← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17798

إعلام الموقعين عن رب العالمين - ت مشهور

ابن القيم

Полный текст (3 107 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

إسماعيل ابن عُليَّة (١) هذه الزيادة، فإن رجحنا بالحفظ والإتقان فشعبة شعبة، وإن قبلنا الزيادة فرواية من زاد في كل ركعة ركوعًا آخر زائدة على رواية من روى ركوعًا واحدًا فتكون أولى. فإن قيل: فما تصنعون بالسنة المحكمة الصريحة من رواية سَمُرة بن جندب (٢) والنُّعمان بن بَشير (٣) وعبد اللَّه بن عمرو (٤) أنه صلاها ركعتين كل ركعة بركوع واحد،

стр. 1577

وبحديث قبيصة الهلاليّ عنه ﷺ : "وإذا (١) رأيتم ذلك فصلّوها كأحدث (٢) صلاة صلَّيتموها من المكتوبة" (٣)؟ وهذه الأحاديث في "المسند" و"سنن النسائي" وغيرهما. [الجواب عن حديث صلاتها بركعتين في كل ركعة] قيل: الجواب من ثلاثة أوجه: أحدها: أنَّ أحاديث تكرار الركوع أصحّ إسنادًا وأسلم من العلّة والاضطراب، لا (٤) سيما حديث عبد اللَّه بن عمرو، فإن الذي في "الصحيحين" عنه أنه قال: "كسفت الشَّمسُ على عهد رسول اللَّه ﷺ ، فنودي أن الصلاة جامعة، فركع النبيّ ﷺ ركعتين في سجدة، ثم قام فركع ركعتين في سجدة، ثم جَلَس حتى جُلِّي عن الشمس" (٥)، فهذا أصح وأصرح من حديث كل ركعة بركوع، فلم يبق إلا حديث سمرة بن جندب والنعمان بن بشير، وليس منهما شيء في الصحيح.

стр. 1578

الثاني: أن رواتها من الصحابة أكبر وأكثر وأحفظ وأجلّ من سَمُرة والنعمان بن بشير، فلا ترد روايتهم بها. الثالث: أنها متضمنة لزيادة يجب الأخذ بها، وباللَّه التوفيق. [الجهر في صلاة الكسوف] المثال الحادي والخمسون: رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في الجهر في صلاة الكسوف، كما في "صحيح البخاري" من حديث الأوزاعيّ، عن الزهري، أخبرني عُروة بن الزبير، عن عائشة: "أن رسول اللَّه ﷺ قرأ قراءة طويلة يجهر بها في صلاة الكسوف" (١)، قال البخاري: تابعه سليمان بن كثير وسفيان بن حسين عن الزهري -قلت: أما حديث سليمان بن كثير ففي "مسند أبي داود الطيالسي": حدثنا سليمان بن كثير، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة أن

стр. 1579

النبيّ ﷺ جهر بالقراءة في صلاة الكسوف (١) -، وقد تابعه عبد الرحمن بن نَمِر، عن الزهري، وهو في "الصحيحين"، أنه سمع ابن شهاب، يُحدِّث عن عروة، عن عائشة: "كسفت الشمس على عهد رسول اللَّه ﷺ فبعث رسول اللَّه ﷺ مناديًا أن الصلاة جامعة، فاجتمع الناس فتقدم رسول اللَّه ﷺ فكبّر وافتتح القرآن وقرأ قراءة طويلة يجهر بها" (٢)، فذكر الحديث. قال البخاري: حديث عائشة في الجهر أصح من حديث سمرة -قلت: يريد قول سمرة: "صلى بنا رسول اللَّه ﷺ في كسوف لم نسمع له صوتًا" (٣) - وهو أصرح منه بلا شك، وقد تضمن زيادة الجهر، فهذه ثلاث ترجيحات.

стр. 1580

[الرد على تخريجهم لحديث ابن عباس] والذي ردت به هذه السنة المحكمة هو المتشابه من قول ابن عباس: "إنه صلّى الكسوف فقرأ نحوًا من سورة البقرة" (١)، قالوا: فلو سمع ما قرأ لم يُقَدِّره بسورة البقرة. وهذا يحتمل وجوهًا (٢): أحدها: أنه لم يجهر. الثاني: أنه جهر، ولم يسمعه ابن عباس. الثالث: انه سمع ولم يحفظ ما قرأ به فقدَّره بسورة البقرة، فإن ابن عباس لم يجمع القرآن في حياة النبيّ ﷺ ، وإنما جمعه بعده. الرابع: أن يكون نسي ما قرأ به وحفظ قدر قراءته، فقدرها بـ[سورة] (٣) البقرة، ونحن نرى الرجل ينسى ما قرأ به الإمام في صلاة يومه، فكيف يقدّم هذا اللفظ المجمل على الصريح المحكم الذي لا يحتمل إلّا وجهًا واحدًا؟ [رواية ترك الجهر بالبسملة عن أنس] ومن العجب أن أنسًا روى ترك جهر النبيّ ﷺ ببِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٤)، ولم يصح عن صحابي خلافه، فقلتم: كان صغيرًا يصلّي خلف الصفوف فلم يسمع البسملة، وابن عباس أصغر سنًا منه بلا شك، وقدّمتم عدم سماعه للجهر على من سمعه صريحًا، فهلا قلتم: كان صغيرًا فلعله صلّى خلف الصف فلم يسمعه جهر؟ وأعجب من هذا قولكم: إن أنسًا كان صغيرًا لم يسمع (٥) تلبية رسول اللَّه ﷺ :

стр. 1581

"لبّيك حجًا وعمرة" (١)، وقدَّمتم قول ابن عمر عليه أنه أفرد الحجّ (٢)، وأنس إذ ذاك له عشرون سنة، وابن عمر لم يستكملها وهو (٣) بسن أنس، وقوله: "أفرد الحج"، مجمل، وقول أنس: "سمعته يقول لبيك عمرةً وحجًا"، محكم مبيّن صريح لا يحتمل غير ما يدل عليه، وقد قال ابن عمر: تمتع رسول اللَّه ﷺ بالعمرة إلى الحج (٤)، وبدأ فأهل بالعمرة، ثم أهل بالحج، فقدَّمتم على حديث أنس الصحيح الصريح المحكم الذي لم يُختلف عليه فيه حديثًا ليس مثله في الصراحة [والبيان] (٥)، ولم يذكر رواية لفظ النبيّ ﷺ ، وقد اختُلف عليه فيه. [الاكتفاء بالنضح في بول الغلام] المثال الثاني والخمسون: رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في الاكتفاء في بول الغلام الذي لم يَطعم بالنضح دون الغسل، كما في "الصحيحين" [من حديث] (٦) أم قيس: "أنها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام، فأجلسه رسول اللَّه ﷺ في حِجره، فبال عليه، فدعا رسول اللَّه ﷺ بماء فنضحه ولم يغسله" (٧). وفي "الصحيحين" أيضًا عن عائشة [رضى اللَّه عنها] (٨) "أن رسول اللَّه ﷺ كان يُؤتى بالصبيان فيبرِّك عليهم ويحنكهم (٩)، فأُتي بصبي فبال عليه، فدعاء بماء فاتبعه ولم يغسله" (١٠). وفي "سنن أبي داود" عن لبابة (١١) بنت الحارث قالت:

стр. 1582

كان الحسين بن علي (١) في حجر النبيّ ﷺ ، فبال عليه، فقالت: الْبَس ثوبًا وأعطني إزارك حتى أغسله، فقال: "إنما يُغسل من بول الأنثى، ويُنضح من بول الذكر" (٢)، وفي "المسند" وغيره عن عليّ ﵁ (٣) قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "بول الغلام الرضيع يُنضح، وبول الجارية يُغسل"، قال قتادة: هذا ما لم يطعما، فإذا طعما غسلا جميعًا (٤)، قال الحاكم أبو عبد اللَّه: هذا حديث صحيح الإسناد؛

стр. 1583

فإن أبا الأسود الدؤلي صَحَّ سماعه من عليّ ﵁ (١)، وقال الترمذي: حديث حسن. وفي "سنن أبي داود" من حديث أبي السَّمح خادم النبيّ ﷺ قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "يُغسل من بول الجارية، ويُرش من بول الغلام" (٢).

стр. 1584

وفي "المسند" من حديث أم كُرْز الخزاعية، قالت: أُتي النبيّ ﷺ بغلام فبال عليه فأمر به فنُضح، وأُتيَ بجارية فبالت عليه، فأمر به فغُسل (١)، وعند ابن ماجه: عن أم كُرْز الخزاعيّة أن النبيّ ﷺ قال: "بول الغلام يُنضح، وبول الجارية يُغسل" (٢). وصح الإفتاء بذلك عن علي بن أبي طالب (٣) وأم سلمة (٤)، ولم يأت عن

стр. 1585

صحابي خلافهما، فردَّت هذه السنن بقياس متشابه على بول الشيخ، وبعموم لم يرد به هذا الخاص، وهو قوله: "إنما يُغسل الثوب من أربع: من البول والغائط والمني والدم والقيء" (١)، والحديث لا يثبت، فإنه من رواية علي بن زيد بن

стр. 1586

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1587

جدعان [عنه] (١) ثابت بن حماد، [قال ابن عدي: لا أعلم رواه عن علي بن زيد غير ثابت بن حماد] (٢)، وأحاديثه مناكير ومعلولات (٣)، ولو صح وجب العمل بالحديثين، ولا يُضرب أحدهما بالآخر، ويكون البول فيه مخصوصًا ببول الصبي، كما خصّ منه بول ما يؤكل لحمه بأحاديث دون هذه في الصحة والشهرة.

стр. 1588

[جواز إفراد ركعة الوتر] المثال الثالث والخمسون: رد السنة الثابتة الصحيحة الصريحة المحكمة في الوتر بواحدة مفصولة، كما في "الصحيحين" عن ابن عمر أنه سئل رسول اللَّه ﷺ عن صلاة الليل فقال: "مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلَّى ركعة واحدة توتر له ما قد صلّى" (١)، وفي "الصحيحين" أيضًا من حديث عائشة: "كان رسول اللَّه ﷺ يُصلّي فيما بين أن يفرُغَ من صلاة العشاء إلى الفجر إحدى عشرة ركعة، يسلِّم من كل ركعتين، ويوتر بواحدة" (٢)، وفي "صحيح مسلم" عن أبي مِجْلَز قال: سألت ابن عباس عن الوتر، فقال: سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: "ركعة من آخر الليل" (٣)، وقد قال النبيّ ﷺ : "صلاة القاعد على النصف من صلاة القائم" (٤)، فإذا صلَّى القاعد ركعتين وجب بهذا النص أن تعدل صلاة القائم ركعة، فلو لم تصح لكانت صلاة القاعد أتمّ من صلاة القائم، والاعتماد على الأحاديث المتقدمة، وصح الوتر بواحدة مفصولة عن عثمان بن عفان (٥)، وسعد بن أبي وقاص (٦)،

стр. 1589

وعبد اللَّه بن عُمر (١)، وعبد اللَّه بن عباس (٢)، وأبي أيوب (٣)، ومعاوية بن أبي سفيان (٤)، وقال الحاكم أبو عبد اللَّه: ثنا عبد اللَّه بن سُليمان، ثنا أحمد بن صالح: ثنا عبد اللَّه بن وهب، عن سُليمان بن بلال، عن صالح بن كَيْسان، عن عبد اللَّه بن الفضل، عن الأعرج، وأبي سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "لا توتروا بثلاث تشبَّهوا بالمغرب، أوتروا بخمس أو سبع" (٥)، رواه ابنُ حِبَّان والحاكم في "صحيحيهما"، وقال الحاكم: رواته كلهم ثقات، وله شاهد آخر بإسناد صحيح: ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا طاهر بن عَمرو بن الرَّبيع بن طارق، ثنا أبي، ثنا الليث (٦): ثنا يزيد بن أبي حبيب، عن عِرَاك بن مالك، عن أبي هريرة، فذكر

стр. 1590

مثله سواء، وزاد: "أوتروا بخمس أو سبع أو تسع أو بإحدى عشرة ركعة أو أكثر من ذلك" (١)، فردَّت هذه السنن بحديثين باطلين وقياس فاسد: أحدهما: "نَهى عن البتيراء" (٢)، وهذا لا يعرف له إسناد لا صحيح ولا ضعيف، وليس في شيء من كتب الحديث المعتمد عليها، ولو صح فالبتيراء (٣) صفة للصلاة [التي] (٤) قد بُتر ركوعها وسجودها فلم يطمئن فيها. الثاني: حديث يُروى عن ابن مسعود مرفوعًا: "وتر الليل ثلاث، كوتر النهار

стр. 1591

صلاة المغرب" (١). وهذا الحديث وإن كان أصلح (٢) من الأول فإنه في "سنن الدارقطني"، فهو من رواية يحيى بن زكريا، قال الدارقطني: "يُقال له ابن أبي الحواجب، ضعيف، ولم يروه عن الأعمش مرفوعًا غيره"، ورواه الثوري في "الجامع" وغيره عن الأعمش موقوفًا على ابن مسعود (٣)، وهو الصواب. وأما القياس الفاسد فهو أن قالوا: رَأَيْنا المغرب وتر النهار، وصلاة الوتر وتر الليل، وقد شرع اللَّه سبحانه وتر النهار موصولًا فهكذا وتر الليل. [الفرق بين وتر الليل ووتر النهار] وقد صحت السنة بالفرق بين الوترين من وجوه كثيرة: أحدها: الجمع بين الجهر والسر في وتر النهار دون وتر الليل. الثاني: وجوب الجماعة أو مشروعيّتها فيه دون وتر الليل. الثالث: أنه ﷺ فعل وتر الليل على الراحلة (٤) دون وتر النهار.

стр. 1592

[الرابع: أنه قال في وتر الليل: إنه ركعة واحدة (١) دون وتر النهار.] (٢) الخامس: أنه أوتر بتسع وسبع وخمس موصولة دون وتر النهار (٣). السادس: أنه نهى عن تشبيه وتر الليل بوتر النهار كما تقدم. السابع: أن وتر الليل اسم للركعة وحدها، ووتر النهار اسم لمجموع صلاة المغرب كما في "صحيح مسلم"، من حديث ابن عمر وابن عباس أنهما سمعا رسول اللَّه ﷺ يقول: "الوتر ركعة من آخر الليل" (٤). الثامن: أن وتر النهار فرض ووتر الليل ليس بفرض باتفاق الناس. التاسع: أن وتر النهار يُقضى بالاتفاق، وأما وتر الليل فلم يقم على قضائه دليل، فإن المقصود منه قد فات [فهو] (٥) كتحية المسجد ورفع اليدين في محل الرفع والقنوت إذا فات، وقد توقف الإمام أحمد في قضاء الوتر، وقال شيخنا (٦): لا يُقضى، لفوات المقصود منه بفوات وقته، قال: وقد ثبت عن النبيّ ﷺ أنه كان إذا منعه من قيام الليل نوم أو وجع صلَّى من النهار ثنتي عشرة ركعة (٧)، ولم يذكر الوتر (٨).

стр. 1593

العاشر: أن المقصود من وتر الليل جعل (١) ما تقدَّمه من الأشفاع كلها وترًا، وليس المقصود منه إيتار الشفع الذي يليه خاصة، وكان الأَقْيَس ما جاءت به السنّة أن يكون ركعة مفردة توتر جميع ما قبلها (٢)، وباللَّه التوفيق. [التنفل بعد الإقامة للصلاة المكتوبة] المثال الرابع والخمسون: رد السنة الصحيحة الصريحة أنه لا يجوز التنفل إذا أقيمت صلاة الفرض كما في "صحيح مسلم" عن أبي هريرة أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلّا المكتوبة" (٣)، وقال الإمام أحمد في روايته: "إلّا التي أُقيمت" (٤)، وفي "الصحيحين" عن عبد اللَّه بن مالك بن بُحَيْنَة أن رسول اللَّه ﷺ رأى رجلًا، وقد أقيمت الصلاة يُصلي ركعتين، فلما انصرف رسول اللَّه ﷺ لَاثَ به الناس، وقال له رسول اللَّه ﷺ : "الصبح أربعًا؟ الصبح أربعًا؟ " (٥)، وفي "صحيح مسلم" عن عبد اللَّه بن سَرْجِس قال: دخل رجل المسجد ورسول اللَّه ﷺ في صلاة الصبح، فصلّى ركعتين قبل أنْ يصل إلى الصف، فلمَّا انصرف رسول اللَّه ﷺ قال له: "يا فلان بأي صلاتَيْك اعتددت؟ بالتي صَلَّيت وحدك أو بالتي صلّيت معنا؟ " (٦)، وفي "الصحيحين" أن رسول اللَّه ﷺ مَرَّ برجل، فكلّمه بشيء لا ندري ما هو، فلما انصرف أحطنا به نقول: ماذا قال لك رسول اللَّه ﷺ ؟ قال: قال لي: "يُوشك أن يصلِّي أحدكم الصبح أربعًا" (٧)،

стр. 1594

وعند مسلم: أقيمت صلاة الصبح، فرأى رسول اللَّه ﷺ رجلًا يصلّي والمؤذن يقيم الصلاة، فقال: "أتصلّي الصبح أربعًا؟ " (١)، وقال أبو داود الطيالسي في "مسنده": ثنا أبو عامر الخزاز، عن ابن أبي مُلَيْكَة، عن ابن عباس قال: كنت أصلّي وأخذ المؤذن في الإقامة، فجذبني (٢) رسول اللَّه ﷺ فقال: "أتصلِّي الصبح أربعًا" (٣)، وكان عمر بن الخطاب إذا رأى رجلًا يصلي وهو يسمع الإقامة ضربه (٤)، وقال حَمَّاد بن سلمة، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر: أنه أبصر رجلًا يصلي الركعتين والمؤذن يقيم، فحَصَبَه، وقال: أتصلّي الصبح أربعًا؟ (٥) فردت هذه السنن

стр. 1595

كلها بما رواه الحب ج بن نصير المتروك (١)، عن عباد بن كثير، الهالك (٢)، عن ليث، عن عطاء، عن أبي هريرة أن رسول اللَّه ﷺ قال: "إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلّا المكتوبة"، وزاد: "إلا ركعتي الصبح" (٣)، فهذه الزيادة كاسمها زيادة في الحديث لا أصل لها. فإن قيل: فقد كان أبو الدرداء يدخل المسجد والناس صفوف في صلاة الفجر فيصلّي الركعتين في ناحية المسجد، ثم يدخل مع القوم في الصلاة (٤)، وكان ابن مسعود يخرج من داره لصلاة الفجر ثم يأتي الصلاة فيصلّي ركعتين في ناحية المسجد ثم يدخل معهم في الصلاة (٥).

стр. 1596

قيل: عمر بن الخطاب وابنه [عبد اللَّه] (١) في مقابلة أبي الدرداء وابن مسعود، والسنة سالمة لا معارض لها، ومعها أصح قياس يكون، فإن وقتها يضيق بالإقامة فلم يقبل غيرها بحيث لا يجوز لمن حضر أن يؤخرها ويصلّيها بعد ذلك، واللَّه الموفق (٢). [صلاة النساء جماعة] المثال الخامس والخمسون: رد السنة الصحيحة المحكمة في استحباب صلاة النساء جماعة لا منفردات، كما في "المسند"، و"السنن" من حديث عبد الرحمن بن خَلَّاد عن أم ورقة بنت عبد اللَّه بن الحارث "أن رسول اللَّه ﷺ كان يزورها في بيتها، وجعل لها مؤذنًا كان يؤذن لها، وأمرها أن تؤمَّ أهل دارها"، قال عبد الرحمن: فأنا رأيت مؤذنها شيخًا كبيرًا (٣)، وقال الوليد بن

стр. 1597

جميع: حدثتني جدتي عن أم ورقة أن النبيّ ﷺ أمرها، أَو اذِنَ لها، أن تؤمَّ أهل دارها، وكانت قد قرأت القرآن على عهد رسول اللَّه ﷺ (١)، وقال الإمام أحمد: ثنا وكيع، ثنا سفيان، عن ميسرة أبي حازم، عن رائطة الحنفية أن عائشة ﵂ أمَّت نسوة في المكتوبة، فأَمَّتهن بينهن وسطًا (٢)، تابعه ليث عن

стр. 1598

عطاء، عن عائشة (١)، وروى الشافعي عن أم سلمة أنها أمَّت نساء فقامت وسطهنّ (٢)، ولو لم يكن في المسألة إلّا عموم قوله ﷺ : "تفضلُ صلاة الجماعة على صلاة الفَذِّ (٣) بسبع وعشرين درجة" (٤)، لكفى. وروى البيهقي من حديث يحيى بن يحيى: أنا ابن لهيعة، عن الوليد بن أبي الوليد، عن القاسم بن محمد، عن عائشة أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لا خير في جماعة النساء إلّا في صلاة أو جنازة" (٥)، والاعتماد على ما تقدم، فردّت هذه

стр. 1599

السنن بالمتشابه من قوله ﷺ : "لن يفلح قوم وَلّوا أمرهم امرأة" (١)، وهذا إنما هو في (٢) الولاية والإمامة العظمى والقضاء، وأما الرواية والشهادة والفُتْيا والإمامة فلا تدخل في هذا. والعجب (٣) أنَّ من خالف هذه السنة جَوَّز أن تكون قاضية تلي أمور المسلمين، فكيف أفلحوا وهي حاكمة عليهم ولم تفلح أخواتها من النساء إذا أمَّتهن؟. [التسليم من الصلاة مرة أو مرتين] المثال السادس والخمسون: رد السنة (٤) الصحيحة الصريحة المحكمة عن النبيّ ﷺ التي رواها عنه خمسة عشر نفسًا من الصحابة "أنه كان يسلّم في الصلاة عن يمينه وعن يساره: السلام عليكم ورحمة اللَّه، السلام عليكم ورحمة اللَّه" (٥)،

стр. 1600

منهم عبد اللَّه بن مسعود، وسعد بن أبي وقاص، وجابر بن سَمُرة، وأبو موسى الأشعري، وعمار بن ياسر، وعبد اللَّه بن عمر، والبراء بن عازب، ووائل بن حُجْر، وأبو مالك الأشعري، وعَدي بن عَميرة (١) الضَّمري، وطلق بن علي، وأوس بن أوس، وأبو رِمْثَة، والأحاديث بذلك ما بين صحيح وحسن (٢)، فرد ذلك بخمسة أحاديث مختلف في صحّتها. أحدها: حديث هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة "أن رسول اللَّه ﷺ كان يسلم تسليمة واحدة" (٣)، رواه الترمذي.

стр. 1601

والثاني: حديث عبد العزيز بن محمد الدَّرَاوَرْدي، عن مصعب بن ثابت، عن إسماعيل بن محمد، عن عامر بن سعد، [عن سعد] (١) "أن رسول اللَّه ﷺ كان. في آخر الصلاة تسليمة واحدة: السلام عليكم" (٢). الثالث: حديث عبد المهيمن بن عَبَّاس، عن أبيه، عن جده أنه سمع

стр. 1602

رسول اللَّه ﷺ يسلم تسليمة واحدة لا يزيد عليها، رواه الدارقطني (١). الرابع: حديث [روح بن] (٢) عطاء بن أبي ميمونة، عن أبيه، عن الحسن، عن سمرة بن جندب: "كان رسول اللَّه ﷺ يُسلِّم [مرة] (٣) واحدة في الصلاة قِبَل وجهه، فإذا سَلَّم عن يمينه سَلَّم عن يساره"، رواه الدارقطني (٤).

стр. 1603

الخامس: حديث يحيى بن راشد، عن يزيد مولى سلمة بن الأكوع، [عن سلمة] (١) قال: رأيت رسول اللَّه ﷺ يسلّم مرة واحدة (٢). وهذه الأحاديث لا تقاوم تلك ولا تقاربها حتى تُعارض بها. أمّا حديث عائشة فحديث معلول باتفاق أهل العلم بالحديث، قال البخاري (٣): "زهير بن محمد أهل الشام يروون [عنه] (٤) مناكير"، وقال يحيى (٥):

стр. 1604

ضعيف. والحديث من رواية عمرو بن أبي سلمة عنه، قال الطحاوي (١): "هو وإن كان ثقة فإن رواية عمرو بن أبي سلمة عنه تضعف جدًا، هكذا (٢) قال يحيى بن معين فيما حَكَى لي عنه غير واحد من أصحابنا منهم علي بن عبد الرحمن بن المغيرة، وزعم أن فيها تخليطًا كثيرًا"، قال: "والحديث أصله موقوف على عائشة، هكذا رواه الحفاظ". فإن قيل: فإذا ثبت ذلك عن عائشة فبمن تعارضها في ذلك من أصحاب رسول اللَّه ﷺ ؟. قيل له (٣): بأبي بكر، وعمر، وعلي بن أبي طالب (٤)، وعبد اللَّه بن مسعود، وعمار بن ياسر، وسهل بن سعد الساعدي، وذكر الأسانيد عنهم بذلك". ثم قال (٥): "فهؤلاء أصحاب رسول اللَّه ﷺ أبو بكر، وعمر، وعليّ، وابن مسعود، وعَمَّار ومن ذكرنا معهم يسلمون عن أيمانهم وعن شمائلهم، ولا ينكر ذلك عليهم غيرهم، على قرب عهدهم برؤية رسول اللَّه ﷺ ، وحفظهم لأفعاله، فما ينبغي لأحد خلافه لو لم يكن رُوي في ذلك عن رسول اللَّه ﷺ [شيء]، فكيف وقد روي عنه ما يوافق فعلهم؟ ". وأمّا حديث سعد بن أبي وقاص فحديثٌ معلول، بل باطل، والدليل على بطلانه أن الذي رواه هكذا الدراوردي خاصة، وقد خالف في ذلك جميع من رواه عن مصعب بن ثابت كعبد اللَّه بن المبارك، ومحمد بن عمرو، ثم قد رواه إسماعيل بن محمد عن عامر بن سعد عن سعد كما رواه الناس: "كان رسول اللَّه ﷺ يسلِّم عن يمينه حتى يُرى بياض خَدِّه، وعن يساره حتى يُرى بياض خدّه"، رواه مسلم في "صحيحه" (٦).

стр. 1605

فقد صحَّ رواية سعد "أن رسول اللَّه ﷺ سَلَّم تسليمتين" (١)، ومعه من ذكرنا من الصحابة، وبان بذلك بطلانُ رواية الدراوردي. وأمّا حديث عبد المهيمن بن عَبَّاس (٢) بن سهل، عن أبيه، عن جده فقال الدارقطني (٣): "عبد المهيمن ليس بالقوي"، وقال ابن حبان (٤): بطل الاحتجاج به. وأما حديث عطاء بن أبي ميمونة، عن أبيه (٥)، عن الحسن فمن رواية روح ابنه عنه، قال الإمام أحمد (٦): منكر الحديث، وتركه يحيى (٧). وأما حديث يحيى بن راشد عن يزيد مولى سلمة فقال يحيى [بن معين] (٨): يحيى بن راشد ليس بشيء (٩)، وقال النسائي (١٠): ضعيف. وقال أبو عمر بن عبد البر (١١): رُوي عن النبيّ ﷺ "أنه كان يسلم تسليمة واحدة"، من حديث سعد بن أبي وقاص، ومن حديث عائشة، ومن حديث أنس (١٢)، إلّا أنها معلولة لا يصححها أهل العلم بالحديث؛ لأن حديث سعد

стр. 1606

أخطأ فيه الدراوردي، فرواه على غير ما رواه الناس بتسليمة واحدة، وغيره يروي فيه بتسليمتين، ثم ذكر حديثه عن مصعب بن ثابت "أن رسول اللَّه ﷺ كان يسلم في الصلاة تسليمة واحدة" (١)، ثم قال: وهذا وهم عندهم وغلط، وإنما الحديث كما رواه ابن المبارك وغيره عن مصعب بن ثابت عن إسماعيل بن محمد، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه "كان يسلم عن يمينه وعن يساره" (٢)، وقد روي هذا الحديث بالتسليمتين من طريق مصعب، ثم ساق طرقه بالتسليمتين عن سعد، ثم ساق من طريق ابن المبارك عن مصعب، عن إسماعيل بن محمد، عن عامر بن سعد، عن أبيه قال: "رأيت رسول اللَّه ﷺ يسلم عن يمينه وعن شماله، وكأني أنظر إلى صفحة خدّه" (٣)، فقال الزهري: ما سمعنا هذا من حديث رسول اللَّه ﷺ ، فقال له إسماعيل بن محمد: أكلّ حديث رسول اللَّه ﷺ سمعت؟ قال: لا، قال: فنصفه؟ قال: لا، قال: فاجعل هذا في النصف الذي لم تسمع. قال (٤): وأما حديث عائشة ﵂ "أن النبيّ ﷺ كان يسلم تسليمة واحدة" (٥)، فلم يرفعه أحد إلّا زهير بن محمد وحده عن هشام بن عروة، رواه عنه عمرو بن أبي سلمة [وغيره]، وزهير بن محمد ضعيف عند الجميع كثير الخطأ لا يحتجّ به، وذكر ليحيى (٦) بن معين هذا الحديث فقال: عمرو بن أبي سلمة وزهير ضعيفان لا حجة فيهما.

стр. 1607

وأما حديث أنس فلم يأت إلا من طريق أيوب السختياني عن أنس (١)، ولم يسمع أيوب من أنس (٢) عندهم شيئًا. قال: وقد روي عن الحسن (٣) مرسلًا "أن النبيّ ﷺ وأبا بكر وعمر كانوا يسلمون تسليمة واحدة" (٤)، ذكره وكيع عن الربيع عنه، قال: "والعمل المشهور بالمدينة التسليمة الواحدة، وهو عمل قد توارثه أهل المدينة كابرًا عن كابر، ومثله يصح فيه الاحتجاج بالعمل في كل بلد؛ لأنه لا يخفى، لوقوعه في كل يوم مرارًا". [الكلام على عمل أهل المدينة] قلت: وهذا أصل قد نازعهم فيه الجمهور، وقالوا: عمل أهل المدينة كعمل غيرهم من أهل الأمصار، ولا فرق بين عملهم وعمل أهل الحجاز والعراق والشام (٥)، فمن كانت السنة معهم فهم أهل العمل المتبع، وإذا اختلف علماء

стр. 1608

المسلمين لم يكن عمل بعضهم حجة على بعض، وإنما الحجة اتّباع السنة، ولا تُترك السنة لكون عَمَل بعض المسلمين على خلافها أو عَمِل بها غيرُهم، ولو ساغ ترك السنة لعمل بعض الأمة على خلافها لتُرِكَت السنن وصارت تبعًا لغيرها، فإن عَمِل بها ذلك الغير عُمِل بها وإلّا فلا، والسنة هي العيار على العمل، وليس العمل عيارًا على السنة، ولم تضمن لنا العصمة قط في عمل مصر من الأمصار دون سائرها، والجدران والمساكن والبقاع لا تأثير لها في ترجيح الأقوال، وإنما التأثير لأهلها وسكانها، ومعلوم أن أصحاب رسول اللَّه ﷺ شاهدوا التنزيل، وعرفوا التأويل، وظفروا من العلم بما لم يظفر به من بعدهم، فهم المُقدَّمون في العلم على من سواهم، كما هم المقدّمون في الفضل والدين، وعملهم هو العمل الذي لا يُخالف، وقد انتقل أكثرهم عن المدينة، وتفرّقوا في الأمصار، بل أكثر علمائهم صاروا إلى الكوفة والبصرة والشام مثل عليّ بن أبي طالب (١)، وأبي موسى، وعبد اللَّه بن مسعود، وعُبادة بن الصامت، وأبي الدرداء، وعمرو بن العاص، ومعاوية بن أبي سفيان، ومعاذ بن جبل، وانتقل إلى الكوفة والبصرة نحو ثلاث مئة صحابي ونيَّف، وإلى الشام ومصر نحوهم، فكيف يكون عمل هؤلاء معتبرًا ما داموا في المدينة، فإذا خالفوا غيرهم لم يكن عمل من خالفوه معتبرًا، فإذا فارقوا جدران المدينة كان عمل من بقي فيها هو المعتبر، ولم يكن خلاف مَنْ (٢) انتقل عنها معتبرًا؟! هذا من الممتنع، وليس جعل عمل الباقين معتبرًا أَوْلى من جعل عمل المفارقين معتبرًا، فإن الوحي قد انقطع بعد رسول اللَّه ﷺ ، ولم يبق إلّا كتاب اللَّه وسنة رسوله، فمن كانت السنة معه فعمله هو العمل المعتبر حقًا، ثم كيف (٣) تُترك السنة المعصومة لعمل غير معصوم؟. ثم يقال: أرأيتم لو استمرّ عمل أهل مصر من الأمصار التي انتقل إليها الصحابة على ما أدّاه إليهم مَنْ صار إليهم من الصحابة، ما الفرق بينه وبين عمل

стр. 1609

أهل المدينة المستمرّ على مَنْ أَدَّاه إليهم من بها من الصحابة، والعمل إنما استند (١) إلى قول رسول اللَّه ﷺ وفعله؟ فكيف يكون قوله وفعله الذي أدَّاه من بالمدينة موجبًا للعمل دون قوله وفعله الذي أدَّاه غيرهم؟ هذا إذا كان النص مع عمل أهل المدينة، فكيف إذا كان مع غيرهم النص، وليس معهم نصٌّ يعارضه، وليس معهم إلّا مجرد العمل؟ ومن المعلوم أن العمل لا يُقابل النص، بل يُقابَل العمل بالعمل، ويسلم النص عن المعارض. وأيضًا فنقول: هل يجوز أن يخفى على أهل المدينة بعد مفارقة جمهور الصحابة لها سنة من سنن رسول اللَّه ﷺ ويكون علمها عند مَنْ فارقها أم لا؟ فإن قلتم: "لا يجوز"، أبطلتم أكثر السنن التي لم يروها أهل المدينة، وإن كانت من رواية إبراهيم عن علقمة عن عبد اللَّه، ومن رواية أهل بيت علي عنه، ومن رواية أصحاب معاذ عنه، ومن رواية أصحاب أبي موسى عنه، ومن رواية (٢) عمرو بن العاص، وابنه عبد اللَّه، وأبي الدرداء، ومعاوية، وأنس بن مالك، وعمار بن ياسر وأضعاف هؤلاء، وهذا مما لا سيل إليه. وإن قلتم: "يجوز أن يخفى على من بقي في المدينة بعض السُّنن ويكون علمها عند غيرهم"، فكيف تُترك السنن لعمل مَن قد اعترفتم بأنَّ السنّة قد تخفى عليهم؟. وأيضًا فإن عمر بن الخطاب كان إذا كتب إليه بعض الأعراب بسنة عن رسول اللَّه ﷺ عمل بها، ولو لم يكن معمولًا بها بالمدينة، كما كتب إليه الضَّحاك بن سفيان الكِلابيّ: "أن رسول اللَّه ﷺ وَرَّث امرأة أَشْيَم الضِّبابي من دية زوجها"، فقضى به عمر (٣). وأيضًا فإن هذه السنة التي لم يعمل بها أهل المدينة لو جاء مَن رواها إلى المدينة وعمل بها لم يكن عمل مَنْ خالفه حجّة عليه، فكيف يكون حجة عليه إذا خرج من المدينة؟.

стр. 1610

وأيضًا فإن هذا يُوجب أن يكون جميع أهل الأمصار تبعًا لأهل المدينة (١) فيما يعملون به، وأنه لا يجوز لهم مخالفتهم في شيء، فإن عملهم إذا قُدِّم على السنة فلأن يُقدَّم على عمل غيرهم أولى، وإن قيل: إن عملهم نفسه سنة لم يحل لأحد مخالفتهم، ولكن عمر بن الخطاب ومن بعده من الخلفاء لم يأمر أحد منهم أهل الأمصار أن لا يَعْملوا بما عرفوه (٢) من السنة وعَلَّمهم إياه الصحابة إذا خالف عمل أهل المدينة، وأنهم لا يعملون إلّا بعمل أهل المدينة، بل مالك نفسه منع الرشيد من ذلك، وقد عزم عليه، وقال له: قد تفرَّق أصحاب رسول اللَّه ﷺ في البلاد، وصار عند كل طائفة منهم علم ليس عند غيرهم (٣)، وهذا يدل على أن عمل أهل المدينة ليس عنده حجة لازمة لجميع الأمة، وإنما هو اختيار منه لما رأى عليه العمل، ولم يقل قط في "موطئه" ولا غيره لا يجوز العمل بغيره، بل يخبر إخبارًا مجردًا أن هذا عمل أهل بلده، فإنه ﵁ وجزاه عن الإسلام خيرًا ادَّعى إجماع أهل المدينة في نيِّف وأربعين مسألة. ثم هي ثلاثة أنواع (٤): أحدهما: لا يعلم أن أهل المدينة خالفهم فيه غيرهم. والثاني: ما خالف فيه أهل المدينة غيرهم وإن لم يعلم اختلافهم فيه. والثالث: ما فيه الخلاف بين أهل المدينة انفسهم، ومن ورعه ﵀ لم يقل: إن هذا إجماع الأمة الذي لا يحلّ خلافه. [هل حقًا أن عمل أهل المدينة حجة ؟] وعند هذا فنقول: ما عليه العمل إمّا أن يراد به القسم الأول، أو هو والثاني، أو هما والثالث، فإن اريد الأول فلا ريب أنه حجّة يجب اتّباعه، وإن أريد الثاني والثالث فأين دليله؟ وأيضًا فأحق عمل أهل المدينة أن يكون حجة العمل القديم الذي كان في زمن رسول اللَّه ﷺ وأصحابه وزمن خلفائه الراشدين، وهذا كعملهم الذي كأنه مُشاهد بالحس ورأي عين في (٥) إعطائهم أموالهم التي

стр. 1611

قسمها رسول اللَّه ﷺ على من شهد معه خيبر فأعطوها اليهود على أن يعملوها بأنفسهم وأموالهم والثمرة بينهم وبين المسلمين، يقرّونهم ما أقرَّهم اللَّه ويخرجونهم متى شاءوا (١)، واستمرّ هذا العمل كذلك لا ريب إلى أن استأثر اللَّه بنبيه ﷺ مدة أربعة أعوام، ثم استمرّ مدة خلافة الصدِّيق، وكلهم على ذلك، ثم استمرّ مدة خلافة عمر ﵃، إلى أن أجلاهم قبل أن يستشهد بعام (٢)، فهذا هو العمل حقًا. فكيف ساغ خلافه وتركه لعمل حادث؟. ومن ذلك عمل الصحابة مع نبيهم ﷺ على الاشتراك في الهَدْي: البَدَنة عن عشرة (٣) والبقرة عن سبعة (٤)، فيا له من عمل ما أحقّه وأولاه بالاتّباع، فكيف يخالف إلى عمل حادث بعده مخالف له؟.

стр. 1612

[سجود التلاوة في "الانشقاق "] ومن ذلك عمل أهل المدينة الذي كأنه رأي عين في سجودهم في: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾ [الانشقاق: ١] مع نبيّهم ﷺ وتبعهم (١) أبو هريرة (٢)، وإنما صحب النبيّ ﷺ ثلاثة أعوام وبعض الرابع، وقد أخبر عن عمل الصحابة مع نبيّهم في آخر أمره، فهذا واللَّه هو العمل، فكيف يُقدَّم عليه عمل مَن بعدهم بما شاء اللَّه من السنين، ويُقال: العمل على ترك السجود؟.

стр. 1613

ومن ذلك عمل الصحابة مع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وقد قرأ السجدة على المنبر في خطبته يوم الجمعة ثم نزل عن المنبر فسجد، وسجد معه أهل المسجد، ثم صعد (١)، وهذا العمل حق، فكيف يقال: العمل على خلافه، ويقدم العمل الذي يخالف ذلك عليه (٢)؟. [الاقتداء بالنبي ﷺ وهو جالس] ومن ذلك عمل الصحابة مع النبي ﷺ في اقتدائهم به، وهو جالس (٣)، وهذا كأنه رأي عين، سواء كانت صلاتهم خلفه قعودًا أو قيامًا، فهذا عمل في غاية الظهور والصحة (٤)، فمن العجب أن يُقدَّم عليه رواية جابر الجُعفي عن الشعبي -وكلاهما كوفيان (٥) - أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لا يؤمنَّ أحدٌ بعدي جالسًا" (٦)! وهذه من أسقط روايات أهل الكوفة.

стр. 1614

[الطِّيب قبل الإفاضة] ومن ذلك أن سليمان بن عبد الملك عام حج، جمع ناسًا من أهل العلم، فيهم عمر بن عبد العزيز، وخارجة بن زيد بن ثابت، والقاسم بن محمد، وسالم، وعبد اللَّه (١) ابنا عبد اللَّه بن عمر، ومحمد بن شهاب الزهري، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فسألهم عن الطيب قبل الإفاضة، فكلّهم أمره بالطيب، وقال القاسم: أخبرتني عائشة أنها طَيَّبت رسول اللَّه ﷺ لِحُرْمه حين أحرم ولحلِّه قبل أن يطوف بالبيت (٢)، ولم يختلف عليه أحد منهم، إلا أن عبد اللَّه بن عبد اللَّه (٣) قال: كان عبد اللَّه رجلًا جادًّا مجدًّا، كان يرمي الجمرة ثم يذبح ثم يحلق ثم يركب فيفيض (٤) قبل أن يأتي منزله، قال سالم: صدق، ذكره النسائي (٥)، فهذا عملُ أهل المدينة وفتياهم، فأيُّ عملٍ بعد ذلك يخالفه يستحق التقديم عليه؟. [المزارعة على الثلث والربع] ومن ذلك ما رواه البخاري في "صحيحه" عن [قيس] (٦) بن مسلم، عن أبي جعفر قال: "ما بالمدينة أهل بيت هجرة إلا يزرعون على الثلث والربع، وزارع علي، وسعد بن مالك، وعبد اللَّه بن مسعود، وعمر بن عبد العزيز، والقاسم بن محمد، وعروة بن الزبير، وآل أبي بكر، وآل عمر، وآل علي، وابن سيرين، وعامل عمر بن الخطاب الناس على [أنه] (٧) إن جاء عمر بالبذر من عنده فله الشَّطر، وإن جاءوا بالبذر فلهم كذا [وكذا] (٨) "، فهذا واللَّه هو العمل الذي يستحق

стр. 1615

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
следующие страницы →