← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17798

إعلام الموقعين عن رب العالمين - ت مشهور

ابن القيم

Полный текст (3 107 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.

стр. 1646

[له] (١)، أنبأنا مسلم بن خالد، عن ابن جُرَيْج، عن عطاء: كنت أسمع الأئمّة: ابن الزبير ومن بعده يقولون: آمين، ومَنْ خلفهم آمين، حتى إن للمسجد للجَّة (٢) "، وقوله: "كان أبو هريرة يقول للإمام لا تسبقني بآمين"، يريد ما ذكره البيهقي بإسناده عن أبي رافع أن أبا هريرة كان يؤذّن لمروان بن الحكم، فاشترط [عليه] (٣) أن لا يسبقه بالضالين، حتى يعلم أنه قد وَصلَ إلى الصَّف، فكان مروان إذا قال: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾، قال أبو هريرة: (آمين) يمدّ بها صوته (٤)، وقال: إذا وافق تأمين أهل الأرض تأمين أهل السماء غفر لهم (٥). وقال عطاء: أدركت مئتين من أصحاب رسول اللَّه ﷺ في هذا المسجد إذا قال الإمام: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ سمعتُ لهم رجَّة بآمين (٦).

стр. 1647

فردّ هذا كله بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤]، والذي أنزلت عليه هذه الآية هو الذي رفع صوته بالتأمين، والذين أمروا بها رفعوا به أصواتهم، ولا معارضة بين الآية والسنة بوجهٍ ما. [بيان الصلاة الوسطى] المثال الثامن والخمسون: ترك القول بالسنة الصحيحة الصريحة المحكمة في أن الصلاة الوسطى صلاة العصر (١)، بالمتشابه من قوله: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، وهذا عَجبٌ من العجب، وأعجب منه تركها بأن في مصحف عائشة: (وصلاة العصر)، وأعجب منهما تركها بأن صلاة الظهر تقام في شدّة الحر وهي في وسط النهار، فأكَّدها اللَّه تعالى بقوله: ﴿وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]، وأعجب من ذلك تركها بأن المغرب وسطى بين الثنائية والرباعية، فهي أحق بهذا الاسم من غيرها، وأعجب منه تركها بأن صلاة العشاء قبلها صلاة آخر النهار، وبعدها صلاة أوّل النهار، وهي وسطى بينهما، فهي أحق بهذا الاسم من غيرها، وقول رسول اللَّه ﷺ ونصّه الصريح [المحكم] (٢) الذي لا يحتمل إلّا ما

стр. 1648

دلّ عليه أَوْلى بالاتّباع (١)، واللَّه الموفق. [ما يقول الإمام في الرفع من الركوع] المثال التاسع والخمسون: ترك السنة الصحيحة الصريحة في قول الإمام: "ربنا ولك الحمد"، كما في "الصحيحين"، من حديث أبي هريرة: "كان رسول اللَّه ﷺ إذا قال: سَمِعَ اللَّه لمن حمده، قال: اللَّهمّ ربنا لك الحمد" (٢). وفيهما أيضًا عنه: "كان رسول اللَّه ﷺ يكبِّر حين يقوم، ثم يكبِّر حين يركع، ثم يقول: سمع اللَّه لمن حمده، حين يرفع صُلْبه من الركعة، ثم يقول وهو قائم: ربَّنا ولك الحمد" (٣). وفي "صحيح مسلم" عن ابن عمر: "أن النبيّ ﷺ كان إذا رفع رأسه من الركوع قال: سمع اللَّه لمن حمده، اللهمّ ربنا لك الحمد ملء السماوات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد" (٤)، وعن أبي سعيد: "أن رسول اللَّه ﷺ كان إذا رفع رأسه من الركوع قال: سمع اللَّه لمن حمده، ربنا لك الحمد، ملء السماوات وملء الأرض وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد -وكلنا لك عبد- لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجدِّ منك الجدُّ" (٥)، فردت

стр. 1649

هذه السنن المحكمة بالمتشابه من قوله: "إذا قال الإمام سمع اللَّه لمن حمده فقولوا: ربنا ولك الحمد" (١). [إشارة المتشهد بإصبعه] المثال الستون: رد السنة الصحيحة المحكمة في إشارة المصلِّي في التشهد بإصبعه (٢) كقول ابن عمر: "كان رسول اللَّه ﷺ إذا جلس في الصلاة وضع كفَّه اليمنى (٣) على فخذه اليمنى وقَبضَ أصابعه كُلَّها، وأشار بإصبعه (٤) التي تلي الإبهام"، رواه مسلم (٥)، وعنده أيضًا عنه: "أن رسول اللَّه ﷺ كان إذا جلس في الصلاة وضع يديه على رُكبتيه ووضع إصبعه التي تلي الإبهام فدعا بها" (٦)، وعنده أيضًا عن عبد اللَّه بن الزبير: "أن رسول اللَّه ﷺ كان إذا قعد في الصلاة وضع يديه على ركبتيه وأشار بأصبعه" (٧)، ورواه خُفاف بن إيماء بن رخَصَة (٨)، ووائل بن

стр. 1650

حُجْر (١)، وعبادة بن الصامت (٢)، ومالك بن نمير (٣) الخزاعي عن أبيه (٤) كلهم عن

стр. 1651

النبيّ ﷺ أنه فعل ذلك، وسئل ابن عباس عنه فقال: هو الإخلاص (١). فردّ (٢) ذلك كله بحديث لا يصح، وهو ما رواه محمد بن إسحاق، عن

стр. 1652

يعقوب بن عُتْبة، عن أبي غَطَفان المُرّيّ، عن أبي هريرة مرفوعًا: "التسبيح للرجال، والتصفيق للنساء، ومن أشار في صلاته إشارة تُفهم عنه فليُعِدْها" (١). قال الدارقطني (٢): "قال لنا ابن أبي داود: أبو غَطَفان هذا مجهول (٣)، وآخر الحديث زيادة في الحديث، ولعلّه من قول ابن إسحاق، والصحيح عن النبيّ ﷺ أنه كان يشير في الصلاة". [ما يصنع بشعر المرأة الميتة] المثال الحادي والستون: رد السنة الصحيحة الصريحة في ضفر رأس المرأة الميتة ثلاث ضفائر؛ كقوله في "الصحيحين" في غسل ابنته: "اجْعَلْنَ رأسها ثلاثة قرون"، قالت أم عطية: ضَفَرْنا رأسها وناصيتها وقرنيها ثلاثة قرون وألقيناه من خلفها (٤)، فرد ذلك بأنه يشبه زينة الدنيا، وإنما يرسل شعرها شقّين على

стр. 1653

ثدييها (١)، وسنة رسول اللَّه ﷺ أولى بالاتّباع (٢). [وضع اليدين في الصلاة] المثال الثاني والستون: ترك السنة الصحيحة الصريحة التي رواها الجماعة عن سفيان الثوري، عن عاصم بن كُلَيْب، عن أبيه، عن وائل بن حُجْر قال: "صلّيت مع رسول اللَّه ﷺ فوضع يده اليمنى على يده اليسرى على صدره" (٣)، ولم

стр. 1654

يقل: "على صدره"، غير مُؤَمّل بن إسماعيل، وفي "صحيح مسلم" (١) عنه: "أنه رأى النبيّ ﷺ رفع يديه حين دخل في الصلاة ثم كبَّر، ثم التحف بثوبه، ثم وضع يده اليمنى على اليسرى، فلما أراد أن يَرْكَعَ أخرج يديه ثم رفعهما وكبَّر فركع (٢)، فلما قال: سمع اللَّه لمن حمده، رفع يديه فلما سجد سجد بين كفَّيه"، وزاد أحمد وأبو داود: "ثم وضع يده اليمنى على كفّه اليسرى والرسغ والساعد" (٣)، وفي "صحيح البخاري" عن سهل بن سعد، قال: "كان الناس يُؤمرون أن يضع الرجل اليد اليمنى على ذراعه اليسرى في الصلاة"، قال أبو حازم: ولا أعلمه إلّا يَنمي (٤) ذلك إلى رسول اللَّه ﷺ (٥)، وفي "السنن" عن ابن مسعود أنه كان يصلّي فوضع يده اليسرى على اليمنى، فرآه النبيّ ﷺ فوضع يده اليمنى على اليسرى (٦)،

стр. 1655

وقال [علي] (١): "من السُّنة في الصلاة وضع الكَفِّ (٢) على الكَفِّ (٢) تحت السرة"، رواه أحمد (٣)، وقال مالك في "موطئه" (٤): وضع اليدين إحداهما (٥) على الأخرى في الصلاة، ثم ذكر حديث سهل بن سعد. وذكر عن عبد الكريم ابن أبي المُخَارِق البصري أنه قال: من كلام النبوّة: "إذا لم تستح فافعل ما شئت، ووضع إحدى اليدين في الصلاة على الأخرى يضع اليمنى على اليسرى، وتعجيلُ الفطر، والإسْتِينَاءُ بالسحور" (٦).

стр. 1656

وذكر أبو عمر في "كتابيه" (١) من حديث الحارث بن غُطَيْف أو غطيف بن الحارث قال: مهما رأيتُ شيئًا فنسيته فإني لم أنس أنّي رأيت رسول اللَّه ﷺ واضعًا يده اليمنى على اليسرى في الصلاة (٢).

стр. 1657

وعن قَبيصة بن هُلْب (١)، عن أبيه قال: "رأيت رسول اللَّه ﷺ واضعًا يمينه على شماله في الصلاة" (٢)، وقال علي بن أبي طالب (٣): "من السنة وضع اليمين على الشمال في الصلاة" (٤)، وعنه أيضًا أنه كان إذا قام إلى الصلاة وضع يمينه على رُسْغه، فلا يزال كذلك حتى يركع، إلّا أن يصلح ثوبه أو يحك جسده (٥).

стр. 1658

وقال علي (١) في قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: ٢]: إنه وضع اليمين على الشمال في الصلاة تحت الصَّدْر (٢)، وذكر ابن أبي شيبة عن أبي بكر الصديق أنه كان إذا قام إلى الصلاة قال هكذا، ووضع اليمنى على اليسرى [في الصلاة] (٣)، وقال أبو الدرداء: من أخلاق النَّبيين وضع اليمين على الشمال في

стр. 1659

الصلاة (١)، وقال ابن الزبير: صف القدمين ووضع اليد على اليد من السنّة (٢)، ذكر هذه الآثار أبو عمر بأسانيدها، وقال: هي آثار ثابتة (٣)، وقال وهب بن بقية: ثنا محمد بن المطلب، عن أبان بن بشير المُعلِّم، ثنا يحيى بن أبي كثير، ثنا أبو سلمة، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "ثلاث من النبوّة: تعجيل الفطر، وتأخير السحور، ووضع اليمنى على اليسرى في الصلاة" (٤)، وقال سعيد بن

стр. 1660

منصور: ثنا هُشَيْم، أنا منصور بن زَاذَان، عن محمد بن ابان الأنصاري، عن عائشة قالت: ثلاث من النبوّة: تعجيل الإفطار، وتأخير السحور، ووضع اليمنى على اليسرى في الصلاة (١)، فردت هذه الآثار برواية ابن القاسم عن مالك، قال: تَرْكه أحبُّ إليَّ (٢) ولا أعلم شيئًا قط ردّت به سواه (٣).

стр. 1661

[التعجيل بصلاة الفجر] المثال الثالث والستون (١): رد السنة المحكمة الصريحة في تعجيل الفجر وأن النبي ﷺ كان يقرأ فيها بالستين إلى المئة (٢)، ثم ينصرف منها والنِّساء لا يُعْرَفن من الغَلَس (٣)، وأن صلاته كانت التغليس (٤) حتى توفَاه اللَّه (٥)، وأنه إنما أسفر بها مرة واحدة (٦)، وكان بين سحوره وصلاته قدر خمسين آية (٧)، فرد (٨) ذلك بمجمل

стр. 1662

حديث رافع بن خَديج: "أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر" (١)، وهذا بعد ثبوته إنما المراد به الإسفار بها دوامًا، لا ابتداء، فيدخل فيها مغلسًا ويخرج منها مسفرًا كما كان يفعله ﷺ ، فقوله موافق لفعله، لا مناقض له، وكيف يظن به المواظبة على فعل ما الأجر الأعظم في خلافه (٢).

стр. 1663

[وقت المغرب] المثال الرابع والستون: رد السنة الثابتة المحكمة الصريحة في امتداد وقت المغرب إلى سقوط الشفق كما في "صحيح مسلم" من حديث عبد اللَّه بن [عمرو] (١) عن النبيّ ﷺ قال: "وَقْتُ صلاة الظهر ما لم تحضر صلاة العصر، ووقت صلاة العصر ما لم تصفرّ الشمس، ووقت [صلاة] المغرب ما لم يسقط نور الشَّفق، ووقت [صلاة] العشاء إلى نصف الليل، ووقت صلاة الفجر ما لم تطلع الشمس" (٢)، وفي "صحيحه" أيضًا عن أبي موسى أن سائلًا سأل رسول اللَّه ﷺ عن المواقيت فذكر الحديث، وفيه: "ثم أمره فأقام المغرب حين وَجَبَت الشمس، فلما كان في اليوم الثاني قال: ثم أخَّر المغرب حتى كان عند سقوط الشفق [وفي لفظ: فصلَّى المغرب قبل أن يغيب الشفق] (٣)، ثم قال: الوقت ما بين هذين" (٤)، وهذا متأخر عن حديث جبريل (٥)؛ لأنه كان بمكة، وهذا قول، وذاك (٦) فعل، وهذا يدلّ على الجواز، وذلك [يدل] (٧) على الاستحباب، وهذا في "الصحيح"، وذاك (٨) في "السنن"، وهذا يوافق قوله ﷺ : "وقت كل صلاة ما لم يدخل وقت التي بعدها" (٩)، وإنما خُصَّ منه الفجر بالإجماع، فما عداها من الصلوات داخل في عمومه، والفعل إنما يدل على الاستحباب فلا يعارض العام ولا الخاص.

стр. 1664

[وقت العصر] المثال الخامس والستون: رد السنة الصريحة المحكمة الثابتة في وقت العصر أنه (١) إذا صار ظل كل شيء مثله، وأنهم كانوا يصلّونها مع النبيّ ﷺ ثم يذهب أحدهم إلى العَوَالي قدر أربعة أميال والشمس مرتفعة (٢)، وقال أنس: صلّى بنا رسول اللَّه ﷺ العصر، فأتاه رجل من بني سَلَمة فقال: يا رسول اللَّه، إنَّا نريد أن ننحر جزورًا لنا، وإنا نحبُّ أن تحضرَها، قال: نعم، فانطلق وانطلقنا معه، فوجد الجزور لم تُنحر، فنُحرت ثم قطعت ثم طبخ منها ثم أكلنا منها قبل أن تغيب الشمس (٣)، ومحال أن يكون هذا بعد المثلين، وفي "صحيح مسلم" عنه: "وقت صلاة الظهر ما لم تحضر العصر" (٤)، ولا معارض لهذه السنن، لا في الصحة ولا في الصراحة والبيان، فردّت [هذه السنن] (٥) بالمجمل من قوله ﷺ (٦): "مَثَلُكم ومثل أهل الكتاب قبلكم كمثل رجل استأجر أجراء فقال: مَنْ يعمل لي إلى نصف النهار على قِيرَاط؟ فعملت اليهود، ثم قال: من يعمل لي إلى صلاة العصر على قيراط؟ فعملت النصارى، ثم قال: من يعمل لي إلى أن تغيب الشمس على قيراطين (٧)، فعملتم أنتم، فغضبت اليهود والنصارى، وقالوا: نحن أكثر عملًا وأقلّ أجرًا، فقال: هل ظلمتكم من أجركم شيئًا؟ قالوا: لا، قال: فذلك فضلي أُوتيه من أشاء" (٨)، وياللَّه العجب! أي دلالة في هذا على أنه لا يدخل وقت

стр. 1665

العصر حتى يصير الظل مثلين بنوع من أنواع الدلالة؟ وإنما يدل على أن صلاة العصر إلى غروب الشمس أقصر من نصف النهار إلى وقت العصر، وهذا لا رَيْبَ فيه. [تخليل الخمر] المثال السادس والستون: رد السنة الصحيحة الصريحة المحكمة في المنع من تخليل الخمر، كما في "صحيح مسلم" عن أنس: "سئل رسول اللَّه ﷺ عن الخمر تتخذ خلًا، قال: لا" (١)، وفي "المسند" وغيره من حديث أنس قال: "جاء رجل إلى النبيّ ﷺ وفي حِجْره يتيم، وكان عنده خمر حين حرمت الخمر، فقال: يا رسول اللَّه، أصنعها خلًا؟ قال: لا، فصبَّها حتى سال الوادي" (٢)، وقال أحمد: ثنا وكيع: ثنا سفيان، عن السُّديّ، عن أبي هُبيرة (٣)، عن أنس: "أن أبا طلحة سأل النبيّ ﷺ عن أيتام ورثوا خمرًا، فقال: أهْرِقْها (٤)، فقال: أفلا نجعلها خلًا؟ قال: لا" (٥)، وروى الحاكم والبيهقي من حديث أنس أيضًا قال: "كان في حجر

стр. 1666

أبي طلحة يتامى (١)، فاشترى لهم خمرًا، فلمَّا أنزل اللَّه تحريم الخمر أتى النبيّ ﷺ ، فذكر ذلك له، فقال: أأجعله خلًا؟ قال: [لا]، فأهْرقه" (٢)، وفي الباب عن أبي الزبير عن جابر (٣)، وصح ذلك عن عمر بن الخطاب (٤)، ولا يعلم لهم في الصحابة مخالف، فرُدَّت بحديث مجمل لا يثبت، وهو ما رواه الفَرَج بن فَضَالة، عن يحيى بن سعيد، عن عَمْرة، عن أم سلمة أنها كانت لها شاة تحلبها، ففقدها النبيّ ﷺ ، فقال: "ما فعلت شاتك؟ (٥) فقلت: ماتت، قال: أفلا انتفعتم

стр. 1667

بإهابها، قلت: إنها ميتة، قال: فإن دِبَاغَها يحل كما يحل الخلُّ الخمرَ" (١)، قال الحاكم (٢): "تفرَّد به الفَرَج بن فَضَالة عن يحيى، والفرج ممن لا يُحتجُّ بحديثه، ولم يصح تحليل خل الخمر من وجه". وقد فَسَّره راويه الفرج فقال: "يعني أنَّ الخمر إذا تغيرت فصارت خلًا حَلَّت" (٣)، فعلى هذا التفسير الذي فَسَّره راوي الحديث يرتفع الخلاف، وقد قال الدارقطني (٤): كان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدث عن فرج بن فَضَالة، ويقول: حدث عن يحيى بن سعيد الأنصاري أحاديث مقلوبة منكرة، وقال البخاري (٥): الفَرَج بن فَضَالة منكر الحديث. ورُدَّت بحديثٍ واهٍ من رواية مغيرة بن زياد، عن أبي الزبير، عن جابر يرفعه: "خيرُ خَلِّكم خلُّ خَمْركم" (٦)، ومغيرة هذا يقال له: أبو هشام المكفوف

стр. 1668

صاحب مناكير عندهم، ويقال: إنّه حدَّث عن عطاء بن أبي رباح وأبي الزبير بجملة من المناكير، وقد حَدَّث عن عبادة بن نُسَيّ بحديث غريب موضوع، فكيف يعارض بمثل هذه الرواية الأحاديث الصحيحة المحفوظة عن رسول اللَّه ﷺ في النهي عن تخليل الخمر؟ ولم يزل أهل مدينة رسول اللَّه ﷺ ينكرون ذلك، قال الحاكم (١): سمعت أبا الحسن علي بن عيسى الحيري يقول: سمعتُ محمد بن إسحاق [أخبرنا العباس] يقول: سمعتُ قُتيبة بن سعيد يقول: قدمت المدينة أيام مالك، فقدمت إلى فامي (٢) فقلت: عندك خَلُّ خمر؟ قال: سبحان اللَّه! في حرم رسول اللَّه ﷺ ؟ قال: ثم قدمت بعد موت مالك، فذكرتُ ذلك لهم، فلم يُنكر عليّ. وأمّا ما روي عن علي ﵁ من اصطباغه بخلِّ الخمر (٣)، وعن عائشة أنه لا

стр. 1669

بأس به (١)، فهو خل الخمر الذي تخلّلت بنفسها لا باتّخاذها. [تسبيح من نابه شيء في صلاته] المثال السابع والستون: رد السنة الصحيحة الصريحة في تسبيح المصلّي إذا نَابَه شيء في صلاته (٢)، كما في "الصحيحين" من حديث أبي سلمة، عن أبي هريرة عن النبيّ ﷺ قال: "التسبيح في الصلاة للرِّجال، والتصفيق للنِّساء" (٣)، وفي "الصحيحين" أيضًا عن سهل بن سعد الساعدي: "أن النبيّ ﷺ ذهب إلى بني عَمرو بن عوف ليصلح بينهم"، فذكر الحديث، وقال في آخره: فقال النبيّ (٤) ﷺ : "ما لي أراكم أكثرتم التصفيق؟ مَنْ نابه شيء في صلاته فليسبِّح، فإنه إذا سبَّح التفت إليه، وإنما التصفيق للنساء" (٥)، وذكر البيهقي من حديث إبراهيم بن طَهْمان، عن الأعمش، عن ذَكْوان، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا استؤذن على الرجل، وهو يصلي فإذنه التسبيح، وإذا استؤذن على المرأة وهي تصلّي فإذنها التصفيق" (٦)، قال

стр. 1670

البيهقي (١): "رواة هذا الحديث عن آخرهم ثقات" فردَّت هذه السنن بأنها معارضة لأحاديث تحريم الكلام في الصلاة، وقد تعارض حاظر ومبيح، فيقدَّم الحاظر. والصواب أنه لا تعارض بين سنن رسول اللَّه ﷺ بوجهٍ، وكل منها له وجه، والذي حَرَّم الكلام في الصلاة ومنع منه هو الذي شرع التسبيح المذكور، وتحريم الكلام كان قبل الهجرة، وأحاديث التسبيح بعد ذلك، فدعوى نسخها بأحاديث تحريم الكلام محال، ولا تعارض بينهما بوجهٍ ما، فإن "سبحان اللَّه"، ليس من الكلام الذي منع منه المصلي، بل هو مما أُمِرَ به أَمْر إيجاب أو استحباب، فكيف يُسوَّى بين المأمور والمحظور؟ وهل هذا إلّا من أفسد قياس واعتبار؟. [سجدات المفصل والحج] المثال الثامن (٢) والستون: رد السنة الثابتة في إثبات سجدات المفصل، والسجدة الأخيرة من [سورة] الحج (٣)، كما روى أبو داود في "السنن": حدثنا محمد بن عبد الرحيم البَرْقي: [ثنا سعيد] (٤) بن أبي مريم، أخبرنا نافع بن يزيد، عن الحارث بن سعيد العُتَقي (٥)، عن عبد اللَّه بن مُنَيْن (٦)، عن عمرو بن العاص: "أن النبيّ ﷺ أقرأه خمس عشرة سجدةً في القرآن، منها ثلاث في المُفصَّل، وفي

стр. 1671

سورة الحج سجدتان" (١)، تابعه محمد بن إسماعيل السُّلمي، عن سعيد بن أبي مريم. وقال ابن وهب: أنا ابنُ لَهِيعة، عن مِشْرَح بن هاعَان (٢)، عن عقبة بن عامر قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "فُضِّلت سورة الحج بسجدتين، فمن لم يسجد فيهما (٣) فلا يقرأهما" (٤)،

стр. 1672

وحديث ابن لهيعة يحتجّ منه (١) بما رواه عنه العبادلة كعبد اللَّه بن وهب وعبد اللَّه بن المبارك، وعبد اللَّه بن يزيد المقرئ، قال أبو زرعة (٢): ابنُ لهيعة، كان ابن المبارك وابن وهب يتبعان أصوله، وقال عمرو بن علي (٣): من كتب عنه قبل احتراق كتبه مثل ابن المبارك والمقرئ (٤) أصح ممن كتب عنه بعد احتراقها، وقال ابن وهب (٥): كان ابن لهيعة صادقًا، وقد انتقى النسائي (٦) هذا الحديث من جملة

стр. 1673

حديثه، وأخرجه، واعتمده، وقال: "ما أخرجتُ من حديث ابن لهيعة قط إلّا حديثًا واحدًا أخبرناه هلال بن العلاء: ثنا مُعافى بن سُليمان، عن موسى بن أعين، عن عمرو بن الحارث، عن ابن لهيعة، فذكره". وقال ابن وهب (١): حدثني الصادق البار -واللَّه- عبدُ اللَّه بن لهيعة، وقال الإمام أحمد (٢): مَنْ كان مثل ابن لهيعة بمصر في كثرة حديثه وضبطه وإتقانه؟! وقال ابن عيينة (٣): كان عند ابن لهيعة الأصول وعندنا الفروع، وقال أبو داود: سمعت أحمد (٤) يقول: ما كان محدِّث مصر إلّا ابن لهيعة. وقال أحمد بن صالح الحافظ: كان ابن لهيعة صحيح الكتاب طلّابًا للعلم (٥). وقال ابن حبان (٦): "كان صالحًا لكنه يدلس عن الضعفاء، ثم احترقت كتبه، وكان أصحابنا يقولون: سماع من سمع منه قبل احتراق كتبه مثل العبادلة: ابنُ وهب، وابن مبارك، والقعنبي، والمقرئ فسماعهم صحيح" (٧).

стр. 1674

وقد صحّ عن أبي هريرة أنه سجد مع النبيّ ﷺ في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ﴾ (١)، وصحّ عنه ﷺ أنه سجد في النجم، ذكره البخاري (٢). فردّت هذه السنن برأي فاسد وحديث ضعيف: أما الرأي (٣) فهو أن آخر الحج السجود فيها سجود الصلاة لاقترانه بالركوع، بخلاف الأولى؛ فإن السجود فيها مجرد عن ذكر الركوع، ولهذا لم يكن قوله تعالى ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾ [آل عمران: ٤٣]، من مواضع السجدات بالاتفاق. وأما الحديث الضعيف فإنه (٤) رواه أبو داود: ثنا محمد بن رافع: ثنا أزهر بن القاسم: ثنا أبو قدامة، عن مطر الوَرَّاق، عن عكرمة، عن ابن العباس: "أن النبيّ ﷺ لم يسجد في شيء من المُفصَّل منذ تحول إلى المدينة" (٥).

стр. 1675

فأما الرأي فيدل على فساده وجوه: منها أنه مردودٌ بالنص، ومنها أن اقتران الركوع بالسجود في هذا الموضع لا يُخرجه عن كونه [موضع سجدة، كما أن اقترانه بالعبادة التي هي أعمّ من الركوع لا يخرجه عن كونه سجدة] (١)، وقد صح سجوده ﷺ في النَّجم (٢)، وقد قَرَنَ السجود فيها بالعبادة كما قرنه بالعبادة في سورة الحج، والركوع لم يزده إلّا تأكيدًا، ومنها أن أكثر السجدات المذكورة في القرآن متناولة لسجود الصلاة، فإن قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ [الرعد: ١٥]، يدخل فيه سجود المصلين قطعًا، وكيف لا؛ وهو أجلّ السجود وأفرضه؟ وكيف لا يدخل هو في قوله: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (٦٢)﴾ [النجم: ٦٢]، وفي قوله: ﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (١٩)﴾ [العلق: ١٩]، [وقد قال قبل: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (١٠)﴾ [العلق: ٩ - ١٠]،] (٣) ثم قال: ﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (١٩)﴾ [العلق: ١٩]، فأمره بأن يفعل هذا الذي نهاه عنه عدوّ اللَّه، فإرادة سجود الصلاة بآية السجدة لا تمنع كونها سجدة، بل تؤكّدها وتقوّيها. يوضحه أن مواضع السجدات في القرآن نوعان: إخبار، وأمر، فالإخبار خبر من اللَّه تعالى عن سجود مخلوقاته له عمومًا أو خصوصًا، فسُنَّ للتالي والسامع وجوبًا أو استحبابًا أن يتشبّه بهم عند تلاوة آية السجدة أو سماعها، وآيات الأوامر بطريق الأَوْلى. وهذا لا فرق فيه بين أمر وأمر، فكيف يكون الأمر بقوله: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (٦٢)﴾ [النجم: ٦٢]، مقتضيًا للسجود دون الأمر بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا

стр. 1676

ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧]، فالساجد إما متشبه بمن أُخبر عنه، أو ممتثل لما أُمر به، وعلى التقديرين يسنّ له السجود في آخر الحج كما يُسَنُّ له [السجود] (١) في أوَّلها، فلما سوَّت السنة بينهما سوى القياس الصحيح والاعتبار الحقّ بينهما، وهذا السجود شرعه اللَّه ورسوله عبودية عند تلاوة هذه الآيات واستماعها، وقربة إليه، وخضوعًا لعظمته، وتذلّلًا بين يديه، واقتران الركوع ببعض آياته، مما يؤكّد ذلك ويقوّيه، لا يضعفه ويوهيه، واللَّه المستعان (٢). وأمّا قوله تعالى: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾ [آل عمران: ٤٣]، فإنما (٣) لم يكن موضع سجدة لأنه خبر خاص عن قول الملائكة لامرأة بعينها أن تُديمَ العبادة لربّها بالقنوت وتصلّي له بالركوع والسجود، فهو خبرٌ عن قول الملائكة لها ذلك، وإعلام من اللَّه تعالى لنا أن الملائكة قالت ذلك لمريم، فسياق ذلك غير سياق آيات السجدات. [رواية أبي قدامة الحارث بن عبيد] وأما الحديث الضعيف فإنه من رواية أبي قدامة -واسمه الحارث بن عبيد-

стр. 1677

قال الإمام أحمد (١) ﵁: هو مضطرب الحديث، وقال يحيى (٢): ليس بشيء، وقال النسائي (٣): ليس بالقوي، وقال الأزدي: ضعيف، وقال ابن حبان (٤): لا يحتجّ به إذا انفرد. قلت: وقد أنكر عليه هذا الحديث (٥)، وهو موضع الإنكار، فإن أبا هريرة ﵁ شهد سجوده ﷺ في المفصل في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾، و ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١)﴾، ذكره مسلم في "صحيحه" (٦)، وسجد معه، حتى لو صح خبر أبي قدامة هذا لوجب تقديم خبر أبي هريرة عليه؛ لأنه مثبت فمعه زيادة علم، واللَّه سبحانه أعلم. [سجود الشكر] المثال التاسع والستون: رد السنة (٧) الثابتة الصحيحة في سجود الشكر (٨)

стр. 1678

كحديث عبد الرحمن بن عوف: "أن رسول اللَّه ﷺ خرج نحو صدقته فخرّ ساجدًا فأطال السجود، ثم قال: إن جبريل أتاني وبَشَّرني فقال: إن اللَّه يقول لك: مَنْ صلَّى عليك صلّيت عليه، ومَنْ سلَّم عليك سلمت عليه، فسجدت للَّه شكرًا" (١)،

стр. 1679

وكحديث سعد بن أبي وقاص في سجوده ﷺ شكرًا لربّه لما أعطاه ثلث أمته، ثم سجد ثانية فأعطاه الثلث الآخر ثم [سجد] (١) ثالثة فأعطاه الثلث الباقي (٢)، وكحديث أبي بكرة (٣): "أن رسول اللَّه ﷺ كان إذا جاءه أمر يُسرّ به خَرَّ ساجدًا شكرًا للَّه [تعالى] (٤)؛ وأتاه بشيرٌ ليبشره بظفر جندٍ له على عدوّهم، فقام وخرَّ ساجدًا" (٥)، وسجد كعب بن مالك لما بُشِّر بتوبة اللَّه عليه (٦)، وسجد أبو بكر حين جاءه قتل

стр. 1680

مُسيلمة الكَذَّاب (١)، وسجد عليٌّ حين وجد ذا الثَّدية في الخوارج الذين قتلهم (٢)،

стр. 1681

ولا أعلم شيئًا يدفع هذه السنن (١) والآثار مع صحتها وكثرتها غير رأي فاسد، وهو أن نِعَمَ اللَّه لا تزال واصلة إلى عبده، فلا معنى لتخصيص بعضها بالسجود، وهذا من أفسد رأي وأبطله. [نوعا النعم الإلهية] فإن النعم نوعان: مستمرة، ومتجدّدة، فالمستمرة شكرها بالعبادات والطاعات، والمتجددة شرع لها سجود الشكر، شكرًا للَّه عليها، وخضوعًا له، وذلًّا، في مقابلة فرحة النعم وانبساط النفس لها، وذلك من أكبر أدوائها، فإن اللَّه سبحانه لا يُحبُّ الفَرِحين ولا الأَشِرين، فكان دواء هذا الداء الخضوع والذل والانكسار لرب العالمين، وكان في سجود الشكر من تحصيل هذا المقصود ما ليس في غيره. ونظير هذا السجود عند الآيات (٢) التي يُخوّف اللَّه بها عباده كما في الحديث: "إذا رأيتم آية فاسجدوا" (٣)، وقد فزع النبيّ ﷺ عند رؤية انكساف الشمس إلى الصلاة، وأمر بالفَزَع إلى ذكره (٤)، ومعلوم أن آياته [تعالى] (٥) لم تزل مشاهدة معلومة بالحسّ والعقل، ولكن تجدّدها يحدث للنفوس (٦) من الرهبة والفزع إلى اللَّه ما لا تحدثه الآيات المستمرة، فتجدُّد هذه النعم في اقتضائها لسجود الشكر كتجدّد تلك الآيات في اقتضائها للفزع إلى السجود والصلاة (٧)،

стр. 1682

ولهذا لما بلغ فقيه الأمة وترجمان القرآن عبد اللَّه بن عباس موت ميمونة زوج النبيّ ﷺ خرّ ساجدًا، فقيل له: أتسجد لذلك؟ فقال: قال رسول اللَّه ﷺ : "إذا رأيتم آية فاسجدوا"، وأيّ آية أعظم من ذهاب أزواج [النبيّ] (١) ﷺ من بين أظهرنا (٢)؟ فلو لم تأتِ النصوص بالسجود عند تجدّد النعم لكان هو محض القياس، ومقتضى عبودية الرغبة، كما أن السجود عند الآيات مقتضى عبودية الرهبة، وقد أثنى اللَّه سبحانه على الذين يسارعون في الخيرات ويدعونه رغبًا ورهبًا، ولهذا فرَّق الفقهاء بين صلاة الكسوف وصلاة الاستسقاء بأن (٣) هذه صلاة رهبة وهذه صلاة رغبة، فصلوات اللَّه وسلامه على من جاءت سنّته وشريعته بأكمل ما جاءت به شرائع الرسل وسننهم (٤) [وعلى آله].

стр. 1683

[انتفاع المرتهن بالمرهون] المثال السبعون: رد السنة الثابتة الصحيحة بجواز ركوب المرتهن للدابّة المرهونة وشربه لبنها بنفقته عليها، كما روى البخاري في "صحيحه": ثنا محمد بن مقاتل: أنا عبد اللَّه: أنا زكريا، عن الشعبي، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه ﷺ : "الرَّهنُ يركب بنفقته إذا كان مرهونًا، ولبنُ الدَّرِّ يشرب بنفقته إذا كان مرهونًا، وعلى الذي يركب ويشرب النفقة" (١)، وهذا الحكم من أحسن الأحكام وأعدلها، ولا أصلح للرَّاهِنين (٢) منه، وما عداه ففساده ظاهر، فإن الراهن قد يغيب ويتعذَّر على المرتهن مطالبته بالنفقة التي تحفظ الرهن، ويشق (٣) عليه أو يتعذّر رفعه إلى الحاكم وإثبات الرهن وإثبات غيبة الراهن وإثبات أن قدر نفقته عليه هي قدر حلبه وركوبه وطلبه منه الحكم له بذلك، وفي هذا من العُسْر والحرج والمشقة ما ينافي الحنيفية السمحة، فشرع الشارع الحكيم القيّم بمصالح العباد للمرتهن أن يشرب لبن الرهن ويركب ظهره وعليه نفقته، وهذا محض القياس لو لم تأتِ به السنة الصحيحة، وهو يخرج على أصلين: أحدهما: أنه إذا أنفق على الرهن صارت النفقة دَيْنًا على الراهن؛ لأنه واجب أدّاه عنه، ويتعسَّر عليه الإشهاد على ذلك كل وقت واستئذان الحاكم، فجوَّز له الشارع استيفاء دينه من ظهر الرهن ودرّه، وهذا مصلحة محضة لهما، وهي بلا شك أَوْلى من تعطيل منفعة ظهره وإراقة لبنه أو تركه يفسد في الحيوان أو يفسده حيث يتعذّر الرفع إلى الحاكم، لا سيما ورهن الشاة ونحوها إنما يقع غالبًا بين أهل البوادي حيث لا حاكم، ولو كان فلم يولّ اللَّه ولا رسوله الحاكم هذا الأمر. الأصل الثاني: أن ذلك معاوضة في غيبة أحد المعاوضين للحاجة والمصلحة الراجحة، وذلك أَوْلى من الأخذ بالشفعة بغير رضا المشتري؛ لأن الضرر في ترك هذه المعاوضة أعظمُ من الضرر في ترك الأخذ بالشفعة، وأيضًا فإن المرتهن يريد حفظ الوثيقة لئلا يذهب ماله، وذلك إنما يحصل ببقاء الحيوان، والطريق إلى ذلك إما النفقة عليه، وذلك مأذون فيه عرفًا كما هو مأذون فيه شرعًا.

стр. 1684

[العرف يجري مجرى النطق] وقد أُجريَ العرفُ مجرى النطق في أكثر من مئة موضع (١) منها نقد البلد في المعاملات، وتقديم الطعام إلى الضيف، وجواز تناول اليسير مما يسقط من الناس من مأكول وغيره، والشرب من خَوَابي السيل ومصانعه في الطرق، ودخول الحَمَّام وإن لم يعقد عقد الإجارة مع الحمامي لفظًا، وضرب الدابّة المستأجرة إذا حرنت في السير وايداعها في الخان إذا قدم بلدة أو ذهب في حاجة، ودفع الوديعة إلى من جَرَت العادة بدفعها (٢) إليه من امرأة أو خادم أو ولد، وتوكيل الوكيل لما لا يباشره مثله بنفسه، وجواز التخلّي في دار من أذن له بالدخول إلى داره والشرب من مائه والاتّكاء على الوسادة المنصوبة، وأكل الثمرة الساقطة من الغصن الذي على الطريق، وإذن المستأجر للدار لمن شاء من أصحابه أو أضيافه في الدخول والمبيت والثواء عنده والانتفاع بالدار وإن لم يتضمنهم عقد الإجارة لفظًا اعتمادًا على الإذن العُرفي، وغسل القميص الذي استأجره للبس مدة يحتاج فيها إلى الغسل، ولو وكَّل غائبًا أو حاضرًا في بيع شيء والعرف قبض ثمنه ملك ذلك، ولو اجتاز بحرث غيره في الطريق ودعته الحاجةُ إلى التخلِّي فيه فله ذلك إن لم يجد موضعًا سواه إما لضيق الطريق أو لتتابع المارِّين فيها، فكيف بالصلاة فيه والتيمّم بترابه؟ ومنها لو رأى شاة غيره تموت فذبحها حفظًا لمالكها (٣) عليه كان ذلك أَوْلى من تركها تذهب ضياعًا، وإن كان من جامدي الفقهاء من يمنع من ذلك ويقول: هذا تصرف في ملك الغير، ولم يعلم هذا البائس (٤) أن التصرف في ملك الغير إنما حَرَّمه اللَّه لما فيه من الإضرار به وترك التصرّف هاهنا هو الإضرار. ومنها لو استأجر غلامًا فوقعت الأكلة (٥) في طرفه فتيقَّن أنه إن لم يقطعه سرت إلى نفسه فمات جاز له قطعه ولا ضمان عليه. ومنها لو رأى السيل يمر بدار جاره فبادر ونقب حائطه وأخرج متاعه فحفظه عليه جاز ذلك، ولم يضمن نقب الحائط.

стр. 1685

ومنها لو قصد العدوّ مال جاره فصالحه ببعضه دفعًا عن بقيّته (١) جاز له، ولم يضمن ما دفعه إليه. ومنها لو وقعت النار في دار جاره فهدم جانبًا منها على النار لئلّا تسري إلى بقيتها لم يضمن. ومنها لو باعه صبرة (٢) عظيمة أو حطبًا أو حجارة ونحو ذلك جاز له أن يدخل ملكه من الدواب والرجال ما ينقلها [به] (٣)، وإن لم يأذن له في ذلك لفظًا. ومنها لو جذّ ثماره أو حصد زرعه ثم بقي من ذلك ما يرغب عنه عادة جاز لغيره التقاطه وأخذه، وإن لم يأذن فيه لفظًا. ومنها لو وجد هديًا مشعرًا منحورًا ليس عنده أحد جاز له أن يقتطع [منه] (٤) ويأكل منه. ومنها لو أتى إلى دار رجل جاز له طرق حلقة الباب عليه، وإن كان تصرفًا (٥) في بابه لم يأذن له فيه لفظًا. ومنها الاستناد إلى جداره والاستظلال به. ومنها الاستمداد من محبرته، وقد أنكر الإمام أحمد على من استأذنه في ذلك. وهذا أكثر من أن نحصره (٦)، وعليه يخرَّج حديث عروة بن الجعد البارقي (٧) حيث أعطاه النبيّ ﷺ دينارًا يشتري له به شاة، فاشترى شاتين بدينار، فباع إِحداهما بدينار وجاءه بالدينار والشاة الأخرى (٨)، فباع وأقبض وقبض بغير إذن لفظي اعتمادًا منه على الإذن العرفي الذي هو أقوى من اللفظي في أكثر المواضع، ولا إشكال بحمد اللَّه في هذا الحديث بوجهٍ ما، وإنما الإشكال في
следующие страницы →