← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 17798

إعلام الموقعين عن رب العالمين - ت مشهور

ابن القيم

Полный текст (3 107 стр.). Показаны 2206–2245 · переход к 2211.

стр. 2206

ولا (١) يدل على تضمين الغار أبدًا (٢). قيل: هذا فيه قولان للسلف والخلف، وقد نص الإمام أحمد ﵀ على أن من اشترى أرضًا فبنى فيها أو غَرَسَ ثم استحقَّتْ؛ فللمستحق قَلْعُ ذلك، ثم يرجع المشتري على البائع بما نقص، ونص في موضع آخر أنه ليس للمستحق قلعه إلا أن يضمن نقصه ثم يرجع به على البائع، وهذا أفقه النصين وأقربهما إلى العدل؛ فإن المشتري غَرَسَ وبنى غراسًا وبناءً مأذونًا فيه، [وليس] (٣) ظالمًا به، فالعرق ليس بظالم، فلا يجوز للمستحقّ قلعه حتى يضمن له نقصه، والبائع هو الذي ظلم المستحق ببيعه ماله وغرَّ المشتري ببنائه وغراسه؛ فإذا أراد المستحق الرجوع في عين ماله ضمن المغرور ما نقصَ بقلعه ثم رجع (٤) به على الظالم، وكان تضمينه له أولى من تضمين المغرور ثم تمكينه من الرجوع على الغار. ونظير هذه المسألة ما لو قبض مغصوبًا من غاصبه ببيع أو عارية أو اتهاب أو إجارة وهو يظن أنه مالك لذلك أو مأذون له فيه ففيه قولان: أحدهما: أن المالك مخيَّر بين تضمين أيهما شاء، وهذا المشهور عند أصحاب الشافعي (٥) وأحمد (٦)، ثم قال أصحاب الشافعي: إن ضمن المشتري وكان عالمًا بالغصب لم يرجع بما ضمن على الغاصب، وإن لم يعلم نظرت فيما ضمن فإن التزم ضمانه بالعقد كبدَل العين وما نقص منها لم يرجع به على الغاصب؛ لأن الغاصب لم يغره، بل دخل معه على أن يضمنه، وهذا التعليل يوجب أن يرجع بما زاد على ثمن المبيع إذا ضمنه؛ لأنه إنما التزم ضمانه بالثمن لا بالقيمة، فإذا ضمنه إياه بقيمته رجع بما بينهما من التفاوت. قالوا: وإن لم يلتزم ضمانه نظرت: فإن لم يحصل له في مقابلته منفعة كقيمة الولد ونقصان الجارية بالولادة رجع به على الغاصب لأنه غَرَّه ودخل معه على أنه لا يضمنه،

стр. 2207

وإن حصلت له به في [مقابلته] (١) منفعة كالأجرة والمهر وأرْشِ البكَارة ففيه قولان: أحدهما: يرجع به؛ لأنه غرَّه ولم يدخل معه على أن يضمنه. والثاني: لا يرجع؛ لأنه حصل (٢) له في مقابلته منفعة، وهذا التعليل أيضًا يوجب على هذا القول أن يرجع بالتفاوت (٣) الذي بين المسمَّى ومهر المثل وأجرة المثل اللذين ضمنهما؛ فإنه إنما دخل على الضمان بالمسمى، لا بعوض المثل، والمنفعة التي حصلت له إنما هي بما التزمه من المسمَّى (٤)، ومذهب الإمام أحمد وأصحابه نحو ذلك. وعَقْد الباب عندهم أنه يرجع إذا غُرم (٥) على الغاصب بما [لم] (٦) يلتزم ضمانه خاصة، فإذا غرم وهو مُودعٌ أو مُتَّهب قيمة العين والمنفعة رجع بهما؛ لأنه لم يلتزم ضمانًا (٧)، وإنْ ضَمن وهو مستأجر قيمة العين والمنفعة رجع بقيمة العين والقدر الزائد على ما بذله من (٨) عوض المنفعة، وقال أصحابنا: لا يرجع بما ضمنه من عِوَض المنفعة؛ لأنه دخل على ضمانه، فيقال لهم: نعم دخل على ضمانه بالمسمَّى لا بعوض المثل، وإنْ كان مشتريًا، وضمن قيمة العين [والمنفعة؟] (٩) فقالوا: يرجع بقيمة المنفعة دون قيمة العين؛ لأنه التزم ضمان العين ودخل على استيفاء المنفعة بلا عوض والصحيح أنه يرجع بما زاد من قيمة العين على الثمن الذي بذله، وإن كان مستعيرًا وضمن قيمة العين والمنفعة [رجع بما غرمه من ضمان المنفعة؛ لأنه دخل على استيفائها مجانًا، ولم يرجع بما ضمنه من قيمة العين؛ لأنه دخل على ضمانها بقيمتها] (١٠). وعن الإمام أحمد رواية أخرى أن ما حصل له منفعة تقابل ما غرم كالمهر والأجرة في المبيع وفي الهبة وفي العارية، وكقيمة الطعام إذا (١١) قدم له أو وهب منه (١٢) فأكله

стр. 2208

فإنه لا يرجع به؛ لأنه استوفى العوض، فإذا غرم عوضه لم يرجع به، والصحيح قوله (١) الأول؛ لأنه لم يدخل على استيفائه بعوض، ولو علم أنه يستوفيه بعوضه لم يدخل على ذلك، ولو علم الضيف أن صاحب البيت أو غيره يغرمه الطعام لم يأكله، ولو ضمّن المالك ذلك كله للغاصب جاز، ولم يرجع على القابض إلا بما (٢) يرجع به عليه، فيرجع عليه إذا كان مستأجرًا بما غرمه من الأجرة. وعلى القول الذي اخترناه إنما يرجع عليه بما التزمه من الأجرة خاصة، ويرجع عليه إذا كان مشتريًا بما غرمه من قيمة العين، وعلى القول الآخر إنما يرجع عليه (٣) بما بذله (٤) من الثمن، ويرجع عليه إذا كان مستعيرًا بما غرمه من قيمة العين؛ إذ لا مسمى هناك، وإذا كان مُتَّهِبًا أو مودعًا لم يرجع عليه بشيء، فإن كان القابض من الغاصب هو المالك فلا شيء له بما استقر عليه (٥) لو كان أجنبيًا، وما سواه فعلى الغاصب؛ لأنه لا يجب له على نفسه شيء، وأما ما لا يستقر عليه لو كان أجنبيًا بل يكون قراره على الغاصب فهو على الغاصب أيضًا هاهنا. والقول الثاني: أنه ليس للمالك مطالبة المغرور ابتداءً، كما ليس له مطالبته قرارًا، وهذا هو الصحيح، ونص عليه الإمام أحمد ﵀ في المُودِع إذا أودعها -يعني الوديعة- عند غيره من غير حاجة (٦) فتلِفَت فإنه لا يضمن الثاني إذا لم يعلم، وذلك لأنه مغرور (٧). وطَرْد هذا النص أنه لا يطالب (٨) المغرور في جميع هذه الصور، وهو الصحيح؛ فإنه مغرور (٩) ولم يدخل على أنه مطالب، فلا هو التزم المطالبة ولا الشارع ألزمه بها، وكيف يُطالب المظلوم المغرور ويُترك الظالم الغارّ؟ ولا سيما إن كان محسنًا بأخْذِهِ الوديعة ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾ [التوبة: ٩١] (١٠) ﴿إِنَّمَا

стр. 2209

السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الشورى: ٤٢] وهذا شأن الغار الظالم. وقد قضى عمر بن الخطاب ﵁ أن المشتري المغرور بالأمة إذا وطئها ثم خرجت مستَحَقَّة، وأخذ منه سيدها المهر، رجع به على البائع لأنه غَرَّه (١). وقضى علي ﵁ أنه لا يرجع به لأنه استوفى عوضه (٢). وهاتان الروايتان عن الصحابة هما قولان للشافعي [وروايتان عن الإمام أحمد] (٣)، ومالك (٤) أخذ بقول عمر، وأبو حنيفة (٥) أخذ بقول علي ﵁. وقولُ عمر أفقه لأنه لم يدخل على أنه يستمتع بالمهر، وإنما دخل على الاستمتاع بالثمن وقد بَذَله. وأيضًا فالبائع ضمن له بعقد البيع سلامَةَ الوطء كما ضمن له سلامة الولد، فكما يرجع عليه بقيمة الولد يرجع عليه بالمهر. فإن قيل: فما تقولون في أجرة الاستخدام إذا ضمنه إياها المستحق، هل يرجع بها على الغارِّ؟ قلنا: نعم يرجع بها، وقد صرح بذلك القاضي وأصحابه، وقد قضى أمير المؤمنين [عليٌّ كرم اللَّه وجهه] (٦) أيضًا بأن الرجل إذا وجد امرأته بَرْصَاء أو عَمْيَاء أو مجنونة فدخل بها فلها الصداق، ويرجع به على مَنْ غرَّه (٧). وهذا محضُ

стр. 2210

القياسِ والميزان الصحيح؛ لأن الولي لما لم يعدمه وأتلف عليه المهر لزمه (١) غرمه. فإن قيل: هو الذي أتلفه على نفسه بالدخول. قيل: لو علم أنها كذلك لم يدخل بها، وإنما دخل بها بناءً على السلامة التي غرَّه بها الولي، ولهذا لو علم العيبَ ورضي به ودخل بها لم يكن هناك فسخ ولا رجوع، ولو كانت المرأة هي التي غرَّته سقط مهرها. ونكتة المسألة أن المغرور إما محسن، وإما معذور (٢)، وكلاهما لا سبيل عليه، بل ما يلزم المغرور (٣) باستلزامه له (٤) لا يسقط عنه كالثمن في المبيع والأجرة في عقد الإجارة. فإن قيل: فالمهر قد التزمه، فكيف يرجع به؟ قيل: إنما التزمه في محل سليم، ولم يلتزمه في مَعِيبة ولا أمَةٍ مستحقة؛ فلا يجوز أن يُلْزَمَ به. فإن قيل: فهذا ينتقض عليكم بالنكاح الفاسد؛ فإن النبي ﷺ ألزمه فيه بالصداق بما استحل من فَرْجها (٥)، وهو لم يلتزمه (٦) إلا في نكاح صحيح. قيل: لما أقدم على الباطل لم يكن هناك مَنْ غَرَّه، بل كان هو الغار لنفسه، فلا يذهب استيفاء المنفعة فيه مجانًا، وليس هناك مَنْ يرجع عليه، بل لو فسد النكاح بغرور المرأة سقط مهرها، أو بغرور الولي رجع عليه.

стр. 2211

فصل [التحيل لتجويز بيع العينة] (١) ومن الحيل المحرمة الباطلة التحيلُ على جواز مسألة العِينة، مع أنها حيلة في نفسها على الربا، وجمهور الأئمة (٢) على تحريمها. وقد ذكر أرباب الحيل لاستباحتها عدة حيل (٣): منها: أن يُحْدث المشتري في السِّلْعة حدثًا ما تنقص به أو تتعيَّبُ؛ فحينئذ يجوز لبائعها أن يشتريها بأقل مما باعها [به] (٤). ومنها: أن تكون السلعة قابلةً للتجزئ فيمسك منها جزءًا ما ويبيعه بقيتها. ومنها: أن يضمَّ البائع إلى السلعة سكينًا أو منديلًا أو حلقة حديدًا أو نحو ذلك، فيمسكه (٥) المشتري ويبيعه السلعة بما يتفقان عليه من الثمن. ومنها: أن يهبها المشتري لولده أو زوجته أو مَنْ يثق به، فيبيعها الموهوب له من بائعها، فإذا قبض الثمن أعطاه للواهب. ومنها: أن يبيعه إياها نفسه (٦) من غير إحداث شيء ولا هبة لغيره، لكن يضم إلى ثمنها خاتمًا من حديد أو منديلًا أو سكينًا ونحو ذلك. ولا ريب أن العِينَةَ على وجهها أسْهَلُ من هذا التكلف (٧)، وأقل مفسدة، وإن كان الشارع قد حرم مسألة العِينَةِ لمفسدة فيها فإن المفسدة لا تزول بهذه الحيلة، بل هي بحالها، وانضم إليها مفسدة أخرى أعظم منها، وهي مفسدة المكر والخداع واتخاذ أحكام اللَّه هُزُوًا وهي أعظم المفسدتين. وكذلك سائر الحيل، لا تزيل المفسدة التي حرم لأجلها، وإنما يضم إليها مفسدة الخداع والمكر، وإن كانت العينة لا مفسدة فيها فلا حاجة إلى الاحتيال عليها. ثم إن العِينَة في نفسها من أدنى الحيل إلى الربا، فإذا تحيل عليها المحتال صارت حيلًا متضاعفة،

стр. 2212

ومفاسد متنوعة، والحقيقة والقصد معلومان للَّه وللملائكة وللمتعاقِدَيْن ولمن حضرهما من الناس، فليَصْنَعْ أربابُ الحيل ما شاءوا، وليسلكوا أية طريق سلكوا؛ فإنهم لا يخرجون بذلك عن بيع مئة بمئة وخمسين إلى سنة، فليدخلوا محلِّل الربا (١) أو يُخْرجُوه فليس هو المقصود، والمقصود معلومٌ، واللَّه لا يخادع ولا تروج عليه الحيل ولا تلبس عليه الأمور. فصل [تحيلهم لبيع المعيب دون بيان عيبه] ومن الحيل المحرمة الباطلة -إذا أراد أن يبيع سلعةً بالبراءة من كل عيب، ولم يأمن أن يردها عليه المشتري، ويقول: لم يعين لي عيب كذا وكذا؛ أن يوكل رجلًا غريبًا لا يعرف في بيعها، ويضمن للمشتري درك المبيع، فإذا باعها قبض منه ربُّ السلعة الثمن، فلا يجد المشتري مَنْ يرد عليه السلعة. وهذا غش حرام، وحيلة لا تسقط المأثم، فإن علم المشتري بصورة [الحال] (٢) فله الرد، وإن لم يعلم فهو المُفَرِّطُ، حيث لم يضمن الدرك المعروف [الذي] (٣) يتمكن من مخاصمته، فالتفريط من هذا والمكر والخداع من ذلك. فصل [إبطال حيلة لإسقاط الاستبراء] ومن الحيل المحرمة الباطلة أن يشتري جارية ويريد وطأها بملك اليمين في الحال من غير استبراء فله عدة حيل: منها: أن يزوِّجه إياها البائع قبل أن يبيعها منه، فتصير زوجته، [ثم يبيعه إياها فينفسخ النكاح، ولا يجب عليه استبراء؛ لأنه مَلَك زوجته] (٣)، وقد كان وطؤها حلالًا له بعقد النكاح؛ فصار حلالًا بملك اليمين. ومنها: أن يزوجها غيره، ثم يبيعها من الرجل الذي يريد شراءها، فيملكها [مزوجة] (٤) وفرجها عليه حرام؛ فيؤمر الزوج بطلاقها، فإذا فعل حلت للمشتري.

стр. 2213

ومنها: أن مشتريها لا يقبضها حتى يزوجها من عَبْده أو غيره، ثم يقبضها بعد التزويج، فإذا قبضها طلقها الزوج، فيطؤها سيده بلا استبراء. قالوا: فإن خاف المشتري أن لا يطلقها الزوج استوثق بأن يجعل الزوجُ أمْرَها بيد السيد، فإذا فعل طلقها [هو] (١) ثم وطئها بلا استبراء. ولا يخفى نسبة هذه الحيل (٢) إلى الشرع، ومحلها منه، وتضمنها أن بائعها يطؤها (٣) بكرةً ويطؤها (٣) المشتري عشيةً، وأن هذا مناقض لما قصده الشارع من الاستبراء، ومبطل لفائدة الاستبراء بالكلية. ثم إن هذه الحيل كما هي محرمة فهي باطلة قطعًا؛ فإن السيد لا يحل له أن يزوج موطوءته حتى يستبرئها، وإلا فكيف يُزَوِّجها لمن يطؤها ورحِمُها مشغول بمائِهِ؟ وكذلك إن أراد بَيْعَها وجب عليه استبراؤها على أصح القولين، صيانةً لمائِهِ، ولا سيما إن لم يأمن من وطء المشتري لها بلا استبراء، فههنا يتعين عليه الاستبراء قطعًا، فإذا [أراد] (٤) زوجها حيلة على إسقاط حكم اللَّه تعالى وتعطيل أمره كان نكاحًا باطلًا لإسقاط ما أوجبه اللَّه من الاستبراء، وإذا طلَّقها الزوج بناءً على صحَّة هذا النكاح الذي هو مكر وخداع واتخاذٌ لآيات اللَّه هزوًا لم يحل للسيد أن يطأها بدون الاستبراء: [فإن الاستبراء] (٥) وجب عليه بحكم المِلْك المتجدد، والنكاح العارض حال بينه وبينه، لأنه لم [يكن] (٤) يحل له وطؤها، فإذا زال المانع عَمِل المُقتضى عَمَله، وزوالُ المانع لا يزيل اقتضاء المقتضى مع قيام سبب الاقتضاء منه. وأيضًا فلا يجوز تعطيل الوصف عن موجبه ومقتضاه من غير فواتِ شرطٍ أو قيامِ مانعٍ. وبالجملة فالمفسدة التي منع الشارع المشتري لأجلها من الوطء بدون الاستبراء لم تزل بالتحيل والمكر، بل انضمَّ إليها مفاسد المَكْرِ والخداع والتحيل. [أعاجيب متناقضات أرباب الحيل] فياللَّه العجب من شيء حرم لمفسدة فإذا انضم إليه مفسدة أخرى هي أكبر من مفسدته بكثير صار حلالًا، فهو بمنزلة لحم الخنزير إذا ذبح كان حرامًا، فإن

стр. 2214

مات حَتفَ أنْفِه أو خُنِقَ حتى يموت صار حلالًا؛ لأنه لم يذبح، قال الإمام أحمد: هو حرام من وجهين، وهكذا هذه المحرمات إذا احتيل عليها صارت حرامًا من وجهين وتأكد تحريمها (١). والذي يقضى منه العجب أنهم يَجْمَعون بين سقوط الاستبراء بهذه الحيل وبين جوب استبراء الصغيرة التي لم توطأ ولا يوطأ مثلها، وبين استبراء البكر التي لم يقرعها (٢) فحل، واستبراء العجوز الهرمة التي قد أيست من الحبل والولادة، واستبراء الأمة التي يقطع ببراءة رحمها، ثم يسقطونه (٣) مع العلم بأن رحمها مشغول، فأوجبتموه حيث لم يوجبه الشارع، وأسقطتموه حيث أوجبه. قالوا: وليس هذا بعجيب (٤) من تناقضكم، بل وأعجب منه إنكار كون القرعة طريقًا لإثبات الحكم مع ورود السنة الصحيحة عن النبي ﷺ وعن أصحابه ﵃ بها (٥)، وإثبات حل الوطء بشهادة شاهدي زورٍ يعلم الزوج الواطئ أنهما شهدا بالزور على طلاقها حتى يجوز لأحد الشاهدين أن يتزوجها فيثبت الحل بشهادتهما. وأعجب من ذلك أنه لو كان له أمة هي سُرِّية يطؤها كل وقت لم تكن فراشًا له، ولو ولدت [ولدًا] (٦) لم يلحقه الولد، ولو تزوج امرأة ثم قال بحضرة الحاكم والشهود في مجلس العقد: "هي طالق ثلاثًا" وكانت (٧) بأقصى المشرق وهو بأقصى المغرب صارت فراشًا بالعقد؛ فلو أتت بعد ذلك بولد لأكثر من ستة أشهر لحقه نسبه. وأعجب من ذلك قولكم: لو منع الذميُّ دينارًا واحدًا [من الجزية، وقال:] (٨) "لا أؤديه" انتقض عَهْدُه وحَل ماله ودمه، ولو سَبَّ اللَّه تعالى ورسوله ﷺ وكتابه على رؤوسنا أقبحَ سب وحَرَق أفضل المساجد على الإطلاق

стр. 2215

واستهان بالمصحف بين أيدينا أعظم استهانة وبذلَ ذلك الدينارَ فعهدُه باقٍ ودمه معصوم. ومن العجب (١) تجويز قراءة القرآن بالفارسية، ومنع رواية الحديث بالمعنى. ومن العجب إخراجُ الأعمال عن مُسَمَّى الإيمان وأنه مجرد التصديق، والناس فيه سواء، وتكفير من يقول مُسَيْجد أو فُقَيْه (٢)، أو يُصلّي بلا وضوء (٣)، أو يلتذ بآلات الملاهي (٤)، ونحو ذلك. ومن العجب إسقاط الحد عَمَّنْ استأجر امرأة للزنا أو لكنس بيته فزنا بها، وإيجابه على مَنْ وجد امرأة أجنبية على فراشه في الظلمة فجامعها يظنها امرأته. ومن العجب التشديد في المياه حتى تنجس القناطير المقنطرة منها بقطرة بَوْل أو قطرة دم، وتجويز الصلاة في ثوب رُبْعُه مُضَمّخ بالنجاسة، فإن كانت مغلظة فبقدر راحة الكف. ومن العجب أنه لو شهد عليه أربعة [شهود] (٥) بالزنا فكذب الشهود حُدَّ، وإن صدقهم سقط عنه الحد (٦). ومن العجب [أنه] (٧) لا يصح استئجار دار لتتَّخذَ مسجدًا يعبد اللَّه سبحانه فيه، ويصح استئجارها [كي] (٨) تجعل كنيسة يعبد فيها الصليب أو بيت نار تعبد فيها النار. ومن العجب أنه لو ضحك في صلاة فقهقهَ بطل وضوءهُ (٩)، ولو غَنّى في

стр. 2216

صلاة (١) أو قَذَف المحصنات أو شهد الزور (٢) ونحو ذلك فوضوءه بحاله. ومن العجب [أنه] (٣) لو وقع في البئر نجاسة نزح منها (٤) أدْلَاء معدودة، فإذا حصل الدلو في البئر تنجَّس وغرف الماء نجسًا، وما أصاب حيطان البئر من ذلك الماء نجسها، وكذلك ما بعده من الدلاء إلى أن تنتهي النوبة إلى الدلو الأخير فإنه ينزل نجسًا ثم يصعد طاهرًا فيقشقش النجاسة كلها من قَعْر البئر إلى رأسه، قال بعض المتكلمين: ما رأيت أكرم من هذا الدلو ولا أعقل (٥). ومن العجب أنه لو حلف لا يأكل فاكهة (٦) حنث بأكل الجوز واللوز والفستق، ولو كان يابسًا قد أتت عليه السنون، ولا يحنث بأكل الرطب والعنب والرُّمان. وأعجب من ذلك تعليل هذا بأن هذه الثلاثة من خيار الفاكهة وأعلى أنواعها، فلا تدخل في الاسم المطلق. ومن العجب أنه لو حلف أن لا يشرب من النيل أو الفرات أو دِجْلَةَ فشرب بكفَّيه (٧) أو بكوز أو دَلْو من هذه الأنهار لم يحنث، فإذا شرب بفيه مثل البهائم حنث. ومن العجب أنه لو نام في المسجد وأغلقت عليه الأبواب ودَعَتْه الضرورة إلى الخلاء فطاقُ القبلةِ ومحراب المسجد أولى بذلك من مؤخر المسجد. ومن العجب أمر هذه الحيل التي لا يزداد بها المنهي عنه إلا فسادًا مضاعفًا، كيف تباح مع تلك المفسدة الزائدة بالمكر والخداع وتحرم بدونها؟ وكيف تنقلب مفاسدُهَا بالحيل صلاحًا (٨)، وتصير خمرتها خلًا، وخبثها طيبًا؟ قالوا: فهذا فصل في الإشارة إلى بيان فساد هذه الحيل على وجه التفصيل، كما تقدم الإشارة إلى فسادها وتحريمها على وجه الإجمال، ولو تتبعناها حيلة حيلة لطال الكتاب، ولكن هذه أمثلة يُحْتَذَى عليها، واللَّه الموفق للصواب (٩).

стр. 2217

فصل [قاعدة في أقسام الحيل ومراتبها] قال أرباب الحيل: قال اللَّه تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: ٢] والحيل مخارج من المضايق. والجواب إنما يتبين بذكر قاعدة في أقسام الحيل ومراتبها، فنقول [وباللَّه التوفيق] (١): هي أقسامٌ: [القسم الأول من الحيل طرق يتوصل بها إلى ما هو حرام] القسم الأول: الطرق الخفية التي يُتَوَصَّل بها إلى ما هو محرم في نفسه، بحيث لا يحل بمثل ذلك السبب بحال، فمتى كان المقصود بها محرَّمًا في نفسه فهي حرام باتفاق المسلمين، وكذلك (٢) كالحيل على أخذ أموال الناس وظُلْمهم في نفوسهم وسَفْك دمائهم وإبطال حقوقهم وإفساد ذات بَيْنهم، وهي من جنس حيل الشياطين على إغواء بني آدم بكل طريق. [تحيل الشياطين على الناس] وهم يتحيّلون عليهم [ليوقعوهم في واحدة من] (٣) ستة ولابد؛ فيتحيلون عليهم بكل طريق [أن يوقعوهم في الكفر والنفاق] (٣) على اختلاف أنواعه، فإذا عملت (٤) حيلهم في ذلك قرَّت عيونُهم، فإن عجزت حيلهم عن مَنْ صحت فطرته وتلاها شاهد الإيمان من ربه بالوحي الذي أنزله على رسوله ﷺ أعْمَلوا الحيلَةَ في إلقائه (٥) في البِدْعة على اختلاف أنواعها وقبول القلب لها وتهيئته (٦) واستعداده،

стр. 2218

فإن تَمت حِيَلهم كان ذلك أحَبَّ إليهم من المعصية، وإن كانت كبيرة، [ثم ينظرون في حال] (١) مَنِ استجاب (٢) لهم إلى البدعة؛ فإن كان مُطَاعًا مَتْبُوعًا في الناس [أمَرُوه] (١) بالزهد والتعبد ومحاسن الأخلاق والشيم، ثم أطاروا له الثناء بين الناس ليصطادوا عليه الجهال ومَنْ لا علم عنده بالسنة (٣)، وإنْ لم يكن كذلك جَعَلُوا بدعته عَوْنًا له على ظلمه أهلَ السنةِ وأذاهم والنيل منهم، وزَيَّنُوا له أن هذا انتصار لما هم عليه من الحق، فإن أَعجزتهم هذه الحيلة ومَنَّ اللَّه تعالى على العبد بتحكيم السنة ومعرفتها والتمييز بينها وبين البدعة ألقوه في الكبائر، وزيَّنوا له فعلها بكل طريق، وقالوا له: أنت على السُّنَّة، وفُسَّاقُ أهل السنة أولياء اللَّه، وعُبَّاد أهل البدعة أعداء اللَّه، وقبورُ فساق أهل السنة رَوْضَة من رياض الجنة، وقبور عُبَّاد أهل البدع حُفْرة من حفر النار، والتمسك بالسنة يُكفِّر الكبائر، كما أن مخالفة السنة تحبط الحسنات، وأهل السنة إن قَعَدَتْ بهم أعمالُهم قامت بهم عقائدهم، وأهل البدعة (٤) إذا قامت بهم أعمالهم قعدت بهم عقائدهم، وأهل السنة [هم] (٥) الذين أحسنوا الظن بربهم إذ وصَفُوه بما وصَفَ به نفسَه ووصفه به رسوله ووصفوه بكل كمال وجلال ونَزَّهُوه عن كل نقص، واللَّه تعالى عند ظن عبده به، وأهل البدع هم الذين يظنون بربهم ظَنَّ السَّوء؛ إذ يُعَطِّلُونه عن صفات كمالِه وينزهونه عنها، وإذا عَطَّلوه عنها لزم اتصافه بأضدادها ضرورة؛ ولهذا قال اللَّه تعالى في حق من أنكر صفة واحدة من صفاته وهي صفة العلم ببعض الجزئيَّات: ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [فصلت: ٢٣]، وأخبر (٦) عن الظانين باللَّه ظن السَّوْء أن ﴿عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [الفتح: ٦] (٧) فلم يتوعَّدْ بالعقاب أحدًا أعظم ممن ظن به [ظن] (٨) السوء، وأنت لا تظن به ظن السوء، فمالك وللعقاب؟ وأمثال هذا من الحق الذي يجعلونه وُصْلَة لهم، وحيلة إلى الاستهانة (٩) بالكبائر، وأخذه الأمنَ لنفسه. وهذه حيلة لا ينجو منها إلا الراسخ في العلم، العارف (١٠) بأسماء اللَّه

стр. 2219

وصفاته، فإنه كلما (١) كان باللَّه أعرف كان له أشد خشية، وكلما (٢) كان به أجْهَلَ كان أشد غرورًا به وأقل خشية. فإن أعجزتهم هذه الحيلة وعَظُم وقار اللَّه في قلب العبد هَوَّنُوا عليه الصغائر، وقالوا له: إنها تقع مُكَفَّرة باجتناب الكبائر حتى كأنها لم تكن، وربما مَنَّوه أنه إذا تاب منها -[كبائر كانت أو صغائر] (٣) - كتِبَ له مكانَ كل سيئة حسنة، فيقولون [له] (٣): كثِّر منها ما استطعت، ثم اربح مكان كل سيئة حسنةً بالتوبة، ولو قَبْلَ الموت بساعة؛ فإن أعجزتهم هذه الحيلة وخلَّصَ اللَّه عبده منها نَقَلوه إلى الفُضُول من أنواع المُبَاحات والتوسُّعِ فيها، وقالوا له: قد كان لداود مئة امرأة إلا واحدة ثم أراد تكميلها بالمئة، وكان لسليمان ابنه مئة امرأة، وكان للزبير بن العوام وعبد الرحمن بن عوف وعثمان بن عفان ﵃ من الأموال ما هو معروف (٤) وكان لعبد اللَّه بن المبارك والليث بن سعد من الدنيا وسَعَة المال ما لا يجهل، ويُنْسُوه ما كان هؤلاء من الفضل، وأنهم لم ينقطعوا عن اللَّه بدنياهم، بل ساروا بها إليه، فكانت طريقًا لهم إلى اللَّه ؛ فإن أعجزتهم هذه الحيلة -بأن تفتح بصيرة قلب العبد (٥) حتى كأنه يشاهد بها الآخرة وما أعد اللَّه فيها لأهل طاعته وأهل معصيته، فأخذ حذره، وتأهب للقاء ربه تعالى، [واستقصر مدة هذه الحياة] (٦) [في] الدنيا في جَنْب الحياة الباقية الدائمة- نقلوه إلى الطاعات [المفضولة الصغيرة] (٦) الثواب ليشغلوهُ بها عن الطاعات الفاضلة الكثيرة الثواب، [فيعمل] (٧) حيلته في تركه كل طاعةٍ كبيرة إلى ما هو دونها، [فيعمل] (٧) حيلَتَه في تفويت الفضيلة عليه؛ فإن أعجزتهم هذه الحيلة -وهيهات- لم يبق لهم إلا حيلة واحدة، وهي تسليط أهل الباطل والبِدَع والظّلَمة عليه يؤذونه، ويُنَفِّرون الناسَ عنه، ويمنعونهم من الاقتداء به؛ ليفوِّتوا عليه مصلحة

стр. 2220

الدعوة إلى اللَّه سبحانه [وعليهم] (١) مصلحة الإجابة. فهذه مجامع أنواع حيل الشيطان، ولا يُحصي أفرادها إلا اللَّه، ومن له مسكة من العقل يعرف الحيلة التي تمت عليه [من هذه الحيل، فإن كانت له همة إلى التخلص منها، وإلا فيسأل (٢) من تمت عليه] (٣)، واللَّه المستعان. [من حيل شياطين الإنس] وهذه الحيل من شياطين الجن نظيرُ حيل شياطين الإنس المجادِلين بالباطل ليدحضوا به الحق ويتوصلوا به إلى أغراضهم الفاسدة في الأمور الدينية والدنيوية وذلك كحيل القَرَامطة الباطنية على إفساد الشرائع، وحيل الرُّهْبَان على أشباه الحمير من عابدي الصليب (٤) بما يموّهون به عليهم من المخاريق والحيل كالنور المصنوع وغيره مما هو معروف عند الناس، وكحيل أرباب الإشارات من اللاذن والتيسير والتغبير (٥) وإمساك الحيَّات ودخول النار في الدنيا قبل الآخرة، وأمثال ذلك من حيل أشباه النصارى التي تروجُ على أشباه الأنعام، وكحيل أرباب الدك وخفة اليد التي تخفى على الناظرين أسبابها ولا يتفطَّنون لها (٦). [السحر وحيل السحرة] وكحيل السَّحرة على اختلاف أنواع السحر؛ فإن سحر البيان هو من أنواع التحيل: إما لكونه بلغ في اللطف والحسن (٧) إلى حد استمالة القلوب فأشبه السحر من هذا الوجه، وإما لكَوْن القادر على البيان يكون قادرًا على تحسين

стр. 2221

القبيح وتقبيح الحسن فهو أيضًا يشبه السحر من هذا الوجه أيضًا، وكذلك سحر الوَهْم أيضًا هو حيلة وهمية (١)، والواقع شاهد بتأثير الوهم والإيهام (٢)، ألا ترى أن الخشبة التي يتمكَّن الإنسان من المشي عليها إذا كانت قريبة من الأرض لا يمكن (٣) المشي عليها إذا كانت على مَهْوَاة بعيدة القَعْر، والأطباء تنهى صاحِبَ الرُّعَاف عن (٤) النظر إلى الشيء الأحمر، وتنهى المصروع عن (٤) النظر إلى الأشياء القوية اللمعان أو الدوران، فإن النفوس خلقت مطية الأوهام (٥)، والطَّبيعة فعَّالة (٦)، والأحوال الجسمانية تابعة للأحوال النفسانية، وكذلك السحر بالاستعانة بالأرواح الخبيثة إنما هو بالتحيل على استخدامها بالإشراك بها والاتصاف بهيآتها الخبيثة، ولهذا لا يعمل السحر إلا مع الأنفس الخبيثة المناسبة لتلك الأرواح، وكلما كانت النفس أخْبَثَ كان سحرها أقوى، وكذلك سحر التمزيجات -وهو أقوى ما يكون من السحر- أن يمزج بين (٧) القوى النفسانية الخبيثة الفعالة والقوى الطبيعية المنفعلة، والمقصود أن السحر من أعظم أنواع الحيل [التي ينال بها الساحِرُ غرضَه، وحيل الساحر من أصعب (٨) الحيل] (٩) وأقواها، ولكن لا تؤثر تأثيرًا مستقرًا إلا في الأنفس البطالة (١٠) المنفعلة للشهوات الضعيفة تعلقُهَا بفاطر الأرض والسموات المنقطعة عن التوجه إليه والإقبال عليه؛ فهذه النفوس محل تأثير السحر. [حيل أرباب الملاهي وغيرهم] وكحِيَلِ أرباب الملاهي والطرب على استمالة النفوس إلى محبة الصُّوَر والوصول إلى الالتذاذ بها؛ فحيلة السماع الشيطاني على ذلك من أدنى الحيل عليه، حتى قيل: أولُ ما وقع الزنا في العالم فإنما كان بحيلة اليَرَاع (١١) والغِناء، لمَّا أراد الشيطانُ ذلك لم يجد عليه حيلة أدنى من الملاهي، وكحِيَلِ اللصوص

стр. 2222

والسُّرَّاق على أخذ أموال الناس، وهم أنواع لا تُحصى؛ فمنهم السراق بأيديهم، ومنهم السراق بأقلامهم، ومنهم السراق بأمانتهم (١)، ومنهم السراق بما يظهرونه من الدِّين والفقر والصلاح والزهد وهم في الباطن بخلافه، ومنهم السراق بمَكْرِهم وخِداعهم وغشهم (٢)، وبالجملة فحيل هذا الضرب من الناس من أكثر الحيل، وتليها حيلُ عُشَّاق الصُّوَر على الوصول إلى أغراضهم فإنها تقع في الغالب خفية، وإنما تتم غالبًا على النفوس القابلة المنفعلة الشهوانية، وكحِيلَ التتار التي ملكوا بها البلاد وقهروا بها العباد وسفكوا بها الدماء واستباحوا بها الأموال، وكحِيلَ اليهود وإخوانهم من الرافضة فإنهم بيت المكر والاحتيال، ولهذا ضُرِبَت على الطائفتين الذِّلَّةُ، وهذه سنة اللَّه تعالى في كل [مكار] (٣) مخادع محتال بالباطل. [أرباب الحيل نوعان] ثم أرباب هذه الحيل نوعان: * نوع يقصد به حصول مقصوده، ولا يظهر أنه حلال، كحيل اللصوص وعشَّاق الصُّور المحرمة ونحوهما.

стр. 2223

* ونوع يظهر صاحبه أن مقصوده خير وصلاح ويُبْطِن خلافه. وأرباب النوع الأول أسلم عاقبةَ من هؤلاء؛ فإنهم أتوا البيوت من أبوابها والأمر من طريقه ووجهه، وأما هؤلاء فقَلَبوا مواضع (١) الشرع والدين، ولما كان أرباب هذا النوع إنما يباشرون الأسباب الجائزة ولا يظهرون مقاصدهم أعْضلَ أمرُهم، وعظم الخَطْبُ بهم، وصعب الاحتراز منهم، وعزَّ على العالم استنقاذ قتلاهم، فاسْتبِيحت بحيلهم الفرُوج، وأُخِذت بها الأموال من أربابها فأعطيت لغير أهلها، وعُطِّلت بها الواجبات، وضُيِّعت بها الحقوق، وعَجَّت الفرُوج والأموال والحقوق إلى ربها عجيجًا، وضجَّت مما حل بها إليه ضجيجًا، ولا يختلف المسلمون أن تعليم هذه الحيل حرام، والإفتاء بها حرام، والشهادة على مضمونها حرام، والحكم بها مع العلم بحالها حرام، والذين جَوَّزوا منها ما جوَّزه (٢) من الأئمة لا يجوز أن يظن بهم أنهم جوّزوه على وجه الحيلة إلى المحرم وإنما جوزوا صورة ذلك الفعل، ثم إن المتحيل المخادع المكَّار (٣) أخذ صورة ما أفتوا به فتوسَّل به إلى ما منعوا منه، وركَّبَ ذلك على أقوالهم وفتاواهم، وهذا فيه الكذب عليهم وعلى الشارع، مثالُه أن الشافعي رحمه اللَّه تعالى يجوّز إقرار المريض لوارثه (٤)؛ فيتخذه مَنْ يريد أن يوصي لوارثه وسيلةً إلى الوصية له بصورة الإقرار ويقول: هذا جائز عند الشافعي، وهذا كذب على الشافعي؛ فإنه لا يجوّز الوصية للوارث بالتحيل عليها بالإقرار؛ فكذلك (٥) الشافعي ﵀ يجوز للرجل إذا اشترى من غيره سِلْعة بثمن أن يبيعه إياها بأقلَّ مما اشتراها منه بناء على ظاهر السلامة (٦). ولا يجوز ذلك حيلة على بيع مئة بمئة وخمسين إلى سنة؛ فالذي يسدُّ الذرائع يمنع ذلك وبقول: هو يُتَّخذ حيلة إلى (٧) ما حرمه اللَّه تعالى ورسوله، فلا

стр. 2224

يقبل إقرار المريض لوارثه، ولا يصح هذا البيع؛ ولا سيما (١) فإن إقرار المرء شهادة على نفسه، فإذا تطرق إليها التهمة بطلت كالشهادة على غيره. والشافعي ﵀ يقول: أقبل إقراره إحسانًا للظن بالمقر، وحَمْلًا لإقراره على السلامة، ولا سيما عند الخاتمة. ومن هذا الباب احتيال المرأة على فَسْخِ نكاح الزوج بما يُعلمه إياها أربابُ المكر والاحتيال، بأن تنكر أن تكون أذِنَتْ للوليّ، أو بأن النكاح لم يصح لأن الولي أو الشهودَ [جلسوا] (٢) وقت العقد على فراش حرير، أو استندوا إلى وسادة حرير. وقد رأيتُ مَنْ يستعمل هذه الحيلة إذا طلق الزوجُ امرأته ثلاثًا، وأراد تخليصه من عار التحليل وشَنَاره أرشده إلى القدْح في صحة النكاح بفسق الولي أو الشهود، فلا يصح (٣) الطلاق في النكاح الفاسد، وقد كان النكاح صحيحًا لما كان مقيمًا معها عدة سنين، فلما أوقع الطلاق الثلاث فسد النكاح. ومن هذا احتيال البائع على فسخ البيع بدعواه أنه لم يكن بالغًا وقت العقد، أو لم يكن رشيدًا، أو كان محجورًا عليه، أو لم يكن المبيع ملكًا له ولا مأذونًا له في بيعه. فهذه الحيل وأمثالها لا يستريب مُسْلم في أنها من كبائر الإثم وأقبح المحرَّمات، وهي من التلاعب بدين اللَّه، واتخاذ آياته هزوًا، وهي حرام من جهتها في نفسها لكونها كذبًا وزورًا، وحرام من جهة المقصود بها، وهو إبطال حق وإثبات باطل. [الحيل المحرمة على ثلاثة أنواع] فهذه ثلاثة أقسام: أحدها: أن تكون الحيلة مُحرَّمة ويُقصد بها المحرَّم. الثاني: أن تكون مباحة في نفسها ويُقصد بها المحرم؛ فتصير حرامًا تحريمَ الوسائلِ كالسفر لقطع الطريق وقتل النفس المعصومة. وهذان القسمان تكون الحيلة فيهما موضوعة للمقصود الباطل المحرم، ومُفْضِية إليه، كما هي موضوعة للمقصود الصحيح الجائز ومفضية إليه؛ فإن السفر طريق صالح لهذا وهذا.

стр. 2225

الثالث: أن تكون الطريق لم توضع للإفضاء إلى المحرم، وإنما وضعت مُفْضِية إلى المشروع كالإقرار والبيع والنكاح والهبة ونحو ذلك، فيتخذها المتحيل سُلَّمًا وطريقًا إلى الحرام، وهذا معترك الكلام في هذا الباب، وهو الذي قصدنا الكلام فيه بالقصد الأول (١). [نوع رابع من الحيل ينقسم إلى ثلاثة أقسام يقصد بها أخذ حق] القسم الرابع: أن يقصد بالحيلة أخذ حقٍ أو دفع باطلٍ، وهذا القسم ينقسم إلى ثلاثة أقسام أيضًا [القسم الأول من القسم الرابع] أحدها: أن يكون الطريق محرَّمًا في نفسه، وإن كان المقصود به حقًّا، مثل أن يكون له على رجل جق فيجحده، ولا بيّنة له، فيقيم صاحبه شاهدي زور يشهدان به، ولا يعلمان ثبوتَ (٢) ذلك الحق، ومثل أن يطلق الرجل امرأته ثلاثًا، ويجحد الطلاق، ولا بينة لها، فتقيم (٣) شاهدين يشهدان أنه طلقها، ولم يسمعا الطلاق منه، ومثل أن يكون له على رجل دَيْن، وله عنده وديعة، فيجحد الوديعة، فيجحد هو الدين، أو بالعكس، ويحلف ما له عندي حق، أو ما أودعني شيئًا، وإن كان يجيز هذا من يجيز مسألةَ الظَّفر، ومثل أن تدعي عليه المرأة كسوة أو نفقة ماضية كذبًا وباطلًا، فينكر أن تكون مَكَّنته من نفسها أو سَلّمت نفسها إليه، أو يقيم شاهدي زور أنها كانت ناشزًا؛ فلا نفقة لها ولا كسوة، ومثل أن يقتل رجل وليه فيقيم شاهدي زور ولم يشهدا القتل فيشهدا أنه قَتَله، ومثل أن يموت موروثه (٤) فيقيم شاهدي زور أنه مات وأنه وارثه، وهما لا يعلمان ذلك، ونظائره ممن له حق لا شاهد له به فيقيم شاهدي (٥) زور يشهدان له به؛ فهذا يأثم على الوسيلة دون المقصود، وفي مثل هذا جاء الحديث: "أدِّ الأمانة إلى مَنِ ائتمنك، ولا تَخُنْ من خانك" (٦).

стр. 2226

فصل [القسم الثاني: أن تكون الطريق مشروعة] القسم الثاني: أن تكون الطريق مشروعة، وما تُفْضي إليه مشروع، وهذه هي الأسباب التي نصبها الشارع مُفْضِية إلى مسبَّباتها كالبيع والإجارة والمُسَاقاة والمزارعة والوكالة، بل الأسباب محل حكم (١) اللَّه ورسوله، وهي في اقتضائها

стр. 2227

لمسبباتها شرعًا على وزان الأسباب الحِسِّية في اقتضائها لمسبباتها قدرًا؛ فهذا شرع الرب تعالى وذلك قدره، وهما خلقه وأمره، واللَّه له الخلق والأمر، ولا تبديل لخلق اللَّه، ولا تغيير لحكمه، فكما لا يخالف سبحانه بالأسباب القدرية أحكامها بل يُجْريها على أسبابها (١) وما خُلِقت له؛ فهكذا الأسباب الشرعية لا يُخْرجها عن سببها وما شرعت له، بل هذه سنته شرعًا وأمرًا (٢)، وتلك سنته قضاءً وقدرًا وسنته الأمرية قد تبدل وتتغير كما يُعْصَى أمره ويخالف، وأما سنته القدرية ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ [فاطر: ٤٣]، كما لا يُعصى أمره الكوني القدري. ويدخل في هذا القسم التحيل على جلب المنافع و [على] (٣) دفع المضار، وقد ألهم اللَّه تعالى ذلك لكل حيوان، فلأنواع الحيوانات من أنواع الحيل والمكر ما لا يهتدي إليه بنو آدم. وليس كلامنا ولا كلام السلف في ذم الحيل متناولًا لهذا القسم، بل العاجز مَنْ عجز عنه، والكَيَّسُ من كان به أفْطَنَ وعليه أقْدَرَ، ولا سيما في الحرب فإنها خدعة (٤) والعجز كل العجز في ترك هذه الحيلة، والإنسان مندوب إلى الاستعاذة (٥) باللَّه تعالى من العجز والكسل؛ فالعجز عدم القدرة على الحيلة النافعة، والكسل عدم الإرادة لفعلها؛ فالعاجز لا يستطيع الحيلة، والكسلان لا يريدها، ومن لم يَحْتَلْ وقد أمكنته هذه الحيلة أضاع فرصته وفَرَّطَ في مصالحه، كما قال (٦): إذا المرء لم يَحْتَلْ وقد جَدَّ جِدَّه ... أضاع، وقَاسَى أمَرُه، وَهْوَ مُدْبِرُ وفي هذا قال بعض السلف: الأمرُ أمران: أمرٌ فيه حيلة فلا يعجز عنه (٧)، وأمر لا حيلة فيه فلا يجزع منه (٨).

стр. 2228

فصل [الاحتيال على الوصول إلى الحق بطريق مباحة لكنها لم تشرع له] القسم الثالث: أن يحتال على التوصل إلى الحق أو على دفع الظلم بطريق مباحة لم توضع مُوصلة إلى ذلك، بل وضعت لغيره، فيتخذها هو طريقًا إلى هذا المقصود الصحيح، أو تكون (١) قد وضعت له لكن تكون خفيّة ولا يفطن لها، والفرق بين هذا القسم والذي قبله أن الطريق في الذي قبله نُصبَتْ مُفْضِية إلى مقصودها ظاهرًا، فسالكها سالك للطريق المعهود، والطريق في هذا القسم نصبت مفضية إلى غيره فيتوصل بها إلى ما لم توضع له؛ فهي في الفعال كالتعريض الجائز في المقَال، أو تكون مُفْضِية إليه لكن بخَفَاء، ونذكر لذلك أمثلةً ينتفع بها في هذا الباب. [أمثلة للقسم الثالث] المثال الأول: إذا استأجر منه دارًا مدة سنين بأجرة معلومة، فخاف أن يَغدُر به المكري في آخر المدة ويتسبب إلى فسخ الإجارة بأن يظهر أنه لم تكن له ولاية الإيجار أو أن المؤجَّرَ ملكٌ لابنه أو امرأته أو أنه كان مؤجرًا قبل إيجارِه، ويتبين أن المقبوض أجرة المثل لما استوفاه من المدة وينتزع المؤجر [له] (٢) منه؛ فالحيلة في التخلّص من هذه الحيلة أن يُضَمنه المستاجر درك العين المؤجرة له أو لغيره، فإذا استحقت أو ظهرت الإجارة فاسدة رجع عليه بما قبضه منه، أو يأخذ إقرار مَنْ يخاف منه بأنه لا حق له في العين وأن كل دعوى يدعيها بسببها فهي باطلة، أو يستأجرها منه بمئة دينار مثلًا ثم يُصَارفه كل دينار بعشرة دراهم، فإذا طالبه بأجرة المثل طالبه هو بالدنانير التي وقعَ عليها العقد، فإنه لم (٣) يخف من ذلك، ولكن يخاف (٤) أن يغدر به في آخر المدة، فليقسط (٥) مبلغ الأجرة على عدد السنين، ويجعل معظمها للسنة التي يخشى غدره فيها، وكذلك إذا خاف المؤجِّرُ أن يغدر المستأجر ويرحل في آخر المدة، فليجعل معظم الأجرة على المدة التي يامن فيها [من] (٦) رحيلِهِ، والقدر اليسير منها لآخر المدة.

стр. 2229

المثال الثاني: أن يخاف ربُّ الدار غيبة المستأجر، ويحتاج إلى داره فلا يسلمها أهله إليه، فالحيلة في التخلص من ذلك أن يؤجرها ربها من امرأة المستأجر، ويضمن الزوج أن ترد إليه المرأة الدار وتفرغها متى انقضت المُدَّة، أو تضمن المرأة ذلك إذا استاجر الزوج، فمتى استأجر أحدهما وضمن الآخر الرد لم يتمكن أحدهما من الامتناع، وكذلك إن مات المستاجر فجحَدَ ورثته الإجارة وادّعوا أن الدار لهم نَفَع ربَّ الدار كفالةُ الورثة وضمانُهم رد الدار إلى المؤجِّر، فإن خاف المؤجر إفلاس المستأجر وعدم تمكنه من قبض الأجرة؛ فالحيلة أن يأخذ منه كفيلًا (١) بأجرة ما سكن أبدًا، ويسمي أجرة كل شهر للضمين، ويشهد عليه بضمانه. المثال الثالث: أن يأذن رب الدار للمستأجر أن يكون في الدار ما يحتاج إليه أو يعلف الدابة بقدر حاجتها، وخاف أن لا يحتسب له ذلك من الأجرة؛ فالحيلة في اعتداده به عليه أن يقدِّر ما تحتاج إليه الدابة أو الدار (٢)، ويسمى له قدرًا معلومًا، ويحسبه من الأجرة، ويُشهد على المؤجِّر أنه قد وكله في صَرْف ذلك القدر فيما تحتاج إليه الدار أو الدابة. فإن قيل: فهل تجَوِّزون لمن له دَيْن على رجل أن يوكله في المضاربة به أو الصدقة به أو إبراء نفسه منه أو أن يشتري له شيئًا (٣)، ويبرأ المدين إذا فعل ذلك؟ [مذهب أحمد في صور المضاربة بالدَّين] قيل: هذا مما اختلف فيه، وفي صورة المضاربة بالدَّين قولان في مذهب الإمام أحمد: أحدهما: أنه لا يجوز ذلك، وهو المشهور، لأنه يتضمن قبض الإنسان من نفسه وإبراءه لنفسه من دَيْن الغريم بفعل نفسه، لأنه متى أخرج الدين وضارب به فقد صار [المال] (٤) أمانة وبرئ منه؛ وكذلك إذا اشترى به شيئًا أو تصدق به (٥). والقول الثاني: أنه يجوز (٦)، وهو الراجح في الدليل، وليس في الأدلة

стр. 2230

الشرعية ما يمنع من جواز ذلك، ولا يقتضي تجويزُه مخالفةَ قاعدة من قواعد الشرع، ولا وقوعًا في محظورٍ من ربا ولا قمار ولا بيع غَرَرٍ، ولا مفسدة في ذلك بوجه ما؛ فلا يليق بمحاسن الشريعة المنع منه، وتجويزه من محاسنها ومقتضاها (١). وقولهم: "إنه يتضمن إبراءَ الإنسان لنفسه بفعل نفسه" كلامٌ فيه إجمال يوهم أنه هو المستقل بإبراء نفسه، وبالفعل الذي به يبرأ، وهذا إيهامٌ؛ فإنه إنما برئ بما أذن له ربُّ الدَّيْن من مُبَاشرة الفعل الذي تضمن براءَته من الدَّيْن، فأي محذور في أن يفعل فعلًا أذن له فيه ربُّ الدَّيْن، ومستحقه يتضمن براءته؟ فكيف ينكر أن يقع في الأحكام الضمنية التبعية (٢) ما لا يقع مثله في المتبوعات (٣)، ونظائر ذلك أكثر من أن تذكر؟ حتى لو وكَّله أو أذن له أن يبرئ نفسه من الدين جاز وملك ذلك، كما لو وكل المرأة أن تُطَلِّق نفسها؛ فأي فرق بين أن يقول: طلقي نفسك إن شئت (٤)، أو يقول لغريمه: أبرئ نفسك إن شئت، وقد قالوا: لو أذن لعبده في التكفير بالمال ملك ذلك على الصحيح، فلو أذن له في الإعتاق ملكه، فلو أعتق نفسه صح على أحد القولين، والقول الآخر لا يصح لمانع آخر، وهو أن الولاء للمعْتِق، والعبد ليس من أهل الولاء، نعم المحذور أن يملك إبراء نفسه من الدين بغير رضا ربه وبغير إذنه؛ فهذا هو المخالف لقواعد الشرع. فإن قيل: فالدين لا يتعين، بل هو مطلق كلي ثابت في الذمة، فإذا أخرج مالًا واشترى به أو تصدق به لم يتعين أن يكون هو الدين، ورب الدَّين لم يعينه، فهو باقٍ على إطلاقه. قيل: هو في الذمة مطلق، وكل فرد من أفراده طابقه صح أن يعيَّن عنه ويجزئ، وهذا كإيجاب الرب تعالى الرقبة المطلقة في الكفارة فإنها غير مُعيَّنةٍ، ولكن أي رقبة عيَّنها المكلف وكانت مُطَابقة لذلك المطلق تأدى بها الواجب. ونظيره ههُنَا أن أيَّ فرد عيَّنه، وكان مطابقًا لما في الذمة تعين وتأدَّى به الواجب. وهذا كما يتعين عند الأداء إلى ربه، وكما يتعين عند التوكيل في قبضه؛ فهكذا يتعين عند توكيله لمن هو في ذمته أن يعينه ثم يضارب به أو يتصدق أو يشتري به

стр. 2231

شيئًا؛ وهذا محض الفقه وموجب القياس، وإلا فما الفرق بين تعينه (١) إذا وكل الغير في قبضه والشراء أو التصدق به وبين تعيينه إذا وكَّل مَنْ هو في ذمته أن يعينه ويضارب أو يتصدق به؟ فهل يوجب (٢) التفريقَ فقهٌ أو مصلحة لهما أو لأحدهما أو حكمةٌ للشارع فيجب مراعاتها؟ فإن قيل: فجوِّزوا (٣) على هذا أن يقول له: اجْعَلِ الدَّيْنَ الذي عليك رأس مال السَّلم في كذا وكذا. [شرط صحة النقض] قيل: شرط صحة النقض (٤) أمران: أحدهما: أن تكون الصورة التي تنقض بها (٥) مُسَاوية لسائر الصور في المعنى الموجب للحكم. الثاني: أن يكون الحكم فيها معلومًا بنص أو إجماع، وكلا الأمرين مُنْتَفٍ هاهنا، فلا إجماع معلوم في المسألة وإن كان قد حُكي وليست (٦) مما نحن فيه؛ فإن المانع من جوازها رأى أنها من باب بيع الدَّيْن بالدَّيْن، بخلاف ما نحن فيه، والمجوِّز لها يقول: ليس عن الشارع نص عامِ في المنع من بيع الدَّيْن بالدَّيْن، وغاية ما ورد فيه حديث وفيه ما فيه: "أنه نَهَى عن بيع الكالئ بالكالئ" (٧) والكالئ: هو المؤخَّر، وهذا كما إذا كان رأس مال السَّلم دَيْنًا في ذمة المسلم، فهذا هو الممنوع منه بالاتفاق؛ لأنه يتضمن شغل الذمتين بغير مصلحة لهما، وأما

стр. 2232

إذا كان الدين في ذمة المسلّم إليه فاشترى به شيئًا في ذمته فقد سقط الدين من ذمته وخلفه دين آخر واجب فهذا من باب بيع الساقط بالواجب، فيجوز كما يجوز بيع الساقط بالساقط في باب المُقَاصَّة، فإن بَنَى المستأجر أو أنفق على الدابة وقال: أنفقت كذا وكذا، وأنكر المؤجِّر، فالقول قول المؤجر؛ لأن المستأجر يدعي براءة نفسه من الحق الثابت عليه، والقول قول المنكر (١). [هل ينفع إشهاد رَبِّ الدار على نفسه أنه مصدق] فإن قيل: فهل ينفعه إشْهَادُ ربِّ الدار (٢) أو الدابة على نفسه أنه مُصَدَّق فيما يدعي إنفاقه؟ قيل: لا ينفعه ذلك، وليس بشيء، ولا يُصَدَّق أنه أنفق شيئًا إلا ببينة؛ لأن مقتضى العقد ألا يقبل قوله في الإنفاق، ولكن ينتفع بعد الإنفاق بإشهاد المؤجر أنه صادق فيما يدعي أنه أنفقه، والفرق بين الموضعين أنه بعد الإنفاق مُدَّعٍ، فإذا صدقه المدَّعى عليه نفعه ذلك، وقبل الإنفاق ليس مدعيًا، فلا ينفعه (٣) شهاد المؤجر بتصديقه فيما سوف يدعيه في المستقبل؛ فهذا شيء وذاك شيء آخر. [الحيلة على أن يصدق المؤجِّر المستأجر] فإن قيل: فما الحيلة على أن يصدق المؤجر (٤) المستأجر فيما يدعيه من النفقة؟ قيل: الحيلة أن يُسْلِف المستأجر رب الدار أو الحيوان من الأجرة ما يعلم أنه بقدر الحاجة (٥)، ويشهد عليه بقبضه، ثم يدفع رب الدار إلى المستأجر ذلك الذي قبضه منه، ويوكّله في الإنفاق على داره أو دابته، فيصير أمينه فيصدَّق على ما يدَّعيه إذا كان ذلك نفقة مثله عرفًا، فإن خرج عن العادة لم يصدق به، وهذه حيلة لا يدفع بها حقًا، ولا يتوصل بها لمحرَّم (٦)، ولا يقيم بها باطلًا.

стр. 2233

[خوف رب الدار من أن يؤخر المستأجر تسليمها] المثال الرابع: إذا خاف رب الدار أو الدابة أن يُعَوّقها عليه المستأجر بعد المدة، فالحيلة في أمْنِه من ذلك أن يقول: متى حبستها بعد انقضاء المدة فأجرتها كل يوم كذا وكذا، فإنه يخاف من حَبْسها أن يلزمه بذلك (١). [استئجار الشمع ليشعله] المثال الخامس: لا يجوز استئجار الشَّمْع ليُشْعله، لذهاب عين المستأجر، والحيلة في تجويز هذا العقد أن يبيعه من الشمعة أوَاقِيَ معلومة، ثم يؤجّره إياها، فإن كان الذي أشعل منها ذلك القدر، وإلا احتسب له بما أذهبه منها، وأحْسَنُ من هذه الحيلة أن يقول: بعتك من هذه الشمعة كل أوقية منها بدرهم، قلّ المأخوذ منها أو كثر، وهذا جائز على أحد القولين في مذهب الإمام أحمد، واختاره شيخنا (٢)، وهو الصواب المقطوع به، وهو مُخَرَّجٌ على نَصِّ الإمام أحمد في جواز إجارة الدار كل شهر بدرهم (٣)، وقد أخر علي كرم اللَّه وجهه في الجنة نفسه كل دلو بتمرة (٤)، ولا محذور في هذا أصلًا، ولا يُفْضِي إلى تنازع ولا تشاحن، بل عملُ الناس في أكثر بياعاتهم عليه، ولا يضره جهالة كَمِّية المعقود عليه عند البيع؛ لأن الجهالة المانعة من صحة العقد هي التي تؤدّي إلى القمار والغَرَر، ولا يدري العاقد على أي شيء يدخل، وهذه لا تؤدي إلى شيء من ذلك، بل إن أراد قليلًا أخذ والبائع راضٍ، وإن أراد كثيرًا أخذ والبائعُ راضٍ، والشريعة لا تحرم مثل هذا ولا تمنع منه، بل هي أسمح من ذلك وأحكم. [اعتراض وردّه] فإن قيل: لكن في العقد على هذا الوجه محذوران: أحدهما: تضمنه للجمع بين البيع والإجارة. والثاني (٥): أن مورد عقد الإجارة يذهب عينه أو بعضه بالإشعال. قيل: لا محذور في الجمع بين عقدين كل منهما جائز بمفرده، كما لو باعه

стр. 2234

سلعة وأجَّره دارًا (١) شهرًا بمئة درهم، وأما ذهاب أجزاء المستأجر بالانتفاع فإنما لم يجز لأنه لم يتعوض عنه المؤجر، وعقد الإجارة يقتضي رد العين بعد الانتفاع، وأما هذا العقد فهو عقد بيع يقتضي ضمان المتلف بثمنه الذي قدر له وأجرة انتفاعه بالعين قبل الإتلاف، فالأجرة في مقابلة انتفاعه بها مدة بقائها، والثمن في مقابلة ما أذهب منها، فدعونا من تقليد آراء الرجال، ما الذي حرَّم هذا؟ وأين هو في كتاب اللَّه وسنة رسوله أو أقوال الصحابة أو القياس الصحيح الذي يكون فيه الفرع (٢) مساويًا للأصل ويكون حكم الأصل ثابتًا بالكتاب أو السنة أو الإجماع؟ وليس كلامنا في هذا الكتاب مع المقلِّد المتعصب المقرّ على نفسه بما شهد عليه به جميعُ أهل العلم أنه ليس من جملته (٣) فذاك وما اختار لنفسه، وباللَّه التوفيق. [اشتراط الزوجة دارها أو بلدها ونحو ذلك] المثال السادس: أن تشترط المرأة دارها أو بلدها أو أن لا يتزوَّج عليها، ولا يكون هناك حاكم يصحح هذا الشرط، أو تخاف أن يرفعها إلى حاكم يبطله (٤)، فالحيلة في تصحيحه أن تلزمه عند العقد بأن يقول: إن تزوَّجتُ عليك امرأة فهي طالق، وهذا (٥) الشرط يصح وإن قلنا: "لا يصح تعليق الطلاق بالنكاح" نص عليه أحمد؛ لأن هذا الشرط لما وجَبَ الوفاء به من (٦) منع التزويج بحيث لو تزوج فلها الخيار بين المقام معه ومفارقته جاز اشتراط طلاق من يتزوَّجها (٧) عليها، كما جاز اشتراط عدم نكاحها (٨)، فإن لم تتم لها هذه الحيلة فلتأخذ شرطه أنه إن تزوج عليها فأمْرُها بيدها، أو أمرُ الضرة بيدها، ويصح تعليق ذلك بالشرط (٩)؛ لأنه توكيلٌ على الصحيح، ويصح تعليق الوكالة على الشرط على الصحيح من قولي العلماء، وهو قول الجمهور ومالك (١٠) وأبي حنيفة (١١) وأحمد (١٢) ﵃ كما يصح تعليق الولاية على الشرط بالسنة الصحيحة

стр. 2235

الصريحة (١)، ولو قيل: "لا يصح تعليق الوكالة بالشرط" لصَحَّ تعليق هذا التوكيل الخاص؛ لأنه يتضمن الإسقاط، فهو كتعليق الطلاق والعتق بالشرط، ولا ينتقض هذا بالبراءة فإنه يصح تعليقها بالشرط، وقد فعله الإمام أحمد، وأصولُه تقتضي صحته، وليس عنه نص بالمنع، ولو سلم أنه تمليك لم يمنع تعليقه بالشرط كما تعلق الوصية، وأولى [بالجواز] (٢)؛ فإن الوصية تمليك مال وهذا ليس كذلك؛ فإن لم تتم لها هذه الحيلة فلتتزوجه (٣) على مَهْر مسمَّى على أنه إن أخرجها من دارها فلها مهرُ مثلها وهو أضعاف ذلك المسمى، ويقر الزوج بأنه مهر مثلها، وهذا الشرط صحيح؛ لأنها لم ترض بالمسمى، إلا بناء على قرارها (٤) في دارها، فإذا لم يَسْلم لها ذلك وقد شرطت في مقابلته زيادةً جاز، وتكون تلك الزيادة في مقابلة ما فاتها من الغرض (٥) الذي إنما أرخصت المهر ليَسْلَم لها، فإذا لم يسلم لها (٦) انتقلت إلى المهر الزائد، وقد صرح [أصحاب أبي حنيفة] (٧) بجواز مثل ذلك مع قولهم بأنه لا يصح اشتراط دارها ولا أن يتزوج عليها، وقد أغنى اللَّه سبحانه عن هذه الحيلة بوجوب الوفاء بهذا الشرط الذي هو أحق الشروط أن يُوفى به وهو مقتضى الشرع والعقل والقياس الصحيح، فإن المرأة لم ترض ببذل بُضْعها للزوج إلا على هذا الشرط، ولو لم يجب الوفاء به لم يكن العقد عن تَرَاضٍ، وكان إلزامًا لها بما لم تلتزمه وبما لم يلزمها (٨) اللَّه تعالى ورسوله [به] (٩)، فلا نص ولا قياس واللَّه الموفق. [تزوج المرأة بشرط ألا يتزوج عليها] المثال السابع: إذا خاصمته امرأته وقالت: قل: "كلُّ جارية أشتريها فهي حرة، وكل امرأة أتزوجها فهي طالق" فالحيلة (١٠) في خلاصه أن يقول ذلك ويعني

стр. 2236

بالجارية السفينة لقوله تعالى (١): ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ﴾ [الحاقة: ١١] ويمسك بيده حَصَاة أو خرقة ويقول: "فهي (٢) طالق" فيرد الكناية إليها، فإن تفقَّهت عليه الزوجة وقالت: بل قل (٣): "كل رقيقة أو أمة" فليقل ذلك وليَعْنِ فهي حُرَّةُ الخصال غير فاجرة، فإنه لو قال ذلك لم تعتق كما لو قال له رجل: "غلامك فاجر زانٍ" فقال: ما أعرفه إلا حرًا عفيفًا، ولم يرد العتق، لم يعتق. وإن تفقَّهت عليه وقالت: قل: "فهي (٤) عتيقة" فليقل ذلك ولْيَنْوِ (٥) ضد الجديدة، أي عتيقة في الرق، فإن تفقَّهت وقالت: قل: "فهي معتوقة" أو: "قد أعتقتها إن ملكتها" فليردَّ الكناية إلى حَصَاة في يده (٦) أو خرقة، فإن لم تَدَعْه أن يمسك شيئًا فليردّها إلى نفسه، ويعني أن قد أعتقها من النار بالإسلام، أو فهي حرة ليست رقيقة لأحد، ويجعل الكلام جملتين، فإن حصرته وقالت: قل: "فالجارية التي أشتريها معتوقة" فليقيّد ذلك بزمَن معين، أو مكان معين في نيته (٧) ولا يحنث بغيره، فإن حصرته وقالت: من غير تورية ولا كناية ولا نية تخالف قولي، وهذا (٨) آخر التشديد، فلا يمنعه ذلك من التورية والكناية، وإن قال بلسانه: "لا أوري ولا أكني" والتورية والكناية في قلبه، كما لو قال: "لا أستثني" بلسانه ومن نيته الاستثناء [بقلبه] (٩)، ثم استثنى فإنه ينفعه، حتى لو لم ينو الاستثناء ثم عزم عليه واستثنى نَفعه ذلك بالسنة الصحيحة الصريحة التي لا معارض لها بوجه في غير حديث، كقول المَلَكِ لسليمان: قل إن شاء اللَّه (١٠)، وقول النبي ﷺ : "إلا الإذْخِرَ" (١١) بعد أن ذَكَّره به

стр. 2237

العباس، وقوله ﵇: ["إن شاء اللَّه" بعد أن قال] (١): "لأغْزُوَنَّ قريشًا، ثلاث مرات" ثم قال بعد الثلاثة وسكوته: "إن شاء اللَّه" (٢) والقرآن صريح في نفع الاستثناء إذا نسيه أو لم ينوه في أول كلامه ولا أثناءه في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤]، وهذا إما أن يختصَّ بالاستثناء إذا نسيه كما فسرَّه به جمهور المفسرين، أو يعمَّه ويعم غيره وهو الصواب (٣)؛ فأما أن يخرج منه الاستثناء الذي سِيقَ الكلامُ لأجله ويرد إلى غيره فلا يجوز، ولأن الكلام الواحد لا يعتبر في صحته نية كل جملة من جُمَله وبعضٍ من أبعاضه؛ فالنص والقياس يقتضي نفع الاستثناء، وإن خطر له بعد انقضاء الكلام، وهذا هو الصواب المقطوع به (٤).

стр. 2238

[إجارة الأرض المشغولة بالزرع] المثال الثامن: لا تصح إجارة الأرض المشغولة بالزرع (١)، فإن أراد ذلك فله حيلتان جائزتان: إحداهما: أن يبيعه الزرع ثم يؤجِّره الأرض، فتكون الأرض مشغولة بملك المستأجر، فلا يقدح في صحة الإجارة، فإن لم يتمكن من هذه الحيلة لكون الزرع لم يَشْتَدَّ أو كان زرعًا للغير انتقل إلى. . . الحيلة الثانية: وهي أن يؤجره إياها لمدة تكون بعد أخذ الزرع، ويصح هذا بناء على صحة الإجارة المضافة. [استئجار الأرض بخراجها مع الأجرة] المثال التاسع: لا تصح إجارة الأرض على أن يقوم المستأجر بالخَرَاج مع الأجرة، أو يكون قيامه به هو أجرتها، ذكره القاضي؛ لأن الخراج مؤنة تلزم المالك بسبب تمكّنه من الانتفاع؛ فلا يجوز نقله إلى المستأجر. والحيلة في جوازه أن يُسَمِّي مقدار الخراج، ويضيفه إلى الأجرة -قلت: ولا يمنع أن يؤجره الأرض بما عليها من الخراج إذا كان مقدارًا معلومًا لا جهالة فيه- فيقول: أجرتكها بخراجها تقوم به عني، فلا محذور في ذلك، ولا جهالة، ولا غَرَر، وأي فرق بين أن يقول: آجرتك كل سنة بمئة أو بالمئة التي عليها كل سنة خراجًا؟ فإن قيل: الأجرة تدفع إلى المؤجِّر والخراج إلى السلطان. قيل: بل تدفع الأجرة إلى المؤجر أو إلى مَن أذن له بالدفع إليه، فيصير وكيله في الدفع (٢). [استئجار الدابة بعلفها] المثال العاشر: لا يصح أن يستأجر الدابة بعَلَفها لأنه مجهول. والحيلة في جوازه أن يسمّي ما يعلم أنها تحتاج إليه من العلف فيجعله أجرة ثم يوكّله في إنفاق ذلك عليها. وهذه الحيلة غير محتاج إليها على أصلنا؛ فإنا نجوِّز أن يستأجر الظِّئرَ (٣) بطعامها وكسوتها والأجيرَ بطعامه وكسوته، فكذلك إجارة الدابة

стр. 2239

بعلفها وسقيها (١). فإن قيل: عَلَفُ الدابة على مالكها، فإذا شرطه على المستأجر فقد شرط ما ينافي مقتضى العقد، فأشبه ما لو شرط في عقد النكاح أن تكون نفقة الزوجة على نفسها. قيل: هذا من أفسد القياس؛ لأن العلف قد جعل في مقابلة الانتفاع فهو نفسه أجرة مغتفرة جهالتها اليسيرة للحاجة، بل الحاجة إلى ذلك أعظم من حاجة استئجار الأجير بطعامه وكسوته؛ إذ يمكن الأجير أن يشتري له بالأجرة، ذلك، فأما الدابة فإن كَّلف ربَّها أن يصحبها ليعلفها شق عليه ذلك فتدعو الحاجة إلى قيام المستأجر عليها، ولا يظن به تفريطه في علفها لحاجته إلى ظهرها، فهو يعلفها لحاجته وإن لم يمكنها مخاصمته (٢). [الإجارة مع عدم معرفة المدة] المثال الحادي عشر: إذا أراد أن يستأجر دارًا أو حانوتًا، ولا يَدْرِي مدة مقامه، فإن استأجره سنة فقد يحتاج إلى التحول قبلها. فالحيلة أن يستاجر كل شهر بكذا وكذا، فتصح الإجارة وتلزم في الشهر الأول، وتصير جائزة فيما بعده من الشهور، فلكل واحد منهما الفسخ عقيب كل شهر إلى تمام يوم، وهذا قول أبي حنيفة، وقال الشافعي: الإجارة فاسدة، وعن أحمد نحوه، والصحيح الأول؛ فإذا خاف المستأجر أن يتحول قبل تمام الشهر الثاني فيلزمه أجرته فالحيلة أن يستأجرها كل أسبوع بكذا، فإن خاف التحول قبل الأسبوع استأجرها كل يوم بكذا، ويصح ويكون حكم اليوم كحكم الشهر. [شراء الوكيل ما وُكِّل فيه لنفسه] المثال الثاني عشر: لو وكله أن يشتري له جارية معينة، فلما رآها الوكيل أعجبته وأراد شراءها لنفسه من غير إثم يدخل عليه ولا غدر بالموكِّل جاز ذلك

стр. 2240

لأن شراءه لنفسه عَزْل لنفسه وإخراج لها من الوكالة، والوكيل يملك عزل نفسه في حضور الموكِّل وغيبته، وإذا عزل نفسَه واشترى الجارية لنفسه بماله ملكها، وليس ذلك بيع على بيع أخيه ولا شراء على شراء أخيه (١)، إلا أن يكون سيَّدها قد ركن إلى الموكل وعزم على إمضاء البيع له؛ فيكون شراء الوكيل لنفسه حينئذ حرامًا لأنه شراء على شراء أخيه، ولا يقال: "العقد لم يتم والشراء على شرائه هو أن يطلب من البائع فَسْخَ العقد في مدة الخيار ويعقد معه هو" لعدة أوجه: أحدها: أن هذا حمل الحديث على الصورة النادرة، والأكثر خلافها. الثاني: أن النبي ﷺ قَرَن ذلك بخطبته على خطبة أخيه (٢)، وذلك إنما يكون قبل عقد النكاح. الثالث: أنه ﷺ نهى أن يَسُومَ على سَوْم أخيه (٣)، وذلك أيضًا قبل العقد. الرابع: أن المعنى الذي حَرَّم الشارع لأجله ذلك لا يختص بحالة الخيار، بل هو قائم بعد الركون والتراضي وإن لم يعقداه كما هو قائم بعد العقد. الخامس: إن هذا تخصيص لعموم الحديث بلا موجب، فيكون فاسدًا، فإن شراءه على شراء أخيه متناول لحال الشراء وما بعدهُ، والذي غَرَّ من خَصَّه بحالة الخيار ظنه أن هذا اللفظ إنما يصدق على من اشترى بعد شراء أخيه، وليس كذلك، بل اللفظ صادق على القسمين. السادس: أنه لو اختص اللفظ بما بعد الشراء لوجب تعديته بتعدية علته إلى حالة السَّوْم. أما (٤) على أصل أبي حنيفة فلا يتأتَّى ذلك؛ لأن الوكيل لا يملك عزل نفسه في غيبة الموكل، فلو اشتراها لنفسه لكان عزلًا لنفسه في غيبة موكله، وهو لا يملكه (٥). قالوا: فالحيلة في شرائها لنفسه أن يشتريها بغير جنس الثمن الذي وكِّل أن يشتري به، وحينئذ فيملكها (٦)؛ لأن هذا العقد غير الذي وُكل فيه، فهو بمنزلة ما لو وكله في شراء شاة فاشترى فرسًا؛ فإن العقد يكون للوكيل دون الموكِّل؛ فإن أراد الموكل الاحتراز من هذه الحيلة وأنْ لا يمكنَ الوكيلَ من شرائها لنفسه

стр. 2241

فليشهد عليه أنه متى اشتراها لنفسه فهي حرة؛ فإن وكل الوكيل من يشتريها له انبنى ذلك على أصلين: أحدهما: أن الوكيل هل له أن يوكل أم لا؟ والثاني: أن مَنْ حلف لا يفعل شيئًا؛ فوكَّل في فعله هل يحنث أم لا؟ وفي الأصلين نزاع معروف، فإن وكله رجل في بيع جارية ووكله آخر في شرائها، وأراد هو شراءها لنفسه فالحكم على ما تقدم، غير أن هاهنا أصلًا، آخر، وهو أن الوكيل في بيع الشيء هل يملك بيعه لنفسه؟ فيه روايتان عن الإمام أحمد (١): إحداهما: لا يملك ذلك سَدًّا للذريعة؛ لأنه لا يَستقصي في الثمن. والثانية: يجوز إذا زاد على ثمنها في النداء لتزول التهمة؛ فعلى هذه الرواية يفعل ذلك من غير [حاجة إلى] (٢) حيلة، والثانية لا يجوز فعل هذا، وهل يجوز (٣) له التحيل على ذلك؟ فقيل: له أن يتحيل عليه بأن يدفع إلى غيره دراهم ويقول له: اشْتَرِها لنفسك، ثم يتملَّكها منه، والذي تقتضيه قواعد المذهب أن هذا لا يجوز؛ لأنه تحيل على التوصل إلى فعل محرم، ولأن ذلك ذريعة إلى عدم استقصائه واحتياطه في البيع، بل يسامح في ذلك لعلمه أنَّها تصيرُ إليه، وأنه هو الذي يزن الثمن، ولأنه يعرض نفسه للتهمة، ولأن الناس يرون ذلك نوع غَدْر ومكر؛ فمحاسن الشريعة تأبى الجواز. فإن قيل: فلو وكله أحدهما في بيعها والآخر في شرائها ولم يُرد أن يشتريها لنفسه؛ فهل يجوز ذلك؟ قيل: هذا ينبني على شراء الوكيل في البيع لنفسه؛ فإن أجزناه هناك جاز هاهنا بطريق الأولى، وإن منعناه هناك، فقال القاضي: لا يجوز أيضًا هاهنا؛ لتضاد الغرضين؛ لأن وكيل البيع يستقصي في زيادة الثمن، ووكيل الشراء يستقصي في نقصانه؛ فيتضادان، ولم يذكر غير ذلك، ويتخرَّج الجواز -وإن منعنا الوكيل من الشراء لنفسه من نص أحمد- على جواز كون الوكيل في النكاح وكيلًا من الطرفين، وكونه أيضًا وليّا من الطرفين، وأن يَلِي بذلك على إيجاب العقد وقَبُوله، ولا ريب أن التهمة التي تلحقه في الشِّرَاء لنفسه أظهر من التهمة التي تلحقه في الشراء لموكله.

стр. 2242

والحيلة الصحيحة. في ذلك كله أن يبيعها بيعًا بتاتًا ظاهرًا لأجنبي يثق به، ثم يشتريها منه شراء مستقلًا؛ فهذا لا بأس به، واللَّه أعلم. [حيلة في التخلص من طلاق امرأته] المثال الثالث عشر: إذا قال الرجل لامرأته: "الطلاق يلزمني لا تقولين لي شيئًا إلا قلتُ لك مثله"، فقالت له: أنت طالق ثلاثًا. فالحيلة في التخلّص من أن يقول لها مثل ذلك أن يقول لها: قلتِ لي: أنتَ طالق ثلاثًا. قال أصحاب الشافعي: وفي هذه الحيلة نظر لا يخفى؛ لأنه لم يقل لها مثل ما قالت له، وإنما حكَى كلامَها من غير أن يقول لها نظيره. ولو أن رجلًا سبَّ رجلًا فقال له المسبوب: "أنت قلت لي: كذا وكذا" لم يكن قد ردّ عليه عند أحد، [لا] (١) لغةً ولا عرفًا؛ فهذه الحيلة ليست بشيء. وقالت طائفة أخرى: الحيلة أن يقول لها: "أنْتَ طالق ثلاثًا" -بفتح التاء- فلا تطلق، وهذا نظير ما قالت له سواء، وهذه وإن كانت أقْرَبَ من الأولى؛ فإن المفهوم المتعارف لغةً وعقلًا وعُرْفًا من الرد على المرأة أن يخاطبها خطاب المؤنث؛ فإذا خاطبها خطاب المذكر لم يكن ذلك ردًا ولا جوابًا، ولو فرض أنه ردّ لم يمنع وقوع الطلاق بالمُوَاجهة وإن فتح التاء، كأنه قال: [أيها] (٢) الشخص أو الإنسان. وقالت طائفة أخرى: الحيلة في ذلك أن يقول: أنْتِ طالق ثلاثًا إن شاء اللَّه، أو إن كلمتِ السلطان، أو إن سافرت، ونحو ذلك؛ فيكون قد قال لها نظير ما قالت، ولا يضر زيادة الشرط، وهذه الحيلة أقرب من التي قبلها، ولكن في كون المتكلم بها رادًا أو مجيبًا نظر لا يخفى؛ لأن الشرط وإن تضمن زيادة في الكلام لكنه يخرجه عن كونه نظيرًا لكلامها، ومِثْلًا له، وهو إنما حلف أن يقول لها مثل ما قالت له، والجملة الشرطية ليست مثل الجملة الخبرية، بل الشرط يدخل على الكلام التام فيصيّره ناقصًا يحتاج إلى الجواب، ويدخل على الخبر فيقلبه إنْشَاءً، ويغير صورة الجملة الخبرية ومعناها، ولو قال رجل لغيره: "لعنك اللَّه"، فقال له: "لعنك اللَّه إن بَدَّلْتَ دينك أو ارتددت عن الإسلام" لم يكن سابًا له، ولو قال له:

стр. 2243

"يا زان (١) " فقال: "بل أنت زانٍ إن وطئت فرجًا حرامًا" لم يكن الثاني قاذفًا [له] (٢). ولو بذلَتْ له مالًا على أن يطلقها، فقال: أنتِ طالق إن كلَّمتِ السلطان، لم يستحق المال، ولم يكن مُطَلقًا. وقالت طائفة أخرى: لا حاجة إلى شيء من ذلك، والحالف لم تدخل هذه الصورة في عموم كلامه، وإن دخلت فهي من المخصوص بالعرف والعادة والعقل؛ فإنه لم يرد هذه الصورة قطعًا، ولا خطرت بباله، ولا تناولها لفظه؛ فإنه إنما تناول لفظه القول الذي يصح أن يُقال له، وقولُها: "أنْتَ طالق ثلاثًا" ليس من القول الذي يصح أن يواجَهَ به؛ فهو لغو محضٌ وباطل، وهو بمنزلة قوله (٣): "أنت امرأتي" وبمنزلة قول الأمة لسيدها: "أنتَ أمتي وجاريتي" ونحو هذا من الكلام اللغو الذي لم يدخل تحت لفظ الحالف ولا إرادته، أما عدم دخوله تحت إرادته فلا إشكال فيه، وأما عدم تناول لفظه له؛ فإن اللفظ العام إنما يكون عامًا فيما يصلح له وفيما سيق لأجله. وهذا أقوى من جميع ما تقدم، وغايته تخصيص العام بالعُرْف والعادة، وهذا أقرب لغةً [وعرفًا] (٤) وعقلًا وشرعًا من جعل ما تقدم مطابقًا ومماثلًا لكلامها مثله، [فتأمله] (٥)، واللَّه الموفق. [الإحرام وقد ضاق الوقت] المثال الرابع عشر: إذا خاف الرجل لضيق الوقت أن يحرم بالحج فيفوته فيلزمه القضاء ودم الفوات؛ فالحيلة أن يحرم إحرامًا مطلقًا ولا يعيّنه؛ فإن اتسع له الوقت جعله حجًا أو قِرانًا أو تمتعًا، وإن ضاق عليه الوقت جعله عمرة، ولا يلزمه غيرها. [من جاوز الميقات غير محرم] المثال الخامس عشر: إذا جاوز الميقات غير محرم لزمه الإحرام ودم لمجاوزته للميقات غير محرم. فالحيلة في سقوط الدم عنه أن لا يحرم من

стр. 2244

موضعه، بل يرجع إلى الميقات فيحرم منه؛ فإن أحرم من موضعه لزمه الدم، وإلا (١)؛ فيسقط برجوعه إلى الميقات. [حيلة للبر في يمين] المثال السادس عشر: إذا سُرق له متاع، فقال لامرأته: إن لم تخبريني مَنْ أخذه فأنت طالق ثلاثًا، والمرأة لا تعلم مَنْ أخذه، فالحيلة في التخلص من هذه اليمين أن تذكر الأشخاص التي لا يخرج المأخوذ عنهم [وهذا لا يتأتى إلا فيما إذا علم أن السارق أحدهم واشتبه وجهلت عينه] (٢)، ثم تفرد كل واحد واحد، وتقول: هو أخذه؛ فإنها تكون مُخْبرة عن الآخذ وعن غيره فيبرّ في يمينه ولا تطلق. [ادعاء المرأة نفقة ماضية] المثال السابع عشر: إذا ادَّعَتِ المرأة النفقة والكسوة لمدة ماضية، فقد اختلف في قبول دعواها، فمالك وأبو حنيفة (٣) [لا يقبلان (٤) دعواها، ثم اختلفا في مأخذ الرد؛ فأبو حنيفة] (٥) يسقطها بمضي الزمان، كما يقوله منازعوه في نفقة القريب، ومالك لا يسمع الدعوى التي يكذّبها العرف والعادة، ولا يُحلف [عنده] (٦) فيها، ولا يُقبل فيها بينة (٧)، كما لو كان رجل حائزًا دارًا متصرفًا (٨) فيها مدة السنين الطويلة بالبناء والهَدْم والإجارة والعمارة وينسبها إلى نفسه ويضيفها إلى ملكه وإنسان حاضر يراه ويشاهد أفعاله فيها طول هذه المدة ومع ذلك لا يعارضه فيها، ولا يذكر أن له فيها حقًا، ولا مانع يمنعه من خوف أو شركة في ميراث، ونحو ذلك، ثم جاء بعد تلك المدة فادّعاها لنفسه، فدعواه غير مسموعة فضلًا عن إقامة بينته (٩). قالوا: وكذلك إذا كانت المرأة مع الزوج مدة سنين يشاهده الناسُ والجيرانُ داخلًا ببيته بالطعام والفاكهة واللحم والخبز، ثم ادعت بعد ذلك أنه لم ينفق عليها [في] (١٠) هذه المدة؛ فدعواها غير مسموعة، فضلًا عن أن

стр. 2245

يحلف لها، أو يسمع لها بينة. قالوا: وكل دعوى ينفيها (١) العرف وتكذبها العادة فإنها مرفوضة غير مسموعة. وهذا المذهب هو الذي نَدينُ اللَّه به، ولا يليق بهذه الشريعة الكاملة سواه، وكيف يليق بالشريعة أن تسمع مثلَ هذه الدعوى التي قد علم اللَّه وملائكته والناس أنها كذب وزور؟ وكيف تَدَّعي المرأة أنها أقامت مع الزوج ستين سنة أو أكثر لم ينفق عليها فيها يومًا واحدًا ولا كساها فيها ثوبًا، ويقبل قولها عليه، ويُلزم بذلك كله؟ ويقال: الأصل معها! وكيف يعتمد على أصل يكذّبه العرف والعادة والظاهر الذي بلغ في القوة إلى حد القطع؟ والمسائل التي يقدَّمُ فيها الظاهر القوي على الأصل أكثر من أن تحصى (٢)، ومثل هذا المذهب في القوة مذهب أبي حنيفة، وهو سقوطها بمضي الزمان؛ فإن البيّنة قد قامت بدونها؛ فهي كحق المبيت والوطء. ولا يعرف أحد من أصحاب رسول اللَّه ﷺ مع أنهم أئمة الناس في الورع والتخلص من الحقوق والمظالم- قضى لامرأة بنفقة ماضية، أو استحلّ امرأة منها، ولا أخبر النبي ﷺ بذلك امرأة واحدة منهن، ولا قال لها: ما مضى من النفقة حق لك عند الزوج؛ [فإنْ شئتِ فطالبيهِ (٣)، وإنْ شئتِ حللتيه (٤)، وقد] (٥) كان النبي ﷺ يتعذَّر عليه نفقة أهله أيامًا حتى سألنه إياها (٦)، ولم يقل لهن (٧): هي باقية في ذمتي حتى يوسِّع اللَّه وأقضيكنَّ، ولما وَّسع اللَّه عليه لم يقض لامرأة منهن ذلك، ولا قال لها: هذا عِوَض عمَّا فاتك من الإنفاق، ولا سمع الصحابة ﵃ لهذه المسألة خبرًا؛ وقول عمر ﵁ للغياب: "إما أن تطلِّقوا وإما أن تَبْعثوا بنفقة ما مضى" (٨) في
следующие страницы →