من الصورة التي وافقتموه فيها. [القياس الصحيح] وهذا مما حصّلته عن شيخ الإسلام -قدس اللَّه روحه- وقت القراءة عليه، وهذه كانت طريقته، وإنما يقرّر أن القياس الصحيح هو ما دلّ عليه النص، وأن من خالف النص للقياس فقد وقع في مخالفة القياس والنص معًا (٢)، وباللَّه التوفيق. ومن العجب أنهم قالوا: لو صلَّى ركعة من العصر ثم غربت الشمس صحت صلاته وكان مدركًا لها؛ لقول رسول اللَّه ﷺ : "من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر" (٣)، وهذا شطر الحديث، وشطره الثاني: "ومن أدرك ركعة من الفجر قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الفجر" (٣). [دفع اللقطة إلى الذي يصفها] المثال التاسع والعشرون: رد السنة الثابتة المحكمة الصريحة في دفع اللقطة إلى من وَصف عِفاصَها (٤)، ووِعَاءها ووِكَاءَها (٥)، وقالوا: هو مخالف للأصول،

стр. 1527

فكيف يُعطى المُدَّعي بدعواه من غير بيّنة؟ ثم لم ينشبوا [إلى] (١) أن قالوا: من ادّعى لقيطًا عند غيره ثم وصف علامات في بدنه فإنه يُقضى له [به] (٢) بغير بيّنة، ولم يروا ذلك خلاف الأصول، وقالوا: من ادعى خُصًّا (٣) ومعاقد قُمطه من جهته قُضي له به ولم يكن ذلك خلاف الأصول، ومن ادعى حائطًا ووجوه الآجر من جهته قُضي له به، ولم يكن ذلك خلاف الأصول، ومن ادّعى مالًا على غيره فأنكر ونكل عن اليمين قُضي له بدعواه ولم يكن ذلك خلاف الأصول، وإذا ادّعى الزوجان ما في البيت قُضِيَ لكل واحد منهما بما يناسبه، ولم يكن ذلك خلاف الأصول. ونحن نقول: ليس في الأصول ما يُبطل الحكم بدفع اللقطة إلى واصفها ألبتّة، بل هو مقتضى الأصول (٤)؛ فإن الظنّ المستفاد بوصفه أعظم من الظن المستفاد بمجرد النكول، بل وبالشاهدين، فوصفه بيّنة ظاهرة على صحة دعواه، لا سيما ولم يعارضه معارض؛ فلا يجوز إلغاء دليل صدقه مع عدم معارض أقوى منه؛ فهذا خلاف الأصول حقًا لا موجب السنة. [صلاة من تكلم في الصلاة ناسيًا] المثال الثلاثون: رد السنة الثابتة المحكمة الصريحة في صحة صلاة من تكلَّم فيها جاهلًا أو ناسيًا (٥)، بأنها خلاف الأصول، ثم قالوا: من أكل في رمضان أو شرب ناسيًا صح صومه، مع اعترافهم بأن ذلك على خلاف الأصول والقياس، ولكن تبعنا فيه السُّنة (٦)، فما الذي منعكم من تقديم السّنة الأخرى على القياس والأصول كما قدَّمتم خبر القَهْقهة في الصلاة والوضوء بنبيذ التمر وآثار الآبار (٧) على القياس والأصول؟!. [اشتراط البائع منفعة المبيع مدة] المثال الحادي والثلاثون: رد السنة الثابتة المحكمة في اشتراط البائع منفعة

стр. 1528

المبيع مدة معلومة (١) بأنها خلاف الأصول، ثم قالوا: يجوز بيع الثمرة قبل بدوّ صلاحها بشرط القطع في الحال مع العلم بأنها لو قُطعت لم تكن مالًا ينتفع به ولا يساوي شيئًا ألبتّة، ثم لهما أن يتّفقا على بقائها إلى حين الكمال، ودعوى أن ذلك موافق للأصول، وهو عين ما نَهى عنه النبيّ ﷺ (٢). [تخيير الولد بين أبويه] المثال الثاني والثلاثون: رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في تخيير النبيّ ﷺ الولد بين أبويه (٣)، وقالوا: هو خلاف الأصول، ثم قالوا: إذا زَوَّج الولي غير الأب الصغيرة صحَّ وكان النكاح لازمًا، فإذا بلغت انقلب جائزًا وثبَتَ لها الخيار بين الفسخ والإمضاء، وهذا وفق الأصول. [فياللَّه العجب] (٤)! أين في الأصول -التي هي كتاب اللَّه وسنّة رسوله وإجماع الأمة المُستند إلى الكتاب والسنّة- موافقة هذا الحكم للأصول ومخالفة حكم رسول اللَّه ﷺ بالتخيير بين الأبوين للأصول (٥)؟. [رجم الكتابيين] المثال الثالث والثلاثون: رد السنَّة الثابتة الصحيحة الصريحة المحكمة في

стр. 1529

رجم الزانيين الكتابيين (١)، بأنها خلاف الأصول، وسقوط الحد عَمَّن عقد على أُمّه ووطئها، وأن هذا هو مقتضى الأصول. فيا عجبًا لهذه الأصول التي مَنَعت إقامة الحد على من أقامه [عليه] (٢) رسول اللَّه ﷺ وأسقطته عمن لم يُسقطه عنه! فإنه ثبت عنه أنه أرسل البراء بن عازب إلى رجل تزوج امرأة أبيه أن يضرب عُنقَه ويأخذ ماله (٣)، فواللَّه ما رضي له بحدّ الزاني حتى حَكَم عليه بضرب العنق وأخذ المال، وهذا هو الحق المحض؛ فإن جريمته أعظمُ من جريمة من زنى بامرأة أبيه من غير عقد، فإن هذا ارتكب محظورًا [واحدًا] (٤)، والعاقد

стр. 1530

عليها ضَمَّ إلى جريمة الوطء جريمة العقد الذي حرَّمه اللَّه، فانتهك حرمة شرعه بالعقد، وحُرمةَ أُمّه بالوطء، ثم يقال: الأصول تقتضي سقوط الحد عنه، وكذلك حكم النبيّ ﷺ برجم اليهوديين (١) هو من أعظم الأصول، فكيف رُدَّ هذا الأصل العظيم بالرأي الفاسد ويقال: إنه مقتضى الأصول (٢)؟. فإن قيل: إنما حكم رسول اللَّه ﷺ بالرجم بما في التوراة إلزامًا لهما بما اعتقدا صحته. قيل: هب أن الأمر كذلك، أفحكمٌ بحق يجب اتباعه وموافقته وتحرم مخالفته أم بغير ذلك؟ فاختاروا أحد الجوابين ثم اذهبوا إلى ما شئتم. [الوفاء بالشروط في النكاح وفي البيع] المثال الرابع والثلاثون: رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في وجوب الوفاء بالشروط (٣) في النكاح، [و] (٤) أنها أحقُّ الشروط بالوفاء على الإطلاق (٥)، بأنها خلاف الأصول، والأخذ بحديث النهي عن بيع وشرط (٦) الذي لا يُعلم له إسناد يصح، مع مخالفته للسنة الصحيحة والقياس ولانعقاد الإجماع على خلافه، ودعوى أنه موافق للأصول؛ أما مخالفته للسنة الصحيحة فإن جابرًا باع بعيره وشرط ركوبه إلى المدينة (٧)، والنبيّ ﷺ قال: "مَنْ باع عبدًا وله مال فمالُه للبائع

стр. 1531

إلّا أن يشترطه المبتاع" (١)، فجعله للمشتري بالشرط الزائد على عقد البيع، وقال: "مَن باع نخلًا قد أُبِّرت فثمرها للذي باعها إلّا أن يشترَطها المبتاع" (٢)، فهذا بيع وشرط ثابت بالسنة الصحيحة الصريحة، وأمّا مخالفته للإجماع فالأمة مجمعة على جواز اشتراط الرَّهن والكَفيل والضَّمين والتأجيل والخيار ثلاثة أيام ونقد غير نقد البلد فهذا بيع وشرط متفق عليه، فكيف يُجعل النهي عن بيع وشرط موافقًا للأصول وشروط النكاح التي هي أحق الشروط بالوفاء مخالفة للأصول (٣)؟. [المزارعة] المثال الخامس والثلاثون: رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في دفع الأرض بالثُّلث والربع مزارعة (٤)، بأنها خلاف الأصول (٥)، والأخذ بالحديث الذي لا يثبت بوجه أنه: "نهى عن قَفيز الطَّحَّان" (٦)، وهو أن يدفع

стр. 1532

حِنْطة (١) إلى مَنْ يطحَنُها بقفيزٍ منها أو غزله إلى مَنْ ينسجه ثوبًا بجزء منه أو زيتونه إلى من يعصره بجزءٍ منه ونحو ذلك مما لا غَرَر فيه ولا خَطَر ولا قِمَارَ ولا جهالة ولا أكل مال بالباطل، بل هو نظير دفع ماله إلى من يتجر فيه بجزءٍ من الربح، بل أولى؛ فإنه قد لا يربح [المال] (٢) فيذهب عمله مجانًا، وهذا لا يذهب عمله مجانًا؛ فإنه يطحن الحب ويعصر الزيتون ويحصل على جزء منه يكون [به] (٢) شريكًا لمالكه، فهو أولى [بالجواز] (٢) من المضاربة، فكيف يكون المنع منه موافقًا للأصول والمزارعة التي فعلها رسول اللَّه ﷺ وخلفاؤه الراشدون خلاف الأصول؟.

стр. 1533

[صيد المدينة] المثال السادس والثلاثون: رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة التي رواها بضعة وعشرون صحابيًا في أن المدينة حرم يحرمُ صيدها (١)، ودعوى أن ذلك خلاف الأصول، ومعارضتها بالمتشابه من قوله ﷺ : "يا أبا عُمير، ما فعل النُّغير" (٢)، ويا للَّه العجب! أيّ الأصول التي خالفتها هذه السنن، وهي من أعظم الأصول؟ فهلّا رُدّ حديث أبي عُمير لمخالفته لهذه الأصول؟ ونحن نقول: معاذ اللَّه أن نرد لرسول اللَّه ﷺ سنة صحيحة غير معلومة النسخ أبدًا! وحديث أبي عمير يَحتمل أربعة أوجه قد ذَهَبَ إلى كلٍّ منها طائفة. أحدها: أن يكون متقدمًا على أحاديث تحريم المدينة فيكون منسوخًا. الثاني: أن يكون متأخرًا عنها معارضًا لها فيكون ناسخًا. الثالث: أن يكون النغير مما صِيدَ خارج المدينة ثم أُدخل المدينة كما هو الغالب من الصيود. الرابع: أن يكون رخصة لذلك الصغير دون غيره، كما رخص لأبي بُردة في التَّضحية بالعَنَاق دون غيره (٣)؛ فهو متشابه كما تَرَى، فكيف يُجعل أصلًا يقدم على تلك النصوص الكثيرة المحكمة الصريحة التي لا تحتمل إلّا وجهًا واحدا؟. [نصاب المعشرات] المثال السابع والثلاثون: رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في تقدير نصاب المعَشَّرات بخمسة أوسق (٤) بالمتشابه من قوله: "فيما سَقَت السماءُ العشر،

стр. 1534

وما سُقي بنَضْحٍ أو غَرْب فنصف العُشر" (١)، قالوا: وهذا يعم القليل والكثير (٢)، وقد عارضه الخاص، ودلالة العام قطعية كالخاص، وإذا تعارضا قُدّم الأحوط، وهو الوجوب؛ فيقال: يجب العمل بكلا الحديثين، ولا يجوز معارضة أحدهما بالآخر وإلغاء أحدهما بالكلية؛ فإن طاعة الرسول فرضٌ في هذا وفي هذا، ولا

стр. 1535

تعارض بينهما بحمد اللَّه بوجه من الوجوه؛ فإن قوله: "فيما سقت السماء العشر"، إنما أُريد به التمييز بين ما يجب فيه العشر وما يجب فيه نصفه، فذكر النوعين مفرقًا بينهما في مقدار الواجب، وأما مقدارُ النِّصاب فسكَتَ عنه في هذا الحديث، وبيَّنه نصًا في الحديث الآخر، فكيف يجوز العدول عن النَّص الصحيح الصريح المحكم الذي لا يحتمل غير ما دل عليه ألبتة إلى المجمل المتشابه الذي غايته أن يُتعلَّق فيه بعمومٍ لم يُقصد، وبيانه بالخاص المحكم المبين كبيان سائر العمومات بما يخصُّها من النصوص؟ وياللَّه العجب! كيف يخصّون عموم القرآن والسنة بالقياس الذي أحسن أحواله أن يكون مُختلَفًا في الاحتجاج به، وهو محل اشتباه واضطراب؟ إذ ما من قياسٍ إلّا ويمكن معارضته بقياس مثله أو دونه أو أقوى منه، بخلاف السنة الصحيحة الصريحة فإنها لا يعارضها إلا سنة ناسخة معلومة التأخر والمخالفة، ثم يُقال: إذا خصَّصتم عموم قوله: "فيما سقت السماء العشر" (١)، بالقَصَب والحَشيش ولا ذِكرَ لهما في النص فهلَّا خصصتموه بقوله: "لا زَكَاة في حبٍّ ولا ثمرٍ حتى يبلغَ خمسة أوسق" (٢)؟، وإذا كنتم تخصّون العموم بالقياس فهلا خصَّصتم هذا العام بالقياس الجلي الذي هو من أجلى القياس وأصحه على سائر أنواع المال الذي تجب فيه الزكاة؟ فإن الزكاة الخاصة لم يشرعها اللَّه (٣) في مال إلا وجعل له نصابًا كالمواشي والذهب والفضة؟ ويقال أيضًا: هلَّا أوجبتم الزكاة في قليل كُلِّ مالٍ وكثيره عملًا بقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ [التوبة: ١٠٣]، وبقوله ﷺ : "ما من صاحب إبلٍ ولا بقر لا يُؤدي زكاتها إلا بُطح (٤) لها يوم القيامة بقاعٍ قَرْقر" (٥)، وبقوله: "ما من صاحب ذهب ولا فضّة لا يؤدي زكاتها إلّا صُفِّحت له يوم القيامة صفائحَ من نار" (٦)، وهلَّا كان العموم (٧) عندكم مقدمًا على أحاديث النُّصُب الخاصة؟ وهلا قلتم: هناك تعارض مسقط وموجب فقدَّمنا الموجب احتياطًا؟ وهذا في غاية الوضوح، وباللَّه التوفيق.

стр. 1536

[أقل المهر] المثال الثامن والثلاثون: رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في جواز النِّكاح بما قلَّ من المهر ولو خاتمًا من حديد (١) مع موافقتها لعموم القرآن في قوله: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ﴾ [النساء: ٢٤]، وللقياس في جواز التراضي بالمعاوضة على القليل والكثير، بأَثرٍ لا يثبت وقياس من أفسد القياس على قطع يد السارق، وأين النكاح من اللصوصية؟ وأين استباحة الفرج به من قطع (٢) اليد في السرقة (٣)؟ وقد تقدم مرارًا أن أصح الناس قياسًا أهل الحديث، وكلّما كان الرجل إلى الحديث أقرب كان قياسه أصح، وكلما كان عن الحديث أبعد كان قياسه أفسد. [من أسلم وتحته أختان] المثال التاسع والثلاثون: رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة فيمن أسلم وتحته أختان أنه يختر في إمساك مَنْ شاء منهما وتَرْك الأخرى (٤)، بأنه خلاف الأصول، وقالوا: قياس الأصول يقتضي أنه إن نكح واحدةً بعد واحدة فنكاح الثانية هو المردود، ونكاح الأولى هو الصحيح من غير تخيير، وإن نكحهما معًا فنكاحهما باطل، ولا تخيير، وكذلك حديث مَنْ أسلَم على عشرة نسوة، وربما أوَّلوا التخيير بتخييره في ابتداء العقد على من شاء من المنكوحات، ولفظ الحديث يأبى هذا التأويل أشد الإباء؛ فإنه قال: "أَمْسِك أربعًا وفارق سائِرَهنّ" (٥)، رواه

стр. 1537

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1538

مَعْمر، عن الزُّهري، عن سالم، عن أبيه أن غيلان أَسْلَم فذكره، قال مسلم: هكذا روى معمر هذا الحديث بالبصرة، فإن رواه عنه ثقة خارج البصريين حكمنا له بالصحة -أو قال: صار الحديث [صحيحًا] (١) - وإلا فالإرسالُ أولى، قال البيهقي: فوجدنا سُفيان بن سعيد الثوريّ، وعبد الرحمن بن محمد المُحَاربيّ، وعيسى بن يونس -وثلاثتهم كوفيون- حَدّثوا به عن معمر متصلًا، وهكذا رُوي عن يحيى بن أبي كثير، وهو يَمامَي (٢)، وعن الفضل بن موسى، وهو خُراساني،

стр. 1539

عن معمر متصلًا عن النبيّ ﷺ ، فصحَّ الحديث بذلك (١)، وقد رُوي عن أيوب السّختياني، عن نافع وسالم، عن ابن عمر متصلًا، قال أبو علي الحافظ: تفرّد به سوَّار (٢) بن مُجَشِّر عن أيوب، وسوار بصري ثقة، قال الحاكم: رواة هذا الحديث كلهم ثقات تقوم الحجة بروايتهم. وقد روى أبو داود عن فَيْروز الدَّيْلميّ قال: قلتُ: يا رسول اللَّه إني أسلمت وتحتي أختان، قال: "طلِّق أيتهما شئت" (٣)، فهذان الحديثان هما الأصول التي

стр. 1540

نَردُّ ما خالفها من القياس (١)، أمَّا أن نقعِّد قاعدة ونقول (٢): هذا هو الأصل ثم نرد السنة لأجل مخالفة تلك القاعدة فلعمرُ اللَّه لهدم ألف قاعدة لم يؤصِّلها اللَّه ورسوله أفرضُ علينا من رد حديث واحد! وهذه القاعدة معلومة البطلان من الدين؛ فإن أنكحة الكفار لم يتعرض لها النبيّ ﷺ كيف وقعت وهل صَادَفت الشروط المعتبرة في الإسلام فتصح أم لم تُصادفها فتبطل (٣)، وإنما اعتبر حالها وقت إسلام الزوج؛ فإن كان ممن يجوزُ له المقام مع امرأته أقرَّهما، ولو كان في الجاهلية قد وَقَع على غير شرطه من الوَلي والشهود وغير ذلك، وإن لم يكن الآن ممن يجوز له الاستمرار لم يقر عليه كما لو أسلم وتحته ذات رحم محرم أو أختان أو أكثر من أربع؛ فهذا هو الأصل الذي أصَّلته سنةُ رسول اللَّه ﷺ ، وما خالفه فلا يُلتفت إليه، واللَّه الموفق. [التفريق بين الذي يسلم وبين امرأته] المثال الأربعون: رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة أنَّ رسول اللَّه ﷺ : "لم يكن يُفرِّق بين من أسلم وبين امرأته إذا لم تسلم معه، بل متى أسلم الآخر فالنكاح بحاله ما لم تتزوج" (٤)، هذه سنته المعلومة. قال الشافعيُّ: أسلم أبو سُفيان بن حرب بمرّ الظَّهران (٥)، وهي دار خزاعة، وخزاعة مسلمون قبل الفتح في (٦) دار الإسلام، ورجع إلى مكة، وهند بنت عتبة

стр. 1541

مقيمة على غير الإسلام، فأخذت بلحيته، وقالت: اقتلوا الشيخ الضَّال، ثم أسلمت هند بعد إسلام أبي سفيان بأيام كثيرة، وقد كانت كافرة مقيمة بدار ليست بدار الإسلام، وأبو سفيان بها مسلم وهند كافرة، ثم أسلمت قبل انقضاء العدة واستقرا على النكاح؛ لأن عدّتها لم تنقض حتى أسلمت، وكان كذلك حكيم بن حزام وإسلامه، وأسلمت امرأة صفوان بن أمية وامرأة عكرمة بن أبي جهل بمكة، وصارت دارهما دار الإسلام وظهر حكم رسول اللَّه ﷺ بمكة وهرب عكرمة إلى اليمن وهي دار حرب، وصفوان يريد اليمن وهي دار حرب، ثم رجع صفوان إلى مكة وهي دار الإسلام وشهد حُنَيْنًا، وهو كافر ثم أسلم فاستقرت امرأته عنده بالنكاح الأول، وذلك أنه لم تنقض عدتها (١)، وقد حَفظَ أهلُ العلم بالمغازي أن امرأةً من الأنصار كانت عند رجلٍ بمكة فأسلمت وهاجرت إلى المدينة، فقدم زوجها وهي في العدة، فاستقرّا على النكاح (٢). قال الزُّهريُّ: لم يبلغني أن امرأةً هاجرت إلى اللَّه ورسوله وزوجها كافر مقيم بدار الكفر (٣) إلّا فرّقت هجرتُها بينها وبين زوجها إلا أن يقدم زوجها مهاجرًا قبل أن تنقضي عدتها، وإنه لم يبلغنا أن امرأةً فُرِّق بينها وبين زوجها إذا قَدِمَ وهي في عدّتها (٤). وفي "صحيح البخاري" عن ابن عباس قال: كان المشركون على منزلتين من النبيّ ﷺ : أهل حرب يقاتلهم ويقاتلونه، وأهل عهد لا يقاتلهم ولا يقاتلونه؛ فكان إذا هاجرت امرأةٌ من أهل الحرب لم تخطب حتى تحيضَ وتطهر، فإذا طهرت حلَّ لها النكاح، فإن هاجر (٥) قبل أن تنكح رُدَّت إليه (٦). وفي "سنن أبي داود" عن ابن عباس قال:

стр. 1542

"ردَّ رسولُ اللَّه ﷺ زينب ابنته على أبي العَاص بن الربيع بالنكاح الأول، ولم يُحدث شيئًا بعد ست سنين" (١). وفي لفظ لأحمد: "ولم يُحدث شهادة ولا صداقًا"، وعند الترمذي: "ولم يُحدث نكاحًا"، قال الترمذي: هذا حديث ليس (٢) بإسناده بأس. وقد رُوي بإسناد ضعيفٍ عن عمرو بن شُعيب، عن أبيه، عن جدّه: "أن النبيّ ﷺ ردَّها على أبي العاص بنكاح جديد" (٣).

стр. 1543

قال الترمذي (١): في إسناده مقال، وقال الإمام أحمد (٢): "هذا حديث ضعيف، والصحيح أنه أقرّهما على النكاح الأول"، وقال الدارقطني (٣): "هذا حديث لا يثبت، والصواب حديث ابن عباس أن النبيّ ﷺ ردَّها بالنكاح الأول"، وقال الترمذي في كتاب "العلل" (٤) له: سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث، فقال: حديث ابن عباس في هذا الباب أصح من حديث عمرو بن شعيب. فكيف يجعل هذا الحديث الضعيف أصلًا ترد به السنة الصحيحة المعلومة ويجعل خلاف الأصول (٥)؟. فإن قيل: إنما جعلناها خلاف الأصول لقوله تعالى: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠]، وقوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ [وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ] (٦)﴾ [البقرة: ٢٢١]، وقوله: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠]، ولأن اختلاف الدين مانعٌ من ابتداء النكاح؛ فكان مانعًا من دوامه كالرضاع. قيل: لا تخالف السنة شيئًا من هذه الأصول، إلّا هذا القياس الفاسد؛ فإن هذه الأصول إنما دلَّت على تحريم نكاح الكافر ابتداء والكافرة غير الكتابيين،

стр. 1544

وهذا حق لا خلاف فيه بين الأمة، ولكن أين في هذه الأصول ما يوجب تعجيل الفرقة بالإسلام وأن لا تتوقف على انقضاء العدة؟ ومعلوم أن افترَاقَهما في الدين سببٌ لافتراقهما في النكاح، ولكن توقف السببِ على وجود شرطه وانتفاء مانعه لا يُخرجه عن السببية، فإذا وجد الشرط وانتفى المانع عَملَ عمله واقتضى (١) أثره، والقرآن إنما دلَّ على السببية، والسنة دلَّت على شرط السبب ومانعه كسائر الأسباب التي فصَّلت السنة شروطَها وموانعها؛ كقوله ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، وقوله: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣]، وقوله: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، وقوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا [جَزَاءً بِمَا كَسَبَا] (٢)﴾ [المائدة: ٣٨] ونظائر ذلك؛ فلا يجوز أن يُجعل بيان الشروط والموانع معارضة لبيان الأسباب والموجبات فتعود السنة كلها أو أكثرها معارضة للقرآن، وهذا محال. [ذكاة الجنين] المثال الحادي والأربعون: رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة بأن ذكاةَ الجنين ذكاةُ أُمِّه (٣)، بأنها خلاف الأصول.

стр. 1545

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
следующие страницы →