← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17798

إعلام الموقعين عن رب العالمين - ت مشهور

ابن القيم

Полный текст (3 107 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.

стр. 1611

قسمها رسول اللَّه ﷺ على من شهد معه خيبر فأعطوها اليهود على أن يعملوها بأنفسهم وأموالهم والثمرة بينهم وبين المسلمين، يقرّونهم ما أقرَّهم اللَّه ويخرجونهم متى شاءوا (١)، واستمرّ هذا العمل كذلك لا ريب إلى أن استأثر اللَّه بنبيه ﷺ مدة أربعة أعوام، ثم استمرّ مدة خلافة الصدِّيق، وكلهم على ذلك، ثم استمرّ مدة خلافة عمر ﵃، إلى أن أجلاهم قبل أن يستشهد بعام (٢)، فهذا هو العمل حقًا. فكيف ساغ خلافه وتركه لعمل حادث؟. ومن ذلك عمل الصحابة مع نبيهم ﷺ على الاشتراك في الهَدْي: البَدَنة عن عشرة (٣) والبقرة عن سبعة (٤)، فيا له من عمل ما أحقّه وأولاه بالاتّباع، فكيف يخالف إلى عمل حادث بعده مخالف له؟.

стр. 1612

[سجود التلاوة في "الانشقاق "] ومن ذلك عمل أهل المدينة الذي كأنه رأي عين في سجودهم في: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾ [الانشقاق: ١] مع نبيّهم ﷺ وتبعهم (١) أبو هريرة (٢)، وإنما صحب النبيّ ﷺ ثلاثة أعوام وبعض الرابع، وقد أخبر عن عمل الصحابة مع نبيّهم في آخر أمره، فهذا واللَّه هو العمل، فكيف يُقدَّم عليه عمل مَن بعدهم بما شاء اللَّه من السنين، ويُقال: العمل على ترك السجود؟.

стр. 1613

ومن ذلك عمل الصحابة مع أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وقد قرأ السجدة على المنبر في خطبته يوم الجمعة ثم نزل عن المنبر فسجد، وسجد معه أهل المسجد، ثم صعد (١)، وهذا العمل حق، فكيف يقال: العمل على خلافه، ويقدم العمل الذي يخالف ذلك عليه (٢)؟. [الاقتداء بالنبي ﷺ وهو جالس] ومن ذلك عمل الصحابة مع النبي ﷺ في اقتدائهم به، وهو جالس (٣)، وهذا كأنه رأي عين، سواء كانت صلاتهم خلفه قعودًا أو قيامًا، فهذا عمل في غاية الظهور والصحة (٤)، فمن العجب أن يُقدَّم عليه رواية جابر الجُعفي عن الشعبي -وكلاهما كوفيان (٥) - أن رسول اللَّه ﷺ قال: "لا يؤمنَّ أحدٌ بعدي جالسًا" (٦)! وهذه من أسقط روايات أهل الكوفة.

стр. 1614

[الطِّيب قبل الإفاضة] ومن ذلك أن سليمان بن عبد الملك عام حج، جمع ناسًا من أهل العلم، فيهم عمر بن عبد العزيز، وخارجة بن زيد بن ثابت، والقاسم بن محمد، وسالم، وعبد اللَّه (١) ابنا عبد اللَّه بن عمر، ومحمد بن شهاب الزهري، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فسألهم عن الطيب قبل الإفاضة، فكلّهم أمره بالطيب، وقال القاسم: أخبرتني عائشة أنها طَيَّبت رسول اللَّه ﷺ لِحُرْمه حين أحرم ولحلِّه قبل أن يطوف بالبيت (٢)، ولم يختلف عليه أحد منهم، إلا أن عبد اللَّه بن عبد اللَّه (٣) قال: كان عبد اللَّه رجلًا جادًّا مجدًّا، كان يرمي الجمرة ثم يذبح ثم يحلق ثم يركب فيفيض (٤) قبل أن يأتي منزله، قال سالم: صدق، ذكره النسائي (٥)، فهذا عملُ أهل المدينة وفتياهم، فأيُّ عملٍ بعد ذلك يخالفه يستحق التقديم عليه؟. [المزارعة على الثلث والربع] ومن ذلك ما رواه البخاري في "صحيحه" عن [قيس] (٦) بن مسلم، عن أبي جعفر قال: "ما بالمدينة أهل بيت هجرة إلا يزرعون على الثلث والربع، وزارع علي، وسعد بن مالك، وعبد اللَّه بن مسعود، وعمر بن عبد العزيز، والقاسم بن محمد، وعروة بن الزبير، وآل أبي بكر، وآل عمر، وآل علي، وابن سيرين، وعامل عمر بن الخطاب الناس على [أنه] (٧) إن جاء عمر بالبذر من عنده فله الشَّطر، وإن جاءوا بالبذر فلهم كذا [وكذا] (٨) "، فهذا واللَّه هو العمل الذي يستحق

стр. 1615

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1616

تقديمه على كل عمل خالفه، والذي مَنْ جعله بينه وبين اللَّه فقد استوثق. فياللَّه [العَجب] (١)! أيّ عمل بعد هذا يقدم [عليه] (٢)؟ وهل يكون عمل يمكن أن يقال: إنه إجماع، أظهر من هذا وأصح منه؟ (٣). [أنواع السنن وأمثلة لكل نوع منها] وأيضًا فالعمل نوعان (٤):

стр. 1617

• نوع لم يعارضه نص ولا عمل قبله ولا عمل مصر آخر غيره. • وعمل عارضه واحد من هذه الثلاثة. فإن سوّيتم بين أقسام هذا العمل كلها فهي تسوية بين المختلفات التي فرَّق النَّصُّ والعقل بينها، وإنْ فرَّقتم بينها فلا بدَّ من دليل فارق بين ما هو معتبر منها وما هو غير معتبر، ولا تذكرون دليلًا قط إلا كان دليل مَنْ قدَّم النص أقوى، وكان به أسعد. وأيضًا فإنّا نقسم عليكم هذا العمل من وجه آخر ليتبيّن به المقبول من المردود، فنقول: عمل أهل المدينة وإجماعهم نوعان: أحدهما: ما كان من طريق النقل والحكاية. والثاني: ما كان من طريق الاجتهاد والاستدلال. فالأول على ثلاثة أضرب: أحدها: نقل الشرع مبتدأ من جهة النبيّ ﷺ ، وهو أربعة أنواع: أحدها: نقل قوله، والثاني: نقل فعله، والثالث: نقل تقريره لهم على أمر شاهدهم عليه أو أخبرهم به، الرابع: نقلهم لترك شيء قام سبب وجوده ولم يفعله. الثاني: نقل العمل المتصل زمنًا بعد زمن من عهده ﷺ . والثالث: نقل لأماكن وأعيان ومقادير لم تتغير عن حالها. [نقل القول، وطريقة البخاري في ترتيب "صحيحه "] ونحن نذكر أمثلة هذه الأنواع، فأما نقل قوله فظاهر، وهو الأحاديث المدنية التي هي أمّ الأحاديث النبوية، وهي أشرف أحاديث أهل الأمصار، ومن تأمّل أبواب البخاري وجده أوّل ما يبدأ في الباب بها ما وجدها، ثم يتبعها بأحاديث أهل الأمصار، وهذه كمالك عن نافع عن ابن عمر، وابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، ومالك عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، وأبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة، وابن شهاب عن سالم عن أبيه، وابن شهاب عن حُميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة، ويحيى بن سعيد عن أبي سلمة عن أبي هريرة، وابن شهاب عن عُبيد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة عن ابن عباس، ومالك عن موسى بن عقبة عن كريب عن أسامة بن زيد، والزهري عن عطاء بن يزيد الليثي عن أبي أيوب، وأمثال ذلك.

стр. 1618

[نقل الفعل] أما نقل فعله فكنقلهم أنه توضأ من بئر بضاعة (١)، وأنه كان يخرج كل عيد

стр. 1619

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1620

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1621

إلى المصلَّى فيصلّي به العيد هو والناس (١)، وأنه كان يخطبهم قائمًا على المنبر

стр. 1622

وظهره إلى القبلة ووجهه إليهم (١)، وأنه كان يزور قباء كل سبت ماشيًا وراكبًا (٢)،

стр. 1623

وأنه كان يزورهم في دورهم ويعود مرضاهم ويشهد جنائزهم (١) ونحو ذلك. [نقل التقرير] وأما نقل التقرير، فكنقلهم إقراره لهم على تلقيح النَّخل (٢)، وعلى تجاراتهم التي كانوا يتّجرونها، وهي على ثلاثة أنواع: تجارة الضرب في الأرض، وتجارة الإدارة، وتجارة السّلم (٣)، فلم يُنكر عليهم منها تجارة واحدة، وإنما أنكر (٤) عليهم فيها الربا الصريح ووسائله المفضية إليه أو التوسل بتلك المتاجر إلى الحَرَام

стр. 1624

كبيع السلاح لمن يقاتل به المسلم، وبيع العصير لمن يعصره خمرًا، وبيع الحرير لمن يلبسه من الرجال ونحو ذلك مما هو معاونة على الإثم والعدوان. وكإقرارهم على صنائعهم المختلفة من تجارة وخياطة وصياغة وفلاحة، وإنما حرَّم عليهم فيها الغشّ والتوسّل بها إلى المحرمات، وكإقرارهم على إنشاد الأشعار المباحة (١)، وذكر أيام الجاهلية (٢) والمسابقة على الأقدام (٣)، وكإقرارهم على المناهدة (٤) في السفر (٥)، وكإقرارهم على الخُيلاء في الحرب (٦)، ولبس

стр. 1625

الحرير فيه (١)، وإعلام الشجاع منهم بعينه بعلامة من ريشة أو غيرها. وكإقرارهم على لبس ما نَسَجه الكفار من الثياب (٢)، وعلى إنفاق ما ضربوه من الدراهم، وربما صار عليها صورة ملوكهم (٣)، ولم يضرب رسول اللَّه ﷺ ولا خلفاؤه مدة حياتهم دينارًا ولا درهمًا، وإنما كانوا يتعاملون بضرب الكفار.

стр. 1626

وكإقراره لهم بحضرته على المزاح المباح (١)، وعلى الشبع في الأكل (٢)، وعلى النوم في المسجد (٣)، وعلى شركة الأبدان (٤)، وهذا كثير من أنواع السنن احتجّ به الصحابة وأئمّة الإسلام كلهم. وقد احتجّ به جابر في تقرير الربّ في زمن الوحي؛ كقوله: "كنا نعزلُ

стр. 1627

والقرآن ينزل، فلو كان شيء يُنهى عنه لنهى عنه القرآن" (١)، وهذا من كمال فقه الصحابة وعلمهم، واستيلائهم على معرفة طرق الأحكام ومداركها، وهو يدل على أمرين: أحدهما: أن أصل الأفعال الإباحة، ولا يَحْرم منها إلّا ما حَرَّمه اللَّه على لسان رسوله. الثاني: أنَّ علم الرب تعالى بما يفعلون (٢) في زمن شرع الشرائع ونزول الوحي وإقراره لهم عليه دليل على عفوه عنه، والفرق بين هذا الوجه والوجه الذي قبله أنه في الوجه الأول يكون معفوًّا عنه استصحابًا، وفي الثاني يكون العفو عنه تقريرًا لحكم الاستصحاب، ومن هذا النوع تقريره لهم على أكل الزُّرُوع التي تُداس بالبقر، من غير أمر لهم بغسلها، وقد علم ﷺ أنها لا بدّ أن تبول وقت الدياس، ومن ذلك تقريره لهم على الوقود في بيوتهم وعلى أطعمتهم بأرواث الإبل وأخثاء البقر وأبعار الغنم، وقد علم أن دُخانَها ورمادها يصيب ثيابهم وأوانيهم، ولم يأمرهم باجتناب ذلك، وهو دليل على أحد أمرين ولا بدّ: طهارة ذلك، أو أن دخان النجاسة ورمادها ليس بنجس. ومن ذلك تقريرهم على سجود أحدهم على ثوبه إذا اشتدَّ الحرُّ (٣)، ولا يقال في ذلك: إنه ربما لم يعلمه، لأن اللَّه قد عَلِمه وأقرَّهم عليه ولم يأمر رسوله بإنكاره عليهم، فتأمل هذا الموضع. ومن ذلك تقريرهم على الأنكحة التي عقدوها في حال الشرك ولم يتعرّض لكيفية وقوعها، وإنما أنكر منها ما لا مَسَاغ له في الإسلام حين الدخول فيه (٤).

стр. 1628

ومن ذلك تقريرهم على ما بأيديهم من الأموال التي اكتسبوها قبل الإسلام بربًا أو غيره، ولم يأمر بردها، بل جعل لهم بالتوبة ما سلف من ذلك، ومنه تقرير الحبشة باللّعب في المسجد بالحِرَاب، وتقرير عائشة على النظر إليهم (١)، وهو كتقرير النساء على الخروج والمشي في الطرقات وحضور المساجد (٢) وسماع الخطب التي كان يُنادى بالاجتماع لها (٣)، وتقريره الرجال على استخدامهنَّ في الطَّحن والغسل والطبخ والعجن وعلف الفرس والقيام بمصالح البيت (٤)، ولم يقل للرجال قط: لا يحل لكم ذلك إلا بمعاوضتهن أو استرضائهن حتى يتركن الأجرة، وتقريره لهم على الإنفاق عليهن بالمعروف من غير تقدير فرضٍ ولا حبٍّ ولا خبز، ولم يقل لهم: لا تبرأ ذممكم من الإنفاق الواجب إلا بمعاوضة الزوجات من ذلك على الحبِّ الواجب لهنّ مع فساد المعاوضة من وجوه عديدة، أو بإسقاط الزوجات حقهن من الحَبّ، بل إقرارهم (٥) على ما كانوا يعتادون نفقته

стр. 1629

قبل الإسلام وبعده، وقرّر وجوبه بالمعروف، وجعله نظير نفقة الرقيق في ذلك (١)، ومنه تقريرهم على التطوّع بين أذان المغرب والصلاة، وهو يراهم ولا ينهاهم (٢). ومنه تقريرهم على بقاء الوضوء، وقد خفقت رؤوسهم من النوم في انتظار الصلاة ولم يأمرهم بإعادته (٣)، وتطرق احتمال كونه لم يعلم ذلك مردود بعلم اللَّه به، وبأن القوم أجلّ وأعرف باللَّه ورسوله أن لا يخبروه (٤) بذلك، وبأن خفاء مثل ذلك على رسول اللَّه ﷺ ، وهو يراهم ويشاهدهم خارجًا إلى الصلاة ممتنع (٥). ومنه تقريرهم على جلوسهم في المسجد وهم مجنبون إذا توضؤوا (٦).

стр. 1630

ومنه تقريرهم على مبايعة عميانهم على مبايعتهم وشرائهم بأنفسهم من غير نهي لهم عن ذلك يومًا ما، وهو يعلم أن حاجة الأعمى إلى ذلك كحاجة البصير (١). ومنه تقريرهم على قبول الهدية التي يخبرهم بها الصبي والعبد والأمة (٢)، وتقريرهم على الدخول بالمرأة التي يخبرهم بها النساء أنها امرأته، بل الاكتفاء بمجرد الإهداء من غير إخبار. ومنه تقريرهم على قول الشعر وإن تغزَّل أحدهم فيه بمحبوبته، وإن قال فيه ما لو أقر به في غيره لأخذ به كتغزل كعب بن زهير بسعاد (٣)، وتغزّل حسان في شعره، وقوله فيه:

стр. 1631

كأن سبيئة (١) من بيت رأس ... يكون مزاجها عسل وماء ثم ذكر وصف الشراب، إلى أن قال: ونشربها فتتركنا ملوكًا ... وأسدًا لا ينهنهنا اللقاء (٢) فأقرّهم على قول ذلك وسماعه، لعلمه ببرِّ قلوبهم ونزاهتهم وبعدهم عن كل دَنَسٍ وعيب، وأن هذا إذا وقع [مقدمة] (٣) بين يدي ما يحبه اللَّه ورسوله من مدح الإسلام وأهله وذم الشرك وأهله والتحريض على الجهاد والكرم والشجاعة فمفسدته مغمورة جدًا في جنب هذه المصلحة، مع ما فيه من مصلحة هزّ النفوس واستمالة إصغائها وإقبالها على المقصود بعده، وعلى هذا جرت عادة الشعراء بالتغزّل بين يدي الأغراض التي يريدونها بالقصيد. ومنه تقريرهم على رفع الصوت بالذكر بعد السلام، بحيث كان مَنْ هو خارج المسجد يعرف انقضاء الصلاة بذلك، ولا ينكره عليهم (٤).

стр. 1632

فصل (١) وأما نقلهم لتركه ﷺ فهو نوعان، وكلاهما سنة: أحدهما: تصريحهم بأنه ترك كذا وكذا ولم يفعله، كقوله في شهداء أحد: "ولم يغسلهم ولم يُصل عليهم" (٢)، وقوله في صلاة العيد: "لم يكن أذانٌ ولا إقامة ولا نداء" (٣)، وقوله في جمعه بين الصلاتين: "ولم يُسبِّح بينهما ولا على إثر واحدة منهما" (٤)، ونظائره. والثاني: عدم نَقْلهم لِما لو فَعَله لتوفرت هممهم ودواعيهم أو أكثرهم أو واحد منهم على نقله، فحيث لم ينقله واحد منهم ألبَتة ولا حدَّث به في مجمع أبدًا علم أنه لم يكن، وهذا كتركه التلفّط بالنية (٥) عند دخوله في الصلاة (٦)، وتركه الدعاء بعد الصلاة مستقبل المأمومين وهم يؤمّنون على دعائه دائمًا بعد الصبح والعصر أو في جميع الصلوات (٧)، وتركه وفع يديه كل يوم في صلاة الصبح بعد رفع رأسه من ركوع الثانية، وقوله: "اللهمّ اهدنا فيمن هديت"، يجهر بها ويقول المأمومون (٨) كلهم: "آمين" (٩)، ومن الممتنع أن يفعل ذلك ولا ينقله عنه صغيرٌ ولا كبيرٌ ولا رجلٌ ولا امرأةٌ ألبتَّة، وهو مواظب عليه هذه المواظبة لا يخلّ به يومًا واحدًا، وتركه الاغتسال للمبيت بمزدلفة، ولرمي الجمار، ولطواف

стр. 1633

الزيارة، ولصلاة الاستسقاء والكسوف، وعن هاهنا (١) يُعلم أن القول باستحباب ذلك خلاف السنّة، فإن تَرْكه ﷺ سنة كما أن فِعْله سنة، فإذا أستحببنا قعل ما تَرَكه كان نظير استحبابنا ترك ما فعله، ولا فرق. فإن قيل: من أين لكم أنه لم يفعله، وعدم النقل لا يستلزم نقل العدم؟ فهذا سؤال بعيد جدًا عن معرفة هديه وسنّته، وما كان عليه، ولو صح هذا السؤال وقُبِل لاستحبَّ لنا مستحبٌّ الأذانَ للتراويح، وقال: من أين لكم أنه لم يُنقل؟ واستحبّ لنا مستحب آخر الغُسْلَ لكل صلاة، وقال: من أين لكم أنه لم يُنقل؟ واستحب لنا مستحب آخر النداء بعد الأذان للصلاة: يرحمكمُ اللَّه، ورفع بها صوته، وقال: من أين لكم أنه لم ينقل؟ واستحتا لنا آخر لبس السواد والطرحة للخطيب، وخروجه بالشاويش يصيح بين يديه ورفع المؤذنين أصواتهم كلما ذكر اسم اللَّه واسم رسوله جماعة وفُرادى، وقال: من أين لكم أن هذا لم ينقل؟ واستحبّ لنا آخر صلاة ليلة النصف من شعبان، أو ليلة أول جمعة من رجب، وقال: من أين لكم أنّ إحياءَهما لم ينقل؟ وانفتح باب البدعة، وقال: كلُّ من دعا إلى بدعة: من أين لكم أن هذا لم ينقل؟ ومن هذا تركه أخذ الزكاة من الخضروات والمباطخ وهم يزرعونها بجواره بالمدينة كل سنة، فلا يطالبهم بزكاة، ولا هم يؤدّونها إليه (٢). فصل [نقل الأعيان] وأما نقل الأعيان وتعيين الأماكن فكنقلهم الصَّاع والمدّ وتعيين موضع المنبر، وموقفه للصلاة والقبر والحجرة ومسجد قباء وتعيين الروضة والبقيع والمصلى ونحو ذلك، ونقل هذا جارٍ مجرى نقل مواضع المناسك كالصَّفا والمروة ومنًى ومواضع الجمرات ومزدلفة وعرفة ومواضع الإحرام كذي الحُلَيْفة والجُحْفة وغيرهما. فصل [نقل العمل المستمر] وأما نقل العمل المستمر فكنقل الوقوف والمزارعة، والأذان على المكان

стр. 1634

المرتفع (١)، والأذان للصبح قبل الفجر، وتثنيه الأذان وإفراد الإقامة، والخطبة بالقرآن وبالسنن دون الخطبة الصناعية وبالتسجيع والترجيع التي لا تسمن ولا تغني من جوع، فهذا النقل وهذا العمل حجة يجب اتّباعها، وسنّة متلقاة بالقبول على الرأس والعينين، وإذا ظفر العالم بذلك قَرَّت به عينُه، واطمأنت إليه نفسُه. فصل [العمل الذي طريقه الاجتهاد] وأما العمل الذي طريقه الاجتهاد والاستدلال فهو معترك النزال ومحل الجدال، قال القاضي عبد الوهاب (٢): وقد اختلف أصحابنا فيه على ثلاثة أوجه: أحدها: أنه ليس بحجة أصلًا، وأن الحجة هي إجماع أهل المدينة من طريق النقل، ولا يُرجَّح به أيضًا أحد الاجتهادين على الآخر، وهذا قول أبي بكر (٣)، وأبي يعقوب الرازي، والقاضي أبي بكر بن منتاب (٤)، والطيالسي والقاضي أبي الفرج والشيخ أبي بكر الأبهري (٥)، وأنكروا أن يكون هذا مذهبًا لمالك أو لأحد من معتمدي أصحابه. والوجه الثاني: أنه وإن لم يكن حجة فإنه يُرجَّح به اجتهادهم على اجتهاد غيرهم، وبه قال بعض الشافعية (٦). والثالث: أن إجماعهم من طريق الاجتهاد حجّة وإن لم يحرم خلافه،

стр. 1635

كإجماعهم من طريق النقل، وهذا مذهب قوم من أصحابنا، وهو الذي [يدل] عليه كلام أحمد بن المعذّل وابن بكير (١) وغيرهما، وذكر الشيخ أن في "رسالة مالك إلى الليث بن سعد" ما يدلّ عليه، وقد ذكر أبو مصعب (٢) في "مختصره" مثل [ذلك] (٣)، والذي صرّح به القاضي أبو الحسن بن أبي عمر (٤) في "مسألته التي صنّفها على أبي بكر الصيرفي"، نقضًا لكلامه على أصحابنا في إجماع أهل المدينة، وإلى هذا يذهب جل أصحابنا المغاربة أو جميعهم. [حال خبر الآحاد] فأمّا حال الأخبار من طريق الآحاد فلا تخلو من ثلاثة أمور: * إما أن يكون صحبها عمل أهل المدينة مطابقًا لها. * أو أن يكون عملهم بخلافها. * أو أن لا يكون منهم عمل أصلًا لا بخلاف ولا بوفاق. فإن كان عملهم موافقًا لها كان ذلك آكد في صحتها (٥) ووجوب العمل بها، إذا كان العمل من طريق النقل، وإن كان من طريق الاجتهاد كان (٦) مرجحًا للخبر على ما ذكرنا من الخلاف، وإن كان عملهم بخلافه نُظر، فإن كان العمل المذكور على الصفة [المذكورة] (٧) التي ذكرناها فإن الخبر يُترك للعمل عندنا، لا خلاف بين أصحابنا في ذلك، وهذا أكبر الغرض بالكلام في هذه المسألة، وهذا كما نقوله في الصاع والمد وزكاة الخضراوات وغير ذلك.

стр. 1636

وإن كان العمل منهم اجتهادًا، فالخبر أولى منه عند جمهور أصحابنا، إلّا من قال منهم: إن الإجماع من طريق الاجتهاد حجة. وإن لم يكن في المدينة (١) عمل يوافق موجب الخبر أو يخالفه، فالواجب المصير إلى الخبر، فإنه دليل منفرد عن مُسْقِط أو معارض. [تقديم عمل أهل المدينة المتصل على خبر الآحاد] وهذا (٢) جملة قول أصحابنا في هذه المسألة، وقد تضمّن ما حكاه أن عملهم الجاري مجرى النقل حجة، فإذا أجمعوا عليه فهو مقدَّم على غيره من أخبار الآحاد، وعلى هذا الحرف بَنَى المسألة وقرَّرها، وقال: والذي يدل على ما قلناه أنهم إذا أجمعوا على شيء نقلًا أو عملًا متصلًا، فإن ذلك الأمر معلوم بالنقل المتواتر الذي يحصل به العلم، [وينقطع العذر فيه، ويجب ترك أخبار الآحاد له؛ لأن المدينة بلدة جمعت من الصحابة مَنْ يقع العلم] (٣) بخبرهم فيما أجمعوا على نقله، فما هذا سبيله إذا ورد خبرُ واحدٍ بخلافه كان حجّة على ذلك الخبر وتُرك له، كما لو روي لنا خبر واحد فيما تواتر به نقل جميع الأمة لوجب ترك الخبر للنقل المتواتر من جميعهم، فيقال: من المحال عادةً أن يُجمعوا على شيء نقلًا أو عملًا متصلًا من عندهم إلى زمن رسول اللَّه ﷺ وأصحابه وتكون السنة الصحيحة الثابتة قد خالفته، هذا من أبْيَن الباطل، وإن وقع ذلك فيما أجمعوا عليه من طريق الاجتهاد فإن العصمة لم تُضْمن لاجتهادهم، فلم يجمعوا من طريق النقل ولا العمل المستمر على هذه الشريطة على بطلان خِيَار المجلس، ولا على التسليمة الواحدة، ولا على القنوت في الفجر قبل الركوع، ولا على ترك الرفع عند الركوع والرفع منه، ولا على ترك السجود في المُفصَّل، ولا على ترك الاستفتاح والاستعاذة قبل الفاتحة، ونظائر ذلك، كيف وقدماؤهم الذين نقلوا العلم الصحيح الثابت الذي كأنه رأي عين عن النبيّ ﷺ وأصحابه بخلاف ذلك؟ فكيف يقال: إن تركه عمل مستمر من عهد رسول اللَّه ﷺ إلى الآن؟ هذا من المحال، بل نقلهم الصاع والمد والوقوف والأخاير (٤) وترك زكاة الخضراوات

стр. 1637

حق، ولم يأت عن رسول اللَّه ﷺ سنة تخالفه ألبتّة، ولهذا رجع أبو يوسف إلى ذلك كلّه بحضرة الرشيد لمّا ناظره مالك (١) وتبيّن له الحق، فلا يلحق بهذا عملهم من طريق الاجتهاد، ويُجعل ذلك نقلًا متصلًا عن رسول اللَّه ﷺ ، وتُترك له السنن الثابتة، فهذا لون [وذلك] (٢) لون، وبهذا التمييز والتفصيل يزول الاشتباه ويظهر الصواب. [العمل في المدينة بعد انقراض عصر الصحابة] ومن المعلوم أن العمل بعد انقراض عصر الخلفاء الراشدين والصحابة بالمدينة كان بحسب مَنْ فيها من المفتين والأمراء والمحتسبين على الأسواق، ولم تكن الرعية تُخالف هؤلاء، فإذا أفتى المفتون نفَّذه الوالي، وعمل به المُحتسب، وصار عملًا، فهذا هو الذي لا يُلتفت إليه في مخالفة السنن، لا عمل رسول اللَّه ﷺ وخلفائه والصحابة فذاك هو السنة، فلا يُخلط أحدهما بالآخر، فنحن لهذا العمل أشدُّ تحكيمًا، وللعمل الآخر إذا خالف السنة أشدُّ تركًا، وباللَّه التوفيق. وقد كان ربيعة بن أبي عبد الرحمن يفتي وسليمان بن بلال المحتسب ينفِّذ فتواه فتعمل الرعية بفتوى هذا وتنفيذ هذا، كما يطّرد العمل في بلد أو إقليم ليس فيه إلّا قول مالك على قوله وفتواه، ولا يجوِّزون العمل هناك بقول غيره من أئمّة الإسلام، فلو عمل به أحد لاشتدّ نكيرهم عليه، وكذلك [كل] (٣) بلد أو إقليم لم يظهر فيه إلّا مذهب أبي حنيفة، فإن العمل المستمر عندهم على قوله، وكل طائفة اطرد عندهم عمل [من] (٤) وصل إليهم قوله ومذهبه ولم يألفوا غيره. ولا فرق في هذا العمل بين بلد وبلد، والعمل الصحيح ما وافق (٥) السنة. [تغير عمل أهل المدينة من عصر إلى عصر] وإذا أردت وضوح ذلك فانظر العمل في زمن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ في جهره بالاستفتاح في الفرض في مصلَّى النبيّ ﷺ وعمل الصحابة به (٦)، ثم العمل في زمن مالك بوصل التكبير بالقراءة من غير

стр. 1638

استفتاحٍ ولا تعوّذ (١). وانظر العمل في زمن الصحابة كعبد اللَّه بن عمر في [اعتبار] (٢) خيار المجلس ومفارقته لمكان التبايع ليلزم العقد (٣) ولا يخالفه في ذلك صحابي، ثم العمل به في زمن التابعين، وإمامُهم وعالمهم سعيد بن المسيب يُفتي به ويعمل به ولا ينكره عليه مُنكر، ثم صار العمل في زمن ربيعة وسليمان بن بلال بخلاف ذلك.

стр. 1639

وانظر إلى العمل في زمن رسول اللَّه ﷺ والصحابة خَلْفه وهم يرفعون أيديهم في الصلاة في الركوع والرفع منه (١)، ثم العمل في زمن الصحابة بعده حتى كان عبد اللَّه بن عمر إذا رأى من لا يرفع يديه حَصَبه (٢)، وهو عمل كأنه (٣) رأي عَيْن، وجمهور التابعين يعمل به في المدينة (٤) وغيرها من الأمصار كما حكاه البخاري ومحمد بن نصر المروزي وغيرهما [عنهم] (٥)، ثم صار العمل بخلافه. وانظر إلى العمل الذي كأنه رأي عين من صلاة رسول اللَّه ﷺ على ابني بَيْضاء: سُهيل وأخيه في المسجد والصحابة معه (٦)، وصلَّت عائشة على سعد بن

стр. 1640

أبي وقاص في المسجد (١). وصُلِّي على (٢) عمر بن الخطاب في المسجد، ذكره مالك عن نافع عن عبد اللَّه (٣)، قال الشافعي: ولا نرى أحدًا من الصحابة حضر موته فتخلَّف عن جنازته، فهذا عمل مجمع عليه عندكم، قاله لبعض المالكية، وروى هشام عن أبيه أنَّ أبا بكر صُلِّي عليه في المسجد (٤)، فهذا العمل حق (٥)، ولو تركت السنن للعمل لتعطَّلت سنن رسول اللَّه ﷺ ودرست رسومها وعَفَت آثارها، وكم من عمل قد اطّرد بخلاف السنة الصريحة على تقادم الزمان وإلى الآن، وكل وقت تُترك سنة ويُعمل بخلافها ويستمر عليها العمل فتجده (٦) يسيرًا من السنة معمولًا به على نوع تقصير.

стр. 1641

[تعطيل السنن بتركها] وخذ بلا حسبان (١) ما شاء اللَّه من سنن قد أهملت وعُطِّل العمل بها جملة، فلو عمل بها من يعرفها لقال الناس: تركت السنة، فقد تقرّر أن كل عمل خالف السنة الصحيحة لم يقع من طريق النقل ألبتّة، وإنما يقع من طريق الاجتهاد، والاجتهاد إذا خالف السنة كان مردودًا، وكل عمل طريقه النقل فإنه لا يخالف سنة صحيحة ألبتّة. فلنرجع إلى الأمثلة التي تُرك فيها المحكم للمتشابه، فنقول: [الجهر بآمين] المثال السابع والخمسون: ترك السنة المحكمة الصحيحة في الجهر بآمين في الصلاة (٢)؛ كقوله في "الصحيحين": "إذا أمَّن الإمام فأمِّنوا فإنه مَنْ وافق تأمينُه تأمينَ الملائكة غُفر له [ما تقدَّم من ذنبه"] (٣)، ولولا جهره بالتأمين لما أمكن المأموم أن يؤمّن معه ويوافقه في التأمين، وأصرح من هذا حديث سفيان الثوري، عن سلمة بن كُهَيْل، عن حُجْر بن عَنْبَس، عن وائل بن حُجْر قال: "كان رسول اللَّه ﷺ إذا قال: ولا الضالين، قال: آمين، ورفع بها صوته"، وفي لفظ: "وطوَّل بها" (٤)، رواه الترمذي وغيره، وإسناده صحيح.

стр. 1642

وقد خالف شعبة سفيان في هذا الحديث، فقال: "وخفض بها صوته"، وحكم أئمة الحديث وحفاظه في هذا لسفيان، فقال الترمذي (١): "سمعت محمد بن إسماعيل يقول: حديث سفيان الثوري عن سلمة بن كُهَيْل في هذا الباب أصح من حديث شعبة، أخطأ شعبة في هذا الحديث في مواضع، فقال: "عن حُجْر أبي العَنْبَس"، وإنما كنيته أبو السَّكن، وزاد فيه: علقمة بن وائل، وإنما هو حُجْر بن عَنْبَس عن وائل بن حُجْر، ليس فيه علقمة، وقال: "وخفض بها صوته"، والصحيح أنه جهر بها". قال الترمذي (٢): "وسألت أبا زرعة عن حديث سفيان وشعبة [هذا] (٣)، فقال: حديث سفيان أصحّ من حديث شعبة، وقد روى العلاء بن صالح عن سلمة بن كُهَيْل نحو رواية سفيان". وقال الدارقطني (٤): "كذا قال شعبة: "وأخفى بها صوته"، ويقال: إنه وَهِمَ فيه؛ لأن سفيان الثوري ومحمد بن سلمة بن كُهَيْل وغيرهما رووه عن سلمة فقالوا: "ورفع صوته بآمين"، وهو الصواب". وقال البيهقي (٥): "لا أعلم اختلافًا بين أهل العلم بالحديث أن سفيان وشعبة إذا اختلفا فالقول قول سفيان (٦)، وقال

стр. 1643

يحيى بن سعيد: ليس أحد أحبّ إليّ من شعبة، ولا يعدله عندي أحد، وإذا خالفه سفيان أخذت بقول سفيان، وقال شعبة: سفيان أحفظ مني" (١)، فهذا ترجيح لرواية سفيان، وترجيح ثان، وهو متابعة العلاء بن صالح (٢) ومحمد بن سلمة بن كهيل (٣) له، وترجيح ثالث، وهو أن أبا الوليد الطيالسي -وحسبك به- رواه عن شعبة بوفاق الثوري في متنه (٤)، فقد اختلف على شعبة كما ترى، قال البيهقي (٥): "فيحتمل أن يكون تنبَّه لذلك فعاد إلى الصواب في متنه، وترك ذكر [ذلك] (٦) علقمة في إسناده"، وترجيح رابع، وهو أن الروايتين لو تقاوَمَتا لكانت رواية الرفع متضمّنة لزيادة وكانت أولى بالقبول، وترجيح خامس، وهو موافقتها وتفسيرها لحديث أبي هريرة: "إذا أمَّن الإمام فأمَّنوا، فإن الإمام يقول: آمين، والملائكة تقول: آمين، فمن وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له" (٧)، وترجيح سادس، وهو ما رواه الحاكم بإسناد صحيح عن أبي هريرة قال: "كان رسول اللَّه ﷺ إذا فرغ من قراءة أمّ القرآن رفع صوته بآمين" (٨)، ولأبي داود بمعناه، وزاد بيانًا فقال:

стр. 1644

"قال آمين حتى يُسمع مَنْ يليه من الصف الأول" (١)، وفي رواية عنه: "كان النبيّ ﷺ إذا قال: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧]، قال: آمين، يرفع بها صوته، ويأمر بذلك" (٢)، وذكر البيهقي عن عليّ [كرّم اللَّه وجهه] (٣) قال: "سمعت رسول اللَّه ﷺ يقول: آمين إذا قرأ ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ " (٤).

стр. 1645

[وعنده أيضًا] (١) "أن النبيّ ﷺ كان إذا قرأ ولا الضالين رفع صوته بآمين" (٢)، وعند أبي داود عن بلال أنه قال للنبي ﷺ : "لا تسبقني بآمين" (٣)، قال الرَّبيع: سئل الشافعي عن الإمام: هل يرفع صوته بآمين؟ قال: نعم، ويرفع بها مَنْ خلفه أصواتهم، فقلت: وما الحجَّة؟ فقال: أخبرنا مالك، وذكر حديث أبي هريرة المتفق على صحته، ثم قال: ففي قول رسول اللَّه ﷺ : "إذا أمَّن الإمام فأمِّنوا" (٤)، دلالة على أنه أَمَر الإمام أن يجهر بآمين؛ لأَنَّ مَنْ خلفه لا يعرفون وقت تأمينه إلّا بأن يسمع تأمينه، ثم بيَّنه ابنُ شهاب فقال: وكان رسول اللَّه ﷺ يقول: آمين، فقلت للشافعي: فإنَّا نكره للإمام أن يرفع صوته بآمين، فقال: هذا خلاف ما روى صاحبنا وصاحبكم عن رسول اللَّه ﷺ ، ولو لم يكن عندنا وعندهم علم إلّا هذا الحديث الذي ذكرناه عن مالك، فينبغي أن يستدلَّ بأن النبيّ ﷺ كان يجهر بآمين، وأنه أمر الإمام أن يجهَر بها، فكيف ولم يزل أهلُ العلم عليه؟ " (٥). وروى وائل بن حُجْر أن النبيّ ﷺ : "كان يقول: آمين يرفع بها صوته" (٦)، ويَحكي مَدَّه إياها، وكان أبو هريرة يقول للإمام: لا تسبقني بآمين، وكان يؤذِّن

стр. 1646

[له] (١)، أنبأنا مسلم بن خالد، عن ابن جُرَيْج، عن عطاء: كنت أسمع الأئمّة: ابن الزبير ومن بعده يقولون: آمين، ومَنْ خلفهم آمين، حتى إن للمسجد للجَّة (٢) "، وقوله: "كان أبو هريرة يقول للإمام لا تسبقني بآمين"، يريد ما ذكره البيهقي بإسناده عن أبي رافع أن أبا هريرة كان يؤذّن لمروان بن الحكم، فاشترط [عليه] (٣) أن لا يسبقه بالضالين، حتى يعلم أنه قد وَصلَ إلى الصَّف، فكان مروان إذا قال: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾، قال أبو هريرة: (آمين) يمدّ بها صوته (٤)، وقال: إذا وافق تأمين أهل الأرض تأمين أهل السماء غفر لهم (٥). وقال عطاء: أدركت مئتين من أصحاب رسول اللَّه ﷺ في هذا المسجد إذا قال الإمام: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ سمعتُ لهم رجَّة بآمين (٦).

стр. 1647

فردّ هذا كله بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، والذي أنزلت عليه هذه الآية هو الذي رفع صوته بالتأمين، والذين أمروا بها رفعوا به أصواتهم، ولا معارضة بين الآية والسنة بوجهٍ ما. [بيان الصلاة الوسطى] المثال الثامن والخمسون: ترك القول بالسنة الصحيحة الصريحة المحكمة في أن الصلاة الوسطى صلاة العصر (١)، بالمتشابه من قوله: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، وهذا عَجبٌ من العجب، وأعجب منه تركها بأن في مصحف عائشة: (وصلاة العصر)، وأعجب منهما تركها بأن صلاة الظهر تقام في شدّة الحر وهي في وسط النهار، فأكَّدها اللَّه تعالى بقوله: ﴿وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]، وأعجب من ذلك تركها بأن المغرب وسطى بين الثنائية والرباعية، فهي أحق بهذا الاسم من غيرها، وأعجب منه تركها بأن صلاة العشاء قبلها صلاة آخر النهار، وبعدها صلاة أوّل النهار، وهي وسطى بينهما، فهي أحق بهذا الاسم من غيرها، وقول رسول اللَّه ﷺ ونصّه الصريح [المحكم] (٢) الذي لا يحتمل إلّا ما

стр. 1648

دلّ عليه أَوْلى بالاتّباع (١)، واللَّه الموفق. [ما يقول الإمام في الرفع من الركوع] المثال التاسع والخمسون: ترك السنة الصحيحة الصريحة في قول الإمام: "ربنا ولك الحمد"، كما في "الصحيحين"، من حديث أبي هريرة: "كان رسول اللَّه ﷺ إذا قال: سَمِعَ اللَّه لمن حمده، قال: اللَّهمّ ربنا لك الحمد" (٢). وفيهما أيضًا عنه: "كان رسول اللَّه ﷺ يكبِّر حين يقوم، ثم يكبِّر حين يركع، ثم يقول: سمع اللَّه لمن حمده، حين يرفع صُلْبه من الركعة، ثم يقول وهو قائم: ربَّنا ولك الحمد" (٣). وفي "صحيح مسلم" عن ابن عمر: "أن النبيّ ﷺ كان إذا رفع رأسه من الركوع قال: سمع اللَّه لمن حمده، اللهمّ ربنا لك الحمد ملء السماوات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد" (٤)، وعن أبي سعيد: "أن رسول اللَّه ﷺ كان إذا رفع رأسه من الركوع قال: سمع اللَّه لمن حمده، ربنا لك الحمد، ملء السماوات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد -وكلنا لك عبد- لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجدِّ منك الجدُّ" (٥)، فردت

стр. 1649

هذه السنن المحكمة بالمتشابه من قوله: "إذا قال الإمام سمع اللَّه لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد" (١). [إشارة المتشهد بإصبعه] المثال الستون: رد السنة الصحيحة المحكمة في إشارة المصلِّي في التشهد بإصبعه (٢) كقول ابن عمر: "كان رسول اللَّه ﷺ إذا جلس في الصلاة وضع كفَّه اليمنى (٣) على فخذه اليمنى وقَبضَ أصابعه كُلَّها، وأشار بإصبعه (٤) التي تلي الإبهام"، رواه مسلم (٥)، وعنده أيضًا عنه: "أن رسول اللَّه ﷺ كان إذا جلس في الصلاة وضع يديه على رُكبتيه ووضع إصبعه التي تلي الإبهام فدعا بها" (٦)، وعنده أيضًا عن عبد اللَّه بن الزبير: "أن رسول اللَّه ﷺ كان إذا قعد في الصلاة وضع يديه على ركبتيه وأشار بأصبعه" (٧)، ورواه خُفاف بن إيماء بن رخَصَة (٨)، ووائل بن

стр. 1650

حُجْر (١)، وعبادة بن الصامت (٢)، ومالك بن نمير (٣) الخزاعي عن أبيه (٤) كلهم عن
следующие страницы →