← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17798

إعلام الموقعين عن رب العالمين - ت مشهور

ابن القيم

Полный текст (3 107 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

إلى ذلك بصورة البيع. وأيضًا فإن اليهود لم ينفعهم إزالة اسم الشحوم عنها بإذابتها فإنها بعد الإذابة يفارقها الاسمُ (١) وتنتقل إلى اسم الوَدَك (٢)، فلمَّا تحيَّلوا على استحلالها بإزالة الاسم لم ينفعهم ذلك. [الدلالة على تحريم الحيل] قال الخطابي: "في هذا الحديث بطلان كل حيلة يحتال بها المتوصل إلى الحرام؛ (٣) فإنه لا يتغير حكمه بتغير هيئته وتبديل اسمه" (٤). قال شيخنا ﵁: ووجه الدلالة ما أشار إليه أحمد [من] (٥) أن اليهود لما حرم اللَّه عليهم الشحُومَ أرادوا الاحتيال على الانتفاع بها على وجه لا يقال في الظاهر إنهم انتفعوا بالشحم فَجَمَلُوه (٦) وقصدوا بذلك أن يزول عنه اسم الشحم، ثم انتفعوا بثمنه بعد ذلك لئلا يكون (٧) الانتفاع [في الظاهر] (٨) بعين المحرَّم، ثم مع كونهم (٩) احتالوا حيلة (١٠) خرجوا بها في زعمهم من ظاهر التحريم من هذين الوجهين لعنهم اللَّه على لسان رسول اللَّه ﷺ على هذا الاستحلال، نظرًا إلى [هذا] (١١) المقصود، وأن حكمة التحريم لا تختلف (١٢) سواء كان جامدًا أو مائعًا، وبدل الشيء يقوم مقامه ويسد مَسَدَّه، فإذا حرم اللَّه الانتفاع بشيء حرم الاعتياض عن تلك المنفعة، [وأما] (١٣) ما أبيح الانتفاع به من وجه دون وجه كالحمير (١٤) مثلًا فإنه يجوز بيعها لمنفعة الظهر المباحة لا لمنفعة اللحم المحرمة،

стр. 1892

وهذا معنى [حديث ابن عباس الذي رَوَاه أبو داود وصححه الحاكم وغيره] (١): "لعن اللَّه اليهود! حرِّمت عليهم الشحوم فباعوها وأكلوا أثمانها، وإن اللَّه إذا حرَّم على قوم أكْلَ شيء حرم عليهم ثمنه" (٢) يعني ثمنه المقابل لمنفعة الأكل، فأما إن كانت (٣) فيه منفعة أخرى وكان الثمن في مقابلتها لم يدخل في هذا. إذا تبين هذا فمعلوم أنه لو كان التحريم معلقًا بمجرد اللفظ وبظاهر من القول دون مراعاة المقصود للشيء (٤) المحرم ومعناهُ [وحقيقته لم يستحق اليهود] (٥) اللعنة لوجهين: أحدهما: أن الشحم خرج بجَمْله (٦) عن أن يكون شحمًا، وصار وَدَكًا، كما يخرج الربا بالاحتيال فيه عن لفظ الربا إلى أن يصير بيعًا عند من يستحل ذلك (٧). [صورة محرمة من الربا بحيلة شراء سلعة وبيعها] فإنَّ مَنْ أراد أن يبيع مئة بمئة وعشرين إلى أجل فأعطى سلعة بالثمن المؤجل ثم اشتراها بالثمن الحالّ، ولا غرض لواحد منهما في السلعة (٨) بوجه ما، وإنما هي كما قال فقيه الأمة: دَرَاهم بدراهم ودخلت بينهما حَرِيرة (٩)؛ فلا فرق بين

стр. 1893

ذلك وبين مئة [بمئة] (١) وعشرين [درهمًا] (٢) بلا حيلة ألبتة، لا في شرع ولا [في] (٢) عقل ولا عُرْف، بل المفسدة التي لأجلها حرم الربا بعينها قائمة مع الاحتيال أو أزيد منها، فإنها تضاعفت بالاحتيال لم تذهب ولم تنقص؛ فمن المستحيل على شريعة أحكم الحاكمين أن يُحرِّم ما فيه مفسدة ويلعن فاعله ويُؤْذِنه بحرب منه ورسوله ويوعده أشد الوعيد ثم يبيح التحيُّل على حصول ذلك بعينه سواء مع قيام تلك المفسدة وزيادتها بتعب الاحتيال في معصية ومخادعةِ اللَّهِ ورسوله. هذا لا يأتي به شرع؛ فإن الربا على الأرض أسهل وأقل مفسدة من الربا بسُلَّم طويلٍ صَعْبِ التراقي يَتَرابى المُتَرابيان على رأسه. فياللَّه العجب! أي مفسدة من مفاسد الربا زالت بهذا الاحتيال والخداع؟ فهل صار هذا الذنب العظيم عند اللَّه الذي هو أكبر الكبائر حسنةً وطاعةً بالخداع والاحتيال؟ وياللَّه! كيف قلب الخداع والاحتيال حقيقته من الخبيث إلى الطبيب ومن المفسدة إلى المصلحة وجعله محبوبًا للرب تعالى بعد أن كان مسخوطًا له؟ ولئن كان هذا الاحتيال يبلغ هذا المبلغ فإنه عند اللَّه ورسوله بمكان ومنزلة عظيمة وإنه من أقوى دعائم الدين وأوثق عُرَاه وأجل أصوله!! [لا تزول مفسدة التحليل بتسبيق شرط] وياللَّه العجب! كيف تزول مفسدة التحليل الذي أشار رسول اللَّه ﷺ بلَعْن فاعله (٣) مرة بعد أخرى بتسبيق (٤) شَرْطه وتقديمه على صُلْب العقد وخَلَاء (٥) صلب العقد من لفظه وقد وقع التواطؤ والتوافق (٦) عليه؟ وأي غرض للشارع؟ وأي حكمة في تقديم الشرط وتسبيقه (٧) حتى تزول به اللعنة وتنقلب به خَمْرة هذا العقد خلًا؟ وهل كان عقد التحليل مسخوطًا للَّه ورسوله لحقيقته ومعناه، أم لعدم مقارنة الشرط له وحصول صورة نكاح الرغبة مع القطع بانتفاء حقيقته وحصول حقيقة نكاح التحليل؟

стр. 1894

[تحريم الحيل الربوية وكُلِّ وسيلة إلى الحرام] وهكذا الحيل الربوية؛ فإن الربا لم يكن حرامًا لصورته ولفظه، وإنما كان حرامًا لحقيقته التي امتاز بها عن حقيقة البيع؛ فتلك الحقيقة حيث وجدت وجد التحريم في أي صورة رُكِّبت وبأي لفظ عُبِّر عنها؛ فليس الشأن في الأسماء وصُوَر العقود، وإنما الشأن في حقائقها ومقاصدها وما عُقِدَتْ له. الوجه الثاني (١): أن اليهود لم ينتفعوا بعين الشحم، وإنما انتفعوا بثمنه، ويلزم مَنْ راعى الصُّوَر والظواهر والألفاظ دون الحقائق والمقاصد أن لا يحرم ذلك، فلما لُعنوا على استحلال الثمن -وإن لم ينص لهم على تحريمه- علم أن الواجب النظر إلى الحقيقة والمقصود لا إلى مجرد الصورة، ونظير هذا أن يُقال لرجل: لا تَقْرب مال اليتيم، فيبيعه ويأخذ عوضه ويقول: لم أَقْرب ماله، وكمن يقول لرجل: لا تشرب من هذا النهر، فيأخذ بيديه ويشرب من كفيه (٢) ويقول: لم أشرب منه، وبمنزلة من يقول: لا تضرب زيدًا، فيضربه فوق ثيابه ويقول: إنما ضربتُ ثيابه، وبمنزلة من يقول: لا تأكل [من] (٣) مال هذا الرجل فإنه حرام، فيشتري به سلعةً ولا يُعيِّنه ثم ينقده للبائع ويقول: لم آكل ماله إنما أكلت ما اشتريته وقد ملكت (٤) ظاهرًا وباطنًا، وأمثال هذه الأمور التي لو استعملها الطبيبُ في معالجة المرضى لزاد مرضُهم، ولو استعملها المريضُ لكان مرتكبًا لنفس ما نهاه عنه الطبيب، كمن يقول له الطبيب: لا تأكل اللحم فإنه يزيد في مواد المرض، فيدقه ويعمل منه هريسة ويقول: لم آكل اللحم، وهذا المثال مطابق لعامة الحيل الباطِلة في الدين. وياللَّه العجب! أي فرق بين بيع مئة بمئة وعشرين درهمًا صريحًا (٥) وبين إدخال سلعة لم تقصد أصلًا بل دخولها كخروجها؟ ولهذا لا يَسْأل العاقدُ عن جنسها ولا صفتها ولا قيمتها ولا عيب فيها ولا يُبالي بذلك ألبتة حتى لو كانت خرقة مقطّعة أو أذن شاة (٦) أو عودًا من حطب أدخلوه محللًا للربا (٧)، ولما تفطَّن

стр. 1895

المحتالون أن هذه السلعة لا اعتبار بها في نفس الأمر، وأنها ليست مقصودة بوجه، وأن دخولها كخروجها، [تهاونوا بها] (١)، ولم يبالوا بكونها مما يتموَّل عادةً أو لا يتمول، ولم يُبَالِ بعضُهم بكونها مملوكة للبائع أو غير مملوكة، بل لم يبالِ بعضهم بكونها مما يُباع أو مما لا يباع كالمسجد والمنارة والقلعة، وكل هذا وَقَع من أرباب الحيل، وهذا (٢) لما عَلِموا أن المشتري لا غَرَضَ له في السلعة فقالوا: أي سلعة اتفق حضورها حصل بها التحليل، كأي تيس اتفق في باب محلل النكاح. [مثل لمن وقف مع الظواهر والألفاظ] وما مَثَلُ من وقف مع الظواهر والألفاظ ولم يُرَاعِ المقاصدَ والمعاني إلا كمَثَل رجل قيل له: لا تُسلم على صاحب بِدْعَةٍ، فقبَّلَ يده ورجله ولم يسلم عليه، أو قيل له: اذهب فاملأ هذه الجرة، فذهب فملأها ثم تركها على الحوض وقال: لم تقل: ايتني بها، وكمن قال لوكيله: بع هذه السلعة، فباعها بدرهم وهي تساوي مئة، ويلزم مَنْ وقف مع الظواهر أن يصحِّحَ هذا البيع ويُلزم به المُوكِّل، وإنْ نظر إلى المقاصد تناقض حيث ألغاها (٣) في غير موضع، وكمن أعطاه رجل ثوبًا فقال: واللَّه لا ألبسه لما له فيه من المِنَّة، فباعه وأعطاه ثمنه فقبله، وكمن قال: واللَّه لا أشرب هذا الشراب، فجعله عقيدًا أو ثَرَدَ فيه خبزًا وأكله، ويلزم مَنْ وقف مع الظواهر والألفاظ أن لا يحد مَنْ فعل ذلك بالخمر، وقد أشار النبي ﷺ إلى أن من الأُمّة مَنْ يتناول المحرم ويسميه بغير اسمه فقال؛ "ليشربَنَّ ناسٌ من أمتي الخمر يسمُّونها بغير اسمها، يُعْزف على رؤوسهم بالمعازف والمغنيات، يخسف اللَّه بهم الأرض، ويجعل منهم القردة والخنازير" (٤) رواه أحمد وأبو داود، وفي "مسند

стр. 1896

الإمام أحمد" مرفوعًا: "يشربُ ناسٌ من أمتي الخمر يسمونها بغير اسمها" (١)، وفيه عن عُبَادة بن الصامت عن النبي ﷺ : "يشرب ناسٌ من أمتي الخمر باسم يُسمُّونها إياه" (٢)، وفي "سنن ابن ماجه" من حديث أبي أمامة يرفعه: "لا تذهب الليالي

стр. 1897

والأيام حتى تشربَ طائفةٌ من أمتي الخَمْرَ يسمّونها بغير اسمها" (١) قال شيخنا (٢): وقد جاء حديث آخر يوافق هذا [مرفوعًا وموقوفًا من حديث ابن عباس] (٣): "يأتي على الناس زمانٌ يستحلُّ فيه خمسة أشياء [بخمسة أشياء] (٤): يستحلون الخمر باسم يسمونها إياه (٥)، والسُّحت بالهدية، والقتل بالرهبة، والزنا بالنكاح، والربا بالبيع" (٦) وهذا حق؛ فإن استحلال الربا باسم البيع ظاهر كالحيل الربوية التي صورتها صورة البيع وحقيقتها حقيقة الربا، ومعلوم أن الربا إنما حرم لحقيقته ومفسدته لا لصورته واسمه، فَهَبْ أن المرابي لم يسمه ربًا وسمَّاه بيعًا فذلك لا يخرج حقيقته وماهيته عن نفسها.

стр. 1898

[استحلال الخمر باسم آخر] وأما استحلال الخمر باسم آخر فكما استحلَّ مَنْ استحل المسكر من غير عصير العنب وقال: لا أسميه خمرًا وإنما هو نبيذ، وكما يستحلها طائفة من المجَّان إذا مُزِجت ويقولون: خرجت [بالمزج] (١) عن اسم الخمر، كما يخرج الماء بمخالطة غيره له عن اسم الماء المطلق، وكما يستحلها من يستحلها إذا اتخذت عقيدًا ويقول؛ هذه عقيد (٢) لا خمر، ومعلوم أن التحريم تابع للحقيقة والمفسدة لا للاسم والصورة؛ فإن إيقاع العداوة والبغضاء والصد عن ذكر اللَّه وعن الصلاة لا تزول بتبديل الأسماء والصور [عن ذلك] (٣)، وهل هذا إلا من سوء الفهم وعدم الفقه عن اللَّه ورسوله؟ [استحلال السحت باسم الهدية] وأما استحلال السُّحت باسم الهدية -وهو (٤) أظهر من أن يذكر- كرشوة الحاكم والوالي وغيرهما، فإن المرتشي ملعونٌ هو والراشي (٥)؛ لما في ذلك من المفسدة، ومعلوم قطعًا أنهما لا يخرجان عن الحقيقة، وحقيقة الرشوة بمجرد اسم الهدية (٦)، وقد عَلِمنا وعلم اللَّهُ وملائكتهُ ومَنْ له اطلاع على الحيل أنها رِشْوَة. وأما استحلال القتل باسم الإرهاب الذي تسميه وُلَاة الجور سياسة وهيبة (٧) وناموسًا وحرمة للملك فهو أظهر من أن يذكر (٨).

стр. 1899

[استحلال الزنا باسم النكاح] وأما استحلال الزنا باسم النكاح فهو الزنا بالمرأة التي لا غَرَضَ له أن يقيم معها ولا أن تكون زوجته، وإنما غرضه أن يقضي منها وَطَرَه أو يأخذ جُعْلًا على الفساد بها ويتوصل إلى ذلك باسم النكاح وإظهار صورته، وقد علم اللَّه ورسوله والملائكة والزوج والمرأة أنه محلل لا ناكح، وأنه ليس بزوج، وإنما هو تيس مستعار للضِّرَاب بمنزلة حمار العشريين. فياللَّه العجب! أي فرق في نفس الأمر بين الزنا وبين هذا؟ نعم هذا زنا بشهود من البشر وذلك زنا بشهود من الكرام الكاتبين كما صرَّح به أصحاب رسول اللَّه ﷺ وقالوا (١): "لا يزالان زانيين وإن مكَثَا عشرين سنة إذا علم اللَّه أنه إنما يريد أن يحللها" والمقصود أن هذا المحلل إذا قيل له: هذا زنا، قال: ليس بزنا بل نكاح، كما أن المرابي إذا قيل له: هذا ربًا، قال: بل هو بيع. [استحلال المحرّم بتغيير اسمه وصورته] وكذلك كل من استحلّ محرمًا بتغيير اسمه وصورته كمن يستحل الحشيشة باسم لقيمة الراحة (٢)، ويستحل المعازف كالطنبور والعود والبربط (٣) باسم يسميها به، وكما يسمي بعضهم المغني بالحادي والمطرب والقَوَّال، وكما يسمي الديوث (٤) بالمصلح والموفق والمحسن، ورأيت من يسجد لغير اللَّه من الأحياء والأموات ويسمي ذلك وَضْعَ الرأس للشيخ؟ قال: ولا أقول هذا سجود، وهكذا الحيل سواء؛ فإن أصحابها يعمدون إلى الأحكام فيعلّقونها بمجرد اللفظ، ويزعمون أن الذي يستحلونه ليس بداخل في لفظ الشيء المحرم، مع القطع بأن معناه معنى الشيء المحرم؛ فإن الرجل إذا قال لمن له عليه ألف: اجعلها ألفًا ومئة إلى سنة بإدخال هذه الخرقة وإخراجها صورةً لا معنى، لم يكن فرق بين توسطها وعدمه، وكذلك إذا قال: مكنيني من نفسك أقْضِ منك وَطَرًا يومًا أو

стр. 1900

ساعة بكذا وكذا، لم يكن فرق بين إدخال شاهدين في هذا أو عدم إدخالهما وقد تواطئا على قضاء وطر ساعة من زمان. [ذكر أسماء ما أنزل اللَّه بها من سلطان] ولو أوْجَبَ تبديلُ الأسماء والصور تبدُّلَ الأحكام والحقائق لفسدت الديانات، وبُدلت الشرائع (١)، واضمحل الإسلام، وأي شيء نَفَعَ المشركين تسميتهم أصنامَهم (٢) آلهةً وليس فيها شيء من صفات الإلهية وحقيقتها؟ وأي شيء نَفَعهم تسمية الإشراك باللَّه تقربًا إلى اللَّه؟ وأي شيء نَفَع المعطِّلين لحقائق أسماء اللَّه وصفاته تسميةُ ذلك تنزيهًا؟ وأي شيء نفع الغلاةَ من البشر واتخاذهم طواغيت يعبدونها (٣) من دون اللَّه تسمية ذلك تعظيمًا وأحترامًا؟ وأي شيء نفع نُفَاة القدر المخرجين لأشرف ما في مملكة الرب تعالى من طاعة (٤) أنبيائه ورسله وملائكته وعباده عن قدرته تسمية ذلك عدلًا؟ وأي شيء نَفَعهم نفيهم لصفات كماله تسمية ذلك توحيدًا؟ وأي شيء نفع أعداء الرسل من الفلاسفة القائلين بأن اللَّه لم يخلق السموات والأرض في ستة أيام ولا يحيى الموتى ولا يبعث مَنْ في القبور ولا يعلم شيئًا من الموجودات ولا أرسل إلى الناس رسلًا يأمرونهم بطاعته (٥) تسمية ذلك حكمة؟ وأي شيء نفع أهل النفاق تسمية نفاقهم عقلًا معيشيًا وقَدْحَهم في عقل من لم ينافق نفاقهم ويُدَاهن في دين اللَّه؟ وأي شيء نفع المَكَسَة (٦) تسمية ما يأخذونه ظلمًا وعدوانًا حقوقًا سلطانية وتسمية أوضاعهم الجائرة الظالمة المناقضة لشرع اللَّه ودينه شرع الديوان؟ وأي شيء نفع أهل البِدَعِ والضلال تسمية شبههم الداحضة عند ربهم وعند أهل العلم والدين والإيمان عقليات وبراهين؟ وتسمية كثير من المتصوفة (٧) الخيالاتِ الفاسدةَ والشطحات حقائق؟ فهؤلاء كلهم حقيق أن يتلى عليهم: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [النجم: ٢٣].

стр. 1901

فصل [صيغ العقود إخبار عما في النفس من المعنى الذي أراده الشارع] ومما يوضح ما ذكرناه -من أن القصود في العقود معتبرة دون (١) الألفاظ المجردة التي لم يقصد بها معانيها وحقائقها أو قصد غيرها- أن صيغ العقود كبعتُ واشتريتُ وتزوَّجتُ وَأجَّرتُ إما إخباراتٌ وإما إنشاءاتٌ، وإما أنها متضمنة للأمرين فهي إخبارات عما في النفس من المعاني التي تدل على العقود وإنشاءات لحصول العقود في الخارج؛ فلفظَها موجِبٌ لمعناه في الخارج؛ وهي إخبار عمَّا في النفس من تلك المعاني، [ولا بد في صحتها من مطابقة خبرها لمخبرها، فإذا لم تكن تلك المعاني] (٢) في النفس كانت خَبَرًا كاذبًا، وكانت بمنزلة قول المنافقِ: أشهد أن محمدًا رسول اللَّه، وبمنزلة قوله: آمنت باللَّه وباليوم الآخر، وكذلك المُحلِّل إذا قال: "تزوجت" وهو لا يقصد بلفظ التزوج المعنى الذي جعله اللَّه في الشرع كان إخبارًا كاذبًا وإنشاءً باطلًا؛ فإنا نعلم أن هذه اللفظة لم تُوضَعْ في الشرع ولا في العرف ولا في اللغة لمن قصد رَدَّ المطلقة إلى زوجها، وليس له قصد في النكاح الذي وضعه اللَّه بين عباده وجعله سببًا للمودة (٣) والرحمة بين الزوجين، وليس له قصد في توابعه حقيقة ولا حكمًا، فمَنْ ليس له قصد في الصحبة ولا في العشرة ولا [في] (٤) المصاهرة ولا [في] (٤) الولد ولا [في] (٤) المواصلة ولا المعاشرة ولا الإيواء، بل قصده أن يفارق لتعود إلى غيره؛ فاللَّه جعل النكاح سببًا للمواصلة والمصاحبة والمحلل جعله سببًا للمفارقة، فإنه تزوج ليطلق؛ فهو مناقض لشرع اللَّه ودينه وحكمته، فهو كاذب في قوله: "تزوجت"، بإظهار خلاف ما في قلبه، وبمنزلة من قال لغيره: وكَّلْتُكَ أو شاركتك أو ضاربتك أو ساقيتك وهو يقصد رَفْعَ هذه العقود وفَسْخَها. [العقود إخبارات وإنشاءات] وقد تقدم أن صيغ العقود إخبارات عمَّا في النفس من المعاني التي هي أصل العقود ومبدأ الحقيقة التي بها يصير اللفظ كلامًا معتبرًا؛ فإنها لا تصير كلامًا

стр. 1902

معتبرًا إلا إذا قرنت بمعانيها، فتصير إنشاءً للعقود والتصرفات من حيث أنها هي التي أثبتت الحكم وبها وُجِد، وإخبارات من حيث دلالتها على المعاني التي في النفس؛ فهي تشبه في اللفظ أحببتُ أو أبغضتُ وكرهتُ، وتشبه في المعنى قم واقعد، وهذه الأقوال (١) إنما تفيد الأحكام إذا قَصَد المتكلم بها -حقيقة أو حكمًا- ما جُعلت له، وإذا لم يقصد به ما يناقض معناها، وهذا فيما بينه وبين اللَّه تعالى؛ فأما في الظاهر فالأمر محمول على الصحة، وإلا لَمَا تم عقد ولا تَصَرُّفٌ، فإذا قال: بِعتُ أو تزوجتُ كان هذا اللفظ دليلًا على أنه قصد معناه المقصودَ به، وجعله الشارع بمنزلة القاصد وإن كان هازلًا، وباللفظ والمعنى جميعًا يتمُّ الحكم؛ فكلُّ منهما جزء السبب، وهما مجموعه، وإن كانت العبرة في الحقيقة بالمعنى واللفظُ دليلٌ؛ ولهذا يُصار إلى غيره عند تعذره، وهذا شأن عامة أنواع الكلام فإنه محمول على معناه المفهوم منه عند الإطلاق، لا سيما الأحكام الشرعية التي علَّق الشارع بها أحكامها، فإن المتكلم عليه أن يقصد بتلك الألفاظ معانيها، والمستمع عليه أن يحملها على تلك المعاني، فإن لم يقصد المتكلم بها معانيها بل تكلم بها غير قاصد لمعانيها أو قاصدًا لغيرها أبطل الشارعُ عليه قصده، فإن كان هازلًا أو لاعبًا لم يقصد المعنى ألزمه الشارع المعنى كمن هَزَل بالكفر والطلاق والنكاح والرجعة، بل لو تكلم الكافرُ بكلمة الإسلام هازلًا لألْزِم به وجرت عليه أحكامه ظاهرًا، وإن تكلم بها مخادعًا ماكرًا محتالًا مُظْهِرًا خلافَ ما أبطن لم يعطه الشارع مقصوده كالمحلّل والمرابي بعقد العِينة وكل من احتال على إسقاط واجب أو فعل محرِّم بعقد أو قول أظهره وأبطن الأمر الباطل. وبهذا يخرج الجواب عن الإلزام بنكاح الهازل وطلاقه ورجعته وإن لم يقصد حقائق هذه الصيغ ومعانيها. [تقسيم جامع يبين حقيقة صيغ العقود] ونحن نذكر تقسيمًا جامعًا نافعًا في هذا الباب نبين (٢) به حقيقة الأمر فنقول: المتكلم بصيغ العقود إما أن يكون قاصدًا للتكلم بها أو لا يكون قاصدًا؛ فإن لم يقصد التكلم بها كالمكره والنائم والمجنون والسكران والمغلوب على عقله لم يترتب عليها شيء، وإن كان في بعض ذلك نزاع وتفصيل فالصواب أن أقوال

стр. 1903

هؤلاء كلها هَدَر كما دل عليه الكتاب والسنة والميزان وأقوال الصحابة، وإن كان قاصدًا للتكلم بها فإما أن يكون عالمًا بغاياتها (١) متصورًا لها أو لا يدري معانيها (٢) ألبتة بل هي عنده كأصوات يَنْعَقُ بها؛ فإن لم يكن عالمًا بمعناها ولا متصورًا له لم يترتب عليه (٣) أحكامها أيضًا، ولا نزاع بين أئمة الإسلام في ذلك، وإن كان متصورًا لمعانيها عالمًا بمدلولها فإما أن يكون قاصدًا لها أو لا؛ فإن كان قاصدًا لها ترتبت أحكامها في حقه ولزمته، وإن لم يكن قاصدًا لها فإما أن يقصد خلافها أو لا يقصد لا معناها ولا غيرَ معناها؛ فإن لم يقصد غيرَ التكلم به فهو الهازل ونذكر حكمه، وإن قصد غير معناها فإما أن يقصد ما يجوز له قصده أو لا؛ فإن قصد ما يجوز له قصده نحو أن يقصد بقوله: "أنت طالق" من زوج كان قبلي، أو يقصد بقوله: "أمتي -أو عبدي حر" أنه عفيفٌ عن الفاحشة، أو يقصد بقوله: "امرأتي عندي مثل أمي" في الكرامة والمنزلة، ونحو ذلك، لم تلزمه أحكام هذه الصيغ فيما بينه وبين اللَّه تعالى، وأما في الحكم فإن اقترَنَ بكلامه قرينة تدل على ذلك لم يلزمه أيضًا؛ لأن السياق والقرينة بيّنة تدل على صدقه، وإن لم يقترن بكلامه قرينة أصلًا وادعى ذلك دَعوَى مجردة لم تُقبل منه، وإن قصد بها ما لا يجوز قَصْدُه، كالتكلّم (٤) بنكحتُ وتزوجتُ بقصد التحليل، وبعتُ واشتريتُ بقصد الربا، وبخالعتها بقصد الحيلة على فعل المحلوفِ عليه، وبملكتُ بقصد الحيلة على إسقاط الزكاة أو الشفعة، وما أشبه ذلك. [لا يجوز أن يحصل المحتال على مقصوده] فهذا لا يحصل له مقصوده الذي قصده وجعل ظاهر اللفظ والفعل وسيلة إليه؛ فإن في تحصيل مقصوده تنفيذًا للمُحرّم، وإسقاطًا للواجب، وإعانة على معصية اللَّه ومناقضة لدينه وشرعه، فإعانتُهُ على ذلك إعانةٌ على الإثم والعدوان، ولا فرق بين إعانته على ذلك بالطريق التي وضعت مُفْضِية إليه وبين إعانته على ذلك بالطريق التي وضعت مفضية إلى غيره؛ فالمقصود إذا كان واحدًا لم يكن اختلاف الطرق الموصلة إليه بموجب لاختلافِ حُكمهِ فيَحْرُم من طريق وَيحِل بعينه من طريق أخرى، والطرق وسائل وهي مقصودة لغيرها، فأي فرق بين التوسل إلى الحرام بطريق الاحتيال والمكر والخداع والتوسل إليه بطريق المجاهرة التي يوافق

стр. 1904

فيها السرُّ الإعلانَ والظاهرُ الباطنَ والقصدُ اللفظ، بل سالك هذه الطريقة قد تكون عاقبته أسلم وخطره أقل من سالك تلك من وجوه كثيرة، كما أن سالك طريق الخداع والمكر عند الناس أمْقَتُ وفي قلوبهم أوْضَعُ وهم عنه أشد نَفْرة ممن أتى الأمر على وَجْهه ودخَلَه من بابه؛ ولهذا قال أيوب السختياني -وهو من كبار التابعين وساداتهم وأئمتهم- في هؤلاء: يُخادعون اللَّه كما يُخادعون الصبيان، لو أتوا الأمر على وجهه كان أسهل عليهم (١). فصل [الكلام على المكره] إذا عرف هذا فنقول: المكرَهُ (٢) قد أتى باللفظ المُقتضي للحكم، ولم يثبت عليه حكمه؛ لكونه غيرَ قاصدِ له، وإنما قصد دفع الأذى عن نفسه، فانتفى الحكم لانتفاء قصده وإرادته لموجَب اللفظ؛ فعلم أن نفس اللفظ ليس مقتضيًا للحكم اقتضاء الفعل لأثره، فإنه لوَ قَتَل أو غَصَب أو أتْلَفَ أو نجَّس المائع مكرهًا لم يمكن أن يقال: إن ذلك القتل أو الإتلاف أو التنجيس فاسد وباطل، كما لو أكل أو شرب أو سكر لم يقل: إن ذلك فاسد، بخلاف ما لو حلف أو نذر أو طلق أو عقد عقدًا حكميًّا. [الموازنة بين المكره والمحتال] وهكذا المحتال الماكر المخادع؛ فإنه لم يقصد الحكم المقصود بذلك اللفظ الذي احتال به، وإنما قصد معنى آخر فقصد الربا بالبيع والتحليل بالنكاح والحنث بالخلع، بل المكره قد قَصَد دفع الظلم عن نفسه، وهذا قَصْدُه التوسل إلى غرض رديء؛ فالمحتال والمكره يشتركان في أنهما لم يقصدا بالسبب حكمه ولا باللفظ

стр. 1905

معناه، وإنما قَصَدًا التوسَّل بذلك اللفظ وبظاهر ذلك السبب إلى شيء آخر غير حكم السبب، لكن أحدهما راهبٌ قَصْدُه دفعُ الضرر عن نفسه، ولهذا يحمد أو يعذر على ذلك، والآخر راغب قصده إبطال حق وإيثار باطل، ولهذا يذم على ذلك فالمكره يبطل حكم السبب فيما عليه وفيما له لأنه لم يقصد واحدًا منهما، والمحتال يبطل حكم السبب فيما احتال عليه، وأما فيما سِوَاه فيجب فيه التفصيل. وهاهنا أمر لا بد منه، وهو أنَّ من ظهر لنا أنه محتال فهو كمن (١) ظهر لنا أنه مكره، ومن ادَّعى أنه إنما قصد الاحتيال فكمن ادعى أنه مكره، وإن كان ظهور أمر المكره أَبيْن من ظهور أمر المحتال. فصل [حقيقة الهازل وحكم عقوده] وأما الهازل فهو الذي يتكلم بالكلام من غير قصد لموجِبَه وحقيقته، بل على وجه اللعب، ونقيضُه الجادُّ فاعل من الجِدِّ -بكسر الجيم- وهو نقيض الهزل، وهو مأخوذ من "جَدَّ فلان" إذا عظم واستغنى وصار ذا حظ، والهزل: من هَزَلَ إذا ضعف وضؤل، نُزِّلَ الكلام الذي يراد معناه وحقيقته بمنزلة صاحب الحظ والبخت والغنى، والذي لم يرد معناه وحقيقته بمنزلة الخالي من ذلك؛ إذ قوام الكلام بمعناه، وقوام الرجل بحظه وماله، وقد جاء فيه حديث أبي هريرة المشهور عن النبي ﷺ : "ثلاثٌ جَدُّهنَّ جَدٌّ وهَزْلُهنَّ جَدٌّ: النكاحُ، والطلاقُ، والرَّجعة" (٢) رواه أهل "السنن"، وحَسَّنه الترمذي، وفي مَرَاسيل الحسن عن النبي ﷺ : "مَنْ نكَحَ لاعبًا أو طلق لاعبًا أو أعتق لاعبًا فقد جاز" (٣). وقال عمر بن الخطاب ﵁: أربعٌ جائزات إذا تكلم بهن: الطَّلاقُ، والعِتاقُ، والنِّكاحُ، والنَّذُر (٤). وقال [أميرُ

стр. 1906

المؤمنين] (١) عليٌّ [كرم اللَّه وجهه] (١): ثلاثةٌ لا لعِبَ فيهن: الطلاقُ، والعتاقُ، والنكاحُ (٢). وقال أبو الدرداء: ثلاثٌ اللعبُ فيهن كالجدِّ: الطلاقُ، والعتاقُ، والنكاحُ (٣). وقال ابن مسعود: النكاح جده ولعبه سواء (٤)، ذكر ذلك أبو حفص العَكْبَري (٥). فصل [أقوال الفقهاء والحكمة في نفاذ حكم العقود على الهازل] فأما طلاق الهازل فيقع عند الجمهور (٦)، وكذلك نكاحه صحيح كما صرَّح

стр. 1907

به النصُّ (١)، وهذا هو المحفوظ عن الصحابة والتابعين (١)، وهو قول الجمهور (٢)، وحكاه أبو حفص نصًا (٣) عن أحمد، وهو قول أصحابه، وقول طائفة من أصحاب الشافعي، وذكر بعضُهم أن الشافعي نص على أن نكاح الهازل لا يصح بخلاف طلاقه، ومذهب مالك الذي رواه ابن القاسم عنه وعليه العمل عند أصحابه أن هزل النكاح والطلاق لازم، بخلاف البيع، وروى عنه علي بن زياد أن نكاح الهازل لا يجوز، قال بعض أصحابه: فإن قام دليلُ الهزل لم يلزمه عتق ولا نكاح ولا طلاق، ولا شيء عليه من الصَّدَاق، وأما بيع الهازل وتصرفاته المالية فإنه لا يصح عند القاضي أبي يعلى وأكثر أصحابه، وهو قول الحنفية والمالكية. وقال أبو الخطاب [في "انتصاره"] (٤): يصح بيعه كطلاقه، وخَرَّجها بعض الشافعية على وجهين، ومن قال بالصحة قاس سائر التصرفات على النكاح والطلاق والرجعة. [الهازل يقصد السبب لا الحكم] والفقه فيه أن الهازل أتى بالقول غيرَ ملتزِم لحكمه، وترتيبُ الأحكام على الأسباب للشارع لا للعاقد، فإذا أتى بالسبب لزمه حكمه شاء أم أبى؛ لأن ذلك لا يقف على اختياره، وذلك أن الهازل قاصدٌ للقول مريدٌ له مع علمه بمعناه وموجبه، وقَصْدُ اللفظ المتضمن للمعنى قَصْدٌ لذلك المعنى لتلازمهما، إلا أن يعارضه قصدٌ آخر كالمكره والمخادع المحتال؛ فإنهما قَصَدا شيئًا آخر غير معنى القول وموجبه، ألا ترى أن المكره قصد دفع العذاب عن نفسه ولم يقصد السبب ابتداءً. والمحلِّل قصد إعادتها إلى المطلق، وذلك منافٍ لقصده موجب السبب، وأما الهازل فقَصَد السبب ولم يقصد حكمه ولا ما ينافي حكمه فترتب عليه أثره. فإن قيل: هذا ينتقض عليكم بلغو اليمين فإنه لا يترتب عليه حُكْمُه. قيل: اللاغي لم بقصد السبب، وإنما جَرَى على لسانه من غير قصد؛ فهو بمنزلة كلام النائم والمغلوب على عقله، وأيضًا فالهزل أمر باطن لا يُعْرَف إلا من جهة الهازل، فلا يقبل قوله في إبطال حق العاقد [الآخر] (٤)، ومَنْ فرَّق بين البيع وبابه والنكاح وبابه قال: الحديثُ والآثارُ تدل على أن من العقود ما يكون جده

стр. 1908

وهزله سواء، ومنها ما لا يكون كذلك، وإلا لقال: العقود كلها أو الكلام كله جده وهزله سواء، وأما من جهة المعنى فإن النكاح والطلاق والرجعة والعتق فيها حقُّ للَّه تعالى؛ أما العتق فظاهر، وأما الطلاق فإنه يوجب تحريم البُضْع، ولهذا تجب إقامة الشهادة فيه وإن لم تطلبها الزوجة، وكذلك في النكاح فإنه يفيدُ حِلَّ ما كان حرامًا وحرمة ما كان حلالًا وهو التحريم الثابت بالمصاهرة؛ ولهذا لا يُستباح إلا بالمهر، وإذا كان كذلك لم يكن للعبد -مع تعاطي السبب الموجب لهذه الأحكام- أن لا يرتب عليها موجباتها، كما ليس له ذلك في كلمات الكفر إذا هَزَل بها كما صرَّح به القرآن؛ فإن الكلام المتضمن لحق اللَّه لا يمكن قوله مع رفع ذلك الحق؛ إذ ليس للعبد أن يهزل مع ربه ولا يستهزئ بآياته ولا يتلاعب بحدوده، وفي حديث أبي موسى: "ما بالُ أقوامٍ يلعبون بحدود اللَّه ويستهزئون بآياته" (١) [وذلك في الهازلين، و] (٢) يعني -واللَّه أعلم-: يقولونها لعبًا غير ملتزمين لأحكامها وحكمُها لازمٌ لهم، وهذا بخلاف البيع وبابه؛ فإنه تصرّفٌ في المال الذي هو محضُ حق الآدمي، ولهذا يملك بَذْلَه بعوض وغير عوض، والإنسان قد يلعب مع الإنسان وينبسط معه، فإذا تكلم على هذا الوجه لم يلزمه حكم الجادِّ؛ لأن المزاح معه جائز.

стр. 1909

[الهزل في حقوق اللَّه غير جائز بخلاف جانب العباد] وحاصل الأمر أن اللعب والهزل والمزاح في حقوق اللَّه تعالى غير جائز، فيكون جد القول وهزله سواء، بخلاف جانب العباد، ألا ترى أن النبي ﷺ كان يمزح مع أصحابه (١) ويباسطهم، وأما مع ربه تعالى فيجدُّ كلَّ الجد، ولهذا قال للأعرابي يمازحه: "مَنْ يشتري مني العَبْدَ؟ فقال: تجدُني رخيصًا يا رسول اللَّه؟ فقال: بل أنت عند اللَّه غالٍ" (٢) وقصد ﷺ أنه عبد اللَّه، والصيغة صيغة استفهام، وهو ﷺ كان يمزح ولا يقول إلا حقًا (٣)، ولو أن رجلًا قال: "من يتزوج أمي أو

стр. 1910

أختي" لكان من أقبح الكلام، وقد كان عمر ﵁ يضرب من يدعو امرأته أخته، وقد جاء في ذلك حديث مرفوع رواه أبو داود "أن رجلًا قال لامرأته: يا أخته، فقال النبي ﷺ : أُخْتُكَ هي؟ إنما جَعَلَ إبراهيمُ ذلك حاجةً لا مُزَاحًا" (١). [عقد النكاح يشبه العبادات] ومما يوضحه أن عقد النكاح يُشْبِه العبادات في نفسه، بل هو مقدَّم على نفلها، ولهذا يستحب عقده في المساجد، ويُنهى عن البيع فيها، ومن يشترط له لفظًا بالعربية راعى فيه ذلك إلحاقًا له بالأذكار المشروعة، ومثل هذا لا يجوز الهزل به، فإذا تكلم به رتَّبَ الشارعُ عليه حكمه وإن لم يقصده، بحكم ولاية الشارع على العبد؛ فالمكلفُ قَصَد السببَ، والشَّارعُ قصد الحكَم، فصارا مقصودين كليهما (٢). فصل [ما جاء به الرسول هو أكمل ما تأتي به شريعة] وقد ظهر بهذا أن ما جاء به الرسول هو أكمل ما تأتي به شريعة؛ فإنه ﷺ أمر أن يُقاتل الناس حتى يدخلوا في الإسلام ويلتزموا طاعة اللَّه ورسوله (٣)، ولم يُؤمر أن يُنقِّب عن قلوبهم ولا أن يشق بطونهم، بل يُجْرِي عليهم أحكام اللَّه في الدنيا إذا دخلوا في دينه، ويجري أحكامه في الآخرة على قلوبهم ونيّاتهم؛ فأحكام الدنيا على الإسلام، وأحكام الآخرة على الإيمان، ولهذا قبل إسلام

стр. 1911

الأعراب، ونفى عنهم أن يكونوا مؤمنين، وأخبر أنه لا ينقصُهُم مع ذلك من ثواب طاعتهم للَّه ورسوله شيئًا، وقبل إسلام المنافقين ظاهرًا، وأخبر أنه (١) لا ينفعهم يوم القيامة شيئًا، وأنهم في الدَّرْكِ الأسفل من النار. [الأحكام جارية على ما يُظْهر العباد] فأحكام الرب تعالى جارية على ما يظهر العباد، ما لم يقم دليل على أن ما أظهروه خلاف ما أبطنوه كما تقدم تفصيله، وأما قصة الملاعِنِ فالنبي ﷺ إنما قال بعد أن وَلَدت الغُلامَ على شبه الذي رُميت به: "لولا ما مضى من كتاب اللَّه لكان لي ولها شأن" (٢) فهذا -واللَّه أعلم- إنما أراد به لولا حكم اللَّه بينهما باللِّعان لكان شبه الولد بمن رُميت به يقتضي حكمًا آخر غيره، ولكن حكم اللَّه باللعان ألغى حكم هذا الشَّبَه، فإنهما دليلان وأحَدُهما أقوى من الآخر؛ فكان العمل به واجبًا، وهذا كما لو تعارض دليل الفِرَاش ودليل الشبه، فإنا نُعْمِلُ دليل الفراش، ولا نلتفت إلى الشبه بالنص (٣) والإجماع، فأين في هذا ما يبطل المقاصد والنيات والقرائن التي لا مُعارِض لها؟ وهل (٤) يلزم من بُطلان الحكم بقرينةٍ قد عارضها ما هو أقوى منها بطلانُ الحكم بجميع القرائن؟ وسيأتي دلالة الكتاب والسنة وأقوال الصحابة وجمهور الأئمة على العمل بالقرائن واعتبارها في الأحكام. وأما إنفاذه للحكم وهو يعلم أن أحدهما كاذب فليس في الممكن شرعًا غير هذا، وهذا شأن عامة المتداعيين، لا بد أن يكون أحدهم محقًا والآخر مبطلًا، وينفذ حكم اللَّه عليهما تارة بإثبات حق المحق وإبطال باطل المبطل، وتارة بغير ذلك إذا لم يكن مع المحق دليل. وأما حديث رُكَانة لما طلَّق امرأته البتة وأحلفه النبي ﷺ أنه إنما أراد واحدة (٥) فمِنْ أعظم الأدلة على صحة هذه القاعدة، وأن الاعتبار في العقود بنيات أصحابها ومقاصدهم وإنْ خَالَفت ظواهر ألفاظهم؛ فإن لفظ البتة يقتضي أنها قد بانت منه (٦) وانقطع التواصل الذي كان بينهما بالنكاح، وأنه لم يبق له عليها رجعة، بل بانت منه البتة كما يدل عليه لفظ البتة لغةً وعرفًا، ومع هذا فردَّهَا

стр. 1912

عليه، وقبل قوله أنها واحدة مع مخالفة الظاهر (١) اعتمادًا على قصده ونيته، فلولا اعتبار القُصُود في العقود لما نَفَعه قصدُه الذي يُخالف ظاهر لفظه مخالفة ظاهرةً بينة؛ فهذا الحديث أصل لهذه القاعدة، وقد قبل منه في الحكم، ودَيَّنه فيما بينه وبين اللَّه، فلم يَقْضِ عليه بما أظهر من لفظه لما أخبره بأن نيته وقصده كان خلاف ذلك. [الردّ على من زعم إبطال استعمال الدلالة في حكم الدنيا] وأما قوله (٢): "إن النبي ﷺ أبطل في حكم الدنيا استعمالَ الدلالة التي لا يُوجدُ أقوى منها" يعني دلالة الشَّبَه (٣) فإنما أبطلها بدلالة أقوى منها وهي اللعان، كما أبطلها مع قيام دلالة الفراش، واعتبرها حيث لم يعارضها مثلُها ولا أقوى منها في إلحاق الولد بالقَافَةِ وهي دلالة الشبه، فأين في هذا إلغاء الدلالات والقرائن مطلقًا؟ [أحكام الدنيا تجري على الأسباب] وأما قوله (٤): "إنه لم يحكم في المنافقين بحكم الكفر مع الدلالة التي لا أقوى منه، وهي خبر اللَّه تعالى عنهم وشهادته عليهم". فجوابه: أن اللَّه تعالى لم يُجرِ أحكام الدنيا على علمه في عباده، وإنما أجراها على الأسباب التي نصبها أدلةً عليها وإن علم أنهم مُبطلون فيها مُظهرون لخلاف ما يبطنون، وإذا أطلَعَ اللَّه رسولَه على ذلك لم يكن ذلك مناقضًا لحكمه الذي شَرَعه ورتبه على تلك الأسباب كما رتَّبَ على المتكلِّم بالشهادتين حُكمَه وأطلع رسوله وعباده المؤمنين على أحوال كثير من المنافقين وأنهم لم يطابق قولهم اعتمادهم، وهذا كما أجرى حكمه على المتلاعنين [ظاهرًا] (٥) ثم أطلع رسوله والمؤمنين على حال المرأة بشبه الولد لمن رُميت به، وكما قال: "إنما أقضي بنحو ما (٦) أسمع، فمن قضيتُ له بشيء من حَقِّ أخيه

стр. 1913

فإنما أقطعُ له قطعةً من النار" (١)، وقد يُطْلِعه اللَّه على حال آخذ ما لا يحل له أخذه، ولا يمنعه ذلك من إنفاذ الحكم، وأما الذي قال: "يا رسول اللَّه إنَّ امرأتي وَلَدت غلامًا أسود" (٢) فليس فيه ما يدل على القذف لا صريحًا ولا كناية، وإنما أخبره (٣) بالواقع مستفتيًا عن حكم هذا الولد: أيستلحقُهُ مع مخالفة لونه للونه أم ينفيه؟ فأفتاه النبي ﷺ وقرَّب له الحُكمَ بالشبه الذي ذكره؛ ليكون أذْعَنَ (٤) لقبوله، وانشراح الصدر له، ولا يقبله على إغماض، فأين في هذا ما يبطل حد القذف بقَوْلِ مَنْ يشاتم غيره: أما أنا فلستُ بزانٍ، وليست أمي بزانية، ونحو هذا من التعريض الذي هو أوجع وأنكى من التصريح، وأبلغ في الأذى، وظهورهُ عند كل سامع بمنزلة ظهور الصريح، فهذا لونٌ وذلك لون. [عمر يحدُّ بالتعريض بالقذف] وقد حَدَّ عمر بالتعريض [في القذف] (٥)، ووافقه الصحابة ﵃ [أجمعين] (٦)، وأما قوله (٧) ﵀: "إنه استشار الصحابة فخالفه بعضهم" فإنه يريد ما رواه عن مالك، عن أبي الرِّجال، عن أُمِّه عمرة بنت عبد الرحمن أن رجلين اسْتَبَّا في زمن عمر بن الخطاب، فقال أحدهما للآخر: واللَّه ما أنا بزانٍ ولا أمي بزانية، فاستشار في ذلك عمر بن الخطاب ﵁، فقال قائل: مَدَحَ أباه وأمه، وقال آخرون: قد كان لأبيه وأمه مَدْحٌ غير هذا، نرى أن تجلده الحد، فجلده عمر الحد ثمانين (٨)، وهذا لا يدل على أن القائل الأول خالف عمر؛ فإنه لما قيل له: إنه قد كان لأبيه وأمه مَدْح غير هذا فَهِمَ أنه أراد القذف فسكت، وهذا إلى الموافقة أقرب منه إلى المخالفة، وقد صح عن عمر من وجوه أنه حَدَّ في التعريض، فروى معمر، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، أن عمر كان يحد

стр. 1914

في التعريض بالفاحشة (١)، وروى ابنُ جُرَيج، عن ابن أبي مُليكة، عن صَفْوَان وأيوب عن عمر أنه حد في التعريض (٢)، وذكر أبو عمر (٣) أن عثمان كان يحد في التعريض، وذكره ابن أبي شَيْبة (٤)، وكان عمر بن عبد العزيز (٥) يرى الحد في التعريض، وهو قول أهل المدينة (٦) والأوزاعي (٧)، وهو محض القياس، كما يقع الطلاق والعتق والوقف والظهار بالصريح والكناية (٨)، واللفظ إنما وُضع لدلالته على المعنى؛ فإذا ظهر المعنى غايَةَ الظهورِ لم يكن في تغيير اللفظ كبير فائدة. [القول بأن الحكم بخلاف ما ظهر يؤدّي إلى خلاف التنزيل والسنة] وأما قوله (٩): "من حكم عَلَى الناس بخلاف ما ظهر عليهم لم يَسْلَم من خلاف التنزيل والسنة" فإنه يشير بذلك إلى قبول توبة الزنديق، وحَقْن دمه بإسلامه وقبول توبة المرتد وإن ولد على الإسلام، وهاتان مسألتان فيهما نزاع بين الأمة مشهور.

стр. 1915

[الرأي في توبة الزنديق والمرتد] وقد ذكر الشافعي الحجة على قبول توبتهما، ومن لم يقبل توبتهما يقول: إنه لا سبيل إلى العلم بها؛ فإن الزنديق قد عُلم أنه لم يزل مُظهرًا للإسلام، فلم يتجدَّد له بإسلامه الثاني حالٌ مخالفةٌ لِما كان عليه، بخلاف الكافر الأصلي؛ فإنه إذا أسلم فقد تجدد له بالإسلام حالٌ لم يكن عليها، والزنديق إنما رجع إلى إظهار الإسلام، وأيضًا فالكافر كان مُعلنًا لكفره غير مُسْتتر به ولا مُخْفٍ له، فإذا أسلم تيقَّنا أنه أتى بالإسلام رغبةً فيه لا خوفًا من القتل، والزنديق بالعكس فإنه كان مُخْفيًا لكفره مستترًا به، فلم نؤاخذه بما في قلبه إذا لم يَظْهر عليه فإذا ظهر على لسانه وآخذناه به فإذا رجع عنه لم يرجع عن أمر كان مظهرًا له غير خائفٍ من إظهاره وإنما رجع خوفًا من القتل، وأيضًا فإن اللَّه تعالى سَنَّ في عباده أنهم إذا رأوا بأسه لم ينفعهم الإسلام، وهذا إنما أسلم عند معاينة البأس، ولهذا لو جاء (١) من تلقاء نفسه وأقر بأنه قال كذا وكذا وهو تائبٌ منه قبلنا توبته ولم نقتله، وأيضًا فإن اللَّه تعالى سَنَّ في المحاربين أنهم إنْ تابوا من قبل القدرة عليهم قُبلت توبتهم، ولا تنفعهم التوبة بعد القدرة عليهم، ومحاربةُ الزِّنديقِ للإسلام بلسانه أعظمُ من محاربة قاطع الطريق بيده وسنانه؛ فإن فتنةَ هذا في الأموال والأبدان وفتنة الزنديق في القلوب والإيمان، فهو أولى ألا تُقبل توبتُه بعد القدرة عليه (٢)، وهذا بخلاف الكافر الأصلي؛ فإن أمره كان معلومًا، وكان مظهرًا لكفره غير كاتمٍ له، والمسلمون قد أخذوا حِذْرَهم منه، وجاهروه بالعداوة والمحاربة، وأيضًا فإن الزنديق هذا دأبه دائمًا، فلو قبلت توبته لكان تسليطًا له على بقاء نفسه بالزندقة والإلحاد وكلما قُدِرَ عليه أظهر الإسلام وعاد إلى ما كان عليه، ولا سيما وقد علم أنه أمِنَ بإظهار الإسلام من القتل، فلا يَزَعُهُ خوفه من المجاهرة بالزندقة والطعن في الدين ومَسَبة اللَّه ورسوله فلا ينكفُّ عدوانه عن الإسلام إلا بقتله (٣)، وأيضًا

стр. 1916

فإن مَنْ سبَّ اللَّه ورسوله فقد حارب اللَّه ورسوله وسعَى في الأرض فسادًا، فجزاؤه القتل حدًا، والحدود لا تسقط بالتوبة بعد القدرة اتفاقًا، ولا ريب أن محاربة هذا الزنديق للَّه ورسوله وإفساده في الأرض أعظم محاربة وإفسادًا، فكيف تأتي الشريعة بقتل مَنْ صال على عشرة دراهم لذمي أو على بدنه ولا تَقْبَل توبتَه ولا تأتي بقتل مَنْ دأبُهُ الصَّوْل (١) على كتاب اللَّه وسنة رسوله والطعن في دينه وتقبل توبته بعد القدرة عليه؟ وأيضًا فالحدود بحسب الجرائم والمفاسد، وجريمة هذا أغلظ الجرائم، ومفسدة بقائه بين أظهر المسلمين من أعظم المفاسد. [قاعدة في بيان متى يُعمل بالظاهر] وهاهنا قاعدة يجب التنبيه عليها لعموم الحاجة إليها، وهي أن الشارع إنما قبل توبة الكافر الأصلي من كفره بالإسلام لأنه ظاهِرٌ لم يعارضه ما هو أقوى منه، فيجب العمل به؛ لأنه مقتضٍ لحقن الدم والمعارضُ منتفٍ، فأما الزنديق فإنه قد أظهر ما يبيح دمه، فإظهاره بعد القدرة عليه للتوبة والإسلام لا يدل على زوال ذلك الكفر المبيح لدمه دلالة قطعية لا ظنية، أما انتفاء القطع فظاهر، وأما انتفاء الظن؛ فلأن الظاهر إنما يكون دليلًا صحيحًا إذا لم يثبت أن الباطن بخلافه، فإذا قام دليل على الباطن لم يُلتفت إلى ظاهرِ قد عُلِم أن الباطنَ بخلافه (٢)، ولهذا اتفق الناس على أنه لا يجوز للحاكم أن يحكم بخلاف علمه، وإن شهد عنده بذلك العدول (٣)، وإنما يَحْكم بشهادتهم إذا لم يَعْلم خلافها، وكذلك لو أقرَّ إقرارًا علم أنه كاذب فيه مثل أن يقول لمن هو أسَنُّ منه: "هذا ابني" لم يثبت نسبه ولا ميراثه اتفاقًا (٤)، وكذلك الأدلة الشرعية مثل خبر الواحد العَدْل والأمر والنهي والعموم والقياس إنما يجب اتباعها إذا لم يقم دليلٌ أقوى منها يخالف ظاهرها. [عود إلى حكم توبة الزنديق ؟] وإذا عرف هذا فهذا الزنديق قد قام الدليل على فساد عقيدته، وتكذيبه

стр. 1917

واستهانته بالدين، وقدحه فيه؛ فإظهارُه الإقرار والتوبة بعد القدرة عليه ليس فيه أكثر مما كان يظهره قبل هذا، وهذا القدر قد بطلت دلالته بما أظهره من الزندقة؛ فلا يجوز الاعتماد عليه لتضمنه إلغاء الدليل القوي وإعمال الدليل الضعيف الذي قد ظهر بطلان دلالته، ولا يخفى على المُنْصِف قوةَ هذا النظر وصحة هذا المأخذ، وهذا مذهب أهل المدينة، ومالك وأصحابه (١)، والليث بن سعد (٢)، وهو المنصور من الروايتين عن أبي حنيفة (٣)، وهو إحدى الروايات عن أحمد (٤) نَصَرَهَا كثير من أصحابه، بل هي أَنصُّ الروايات عنه، وعن أبي حنيفة وأحمد أنه يستتاب، وهو قول الشافعي (٥)، وعن أبي يوسف روايتان؛ إحداهما: أنه يستتاب، وهي الرواية الأولى عنه، ثم قال آخرًا (٦): أقتله من غير استتابة، لكن إن تاب قبل

стр. 1918

أن يقدر عليه قبلت توبته، وهذا هو الرواية الثالثة عن أحمد (١). وياللَّه العجب! كيف يقاوِمُ دليل إظهاره للإسلام بلسانه بعد القدرة عليه أدلة زندقته وتكررها منه مرة بعد مرة وإظهاره كل وقت للاستهانة بالإسلام والقَدْح في الدين والطعن فيه في كل مجمع؟ مع استهانته بحرمات اللَّه واستخفافه بالفرائض وغير ذلك من الأدلة؟ ولا ينبغي لعالم قَطُّ أن يتوقف في قتل مثل هذا، ولا تُتْرك الأدِلة القطعية لظاهرٍ قد تبين عدمُ دلالته وبطلانها، ولا تسقط الحدود عن أرباب الجرائم بغير موجب. [متى تقبل توبة الزنديق ؟] نعم لو أنه قَبْلَ رفعه إلى السلطان ظَهَر منه من الأقوال والأعمال ما يَدُل على حسن الإسلام وعلى التوبة النصوحة، وتكرر ذلك منه، لم يُقْتل كما قاله أبو يوسف وأحمد في إحدى الروايات، وهذا التفصيل أحسن الأقوال في المسألة. [توبة الزنديق بعد القدرة لا تعصم دمه] ومما يدل على أن توبة الزنديق بعد القدرة لا تعصم دمه قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا﴾ [التوبة: ٥٢] قال السلف في هذه الآية: ﴿أَوْ بِأَيْدِينَا﴾ بالقتل إن أظْهَرتم ما في قلوبكم، وهو كما قالوا؛ لأن العذاب على ما يبطنونه من الكفر بأيدي المؤمنين لا يكون إلا بالقتل؛ فلو قُبلَتْ توبتهم بعد ما ظَهَرت زندقتُهُم لم يمكن المؤمنين أن يتربَّصوا بالزنادقة أن يُصيبهم اللَّه بأيديهم؛ لأنهم كلما أرادوا أن يعذبوهم على ذلك أظهروا الإسلام فلم يُصابوا بأيديهم قط، والأدلة على ذلك كثيرة جدًا، وعند هذا فأصحاب هذا القول يقولون: نحن أسعدُ بالتنزيل والسنة من مخالفينا في هذه المسألة المشنّعين علينا بخلافها، وباللَّه التوفيق.

стр. 1919

[الشرط المتقدم والمقارن] وأما قوله: "ولا يفسد عقد إلا بالعقد نفسه، ولا يفسد بشيء تقدَّمه ولا تأخَّره، ولا بتوهم، ولا أمارة عليه" يريد أن الشرط المتقدم لا يُفسد العقد إذا عَرِيَ صلبُ العقد عن مقارنته (١)، وهذا أصلٌ قد خالفه فيه جمهور أهل العلم، وقالوا: لا فرق بين الشرط المتقدم والمقارن؛ إذ مَفْسَدة الشرط المتقدم (٢) لم تَزُل بتقدمه وإسلافه، بل مفسدته مقارنًا كمفسدته متقدمًا، وأي مَفْسدةٍ زالت بتقدم الشرط إذا كانا قد عَلِما وعَلِم اللَّه تعالى والحاضرون أنهما إنما عَقَدا على ذلك الشرط الباطل المُحرَّم وأظهروا صورة العقد مطلقًا؟ وهو مقيَّد في نفس الأمر بذلك الشرط المحرَّم، فإذا اشترطا قبل العقد أن النكاح نكاحُ تحليلٍ أو متعة أو شِغَار، وتعاهدا على ذلك، وتواطئا عليه، ثم عقدا على ما اتفقا عليه، وسَكَتا عن إعادة الشرط في صُلب العقد اعتمادًا على [ما] (٣) تقدم ذكره والتزامه، لم يخرج العقد بذلك عن كونه عقدَ تحليل ومُتعة وشغار حقيقة. وكيف يعجز المتعاقدان اللَّذان يريدان عقدًا قد حرَّمه اللَّه ورسوله لوصفٍ أن يشترطا قبل العقد إرادة ذلك الوصف وأنه هو المقصود ثم يسكتا عن ذكره في صلب العقد ليتم غرضهما؟ وهل إتمام غرضهما إلا عيبن تفويت مقصود الشارع؟ وهل هذه القاعدة -وهي أن الشرط المتقدم لا يؤثر شيئًا- إلا فتح لباب الحِيَل؟ بل هي أصلُ الحيلِ وأساسها، وكيف تفرِّق الشريعة بين مُتماثِلَين من كلِّ وجه لافتراقهما في تقدم لفظ أو تأخره مع استواء العقدين في الحقيقة والمعنى والقَصْد؟ وهل هذا إلا من أقرب الوسائل والذرائع إلى حصول ما قصد الشارع عَدَمَه وإبْطَالَه؟ وأين هذه القاعدة من قاعدة سَدِّ الذرائع إلى المحرَّمات؟ ولهذا صرَّح أصحابُها ببطلان [قاعدة] (٤) سد الذرائع لما علموا أنها مناقضة لتلك؛ فالشارع سد الذرائع إلى المحرمات بكل طريق، وهذه القاعدةُ تُوسِّع الطرق إليها وتنهجها، وإذا تأمل اللبيب هذه القاعدة وجدها ترفع التحريم أو الوجوب مع قيام المعنى المقتضي لهما حقيقة، وفي ذلك تأكيد للتحريم من وجهين: * من جهة أن فيها فعل المُحرَّم وترك الواجب.

стр. 1920

* ومن جهة اشتمالها على التدليس والمكر والخداع والتوسل بشرع اللَّه الذي أحبَّه ورضيه لعباده إلى نفس ما حرَّمه ونهى عنه، ومن المعلوم (١) أنه لا بد أن يكون بين الحلال والحرام فرق بَيِّنٌ في الحقيقة، بحيث يظهر للعقول مُضَادَّة أحدهما للآخر، والفرق في الصورة غير معتبر ولا مؤثر؛ إذ الاعتبار بالمعاني والمقاصد في الأقوال والأفعال؛ فإن الألفاظ إذا اختلفت عباراتها أو مواضعها بالتقدم والتأخر والمعنى واحد؛ كان حكمها واحدًا، ولو اتفقت ألفاظها واختلفت معانيها كان حكمها مختلفًا، وكذلك الأعمال، ومن تأمل الشريعة حَقَّ التأملِ علم صحة هذا بالاضطرار؛ فالأمر المحتال عليه بتقدم الشرط دون مقارنة صورتُه صورةُ الحلالِ المشروع ومقصودُه مقصودُ الحرام الباطل، فلا تراعى الصورةُ وتلغى الحقيقةُ والمقصود، بل مشاركة هذا للحرام صورةً ومعنًى وإلحاقه به لاشتراكهما في القصد والحقيقة أولى من إلحاقه بالحلال المأذون فيه بمشاركته له في مجرد الصورة (٢). فصل [قاعدتان في الذرائع والقصود] وقوله: "ولا تفسد العقود (٣) بأن يقال: هذه ذريعة وهذه نية سوء -إلى آخره" فإشارة منه إلى قاعدتين. إحداهما: أنْ (٤) لا اعتبار بالذرائع ولا يُراعى سَدُّها. والثانية: أن القُصُود غير معتبرة في العقود. والقاعدة المتقدمة أن الشرط المتقدم لا يؤثر، وإنما التأثير للشرط الواقع في صُلب العقد، وهذه القواعد متلازمة؛ فَمَنْ سَدَّ الذرائع اعتبر المقاصد وقال: يؤثر الشرط متقدمًا مقارنًا، ومن لم يسد الذرائع لم يعتبر المقاصد ولا الشروط المتقدمة، ولا يمكن إبطال واحدة منها إلا بإبطال جميعها، ونحن نذكر قاعدة سد الذرائع ودلالة الكتاب والسنة وأقوال الصحابة والميزان الصحيح عليها.

стр. 1921

فصل في سد الذرائع (١) لما كانت المقاصد لا يُتوصَّل إليها إلا بأسباب وطُرُق تُفْضِي إليها كانت طرقها وأسبابها تابعةً لها مُعْتبرة بها، فوسائل المحرمات والمعاصي في كراهتها والمنع منها بحسب إفضائها إلى غاياتها وارتباطاتها بها، ووسائل الطاعات والقُرُبَات في محبتها والإذن فيها بحسب إفضائها إلى غاياتها (٢)؛ فوسيلة المقصود تابعة للمقصود، وكلاهما مقصود، لكنه مقصودٌ قصدَ الغاياتِ، وهي مقصودة قصد الوسائل (٣)؛ فإذا حَرَّمَ الربُّ تعالى شيئًا وله طرق ووسائل تُفْضِي إليه فإنه يحرمها ويمنع منها، تحقيقًا لتحريمه، وتثبيتًا له، ومنعًا أن يقرب حِمَاه، ولو أباح الوسائل والذرائع المُفْضِية إليه لكان ذلك نقضًا للتحريم، وإغراءً للنفوس به. وحكمته تعالى وعلمه تأبى ذلك كل الإباء، بل سياسة ملوك الدنيا تابى ذلك؛ فإن أحدَهم إذا منع جُنْدَه أو رعيته أو أهل بيته من شيء ثم أباح لهم الطرق والأسباب والذرائع الموصِّلة إليه لعدَّ متناقضًا، ولحصل من رعيته وجنده ضدّ مقصوده. وكذلك الأطباء إذا أرادوا حَسْمَ الداء منعوا صاحبه من الطرق والذرائع الموصَّلة إليه، وإلا فسد عليهم ما يرومون إصلاحه. فما الظن بهذه الشريعة الكاملة التي هي في أعلى درجات الحكمة والمصلحة والكمال؟ ومَنْ تأمل مصادرها ومواردها علم أن اللَّه تعالى ورسوله سد الذرائع المُفْضِية إلى المحارم بأن حرَّمها ونهى عنها، والذريعةُ ما كان وسيلة وطريقًا إلى الشيء. ولا بد من تحرير هذا الموضع قبل تقريره ليزول الالتباس فيه، فنقول:

стр. 1922

[أنواع الوسائل وحكم كل نوع منها] الفعل أو القول المُفْضِي إلى المفسدة قسمان: أحدهما: أن يكون وضعه للإفضاء إليها كشُرب المسكر المُفْضي إلى مفسدة السكر (١)، وكالقَذْف المُفْضِي إلى مفسدة الفِرْيَة، والزنا المُفْضِي إلى اختلاط المياه وفساد الفراش (٢)، ونحو ذلك؛ فهذه أفعال وأقوال وُضِعَت مفضية لهذه المفاسد وليس لها ظاهر غيرها. والثاني: أن تكون موضوعة للإفضاء إلى أمر جائزٍ أو مستحب، فيتخذها (٣) وسيلة إلى المحرم إما بقصده أو بغير قصد منه. فالأول كمن يعقد النكاح قاصدًا به التحليل، أو يعقد البيع قاصدًا به الربا، أو يخالع قاصدًا به الحنث، ونحو ذلك، والثاني كمن يُصلي تطوعًا بغير سبب في أوقات النهي، أو يسب أرباب المشركين بين أظهرهم، أو يصلي بين يدي القبر للَّه، ونحو ذلك. ثم هذا القسمُ من الذرائع نوعان: أحدهما: أن تكون مصلحة الفعل أرجَحَ من مفسدته. والثاني: أن تكون مفسدته راجحة على مصلحته؛ فههنا أربعة أقسام: الأول: وسيلة موضوعة للإفضاء إلى المفسدة. الثاني: وسيلة موضوعة للمُبَاح قُصِد بها التوسلُ إلى المفسدة. [الثالث: وسيلة موضوعة للمباح لم يُقْصَد بها التوسل إلى المفسدة لكنها] (٤) مُفْضِية إليها غالبًا ومفسدتها أرجح من مصلحتها. الرابع: وسيلة موضوعة للمباح وقد تُفْضِي إلى المفسدة ومصلحتها أرجح من مفسدتها. فمثال القسم الأول والثاني قد تقدم، ومثال الثالث الصلاةُ في أوقات النهي، ومَسَبَّة آلهة المشركين بين ظَهْرَانيهم، وتزيُّن المتوفَّى عنها في زمن عَدَّتِها،

стр. 1923

وأمثال ذلك، ومثال الرابع النظر إلى المخطوبة والمُسْتَامَة والمشهود عليها ومَنْ يطبها (١) ويعاملها، وفعل ذوات الأسباب في أوقات النهي وكلمة الحق عند ذي سلطان جائرِ ونحو ذلك؛ فالشريعة جاءت بإباحة هذا القسم أو استحبابه أو إيجابه بحسب درجاته في المصلحة، وجاءت بالمنع من القسم الأول كراهة أو تحريمًا بحسب درجاته في المفسدة، بقي النظر في القسمين الوسط: هل هما مما جاءت الشريعة بإباحتهما أو المنع منهما؟ فنقول:

стр. 1924

سلسلة مكتبة ابن القيم [٦] إعلام الموقعين عن رب العالمين تصنيف أبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب المعروف بابن قيم الجوزية المتوفى سنة ٧٥١ هـ قرأه وقدم له وعلق عليه وخرج أحاديثه وآثاره أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان شارك في التخريج أبو عمر أحمد عبد الله أحمد [المجلد الخامس] دار ابن الجوزي

стр. 1925

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 1926

إِعلامُ الموقِّعِين عَن رَبِّ العَالمين [٥]

стр. 1927

حُقُوق الطَّبْع مَحْفُوظَة لدار ابْن الْجَوْزِيّ الطبعة الأولى رَجَب ١٤٢٣ هـ حُقُوق الطَّبْع مَحْفُوظَة © ١٤٢٣ هـ لَا يسمح بِإِعَادَة نشر هَذَا الْكتاب أَو أَي جُزْء مِنْهُ بِأَيّ شكل من الأشكال أَو حفظه ونسخه فِي أَي نظام ميكانيكي أَو إلكتروني يُمكن من استرجاع الْكتاب أَو تَرْجَمته إِلَى أَي لُغَة أُخْرَى دون الْحُصُول على إِذن خطي مسبق من الناشر دَار ابْن الْجَوْزِيّ للنشر والتوزيع المملكة الْعَرَبيَّة السعودية الدمام - شَارِع ابْن خلدون ت: ٨٤٢٨١٤٦ - ٨٤٦٧٥٨٩ - ٨٤٦٧٥٩٣ ص ب: ٢٩٨٢ - الرَّمْز البريدي: ٣١٤٦١ - فاكس: ٨٤١٢١٠٠ الإحساء - الهفوف - شَارِع الجامعة ت: ٥٨٨٣١٢٢ جدة ت: ٦٥١٦٥٤٩ الرياض ت: ٤٢٦٦٣٣٩

стр. 1928

[لا يجوز الإتيان بفعل يكون وسيلة إلى حرام وإن كان جائزًا] الدلالة على المنع من وجوه (١): الوجه الأول: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [الأنعام: ١٠٨] فحرم اللَّه تعالى سَبَّ آلهة المشركين -مع كون السبِّ غيظًا وحمية للَّه وإهانة لآلهتهم- لكونه ذريعةً إلى سبِّهم (٢) اللَّه تعالى، وكانت مصلحة ترك مسبته تعالى أرجح من مصلحة سبنا لآلهتهم، وهذا كالتنبيه بل كالتصريح على المنع من الجائز لئلا يكون سببًا في فعل ما لا يجوز. الوجه الثاني: قوله تعالى: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ [النور: ٣١] فمنعهن من الضرب بالأرجُلِ وإن كان جائزًا في نفسه لئلا يكون سببًا إلى سَمْع الرجال صوتَ الخلخال فيثير ذلك دواعي الشهوة منهم إليهنَّ (٣). والوجه الثالث: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنْكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ﴾ [النور: ٥٨]-[لأنه] (٤) أمر سبحانه مماليكَ المؤمنين ومَنْ لم يبلغ منهم [الحلم] (٥) أن يستأذنوا عليهم في هذه الأوقات الثلاثة لئلا يكون دخولهم هجمًا بغير استئذان فيها ذريعةً إلى اطِّلاعهم على عَوْرَاتهم وقت إلقاء ثيابهم عند القائلة والنوم واليقظة، ولم يأمرهم بالاستئذان في غيرها وان أمكن في تركه هذه المفسدة لنُدُورها وقلة الإفضاء إليها فجُعِلت كالمقدمة (٦).

стр. 1929

الوجه الرابع: قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا﴾ [البقرة: ١٠٤] نهاهم سبحانه أن يقولوا هذه الكلمة -مع قصدهم بها الخير- لئلا يكون قولهم (١) ذريعة إلى التشبه باليهود في أقوالهم وخطابهم؛ فإنهم كانوا يخاطبون بها النبيَّ ﷺ ويقصدون بها السبَّ، يقصدون فاعلًا من الرعونة (٢)، فَنُهِيَ المسلمون عن قولها؛ سدًا لذريعة المشابهة، ولئلا يكون ذلك ذريعة إلى أن يقولها اليهود للنبي ﷺ تشبهًا بالمسلمين يقصدون بها غير ما يقصده المسلمون. [ولئلا يخاطب بلفظ يحتمل معنى فاسدًا] (٣). الوجه الخامس: قوله تعالى لكليمه موسى وأخيه هارون: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (٤٣) فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾ [طه: ٤٣ - ٤٤] فأمر سبحانه أن يُلِينَا القولَ لأعظم أعدائه وأشدهم كفرًا وأعتاهم عليه؛ لئلا يكون إغلاظُ القول له مع أنه حقيق به ذريعةً إلى تنفيره وعدم صبره لقيام الحجة، فنهاهما عن الجائز لئلا يترتب عليه ما هو أكره إليه سبحانه (٤). الوجه السادس: أنه سبحانه نهى المؤمنين في مكة عن الانتصار باليد، وأمرهم بالعفو والصفح؛ لئلا يكون انتصارهم ذَرِيعة إلى وقوع ما هو أعظم مفسدةً من مفسدة الإغضاء واحتمال الضَّيْم، ومصلحة حفظ نفوسهم ودينهم وذريتهم راجحة على مصلحة الانتصار والمقابلة (٥). الوجه السابع: أنه سبحانه نهى عن البيع وقت نداء الجمعة لئلا يُتخذ ذريعة إلى التشاغل بالتجارة عن حضورها (٦). والوجه الثامن: (٧) ما رواه حُمَيْد بن عبد الرحمن، عن عبد اللَّه بن عمرو أن رسول اللَّه ﷺ قال: "مِنَ الكبائرِ شَتْمُ الرجل والديه، قالوا: يا رسول اللَّه وهل

стр. 1930

يشتمُ الرَّجلُ والديه؟ قال: نعم، يسبُّ أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه" متفق عليه (١)، ولفظ البخاري: "إن مِنْ أكبر الكبائر أن يَلعنَ الرَّجلُ والديه، قيل: يا رسول اللَّه كيف يَلعنُ الرجلُ والديه؟ قال: يسبُّ أبا الرجل فيسب أباه، ويسب أمه فيسب أمه" فجعل رسول اللَّه ﷺ الرجل سابًا لاعنًا لأبويه بتسبّبه إلى ذلك وتوسله إليه وإن لم يقصده (٢). الوجه التاسع: أن النبي ﷺ كان يكف عن قتل المنافقين (٣) -مع كونه مصلحة- لئلا يكون ذريعة إلى تنفير الناس عنه، وقولهم: إن محمدًا يقتل أصحابه، فإن هذا القول يوجب النفور عن الإسلام ممن دخل فيه وممن (٤) لم يدخل [فيه]، ومفسدة التنفير أكبر من مفسدة ترك قتلهم، ومصلحة التأليف أعظم من مصلحة القتل (٥). الوجه العاشر: أن اللَّه سبحانه حرَّم الخمر لما فيها من المفاسد (٦) الكثيرة المترتبة (٧) على زوال العقل، وهذا ليس مما نحن فيه، لكن حرم القَطْرة الواحدة
следующие страницы →