وحمَّى الأرواح، وغم الصدور، ومرض القلوب، إن أنصفتهم لم تقبل طبيعتهم الإنصاف، وإن طلبته منهم، فأين الثريا من يد الملتمس، قد انتكست قلوبهم، وعمي عليهم مطلوبهم، رضوا بالأماني، وابتلوا بالحظوظ، وحصلوا على الحرمان، وخاضوا بحار العلم لكن بالدعاوى الباطلة وشقائق الهذيان، ولا واللَّه ما ابتلت من وَشَله (١) أقدامهم، ولا زكت به عقولهم وأحلامهم، ولا ابيضت به لياليهم وأشرقت بنوره أيامهم، ولا ضحكت بالهدى والحق منه وجوه الدفاتر إذ بُلَّتْ بمدادِه أقلامُهم، أَنفقوا في غير شيء نفائسَ الأنفاس وأَتعبوا أنفسهم وحيَّروا مَنْ خلفهم من الناس، ضيَّعوا الأصول، فحُرِمُوا الوصول، وأعرضوا عن الرسالة فوقعوا في نهاية الحيرة وبيداء الضلالة" (٢).
وقال عنهم: "ليس لهم تحقيق في العلم" (٣).
ونعت ابن القيم هؤلاء فيما مضى بصيغة الجمع وكان كلامه معهم في بعض الأحايين بصيغة الإفراد، كقوله:
"وليس كلامنا في هذا الكتاب مع المقلّد المتعصّب، المقرّ على نفسه بما شهد عليه به جميعُ أهل العلم، أنه ليس من جملتهم، فذاك وما اختار لنفسه، وباللَّه التوفيق" (٤) وقوله:
"فأجابهم مَنْ مُنِع التوفيق، وصُدَّ عن الطريق" (٥)، و"الجاهل الظالم لا يرى الإحسان إلا إساءة، ولا الهدى إلا ضلالة" (٦)، و"الجاهل الظالم يخالفك بلا حجة، ويكفّرك ويبدّعك بلا حُجة، وذنبك رغبتك عن طريقته الوخيمة، وسيرته الذميمة" (٧).
وقال عن هذا الصنف: "ليلزم حدّه، ولا يتعدّى طوره، ولا يمد إلى العلم الموروث عن رسول اللَّه ﷺ باعًا يقصر عن الوصول إليه، ولا يتّجر بنقدٍ زائف لا يروج عليه" (٨).
ولا يعارض هذا ما قلناه من الإنصاف الذي يتحلى به ابن القيم، فإن كلامه هذا مع فرقة تلاعبت بأحكام الدين، وجعلت كلام أئمتها عيارًا على الكتاب
стр. 212
والسنة، فأحلوا الحرام، وحرموا الحلال، وأسقطوا الواجب، وأوجبوا ما لم يجب، فكانت هذه المؤاخذات والعبارات الشديدة من باب غيرة الإمام ابن القيم على الشريعة وأحكامها، ووضعه الأمور الشرعية في نصابها، وهذا من إنصافه أيضًا إذ ليس عنده وكس ولا شطط، واللَّه الهادي، لا ربّ سواه.
سابعًا: ثمرة نقل الأقوال والخلاف والأدلة مع الإنصاف والأمانة وتقدير أهل العلم هو الكشف عن حكم اللَّه ، وبيان الراجح من الأقوال، وبهذا ينتهي عرض ودراسة ابن القيم لجل المسائل والمباحث التي في كتابنا، فهو يتوصل إلى القول الراجح بعد تحليل وتأصيل وتدليل، ونظر عميق، وتأمل طويل، وتفهم وتصور دقيق، ولذا فترجيحاته صحيحة، واختياراته مليحة، وهي تتطابق مع الأدلة، ومدعّمة بما يزيّنها من الحِكَم والأسرار والمقاصد، التي تستنبط من النصوص، بالاستقراء أو إعمال النظر.
وترجيحاته قائمة على إعمال الأدلة جميعها، وقرر أنه "لا يجوز العمل والإفتاء في دين اللَّه بالتشهي والتخيير وموافقة الغرض" (١) وقال عن هذا: "من أفسق الفسوق، وأكبر الكبائر" (٢) وكذلك "لا يجوز للمفتي أن يعمل بما شاء من الأقوال والوجوه، من غير نظر في الترجيح" (٣) وقال عن هذا: "حرام باتفاق الأمة" (٤).
وتمتاز ترجيحاته بالأمور الآتية:
أولًا: الوضوح والجزم والقوة، فكان يقول: "وهو الصواب المقطوع به" (٥) و"هذا هو الصواب الذي ندين به في المسألة" (٦) و"هذا هو الصواب الذي لا ريب فيه" (٧).
ثانيًا: مراعاة جميع ما ورد في الباب من أدلة، قال في مسألة مثلًا:
"والصواب القول الوسط الجامع بين الأدلة الذي لا يحتمل سواه. . . " (٨).
ثالثًا: وجوب الخروج عن المذهب إذا جاء الدليل بخلافه، وعَدَّ من يقدم
стр. 213
على الفتوى بما يغلب على الظن أن الصواب في خلافه: "خائنًا للَّه ورسوله، وللسائل، وغاشًا له" (١).
ولذا رجح في بعض المسائل ما يخالف مذهب الحنابلة، الذي نشأ وتربى عليه، قال: "وكثيرًا ما ترد المسألة، نعتقد فيها خلاف المذهب، فلا يسعنا أن نفتي بخلاف ما نعتقده، فنحكي المذهب الراجح، ونرجّحه ونقول: هذا هو الصواب، وهو أولى أن يؤخذ به، وباللَّه التوفيق" (٢) بل خالف في بعض المسائل شيخه ابن تيمية (٣).
رابعًا: يؤخّر ترجيحه ورأيه، إذ يبدأ برأي الفقهاء، ويسرد حججهم، ثم يأتي في آخر الكلام برأيه. بعد المناقشة بروية وحجة، ويحاول إلزام المخالف بأمثلة قوية موضحة، فهو يذكر المؤيِّدات مع الترجيحات.
خامسًا: يمتاز أسلوبه في الترجيح بأدب رفيع، وسمت حسن، فلا يسيء إلى مخالفه في الرأي، بتعبير يجرح شعوره، أو يسيء إليه.
سادسًا: جميع ما سبق لا ينافي كون ابن القيم حنبليّ النزعة، وأنه يفضّل ويرجح مذهب الإمام أحمد بالجملة، لأنه يعتبره أقرب إلى النصوص، كما أوضح ذلك في نقل سبق أن ذكرناه عنه (٤).
ولذا نجده في كتابنا هذا يشيد بأحمد وبعلمه، ويعتني بأصول مذهبه، بل لا نجد ابن القيم اعتنى بأصول إمام مذهب مثل عنايته بأصول الإمام أحمد، ولا بأقوال إمام كأقواله، ولم ينقل عن فقهاء مذهب كمذهبه، بل قال في غير موطن: "أصحابنا" وهو يريدهم أو يريد بعضهم، ولا شك أنه أخذ العلم على كثير من مشايخ الحنابلة، ومع هذا فإنه كان يوقر العلماء حق التوقير، وأن فقهه كان فقه المجتهد، ولا يقلد ولا يتبع أحدًا بغير برهان ودليل، وهو في اختياراته متحيز مستنبط كما قدمناه، واللَّه الموفق.
المحور الرابع: طريقته في العرض وأسلوبه في البحث:
"ليس يكفي أن يكون الإنسان جمَّ المعرفة، غزير الثقافة، ليكون مؤلفًا ممتازًا، بل لا بد مع ذلك من طبيعة مواتية، وفكر مرتِّب، وعقل مركز، وذوق مصفَّى، وذهن ناقد، وبيان
стр. 214
ساحر، وحافز نفسي غلَّاب" (١)، وهذه السمات بمجموعها موجودة في كتب ابن القيم بعامة، وقد لاحظ ذلك الشوكاني، فقال:
"وكل تصانيفه مرغوب فيها بين الطوائف، وله من حسن التصرف في الكلام، مع العذوبة الزائدة، وحسن السياق ما لا يقدر عليه غالبُ المصنّفين، بحيث تعشق الأفهامُ كلامه، وتميل إليه الأذهانُ، وتحبّه القلوبُ" (٢).
ولكتابنا هذا "إعلام الموقعين" النصيب الأكبر من هذه السمات، فعلى الرغم من أنه كتاب في الفقه وأصوله، وعادة المؤلفين في هذه الأبواب الابتعاد عن الإبداع في الأسلوب الأدبي في عرض مادتها إلا أنّ ابن القيم "لم يخرج عن مألوفه فيه، ولم يخلع ربقة البلاغة من عنقه، فقد اهتم بالشكل كما اهتمّ بالمضمون" (٣)، يظهر ذلك في الأمور الآتية:
أولًا: أسلوبه الأدبيُّ:
سبق أن قررنا أن لابن القيم مقدرة علمية، فائقة في استثمار النصوص ودلالاتها على الأحكام الشرعية، وأنه سلك في ذلك طريقًا صحيحًا، وفق منهج علميِّ متَّبع عند السلف، وكان هدفه من ذلك الوصول إلى الحق، وقد جاء عرض ذلك بعباراتٍ أدبيَّةٍ، صادقة اللهجة، تفوح بشذى العلم، وتنبض بروح الإيمان (٤)، تتميز بالسُّهولة والوضوح والعذوبة، وقد مال في كثير من المواطن إلى الصور البيانية، والمحسِّنات البديعية من غير تكلف (٥)، فهو يكتب على سجيّته، ويملي بفطرته، لا يتكلّف ولا يتصنَّع.
وقدرة المصنف على الصناعة والصياغة الأدبية ساعدته على تقعيد كثير من المسائل بعبارات جامعة موجزة، وهذا ضرب من البلاغة، وسموّ البيان، الذي يتجانس مع دقة المعاني الشرعية وتشعّبها، ولا سيما أن صاحبنا ﵀ أخذ تقريراته
стр. 215
من نصوص الوحيين على وجه فيه تكامل وترابط، فترى النور والإيمان يشع من كلامه، حتى وهو يتكلم في الفقه وأصوله.
ولا ينسى في هذا المقام توظيفه الشعر بما يحمل من معنى رائق، ولفظ فائق لتأكيد اختياراته وتقويتها، ولذا يذكرها غالبًا عرضًا دون عزوٍ لقائلها، ويضعها في مكانها اللائق بها، ولا داعي للتمثيل لكثرتها، ولسهولة الوقوف عليها، إذ خُصّتْ (١) بفهرسة خاصة لها، واللَّه الموفق والهادي.
والملاحظ في أسلوبه: استخدامه أسلوب الحوار في غالب مناقشته لخصومه حتّى يعطي حيوية أكثر للموضوع؛ ويجعل القارئ يتابعه باهتمام وتركيز، ويشعر وكأنّه حضر مجلس مناظرة، وقد تقابل الخصمان، وتبارز الحزبان، فأدلى كلّ منهما بحجّته. وأشهر مثال في هذا المقام قوله في مبحث التقليد: "فصل في عقد مجلس مناظرة، بين مقلِّد وبين صاحب حجَّة منقاد للحقِّ حيث كان" (٢). ثم ذكرها.
ومضى فيما نقلناه سابقًا عدة أمثلة على هذا.
ثانيًا: حسن الترتيب واتّساق الأفكار وتسلسلها:
فكما تميز أسلوب ابن القيم بحسن السياق، وإحكام العبارة، فإنه ﵀ يستفرغ جهده باتساق أفكاره وتسلسلها، وجودة تبويبها، وإتقان ترتيبها وتفصيلها وتقسيمها وتنويعها وتحديدها، وهذا مما ساعد على تيسير مباحث الكتاب، ويجعل قارئه يستفيد منه، ويشدّه إليه شدًّا، ويجنّبه السآمة والملل، إذ لا يحسّ بحواجز بين علم الأصول وما يرتبط به من علوم، كما يجعله يدرك إدراكًا عميقًا أهمية (أصول الفقه) وغايته وثمرته وصلته بنصوص الوحي.
وهذا ينمّ عن قدرة ابن القيم على توظيف (علم الأصول) توظيفًا عمليًا سهلًا بعيدًا عن (التنظير) و (غير الواقعية)، "ولو لم يكن له سوى هذه الميزة لكفاه شرفًا وفخرًا، ولكان ذلك وحده مؤهّلًا كافيًا لتصنيفه ضمن الأصوليين الكبار" (٣).
ومن الأمثلة على إتقانه التفصيل والتقسيم والتنويع ما نادى به نظريًا، ولفت إليه نظر المفتي بقوله:
стр. 216
"إذا كان الحكم مستغربًا جدًّا ممّا لم تألفه النّفوس، وإنّما ألفت خلافه فينبغي للمفتي أن يوطّئ قبله ما يكون مؤذنًا به كالدّليل عليه والمقدّمة بين يديه، فتأمل ذكره -سبحانه- قصَّة زكريّا وإخراج الولد منه بعد انصرام عصر الشَّبيبة وبلوغه السنّ الّذي لا يولد فيه لمثله في العادة، فذكر قصَّته مقدَّمة بين يدي قصَّة المسيح وولادته من غير أب؛ فإنّ النّفوس لما آنست بولد من بين شيخين كبيرين لا يولد لهما عادة سَهُل عليه التّصديق بولادة ولد من غَير أب، وكذلك ذكر -سبحانه- قبل قصَّة المسيح مُوافاة مريم رزقها في غير وقته وغير إبّانه، وهذا الَّذي شجَّع نفس زكريَّا وحرّكها لطلب الولد وإن كان في غير إبّانه، وتأمّل قصَّة نسخ القبلة لمَّا كانت شديدة على النفوس جدًّا كيف وطّأ -سبحانه- قبلها عدة موطئات. . . " ثم ذكرها إلى أن قال: "والمقصود أن المفتي جديرٌ أن يذكر ين يدي الحكم الغريب الذي لم يؤلف مقدّمات، تؤنس به، وتدلّ عليه، وتكون توطئة بين يديه، وباللَّه التوفيق" (١).
ومن أمثلة ذلك: ما ذكره في مبحث العبرة بالمقاصد والنّيات، حيث وطّأ بين يدي القول الفصل في المسألة بأنَّ اللَّه رتَب الأحكام على الإرادات والمقاصد بواسطة الألفاظ الدَّالة عليها، ولم يرتّب تلك الأحكام على مجرّد ما في النّفوس من غير دلالة فعل أو قول، ولا على مجرد ألفاظ لم يقصد المتكلِّم معانيها بل تجاوز للأمّة عن ذلك كلّه وتجاوز لها عمّا تكلّمت به مخطئة أو ناسية أو مكرَهة أو غير عالمة، لأنّ هذه الأمور لا تدخل تحت الاختيار، فلو رتّب عليها الأحكام لكان في ذلك أعظم حرج ومشقّة.
قال بعدها: "فإذا تمهّدت هذه القاعدة فنقول. . . ". فذكر أقسام الألفاظ بالنسبة إلى مقاصد المتكلّمين وإراداتهم (٢).
ومن ذلك أنّه لمّا ذكر أدلّة نفاة القياس أنّ الشريعة قد فرَّقت بين مجتمعين وجمعت بين مفترقين، مهّد للجواب على هذه الشبهة فقال: "وهذه الجملة إنّما تنفصل بعد تمهيد قاعدئين عظيمتين"، ثمّ ذكر القاعدتين: أولاهما أن النّصوص الشّرعية محيطة بجميع أفعال المكلفين (٣). والثانية: ليس في الشريعة شيء على خلاف القياس (٤)، في أمثلة كثيرة يصعب حصرها.
стр. 217
ثالثًا: التكرار:
إنّ هذه الميزة بارزة في "إعلام الموقّعين"، فقد كان ابن القيّم ﵀ يبحث بعض المسائل في أكثر من موضع، ولكنّ هذا التّكرار لا يخلو من فائدة، وفي الإعادة إفادة، فقد كان ﵀ حريصًا على تأكيد الفكرة، وتقرير المسألة، كما أن ذلك التكرار لا يَخْلُو من إضافات مهمّة لم تذكر من قبل.
ومن الأمثلة على ذلك: أنّه بحث مسألة تحريم الإفتاء في دين اللَّه بالرّأي المذموم المتضمّن لمخالفة النّصوص، والرّأي الّذي لم تشهد له النّصوص بالقبول، وساق الأدلة على ذلك من الكتاب والسنّة انظر: (١/ ٨٨)، ثمّ كرّرها في (٣/ ٣٧) وأتى بأدلة لم يأت بها في الموضع السّابق.
ومن ذلك مسألة تحريم القول على اللَّه بلا علم، بحثها في (١/ ٧٣ - ٧٨) ثمّ أعاد ذكرها في (٢/ ٤٣٩) بزيادات وإضافات مع الإشارة إلى ما تقدم ذكره، فقال: "قد تقدم قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: ٣٣]، وأنّ ذلك يتناول القول على اللَّه بغير علم في أسمائه وصفاته، وشرعه ودينه، وتقدم حديث أبي هريرة المرفوع: "مَنْ أَفْتى بِفُتْيَا غَيْرِ ثَبَتٍ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى مَنْ أَفْتَاهُ" (١)، وأضاف أدلة أخرى لم يذكرها من قبل.
ثم كرَّرها مرة أخرى في (٢/ ٤٣٩)، وذلك لبيان خطورة القول على اللَّه بلا علم. ومن ذلك تحريم التّقليد، بحثه في مواضع متفرقة انظر: (١/ ١٠، ١١ و ٢/ ٤٤٧ و ٣/ ٣٧).
ومن ذلك مسألة شروط الواقف، كرّرها عدة مرّات انظر: (٢/ ٦١ - ٦٨ و ٣/ ٥٠٠ - ٥٠٢ و ٥/ ٧٨ - ٧٩، ٨٦ - ٨٩، ٩٠) (٢).
واعتذر الشيخ بكر أبو زيد -حفظه اللَّه- لتكرار ابن القيم مسألة الطلاق الثلاث بلفظ واحدٍ (٣) بعذر يكاد ينطبق على مسائل أخرى، قال:
стр. 218
"ووجه البسط والتكرار المقتضي لها -أي لمسألة الطلاق الثَّلاث بلفظ واحد- من أوضح الأشياء وأبينها، ويكفي عذرًا له في ذلك أنه حبس لأجلها وامتحن وأوذي في ذلك: لأن الفتوى بجعل الطلاق الثلاث بلفظ واحد إنما يقع طلقة واحدة، أمر مستنكر لدى الأجلة من العلماء فضلًا عن طلاب العلم، وعامة الخلق. إذ هم يكادون أن يطبقوا على أن الطلاق الثلاث بلفظ واحد: يقع ثلاثًا لا واحدة فلا تنقيص إذًا ولا ملامة إذا رأينا ابن القيم يكرر الحديث عن هذا المبحث ويزيده في البسط والبيان ليظهر ما يعتقده دينًا، وشرعًا، مؤيدًا له بشتى وجوه الأدلة من الكتاب والسنة، والمعنى، واللغة" (١).
على أنّه إذا رأى أن لا فائدة من إعادة القول استغنى عن ذلك واكتفى بقوله: "تقدم بيان حكمة ذلك ومصلحته بما فيه كفاية" (٢) و"ما أغنى عن إعادته" (٣).
رابعًا: الاستطراد (٤):
هذه الخصيصة عرف بها الإمام ابن القيّم ﵀، واشتهرت في أبحاثه، فكان إذا بحث مسألة استرسل في الكلام واستطرد فيها حتّى يخرج عن موضوعه الأصلي إلى موضوع آخر قد يكون أنفع للنّاس من المسألة المبحوثة فيها أصلًا، وهذا ممّا يدلّ على غزارة فكره وعلى جوده بعلمه، وقد أرشد المفتي إلى هذا فقال: "يجوز للمفتي أن يجيب السّائل بأكثر ممّا سأله عنه، وهو من كمال نصحه وعلمه وإرشاده، ومن عاب ذلك فلقلّة علمه وضيق عطنه، وضعف نصحه، وقد ترجم البُخَارِي لذلك في "صحيحه" فقال: (باب من أجاب السّائل بأكثر ممّا سأل عنه)، ثم ذكر حديث ابن عمر ﵄ ما يلبس المحرم؟ فقال رسول اللَّه ﷺ : "لا يلبسُ القُمُصَ، ولا العَمَائِمَ، ولا السَّرَاوِيلَاتِ، ولا الخِفَافَ، إلَّا أن لا يَجِدَ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبِسِ الخُفَّيْنِ، ولْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنَ الْكَعْبَيْنِ" (٥)، فسئل رسول اللَّه ﷺ عمَّا يلبس المحرم فأجاب عمّا لا يلبس، وتضمّن ذلك الجواب عمّا يلبس، فإنّ ما لا
стр. 219
يلبس محصورٌ، وما يلبسه غير محصور، فذكر لهم النّوعين، وبيّن لهم حكم لبس الخفّ عند عدم النّعل، وقد سألوه عن الوضوء بماء البحر، فقال لهم: "هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ، الحِل مَيْتَتُهُ (١) " (٢).
ومن الأمثلة على ذلك ما ذكره في مبحث الفوائد المتعلّقة بالإفتاء، حيث نقل عن الإمام أحمد ﵀ خصالًا يجب تحقيقها في المفتي، وهي خمس خصال، منها: أن يكون له علم وحلم ووقار وسكينة، ثمّ استطرد في الكلام عن السّكينة، وقال:
"ولشدّة الحاجة إلى السَّكينة وحقيقتها وتفاصيلها وأقسامها نشير إلى ذلك بحسب علومنا القاصرة، وأذهاننا الجامدة، وعباراتنا الناقصة، ولكن نحن أبناء الزّمان، والنّاس بزمانهم أشبه منهم بآبائهم، ولكلّ زمان دولة ورجال" (٣).
وفي شرحه لكتاب عمر ﵁ في القضاء (٤) استطرد في ضرب الأمثال في القرآن وقال: "لا تستطل هذا الفصل المعترض في المفتي والشّاهد والحاكم، فكلّ مسلم أشدُّ ضرورة إليه من الطّعام والشّراب، والنّفس، وباللَّه التوفيق".
وفي فصول من فتاويه ﷺ في أبواب متفرِّقة، استطرد في الكلام إلى الكبائر وأنواعها في فصلين، ثم قال بعدها: "فصل: مستطرد من فتاويه ﷺ ، فارجع إليها" (٥).
ومن ذلك في فصل من فتاوى النّبي ﷺ ، استطرد في الكلام إلى العمل بالسّياسة، ثم قال بعدها: "فلنرجع إلى فتاوى رسول اللَّه ﷺ " (٦).
стр. 220
خامسًا: العناية بالجانب الوجداني وإيقاظ الشعور الإيماني (١):
من السمات الظاهرة في كتابنا هذا:
عناية ابن القيم بالجانب الوجداني، فإنه لم ينس أن يخاطب الإحساس والشعور الإيماني، فإن من متطلبات الفقيه حتى يكون ربانيًا، موفَّقًا في اختياراته، مصيبًا للحق فيها أن يكثر اللجوء إلى اللَّه ، فاسمع إليه وهو يقول في (الفائدة العاشرة) من (فوائد تتعلق بالفتوى):
"ينبغي للمفتي الموفّق إذا نزلت به المسألة أن ينبعث من قلبه الافتقار الحالي لا العلم المجرّد إلى مُلْهِم الصّواب، ومعلِّم الخير، وهادي القلوب، أن يلهمه الصّواب، ويفتح له طريق السّداد، ويدلّه على حكمه الّذي شرعه لعباده في هذه المسألة، فمتى قرع هذا الباب فقد قرع باب التّوفيق، وما أجدر من أمّل فضل ربّه أن لا يُحرِمَه إيّاه، فإذا وجد من قلبه هذه الهمّة فهي طلائع بشرى التّوفيق، فعليه أن يوجّه وجهه ويحدق نظره إلى منبع الهدى ومعدن الصّواب ومطلع الرّشد، وهو النّصوص من القرآن والسنّة وآثار الصحابة، فيستفرغ وسعه في تعرّف حكم تلك النّازلة منها، فإن ظفر بذلك أخبر به، وإن اشتبه عليه بادر إلى التّوبة والاستغفار والإكثار من ذكر اللَّه، فإن العلم نور اللَّه يقذفه في قلب عبده، والهوى والمعصية رياح عاصفة تطفئ ذلك النّور أو تكاد، ولا بدّ أن تضعفه، وشهدتُ شيخ الإسلام -قدّس اللَّه روحه- إذا أعيته المسائل واستصعبت عليه فرّ منها إلى التّوبة، والاستغفار، والاستغاثة باللَّه، واللَّجأ إليه، واستنزال الصّواب من عنده والاستفتاح من خزائن رحمته، فقلّما يلبث المدد الإلهي أن يتتابع عليه مدًا، وتزدلف الفتوحات الإلهية إليه بأيتهن يبدأ، ولا ريب أن مَنْ وفّق لهذا الافتقار علمًا وحالًا وسار قلبه في ميادينه بحقيقة وقصد فقد أعطي حظّه من التوفيق، ومن حرمه فقد منع الطَّريق والرَّفيق، فمتى أعين مع هذا الافتقار ببذل الجهد في درك الحقّ فقد سلك به الصّراط المستقيم، وذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء، واللَّه ذو الفضل العظيم" (٢).
стр. 221
وذكر في (الفائدة الحادية والستين) أن على المفتي أن يكون كثير الدعاء، وذكر أدعية كان يقولها جماعة من السلف، ومن ذلك قوله: "وكان بعضهم يقرأ الفاتحة، وجربنا نحن ذلك فرأيناه من أقوى أسباب الإصابة" (١) ثم قال: "والمعوَّل في ذلك كله على حسن النية، وخلوص القصد، وصدق التوجه في الاستمداد من المعلم الأول، معلم الرسل والأنبياء صلوات اللَّه وسلامه عليهم، فإنه لا يردُّ من صدق في التوجُّه إليه، لتبليغ دينه، وإرشاد عبيده، ونصيحتهم، والتخلص من القول عليه بلا علم، فإذا صدقت نيته ورغبته في ذلك لم يعدم أجرًا، إن فاته أجران، واللَّه المستعان" (٢).
وظهرت هذه السمة على وجه واضح عندما وجّه خطابه للمقصّرين والعصاة، فقال مخوّفًا (أهل الحيل) من اللَّه، فذكَّرهم بيوم الدين:
"فحقيق بمن اتّقى اللَّه وخاف نكاله أن يحذر استحلال محارم اللَّه بأنواع الحيل والاحتيال، وأن يعلم أنّه لا يخلصه من اللَّه ما أظهره مكرًا وخديعة من الأقوال والأفعال، وأنّ للَّه يومًا تكع فيه الرّجال، وتنسف فيه الجبال، وتترادف فيه الأهوال، وتشهد فيه الجوارح والأوصال، وتبلى فيه السّرائر، وتظهر فيه الضّمائر، ويصير الباطن فيه ظاهرًا، والسّر علانية، والمستور مكشوفًا، والمجهول معروفًا، ويحصّل ويبدو ما في الصدور، كما يبعثر ويخرج ما في القبور، وتجرى أحكام الربّ -تعالى- هناك على القصود والنيّات، كما جرت أحكامه في هذه الدار على ظواهر الأقوال والحركات، يوم تبيضّ وجوه بما في قلوب أصحابها من النّصيحة للَّه ورسوله وكتابه، وما فيها من البّرّ والصدق والإخلاص للكبير المتعال، وتسودّ وجوه بما في قلوب أصحابها من الخديعة والكذب والمكر والاحتيال، هناك يعلم المخادعون أنّهم لأنفسهم كانوا يخدعون، وبدينهم كانوا يلعبون، وما يمكرون إلّا بأنفسهم وما يشعرون" (٣).
ويقول مخوّفًا من يكفّر أو يجهّل العلماء من يفتي في مسألة (اليمين بالطلاق):
"فكيف يحلّ لمن يؤمن بأنه موقوف بين يدي اللَّه ومسؤول أنْ يكفِّر أو يجهّل من يفتي بهذه المسألة ويسعى في قتله وحبسه. . . " (٤).
стр. 222
ويقول في مسألة عدم تحنيث المتأوِّل:
"فلا يحلّ لأحد أن يفرّق بين رجل وامرأته لأمر يخالف مذهبه وقوله الّذي قلّد فيه بغير حجّة، فإذا كان الرّجل قد تأوّل وققد من أفتاه بعدم الحنث فلا يحلّ له أن يحكم عليه بأنّه حانث في حكم اللَّه ورسوله ولم يتعمّد الحنث، بل هذه فرية على اللَّه ورسوله وعلى الحالف؛ وإذا وصل الهوى إلى هذا الحدّ فصاحبه تحت الدّرك، وله مقام وأي مقام بين يدي اللَّه يوم لا ينفعه شيخه ولا مذهبه ومن قلّده، واللَّه المستعان" (١).
ويخوف من يفتي بخلاف ما تبرهن عنده من حق نصرةً لمذهبه، فقال: "ليحذر المفتي الذي يخاف مقامه بين يدي اللَّه -سبحانه- أن يفتي السّائل بمذهبه الّذي يقلّده، وهو يعلم أنّ مذهب غيره في تلك المسألة أرجح من مذهبه وأصح دليلًا. . . " (٢).
وقال أيضًا محذرًا إياه:
"يجب عليه الإفتاء بما هو راجح عنده وأقرب إلى الكتاب والسّنة من مذهب إمامه أو مذهب من خالفه، لا يسعه غير ذلك، فإن لم يتمكّن منه وخاف أن يؤدّي إلى ترك الإفتاء في تلك المسألة لم يكن له أن يفتي بما لا يعلم أنّه صواب؛ فكيف بما يغلب عى ظنّه أن الصّواب في خلافه ولا يسع الحاكم والمفتي غير هذا ألبتّة، فإنّ اللَّه سائلهما عن رسوله وما جاء به، لا عن الإمام المعين وما قاله، وإنما يسأل النّاس في قبورهم ويوم معادهم عن الرسول ﷺ ، فيقال له في قبره: ما كنت تقول في هذا الرّجل الذي بُعث فيكم؟ ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (٦٥)﴾ [القصص: ٦٥] ولا يسأل أحد قطّ عن إمام ولا شيخ ولا متبوع غيره، بل يسأل عمن اتّبعه وائتمّ به غيره، فلينظر بماذا يجيب؟ وليعدّ للجواب صوابًا" (٣).
وقال في موطن آخر:
"وعلى كلِّ حال فلا عذر عند اللَّه يوم القيامة لمن بلغه ما في المسألة من هذا الباب وغيره من الأحاديث والآثار التي لا معارض لها إذا نبذها وراء ظهره، وقلّد من نهاه عن تقليده، وقال له لا يحلّ لك أن تقول بقولي إذا خالفَ السّنة،
стр. 223
وإذا صحّ الحديث فلا تعبأ بقولي، وحتّى لو لم يقل له ذلك، كان هو الواجب عليه وجوبًا لا فسحة له فيه، وحتى لو قال له خلاف ذلك لم يسعه إلّا اتّباع الحجّة. . . " (١).
ونبّه المصنف على أثر أعمال طالب العلم على قلبه، وحال قلبه على علمه، فقال بعد أن سرد حكم جمع الشريعة بين الميتة وذبيحة غير الكتابي في التحريم: "وهذه أمور إنما يصدّق بها من أشرق فيه نور الشريعة وضياؤها، وباشر قلبه بشاشة حكمها، وما اشتملت عليه من المصالح في القلوب والأبدان، وتلقّاها صافية من مشكاة النبوة، وأحكم العقد بينها وبين الأسماء والصفات التي لم يطمس نور حقائقها ظلمة التأويل والتحريف" (٢).
وأخيرًا، فإن هذه السِّمة يلحظها المحظوظون والموفّقون، وهي لمن استقامت تصوراتُهم، وقويت إراداتُهم، فاستجابوا للحقّ، فجالت في نفوسهم، وعلقت في قلوبهم قوّةٌ عبروا عنها بالأدلة، ورافقها شعور وجداني، وحضور إيماني بأن هذا هو الحق لا سواه، وهو على حدّ ما قاله المصنف في كتابنا: "وسئل بعضهم عن كلام سمعه من متكلّم به، فقال: واللَّه! ما فهمتُ منه شيئًا، إلا أني رأيتُ لكلامه صولةً ليست بصولة مبطل" (٣).
سادسًا: بين التواضع والاعتزاز:
كان الإمام ابن القيم مثلًا أعلى في التواضع (٤)، يعتقد إنما أوتيه من الفضل والعلم إنما هو محض فضل اللَّه وإكرامه، فيقول -مثلًا- في مستهل حديثه عن الجواب المفصل على أدلة نفاة التعليل: "فنتصدّى للجواب المفصل بحسب الاستعداد، وما يناسب علومنا القاصرة، وأفهامنا الجامدة، وعقولنا الضعيفة، وعباراتنا القاصرة" (٥).
وقال عند تفسير قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً. . .﴾ [إبراهيم: ٢٤]: "فهذا بعض ما تضمنه هذا المثل العظيم الجليل من الأسرار والحكم، ولعلها قطرة من بحر، بحسب أذهاننا الواقفة، وقلوبنا المخطئة،
стр. 224
وعلومنا القاصرة، وأعمالنا التي توجب التوبة والاستغفار، وإلا فلو طهرت منا القلوب، وصفت الأذهان، وزكت النفوس، وخلصت الأعمال، وتجردت الهمم للتلقّي عن اللَّه ورسوله لشاهدنا من معاني كلام اللَّه وأسراره وحكمه ما تضمحل عنده العلوم، وتتلاشى عنده معارف الخلق" (١).
وكرر هذه المعاني في مواطن من كتبه (٢).
وهذا لا يتنافى مع ما قدمناه عنه من اعتزازه بعلمه (٣)، فإن العالم إذا شدّ النَّفَس، وأتعب البدن، وبذل الجهد في تأصيل مسألة وتقعيدها، أو لمّ شعثها وجزئياتها، فإنه يفرح بذلك، ويعتز، وفخر ابن القيم واعتزازه بالعلم وللعلم، وليس لذاته، ولذا قال بعد بحث مسألة: "فتأمل هذه المعاني التي لا تجدها في كتاب، وإنما هي روضة أنف، منح العزيز الوهاب فهمها، وله الحمد والمنة" (٤) فلم يفخر ويعتز ﵀ بعلمه، بل في كلامه الأخير تواضع، وأن اللَّه هو الذي فهمه هذا، ولذا قال بعدها: "لو وجدناه لغيرنا لأعطيناه حقه من الاستحسان والمدح، وللَّه الفضل والمنة" (٥). فالأمر أكبر من النفوس وحظوظها.
فالفخر والاعتزاز عنده بالحق الذي قامت عليه الدلائل، ليكثُر الخير، ويُنتفع به، وهو يصنع هذا على حد قول علي: "إن هاهنا علمًا لو أصبت له حملة" (٦) وعلى نسق طلب يوسف ﵇: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (٥٥)﴾ [يوسف: ٥٥]، قال ابن القيم:
"فمن أخبر عن نفسه بمثل ذلك، ليتكثر بما يحبه اللَّه ورسوله من الخير، فهو محمود، وهذا غير من أخبر بذلك؛ ليتكثّر به عند الناس ويتعظّم، وهذا يجازيه اللَّه بمقت الناس له، وصغره في عيونهم" (٧).
فابن القيم متواضع، ومع تواضعه يفتخر بالحق الذي علمه اللَّه إياه، ورحم اللَّه تلميذه ابن رجب لما قال عنه: "وليس هو بالمعصوم، ولكن لم أر في معناه مثله" (٨).
стр. 225
الجهود المبذولة في كتابنا هذا
بذلت جهود كثيرة في هذا الكتاب، نلخّصها في المحاور الآتية:
الأول: إفراد بعض مواضيعه وفصوله في كتب مستقلّة:
انبثق عن كتابنا هذا -قديمًا وحديثًا- كتب كثيرة، وهذا ما وقفتُ عليه منها:
أولًا: "بلوغ السؤال من أقضية الرسول ﷺ " أفردها وجعلها مستقلّة، وسماها بهذا الاسم صديق حسن خان القنوجي، وظهر طبع حجر في الهند، سنة ١٢٩٢ هـ - ١٨٧٥ م ثم سنة ١٣٢١ هـ (١)، وهو عبارة عما ختم به المؤلف كتابه هذا (٢).
وقد استلّ هذا القسم وحده قديمًا، وهنالك نسخ خطية يعود تأريخها إلى القرن العاشر الهجري تقريبًا. فيها فتاوى النبي ﷺ خاصة، كما في نسخة (ت)، من النسخ المعتمدة، وسيأتي وصفها إن شاء اللَّه تعالى.
ونشر هذا القسم مرات عديدة، فقد قام -مثلًا- قاسم الشّمَّاعي الرفاعي ﵀ بترتيب هذه الفتاوى على الأبواب الفقهية المطروقة، وطبعها على حدة، وكذا اعتنى بها -على ترتيب المصنف لها- محمد نزار تميم وهيثم نزار تميم، ونشراها بعنوان "فتاوى رسول اللَّه ﷺ "، ونشرت عن غيرهما أيضًا، وحققت في رسالتين علميتين بجامعة الإمام محمد بن سعود (٣)، ولم أرهما.
ثانيًا: "درر البيان في تفسير أمثال القرآن" لبعض أئمة الدعوة من علماء نجد، طبع بالمطبعة السلفية بمصر.
ثم ظهر بتحقيق ناصر الرشيد في مكة المكرمة، في (٦٢ صفحة) بعنوان "أمثال القرآن".
стр. 226
ثالثًا: "فصول في القياس" طبع ضمن كتاب "القياس في الشرع الإسلامي"، نشره محب الدين الخطيب سنة ١٣٤٦ هـ، مع رسالة ابن تيمية في القياس أيضًا، وضمن "رسالتان في معنى القياس"، عن دار الفكر، عمان.
رابعًا: "أسرار الشريعة من إعلام الموقعين" جمعه ورتبه (١) مساعد بن عبد اللَّه السلمان، وقدم له الشيخ عبد اللَّه البسام، والشيخ إبراهيم الجطيلي، مطبوع عن دار المسير، سنة ١٤١٨ هـ.
خامسًا: "البيّنات السلفيّة على أنّ أقوال الصحابة حجة شرعية في إعلام الإمام ابن قيم الجوزية" لأحمد سلام، نقل فيه كلام ابن القيم على حجية أقوال الصحابة، مع تعليقات وإضافات مطبوع عن دار ابن حزم، سنة ١٤١٧ هـ (٢).
المحور الثاني: دراسات علمية قامت حوله أو دارت في موضوعه:
تنوَّعت دراسات المعاصرين التي لها تعلُّقٌ بكتابنا هذا، ومن أهمها:
أولًا: "القواعد الفقهية المستخرجة من كتاب إعلام الموقعين" لأبي عبد الرحمن عبد المجيد جمعة الجزائري، مطبوع بتقديم فضيلة الشيخ بكر أبو زيد، عن دار ابن القيم ودار ابن عفان، السعودية.
ثانيًا: "مناهج الإفتاء عند ابن القيم في كتابه "إعلام الموقعين"" لأسامة عمر الأشقر، رسالة علمية قيد الإعداد، في الجامعة الإسلامية، بكوالا لامبور/ ماليزيا.
ثالثًا: "منهج ابن القيم في القواعد الفقهية" لأنور صالح أبو زيد، رسالة دكتوراه، في الجامعة الإسلامية سجلت سنة ١٤١٨ هـ، كذا في "دليل الرسائل العلمية" (٤١٩).
стр. 227
والظاهر من عنوانها أنها ليست خاصة بـ "الإعلام"، ولكن مادته هي الأساسية والأصلية في مثل هذا المبحث، وكذلك:
رابعًا: "ابن القيم أصوليًا"، لعبد اللَّه لخضر، رسالة دكتوراه، مقدمة لكلية الآداب والعلوم الإنسانية في جامعة محمد الخامس بالرباط، وكذلك:
خامسًا: "الإمام ابن القيم ومنهجه وآراؤه في أصول الفقه"، لمسعود عالم مولوي، رسالة ماجستير، مقدمة لقسم أصول الفقه في الجامعة الإسلامية، سنة ١٣٩٧ هـ، كذا في "دليل الرسائل العلمية" (٤٢٥).
المحور الثالث: طبعات الكتاب:
سيأتي الحديث عنها، وتقويم المشهور منها لاحقًا.
المحور الرابع: مخطوطات الكتاب:
اعتنى العلماء والنساخ بكتابنا هذا، وجهدوا في تملُّكه، وله نسخ خطية عديدة في سائر المكتبات المبثوثة في أنحاء العالم، وسيأتي بيان ذلك قريبًا إن شاء اللَّه تعالى.
* أهمية الكتاب وفائدته:
لكتابنا هذا أهمية عظيمة، وقد سمعت الشيخ العلامة بكر أبو زيد -حفظه اللَّه- ينقل عن الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز ﵀ قوله: "كتاب الإسلام: "إعلام الموقعين"".
وقال الشيخ محمد رشيد رضا عنه: "لم يؤلف مثله أحد من المسلمين في حكمة التشريع ومسائل الاجتهاد والتقليد والفتوى" (١).
وقال الشيخ سليمان بن سحمان عنه: "كتاب جليل" وقال: "ليس له في المؤلَّفات نظير ولا مثيل" (٢).
قال أبو عبيدة: لا يقدر على تسطير ما فيه إلا شبعان ريان من علوم الشريعة وأصولها ونصوصها وحِكَمِها، ولا غرو في ذلك، فإن صاحبه له باع طويل، في جميع العلوم الإسلامية ومذاهب أهل الأديان على اختلاف مللهم ونحلهم، وله في كل فن مؤلفات واسعة، فإذا ما قرأ له المرء كتابًا في أي فنٍّ شاء حسب أنه لا
стр. 228
يتقن سواه، ثم أيقن أنه لم يكتب في موضوعه أجود منه.
ونجد ابن القيم، في كتابنا هذا إذا عرض لمسألة من المسائل استوعب الكلام فيها من جميع جوانبها، وذلك بأن يورد أقوال الطوائف فيها، ثم يتبع هذا بمناقشة أدلتهم، ثم ينتهي إلى رفض الآراء التي لا تثبت أمام النقد واختيار الرأي الذي يتفق مع العقل والنقل الصحيح في نظره (١).
وتكلمنا فيما سبق (٢) أن من منهجية المصنف في كتبه: التحليل والتأصيل، وأن النهضة العلمية اليوم تتطلب من تلاميذها العكوف على مثل نوع كتابنا من المؤلفات، ودراسته بتمحيص من ناحية نظرية، ابتغاء تحصيل ثمرته العملية، ولا سيما في استنباط الأحكام العلمية للنوازل الفقهية التي لا سبيل لمعرفتها إلا من خلال القواعد والمقاصد التي يتوصل إليها من خلال استيعاب المنصوص: جمعًا وتمعنًا وتحليلًا واستقراءً، وحينئذ يحسن إلحاق غير المنصوص به، أما الهجوم على غير المنصوص دون ذلك، فمن مظنة الخطأ والزلل، أو التعدي والقصور، أو الوقوع في التعالم، وعدم معرفة قدر النفس، وهذه هي آفة الفقه في هذا الزمان.
وما أحوج أهل زماننا إلى مصنَّف يجمع أسرار التشريع وحِكَمَه على وفق العلوم التجريبية والإنسانية، يستعرض فيه جميع أبواب الفقه، على المنهج الذي سلكه ابن القيم، من تعظيم الدليل، والاهتمام بالنظرة المقاصدية، وضمّ الشبيه إلى الشبيه، بضابط فهم السلف، وعدم التأثر بضغط الواقع، وشُبَهِ المهزومين من الداخل.
ومع ذلك، فإن لابن القيم في كتابه هذا مؤشر التقدم والإبداع، ذلك أنه تمثل بمسائله وقضاياه، والمشاكل التي تحدث عنها في عصره، قمة العطاء والتقدم آنذاك على وجه لم يوجد له شبيه، ولا ما يدانيه، أو ما يقاربه ويجاريه، وهو يحكي نبوغه المتفرد المتمثل بضرب من التقدم بتدوين مباحث في الفقه وأصوله نال الإعجاب والتقدير، بسبب ضوابطه المنهجية والتزامه به، على وجه لا يستغني عنه البحث العلمي الموضوعي في أيّ وقت، وهو ينمّ عن مقدرة أصولية، وظَّفها صاحبها توظيفًا لو لم يكن له سواه لكفاه تقدّمًا وفخرًا وشرفًا.
وقد أصاب الشيخ بكر أبو زيد -حفظه اللَّه- كبد الحقيقة لما قال: "لو لم يكن من مؤلفاته إلا كتابه "زاد المعاد في هدي خير العباد" ذلك الكتاب النافع
стр. 229
المعطار، وكتابه الجامع لأمهات الأحكام، وحقائق الفقه، وأصول التشريع، وحكمه وأسراره، المسمى "إعلام الموقعين" وغيرهما مما يعجب ويطرب، لو لم يكن منها إلا هذان الكتابان لكفى" (١).
* أثر الكتاب في مؤلفات ودراسات من بعده:
كان لكتابنا "الأعلام" أثر ظاهر في مؤلفات من بعده من كبار العلماء، على اختلاف فنونهم ومشاربهم، وأخصُّ الحنابلة منهم، فإنهم أقاموا لاختياراته في كتبهم ومصنفاتهم وزنًا، وأحالوا عليها، ونقلوا منها، وهذه أمثلة تدلل على ذلك (٢):
* أثر كتابنا في كتاب "الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام المبجَّل أحمد بن حنبل" (٣) لعلاء الدين أبي الحسن علي بن سليمان المرداوي (ت ٨٨٥ هـ) رحمه اللَّه تعالى.
стр. 230
أكثر المرداوي في "الإنصاف" من النقل من كتابنا "إعلام الموقعين" وهذا البيان:
١ - قال في "الإنصاف" (٥/ ٤٢٠) في مسألة (مقاسمة الدَّيْن في الذمة):
"تنبيه: مراده بقوله "في الذمة" الجنس. فمحل الخلاف: إذا كان في ذمتين فأكثر، قاله الأصحاب. أما إذا كان في ذمة واحدة: فلا تصح المقاسمة فيها، قولًا واحدًا، قاله في "المغني" و"الشرح" و"الفروع"، وغيرهم.
وقال الشيخ تقي الدين ﵀: يجوز أيضًا، ذكره عنه في "الاختيارات"، وذكره ابن القيم ﵀ رواية في "إعلام الموقعين"".
٢ - وفي "الإنصاف" أيضًا (٨/ ١٦٢ - ١٦٣) تحت (فائدة) في مبحث (نكاح المحلل) ما نصه:
"لو اشترى عبدًا وزوَّجه بمطلقته ثلاثًا، ثم وهبها العبد أو بعضه، ليفسخ نكاحها: لم يصح.
قال الإمام أحمد ﵀: إذا طلقها ثلاثًا وأراد أن يراجعها، فاشترى عبدًا وزوجه بها: فهذا الذي نهى عنه عمر ﵁، يؤدبان جميعًا. وهذا فاسد، ليس بكفء، وهو شبه المحلل.
قال في "الفروع": وتزويجه المطلقة ثلاثًا لعبده بنية هبته، أو بيعه منها، ليفسخ النكاح: كنية الزوج. ومن لا فرقة بيده، ولا أثر لنيته.
وقال ابن عقيل في "الفنون" فيمن طلق زوجته الأمة ثلاثًا، ثم اشتراها لتأسفه على طلاقها: حِلُّها بعيد في مذهبنا، لأنه يقف على زوج وإصابة، ومتى
стр. 231
زوجها -مع ما ظهر من تأسفه عليها- لم يكن قصده بالنكاح إلا التحليل. والقصد عندنا يؤثر في النكاح، بدليل ما ذكره أصحابنا: إذا تزوج الغريب بنية طلاقها إذا خرج من البلد: لم يصح. ذكره في "الفروع".
قال المصنف، والشارح: ويحتمل أن يصح النكاح إذا لم يقصد العبد التحليل.
وقال العلامة ابن القيم في "إعلام الموقعين": لو أخرجت من مالها ثمن مملوك، فوهبته لبعض من تثق به، فاشترى به مملوكًا، ثم خطبها على مملوكه، فزوجها منه، فدخل بها المملوك، ثم وهبها إياه: انفسخ النكاح، ولم يكن هناك تحليل مشروط ولا منوي ممن تؤثر نيته وشرطه، وهو الزوج، فإنه لا أثر لنية الزوجة، ولا الولي، قال: وقد صرح أصحابنا بأن ذلك يحلها (١).
فقال في "المغني": فإن تزوجها مملوك ووطئها أحلها. انتهى.
وهذه الصورة غير التي منع منها الإمام أحمد ﵀، فإنه منع من حلها إذا كان المطلق الزوج واشترى العبد وزوجه بإذن وليها ليحلها. انتهى" انتهى ما عند المرداوي.
قلت: وهذا الكلام في نشرتنا (٤/ ٤٤٨ - ٤٤٩).
٣ - وفي "الإنصاف" (٨/ ١٧٥) أيضًا تحت (فائدة) ما نصه:
"لو أبيح للحر نكاح أمة، فنكحها، ولم يشترط حرية أولاده: فهم أرقاء لسيدها. على الصحيح من المذهب، وعليه الأصحاب.
وعنه: أن ولد العربي يكون حرًا، وعلى أبيه فداؤه. ذكره الزركشي في آخر كتاب النفقات على الأقارب.
وإن شرط حرية الولد، فقال في "الروضة" -فى إرث غرَّة الجنين-: إن شرط زوج الأمة حرية الولد: كان حرًا، وإن لم يشرط: فهو عبد. انتهى.
ذكره في "الفروع" في أواخر "باب مقادير ديات النفس".
قال ابن القيم ﵀ في "إعلام الموقعين" -في (الجزء الثالث في الحيل) -
стр. 232
المثال الثالث والسبعون: إذا شرط الزوج على السيد حرية أولاده: صح، وما ولدته فهم أحرار".
قلت: انظره في نشرتنا (٤/ ٤٠٦).
٤ - وفي "الإنصاف" (٨/ ٤٢٤ - ٤٢٥) أيضًا تحت (فوائد) وذكر (الفائدة الأولى)، وقال:
"يحرم الخلع حيلة لإسقاط عين طلاق، ولا يقع على الصحيح من المذهب.
جزم به ابن بطة في مصنف له في هذه المسألة. وذكره عن الآجري، وجزم به في "عيون المسائل"، والقاضي في "الخلاف"، وأبو الخطاب في "الانتصار"، وقال: هو محرم عند أصحابنا.
وكذا قال المصنف في "المغني": هذا يفعل حيلة على إبطال الطلاق المعلق، والحيل خدع لا تحل ما حرم اللَّه.
قال الشيخ تقي الدين ﵀: خلع الحيلة لا يصح على الأصح، كما لا يصح نكاح المحلل، لأنه ليس المقصود منه الفرقة، وإنما يقصد به بقاء المرأة مع زوجها، كما في نكاح المحلل، والعقد لا يقصد به نقيض مقصوده. وقدمه في "الفروع".
وقيل: يحرم، ويقع.
وقال في "الرعايتين"، و"الحاوي الصغير": ويحرم الخلع حيلة، ويقع في أصح الوجهين.
قال في "الفروع": وشذ في "الرعاية"، فذكره.
قلت: غالب الناس واقع في هذه المسألة، وكثيرًا ما يستعملونها في هذه الأزمنة. ففي هذا القول فرج لهم.
واختاره ابن القيم في "إعلام الموقعين". ونصره من عشرة أوجه (١).
وقال في "الفروع": ويتوجه أن هذه المسألة، وقصد المحلل التحليل، وقصد أحد المتعاقدين قصدًا محرمًا، كبيع عصير ممن يتخذه خمرًا: على حد واحد، فيقال في كل منهما ما قيل في الأخرى".
قلت: انظر نشرتنا (٤/ ٢٣١).
стр. 233
٥ - وفيه (٦/ ٤ - ٥) أيضًا (في الإجارة) عند قوله: (وفي لفظ البيع وجهان) قال: "بأن يقول: بعتك نفعها، وأطلقهما في "الهداية"، و"المذهب"، و"مسبوك الذهب" و"المستوعب"، و"الخلاصة"، و"الكافي"، و"الهادي"، و"المغني"، و"المذهب الأحمد"، و"التلخيص"، و"البلغة"، و"الشرح"، و"شرح ابن منجا"، و"الرعايتين"، و"الحاوي الصغير"، و"الفروع"، و"الفائق"، و"الزركشي"، و"القواعد الفقهية"، والطوفي في "شرح الخرقي".
قال في "التلخيص" و"الفائق": وأما لفظ البيع: فإن أضافه إلى الدار لم يصح، وإن أضافه إلى المنفعة فوجهان. انتهيا.
أحدهما: يصح. اختاره ابن عبدوس في "تذكرته"، والشيخ تقي الدين ﵀ فقال في "قاعدة له في تقرير القياس" -بعد إطلاق الوجهين- والتحقيق: أن المتعاقدين إن عرفا المقصود انعقدت بأي لفظ كان من الألفاظ التي عَرَفَ به المتعاقدان مقصودهما. وهذا عام في جميع العقود، فإن الشارع لم يحدّ حدًّا لألفاظ العقود، بل ذكرها مطلقة. انتهى.
وكذا قال ابن القيم ﵀ في "إعلام الموقعين".
قال في "إدراك الغاية": لا تصح بلفظ البيع في وجه. وقدمه ابن رزين في "شرحه".
والوجه الثاني: لا يصح، صححه في "التصحيح"، و"النظم".
قال الشيخ تقي الدين ﵀ -بعد ذكر الوجهين- بناء على أن هذه المعاوضة نوع من البيع، أو شبيهة به" (١).
قلت: انظره في نشرتنا (٢/ ١٩٨).
٦ - وفيه (٦/ ٣٤٥) أيضًا تحت (فائدة جليلة) ما نصه:
"تثبت الوديعة بإقرار الميت، أو ورثته، أو بينته.
وإن وجد خط موروثه "لفلان عندي وديعة" وعلى كيس "هذا لفلان" عمل به وجوبًا، على الصحيح من المذهب.
قال في "الفروع": ويعمل به على الأصح.
стр. 234
قال الحارثي: هذا المذهب، نص عليه من رواية إسحاق بن إبراهيم في الوصية، ونصره، ورد غيره.
وقال: قاله القاضي أبو الحسين، وأبو الحسن ابن بكروس، وقدمه في "المستوعب"، و"التلخيص"، وهو الذي ذكره القاضي في "الخلاف".
وقيل: لا يعمل به، ويكون تركة.
اختاره القاضي في "المجرد"، وابن عقيل، والمصنف، وقدمه الشارح، ونصره وجزم به في "الحاوي الصغير"، و"النظم".
وإن وجد خطه بدين له على فلان: حلف الوارث، ودفع إليه، قطع به في "المغني"، و"الشرح"، و"الفروع"، و"شرح الحارثي"، و"إعلام الموقعين".
وإن وجد خطه بدين عليه فقيل: لا يعمل به، ويكون تركة مقسومة.
اختاره القاضي في "المجرد"، وجزم به في "الفصول"، والمذهب، وقدمه في "المغني"، و"الشرح".
وقيل: يعمل به، ويدفع إلى من هو مكتوب باسمه.
قال القاضي أبو الحسين: المذهب وجوب الدفع إلى من هو مكتوب باسمه، أومأ إليه، وجزم به في "المستوعب".
وهو الذي ذكره القاضي في "الخلاف": هو ظاهر ما قطع به في "إعلام الموقعين"، وقدمه في "التلخيص"، وصححه في "النظم"، وهو المذهب عند الحارثي، فإنه قال: والكتابة بالديون عليه كالكتابة بالوديعة، كما قدمنا. حكاه غير واحد منهم السامري، وصاحب "التلخيص". انتهى".
٧ - وفيه أيضًا (٩/ ٥) بعد كلام:
"وذكر الشيخ تقي الدين ﵀ أن قوله: "الطلاق يلزمني" ونحوه يمين باتفاق العقلاء والأمم والفقهاء، وخرجه على نصوص الإمام أحمد ﵀.
قال في "الفروع": وهو خلاف صريحها.
وقال الشيخ تقي الدين ﵀ أيضًا: إن حلف به نحو "الطلاق لي لازم" ونوى النذر: كَفَّر عند الإمام أحمد ﵀. ذكره عنه في "الفروع" في كتاب الأيمان، ونصره في "إعلام الموقعين"، هو والذي قبله (١).
стр. 235
وقد ذكر أن أخا الشيخ تقي الدين ﵀ اختار عدم الكفارة فيهما، وهو مذهب ابن حزم.
فعلى المذهب: إذا لم ينو شيئًا، فأطلق المصنف هنا في وقوع الثلاث أو وقوع واحدة الروايتين، وأطلقهما في "القواعد الأصولية"، وابن منجا في "شرحه"".
قلت: انظر نشرتنا (٣/ ٣٣، ٤/ ٣٠١، ٣١٩، ٣٣٤، ٥٣٩).
٨ - وفيه أيضًا (٩/ ١١١) تحت (فائدتين)، وذكر الثانية منهما، فقال:
"لو قالت امرأته "أريد أن تطلقني" فقال: "إن كنت تريدين" أو "إذا أردت أن أطلقك فأنت طالق" فظاهر الكلام: يقتضي أنها تطلق بإرادة مستقبلة ودلالة الحال على أنه أراد إيقاعه، للإرادة التي أخبرته بها. قاله ابن عقيل في "الفنون".
ونصر الثاني العلامة ابن القيم ﵀ في "إعلام الموقعين"". انتهى.
قلت: انظره في نشرتنا (١/ ٣٨١ - ٣٨٢، ٣/ ٤٨٤ - ٤٨٥، ٤/ ٢٢٨، ٥١٧).
٩ - وفيه أيضًا (٩/ ١٢٧) تحت (فوائد):
"فإن حلف على زوجته في شعبان بالثلاث أن يجامعها في نهار شهرين متتابعين فدخل رمضان. فالحيلة: أن يسافر بها.
قدمه في "الهداية"، و"المستوعب"، و"الخلاصة"، و"الرعايتين"، و"الحاوي الصغير".
واختاره المصنف، والعلامة ابن القيم في "إعلام الموقعين"".
١٠ - وفيه أيضًا (١٠/ ٣٩١ - ٣٩٢) تحت (تنبيه) في (التذكية بالسن)؛ ما نصه:
"ظاهر قوله: "إلا السن" أنه يباح الذبح بالعظم، وهو إحدى الروايتين. والمذهب منهما.
قال المصنف في "المغني": مقتضى إطلاق الإمام أحمد ﵀ إباحة الذبح به، قال: وهو أصح.
وصححه "الشارح"، و"الناظم".
وهو ظاهر كلامه في "الوجيز".
стр. 236
قال في "الهداية"، و"المذهب"، و"الخلاصة"، وغيرهم: وتجوز الذكاة بكل آلة لها حد يقطع وينهر الدم، إلا السن والظفر.
قدمه في "الكافي"، وقال: هو ظاهر كلامه.
والرواية الثانية: لا يباح الذبح به.
قال ابن القيم ﵀ في "إعلام الموقعين" في (الفائدة السادسة) بعد ذكر الحديث: وهذا تنبيه على عدم التذكية بالعظام: إما لنجاسة بعضها، وإما لتنجيسه على مؤمني الجن.
واختاره ابن عبدوس في "تذكرته"، وقدمه ابن رزين في "شرحه".
قال في "الترغيب": يحرم بعظم، ولو بسهم نصله عظم.
وأطلقهما في "المحرر"، و"الرعايتين"، و"الحاويين"، و"الفروع" (١).
قلت: وكلام ابن القيم في "الأعلام" في نشرتنا (٥/ ٥٠).
١١ - وفيه (١١/ ١٦٦ - ١٦٧) أيضًا وذكر نقلين من كتابنا هذا، قال تحت (فائدتين) وذكر (الثانية) فقال:
"لو تعين عليه أن يفتي وله كفاية، فهل يجوز له الأخذ؟ فيه وجهان.
وأطلقهما في "آداب المفتي"، و"الرعاية الكبرى"، و"أصول ابن مفلح"، و"فروعه".
واختار ابن القيم ﵀ في "إعلام الموقعين" عدم الجواز (٢).
ومن أخذ رزقًا من بيت المال لم يأخذ أجرة لفتياه. وفي أجرة خطه وجهان: وأطلقهما في "الفروع".
أحدهما: لا يجوز.
قدمه ابن مفلح في "أصوله".
واختاره الشيخ ابن القيم ﵀ في "إعلام الموقعين".
الثاني: لا يجوز.
ونقل المروذي فيمن يُسأل عن العلم، فربما أهدى له؟ قال: لا يقبل، إلا أن يكافئ.
стр. 237
ويأتي أيضًا حكم هدية المفتي عند ذكر هدية القاضي".
قلت: واختيار ابن القيم الأول في نشرتنا (٥/ ١٥٩)، والثاني في (٥/ ١٥٨).
١٢ - وفيه أيضًا (١١/ ٨٦١ - ١٨٧) عند الكلام على (صفات المفتي)، وهل تصح الفتوى من فاسق؟ قال:
"ولا تصح من فاسق لغيره، وإن كان مجتهدًا، لكن يفتي نفسه ولا يسأل غيره.
وقال الطوفي في "مختصره"، وغيره: لا تشترط عدالته في اجتهاده، بل في قبول فتياه وخبره.
وقال ابن القيم ﵀ في "إعلام الموقعين": قلت: الصواب جواز استفتاء الفاسق، إلا أن يكون معلنًا بفسقه، داعيًا إلى بدعته، فحكم استفتائه حكم إمامته وشهادته" (١) ثم تكلم في الموطن نفسه عن (فتوى مستور الحال)، فقال:
"ولا تصح من مستور الحال أيضًا، على الصحيح من المذهب.
قدمه في "الفروع"، وغيره من الأصوليين.
وقيل: تصح.
قدمه في "آداب المفتي" وعمل الناس عليه.
وصححه في "الرعاية الكبرى".
واختاره الشيخ ابن القيم في "إعلام الموقعين".
وقيل: تصح إن اكتفينا بالعدالة الظاهرة، وإلا فلا".
قلت: انظر كلام ابن القيم عن (فتوى الفاسق) في نشرتنا (٥/ ١٣٨)، وعن (فتوى مستور الحال) فيها أيضًا (١٣٨ - ١٣٩).
١٣ - وفيه (١١/ ١٨٩) أيضًا:
"وإن حدث ما لا قول فيه تكلم فيه حاكم ومجتهد ومفت.
وقيل: لا يجوز في أصول الدين.
قال في "آداب المفتي": ليس له أن يفتي في شيء من مسائل الكلام مفصلًا، بل يمنع السائل وسائر العامة من الخوض في ذلك أصلًا، وقدمه في "مقنعه".
стр. 238
وجزم به في "الرعاية الكبرى".
وقدم ابن مفلح في "أصوله": أن محل الخلاف في الأفضلية، لا في الجواز وعدمه، وأطلق الخلاف.
وقال في خطبة "الإرشاد": لا بد من الجواب.
وقال في "إعلام الموقعين" -بعد أن حكى الأقوال-: والحق التفصيل، وأن ذلك يجوز بل يستحب، أو يجب عند الحاجة، وأهلية المفتي والحاكم، فإن عدم الأمران: لم يجز، وإن وجد أحدهما: احتمل الجواز والمنع، والجواب عند الحاجة دون عدمها". انتهى.
قلت: انظر كلامه في نشرتنا (٥/ ٢٠٨).
١٤ - وفيه (١١/ ١٩٤ - ١٩٥) أيضًا في مسألة التّمذهب:
"وقال ابن مفلح في "أصوله": وقال بعض الأصحاب: هل يلزم المقلد التمذهب بمذهب، والأخذ برخصه وعزائمه؟ فيه وجهان.
قلت: قال في "الفروع" -في أثناء "باب شروط من تقبل شهادته"-: وأما لزوم التمذهب بمذهب، وامتناع الانتقال إلى غيره في مسألة: ففيه وجهان، وفاقًا لمالك والشافعي رحمهما اللَّه، وعدمه أشهر. انتهى.
قال في "إعلام الموقعين": وهو الصواب المقطوع به.
وقال (١) في "أصوله": عدم اللزوم قول جمهور العلماء، فيتخير.
وقال في "الرعاية الكبرى": يلزم كل مقلد أن يلتزم بمذهب معين في الأشهر فلا يقلد غير أهله.
وقيل: بلى.
وقيل: ضرورة.
فإن التزم فيما يفتى به، أو عمل به، أو ظنه حقًا، أو لم يجد مفتيًا آخر: لزم قوله، وإلا فلا. انتهى.
واختار الآمدي منع الانتقال فيما عمل به.
وعند بعض الأصحاب: يجتهد في أصح المذاهب فيتبعه (٢).
стр. 239
وقال الشيخ تقي الدين ﵀: في الأخذ برخصه وعزائمه طاعة غير الرسول ﵊ في كل أمره ونهيه، وهو خلاف الإجماع". انتهى.
قلت: والكلام المشار إليه في نشرتنا (٥/ ٢٠٣ - ٢٠٤).
١٥ - وفيه: (١١/ ٢٢١) أيضًا في مسألة (فتيا الحاكم هل هي حكم منه؟)، قال:
"قال القاضي في "التعليق"، والمجد في "المحرر": فعله حكم إن حكم به هو، أو غيره، وفاقًا، كفتياه.
فإذا قال: "حكمت بصحته" نفذ حكمه باتفاق الأئمة. قاله الشيخ تقي الدين ﵀.
وقال ابن القيم في "إعلام الموقعين": فتيا الحاكم ليست حكمًا منه. فلو حكم غيره بغير ما أفتى: لم يكن نقضًا لحكمه، ولا هي كالحكم. ولهذا يجوز أن يفتى للحاضر والغائب، ومن يجوز حكمه له ومن لا يجوز". انتهى.
قلت: انظر نشرتنا (٥/ ١٤١).
١٦ - وفيه (١١/ ٣١٨) أيضًا ما نصه:
"وفي تضمين مفت ليس أهلًا: وجهان.
وأطلقهما في "الفروع".
واختار ابن حمدان في كتابه "أدب المفتي والمستفتي" أنه لا ضمان عليه (١).
قال ابن القيم ﵀ في "إعلام الموقعين" في الجزء الأخير: ولم أعرف هذا القول لأحد قبل ابن حمدان.
ثم قال: قلت خطأ المفتي كخطأ الحاكم أو الشاهد" (٢).
قلت: وكلامه في نشرتنا (٥/ ١٤٧).
هذا، ولم يقتصر نقل المرداوي في كتابه "الإنصاف" من كتابنا "الإعلام"
стр. 240
وإنما نقل منه في كتبه الأخرى، مثل "تصحيح الفروع" (١)، وهنالك نقولات مشتركة بينه وبين "الإنصاف"، وقد أشرتُ إليها في محالّها، وللَّه الحمد.
إلا أني ظفرتُ بمسألة هي فيه ليست في "الإنصاف"، وهي:
قوله في "تصحيح الفروع" (١/ ٣٨٦):
"ولو سأل مفتيين واختلفا فهل يأخذ بالأرجح، أو الأخف، أو الأشد، أو يخيره؟ فيه أوجه، انتهى. أطلق الخلاف في عدة أقوال: أحدها: أنه يخير، اختاره القاضي وأبو الخطاب والشيخ الموفق في "الروضة"، نقله عنه المصنف في "أصوله"، ولم أره فيها وقطع به المجد في موضع من "المسودة"، قال أبو الخطاب: وهو ظاهر كلام الإمام أحمد وقدمه المصنف في "أصوله"، والوجه الثاني: يأخذ بالأرجح، ذكره ابن البناء، وغيره، وهو الصحيح، واختاره بعض الأصحاب، قاله المصنف في "أصوله"، قال في "إعلام الموقعين" يجب عليه أن يتحرى، ويبحث عن الراجح بحسبه وهو أرجح المذاهب السبعة". انتهى.
قلت: انظر نشرتنا (٥/ ٢٠٥ - ٢٠٦).
وهنالك نقولات عديدة جدًّا عند كثير من متأخري الحنابلة من كتابنا هذا، وأقتصر على بيان ذلك بالتفصيل من:
* كتاب "كشاف القناع" (٢) للشيخ منصور بن يونس البهوتي (ت ١٠٥١ هـ).
١ - قال فيه (٣/ ٢٧٣) في آخر (فصل: في المصارفة وهي بيع نقد بنقد)، وتكلم استطرادًا عن الحيل، قال: "وقد ذكر ابن القيم في كتابه "إعلام الموقعين" من ذلك صورًا كثيرة جدًّا، يطول ذكرها، فَلْتعاود؛ لعموم الحاجة إليها".
٢ - وقال في (٣/ ٤٠٥) (فصل: في أحكام الجوار):
стр. 241
"وفي "المبهج": في (الأطعمة): ثمرةُ غصنٍ في هواءِ طريقٍ عامٍّ للمسلمين" قال بعده: "ومعناه أيضًا لابن القيم في "إعلام الموقعين"، لأنّ إبقاءه إِذْنٌ عرفًا في تناول ما سقط منه".
٣ - وقال في (٤/ ٢٠٨) آخر (باب الجعالة):
"ولو وقع الحريق بدار ونحوها فهدمها غير صاحبها بغير إذنه على النار لئلا تسري النار، أو هدم قريبًا منها إذا لم يقدر على الوصول إليها وخيف تعديها وعتوها لم يضمن. ذكره ابن القيم في "الطرق الحكمية"، ثم قال: "ولو رأى السيل يقصد الدار المؤجرة فبادر وهدم الحائط ليخرج السيل، ولا يهدم الدار كان محسنًا ولا يضمن" انتهى، وكذا في "إعلام الموقعين"".
٤ - وقال في (٥/ ٢٧١) (باب الاستثناء في الطلاق):
"ويشترط في استثناء (نيةٍ قبل تمام المستثنى منه) فقوله: أنت طالق ثلاثًا إلا واحدة، لا يعتد بالاستثناء إلا إن نواه قبل تمام قوله: أنت طالق ثلاثًا (وقطع به جمع. و) تصح نيته (بعده) أي بعد تمام المستثنى منه (قبل فراغه) من كلامه بأن يأتي به ناويًا له عند تمامه قبل أن يسكت (واختاره) أي اختار القول بصحة نيته بعد تمام المستثنى منه قبل فراغه (الشيخ و) تلميذه ابن القيم في "إعلام الموقعين"، وقال الشيخ: دل عليه كلام أحمد ومتقدمي أصحابه".
٥ - وقال في (٥/ ٢٩٠) (فصل: وإن قال العامي: أَنْ دخلت الدار، فأنت طالق، بفتح الهمزة وسكون النون):
"ولا فرق عند الشيخ تقي الدين بين أن يطلقها لعلة مذكورة في اللفظ أو غير مذكورة فإذا يتبين انتفاؤها لم يقع الطلاق. وقال في "إعلام الموقعين": وهذا هو الذي لا يليق بالمذهب غيره ولا تقتضي قواعد الأئمة غيره، فإذا قيل له: امرأتك قد شربت مع فلان وباتت عنده، فقال: اشهدوا على أنها طالق ثلاثًا، ثم علم أنها كانت تلك الليلة في بيتها قائمة تصلي، فإن هذا الطلاق لا يقع قطعًا، وأطال فيه. (ولذلك أفتى ابن عقيل في "فنونه" فيمن قيل له: زنت زوجتك، فقال: هي طالق، ثم تبيَّن أنها لم تزن أنها لا تطلق وجعل السبب) الذي لأجله أوقع الطلاق (كالشرط اللفظي وأولى). قال في "الاختيارات": وهو قول عطاء بن أبي رباح، وأطال فيه. وقال القاضي: تطلق مطلقًا، سواء كانت دخلت أو لم تدخل، وهو ظاهر "المنتهى". ويؤيده نص أحمد في رواية المروذي في رجل قال لامرأته: إن
стр. 242
خرجت فأنت طالق، فاستعارت امرأة ثيابها فلبستها فرآها زوجها حين خرجت من الباب، فقال: قد فعلت أنت طالق، قال: يقع طلاقه على امرأته، فنص على وقوع طلاقه على امرأته مع أنه وإن قصد إنشاء الطلاق، فإنما أوقعه عليها لخروجها الذي منعها منه ولم يوجد. أشار إليه ابن نصر اللَّه في "حواشي القواعد الفقهية"".
٦ - وقال في (٦/ ٣٠٨) في آخر (فصل: في أحكام تتعلق بالفتيا):
"ولو سأل العامي مفتيين فأكثر، فاختلفا عليه، تخيَّر، صححه في "الإنصاف"، وقال الموفق في "الروضة": لزمه الأخذ بقول الأفضل في علمه ودينه، وقال الطوفي في "مختصرها": والظاهر الأخذ بقول الأفضل في علمه ودينه، وفي "إعلام الموقعين": يجب عليه أن يتحرى ويبحث عن الراجح بحسبه، وهو أرجح المذاهب السبعة انتهى. والقول الأول اختاره القاضي وأبو الخطاب. قال: وهو ظاهر كلام أحمد، وقطع به المجد في موضع من "المسودة" وقدمه صاحب "الفروع" في "أصوله"".
وهنالك نقولات عديدة جدًّا؛ ظفرتُ بها في كثير من كتب فقهاء الحنابلة من كتابنا (١)، وفيما ذكرناه كفاية مع التنبه إلى ما أحلنا عليه في مبحث (نسبة الكتاب لمؤلفه) و (ضبط اسمه).
ومما يحسن التنبيه عليه في هذا المقام: لقد كان لكتابنا هذا تأثير كبير على المنتسبين لمذهب الحنابلة في تقاصر خدمتهم لكتب المذهب، ونقطة تحول في سيرهم إلى الدليل، والأخذ بالدليل من النِّعم السوابغ، ورحمة من اللَّه -سبحانه-
стр. 243
للمتبوع والتابع (١).
هذا، ولم يقتصر الحنابلة على النقل من كتابنا في مباحثهم الفقهية، وإنما تعداه النقل إلى المباحث الأصولية، وهذه بعض الأمثلة التي تدلل على ذلك:
نقل منه الشيخ الفقيه الفتوحي الحنبلي في مواطن من كتابه "شرح الكوكب المنير"، منها (١/ ٣١٢، ٤/ ٥٢٦ - ٥٢٧، ٥٤٥)، والمرداوي في "التحبير في شرح التحرير" في مواطن أيضًا، منها (٨/ ٣٩٨٥، ٤٠٠٥، ٤٠٠٧، ٤٠٤٢، ٤٠٤٣، ٤٠٤٥، ٤٠٤٨، ٤٠٩٩) (٢).
وأكثر ما يظهر أثر هذا الكتاب في هذه الكتب في مباحث (الفتوى) (٣) و (الاجتهاد) و (التقليد)، بل لا تكاد تجد أحدًا كتب في هذا الموضوع إلا ونقل من كتابنا هذا (٤)، وأظهر مثال عليه رسالة "مبحث الاجتهاد والخلاف" (٥) للشيخ محمد بن عبد الوهاب، فإنها برمتها منقولة من مواطن منه، وكذا "إيقاظ همم أولي الأبصار للاقتداء بسيد المهاجرين والأنصار وتحذيرهم عن الابتداع الشائع في القرى والأمصار من تقليد المذاهب مع الحميّة والعصبيّة بين فقهاء الأعصار" (٦) للشيخ صالح بن محمد الفُلَّاني، فإن كثيرًا من مباحثها ونصوصها مأخوذة من كتابنا هذا، وقد صرح المصنف بذلك في مواطن منها، انظرها (ص ٥٧، ٩٩، ١٠٣، ١٠٧، ١١٥، ١٢٠، ١٥٦، ١٦٢).
ويظهر أثر كتابنا جليًّا في كتب الحديث أيضًا، فنقل منه غير واحد من شراح الحديث المتأخرين وسمَّوه "إعلام الموقعين"، مثل: صاحب "عون المعبود"، فأكثر من النقل عنه في موضع تقوية اختياره، كما تراه في (٣/ ١٤٦، ٢٠٩ و ٤/
стр. 244
١٠١ و ٦/ ١٩٨، ٢٠٠ و ٨/ ٥ و ٩/ ٣٦٥، ٣٧٠ و ١٠/ ١٩٧ و ١٢/ ٢٢٨ و ١٣/ ٢٨ - ط دار الكتب العلمية) وكذلك فعل صاحب "تحفة الأحوذي"، انظر منه: (١/ ٢٩، ٣٤، ٢٠١، ٤٠٩، ٤٧٩ و ٢/ ٣٧، ٦٠، ٧٣، ٢٤١ و ٣/ ٢١٢، ٢٤٥ و ٤/ ٣٨٣، ٣٨٦، ٤٦٥ و ٦/ ٤٧٨ - ط دار الكتب العلمية).
بل تجد لكتابنا هذا ذكرًا في الكتب الحديثية التي اعتنت بجمع الأحاديث المتواترة، فنقل منه -مثلًا- الكتاني في مواطن من كتابه "نظم المتناثر من الحديث المتواتر"، فذكر حديث "الإشارة بالسبابة في التشهد" وقال (ص ١٠٧): "وذكر ابن القيم في "إعلام الموقعين" أمثلة ترك فيها المحكم للمتشابه، وعد منها هذا. . " ونقل كلامه بطوله، وذكر (ص ٢١٢) حديث "إن المدينة حرام" فقال: "ذكر ابن القيم في "إعلام الموقعين" أنه رواها بضعة وعشرون صحابيًا. . " وساق نص كلامه، بل نقل منه ابن حجر في "التهذيب" في زياداته على المزي في ترجمة (يحيى بن أبي إسحاق الهنائي) (١) لكلام صاحبه في هذا الراوي.
وأما عن المعاصرين، وأثر هذا الكتاب في دراساتهم وأبحاثهم وتحقيقاتهم؛ فأمر لا يخفى على أحدٍ، وهو منتشر جدًّا، وواسع، ونذكر مثالًا واحدًا من أعيان الدراسات المهمة التي لها صلةٌ به، وذِكْرٌ له:
* قال الباحث محمد بن إبراهيم في كتابه "الحيل الفقهية في المعاملات المالية" (ص ١٢) في معرض حديثه عن جهود العلماء في (الحيل)، قال:
"أما الكتب القديمة، فهي رغم اغترافها من بعضها لدرجة التشابه، وأحيانًا التماثل غير مستوفية ولا مستوعبة، إذ بعضها أو جلها ينقصه التأصيل والتدليل، فهو يتحدث عن الحيل وكأنه يعلم الناس الفاتحة، على حد تعبير ابن القيم، زيادة على كزازة العبارة وغموضها أحيانًا، وبعد المصطلح الفقهي القديم عن المصطلحات الحديثة، بالإضافة إلى الخلط وعدم التفريق بين أقسام الحيل، وزيادة عن سوء الطبع ورداءة الإخراج، وكثرة الأخطاء المطبعية وغير المطبعية.
ويتمثل هذا واضحًا في كتب أعتبرها من مصادري الأصلية مثل: "المخارج في الحيل"، لمحمد بن الحسن الشيباني (٢)، و"الحيل والمخارج" للخصاف، و"الحيل في الفقه"، للقزويني الشافعي.
стр. 245
ولا يستثنى من هذا إلا كتاب "إعلام الموقعين" لابن القيم، و"الفتاوى" لشيخه ابن تيمية. فهما قد ربطا بين التأصيل والتدليل، وبين التطبيق، مع حسن الطبع، والإخراج نسبيًا".
واستعرض (ص ٤٥ - ٤٧) جهود المستشرقين في نشر كتب (الحيل) التراثية (١)، ثم قال (ص ٤٧):
"لقد سبق لابن تيمية وتلميذه ابن القيم أن نشرا كثيرًا من الحيل، ونشرا أدلة أصحابها بنصاعة ووضوح، خاصة ابن القيم الذي عرض أدلة أصحاب الحيل في قوة ونزاهة ونصاعة عبارة حتى لو وقف عندها القارئ غير المتفقه لآمن بأن الحيل من أصول التشريع الإسلامي قطعًا، ولكنهما، يشنان عليها حملة تفنيد ودحض لما لا يجوز منها، في نفس المستوى من القوة والتجرد ونصاعة العبارة وصلابة الحجة، هي في الحقيقة صلابة الحق والجد والبناء، لا الباطل واللعب والهزل والتخريب".
ووصف (ص ١٥٩) جهد ابن القيم في موضوع (الحيل) بأنه "جهد عقلي خصب" وقال (ص ١٦٣) بعد كلام: "رحم اللَّه ابن القيم، فكأنه يتحدث عن زماننا، وما انتشر فيه من مفاسد وجرائم بمجرد تبديل الأسماء" وقال (ص ١٦٤): "هكذا يصور ابن القيم مفاسد عصره المتولدة عن حيل النفوس المريضة المتذرعة بالذرائع الفاسدة والحيل المرفوضة، فإذا هو ﵀ يعفينا من تصوير مفاسد عصرنا، التي هي بعينها، هان اختلفت الصور أحيانًا، والمظاهر والطرق والوسائل أحيانًا أُخرى" وقال (ص ١٩٨): "أسلوب ابن القيم أسلوب طلق واضح ومشرق".
والأمثلة على استفادة المعاصرين من كتابنا كثيرة، ولكن الذي يذكر أيضًا أن بعضهم انتقد بعض مسائله، كالبوطي (٢)، والجيدي (٣)، وسبق (٤) نقل كلامهما، والإيماء إلى ما فيه.
стр. 246
الأصول المعتمدة في نشرتنا هذه
اعتمدنا في نشرتنا هذه على أربعة أصول خطية، هي:
* النسخة الأولى: رمزتُ لها بـ (ك)، وهي نسخة باكستانية (١)، محفوظة في مكتبة الشيخ محب اللَّه الراشدي، بمنطقة سعيد آباد، وهي تامة في ثلاثة مجلدات، وهي مقابلة ومتقنة، وخطها واضح مقروء، الأول والثاني بخط الشيخ سليمان بن سحمان، كتبها سنة ١٣٠٥ هـ، والمجلد الثالث بخط الشيخ عبد العزيز بن صعب بن عبد اللَّه التويجري، فرغ منها سنة ١٣٠٦ هـ.
أوله: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وبه أستعين، ربّ يسِّر وأعن يا كريم".
وجاء في آخره: "آخر (المجلد الأول) من كتاب "إعلام الموقعين عن رب العالمين"، يتلوه إن شاء اللَّه (المجلد الثاني) وذلك (تحريم الإفتاء في دين اللَّه بغير علم، وذكر الإجماع على ذلك)، وصلى اللَّه على محمد وآله وصحبه وسلم.
وكان الفراغ من نسخ هذا الكتاب الجليل، الذي ليس له في المؤلّفات نظير ولا مثيل بعد العصر من يوم الاثنين لسبع خلت من رجب، من سنة ١٣٠٥ هـ على يد عبده وابن عبده: سليمان بن سحمان، غفر اللَّه له، ولوالديه وللمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، والحمد للَّه رب العالمين، وصلى اللَّه على محمد وآله وصحبه وسلم.
ويتلوه (المجلد الثاني)، وأوله: فصل في تحريم الفتوى في دين اللَّه بغير علم، وذكر الإجماع على ذلك".
وعلى هامشه: "بلغ مقابلة، بحمد اللَّه وحسن توفيقه، على الأصل الذي نسخ منه حسب الطاقة والإمكان".
стр. 247
وتحته: "قد فرغت من مطالعة هذا الكتاب الشريف، أنا العبد الضعيف محمد فيض الكريم، ١٩ رجب المرجب/ سنة ١٣٠٩ هـ، اللهم اغفر لي ولمالك هذا الكتاب وكاتبه، ولمن نظر فيه".
ويقع هذا المجلد في (٤٩١ ورقة) في كل ورقة (٢٣) سطرًا.
وأما المجلد الثاني، ففي أوله، ما نصه: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، ربِّ يسِّر وأعن يا كريم، وصلى اللَّه على محمد وآله وصحبه.
قال شيخ الإسلام ابن قيم الجوزية -تغمده اللَّه برحمته، وأسكنه بحبوح جنته، آمين".
وجاء في آخره: "آخر (الجزء الثاني) من كتاب "إعلام الموقعين عن رب العالمين"، يتلوه (الجزء الثالث) إن شاء اللَّه تعالى: (فصل: قال أرباب الحيل)، والحمد للَّه رب العالمين.
أنهاه كتابة الفقيرُ إلى ربِّه الرحيم المنان: عبدُهُ سليمانُ بنُ سحمان، وذلك ضحى يوم الثلاثاء، لخمس وعشرين، خلت من رمضان المشرف، من سنة ١٣٠٥ هـ، والحمد للَّه على التمام، وصلى اللَّه على سيّد الأنام، محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين".
ويقع هذا المجلد في (٥٣٣) ورقة، في كل ورقة (٢٣) سطرًا، وفيه هوامش علمية جيدة، انظر -على سبيل المثال-: (٢/ ٥٠).
ترجمة ناسخ المجلد الأول والثاني من هذه النسخة:
ناسخ هذين المجلدين، هو: الشيخ العالم الفقيه الحنبلي سليمان بن سحمان بن مصلح بن حمدان النَّجْدي، الدَّوسري بالولاء، ولد سنة (١٢٦٨ هـ - ١٨٥٢ م) من علماء نجد، ولد في قرية (السَّقَا) -بتخفيف القاف- من أعمال (أبها) في عسير، وانتقل مع أبيه إلى الرياض، أيام فيصل بن تركي، فتلقى عن علمائها التوحيد والفقه واللغة، وتولى الكتابة للإمام عبد اللَّه بن فيصل برهة من الزمن، ثم تفرغ للعلم، وصنف كتبًا ورسائل، منها:
"الضياء الشارق في رد شبهات الماذق المارق" (في الرد على كتاب لجميل صدقي الزهاوي)، "منهاج أهل الحق والاتباع"، "الفتاوى"، "الصواعق المرسلة"، "إرشاد الطالب إلى أهم المطالب"، "الهدية السنية"، "تبرئة الشيخين"، "رسالة في الساعة" (أنها صناعة لا سحر) (وجميعها مطبوعة)، وكف بصره في آخر حياته،
стр. 248
وتوفي في الرياض سنة (١٣٤٩ هـ - ١٩٣٥ م)، رحمه اللَّه تعالى (١).
وقد نسخ هذا الكتاب في ريعان شبابه، وكان عمره آنذاك سبعة وثلاثين عامًا.
وأما المجلد الثالث -والأخير- من هذه النسخة، فهو بخط آخر.
أولى: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وبه أستعين، وعليه أتوكل، قال شيخ الإسلام والمسلمين، الشيخ شمس الدين أبو عبد اللَّه محمد ابن قيم الجوزية تغمده اللَّه برحمته وأسكنه فسيح جنته. . . ".
وآخره: "آخر كتاب "إعلام الموقعين"، تحررت هذه المجلدة واللتين قبلها على يد أفقر عباد اللَّه وأحوجهم إلى رحمته، المعترف بالزلل والتقصير، الراجي عفو ربه اللطيف الخبير: عبد العزيز بن صعب بن عبد اللَّه التويجري، عفا اللَّه عنه، وعن والديه، وعن جميع المسلمين، آمين، آمين.
اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم، إنك حميد مجيد، ورضي اللَّه تعالى عن أصحاب رسول اللَّه أجمعين، وعن التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين. وفق الفراغ من توقيعها وتكميلها في ست وعشرين من شوال، سنة ١٣٠٦ هـ، وحسبنا اللَّه، ونعم الوكيل".
وفي الهامش من جهة اليمين: "أسأل اللَّه الكريم أن يحسن لنا ولإخواننا العاقبة في الدنيا والآخرة".
وفيه من جهة اليسار: "بمنّه ولطفه وكرمه وجوده وإحسانه وبره، لأنه الواحد الماجد، الفرد الصمد".
ويقع هذا المجلد في (٤٨٦) ورقة، في كل ورقة ما بين (١٩ - ٢٣) سطرًا.
* النسخة الثانية: رمزتُ لها بـ (ت)، وهي من محفوظات مكتبة تشستربتي في دبلن، بإيرلندا، وهي تحت رقم (٢٨٤٢) ضمن مجموع (٢) وعلى طرتها:
стр. 249
"من كتاب "إعلام الموقعين"، في (أدب المفتي)، لابن القيم -رحمه اللَّه تعالى-".
وتحته: "حرره من فضل اللَّه تعالى القوي: أحمد بن يوسف العدوي، لطف اللَّه به، وجعله من حزبه، بمنه ويمنه، سنة ١٠٠٣ هـ، أحسن اللَّه ختامها".
وهذه النسخة تشكل قسمًا من آخر الكتاب، وهي ناقصة، وعليها إلحاقات، وعلامات التصحيح، وهي بخط أكثر من ناسخ، منهم أحمد بن يوسف العدوي، ويقدر أن بعضها نسخ قبل ذلك في القرن التاسع الهجري، وبعضها سنة ٨٢٠ هـ (١).
وأول هذه النسخة: "بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، الحمد للَّه رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد المصطفى الأمين، وعلى آله وصحبه أجمعين، قال شيخ الإسلام، أحد الأئمة الأعلام: شمس الدين أبو عبد اللَّه محمد بن أبي بكر الزرعي في آخر كتاب "إعلام الموقعين". (فصل): ولنختم الكتاب بفوائد تتعلق بالفتوى" (٢).
وهي ناقصة من الآخر، وتنتهي بـ (الفائدة السادسة والستين) عند قول المصنف: "هل يلزم المستفتي أن يجتهد في أعيان المفتين. . . " إلى قوله: "وتقدم أنه إذا اختلف عليه مفتيان: أورع وأعلم، فأيُّهما يجب تقليده، فيه ثلاثة. . . " (٣) وبهذا ينتهي الموجود في هذه النسخة.
وتقع في (٤٨) ورقة، في كل ورقة (٢٠ - ٢٢) سطرًا.
* النسخة الثالثة: رمزتُ لها بـ (ن)، وهي من محفوظات مكتبة مسجد الحرم النبوي (٤)، وهي من وقف الشيخ عبد العزيز الحصين -رحمه اللَّه تعالى- وهي مقابلة ومصححة، وهي ناقصة من الآخر، وهي في جزئين، وهذا وصفهما:
الجزء الأول: يقع في (١٠٨) ورقات، في كل ورقة لوحتان، في كل لوحة (٢١ - ٣٠) سطرًا، أوله: "بِسْمِ اللَّهِ [الرَّحْمَنِ] (*) الرَّحِيمِ، رب يسّر وأعن يا كريم".
стр. 250
وآخره: "آخر المجلد الأول من كتاب "معالم الموقعين عن رب العالمين" ثم أثبت الناسخ تحته: "المخلودا ليس لك بربِّ، ولست له بعبدٍ، وليس رِزْقُك ونفعك في يده، فلا يستحقّ شيئًا من حقّ اللَّه أبدًا".
وتحته مقولة عمر بن عبد العزيز: "سن رسول اللَّه ﷺ وولاة الأمر من بعده. . . "، ثم بعدها في رأس الصفحة: "قال ابن القيم في "بدائع الفوائد" (١): "في قوله تعالى: ﴿مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ (٢)﴾، وأكثر المستعاذ منه نوعان. . . " وذكر الكلام بطوله في تمام (ق ١٠٥ و ١٠٦ ولوحة أ/ من ق ١٠٧) وختمه بقوله: "ويعظمهم في صدوركم، فلا تخافوهم، وأفردوني بالمخافة أكْفيكم إياهم".
ثم في (لوحة ب/ من ق ١٠٧): "روي عن ابن عباس: إنّ للضلالة حلاوةً في قلوب أصحابها، قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ وبعده: "قال ابن القيم في "المدارج": والتوكل معنى يلتئم من الأصلين. . . " إلى قوله: "هذا أحدها" (٢) ثم قال: "فإن قلتْ ما معنى التوكل والاستعانة. . . " إلى قوله: "كانت له العاقبة الحميدة" (٣) وبعده: "وقال أيضًا: "لا يكون العبد متحققًا بإياك نعبد إلا بأصلين عظيمين: أحدهما: متابعة الرسول ﷺ . والثاني: الإخلاص للمعبود فهذا تحقيق ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ " (٤) وفيه: "قال أيضًا في غيره (٥): "التوكل من لوازم الإيمان" قال اللَّه تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فجعل التوكل شرطًا في الإيمان، فدل على أن الإيمان منتف إذا انتفى التوكل: قول موسى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فجعل صحة الإسلام التوكل".
ثم ذكر الناسخ ملخَّصًا لمباحث الكتاب، فأثبت ما نصه:
"بان لي من كلام ابن القيم في كتابه: "إعلام (٦) الموقعين عن رب العالمين": وأنه -كذا- تجريد اتباع الكتاب والسنة، وذكر أجوبة من اعترض عليهن، فذكر كلام أهل الرأي، وكلام أهل الظاهر، ونفاة التعليل، وردّ عليهم مسائل ظنوا أنها خلاف القياس، وبيَّن لهم الصواب، وذكر تحريم القول على اللَّه