← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17798

إعلام الموقعين عن رب العالمين - ت مشهور

ابن القيم

Полный текст (3 107 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

مقيمة على غير الإسلام، فأخذت بلحيته، وقالت: اقتلوا الشيخ الضَّال، ثم أسلمت هند بعد إسلام أبي سفيان بأيام كثيرة، وقد كانت كافرة مقيمة بدار ليست بدار الإسلام، وأبو سفيان بها مسلم وهند كافرة، ثم أسلمت قبل انقضاء العدة واستقرا على النكاح؛ لأن عدّتها لم تنقض حتى أسلمت، وكان كذلك حكيم بن حزام وإسلامه، وأسلمت امرأة صفوان بن أمية وامرأة عكرمة بن أبي جهل بمكة، وصارت دارهما دار الإسلام وظهر حكم رسول اللَّه ﷺ بمكة وهرب عكرمة إلى اليمن وهي دار حرب، وصفوان يريد اليمن وهي دار حرب، ثم رجع صفوان إلى مكة وهي دار الإسلام وشهد حُنَيْنًا، وهو كافر ثم أسلم فاستقرت امرأته عنده بالنكاح الأول، وذلك أنه لم تنقض عدتها (١)، وقد حَفظَ أهلُ العلم بالمغازي أن امرأةً من الأنصار كانت عند رجلٍ بمكة فأسلمت وهاجرت إلى المدينة، فقدم زوجها وهي في العدة، فاستقرّا على النكاح (٢). قال الزُّهريُّ: لم يبلغني أن امرأةً هاجرت إلى اللَّه ورسوله وزوجها كافر مقيم بدار الكفر (٣) إلّا فرّقت هجرتُها بينها وبين زوجها إلا أن يقدم زوجها مهاجرًا قبل أن تنقضي عدتها، وإنه لم يبلغنا أن امرأةً فُرِّق بينها وبين زوجها إذا قَدِمَ وهي في عدّتها (٤). وفي "صحيح البخاري" عن ابن عباس قال: كان المشركون على منزلتين من النبيّ ﷺ : أهل حرب يقاتلهم ويقاتلونه، وأهل عهد لا يقاتلهم ولا يقاتلونه؛ فكان إذا هاجرت امرأةٌ من أهل الحرب لم تخطب حتى تحيضَ وتطهر، فإذا طهرت حلَّ لها النكاح، فإن هاجر (٥) قبل أن تنكح رُدَّت إليه (٦). وفي "سنن أبي داود" عن ابن عباس قال:

стр. 1542

"ردَّ رسولُ اللَّه ﷺ زينب ابنته على أبي العَاص بن الربيع بالنكاح الأول، ولم يُحدث شيئًا بعد ست سنين" (١). وفي لفظ لأحمد: "ولم يُحدث شهادة ولا صداقًا"، وعند الترمذي: "ولم يُحدث نكاحًا"، قال الترمذي: هذا حديث ليس (٢) بإسناده بأس. وقد رُوي بإسناد ضعيفٍ عن عمرو بن شُعيب، عن أبيه، عن جدّه: "أن النبيّ ﷺ ردَّها على أبي العاص بنكاح جديد" (٣).

стр. 1543

قال الترمذي (١): في إسناده مقال، وقال الإمام أحمد (٢): "هذا حديث ضعيف، والصحيح أنه أقرّهما على النكاح الأول"، وقال الدارقطني (٣): "هذا حديث لا يثبت، والصواب حديث ابن عباس أن النبيّ ﷺ ردَّها بالنكاح الأول"، وقال الترمذي في كتاب "العلل" (٤) له: سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث، فقال: حديث ابن عباس في هذا الباب أصح من حديث عمرو بن شعيب. فكيف يجعل هذا الحديث الضعيف أصلًا ترد به السنة الصحيحة المعلومة ويجعل خلاف الأصول (٥)؟. فإن قيل: إنما جعلناها خلاف الأصول لقوله تعالى: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠]، وقوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ [وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ] (٦)﴾ [البقرة: ٢٢١]، وقوله: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠]، ولأن اختلاف الدين مانعٌ من ابتداء النكاح؛ فكان مانعًا من دوامه كالرضاع. قيل: لا تخالف السنة شيئًا من هذه الأصول، إلّا هذا القياس الفاسد؛ فإن هذه الأصول إنما دلَّت على تحريم نكاح الكافر ابتداء والكافرة غير الكتابيين،

стр. 1544

وهذا حق لا خلاف فيه بين الأمة، ولكن أين في هذه الأصول ما يوجب تعجيل الفرقة بالإسلام وأن لا تتوقف على انقضاء العدة؟ ومعلوم أن افترَاقَهما في الدين سببٌ لافتراقهما في النكاح، ولكن توقف السببِ على وجود شرطه وانتفاء مانعه لا يُخرجه عن السببية، فإذا وجد الشرط وانتفى المانع عَملَ عمله واقتضى (١) أثره، والقرآن إنما دلَّ على السببية، والسنة دلَّت على شرط السبب ومانعه كسائر الأسباب التي فصَّلت السنة شروطَها وموانعها؛ كقوله ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ [النساء: ٢٤]، وقوله: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ [النساء: ٣]، وقوله: ﴿فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ [البقرة: ٢٣٠]، وقوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا [جَزَاءً بِمَا كَسَبَا] (٢)﴾ [المائدة: ٣٨] ونظائر ذلك؛ فلا يجوز أن يُجعل بيان الشروط والموانع معارضة لبيان الأسباب والموجبات فتعود السنة كلها أو أكثرها معارضة للقرآن، وهذا محال. [ذكاة الجنين] المثال الحادي والأربعون: رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة بأن ذكاةَ الجنين ذكاةُ أُمِّه (٣)، بأنها خلاف الأصول.

стр. 1545

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1546

وهي (١) تحريم الميتة، فيُقال: الذي جاء على لسانه تحريم الميتة هو الذي أباح الأجنّة المذكورة، فلو قدر أنها ميتة لكان استثناؤها بمنزلة استثناء السمك والجَرَاد من الميتة، فكيف وليست بميتة؟ فإنها جزء من أجزاء الأم والذَّكاة قد أتت على جميع أجزائها، فلا يحتاج أن يُفرد كل جزء منها بذكاة، والجنين تابع للأم جزء منها، فهذا هو مقتضى الأصول الصحيحة، ولو لم ترد السنة بالإباحة، فكيف وقد وردت بالإباحة الموافقة للقياس والأصول؟ فإن قيل: فالحديث حجةٌ عليكم، فإنه قال: "ذكاة الجنين ذكاة أمه" (٢)، والمراد التشبيه، أي ذكاته كذكاة أمّه، وهذا يدلّ على أنه لا يُباح إلّا بذكاة تشبه ذكاة الأم. قيل: هذا السؤال شقيق قول القائل: "كلمة تكفي العاقل"، فلو تأمَّلتم الحديث لم تستحسنوا إيراد هذا السؤال، فإن لفظ الحديث هكذا: عن أبي سعيد قال: قُلنا: يا رسول اللَّه، ننحرُ الناقةَ ونَذبحُ البقرةَ والشاةَ وفي بطنها الجنين أنلقيه أم نأكله؟ قال: "كُلُوه إن شئتم، فإن ذكاتَه ذكاةُ أمه" (٢)، فأباح لهم أكله معلّلًا بأن ذكاة الأم ذكاة له، فقد اتفق النص والأصل والقياس، وللَّه الحمد. [إشعار (٣) الهدي] المثال الثاني والأربعون: رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في إشْعار

стр. 1547

الهدي (١)، بأنها خلاف الأصول، إذ الإشعار مُثْلة (٢)، ولعمرُ اللَّه إن هذه السنة خلاف الأصول الباطلة، وما ضرَّها ذلك شيئًا، والمثلة المحرمة هي العدوان الذي لا يكون عقوبة ولا تعظيمًا لشعائر اللَّه، فأما شَقُّ صفحة سَنَام البعير المستحب أو الواجب ذبحه ليسيل دمه قليلًا فيظهر شعار الإسلام وإقامة هذه السنة التي هي من أحب الأشياء إلى اللَّه فعلى وِفْق الأصول، وأي كتاب أو سنة حَرَّم ذلك حتى يكون خلافًا للأصول؟ وقياس الإشعار على المثلة المحرمة من أفسد قياسٍ على وجه الأرض، فإنه قياس ما يحبُّه اللَّه ويرضاه على ما يُبغضه ويسخطه ويَنهى عنه، ولو لم يكن في حكمة الإشعار إلّا تعظيم شعائر اللَّه وإظهارها وعلم الناس أن (٣) هذه قرابين اللَّه تُساق إلى بيته تُذبح له ويُتقرّب بها إليه عند بيته كما يتقرب إليه بالصلاة إلى بيته عكس ما عليه أعداؤه المشركون الذين يذبحون لأربابهم ويصلّون لها، فشرع لأوليائه وأهل توحيده أن يكون نسكهم وصلاتهم للَّه وحده، وأن يظهروا شعائرَ توحيده غاية الإظهار ليُعلوا دينه على كل دين، فهذه هي الأصول الصحيحة التي جاءت السنة بالإشعار على وفقها (٤)، وللَّه الحمد.

стр. 1548

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1549

[لا دية لمن اطلع على قوم فأتلفوا عينه] المثال الثالث والأربعون: رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة أن النبيّ ﷺ قال: "لو أنَّ امرأً اطَّلع عليك بغير إذنٍ فخَذَفْتُهْ بحصاةٍ ففقأتَ عَيْنه ما كان عليك جُنَاح" (١) متفق عليه، وفي أفراد مسلم: "مَنْ اطَّلع في بيت قومٍ بغيرِ إذْنِهم فقد حَلَّ لهم أن يفقأوا عينه" (٢)، وفي "الصحيحين" من حديث سهل بن سعد: "اطَّلع رجلٌ من جحر في حُجرةِ رسول اللَّه ﷺ ، ومعه مِدْرَى (٣) يحكُّ بها رأسه، فقال: لو أعلم أنك تنظرُ لطعنتُ به في عينك، إنما جُعل الاستئذانُ من أجل النَّظر" (٤)، وفي "صحيح مسلم" عن أنس: "أن رجلًا اطَّلع من بعض حُجَرِ رسول اللَّه ﷺ فقام إليه بمِشْقَص، أو بمشاقص (٥)، قال: وكأني أنظر إلى رسول اللَّه ﷺ يَخْتِلُه ليطعنَه" (٦)، وفي "سنن البيهقي" بإسناد صحيح من حديث أبي هريرة عن النبيّ ﷺ قال: "من اطلع على قوم بغير إذنهم فرموه فأصابوا عينه فلا دية له ولا قصاص" (٧)، فردَّت هذه السنن بأنها خلاف الأصول، فإن اللَّه إنما أباح قلع العين

стр. 1550

بالعين، لا بجناية النظر، ولهذا لو جَنَى عليه بلسانه لم يُقطع، ولو استمع عليه بأذُنه لم يجز [له] (١) أن يقطع أذنه، فيقال: بل هذه السنن من أعظم الأصول، فما خالفها فهو خلاف الأصول (٢)، وقولكم: "إنما شرع اللَّه سبحانه أخذ العين بالعين"، فهذا حقٌّ في القصاص، وأما العضو الجاني المعتدي الذي لا يمكن دفع ضرره وعدوانه إلّا برميه، فإن الآية لا تتناوله نفيًا ولا إثباتًا، والسنة جاءت ببيان حكمه بيانًا ابتدائيًا لِما سَكتَ عنه القرآن، لا مخالفًا لما حكم به القرآن، وهذا قسم (٣) آخر غير فقء العين قصاصًا، وغير دفع الصائل الذي يدفع بالأسهل فالأسهل، إذ المقصود دفعُ ضَررِ صياله، فإذا اندفع بالعصا لم يُدفع بالسيف، وأما هذا المعتدي بالنظر المحرَّم الذي لا يمكن الاحتراز منه، فإنه إنما يقع على وجه الاختفاء والختل، فهو قسم آخر غير الجاني وغير الصائل الذي لم يتحقق عدوانُه، ولا يقع هذا غالبًا إلّا على وجه الاختفاء وعدم مشاهدة غير الناظر إليه (٤)، فلو كُلِّف المنظور إليه إقامة البيّنة على جنايته لتعذَّرت عليه، ولو أُمر بدفعه بالأسهل فالأسهل ذهبت جناية عدوانه بالنظر إليه وإلى حَريمه هدرًا، والشريعة الكاملة تأبى هذا وهذا، فكان أحسن ما يمكن وأصلحه وأكفه لنا وللجاني ما جاءت به السنة التي لا مُعارض لها ولا دافع لصحتها من خذف (٥) ما هنالك، وإن لم يكن هناك بصرٌ عادٍ لم يضر خذف (٥) الحصاة، وإن كان هنالك بصر عادٍ فلا يلومنَّ (٦) إلا نفسه، فهو الذي عَرَّضه صاحبه للتلف، فأدناه إلى الهلاك، والخاذف (٥) ليس بظالم له، والناظر خائن ظالم، والشريعة أكمل وأجلّ من أن تضيع حق هذا الذي قد هُتكت حرمته وتُحيله في الانتصار على التعزير بعد إقامة البتنة، فحَكَم اللَّه فيه بما شَرَعه على لسان رسوله، ومَنْ أحسن من اللَّه حكمًا لقوم يوقنون؟ [الكلام عن وضع الجوائح] المثال الرابع والأربعون: رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في وضع

стр. 1551

الجوائح، بأنها خلاف الأصول كما في "صحيح مسلم" عن جابر يرفعه: "لو بعتَ من أخيك ثمرًا فأصابته جائحةٌ فلا يحلُّ لك أن تأخذَ منه شيئًا، بم تأخذ مال أخيك بغير حق؟ " (١)، وروى سفيان بن عُيينة، عن حُميد، عن سُليمان، عن جابر أن رسول اللَّه ﷺ : "نَهى عن بيع السّنين، وأمر بوضع الجوائح" (٢)، فقالوا: هذه خلاف الأصول، فإن المشتري قد ملك الثمرة وملك التصرّف فيها، وتمَّ نقل المُلك إليه، ولو ربح فيها كان الربح له، فكيف تكون من ضمان البائع؟ وفي "صحيح مسلم" عن أبي سعيد قال: أُصيب رجل في عهد رسول اللَّه ﷺ في ثمارٍ ابتاعها، فكثر دَيْنُه، فقال رسول اللَّه ﷺ : "تصدَّقوا عليه"، فتصدَّقوا عليه، فلم يبلغ ذلك وفاء دينه، فقال رسول اللَّه ﷺ : "خذوا ما وجدتم، وليس لكم إلا ذلك" (٣)، وروى مالك عن أبي الرِّجَال، عن أُمّه عمرة أنه سمعها تقول: ابتاع رجل ثَمَر حائطٍ في زَمنِ رسول اللَّه ﷺ ، فعالجه، وأقام عليه حتى تبيَّن له النقصان، فسأل رب الحائط أن يضع عنه، فحلف لا يفعل، فذهبت أُمُّ المشتري إلى رسول اللَّه ﷺ ، فذكرت له ذلك، فقال رسول اللَّه ﷺ : "تألَّى أنْ لا يفعل خيرًا"، فسمع بذلك رب المال، فأتى إلى رسول اللَّه ﷺ فقال: يا رسول اللَّه هو له (٤).

стр. 1552

[الجواب عن شبهات القياسيين في المسألة] والجواب أن وضع الجوائح لا يخالف شيئًا من الأصول الصحيحة، بل هو مقتضى أصول الشريعة، ونحن بحمد اللَّه نبيِّن (١) هذا بمقامين: أمّا الأول: فحديث وَضْع الجوائح (٢) لا يخالف كتابًا ولا سنةً ولا إجماعًا، وهو أصل بنفسه، فيجب قبوله، وأمّا ما ذكرتم من القياس فيكفي في فساده شهادة النص له بالإهدار، كيف وهو فاسدٌ في نفسه؟ وهذا يتبين بالمقام الثاني: وهو أن وضع الجوائح كما هو موافق للسنة الصحيحة الصريحة فهو مقتضى القياس الصحيح، فإن المشتري لم يتسلَّم الثمرة ولم يقبضها القبض التام الذي يوجب نقل الضمان إليه، فإنَّ قبضَ كُلِّ شيء بحسبه (٣)، وقبض الثمار إنما يكون عند كمال إدراكها شيئًا فشيئًا، فهو كقبض المنافع في الإجارة، وتسليم الشجرة إليه كتسليم العين المؤجَّرة من الأرض والعقار والحيوان، وعُلَق البائع لم تنقطع عن المبيع، فإن له سقي الأصل وتعاهده، كما لم تنقطع عُلَق المؤجِّر عن العين المستأجرة، والمشتري لم يتسلم التسليم التام كما لم يتسلم المستأجر التسليم التام، فإذا جاء أمرٌ غالب اجتاح الثمرة من غير تفريط من المشتري لم يحل للبائع إلزامه بثمن ما أتلفه اللَّه سبحانه منها قبل تمكّنه من قبضها القبض المعتاد، وهذا معنى قول النبيّ ﷺ : "أرأيت إنْ منعَ اللَّه الثّمرة؟ فبمَ يأخذ أحدكُم مالَ أخيه بغير حق؟ " (٤)، فذكر الحُكم، وهو قوله: "فلا يحل له أن يأخذ منه شيئًا"، وعلّة الحكم، وهو قوله: "أرأيت إن منع اللَّه الثمرة؟ "، إلى آخره، وهذا الحكم نص لا يحتمل التأويل، والتعليل وصف مناسبٌ لا يقبل الإلغاء ولا المعارضة. وقياس الأصول لا يقتضي غير ذلك، ولهذا لو تمكَّن من القبض المعتاد في وقته ثم أخَّره لتفريط منه أو لانتظار غلاء السعر كان التلف من ضمانه ولم توضع عنه الجائحة. وأما معارضة هذه السنة بحديث الذي أُصيب في ثمار ابتاعها فمن باب رَدِّ المحكم بالمتشابه، فإنه ليس فيه أنه أصيب فيها بجائحة (٥)، بل لعله أصيب فيها

стр. 1553

بانحطاط سِعْرها، وإن قدر أن المصيبة كانت جائحة عامة، [فليس في الحديث أنها كانت جائحة عامة] (١) بل لعلها جائحة خاصة كسرقة اللصوص التي يمكن الاحتراز منها، ومثل هذا لا يكون جائحة تُسقط الثمن عن المشتري، بخلاف نهب (٢) الجيوش والتلف بآفة سماوية، وإن قدر أن الجائحة عامة فليس في الحديث ما يبيِّن أن التَّلف لم يكن بتفريطه في التأخير، ولو قدر أن التلف لم يكن بتفريطه فليس فيه أنه طلب الفسخ وأن توضع عنه الجائحة (٣)، بل لعله رضي بالمبيع ولم يطلب الوضع، والحق في ذلك له؛ إن شاء طلبه، وإن شاء تركه، فأين في الحديث أنه طلب ذلك، وأن النبيّ ﷺ منع (٤) منه؟ ولا يتم الدليل إلّا بثبوت المقدمتين، فكيف يعارض نص قوله الصحيح الصريح المحكم الذي لا يحتمل غير معنى واحد وهو نصٌّ فيه بهذا الحديث المتشابه؟! ثم قوله فيه: "ليس لكم فيه إلّا ذلك"، دليل على أنه لم يبق لبائع الثمار في ذمة المشتري غير ما أخذه، وعندكم المال كله في ذمّته، فالحديث حجة عليكم. وأما المعارضة بحديث (٥) مالك فمن أبطل المعارضات وأفسدها، فأين فيه أنه أصابته جائحة بوجه ما؟ وإنما فيه أنه عالجه وأقام عليه حتى تبين له النقصان، ومثل هذا لا يكون سببًا لوضع الثمن، وباللَّه التوفيق. [صلاة من صلى خلف الصف وحده] المثال الخامس والأربعون: رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في وجوب الإعادة على مَنْ صلَّى خلف الصف وحده (٦) كما في "المسند" بإسناد صحيح، وصحيحي: "ابن حبان" "وابن خزيمة"، عن علي بن شَيْبان: "أنَّ رسول اللَّه ﷺ رأى رجلًا يُصلّي خَلف الصف، فوقف حتى انصرف الرجل، فقال له: استقبل صلاتَك فلا صلاةَ لفردٍ خلف الصَّفِّ" (٧)، وفي "السنن"، و"صحيحي ابن حبان

стр. 1554

وابن خزيمة"، عن وابصة بن معبد: "أنَّ رسول اللَّه ﷺ رأى رجلًا يصلي خلف الصف وحده، فأمره أن يعيدَ صلاته" (١)، وفي "مسند الإمام أحمد"، سئل رسول اللَّه ﷺ عن رجل صلَّى وحده خلف الصف قال: "يُعيد صلاته" (٢)، فردّت

стр. 1555

هذه السنن المحكمة بأنها خلاف الأصول، ولعمرُ اللَّه إنها هي محضُ الأصول، وما خالفها فهو خلاف الأصول، وردت بالمتشابه من حديث ابن عباس حيث أحرم عن يسار النبيّ ﷺ ، فأداره إلى يمينه، ولم يأمره باستقبال الصلاة (١)، وهذا من أفسد الرد، فإنه لا يشترط أن تكون تكبيرة الإحرام من المأمومين في حالٍ واحد، بل لو كبَّر أحدهم وحده ثم كبَّر الآخر بعده صحت القدوة ولم يكن السابق فذًّا، وإن أحرم وحده فالاعتبار بالمصافّة فيما تُدرك به الركعة، وهو الركوع، وأفسد من هذا الرد رَدُّ الحديث بأن الإمام يقف فَذًّا، وسنة رسول اللَّه ﷺ أجلّ وأعظم في صدور أهلها أن تُعارض بهذا وأمثاله. وأقبح من هذه المعارضة معارضتها بأن المرأة تقف خلف الصف وحدها، فإن هذا هو موقفها المشروع بل الواجب، كما أن موقفَ الإمام المشروع أن يكونَ وحده أمام الصف. وأمّا موقف الفذ خلف الصف فلم يشرعه رسول اللَّه ﷺ ألبتَّة، بل شرع الأمر بإعادة الصلاة لمن وقف فيه، وأخبر أنه لا صلاةً له. فإن قيل: فهب أن هذه المعارضات لم يسلم منها شيء، فما تصنعون بحديث أبي بكرة حين ركع دون الصف ثم مشى راكعًا حتى دخل في الصف، فقال له النبيّ ﷺ : "زادَك اللَّه حرصًا ولا تَعُد" (٢)، ولم يأمره بإعادة الصلاة، وقد وقعت منه تلك الركعة فذًّا؟. قيل: نقبله على الرأس والعينين، ونمسك قوله ﷺ : "لا تعد"، فلو فعل أحد ذلك غير عالم بالنهي لقلنا له كما قال رسول اللَّه ﷺ سواء، فإن عاد بعد علمه بالنهي فإما أن يجتمع مع الإمام في الركوع، وهو في الصف أولًا، فإن جَامَعه في الركوع، وهو في الصف صَحَّت صلاته؛ لأنه أدرك الركعة، وهو غير فذ كما لو أدركها قائمًا (٣)، وإن رفع الإمام رأسه [من الركوع] (٤) قبل أن يدخل في الصف فقد قيل: تصح صلاته، [وقد] (٥) قيل: لا تصح له تلك الركعة،

стр. 1556

ويكون فذًا فيها، والطائفتان احتجّوا بحديث أبي بكرة، والتحقيق أنه قضيةُ عين: يحتملُ دخوله في الصف قبل رفع الإمام، ويحتمل أنه لم يدخل فيه حتى رفع الإمام، وحكاية الفعل لا عمومَ لها، فلا يمكن أن يحتجّ بها على الصورتين، فهي إذًا مجملة متشابهة، فلا يُترك لها النَّص المحكم الصريح، فهذا مقتضى الأصول نصًا وقياسًا (١)، وباللَّه التوفيق. [الأذان للفجر قبل دخول وقتها] المثال السادس والأربعون: رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في جواز الأذان للفجر قبل دخول وقتها كما في "الصحيحين" من حديث سالم بن عبد اللَّه، عن أبيه، عن النبيّ ﷺ أنه قال: "إن بلالًا يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى تسمعوا أذان ابنِ أُمِّ مكتوم" (٢)، وفي "صحيح مسلم"، عن سَمُرة عنْ النبيّ ﷺ : "لا يغرَّنكم نداء بلال، ولا هذا البَيَاض حتى يَنفجرَ الفَجرُ" (٣)، وهو في "الصحيحين" من حديث ابن مسعود، ولفظه: "لا يمنعن أحدكم أذان بلال من سحوره (٤)، فإنه يؤذن -أو قال: ينادي- بليل ليرجعَ قائِمَكُم وينتبه نائمُكم" (٥)، قال مالك (٦): لم تَزلْ الصبح يُنادى لها قبل الفجر، فردَّت هذه السنة لمخالفتها

стр. 1557

الأصول والقياس على سائر الصلوات، وبحديث حماد بن سلمة، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر: "أن بلالًا أذن قبل طلوع الفجر، فأمره النبيّ ﷺ أن يرجع فينادي: ألا إن العبدَ نام، ألا إن العبدَ نام"، فرجع فنادى: "ألا إن العبد نام" (١)،

стр. 1558

ولا ترد السنة الصحيحة بمثل ذلك، فإنها أصل بنفسها، وقياس وقت الفجر على غيره من الأوقات: لو لم يكن فيه إلا مصادمته للسنة لكفى في رَدّه، فكيف والفرق

стр. 1559

قد أشار إليه ﷺ ، وهو ما في النداء قبل الوقت من المصلحة والحكمة التي لا تكون في غير الفجر؟ وإذا اختصّ وقتها بأمر لا يكونُ في سائر الصلوات امتنعَ الإلحاق. وأما حديث حماد عن أيوب، فحديث معلول عند أئمة الحديث، لا تقوم به حجة، قال أبو داود: لم يروه عن أيوب إلا حماد بن سلمة، وقال إسحاق بن إبراهيم بن حبيب (١): سألت عليًا -وهو ابن المديني- عن حديث أيوب، عن نافع، عن ابن عمر أن بلالًا أذّن بليل فقال [له] (٢) النبيّ ﷺ : "ارجع فناد: إنّ العبد نام"، فقال: هو عندي خطأ، لم يتابَع حماد بن سلمة على هذا، إنما روي أن بلالًا كان يُنادي بليل (٣). قال البيهقي: قد تابعه سعيد بن زَرَبي (٤)، وهو ضعيف (٥). وأما حماد بن سلمة فإنه أحد أئمّة المسلمين حتى قال الإمام أحمد: إذا رأيت الرجل يغمز حماد بن سلمة فاتهمه، فإنه كان شديدًا على أهل البدع (٦). قال البيهقي (٧): "إلا أنه لما طعن في السن ساء حفظه فلذلك ترك البخاري الاحتجاج بحديثه، وأما مسلم فاجتهد في أمره وأخرج من حديثه عن ثابت ما سمع منه قبل تغيّره، وما سوى حديثه عن ثابت لا يبلغ أكثر من اثني عشر حديثًا أخرجها في الشواهد دون الاحتجاج به. [لا يحتج بحديث يخالف أحاديث الثقات] وإذا كان الأمر كذلك فالاحتياط لمن راقَبَ اللَّه أن لا يحتجّ بما يجد من حديثه مخالفًا لأحاديث الثقات الأثبات، وهذا الحديث من جملتها". ثم

стр. 1560

ذكر من طريق الدارقطني عن معمر عن أيوب قال: أذَّن بلال مرة بليل. قال الدارقطني: هذا مرسل (١)، ثم ذكر (٢) من طريق إبراهيم بن عبد العزيز (٣) بن عبد الملك بن أبي مَحْذُورة، عن عبد العزيز بن أبي رَوّاد، [عن نافع]، عن ابن عمر أن بلالًا قال له النبيّ ﷺ : "ما حَمَلك على ذلك؟ قال: استيقظتُ وأنا وَسْنَان، فظننتُ أن الفجر قد طلع، فأمره النبيّ ﷺ أن ينادي في المدينة: ألا إن العبد قد نام، وأقعده إلى جانبه حتى طلع الفجر"، ثم قال: هكذا رواه إبراهيم بن عبد العزيز (٤)، وخالفه شُعيب بن حرب، فقال عن عبد العزيز، عن نافع، عن مُؤذّن لعمر يُقال له: مَسْرُوح أنَّه أذَّن قبل الصبح، فأمره عمر أن ينادي: ألا إن العبد [قد] (٥) نام، قال أبو داود: ورواه حماد بن زيد، عن عُبيد اللَّه بن عمر، عن نافع [أو غيره أنّ مؤذنًا لعمر يقال له: مسروح أو غيره، ورواه الدراوردي، عن عُبيد اللَّه بن عمر، عن نافع] (٦)، عن ابن عمر: كان لعمر مُؤذّن يقال له: مسعود، فذكر نحوه (٧)، قال أبو داود (٨): وهذا أصح من ذلك، يعني: حديث عمر أصح. قال البيهقي (٩): وروي من وجه آخر عن عبد العزيز موصولًا، ولا يصح، رواه عامر بن مدرك عنه، عن نافع، عن ابن عمر: أن بلالًا أذّن قبل الفجر، فغضب النبيّ ﷺ وأمره أن يُنادي: إن العبد نام، فوجد بلال وجدًا شديدًا.

стр. 1561

قال الدارقطني (١): وهم فيه عامر بن مدرك، والصواب عن شعيب بن حرب، عن عبد العزيز، عن نافع، عن مُؤذن عمر، عن عمر من قوله. وروي عن أنس بن مالك، ولا يصح، وروي عن أبي يوسف القاضي، عن [ابن] (٢) أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس: أن بلالًا أذَّن قبل الفجر، فأمره رسول اللَّه ﷺ أن يصعد فينادي: ألا إن العبد نام، ففعل، وقال: ليت بلالًا لم تلده أمه، وابتلَّ من نَضْح جبينه (٣). قال الدارقطني: تفرَّد به أبو يوسف عن سعيد -يعني موصولًا- وغيره يُرسله عن سعيد، عن قتادة، عن النبيّ ﷺ ، والمرسل أصح. ورواه الدارقطني (٤) من طريق محمد بن القاسم الأسدي: ثنا الربيع بن صبيح، عن الحسن، عن أنس، ثم قال: محمد بن القاسم الأسدي ضعيف جدًا، وقال البخاري: كذَّبه الإمام أحمد (٥)، وروي (٦) عن حُميد بن هلال أن بلالًا أذن ليلةً بسواد، فأمره النبيّ ﷺ أن يرجعَ إلى مقامه فينادي: إن العبد نام، ورواه إسماعيل بن مسلم، عن حُميد، عن أبي قتادة، وحُميد لم يلق أبا قتادة، فهو مرسل بكل حال. وروي عن شَدَّاد مولى عياض (٧)، قال: جاء بلال إلى النبيّ ﷺ ، وهو يتسحّر فقال: لا تؤذّن حتى يطلع الفجر، وهذا مرسل، قال أبو داود: شَدّاد مولى عياض لم يدرك بلالًا. وروى الحسن بن عُمارة، عن طلحة بن مُصرِّف، عن سويد بن غفلة، عن

стр. 1562

بلال قال: أمرني رسول اللَّه ﷺ ألا أؤذِّن حتى يطلع الفجر (١)، وعن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن بلال مثله (٢)، ولم يروه هكذا غير الحسن بن عمارة، وهو متروك، و [رواه] (٣) الحجاج بن أرطاة، عن طلحة وزبيد عن سويد بن غفلة أن بلالًا لم يؤذن حتى ينشق الفجر (٤)، هكذا رواه، لم يذكر فيه أمر النبيّ ﷺ ، وكلاهما ضعيفان. وروي عن سفيان، عن سليمان التَّيمي، عن أبي عثمان أن النبيّ ﷺ قال لبلال: لا تؤذن -وجمع سفيان أصابعه الثلاث- لا تُؤذّن حتى يقول الفجر هكذا -وصفَّ سفيان بين السبابتين ثم فرَّق بينهما (٥) - قال: وروينا عن سُليمان التّيمي، عن أبي عثمان النَّهدي، عن ابن مسعود ما دلَّ على أذان بلال بليل (٦)، وأن رسول اللَّه ﷺ ذكر معاني تأذينه بالليل، وذلك أولى بالقبول لأنه موصول وهذا مرسل. وروي عن إسماعيل بن أبي خالد، عن أبي إسحاق، عن الأسود قال: قالت لي عائشة: كان رسول اللَّه ﷺ إذا أوتر (٧) من الليل رَجَع إلى فراشه، فإذا أذَّن بلال قام، وكان (٨) بلال يُؤذّن إذا طَلَع الفجر، فإن كان جنبًا اغتسل، وإن لم يَكن توضأ ثم صلَّى ركعتين (٩)، وروى الثوري، عن أبي إسحاق في هذا الحديث

стр. 1563

قال: ما كان المؤذن يؤذن حتى يطلع الفجر (١)، وروى شعبة، عن أبي إسحاق، عن الأسود: سألتُ عائشة عن صلاة رسول اللَّه ﷺ بالليل، قالت: كان ينام أول الليل، فإذا كان السحر أوى (٢)، ثم يأتي فراشه فإن كانت له حاجة إلى أهله ألمَّ بهم، ثم ينام، فإذا سمع النداء -وربما قالت الأذان- وثَبَ، [وربما] (٣) قالت: قام، فإذا كان جُنبًا أفاض عليه الماء، [وربما] (٣) قالت: اغتسل، وإن لم يكن جنبًا توضأ ثم خرج للصلاة (٤). وقال زهير بن مُعاوية عن أبي إسحاق في هذا الحديث: فإذا كان عند النّداء الأول وثب (٥)، قال البيهقي (٦): وفي روايته ورواية شعبة كالدليل على أن هذا النداء كان قبل طلوع الفجر، وهي موافقة لرواية القاسم عن عائشة، وذلك أولى من رواية من خالفها (٧)، وروي عن عبد الكريم، عن نافع، عن ابن عمر، عن حفصة قالت: كان رسول اللَّه ﷺ إذا أذن المؤذن صلّى ركعتين (٨)، ثم خرج إلى المسجد وحرم الطعام، وكان لا يؤذن إلّا بعد الفجر (٩)، قال البيهقي: هكذا في

стр. 1564

هذه الرواية، وهو محمول إن صح على الأذان الثاني، والصحيح عن نافع بغير هذا اللفظ، ورواه مالك، عن نافع، عن ابن عمر، عن حفصة زوج النبيّ ﷺ أنها أخبرته أن رسول اللَّه ﷺ كان إذا سكت المؤذن من الأذان لصلاة الصبح صلّى ركعتين خفيفتين قبل أن تقام الصلاة، والحديث في "الصحيحين" (١). [شبهة وردها] فإن قيل: عمدتكم في هذا إنما هو على حديث بلال، ولا يمكن الاحتجاج به، فإنه قد اضطرب الرواة فيه: هل كان المؤذن بلالًا أو ابن أم مكتوم، وليست إحدى الروايتين أولى من الأخرى، فتتساقطان، فروى شُعبة عن خبيب بن عبد الرحمن قال: سمعتُ عمَّتي أُنيسة أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إن ابن [أم] (٢) مكتوم يُنادي بليل، فكلوا واشربوا حتى يُنادي بلال" (٣)، رواه البيهقي وابن حِبَّان في "صحيحه".

стр. 1565

فالجواب أن هذا الحديث قد رواه ابن عمر، وعائشة، وابن مسعود، وسمرة بن جندب عن النبيّ ﷺ : "إن بلالًا يؤذن بليل" (١)، وهذا الذي رواه صاحبا (٢) "الصحيح"، ولم يختلف عليهم في ذلك، وأما حديث أنيسة (٣) فاختلف عليها على (٤) ثلاثة أوجه:

стр. 1566

أحدها: كذلك، رواه محمد بن أيوب، عن أبي الوليد وابن عمر، عن شعبة. الثاني: كحديث عائشة وابن عمر: "إن بلالًا يؤذن بليل"، هكذا رواه محمد بن يونس الكُديمي، عن أبي الوليد، عن شعبة، وكذلك رواه أبو داود الطيالسي وعمرو بن مرزوق عن شعبة. الثالث: روي على الشك: "إن بلالًا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يُؤذِّن ابن أم مكتوم"، أو قال: " [إن] (١) ابن أم مكتوم يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن بلال"، كذلك رواه سُليمان بن حرب وجماعة، والصواب رواية أبي داود الطيالسي وعَمرو بن مرزوق لموافقتها لحديث ابن عمر وعائشة، وأما رواية أبي الوليد وابن عمر فممّا انقلب فيها لفظ الحديث، وقد عارضها رواية الشك ورواية الجزم بأن المؤذن بليل هو بلال، وهو الصواب بلا شك، فإنَّ ابنَ أم مكتوم كان ضرير البصر، ولم يكن له علم بالفجر، فكان إذا قيل له: "طَلَع الفَجْرُ"، أذَّنَ، وأمّا ما ادّعاه بعضُ الناس (٢) أن النبيّ ﷺ جعل الأذان نُوَبًا بين بلال و [بين] (٣) ابن أم مكتوم، وكان كلٌّ منهما في نوبته يؤذّن بليل، فأمر النبيّ ﷺ الناس أن يأكلوا ويشربوا حتى يؤذن الآخر، فهذا كلامٌ باطلٌ على رسول اللَّه ﷺ ، ولم يجئ في ذلك أثر قط، لا بإسناد صحيح ولا ضعيف ولا مرسل ولا متّصل، ولكن هذه طريقة من يجعل غلط الرواة شريعة ويحملها على السنة، وخَبرُ ابنِ مسعود، وابنِ عمر، وعائشة، وسَمُرة الذي لم يختلف عليهم فيه أَوْلى بالصحة، واللَّه أعلم. [الصلاة على القبر] المثال السابع والأربعون: رد السنة الصحيحة الصريحة المستفيضة عن النبيّ ﷺ في الصلاة على القَبْر، كما في "الصحيحين" من حديث ابن عباس: "أن النبيّ ﷺ صلّى على قَبرٍ منبوذٍ، فصفَّهم وتقدَّم فكبَّر [عليه] (٤) أربعًا" (٥)، وفيهما من

стр. 1567

حديث أبي هريرة: "أنَّه صَلَّى على قبرِ امرأة سوداء كانت تَقُمُّ المسجد" (١)، وفي "صحيح مسلم" من حديث أنس أن النبيّ ﷺ : "صلَّى على قبر امرأة بعدما دفنت" (٢)، وفي "سنن" البيهقي والدارقطني عن ابن عباس أن النبيّ ﷺ صلَّى على قَبْر بعد شهرٍ (٣)، وفيهما [عنه] (٤): "أن النبيّ ﷺ صلّى على ميت بعد ثلاث" (٥)،

стр. 1568

وفي "جامع الترمذي": "أن النبيّ ﷺ صلَّى على أُمّ سعد بعد شهر" (١). فردّت هذه السنة (٢) المحكمة بالمتشابه من قوله: "لا تجلسوا على القبور ولا تصلّوا إليها" (٣)، وهذا حديث صحيح والذي قاله [هو النبيّ ﷺ ] (٤) الذي صَلَّى على القبر، فهذا قوله وهذا فعله، ولا يناقض أحدهما الآخر، فإنَّ الصَّلاةَ المنهيَّ عنها إلى القبر غير الصلاة التي على القبر، فهذه صلاة الجنازة على الميت التي لا تختصُّ بمكان، بل فِعْلُها في غير المسجد أفضل من فعلها فيه (٥)، فالصَّلاةُ عليه على قبره من جنس الصلاة عليه على نعشه، فإنه المقصودُ بالصلاة في الموضعين، ولا فَرقَ بين كونه على النعش وعلى الأرض وبين كونه في بطنها، بخلاف سائر الصلوات، فإنها لم تُشرع في القبور ولا إليها؛ لأنها ذريعة إلى

стр. 1569

اتخاذها مساجد، وقد لَعَنَ رسولُ اللَّه ﷺ مَنْ فعل ذلك (١)، فأين ما لعن فاعله وحذّر منه وأخبر أن أهله شرار الخلق كما قال: "إنَّ من شِرارِ الخلق من تدركهم الساعةُ وهم أحياء، والذين يتّخذون القبور مساجد" (٢)، إلى ما فعله [رسول اللَّه] (٣) ﷺ مرارًا متكرّرة؟ وباللَّه التوفيق.

стр. 1570

[الجلوس على فراش الحرير] المثال الثامن والأربعون: رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في النهي عن الجلوس على فراش الحرير، كما في "صحيح البخاري"، من حديث حذيفة: "نَهانَا رسولُ اللَّه ﷺ أن نشربَ في آنية الذهب والفضة، وأن نأكلَ فيها (١)، وعن الحرير والدِّيباج، وأن نجلس عليه، وقال: هو لهم في الدنيا ولنا في الآخرة" (٢)، ولو لم يأت هذا النص لكان النهي عن لبسه متناولًا لافتراشه (٣) كما هو متناول للالتحاف به، وذلك لبس لغةً وشرعًا كما قال أنس: "فقمتُ (٤) إلى حصيرٍ لنا قد اسودَّ من طول ما لُبِسَ" (٥)، ولو لم يأت اللفظ العام المتناول لافتراشه بالنهي لكان القياس المحض موجبًا لتحريمه، إما قياس المثل أو قياس الأَوْلَى، فقد دلّ على تحريم الافتراش النص الخاص واللفظ العام والقياس الصحيح، ولا يجوز رد ذلك [كله] (٦) بالمتشابه من قوله: ﴿[هُوَ الَّذِي] (٧) خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩]، ومن القياس على ما إذا كان الحرير بطانة الفراش دون

стр. 1571

ظهارته، فإن الحكمَ في ذلك التحريمُ على أصح القولين، والفرق على القول الآخر مباشرة الحرير وعدمها كحشو الفراش به، فإن صح الفرق بطل القياس، وإن بطل الفرق مُنع الحكم، وقد تمسك بعموم النهي عن افتراش الحرير طائفة من الفقهاء فحرَّموه على الرجال والنساء، وهذه طريقة الخراسانيين من أصحاب الشافعي، وقابلهم من أباحه للنَّوعين، والصواب التفصيل وأن من أبيح له لبسه أبيح له افتراشه ومن حرم عليه حرم عليه، وهذا قول الأكثرين، وهي طريقة العراقيين من الشافعية (١). [خرص الثمار في الزكاة والعرايا] المثال التاسع والأربعون: رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في خرص الثمار في الزكاة والعَرَايا وغيرها إذا بدا صلاحها كما رواه الشافعي عن عبد اللَّه بن نافع، عن محمد بن صالح التَّمَّار، عن الزهري، عن سعيد بن المُسيّب، عن عَتَاب بن أَسِيد أن رسول اللَّه ﷺ قال في زكاة الكَرْم: "يُخرص كما يخرص النَّخل، ثم تُؤدَّى زكاتُه زبيبًا كما تُؤدَّى زكاةُ النخل تمرًا" (٢)، وبهذا الإسناد بعينه

стр. 1572

"أن رسول اللَّه ﷺ كان يبعث من يخرص على الناس كرومهم وثمارهم" (١)، وقال أبو داود الطيالسي: ثنا شعبة، عن خُبيب بن عبد الرحمن قال: سمعتُ عبد الرحمن بن مسعود بن نِيَار يقول: أتانا سهل بن أبي حَثْمَة إلى مجلسنا فحدَّثنا أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إذا خرصتم فدعُوا الثلث، فإن لم تدعوا الثلث فدعوا الربع" (٢)، قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد، ورواه أبو داود في "السنن"، ورَوَى فيها أيضًا عن عائشة: "كان النبيّ ﷺ يبعثُ عبدَ اللَّه بن رواحة إلى يهود فيخرصُ النَّخلَ حين يطيب قبل أن يُؤكل منه، ثم يُخيّر يهود فيأخذونه بذلك الخرص أم (٣) يدفعونه إليهم بذلك الخرص، لكي تُحصى الزكاة قبل أن تُؤكل الثمار وتفرَّق" (٤)، وروى الشافعي، عن مالك، عن ابن شِهَاب، عن

стр. 1573

سعيد بن المسيب أن رسول اللَّه ﷺ قال ليهود خيبر: "أُقرّكم على ما أقركم اللَّه، على أن الثمر بيننا وبينكم"، قال: "وكان رسول اللَّه ﷺ يبعث عبد اللَّه بن رواحة فيخرص عليهم ثم يقول: إن شئتم فلكُم، وإن شئتم فلي، وكانوا يأخذونه" (١). وفي "الصحيحين" أن رسول اللَّه ﷺ خَرصَ حديقةَ المرأة، وهو ذاهبٌ إلى تبوك، وقال لأصحابه: "اخرصوها"، فخرصوها بعشرة أوسق، فلما قفل

стр. 1574

[رسول اللَّه ﷺ ] (١) سأل (٢) المرأة عن [تمر] (٣) الحديقة، فقالت: بلغ عشرة أوْسُق (٤). وفي "الصحيحين" من حديث زيد بن ثابت: "رَخَّص رسول اللَّه ﷺ لصاحب العَرِيَّة أن يبيعها بخرصها تمرًا" (٥)، وصحّ عن عمر بن الخطاب [﵁] (٦) أنه بعث سهل بن أبي حَثْمَة على خَرْص التمر، وقال: "إذا أتيت أرضًا فاخرصها ودع لهم قَدْر ما يأكلون" (٧)، فردت هذه السنن كلها بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ [المائدة: ٩٠]، قالوا: والخرص من باب القمار والميسر، فيكون تحريمه ناسخًا لهذه الآثار، وهذا من أبطل الباطل، فإن الفرق بين القمار والميسر والخرص المشروع كالفرق بين البيع والربا، والميتة والمُذَكَّى، وقد نَزه اللَّه رسوله وأصحابه عن تعاطي القمار وعن شرعه وعن إدخاله في الدين. وياللَّه العجب! أكان المسلمون يقامرون إلى زمن خيبر، ثم استمرّوا على ذلك إلى عهد الخلفاء الراشدين، ثم انقضى عصر الصحابة وعصر التابعين على القمار ولا يعرفون أن الخرصَ قمارٌ حتى بيَّنه بعض فقهاء الكوفة؟ وهذا -واللَّه- الباطل حقًا، واللَّه الموفق.

стр. 1575

[صفة صلاة الكسوف] المثال الخمسون: رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في صفة صلاة الكسوف وتكرار الركوع في كل ركعة كحديث عائشة، وابن عباس، وجابر، وأبيّ بن كعب، وعبد اللَّه بن عمرو بن العاص، وأبي موسى الأشعري، كلهم رَوَى عن النبيّ ﷺ تكرار الركوع في الركعة الواحدة (١)، فردت هذه السنن المحكمة بالمتشابه من حديث عبد الرحمن بن سَمُرة قال: "كنت يومًا أرمي بأسهم وأنا بالمدينة، فانكسفت الشمس، فجمعتُ أسهُمي وقلت: لأنظُرنَّ ماذا أحدث رسول اللَّه ﷺ في كسوف الشمس، فكنت خلف ظهره فجعل يُسبّح ويُكبِّر ويدعو حتى حُسِرَ عنها فصلَّى ركعتين وقرأ بسورتين"، رواه مسلم في "صحيحه" (٢)، وفي "صحيح البخاري" عن أبي بكرة قال: انكسفت الشمس على عهد رسول اللَّه ﷺ فصلّى ركعتين (٣)، وهذا لا يناقض رواية مَنْ رَوى أنه ركع في كل ركعة ركوعين فهي ركعتان وتعدّد (٤) ركوعهما كما يُسمَّيان سجدتين مع تعدد سجودهما كما قال ابن عمر: حفظت عن رسول اللَّه سجدتين قبل الظهر وسجدتين بعدها (٥)، وكثيرًا ما يجيء في السنن إطلاق السجدتين على الركعتين، فسنّة رسول اللَّه ﷺ يصدق بعضها بعضًا، لا سيما والذين رووا تكرار الركوع أكثر عددًا وأجل وأخصّ برسول اللَّه ﷺ من الذين لم يذكروه (٦). فإن قيل: ففي حديث أبي بكرة: "فصلَّى ركعتين نحوًا مما تصلون"، وهذا صريح في إفراد الركوع. قيل: هذا الحديث رواه شُعبة، عن يونس بن عُبيد، عن الحَسَن، عن أبي بكرة دون الزيادة المذكورة، وهو الذي رواه البخاري في "صحيحه" (٧)، وزاد

стр. 1576

إسماعيل ابن عُليَّة (١) هذه الزيادة، فإن رجحنا بالحفظ والإتقان فشعبة شعبة، وإن قبلنا الزيادة فرواية من زاد في كل ركعة ركوعًا آخر زائدة على رواية من روى ركوعًا واحدًا فتكون أولى. فإن قيل: فما تصنعون بالسنة المحكمة الصريحة من رواية سَمُرة بن جندب (٢) والنُّعمان بن بَشير (٣) وعبد اللَّه بن عمرو (٤) أنه صلاها ركعتين كل ركعة بركوع واحد،

стр. 1577

وبحديث قبيصة الهلاليّ عنه ﷺ : "وإذا (١) رأيتم ذلك فصلّوها كأحدث (٢) صلاة صلَّيتموها من المكتوبة" (٣)؟ وهذه الأحاديث في "المسند" و"سنن النسائي" وغيرهما. [الجواب عن حديث صلاتها بركعتين في كل ركعة] قيل: الجواب من ثلاثة أوجه: أحدها: أنَّ أحاديث تكرار الركوع أصحّ إسنادًا وأسلم من العلّة والاضطراب، لا (٤) سيما حديث عبد اللَّه بن عمرو، فإن الذي في "الصحيحين" عنه أنه قال: "كسفت الشَّمسُ على عهد رسول اللَّه ﷺ ، فنودي أن الصلاة جامعة، فركع النبيّ ﷺ ركعتين في سجدة، ثم قام فركع ركعتين في سجدة، ثم جَلَس حتى جُلِّي عن الشمس" (٥)، فهذا أصح وأصرح من حديث كل ركعة بركوع، فلم يبق إلا حديث سمرة بن جندب والنعمان بن بشير، وليس منهما شيء في الصحيح.

стр. 1578

الثاني: أن رواتها من الصحابة أكبر وأكثر وأحفظ وأجلّ من سَمُرة والنعمان بن بشير، فلا ترد روايتهم بها. الثالث: أنها متضمنة لزيادة يجب الأخذ بها، وباللَّه التوفيق. [الجهر في صلاة الكسوف] المثال الحادي والخمسون: رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في الجهر في صلاة الكسوف، كما في "صحيح البخاري" من حديث الأوزاعيّ، عن الزهري، أخبرني عُروة بن الزبير، عن عائشة: "أن رسول اللَّه ﷺ قرأ قراءة طويلة يجهر بها في صلاة الكسوف" (١)، قال البخاري: تابعه سليمان بن كثير وسفيان بن حسين عن الزهري -قلت: أما حديث سليمان بن كثير ففي "مسند أبي داود الطيالسي": حدثنا سليمان بن كثير، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة أن

стр. 1579

النبيّ ﷺ جهر بالقراءة في صلاة الكسوف (١) -، وقد تابعه عبد الرحمن بن نَمِر، عن الزهري، وهو في "الصحيحين"، أنه سمع ابن شهاب، يُحدِّث عن عروة، عن عائشة: "كسفت الشمس على عهد رسول اللَّه ﷺ فبعث رسول اللَّه ﷺ مناديًا أن الصلاة جامعة، فاجتمع الناس فتقدم رسول اللَّه ﷺ فكبّر وافتتح القرآن وقرأ قراءة طويلة يجهر بها" (٢)، فذكر الحديث. قال البخاري: حديث عائشة في الجهر أصح من حديث سمرة -قلت: يريد قول سمرة: "صلى بنا رسول اللَّه ﷺ في كسوف لم نسمع له صوتًا" (٣) - وهو أصرح منه بلا شك، وقد تضمن زيادة الجهر، فهذه ثلاث ترجيحات.

стр. 1580

[الرد على تخريجهم لحديث ابن عباس] والذي ردت به هذه السنة المحكمة هو المتشابه من قول ابن عباس: "إنه صلّى الكسوف فقرأ نحوًا من سورة البقرة" (١)، قالوا: فلو سمع ما قرأ لم يُقَدِّره بسورة البقرة. وهذا يحتمل وجوهًا (٢): أحدها: أنه لم يجهر. الثاني: أنه جهر، ولم يسمعه ابن عباس. الثالث: انه سمع ولم يحفظ ما قرأ به فقدَّره بسورة البقرة، فإن ابن عباس لم يجمع القرآن في حياة النبيّ ﷺ ، وإنما جمعه بعده. الرابع: أن يكون نسي ما قرأ به وحفظ قدر قراءته، فقدرها بـ[سورة] (٣) البقرة، ونحن نرى الرجل ينسى ما قرأ به الإمام في صلاة يومه، فكيف يقدّم هذا اللفظ المجمل على الصريح المحكم الذي لا يحتمل إلّا وجهًا واحدًا؟ [رواية ترك الجهر بالبسملة عن أنس] ومن العجب أن أنسًا روى ترك جهر النبيّ ﷺ ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٤)، ولم يصح عن صحابي خلافه، فقلتم: كان صغيرًا يصلّي خلف الصفوف فلم يسمع البسملة، وابن عباس أصغر سنًا منه بلا شك، وقدّمتم عدم سماعه للجهر على من سمعه صريحًا، فهلا قلتم: كان صغيرًا فلعله صلّى خلف الصف فلم يسمعه جهر؟ وأعجب من هذا قولكم: إن أنسًا كان صغيرًا لم يسمع (٥) تلبية رسول اللَّه ﷺ :
следующие страницы →