← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17798

إعلام الموقعين عن رب العالمين - ت مشهور

ابن القيم

Полный текст (3 107 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.

стр. 1856

[عود إلى القول في تأجيل بعض المهر] فإن قيل: فما تقولون فيما لو تجمَّلوا وجعلوه حالًا، وقد اتفقوا [في الباطن] (١) على تأخيره كصدقات النساء في هذه الأزمنة في الغالب: هل للمرأة أن تطالب به قبل الفرقة أو الموت؟ [مهر السر ومهر العلن] قيل: هذا ينبني على أصل، وهو إذا اتفقا في السر على مهر وسموا في العلانية أكثر منه، هل يؤخذ بالسر أو بالعلانية؟ فهذه المسألة مما اضطربت فيها أقوال المتأخرين؛ لعدم إحاطتهم بمقاصد الأئمة، ولا بد من كشف غطائها، ولها في الأصل صورتان: إحداهما: أن يعقدوه في العلانية بألفَيْن مثلًا، وقد اتفقوا قبل ذلك أن المهر ألف وأن الزيادة سمعة، من غير أن يعقدوه [في العلانية] (٢) بالأقل؛ فالذي عليه القاضي ومَنْ بعده من أصحاب أحمد أن المهر هو المسمّى في العقد، ولا اعتبار بما اتفقوا عليه قبل ذلك، هان قامت به البينة أو تصادقوا عليه، وسواء كان مهر العلانية من جنس مهر السر أو من جنس غيره أو أقل منه أو أكثر، قالوا: وهو ظاهرُ كلام أحمد في مواضع، قال في رواية ابن بدينا في الرجل (٣) يصدق صداقًا

стр. 1857

في السر والعلانية (١) شيئًا آخر: يؤخذ بالعلانية، وقال في رواية أبي الحارث: إذا تزوجها في العلانية على شيء وأسَرَّ غير ذلك أخذنا بالعلانية وإن كان قد أشهد في السر بغير ذلك، وقال في رواية الأثرم في رجل أصدق صداقًا سرًا وصداقًا علانية: يؤخذ بالعلانية إذا كان قد أقر به، قيل له: فقد أشهد شهودًا في السر بغيره؟ قال: وإنْ، أليس قد أقر بهذا (٢) أيضًا عند شهود؟ يؤخذ بالعلانية (٣). قال شيخنا (٤): "ومعنى قوله: "أقرَّ به" أي رضي به والتزمه؛ لقوله سبحانه: ﴿أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي﴾ [آل عمران: ٨١] وهذا يعم التسمية في العقد والاعتراف بعده، ويقال: أقر بالجزية، وأقر للسلطان بالطاعة، وهذا كثير في كلامهم، وقال في رواية صالح في الرجل يعلن مهرًا ويخفي آخر: آخذ بما يعلن؛ لأن العلانية قد أشهد (٥) على نفسه، وينبغي لهم أن يفوا له بما كان أسَرَّه (٦)، وقال في رواية ابن منصور: إذا تزوج امرأة في السر بمهر وأعلنوا مهرًا آخر ينبغي لهم أن يَفُوا، وأما هو فيؤاخذ (٧) بالعلانية (٨)، قال القاضي وغيره: فقد أطلق القول بمهر العلانية، [وإنما قال: ينبغي لهم أن (٩)] يَفُوا بما أسروا (١٠)، على طريق الاختيار؛ لئلا يحصل منهم غرور له في ذلك، وهذا القول هو قول الشعبي (١١)، وأبي قِلابة (١٢) وابن أبي ليلى (١٣)،. . . . . . .

стр. 1858

وابن شبرمة (١)، والأوزاعي (٢)، وهو قول الشافعي (٣) المشهور عنه، وقد نص في موضع آخر [على] أنه يؤاخذ (٤) بمهر السر، فقيل: في هذه المسألة قولان، وقيل: بل ذلك في الصورة الثانية كما سيأتي [إن شاء اللَّه تعالى]، وقال كثير من أهل العلم أو أكثرهم: إذا عَلم الشهودُ أن المهر الذي يظهره سمعة وأن أصل المهر كذا وكذا ثم تزوج وأعلن الذي قال فالمهر هو السر، والسمعة باطلة، وهذا هو قول الزهري (٥) والحكم بن عُتيبة (٦) ومالك (٧)، والثوري (٨)، والليث، وأبي حنيفة وأصحابه (٩)، وإسحاق، وعن شُريح (١٠)، والحسن (١١) كالقولين، وذكر القاضي [في موضع] عن أبي حنيفة أنه يبطل المهر ويجب مهر المثل، وهو خلاف ما حكاه عنه أصحابه وغيرهم (١٢)، وقد نُقل عن أحمد ما يقتضي أن الاعتبار بالسر إذا ثبت أن العلانية تَلْجئة، فقال: إذا كان الرجل (١٣) قد أظهر صداقًا وأسرّ غير ذلك نظر في البينات والشهود، وكان الظاهر أوْكَدَ، إلا أن تقوم بيْنةٌ تدفع العلانية، قال القاضي: وقد تأول أبو حفص العكبري هذا على أن بينة السر عدول وبينة العلانية غير عدول، فحكم بالعدول، قال القاضي: وظاهر هذا أنه يحكم بمهر السر إذا لم تقم بينة عادلة بمهر العلانية (١٤).

стр. 1859

وقال أبو حفص: إذا تكافأت البينات وقد شرطوا في السر أن الذي يظهر في العلانية للرِّياء (١) والسمعة فينبغي لهم أن يَفُوا له بهذا الشرط ولا يطالبوه بالظاهر؛ لقول النبي ﷺ : "المؤمنون على شروطهم" (٢) قال القاضي: وظاهر هذا الكلام من أبي حفص أنه قد جعل للسرِّ حكمًا، قال: "والمذهب على ما ذكرناه". قال شيخنا (٣): "كلام أبي حفص الأول فيما إذا قامت البيّنة بأن النكاح عقد في السر بالمهر القليل، ولم يثبت نكاح العلانية، وكلامه الثاني فيما إذا ثبت نكاح العلانية، ولكن تشارطوا أن ما يظهرون من الزيادة (٤) على ما اتفقوا عليه للرياء والسمعة". قال شيخنا (٥): "وهذا الذي ذكره أبو حفص أشبه بكلام الإمام أحمد وأصوله؛ فإن عامة كلامه في هذه المسألة إنما هو إذا اختلف الزوج والمرأة ولم يثبت بينة ولا اعتراف أن مهر العلانية سُمعة، بل شهدت البينة أنه تزوجها بالأكثر وادَّعى عليه ذلك فإنه يجب أن يؤخذ بما أقر به [لسانُه] إنشاءً أو إخبارًا؛ فإذا أقام شهودًا يشهدون أنهم تراضَوْا بدون ذلك [حكم بـ] البينة (٦) الأولى؛ لأن (٧) التراضي بالأقل في وقت لا يمنع التراضي بما زاد عليه في وقت آخر، ألا ترى أنه قال: آخذ بالعلانية لأنه قد (٨) أشهد على نفسه، وينبغي لهم أن يَفُوا بما كان

стр. 1860

أسَرَّهُ؛ فقوله: "لأنه قد أشهد على نفسه" دليل على أنه إنما يلزمه في الحكم فقط، وإلا فما يجب [فيما] بينه وبين اللَّه لا يُعَلَّلُ بالإشهاد، وكذلك قوله: "ينبغي لهم أن يَفُوا له، وأما هو فيؤاخذ (١) بالعلانية" دليلٌ على أنه يُحكم عليه به وأن أولئك يجب عليهم الوفاء، وقوله: "ينبغي" يستعمل في الواجب أكثر مما يستعمل في المستحب (٢)، ويدل على ذلك أنه قد قال أيضًا في امرأة تزوجت في العلانية على ألف وفي السر على خمس مئة فاختلفوا في ذلك: فإنْ كانت البينة في السر والعلانية سواء أخذ بالعلانية لأنه أحوط وهو فرج يؤاخذ (٣) بالأكثر، وقيدت المسألة بأنهم اختلفوا وأن كليهما قامت به بينة عادلة. وإنما يظهر ذلك بالكلام في الصورة الثانية، وهو ما إذا تزوجها في السر بألف، ثم تزوجها في العلانية بالفين مع بقاء النكاح الأول، فهنا قال القاضي في "المجرد" و"الجامع": إن تصادقا على نكاح السر لزم نكاح السر بمهر السر؛ لأن النكاح المتقدم قد صح [ولزم، والنكاح] (٤) المتأخر عنه لا يتعلق به حكم، ويحمل (٥) مطلق كلام أحمد والخرقي (٦) على مثل هذه الصورة، وهذا مذهب الشافعي (٧)، وقال الخرقي: (إذا تزوجها على صداقين سر وعلانية أخذ بالعلانية وإن كان السر قد انعقد النكاح به) (٨)، وهذا منصوص كلام أحمد في قوله: [إن] (٩) تزوجت (١٠) في العلانية على ألف وفي السر على خمس مئة، وعموم كلامه المتقدم يشمل هذه الصورة والتي قبلها، وهذا هو الذي ذكره القاضي في "خلافه"، وعليه أكثر الأصحاب، ثم طريقته وطريقة جماعة في ذلك أن [يجعلوا] (١١) ما أظهراه زيادة في المهر، والزيادة فيه بعد لزومه لازمة، وعلى هذا فلو كان السر هو الأكثر أخذ به أيضًا، وهو معنى قول الإمام أحمد: "آخذ

стр. 1861

بالعلانية" أي يؤخذ بالأكثر، ولهذا القول طريقة ثانية، وهو أن نكاح السر إنما يصح إذا لم يكتموه على إحدى الروايتين بل أنصهما (١)؛ فإذا تواصوا بكتمان النكاح الأول كانت العبرة إنما هي بالنكاح الثاني (٢). فقد تحرر أن الأصحاب (٣) مختلفون: هل يؤاخذ (٤) بصداق العلانية ظاهرًا وباطنًا أو ظاهرًا فقط؟ فيما إذا كان السر تَوَاطُؤًا من غير عقد، وإن كان السر عقدًا فهل هي كالتي قبلها أو يؤخذ هنا بالسر في الباطن بلا تردد؟ على وجهين (٥)؛ فمن قال: إنه يؤاخذ (٤) به ظاهرًا فقط وإنهم في الباطن لا ينبغي لهم أن يؤاخذوا (٦) إلا بما اتفقوا عليه لم يرد نقضًا، وهذا قول [قوي] (٧) له شواهد كثيرة، ومَنْ قال: إنه يؤاخذ (٨) به ظاهرًا وباطنًا بَنَى ذلك على أن المهر من توابع النِّكاح وصفاته فيكون ذكره سمعة كذكره هزلًا والنكاح جده وهزله سواء فكذلك ذكر ما هو فيه، يحقق ذلك أنَّ حِلَّ البُضْع مشروط بالشهادة على العقد، والشهادةُ وقعت على ما أظهره؛ فيكون وجود (٩) المشهود به شرطًا (١٠) في الحل". هذا كلام شيخ الإسلام في مسألة مهر السر والعلانية في كتاب "إبطال التحليل" نقلته بلفظه (١١). [صورة أخرى لمسألة السرّ والعلانية] ولهذه المسألة عدة صور: هذه إحداها. الثانية: أن يتفقا في السر على أن ثمن المبيع ألف ويُظهرا في العلانية أن

стр. 1862

ثمنه ألفان، فقال القاضي في "التعليق القديم" والشريفُ أبو جعفر وغيرُهما: الثمن ما أظهراه، على قياس المشهور عنه في المهر أن العِبْرة بما أظهراه وهو الأكثر، وقال القاضي في "التعليق الجديد" وأبو الخطاب وأبو الحسين وغيرهم من أصحاب القاضي (١): الثمن ما أسَرَّاه، والزيادة سمعةً ورياءً، بخلاف المهر، [وإلحاقًا للعوض في البيع] (٢) بنفس البيع، وإلحاقًا للمهر بالنكاح، وجعلا الزيادة فيه بمنزلة الزيادة بعد العقد وهي غير لاحقة، وقال أبو حنيفة (٣) عكس هذا، بناءً على أن تسمية العوض شرط في صحة البيع دون النكاح، وقال صاحباه: العبرة في الجميع بما أسَرَّاه (٤). [صورة ثالثة] الصورة الثالثة: أن يتفقا في عقد البيع على أن يتبايعا شيئًا بثمن ذكراه على أنه بيع تَلْجئة (٥) لا حقيقة له تخلُّصًا من ظالم يريد أخذه؛ فهذا عقدٌ باطل، وإن لم يقولا في صلب العقد: "قد تبايعناه تلجئة"، قال القاضي: هذا قياس قول أحمد؛ لأنه قال فيمن تزؤَج امرأة واعتقد أنه يُحلّها للأول: لم يصح هذا النكاح، وكذلك إذا باع عِنَبًا ممن يعتقد أنه يعصره خمرًا، قال: وقد قال أحمد في رواية ابن منصور (٦): إنه إذا أقر لامرأة بدين في مرضه ثم تزوَّجها ومات وهي وارثة فهذه قد أقرَّ لها وليست بزوجه: يجوز ذلك، إلا أن يكون أراد تلجئة فيرد، ونحو هذا نقل إسحاق بن إبراهيم (٧) والمروزي، وهذا قول أبي يوسف ومحمد (٨)، وهو قياس قول مالك (٩).

стр. 1863

وقال أبو حنيفة (١) والشافعي (٢): لا يكون تلجئة حتى يقولا في العقد: "قد تبايعنا هذا العقد تلجئة"، ومأخذ مَنْ أبطله أنَهما لم يقصدا العقد حقيقة، والقَصْدُ معتبرٌ في صحته، ومأخذ من يصحّحه أن هذا شرط مقَدَّمٌ على العقد، والمؤثِّر في العقد إنما هو الشرط المقارنُ. والأوَّلون منهم مَنْ يمنع المقدمة الأولى ويقول: لا فرق بين الشرط المتقدم والمقارن، ومنهم من يقول: إنما ذلك في الشرط الزائد على العقد، بخلاف الرافع له فإن الشارط (٣) هنا يجعلُ العقدَ غيرَ مقصود، وهناك هو مقصود، وقد أطلق عن شرط مقارن (٤). [صورة رابعة] الصورة الرابعة: أن يُظهِرَا نكاحًا تلجئة (٥) لا حقيقة له؛ فاختلف الفقهاء في ذلك؛ فقال القاضي وغيره من الأصحاب: إنه صحيحٌ كنكاح الهازل؛ لأن أكثر ما فيه أنه غير قاصد للعقد، بل هازل به، ونكاح الهازل صحيح، قال شيخنا (٦): "ويؤيِّد هذا أن المشهور عندنا أنه لو شرط في العقد رَفْعَ موجبَه -مثل أن يشترط أنه لا (٧) يطأها أو أنها لا تحلُّ له أو أنه لا ينفقُ عليها ونحو ذلك- صَحَّ العقدُ دون الشرط؛ فالاتّفاق على التلجئة حقيقتُهُ أنهما اتفقا على أن يعقدا عقدًا لا يقتضي موجَبَه، وهذا لا يبطله". قال شيخنا (٨): "ويتخرَّج في نكاح التلجئة أنه باطلٌ أن الاتفاق الموجود قبل العقد بمنزلة المشروط في العقد في أظهر الطَّريقين لأصحابنا، ولو شرطا (٩) في العقد أنه نكاح تلجئة لا حقيقة لكان نكاحًا باطلًا، وإن قيل إن فيه خلافًا فإن أسوأ الأحوال أن يكون كَمَا لو شَرَطا أنها لا تحلُّ له، وهذا الشرط يفسد العقد على الخلاف المشهور".

стр. 1864

[الصورة الخامسة] الصورة الخامسة: أن يتفقا على أن العقد عقد تحليل، لا نكاح رغبة، وأنه متى دخل بها طلَّقها أو (١) فهي طالق، أو أنها متى اعترفت بأنه وصَلَ إليها فهي طالق ثم يعقداه مطلقًا وهو في الباطن نكاحُ تحليل لا نكاحَ رَغْبةٍ، فهذا محرَّم باطل، لا تحل به الزوجة للمطلق، وهو داخل تحت اللعنة، مع تضمن زيادة الخداع كما سماه السلف بذلك، وجعلوا فاعله مخادعًا للَّه، وقالوا: "مَنْ يخَادع اللَّه يَخْدَعْهُ " (٢) وعلى بطلان هذا النكاح نحو ستين دليلًا. [العبرة بما أضمره المتعاقدون] والمقصود أن المتعاقدين وإن أظهرا خلاف ما اتفقا عليه في الباطن فالعبرة لما أضمراه (٣) واتفقا عليه وقَصَداه بالعقد، وقد أشهدا اللَّه على ما في قلوبهما فلا ينفعهما ترك التكلم حال العقد به (٤)، وهو مطلوبُهُما ومقصودهما. [الصورة السادسة] الصورة السادسة: أن يحلف الرجل على (٥) شيء في الظَّاهر، وقصده ونيته خلاف ما حلف عليه، وهو غيرُ مظلوم؛ فهذا لا ينفعه ظاهر لفظه، ويكون يمينه على ما يصدقه عليه صاحبه اعتبارًا بمقصده ونيته. [الصورة السابعة] الصورة السابعة: إذا اشترى أو استأجر مُكْرهًا لم يصح، وإن كان في الظاهر قد حَصَل صورة العقد؛ لعدم قصده وإرادته. فدل على أن القصدَ روحُ العقد ومصحِّحُه ومُبْطِله، فاعتبار القُصُودِ في

стр. 1865

العقود أولى من اعتبار الألفاظ؛ فإن الألفاظ مقصودة لغيرها، ومقاصد العقود هي التي تُرادُ [لأجلها (١)، فإذا ألغيت واعتبرت الألفاظ التي لا تراد] (٢) لنفسها كان هذا إلغاءً لما يجب اعتباره واعتبارًا لما قد يسوغ إلغاؤه، وكيف يقدَّمُ اعتبارُ اللفظِ الذي قد ظهر كُل الظهور أن المراد خلافه؟ بل قد يُقطع بذلك على المعنى الذي قد ظهر بل قد يتيقن أنه المراد، وكيف ينكَرُ على أهل الظاهر من يسلك هذا؟ وهل ذلك إلا من إيراد الظاهرية؟ فإن أهل الظاهر تمسكوا بألفاظ النصوص وأجْرَوْهَا على ظواهرها حيث لا يحصل القَطعُ بأن المراد خلافُها، وأنتم تمسكتم بظواهر ألفاظ غير المعصومين حيث يقع القطع بأن المراد خلافُها فأهل الظاهر أعذرُ منكم بكثير، وكل شبهة تمسكتم بها في تسويغ ذلك فأدلة الظاهرية في تمسكهم بظواهر النصوص أقوى وأصح. [اللَّه يحبُّ الإنصاف] واللَّه تعالى يحب الإنصاف، بل هو أفضلُ حِلْية تحلَّى بها الرجل، خصوصًا من نصب نفسه حَكَمًا بين الأقوال والمذاهب، وقد قال [اللَّه] (٣) تعالى لرسوله: ﴿وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ [الشورى: ١٥] فورثةُ الرسولِ (٤) منصبهم العدل بين الطوائف وألا يميل أحدُهم مع قريبه وذوي مذهبه وطائفته ومتبوعه، بل [يكونُ] (٥) الحقُّ مطلوبه يَسِيرُ بسيرِه وينزل بنزوله، يدين بدين العدل والإنصاف ويحكّم الحجة، وما كان عليه رسول اللَّه ﷺ وأصحابه فهو العلم الذي قد شَمَّرَ إليه، ومطلبه الذي يحوم بطلبه عليه، لا يثني عنانه عنه عذل عاذل، ولا تأخذهُ فيه لومة لائم، ولا يصده عنه قول قائل. [إلغاء الشارع الألفاظ التي لم يقصد المتكلمُ معناها] ومن تدبّر مصادر الشرع وموارده تبيَّن له أن الشارع ألغى الألفاظ التي لم يقصد المتكلم بها معانيها، بل جرت على غير قصد منه كالنائم والناسي والسكران والجاهل والمكره والمخطئ من شدة الفرح أو الغضب أو المرض ونحوهم، ولم

стр. 1866

يُكفَّر من قال من شدة فرحه براحلته بعد يأسه منها: "اللهم أنت عبدي وأنا ربك" (١) فكيف يعتبر الألفاظ التي يُقطع بأن مرادَ قائِلها خلافها؟ ولهذا المعنى رد شهادة المنافقين (٢) ووَصَفهم بالخداع والكذب والاستهزاء، وذَمَّهُم على أنهم يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم وأن بواطِنَهم تخَالف ظواهِرَهم، وذم تعالى من يقول ما لا يفعل، وأخبر أن ذلك من أكبر المَقْتِ عنده، ولعن اليهودَ إذ توسَّلوا بصورة عقد البيع على ما حرَّمَهُ عليهم إلى أكل ثمنه، [وجعل أكل ثمنه] (٣) لما كان هو المقصود بمنزلة أكله في نفسه، وقد لعن رسول اللَّه ﷺ في الخمر عاصرَهَا ومُعتصِرَها (٤)، ومن المعلوم أن العاصر إنما عصر عنبًا، ولكن لما كانت

стр. 1867

نيتُه إنما هي تحصيل الخمر لم ينفعه ظاهر عصره، ولم يعصمه من اللعنة لباطن قصده ومراده، فعُلِمَ أن الاعتبار في العقود والأفعال بحقائقها ومقاصدها دون ظواهر ألفاظها وأفعالها. ومَنْ لم يراع القُصُودَ في العقود وجَرَى مع ظواهرها يلزمه أن لا يلعن العاصر، وأن يجوّزَ له عَصْر العنب لكل أحد وإن ظهر له أن قصده الخمر، وأن يقضي له بالأجرة لعدم تأثير القصد في العقد عنده، ولقد صَرَّحُوا [له] (١) بذلك، وجوَّزوا له العصر، وقَضَوا له بالأجرة، وقد رُوي في أثر مرفوع من حديث ابن بُريدة عن أبيه: "من حَبَسَ العنب أيام القطاف حتى يبيعه من يهودي أو نصراني أو مَنْ يتخذه خمرًا فقد تقَحَّمَ النار على بصيرة" (٢) ذكره [أبو] (٣) عبد اللَّه بن بطَّة، ومَنْ لم يراع القصد (٤) في العقد لم ير بذلك بأسًا. [المقاصد والاعتقادات معتبرة في التصرّفات] وقاعدة الشريعة التي لا يجوز هَدْمُها أن المقاصد والاعتقادات معتبرة في التصرفات والعبارات كما هي معتبرة في التقربات والعبادات (٥)؛ فالقصد والنية

стр. 1868

والاعتقاد يجعل الشئ حلالًا أو حرامًا، وصحيحًا أو فاسدًا، وطاعةً أو (١) معصيةً، كما أن القصد في العبادة يجعلها واجبةً أو مستحبةً أو محرمةً أو صحيحةً أو فاسدةً. [دلائل القول السابق] ودلائل هذه القاعدة تفوت الحصر، فمنها قوله تعالى في حق الأزواج إذا طلَّقوا أزواجهم طلاقًا رجعيًا: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ [البقرة: ٢٢٨] وقوله: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾ [البقرة: ٢٣١] وذلك نصٌّ في أن الرجعة إنما ملَّكها اللَّه تعالى لمن قصد الصلاح دون من قصد الضرَار. وقوله في الخُلع: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وقوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٣٠] فبيَّن تعالى أن الخُلعَ المأذون فيه والنكاح المأذون فيه إنما يُبَاح إذا ظنَّا أن يقيما حدود اللَّه، وقال تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ﴾ [النساء: ١٢] فإنَّما قدم اللَّه الوصية على الميراث إذا لم يَقْصد بها المُوصِي الضرار (٢)؛ فإن قَصَده فللورثة إبطالها [وعدم تنفيذها] (٣)، وكذلك قوله: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ [البقرة: ١٨٢] فرفع الإثمَ عمن أبطل الجَنَفَ والإثم من وصية الموصي، ولم يجعلها بمنزلة نصِّ الشارع الذي تحرم مخالفته. [شروط الواقفين] وكذلك الإثم مرفوع عمن أبطل من شروط الواقفين ما لم يكن إصلاحًا، وما كان فيه جنَفَ أو إثم، ولا يحل لأحد أن يجعل هذا الشرط الباطل المخالف لكتاب اللَّه بمنزلة نص الشارع (٤)، ولم يقل هذا أحد من أئمة الإسلام (٥). بل قد قال إمام الأنبياء صلوات اللَّه وسلامه عليه وعلى آله: "كُل شرطٍ ليس في كتاب اللَّه فهو باطلٌ وإن كان مئة شرط، كتابُ اللَّه أحقُّ، وشَرْطُ اللَّه أوثق" (٦)

стр. 1869

فإنما ينفذُ من شروط الواقفين ما كان للَّه طاعةً، وللمكلف مصلحة، وأما ما كان بضد ذلك فلا حُرمةَ له كشرط التعزُّب والترفُب المضاد لشرع اللَّه ودينه؛ فإنه تعالى فتح للأمة باب النكاح بكل طريق، وسدَّ عنهم باب السِّفاح بكل طريق، وهذا الشرط [باطِلٌ مُضَادّ] (١) لذلك؛ فإنه يسدُّ على من التزمه باب النكاح، ويفتحُ له باب الفجور، فإن لوازم البشرية تتقاضاها الطّباع أتمَّ تقاضٍ، فإذا سد عنها مشروعها فتحت لها (٢) ممنوعا ولا بد. والمقصود أن اللَّه تعالى رفع الإِثْمَ عمَّن أبطل الوصية الجانفة الآثمة، وكذلك هو مرفوع عمن أبطل شروط الواقفين التي هي كذلك، فإذا شَرَط الواقف القراءة على (٣) القبر كانت القراءة في المسجد أولى وأحب إلى اللَّه ورسوله وأنفع للميت (٤)، فلا يجوز تعطيل الأحب إلى اللَّه الأنفع لعبده واعتباره ضده، وقد رَامَ بعضُهم الانفصال عن هذا بأنه قد يكون قصد الواقف حصول الأجر له باستماعه للقرآن في قبره، وهذا غلط؛ فإن ثواب الاستماع مشروط بالحياة فإنه عمل اختياري وقد انقطع بموته، ومن ذلك اشتراطه أن يصلّي الصلوات الخمس في المسجد الذي بناه على قبره، فإنه شرطٌ باطلٌ [لا يجب بل] (٥) لا يحلُّ الوفاء به، وصلاتُه في المسجد الذي لم يوضع على قبر (٦) أحب إلى اللَّه ورسوله، فكيف يُفتى أو يُقضى بتعطيل الأحب إلى اللَّه والقيام بالأكْرَه إليه اتباعًا لشرط الواقف الجانف الآثم؟ ومن ذلك أن يشرط عليهم (٧) إيقاد قنديل على قبره أو بناء مسجد عليه؛ فإنه لا يحل تنفيذ هذا الشرط ولا العمل به، وكيف ينفذ (٨) شرط لعن رسول اللَّه ﷺ فاعله؟ (٩)

стр. 1870

[أنواع شروط الواقفين وحكمها] وبالجملة فشروط الواقفين أربعة أقسام: شروط محرمة في الشرع. وشروط مكروهة للَّه تعالى ورسوله ﷺ . وشروط تتضمن ترك ما هو أحب إلى اللَّه ورسوله. وشروط تتضمن فعل ما هو أحب إلى اللَّه تعالى ورسوله. فالأقسام الثلاثة الأول لا حرمة لها ولا اعتبار، والقسم الرابع هو الشرط المتبع الواجب الاعتبار، وباللَّه التوفيق (١). [إبطال النبيّ ﷺ لكلِّ شرط يخالف القرآن] وقد أبطل النبي ﷺ هذه الشروط كلها بقوله: "مَنْ عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رَدٌّ" (٢) وما رده رسول اللَّه ﷺ لم يجز لأحد اعتباره ولا الإلزام (٣) به وتنفيذه، ومن تفطَّن لتفاصيل هذه الجملة التي هي من لوازم الإيمان تخلَّص بها من آصارٍ وأغلالٍ في الدنيا، وإثمٍ وعقوبةٍ ونقصِ ثواب في الآخرة، وباللَّه التوفيق. فصل [من فروع اعتبار الشرع قصد المكلف دون الصورة] وتأمَّل قول النبي ﷺ : "صَيْدُ البرِّ لكم حلالٌ وأنتم حُرُم ما لم تصيدوه أو

стр. 1871

يُصَدْ لكم" (١) كيف حرَّم على المحرِمِ الأكلَ مما صاده الحلال إذا كان قد صاده

стр. 1872

لأجله؟ فانظر كيف أثرَّ القصدُ في التحريم ولم يرفعه ظاهرُ الفِعْل، ومن ذلك الأثر المرفوع من حديث أبي هريرة: "مَنْ تزوج امرأة بصَدَاق ينوي أن لا يؤدّيه إليها فهو زانٍ، ومن ادَّانَ دينًا ينوي أن لا يقضيه فهو سارق" (١) ذكره أبو حفص بإسناده؛ فجعل المشتري والناكح إذا قصدا أن لا يؤدّيا العِوَضَ بمنزلة مَنِ استحل الفرج والمال بغير عوض، فيكون كالزاني والسارق في المعنى وإن خالفهما في الصورة، ويؤيد ذلك ما في "صحيح البخاري" مرفوعًا: "مَنْ أخذ أموالَ الناس يريد أداءَها أدَّاها اللَّه عنه، ومن أخذها يريد إتلافها أتلفه اللَّه" (٢). فهذه النصوص وأضعافها تدل على أن المقاصد تغيّر أحكام التصرفات من العقود وغيرها، وأحكام الشريعة تقتضي ذلك أيضًا؛ فإن الرجل إذا اشترى أو

стр. 1873

استأجر أو اقترض أو نكح ونوى أن ذلك لموكِّله أو لمولّيه كان له وإن لم يتكلَّم به في العقد، وإن لم ينوه له وقع الملك للعاقد، وكذلك لو تملَّك المباحات من الصَّيد والحشيش وغيرها ونواه لموكِّله وقع الملك له عند جمهور الفقهاء، نعم لا بد في النكاح من تسمية الموكِّل؛ لأنه معقود عليه، فهو بمنزلة السلعة في البيع، فافتقر العقد إلى تعيينه لذلك، [لا أنه معقود له] (١). [للنيَّة تأثير في العقود] وإذا كان القول والفعل الواحد يُوجبُ الملكَ لمالِكَيْن مختلفين عند تغيّر النية ثبت أن للنية تأثيرًا في العقود والتصرفات، ومن ذلك أنه لو قضى عن غيره دَيْنًا أو أنفق عليه نفقة واجبة أو نحو ذلك ينوي التبرع والهبة لم يملك الرجوع بالبدل، وإن لم ينو فله الرجوع إن كان بإذنه اتفاقًا، وإن كان بغير إذنه ففيه النزاع المعروف (٢)؛ فصورة العقد واحدة، وإنما اختلف الحكم بالنية والقصد، ومن ذلك أن اللَّه تعالى حرم أن يدفع الرجلُ إلى غيره مالًا رِبَويًا بمثله على وجه البيع إلا أن يتقايضا (٣)، وجوَّز دفعه بمثله على وجه القَرْضِ؛ وقد اشتركا في أن كلًا منهما يدفع ربويًا ويأخذ نظيره، وإنما فرَّق بينهما القصد؛ فإن مقصود المُقْرِضِ إرفاقُ المقترض ونفعه (٤)، وليس مقصوده المعاوضة والربح، ولهذا كان القرضُ شقيقَ العارية كما سماه النبي ﷺ "مَنِيحَةَ (٥) الورِقِ" (٦) فكأنه أعاره الدراهم ثم استرجعها

стр. 1874

منه، لكن لم يمكن استرجاع العين فاسترجع المثل، وكذلك لو باعه درهمًا بدرهمين كان ربًا صريحًا، ولو باعه إياه بدرهم ثم وهبه درهمًا آخر جاز، والصورة واحدة وإنما فرَّق بينهما القصد، فكيف يمكن أحدٌ (١) أن يلغي القُصُودَ في العقود ولا يجعل لها اعتبارًا؟ (٢). فصل [اعتراض بأن الأحكام تجري على الظواهر] فإن قيل: قد أطلتم الكلامَ في مسألة القصود في العقود، ونحن نحاكمكم إلى القرآن والسنة وأقوال الأئمة، قال اللَّه تعالى حكاية عن نبيه نوح: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلَا أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَنْ يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ٣١] فرتب الحكم على ظاهر إيمانهم، ورَدَّ علم ما في أنفسهم إلى العالم (٣) بالسرائر تعالى المنفرد بعلم ذات الصدور وعلم ما في النفوس من علم الغيب، وقد قال تعالى لرسوله: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ [هود: ٣١] وقد قال ﷺ : "إني لم أومر أن أُنِّقب عن قلوب الناس، ولا أشق بطونهم" (٤) وقد قال ﷺ : "أُمرْتُ أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إلهَ إلا اللَّه، فإذا قالوها عَصَمُوا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على اللَّه" (٥) فاكتفى منهم

стр. 1875

بالظاهر، ووكل سرائرهم إلى اللَّه، وكذلك فَعَل بالذين تخلَّفوا عنه واعتذروا إليه، قَبِلَ منهم عَلَانيتهم، ووَكَلَ سرائرهم إلى اللَّه ، وكذلك كانت سيرته في المنافقين: قبول ظاهر إسلامهم، ويَكِلُ سرائرهم إلى اللَّه ، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: ٣٦] ولم يجعل لنا علمًا بالنيَّات والمقاصد تتعلق الأحكام الدنيوية بها، فقولنا لا علم لنا به، قال الشافعي (١): "فرض اللَّه تعالى على خلقه طاعة أنبيائه (٢)، ولم يجعل لهم من الأمر شيئًا، فأولى (٣) ألا يتعاطوا حكمًا على غَيْب أحد بدلالة ولا ظنّ؛ لقصور علمهم عن علم أنبيائه الذين فَرَضَ عليهم الوقوفَ عما ورد عليهم حتى يأتيهم أمره؛ فإنه تعالى ظاهَرَ عليهم الحُجَجَ، فما جعل إليهم الحكم في الدنيا إلا بما ظهر من المحكوم عليه، فَفرضَ على نبيه أن يقاتل أهل الأوثان حتى يُسْلِمُوا فَتُحْقنَ دماؤهم إذا أظهروا الإسلام، وأُعلم أنه لا يعلم صدقهم بالإسلام إلا اللَّه؛ ثم أطْلَعَ اللَّهُ رسوله على قوم يُظهرون الإسلام ويُسِرُّون غيره، فلم يجعل له أن يحكم عليهم بخلاف حكم الإسلام، ولم يجعل له أن يقضي عليهم في الدنيا بخلاف ما أظهروا؛ فقال لنبيه: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤] يعني أسلمنا بالقول مخافَةَ القتل والسبي، ثم أخبر (٤) أنه يجزيهم إن أطاعوا اللَّه ورسوله، يعني إن أحدثوا طاعة اللَّه ورسوله (٥)، وقال في المنافقين وهم صنف ثانٍ: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ إلى قوله: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ (٦) [المنافقون: ١ - ٢] يعني جُنَّةً من القتل، وقال: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ﴾ [التوبة: ٥٩] فأمر بقبول ما أظهروا، ولم يجعل لنبيه أن يحكم عليهم بخلاف حكم الإيمان،

стр. 1876

وقد أعلم اللَّه نبيه أنهم في الدرْكِ الأسفل من النار؛ فجعل حكمه تعالى عليهم على سرائرهم، وحكم نبيه عليهم في الدنيا على عَلَانيتهم بإظهار التوبة وما قامت عليه بينة من المسلمين وبما أقرَّوا بقوله وما جَحدوا من قول الكفر ما لم يُقِّروا به ولم يقم به بيّنة عليهم، وقد كذَّبهم في قولهم في كل ذلك، وكذلك أخبر النبيُّ ﷺ عن اللَّه، أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن عطاء بن يزيد، عن عُبيد اللَّه بن عَدِي (١) بن الخِيَار: "أن رجلًا سارَّ النبيَّ ﷺ ، فلم ندر ما سارَّه (٢) حتى جَهَرَ رسولُ اللَّه ﷺ ، فإذا هو يُشَاوره في قتل رجل من المنافقين، فقال النبي ﷺ : أليس يشهد أن لا إلهَ إلا اللَّه؟ قال: بلى، ولا شَهادَة له، فقال: أليس يصلي؟ قال: بلى، ولا صلاة له، فقال النبي ﷺ : أولئك الذين نهاني اللَّه عن قتلهم" (٣) ثم ذكَر حديث "أمِرْتُ أن أقاتل الناس" (٤) ثم قال: فحسابهم على اللَّه بصدقهم

стр. 1877

وكذبهم، وسرائرهم إلى اللَّه العالم بسرائرهم المتولي الحكم عليهم دون أنبيائه وحُكَّام خلقه. وبذلك مَضَتْ أحكام رسول اللَّه ﷺ فيما بين العباد من الحدود وجميع الحقوق، أعلمهم أن جميع أحكامه على ما يُظْهِرُون، واللَّه يدين بالسرائر، ثم ذكر حديث عُويمر العَجْلاني في لعانه امرأتَهُ، ثم قال: فقال النبي ﷺ فيما بلغنا: "لولا ما قضَى اللَّه لكان لي فيها قضاءٌ غيره" (١) يعني: لولا ما قضى اللَّه مِنْ ألا يحكم على أحد إلا باعتراف على نفسه أو بينة، ولم يعرض لشَريك ولا للمرأة، وأنفذ الحكم وهو يعلَم أن أحدهما كاذب، ثم علم بعدُ أن الزوج هو الصادق. ثم ذكر حديث رُكانة أنه طلق امرأته البتة، وأن النبي ﷺ استحلفه ما أردتُ إلا واحدة، فحلف له، فردَّها [إليه] (٢)، قال: وفي ذلك وغيره دليل على أن حَرَامًا على الحاكم أن يقضي أبدًا على أحد من عباد اللَّه إلا بأحسن ما يُظهر، وإن احتمل ما يظهر غير أحسنه وكانت عليه دلالة على ما يخالف أحسنه. ومن قوله (٣): بلى، لما حكم اللَّه في الأعراب الذين قالوا: ﴿آمَنَّا﴾ [الحجرات: ١٤]، وعلم اللَّه أن الإيمان لم يدخل في قلوبهم لما أظهروا من الإسلام، ولما حكم في المنافقين الذين علم أنهم آمنوا ثم كفروا وأنهم كاذبون بما أظهروا من الإيمان بحكم الإسلام، وقال في المُتَلاعِنين: "أبْصِروها، فإن جاءت به كذا وكذا فلا أراه إلا قد صدق عليها" (٤) فجاءت به كذلك، ولم يجعل له إليها سبيلًا؛ إذ لم تُقر ولم تَقُم عليها بينة. وأبطل في حكم الدنيا عنهما استعمال الدلالة التي لا توجد في الدنيا دلالة بعد دلالة اللَّه على المنافقين والأعراب أقوى مما أخبر

стр. 1878

[به] (١) رسول اللَّه ﷺ في قوله في امرأة العَجْلَاني على أن يكون، ثم كان -كما أخبر به النبي ﷺ ، والأغلب على من سمع الفزاري يقول للنبي ﷺ : "إن امرأتي ولدت غلامًا أسود" (٢) وعَرَّضَ بالقذف أنه يريد القذف ثم لم يحده النبي ﷺ إذ لم يكن التعريض ظاهرَ قذفٍ، فلم يحكم النبي ﷺ بحكم القذف، والأغلب على مَنْ سمع قول ركانة لامرأته: "أنت طالق البتة" (٣) أنه قد أوقع الطلاق بقوله: أنت طالق وأن البتَّة إرادة شيء غير الأول أنه أراد الإبتات بثلاث، ولكنه لما كان ظاهرًا في قوله واحتمل غيره لم يحكم النبي (٣) ﷺ إلا بظَاهِر الطلاق واحدة. فمن حكم على الناس بخلاف ما ظهر عليهم استدلالًا على أن ما أظهروا خلاف ما أبطنوا بدلالة منهم أو غير دلالة لم يسلم عندي من خلاف التنزيل والسنة، وذلك [مثل] (٤) أن يقول قائل: مَنْ رجع عن الإسلام ممن ولد عليه قَتَلْتُه ولم أسْتَتِبْهُ، ومن رجع عنه ممن لم يولد عليه أسْتَتِبْه (٥)، ولم يحكم اللَّه على عباده إلا حكمًا واحدًا، ومثله أن يقول: مَنْ رجع عن الإسلام ممن أظهر نصرانية أو يهودية أو دينًا يُظهره كالمجوسية أسْتَتِبْه فإن أظهر التوبة قبلت منه، ومَنْ رجع إلى دين خِفْية لم أستتبه، وكلٌّ قد بدَّل دين الحق ورجع إلى الكفر، فكيف يُستتاب بعضُهم ولا يستتاب بعض؟ فإن قال: لا أعرف توبة الذي يُسِرُّ دينه؟ قيل: ولا يعرفها إلا اللَّه، وهذا -مع خلافه حكم اللَّه ثم رسوله- كلام محال، يُسْأل من قال هذا: هل تدري لعلَّ الذي كان أخفى الشرك يَصْدُق بالتوبة والذي كان أظهر الشرك يَكْذب بالتوبة؟ فإن قال؟ نعم، قيل: فتدري لعلك قتلت المؤمن الصادق الإيمان واستحييت الكاذب بإظهار الإيمان؟ فإن قال: ليس عليّ إلا الظاهر، قيل: فالظاهر فيهما واحد وقد جعلته اثنين بعلة مُحَالة، والمنافقون على عهد رسول اللَّه ﷺ لم يُظهروا يهودية ولا نصرانية ولا مجوسية بل كانوا يستسِّرون بدينهم فيُقبل منهم ما يُظهرون من الإيمان! فلو كان قائل هذا القول حين خالف

стр. 1879

السنة أحْسنَ أن يقول شيئًا له وجه، ولكنه يخالفها ويعتلُّ بما لا وجه له، كأنه يرى أن اليهودية والنصرانية لا تكون إلا بإتيان الكنائس، أرأيت إن كانوا ببلاد لا كنائس فيها أما يصلّون في بيوتهم فتخفى صلاتهم على غيرهم؟ قال: وما وصفت من حكم اللَّه ثم حكم رسوله في المتلاعنين يبطل حكم الدلالة التي هي أقوى من الذرائع، وإذا بطل الأقوى من الدلائل بطل الأضعف من الذرائع كلها، وبطل الحد في التعريض بالقذف، فإن من الناس مَنْ يقول: إذا تشاتَمَ الرجلان فقال أحدهما: "ما أنا بزانٍ ولا أمي بزانية" حُدَّ؛ لأنه إذا قاله على المشاتمة (١) فالأغلب أنه إنما يريد به قذف الذي يُشاتم وأمَّه، وإن قاله على غير المشاتمة لم أحُدَّه إذا قال: "لم أرد القذف" مع إبطال رسول اللَّه ﷺ حكم التعريض في حديث الفَزَاري الذي ولدت امرأته غلامًا أسود (٢)، فإن قال قائل: فإن عمر حدَّ في التعريض في مثل هذا (٣)، قيل: استشار أصحابه، فخالفه بعضُهم، ومع مَنْ خالفه ما وصفنا من الدلالة (٤)، ويَبْطُل مِثْلُه قول الرجل لامرأته: "أنت طالق البتة" لأن الطلاق إيقاعُ طلاقِ ظاهر، والبتة تحتملُ زيادةً في عدد الطلاق وغير زيادة، والقول قوله في الذي يحتمل غير الظاهر، حتى لا يحكم عليه أبدًا إلا بظاهر، ويجعل القول قوله في الذي يحتمل غير الظاهر، فهذا يدل على أنه لا يفسد عقدٌ إلا بالعقد نفسه، ولا يفسد بشيء تقدَّمه ولا تأخَّره، ولا بتوهم، ولا بالأغلب، وكذلك كل شيء لا يفسد إلا بعقده، ولا تفسد البيوع بأن يقول: هذه ذَرِيعة، وهذه نية سوء، ولو كان أن يبطل البيوع بأن تكون ذريعة إلى الربا كان اليقين في

стр. 1880

البيوع بعقد ما لا يحل أولى أن يريد به من الظن، ألا ترى أنَّ رجلًا لو اشترى سيفًا ونوى بشرائه أن يقتل به مسلمًا كان الشراء حلالًا، وكانت النية بالقتل غير جائزة، ولم يبطل بها البيع، وكذلك لو باع سيفًا من رجل يريد أن يقتل به رجلًا كان هذا هكذا، ولو أن رجلًا شريفًا نكح دَنِيَّةً أعجميةً، أو شريفةً نكحت دَنِيًّا أعجميًا فتصادقا في الوجهين على إن لم ينو واحدٌ منهما أن يثبت على النكاح أكثر من ليلة لم يحرم النكاح بهذه النية، لأن ظاهر عقده كان صحيحًا إن شاء الزوج حبسها وإن شاء طلقها. [دعوى أنّه قد دَلَّ الكتاب والسنة على ثبوت العقود بظاهرها] فإذا دل الكتاب ثم السنة ثم عامة حكم الإسلام على أن العقود إنما تثبت بظاهر عقدها لا تفسدها نية العاقدين كانت العقود إذا عقدت في الظاهر صحيحة، ولا تفسد بتوهم غير عاقدها على عاقدها، ولا سيما (١) إذا كان توهمًا ضعيفًا" انتهى كلام الشافعي (٢). وقد جعل النبي ﷺ الهازلَ (٣) بالنكاح والطلاق والرجعة كالجادِّ بها، مع أنه

стр. 1881

لم يقصد حقائق هذه العقود، وأبلغ من هذا قوله ﷺ : "إنما أقضي بنحو ما أسمع، فمن قَضَيْتُ له بشيء من حقِّ أخيه فلا يأخذه، فإنما أقطع له قطعة من النار" (١) فأخبر النبي ﷺ أنه يحكم بالظاهر وإن كان في نفس الأمر لا يَحلُّ للمحكوم له ما حكم له به، وفي هذا كله دلالة على إلغاء المقاصد والنيات في العقود، وإبطال سد الذرائع، واتِّباع ظواهر عقود الناس وألفاظهم، وباللَّه التوفيق. [القول الفصل في هذه المسألة] فانظر ملتقى البحرين، ومُعْتَرَكَ الفريقين، فقد أبرز كل منهما حجته، وخاض بحر العلم فبلغ منه لُجَّتَه، وأدْلى من الحجج والبراهين بما لا يُدفع، وقال ما هو حقيق بأن يقول له أهل العلم: قل: يُسْمَعْ، وحُججُ اللَّه لا تتعارض، وأدلة الشرع لا تتناقض، والحق يُصدِّق بعضه بعضًا، ولا يقبل معارضة ولا نقضًا، وحرامٌ على المقلد المتعصب أن يكون من أهل هذا الطراز الأول، أو يكون على قوله وبحثه إذا حقَّت الحقائق المُعَوَّل، فليجرب المدعي ما ليس له والمدعي في قوم ليس منهم نفسه وعلمه وما حصَّله في الحكم بين الفريقين، والقضاء للفصل (٢) بين المتغالِبَيْن، وليبطل الحجج والأدلة من أحد الجانبين، ليسلم له قول إحدى

стр. 1882

الطائفتين، وإلا فليلزم (١) حدَّه، ولا يتعدى طَوْرَه، ولا يمد إلى العلم الموروث عن رسول اللَّه ﷺ باعًا يقصر عن الوصول إليه، ولا يَتَجر بنقدٍ زائفٍ لا يروج عليه، ولا يتمكن من الفصل بين المقالين (٢) إلا من تجرد للَّه مسافرًا بعزمه وهمته إلى مطلع الوحي، مُنْزِلًا نفسَه منزلَةَ من يتلقاه غضًّا طريًا مِنْ في رسول اللَّه ﷺ يعرض عليه آراء الرجال ولا يعرضه عليها، ويحاكمها إليه ولا يحاكمه إليها. [قاعدة شرعية هي مقدمة للفصل بين الفريقين] فنقول وباللَّه التوفيق: إن اللَّه تعالى وضع الألفاظ بين عباده تعريفًا ودلالةً على ما في نفوسهم، فإذا أراد أحدهم من الآخر شيئًا عرفه بمراده وما في نفسه بلفظه، ورتب على تلك الإرادات والمقاصد أحكامَهَا بواسطة الألفاظ، ولم يرتِّب تلك الأحكام على مجرد ما في النفوس من غير دلالة فعل أو قول، ولا على مجرد ألفاظ مع العلم بأن المتكلم بها لم يُرِد معانيها ولم يُحِطْ بها علمًا، بل تجاوز للأمة عما حَدَّثَتْ به أنفُسَها ما لم تعمل به أو تكلَّم به (٣)، وتجاوز لها عما تكلَّمت به مخطئة أو ناسية أو مكرهة (٤) أو غير عالمة به إذا لم تكن مريدة لمعنى ما تكلَّمت به أو قاصدة

стр. 1883

إليه، فإذا اجتمع القصد والدلالة القولية أو الفعلية ترتَّب الحكم. هذه قاعدة الشريعة، وهي من مقتضيات عدل اللَّه وحكمته ورحمته، فإن خواطر القلوب وإرادة النفوس لا تدخل تحت الاختيار، فلو ترتبت عليها الأحكام لكان في ذلك أعظم حَرَج ومشقة على الأمة، ورحمةُ اللَّه تعالى وحكمته تأبى ذلك. [الأشياء التي لا يؤاخذ اللَّه المكلف بها] والغلط والنسيان والسهو وسَبْقُ اللسان بما لا يريده العبدُ بل يريد خلافه والتكلم به مكرهًا وغير عارف لمقتضاه من لوازم البشرية لا يكاد ينفك الإنسان من شيء منه؛ فلو رتب عليه الحكم لحرجت الأمة وأصابها غاية التعب (١) والمشقة؛ فرفع عنها المؤاخذة بذلك كله حتى الخطأ في اللفظ من شدة الفرح والغضب والسكر كما تقدمت شواهده، وكذلك الخطأ والنسيان والإكراه والجهل بالمعنى وسبق اللسان بما لم يرده والتكلم في الإغلاق ولَغْو اليمين؛ فهذه عشرة أشياء لا يؤاخذ اللَّه بها عبدَه بالتكلّم في حال منها؛ لعدم قصده وعقد قلبه الذي يؤاخذه به.

стр. 1884

[العفو عن خطأ الإنسان عند شدّة الفرح وشدّة الغضب] أما الخطأ من شدة الفرح فكما في الحديث الصحيح حديث فَرَحَ الرب بتوبة عبده وقول الرجل: " [اللهم] (١) أنت عبدي وأنا ربك، أخطأ من شدة الفرح" (٢). وأما الخطأ من شدة الغضب فكما في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ [يونس: ١١] قال السلف: هو دعاء الإنسان على نفسه وولده وأهله حال الغضب، لو أجابه اللَّه تعالى لأهلك الداعي ومن دُعي عليه، فقضى إليهم أجلهم (٣)، وقد قال جماعة من الأئمة: الإغلاق الذي منع النبي ﷺ من وقوع الطلاق والعَتَاق فيه هو الغضب (٤). وهذا (٥) كما قالوه؛ فإن للغضب سكرًا كسكر الخمر أو أشد (٦). [لا يترتب على كلام السكران حكم] وأما السكران فقد قال اللَّه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾ [النساء: ٤٣] فلم يرتب على كلام السكران حكمًا حتى يكون عالمًا بما يقول؛ ولذلك أمر النبي ﷺ رجلًا يستنكه (٧) المقر بالزنا ليعلم هل هو عالم بما يقول أو غير عالم بما يقول (٨)، ولم يؤاخذ حمزة بقوله في حال السكر: "هل أنتم إلا عبيد لأبي" (٩) ولم يكفر من قرأ في حال سُكْرِه في الصلاة: "أعبد (١٠) ما تعبدون، ونحن نعبد ما تعبدون" (١١).

стр. 1885

[العفو عن الخطأ والنسيان] وأما الخطأ والنسيان فقد قال تعالى حكاية عن المؤمنين: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ [البقرة: ٢٨٦] وقال اللَّه تعالى: "قد فعلت" (١) وقال النبي ﷺ : "إن اللَّه قد تجاوز لي عن أمتي الخَطَأ والنسيان وما استُكْرِهوا عليه" (٢). [حكم المكره واللغو وسبق اللسان] وأما المكره فقد قال اللَّه: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل: ١٠٦] والإكراه داخل في حكم الإغلاق (٣). وأما اللغو فقد رفع اللَّه تعالى المؤاخذة به حتى يحصل عَقْدُ القلبِ. وأما سَبْقُ اللسان بما لم يرده المتكلم فهو دائر بين الخطأ في اللفظ والخطأ في القصد؛ فهو أولى أن لا يؤاخذ به من لغو اليمين، وقد نص الأئمة على مسائل من ذلك تقدم (٤) ذكر بعضها. [حكم الإغلاق] وأما الإغلاق فقد نص عليه صاحب الشرع، والواجب حَمْلُ كلامه فيه على عمومه اللفظي والمعنوي؛ فكل مَنْ اغلق عليه بابُ قصده وعلمه كالمجنون والسكران والمكره والغضبان فقد تكلَّم في الإغلاق، ومن فسَّره بالجنون أو بالسكر أو بالغضب أو بالإكراه فإنما قَصَدَ التمثيلَ لا التخصيص، ولو قُدِّر أن اللفظ يختص بنوع من هذه الأنواع لوجَبَ تعميمُ الحكم بعموم العلة؛ فإن الحكم إذا ثبت لعلة تعدّى بتعديها وانتفى بانتفائها. فصل [الألفاظ على ثلاثة أقسام] فإذا تمهَّدَتْ هذه القاعدة فنقول: الألفاظ بالنسبة إلى مقاصد المتكلمين ونيّاتهم وإراداتهم لمعانيها ثلاثة أقسام:

стр. 1886

أحدها: أن تظهر مطابقة القصد للفظ، وللظهور مراتب تنتهي إلى اليقين والقَطْع بمراد المتكلم بحسب الكلام في نفسه وما يقترن به من القرائن الحاليّة واللفظية وحال المتكلِّم به وغير ذلك، كما إذا سمع العاقلُ والعارف (١) باللغة قوله ﷺ : "إنكم سَتَرَوْنَ ربكم عيانًا، كما ترون القمر ليلة البدر ليس دونه سحاب، وكما ترون الشمس في الظهيرة صَحْوًا ليس دونها سحاب، لا تُضارُّون في رؤيته إلا كما تضارُّون في رؤيتها" (٢) فإنه لا يستريب ولا يشك في مراد المتكلم وأنه رؤية البصر حقيقة، وليس في الممكن عبارة أوضح ولا أنص من هذا، ولو اقْتُرِح على أبلغ الناس أن يعبِّر (٣) عن هذا المعنى بعبارة لا تحتمل غيره لم يقدر على عبارة أوضح ولا أنص من هذه، وعامة كلام اللَّه ورسوله من هذا القبيل؛ فإنه مستولٍ على الأمَدِ الأقصى من البيان. فصل [القسم الثاني من الألفاظ] القسم الثاني: ما يَظْهر بأن المتكلم لم يرد معناه، وقد ينتهي هذا الظهور إلى حد اليقين بحيث لا يشك السامع فيه، وهذا القسم نوعان: أحدهما: أن لا يكون مريدًا لمقتضاه ولا لغيره. والثاني: أن يكون مريدًا لمعنًى يخالفه؛ فالأول كالمكره والنائم والمجنون ومن اشتد به الغضب والسكران، والثاني: كالمعرَّض والموَرِّي والمُلْغِزِ والمتأوِّل. فصل [القسم الثالث] القسم الثالث: ما هو ظاهر في معناه ويحتمل إرادة المتكلم (٤) له ويحتمل

стр. 1887

إرادته لغيره (١)، ولا دلالة على واحد من الأمرين، واللفظ دال على المعنى الموضوع له، وقد أَتَى به اختيارًا. فهذه أقسام الألفاظ بالنسبة إلى إرادة معانيها ومقاصد المتكلم بها. [متى يحمل الكلام على ظاهره ؟] وعند هذا يقال: إذا ظهر قصد المتكلم لمعنى الكلام أو لم يظهر قَصْدٌ يخالف كلامه وجَبَ حملُ كلامه على ظاهره، والأدلة التي ذكرها الشافعي ﵁ وأضعافُهَا كلها إنما تدل على ذلك، وهذا حق لا يُنازعُ فيه عالمٌ، والنزاع إنما هو في غيره. إذا عُرف هذا فالواجب حمل كلام اللَّه تعالى ورسوله وحمل كلام المكلَّف على ظاهره الذي هو ظاهره، وهو الذي يُقْصَدُ من اللفظ عند التخاطب، ولا يتم التفهيم والفهم إلا بذلك. ومُدَّعِي غير ذلك على المتكلم القاصد للبيان والتفهيم كاذبٌ عليه. قال الشافعي: "وحديثُ رسول اللَّه ﷺ على ظاهره بَتٌّ" ومن (٢) ادَّعى أنه لا طريق لنا إلى اليقين بمرادِ المتكلم لأن العلم بمراده موقوف على العلم بانتفاء عشر أشياء فهو ملبوس عليه ملبِّس على الناس؛ فإن هذا لو صح لم يحصل لأحدٍ العلمُ بكلام المتكلم قط، وبطلت فائدة التخاطب، وانتفت خاصية الإنسان (٣)، وصار الناس كالبهائم، بل أسوأ حالًا، ولَمَا عُلِم غرض هذا المصنف من تصنيفه، وهذا باطل بضرورة الحس والعقل، وبطلانه من أكثر من ثلاثين وجهًا مذكورة في غير هذا الموضع، ولكن حَمْلُ كلام المتكلمين على ظاهره لا ينبغي (٤) صَرْفه عن ذلك لدلالة تدل عليه كالتعريض ولَحْنِ الخطاب والتورية وغير ذلك، وهذا أيضًا مما لا يُنازع فيه العقلاء. [متى يحمل لكلام على غير ظاهره ؟] وإنما النزاع في الحمل على الظاهر حكمًا بعد ظهور مراد المتكلّم والفاعل

стр. 1888

بخلاف ما أظهره؛ فهذا هو الذي وقع فيه النزاع، وهو: هل الاعتبار بظواهر الألفاظ والعقود وإن ظهرت المقاصدُ والنيَّاتُ بخلافها أم للقصود والنياتِ تأثير يوجب الالتفات إليها ومراعاة جانبها (١)؟ [القصود في العقود معتبرة ولا شَكَّ والأمثلة على ذلك] وقد تظاهرت أدلة الشرع وقواعده على أن القصُود في العقود معتبرةٌ، وأنها تؤثّر في صحة العقد وفساده وفي حِلِّه و [حرمته، بل أبْلَغُ من ذلك، وهي أنها تؤثر في] (٢) الفعل الذي ليس بعقد تحليلًا وتحريمًا فيصير حلالًا تارة وحرامًا تارة باختلاف النية والقصد، كما يصير صحيحًا تارة وفاسدًا تارة باختلافها، وهذا كالذبح فإن الحيوان يَحلُّ إذا ذُبح لأجل الأكل ويحرم إذا ذبح لغير اللَّه، وكذلك الحَلَالُ يصيدُ الصيد للمحرِمِ فيحرم عليه ويصيده للحلال فلا يحرم على المحرم، وكذلك الرجل يشتري الجارية ينوي أن تكون لموكله فتحرم على المشترى وينوي أنها له فتحل له، وصورة العقد واحدة (٣)، وإنما اختلفت النية والقصد، وكذلك صورة القَرْض وبيع الدرهم بالدرهم إلى أجل صورتهما واحدة وهذا قربة صحيحة وهذا معصية باطلة بالقصد، وكذلك عصر العنب بنية أن يكون خمرًا معصية ملعون فاعله على لسان رسول اللَّه ﷺ (٤) وعصره بنية أن يكون (٥) خلًا أو دِبْسًا (٦) جائز وصورة الفعل واحدة، وكذلك السلاح يبيعه الرجل لمن يعرف أنه يقتل به مسلمًا حرام باطل لما فيه من الإعانة على الإثم والعُدْوَان وإذا باعه لمن يعرف أنه يجاهد به في سبيل اللَّه فهو طاعة وقُرْبة، وكذلك عقد النَّذر المعلَّق على شرط ينوي به التقرب والطاعة فيلزمه الوفاء بما نذره وينوي به الحلف والامتناع فيكون يمينًا مُكَفَّرة، وكذلك تعليق الكُفْر بالشرط ينوي به اليمين والامتناع فلا يكفر بذلك وينوي به وقوع الشرط فيَكْفُر [عند وجود الشرط ولا يكفر إن نوى به اليمين] (٧) وصورة اللفظ واحدة، وكذلك ألفاظُ الطلاق صريحها وكنايتها (٨) ينوي بها الطلاقَ

стр. 1889

فيكون ما نواه وينوي به غيره فلا تطلق، وكذلك قوله: "أنتِ عندي مثل أمي" ينوي بها الظهار فتحرم وينوي به أنها في الكرامة فلا تحرم عليه، وكذلك مَنْ أدّى عن غيره واجبًا ينوي به الرجوع مَلكه وإن نوى به التبرع لم يرجع. وهذه كما أنها أحكام الرب تعالى في العقود فهي أحكامه تعالى في العبادات والمَثوبات والعقوبات؛ فقد اطّردت سنته بذلك في شرعه وقدره. [اعتبار القصود في العبادات] أما العبادات فتأثير النيات في صحتها وفسادها أظهر من أن يحتاج إلى ذكره (١)؛ فإن القُرُبات كلها مَبْنَاها على النيات، ولا يكون الفعل عبادة إلا بالنية والقَصْد، ولهذا لو وقع في الماء ولم ينو الغسل أو دخل الحمام للتنظيف أو سَبَحَ للتبرُّد لم يكن غسله قربة ولا عبادة بالاتفاق، فإنه لم ينو العبادة فلم تحصل له، وإنما لامرئ ما نوى، ولو أمْسَكَ عن المُفْطِرات عادة واشتغالًا ولم ينو القربة لم يكن صائمًا (٢)، ولو دار حول البيت يلتمس شيئًا سقط منه لم يكن طائفًا، ولو أعطى الفقير هبة أو هدية ولم ينو الزكاة لم تحتسب (٣) زكاة، ولو جلس في المسجد ولم ينو الاعتكاف لم يحصل له [ثواب] (٤). وهذا كما أنه ثابت في الإجزاء والإمتثال فهو ثابت في الثواب والعقاب؛ ولهذا لو جامع أجنبية يظنها زوجته [أو أمَتُه] (٥) لم يأثم بذلك وقد يُثاب بنيته، ولو جامع في ظلمة من يظنها أجنبية فبانت زوجتُه أو أمَتُه أثم على ذلك بقصده ونيته للحرام، ولو أكل طعامًا حرامًا يظنه حلالًا لم يأثم به، ولو أكله وهو حلال يظنه حرامًا وقد أقدم عليه أثِم بنيته، وكذلك لو قتل مَنْ يظنه مسلمًا معصومًا فَبَانَ كافرًا حربيًا أثم بنيته، ولو رمى صيدًا فأصاب معصومًا لم يأثم، ولو رمى معصومًا فأخطأه وأصاب صيدًا أثم، ولهذا كان القاتل والمقتول من المسلمين في النار (٦) لنية كل واحد منهما قتل صاحبه.

стр. 1890

[النية روح العمل ولبه] فالنية روح العمل ولبّه وقوامه، وهو تابع لها يصح بصحتها ويفسد بفسادها، والنبي ﷺ قد قال كلمتين كَفَتَا وشَفَتَا وتحتهما كنوز العلم وهما قوله: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى" (١) فبيّن في الجملة الأولى أن العمل لا يقع إلا بالنية، ولهذا لا يكون عمل إلا بنية، ثم بيّن في الجملة الثانية أن العامل ليس له من عمله إلا ما نواه وهذا يعمُّ العبادات والمعاملات والأيمَان والنذور وسائر العقود والأفعال، وهذا دليل على أن مَنْ نَوَى بالبيع عقد الربا حصل له الربا، ولا يعصمه من ذلك صورة البيع، وأنَّ من نوى بعقد النكاح التحليل كان محلِّلًا، ولا يخرجه من ذلك صورة عقد النكاح؛ لأنه قد نوى ذلك، وإنما لامرئ ما نوى؛ فالمقدمة الأولى معلومة بالوجدان، والثانية معلومة بالنص، وعلى هذا فإذا نوى بالعَصْر حصولَ الخمر كان له ما نواه، ولذلك استحق اللعنة، وإذا نوى بالفعل التحيُّلَ على ما حرَّمه اللَّه ورسوله كان له ما نواه؛ فإنه قَصدَ المُحرَّم وفعل مقدوره في تحصيله، ولا فرق في التحيل على المحرَّم بين الفعل الموضوع له وبين الفعل الموضوع لغيره إذا جُعِل ذَرِيعة له، لا في عقلَ ولا في شرع؛ ولهذا لو نهى الطبيبُ المريضَ عما يؤذيه وَحَماه منه فتحيل على تناوله عُدَّ متناولًا لنفس ما نهى عنه، ولهذا مسخ اللَّه اليهود قِرَدَةً لما تَحيَّلُوا على فعل ما حرمه اللَّه [عليهم] (٢)، ولم يعصمهم من عقوبته إظهار الفعل المباح لما توسلوا به إلى ارتكاب محارمه، ولهذا عاقب أصحاب الجنة بأن حَرَمَهم ثمارها لما توسلوا بجذاذها مُصْبِحين (٣) إلى إسقاط نصيب المساكين، ولهذا لعن اليهود لما أكَلُوا ثمن ما حرم اللَّه عليهم أكله (٤)، ولم يعصمهم التوسل

стр. 1891

إلى ذلك بصورة البيع. وأيضًا فإن اليهود لم ينفعهم إزالة اسم الشحوم عنها بإذابتها فإنها بعد الإذابة يفارقها الاسمُ (١) وتنتقل إلى اسم الوَدَك (٢)، فلمَّا تحيَّلوا على استحلالها بإزالة الاسم لم ينفعهم ذلك. [الدلالة على تحريم الحيل] قال الخطابي: "في هذا الحديث بطلان كل حيلة يحتال بها المتوصل إلى الحرام؛ (٣) فإنه لا يتغير حكمه بتغير هيئته وتبديل اسمه" (٤). قال شيخنا ﵁: ووجه الدلالة ما أشار إليه أحمد [من] (٥) أن اليهود لما حرم اللَّه عليهم الشحُومَ أرادوا الاحتيال على الانتفاع بها على وجه لا يقال في الظاهر إنهم انتفعوا بالشحم فَجَمَلُوه (٦) وقصدوا بذلك أن يزول عنه اسم الشحم، ثم انتفعوا بثمنه بعد ذلك لئلا يكون (٧) الانتفاع [في الظاهر] (٨) بعين المحرَّم، ثم مع كونهم (٩) احتالوا حيلة (١٠) خرجوا بها في زعمهم من ظاهر التحريم من هذين الوجهين لعنهم اللَّه على لسان رسول اللَّه ﷺ على هذا الاستحلال، نظرًا إلى [هذا] (١١) المقصود، وأن حكمة التحريم لا تختلف (١٢) سواء كان جامدًا أو مائعًا، وبدل الشيء يقوم مقامه ويسد مَسَدَّه، فإذا حرم اللَّه الانتفاع بشيء حرم الاعتياض عن تلك المنفعة، [وأما] (١٣) ما أبيح الانتفاع به من وجه دون وجه كالحمير (١٤) مثلًا فإنه يجوز بيعها لمنفعة الظهر المباحة لا لمنفعة اللحم المحرمة،

стр. 1892

وهذا معنى [حديث ابن عباس الذي رَوَاه أبو داود وصححه الحاكم وغيره] (١): "لعن اللَّه اليهود! حرِّمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها، وإن اللَّه إذا حرَّم على قوم أكْلَ شيء حرم عليهم ثمنه" (٢) يعني ثمنه المقابل لمنفعة الأكل، فأما إن كانت (٣) فيه منفعة أخرى وكان الثمن في مقابلتها لم يدخل في هذا. إذا تبين هذا فمعلوم أنه لو كان التحريم معلقًا بمجرد اللفظ وبظاهر من القول دون مراعاة المقصود للشيء (٤) المحرم ومعناهُ [وحقيقته لم يستحق اليهود] (٥) اللعنة لوجهين: أحدهما: أن الشحم خرج بجَمْله (٦) عن أن يكون شحمًا، وصار وَدَكًا، كما يخرج الربا بالاحتيال فيه عن لفظ الربا إلى أن يصير بيعًا عند من يستحل ذلك (٧). [صورة محرمة من الربا بحيلة شراء سلعة وبيعها] فإنَّ مَنْ أراد أن يبيع مئة بمئة وعشرين إلى أجل فأعطى سلعة بالثمن المؤجل ثم اشتراها بالثمن الحالّ، ولا غرض لواحد منهما في السلعة (٨) بوجه ما، وإنما هي كما قال فقيه الأمة: دَرَاهم بدراهم ودخلت بينهما حَرِيرة (٩)؛ فلا فرق بين

стр. 1893

ذلك وبين مئة [بمئة] (١) وعشرين [درهمًا] (٢) بلا حيلة ألبتة، لا في شرع ولا [في] (٢) عقل ولا عُرْف، بل المفسدة التي لأجلها حرم الربا بعينها قائمة مع الاحتيال أو أزيد منها، فإنها تضاعفت بالاحتيال لم تذهب ولم تنقص؛ فمن المستحيل على شريعة أحكم الحاكمين أن يُحرِّم ما فيه مفسدة ويلعن فاعله ويُؤْذِنه بحرب منه ورسوله ويوعده أشد الوعيد ثم يبيح التحيُّل على حصول ذلك بعينه سواء مع قيام تلك المفسدة وزيادتها بتعب الاحتيال في معصية ومخادعةِ اللَّهِ ورسوله. هذا لا يأتي به شرع؛ فإن الربا على الأرض أسهل وأقل مفسدة من الربا بسُلَّم طويلٍ صَعْبِ التراقي يَتَرابى المُتَرابيان على رأسه. فياللَّه العجب! أي مفسدة من مفاسد الربا زالت بهذا الاحتيال والخداع؟ فهل صار هذا الذنب العظيم عند اللَّه الذي هو أكبر الكبائر حسنةً وطاعةً بالخداع والاحتيال؟ وياللَّه! كيف قلب الخداع والاحتيال حقيقته من الخبيث إلى الطبيب ومن المفسدة إلى المصلحة وجعله محبوبًا للرب تعالى بعد أن كان مسخوطًا له؟ ولئن كان هذا الاحتيال يبلغ هذا المبلغ فإنه عند اللَّه ورسوله بمكان ومنزلة عظيمة وإنه من أقوى دعائم الدين وأوثق عُرَاه وأجل أصوله!! [لا تزول مفسدة التحليل بتسبيق شرط] وياللَّه العجب! كيف تزول مفسدة التحليل الذي أشار رسول اللَّه ﷺ بلَعْن فاعله (٣) مرة بعد أخرى بتسبيق (٤) شَرْطه وتقديمه على صُلْب العقد وخَلَاء (٥) صلب العقد من لفظه وقد وقع التواطؤ والتوافق (٦) عليه؟ وأي غرض للشارع؟ وأي حكمة في تقديم الشرط وتسبيقه (٧) حتى تزول به اللعنة وتنقلب به خَمْرة هذا العقد خلًا؟ وهل كان عقد التحليل مسخوطًا للَّه ورسوله لحقيقته ومعناه، أم لعدم مقارنة الشرط له وحصول صورة نكاح الرغبة مع القطع بانتفاء حقيقته وحصول حقيقة نكاح التحليل؟

стр. 1894

[تحريم الحيل الربوية وكُلِّ وسيلة إلى الحرام] وهكذا الحيل الربوية؛ فإن الربا لم يكن حرامًا لصورته ولفظه، وإنما كان حرامًا لحقيقته التي امتاز بها عن حقيقة البيع؛ فتلك الحقيقة حيث وجدت وجد التحريم في أي صورة رُكِّبت وبأي لفظ عُبِّر عنها؛ فليس الشأن في الأسماء وصُوَر العقود، وإنما الشأن في حقائقها ومقاصدها وما عُقِدَتْ له. الوجه الثاني (١): أن اليهود لم ينتفعوا بعين الشحم، وإنما انتفعوا بثمنه، ويلزم مَنْ راعى الصُّوَر والظواهر والألفاظ دون الحقائق والمقاصد أن لا يحرم ذلك، فلما لُعنوا على استحلال الثمن -وإن لم ينص لهم على تحريمه- علم أن الواجب النظر إلى الحقيقة والمقصود لا إلى مجرد الصورة، ونظير هذا أن يُقال لرجل: لا تَقْرب مال اليتيم، فيبيعه ويأخذ عوضه ويقول: لم أَقْرب ماله، وكمن يقول لرجل: لا تشرب من هذا النهر، فيأخذ بيديه ويشرب من كفيه (٢) ويقول: لم أشرب منه، وبمنزلة من يقول: لا تضرب زيدًا، فيضربه فوق ثيابه ويقول: إنما ضربتُ ثيابه، وبمنزلة من يقول: لا تأكل [من] (٣) مال هذا الرجل فإنه حرام، فيشتري به سلعةً ولا يُعيِّنه ثم ينقده للبائع ويقول: لم آكل ماله إنما أكلت ما اشتريته وقد ملكت (٤) ظاهرًا وباطنًا، وأمثال هذه الأمور التي لو استعملها الطبيبُ في معالجة المرضى لزاد مرضُهم، ولو استعملها المريضُ لكان مرتكبًا لنفس ما نهاه عنه الطبيب، كمن يقول له الطبيب: لا تأكل اللحم فإنه يزيد في مواد المرض، فيدقه ويعمل منه هريسة ويقول: لم آكل اللحم، وهذا المثال مطابق لعامة الحيل الباطِلة في الدين. وياللَّه العجب! أي فرق بين بيع مئة بمئة وعشرين درهمًا صريحًا (٥) وبين إدخال سلعة لم تقصد أصلًا بل دخولها كخروجها؟ ولهذا لا يَسْأل العاقدُ عن جنسها ولا صفتها ولا قيمتها ولا عيب فيها ولا يُبالي بذلك ألبتة حتى لو كانت خرقة مقطّعة أو أذن شاة (٦) أو عودًا من حطب أدخلوه محللًا للربا (٧)، ولما تفطَّن

стр. 1895

المحتالون أن هذه السلعة لا اعتبار بها في نفس الأمر، وأنها ليست مقصودة بوجه، وأن دخولها كخروجها، [تهاونوا بها] (١)، ولم يبالوا بكونها مما يتموَّل عادةً أو لا يتمول، ولم يُبَالِ بعضُهم بكونها مملوكة للبائع أو غير مملوكة، بل لم يبالِ بعضهم بكونها مما يُباع أو مما لا يباع كالمسجد والمنارة والقلعة، وكل هذا وَقَع من أرباب الحيل، وهذا (٢) لما عَلِموا أن المشتري لا غَرَضَ له في السلعة فقالوا: أي سلعة اتفق حضورها حصل بها التحليل، كأي تيس اتفق في باب محلل النكاح. [مثل لمن وقف مع الظواهر والألفاظ] وما مَثَلُ من وقف مع الظواهر والألفاظ ولم يُرَاعِ المقاصدَ والمعاني إلا كمَثَل رجل قيل له: لا تُسلم على صاحب بِدْعَةٍ، فقبَّلَ يده ورجله ولم يسلم عليه، أو قيل له: اذهب فاملأ هذه الجرة، فذهب فملأها ثم تركها على الحوض وقال: لم تقل: ايتني بها، وكمن قال لوكيله: بع هذه السلعة، فباعها بدرهم وهي تساوي مئة، ويلزم مَنْ وقف مع الظواهر أن يصحِّحَ هذا البيع ويُلزم به المُوكِّل، وإنْ نظر إلى المقاصد تناقض حيث ألغاها (٣) في غير موضع، وكمن أعطاه رجل ثوبًا فقال: واللَّه لا ألبسه لما له فيه من المِنَّة، فباعه وأعطاه ثمنه فقبله، وكمن قال: واللَّه لا أشرب هذا الشراب، فجعله عقيدًا أو ثَرَدَ فيه خبزًا وأكله، ويلزم مَنْ وقف مع الظواهر والألفاظ أن لا يحد مَنْ فعل ذلك بالخمر، وقد أشار النبي ﷺ إلى أن من الأُمّة مَنْ يتناول المحرم ويسميه بغير اسمه فقال؛ "ليشربَنَّ ناسٌ من أمتي الخمر يسمُّونها بغير اسمها، يُعْزف على رؤوسهم بالمعازف والمغنيات، يخسف اللَّه بهم الأرض، ويجعل منهم القردة والخنازير" (٤) رواه أحمد وأبو داود، وفي "مسند
следующие страницы →